← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] . وآيات الله في القرآن تسوي بين مصير المظلومين الذين يسكتون على الظلم، وبين الظالمين الذي ينزلون الظلم بالناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] . وفي المقابل يشيد القرآن بالذين يتناصرون لمقاومة الظلم، ويستنهض هممهم لمنازلته: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٣٩-٤٢] . والرسول ﷺ يجعل خنوع الأمة، وعدم تناصرها لمقاومة الظلم من العلامات الدالة على موتها، وانتهاء مبررات وجودها: "إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم فقد تودع منها" ١. ويقول أيضا: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع تغير

стр. 317

على الخاصة. فإم لم تغير العامة على الخاصة عذب الله العامة والخاصة" ١. ويؤكد ﷺ أن موالاة الظلمة تخرج من الإسلام في الدنيا، وتحرم من شفاعته في الآخرة: "سيكون من بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض. ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض" ٢. وكان من ثمار هذه التربية النبوية أن قامت روابط النصرة في مجتمع الراشدين على تعشق العدل والتضحية في سبيله، وصارت طاعة الحاكم مرهونة بدرجة تقيده بالعدل واحترام الحريات. كان عمر بن الخطاب في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار فقال: "أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا. فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا. فقال بشر بن سعد: لو رفعت ذلك قومناك تقويم القداح -أي السهم. فقال عمر: أنتم إذا! أنتم إذا"٣. "أي أنتم إذن الممثلون للأمة المسلمة الحقة". وجميع مواقف عمر كانت من جنس هذا الموقف؛ لأن عمر كان حاكما مربيا يرسي تقاليد ثقافة جديدة في السياسة والاجتماع، والاقتصاد ويريد هذه الثقافة أن تتحدر في تاريخ الأمة، وأن يصبح العدل والحرية محور هذه الثقافة والسمة المميزة لنظمها، وقيمها وأعرافها. ٣- نصرة الحرية في مجابهة الاستبعاد: وهذا المظهر من مظاهر النصرة يمثل عقيدة التوحيد، ويجسدها في واقع اجتماعي يصهر الفروق بين الأفراد والجماعات. وذلك كان غياب

стр. 318

الحرية في حقيقته هو غياب التوحيد؛ لأن حقيقة التوحيد أن لا يخشى الإنسان الموجد إلا الله. وغياب الحرية معناه خشية غير الله. ولقد فسر الطبري قوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ أن معنى لا يشركون بي شيئا هو أنهم لا يخافون غيري من جبابرة السلاطين والأشخاص"١. وهذا يضع على التربية الإسلامية مسئولية كبيرة في تنمية تعشق -الحرية- ونصرتها والغيرة عليها والدفاع عنها إذا انتهكت كالغيرة على الأعراض والحرمات. ويتفرع عن ذلك تنمية الوعي بقيمة التعبير عن الرأي؛ لأن الأمة التي يوجهها عنصر -النصرة- أمة تدرك قيمة النقد الذاتي -أو التوبة حسب التعبير الإسلامي- وأثره في دوام صحتها وعافيتها، فلا تتراكم آثار الممارسات الخاطئة حتى تنفجر في فتن مدمرة تأتي على كيان الأمة دفعة واحدة. ولا بد للتربية الإسلامية أن تدرب متعلميها على ممارسة كلا من حرية الرأي، والنقد الذاتي بحيث تنطبق عليها المواصفات التي توجه إليها أمثاله قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ و ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ٢ وبذلك لا يتحول النقد أو التعبير إلى سباب، ومهاترات تزرع الأحقاد وتبذر الفتن، وإنما تقوم على تشخيص الظواهر الاجتماعية وتحليل مقدماتها، ونتائجها بغية التعرف على الممارسات والمسارات الخاطئة للتوبة منها، واكتشاف الصحيحة للرجوع إليها. ونحن نلمح في طريقة نزول الوحي ما يشجع على ظاهر -التعبير عن الرأي الرفيع- والتساؤل البناء، فحينما تساءلت نسيبة بنت كعب المشهورة بأم عمارة، وصاحبة المواقف البطولية في أحد وحروب الردة، فقالت: يا نبي الله! ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ

стр. 319

وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . ومع اعتقادنا الراسخ بكمال العلم الإلهي، إلا أننا نرى في مناسبة الآية واستجابة الوحي لطلب -نسيبة- وأخواتها بعض مظاهر الحكمة الإلهية التي شكلت الأحداث لتعلم جيل الصحابة -والأمة المسلمة درسا في التعبير عن الرأي، وأهميته ولو كان الذي يعبر عن رأيه امرأة، ولو كان الموضوع الذي يدور حوله التساؤل هو أسلوب الوحي!! فإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من بني البشر من هو التساؤل والنقد الإيجابيين!! وعلى هذا المنهج سارت الحياة في المجتمع النبوي والعهد الراشدي. فحين تولى عمر بن الخطاب الخلافة -مثلًا- كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل من الشام رسالة مشتركة يذكرانه بالمسئولية التي عهدت إليه ويحذرانه مغبة القصور عنها. ومما جاء فيها: "أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكلٍّ حصته من العدل، فأنت كيف أنت عند ذلك يا عمر! فإنا نحذرك يوما تعيى فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتقطع فيه الحجج، يملك قهرهم بجبروته، والخلق داخرون له، يرجون رحمته ويخافون عقابه". وتلقى عمر الكتاب فلم تأخذه عزة السلطان، وإنما شكر لهما النصيحة والتواصي، وكتب يطمئنهما إلى ما أوصيا به ثم أضاف: "كتبتما به نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما. فإنكما تكتبان به وقد صدقتما فلا تدعا الكتاب إلي، فإني لا غنى بي عنكما والسلام عليكما"١.

стр. 320

وكما أسلفنا فإن أمثال عمر لم يتعدوا أصابع اليد في تاريخ المسلمين. لذلك فإن من ضمانات مبادئ الحرية، والعدل التي أراد عمر إرساءها واستمرار "نصرتهما" أن لا تترك هذه المبادئ إلى ورع الحاكم، وأخلاقه بل تحرس بالتشريع وبالمؤسسات، وأن لا يكون هناك حكم دائم مدى الحياة، ولا سلطة فردية مطلقة؛ لأن دوام الحكم وفردية التصرف معناه العصمة من الخطأ، والعصمة معناها عدم النقد بل تحريمه وتجريم فاعله، وعدم النقد معناه تشجيع الحاكم على الطغيان، وبقاء الطغيان والظلم مدى الحياة معناه أحد مصيرين: إما أن تمضي الأمة في أطوار المرض حتى الوفاة، وإما أن لا تجد الأمة سبيلًا للتخلص من الطاغية إلا بالانقلابات، والثورات الدموية والفتن المدمرة!! التي تنتهي إلى مرض الأمة وموتها. ولتجنب هذه السلسلة من السلبيات، والمضاعفات المهلكة لا بد للتربية الإسلامية أن ترفع انتخاب الحاكم، وجماعية القيادة وتقنين القيم السياسية، وتحديد فترة الحكم إلى مرتبة فروض الدين؛ لأن هذا ما توجه إليه روح الشورى التي يوجه إليها القرآن الكريم وتطبيقات السنة، وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب حين قال: "لا خلافة إلا عن مشورة"١. والواقع إن النظام الرئاسي وما يرافقه من المؤسسات، والتشريعات الذي تطبقه أمم غير مسلمة -كالولايات المتحدة الأمريكية- هو أقرب إلى روح الإسلام من أنظمة الحكم القائمة في العالم الإسلامي؛ لأن هذه الأنظمة في حقيقتها ردة إلى تقاليد العصبية القبلية التي تمنح شيخ القبيلة هيمنة مطلقة في السلطان، والتملك وتوريث ذلك للأبناء والأحفاد من بعده. وثمة مظهر آخر من مظاهر نصرة الحرية في مواجهة الاستبعاد هو أن

стр. 321

تعمل التربية على التحرر من الآبائية، وعلى اتخاذ موقف علمي من التراث المتحدر من الماضي. واتخاذ هذا الموقف يتطلب من العقل المسلم أن يتحرر من المقولة المتلبسة لباس الورع والولاء الإسلامي: مقولة عدم الخوض فيما اختلف عليه السلف، وترك خلافاتهم إلى الله تعالى ثم الزعم أن هذه المقولة هي منهج أهل السنة والجماعة إزاء القضايا، التي اختلف حولها السلف في ميادين السياسة والفكر خاصة فيما يتعلق بالتحول المصيري، الذي أحدثته سياسات طلقاء مكة، والأمويين في مستقبل الأمة الإسلامية. فهذه المقولة تخلط -أو تشيع المغالطة- بين أمرين اثنين هما: "اللعن" و"النقد الإيجابي". فالذي نهى عنه أهل السنة والجماعة هو "اللعن"؛ لأنه لا يليق بالعالم، ولا هو من أخلاق المسلم، بل إن الله نهى عنه سب الكافر نفسه. ولكن "النقد الإيجابي" الذي يتناول الظواهر السلبية بالتحليل، والتقويم بغية الوضوح ودفع مسيرة الهدى والبناء هو أمر مطلوب؛ لأنه "توبة" فكرية، وتوبة الفكر مقدمة لتوبة الأعمال؛ لأن الفكر أصل العمل وأولى حلقاته. والواقع أن مقولة -عدم الخوض فيما اختلف عليه السلف- ليست مقولة أهل السنة والجماعة، وإنما هي مقولة -فقهاء الخلفاء والسلاطين- الذين برزوا على مسرح الحياة الإسلامية بعد العصر الراشدي، وأوقفوا أنفسهم طوال التاريخ الإسلامي لإصدار الفتاوى، التي تبرز إرادات أصحاب الملك، والقوة وتبرر السكوت على الأوضاع القائمة الزاخرة بالمخالفات الخارجة على الشريعة، زاعمين إن هذا هو منهج أهل السنة، والجماعة الذين يتجنبون الفتنة، ويحاربون الفرقة. لذلك كان إطلاق اسم -أهل السنة والجماعة- على أولئك الفقهاء خطأ، ومغالطة تاريخية تحتاج إلى تصويب. فأهل السنة والجماعة الأصلاء انتهوا -كتيار فكري اجتماعي- بانتهاء أمثال سعيد بن جبير، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، ممن جاهدوا لجعل "محور السنة" في ميدان "الأعمال"، والتطبيقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وجعل "الشريعة فوق القوة" وتصدوا

стр. 322

لعدوان قيم العصبية القبلية على القيم الإسلامية في ميادين السياسة، والاقتصاد والإرادة، وأعلنوا أن محور سنة رسول الله ﷺ كان يدور حول "زهد" الحاكم بالجاه لـ"نصرة" العدل، وزهده بالمال لـ"إيواء" جماهير الأمة، وزهده بالحياة لقيادة الجيوش و"نصرة" الرسالة. ولكن ممثلي ثقافة العصبيات الأسرية، والقبلية بقيادة طلقاء مكة استطاعوا التغلب على هذا التيار السني، والبطش بقياداته ابتداء من جيل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير حتى جيل سعيد بن جبير وسفيان الثوري، واستطاعوا نقل محور السنة إلى ميدان "الأشكال"، ومستحبات السنن في الأخلاق الفردية، والشهوات والشعائر مما أدى إلى كبت الحريات، وانحسار الفقه الإسلامي إلى ميادين العبادات، وفقه الطهارة والحيض، والنفاس والمعاملات الفردية، وتجنب البحث في فقه إخراج الأمة المسلمة، وشبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والإدارية. ولقد نما هذا اللون من الفقه، وصار له امتدادات ومذاهب انحدرت في التاريخ الإسلامي تحت اسم -أهل السنة والجماعة- ومارس مختلف أشكال الآبائية، والحجر على التفكير. ولكن أهل السنة والجماعة الأصلاء لا يمنعون الحرية الفكرية، والنقد الذاتي بل يحضون عليهما ويدعون لهما. فقد جاء عن عبد الرحمن بن مهدي أحد شيوخ الشافعي وغيره قولهم: "أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم"١. وروي عن أحمد بن حنبل قوله: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا"٢.

стр. 323

ولقد انتبه إلى الفرق بين "اللعن" و"النقد" شيخ الإسلام ابن تيمية، وفصل في ذلك في بحوثه المودعة في سلسلة فتاويه خاصة المجلد ٣٥ الذي يحمل عنوان: كتاب قتال أهل البغي. كذلك قام بتقييم سياسة الخلفاء الراشدين، وخلص إلى وجوب الاقتداء بسنة أبي بكر وعمر. أما ما فعله عثمان وعلي، ونتج عنه افتراق الأمة فلا يؤمر بالاقتداء به. وعلل ذلك بالقول: إن أبا بكر وعمر ساسا الأمة بالرغبة والرهبة، وسلما من التأويل في الدماء والأموال. أما عثمان فقد غلب الرغبة وتأول في الأموال. وعلي غلب الرهبة وتأول في الدماء. كما أن أبا بكر وعمر كمل زهدهما في المال والرياسة. أما عثمان فقد كمل زهده في الرياسة فقط، وعلي كمل زهده في المال١. كذلك قام ابن تيمية بتقييم مواقف -طلقاء مكة- الذين أسلموا بعد الفتح فلم يجز لعنهم، ولكنه انتقد بإسهاب وصراحة كلا من معاوية، وعمرو بن العاص واعتبرهما الفئة الباغية٢. وأضاف أن معاوية لم يكن كفؤا لعلي بن أبي طالب٣ وأن معاوية كان أول الملوك الذين بدلوا الخلافة إلى الملك الذي لا يجوز في أصل الشريعة، ويتضمن ترك بعض الدين الواجب، ثم علق على ذلك قائلًا: "وإن مصير أمر المسلمين إلى -الملوك- ونوابهم من الولاة والقضاة، والأمراء ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقص في الراعي والرعية جميعًا، فإنه كما تكونوا يول عليكم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ ٤.

стр. 324

٤- "نصرة" مؤسسات الإدارة والأمن، والجيش لـ"الإنسان المسلم" في مواجهة "أشخاص" الحاكمين المتسلطين، و"أشياء" المترفين: وحتى تتجسد أفكار "النصرة" في واقع اجتماعي يعيشه الناس لا بد للتربية الإسلامية أن تركز عملها لتخريج عناصر تعمل في مؤسسات الإدارة، والأمن والجيش للحفاظ على إنسانية الإنسان وصيانة حرماته، وتمكين "الإنسان المسلم" من تحقيق ذاته في الداخل، وحمل رسالة الإسلام إلى الخارج. ويؤكد القرآن الكريم بصراحة، وقوة على عدم النيل من إنسانية الإنسان أو التجسس عليه أو اضطهاده، أو نفيه أو غيبته أو امتهان كرامته، وتهديد من يرتكب مثل هذه الجرائم بأشد أنواع العذاب في الدنيا والآخرة. والرسول ﷺ يؤكد ذلك بنفس الحجم والكم تقريبًا. فهو يجعل التجسس على الناس سببا في إفسادهم: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم" ١. وعن معاوية أن رسول الله ﷺ قال له: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم" ٢. ويتكرر التحذير من الاعتداء على الإنسان بالضرب والإهانة، من ذلك قوله ﷺ : - "إن الله تعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا" ٣. ويقول كذلك: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ... " ٤.

стр. 325

ويقول أيضا: "أول من يدخل من هذه الأمة النار السواطون" ١. والسواطون هم رجال الشرطة، والمخابرات الذين يجلدون الناس بالأسواط. وعن أبي هريرة أنه قال: قد رأينا من كل شيء قاله لنا رسول الله ﷺ . غير أنه قال: - "يقال لرجال يوم القيامة: اطرحوا سياطكم وادخلوا جهنم" ٢. وقال ﷺ : "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشدهم عذابا للناس في الدنيا" ٣. وقال أيضا: "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى أقواما في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله" ٤. وقال أيضا: "يكون في آخر الزمان شرط يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، فإياك أن تكون منهم" ٥. وعن حذيفة بن اليمان ﵁: "يكون أمراء يعذبونكم ويعذبهم الله" ٦. وحين يقترف الإنسان مخالفات توجب القصاص والعقوبة، فلا مجال للحقد الشخصي والقسوة اللذين ينالان من كرامة الإنسان وإنسانيته. والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

стр. 326

قال ﷺ : "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله" ١. والسجن الإسلامي يختلف عن السجن غير الإسلامي بحيث يتطابق مع احترام الإسلام لإنسانية الإنسان، ويحافظ على كرامته. وفي ذلك يقول ابن تيمية: "الحبس الشرعي ليس السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد، أو بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه، ولذلك سماه الرسول ﷺ أسيرا"٢. ولقد برزت آثار التوجيهات التي عمقتها التربية الإسلامية في جيل الصحابة والراشدين، فاتخذوها دستورا في مؤسسات الإدارة والشرطة، والجيش الموكلة بالحفاظ على "النصرة" في الداخل والخارج. فقد كان عمر بن الخطاب إذا بعث عماله شرط عليهم أن يعيشوا معيشة الناس، وأن يركبوا ما يركبه عامة الناس، وأن يلبسوا ما يلبسه عامة الناس ثم يشيعهم. فإذا أراد أن يرجع قال: "إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أعراضهم ولا على أموالهم. ولكني بعثتكم لتقيموا الصلاة وتقسموا فيهم فيئهم، وتحكموا بالعدل. فإذا أشكل عليكم شيء فارفعوه إلي. ألا فلا تضربوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تعتلوا عليها فتحرموها، جردوا القرآن"٣.

стр. 327

ولقد خطب الخليفة عمر ﵁ يوما في الناس فقال: "ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنتكم. فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي. فوالذي نفسي بيده إذا لأقصنه منه"! فوثب عمرو بن العاص فقال: "يا أمير المؤمنين أو رأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته أئنك لمقصنه منه"؟ فقال الخليفة: "أي والذي نفس عمر بيده إذا لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه. ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوا حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوا الغياض فتضيعوهم"١. واعتماد هذه المبادئ الإسلامية في تشكيل عمل مؤسسات النصرة التي مر ذكرها يتطلب أمرين اثنين: الأول، أن يتم تأسيس التربية العسكرية على الأصول الإسلامية التي تعد العسكري المسلم ليدور ولاؤه في فلك "أفكار" الرسالة، وتحريره من صنمية الولاء الأعمى لـ"أشخاص" الحاكمين و"أشياء" المترفين، وهو ما تفعله المؤسسات البوليسية، والعسكرية التي توجهها التربية العسكرية الحديثة -خاصة في أقطار العالم الثالث- ولا يكون من ثمارها إلا الرهق، والإرهاب للأمم والمجتمعات في الداخل، والعجز المذل أمام العدوان النازل بها من خارج. والثاني، أن تختلف الإجراءات التي تمارسها المؤسسات العسكرية، والعقوبات التي تطبقها لإمضاء قوانين النصرة، وتشريعاتها عن نظائرها من

стр. 328

المؤسسات غير المسلمة. إذ لا يجوز أبدا تقليد المؤسسات غير الإسلامية واستيراد أساليبها أو التدرب في معاهدها على نظم البوليس، وأساليب المخابرات وإجراءات التحقيق والعقوبات؛ لأن المؤسسات غير الإسلامية تتعامل مع الإنسان انطلاقا من فلسفة "الدارونية الاجتماعية" التي تقرر أن البقاء للأقوى، واستنادا إلى نظريا علم النفس المشتقة من التجارب على الحيوان كنظرية بافلوف، ونظريات التعلم الإشراطي لسكنر التي تستعملها الكثير من دوائر الشرطة، والمخابرات في غسل الأدمغة وانتزاع الاعترافات. وأهمية هذه التربية لا يمكن -هنا- الخوض في تفاصيلها، وإنما يمكن تصورها من المثل الذي لم يحدث له نظير في تاريخ الجندية، حينما أنزلت رتبة عسكري كخالد بن الوليد من "قائد عام للجيش" إلى "جندي نفر"، ثم استمر في آداء واجبه قائلا: أنا لا أقاتل من أجل عمر!! ويرتبط بهذا المظهر للنصرة تنمية الوعي بـ"سيادة الشريعة فوق القوة"، وإقامة المؤسسات المتخصصة بمراقبة الحاكمين، والإداريين بحيث لا يكون أحد كائنا من كان فوق الشريعة أو القانون، بهما يضبط سلوكهم وتوجه إرادتهم. وحين يحاول أحد أن يرتفع -فوق القانون- يقوم تقويم القداح -حسب قول بشر بن سعد للخليفة عمر، وإذا لم يقوم فإن ذلك يعني إن الصنمية عادت برموز جديدة، والرضى بها من مظاهر الشرك والخضوع لغير الله. وتحتاج التربية الإسلامية -من أجل تعميق الولاء لاتجاهات النصرة- إلى نقد الممارسات التاريخية، التي أطلقت أيد الخلفاء والسلاطين، والولاة -بعد عصر الراشدين- في شئون الحكم والمال والإدارة، فصاروا يعزون من يشاءون في أعلى المناصب، ويذلون من يشاءون بالعزل والاضطهاد، ويحيون من يشاءون بالعفو المزاجي، ويميتون من يشاءون بالإرادات الطاغية، وبذلك شاركوا الله في صفاته، وأفعاله وجسدوا صنمية الأنداد! وتحتاج التربية الإسلامية كذلك إلى نقد قيم العصبيات القبلية وثقافاتها

стр. 329

التي تصطدم بـ"النصرة" فتجعل "القوة فوق القانون"، وتحيل "حقوق" الناس الممنوحة لهم من الله "مكرمات" يمن بها عليهم الرؤساء والملوك الأنداد، وتطلق أيد المتنفذين ليستعبدوا الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وليتحكموا بمصائرهم وأرزاقهم، ومقدارتهم دون رقابة من مؤسسة أو مسئولية أمام تشريع. ولا شك أن نقد التربية لهذه الثقافة العصبية المتخلفة هو واجب ديني، والتخلي عن هذا الواجب، أو القصور فيه والسماح لهذه الثقافة أن تشيع في مناهج التربية، وبرامج الإعلام هو كبيرة من الكبائر المخلدة في النار كما ذكر ذلك صراحة في حديث رسول الله ﷺ الذي أورد الكبائر السبع، وذكر أن سابعتها "وأن ترتد أعرابيا بعد الهجرة"١. ٥- نصرة الأمة المسلمة في مواجهة طغيان الفرد أو الأقلية: وأساس هذا المظهر أن الأمة التي توجهها روح النصرة لا تسمح للفرد، أو الأقلية أن تغلب مصالحها الخاصة على الصالح العام. ولتحقيق هذا المظهر لا بد للتربية الإسلامية أن تركز على رسوخ ثلاثة اتجاهات رئيسية هي: الأول، تنمية الوعي بقيمة وحدة الأمة المسلمة، والمحافظة عليها بكل الوسائل. ويتفرع عن وحدة الأمة القيادة ومحاربة نزعات السلطان المستمدة من الولاء الفردي والعصبيات العائلية والقبلية والإقليمية والمذهبية، والقومية وكل ما يعرض كيان الأمة للفتن والانقسامات. وهذا ما فهمه أبو بكر الصديق حين قال: "وإنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران. فإنه مهما يكون ذلك

стр. 330

يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق كلمتهم وجماعتهم، ويتنازعون فيما بينهم، هناك تترك السنة وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة وليس لأحد على ذلك صلاح"١. وحين اقترح أحد الأنصار في سقيفة بني ساعدة أن يكون للمسلمين خليفتان في آن واحد وقال للمهاجرين: منا رجل ومنكم رجل، أجابه عمر بن الخطاب: "سيفان في غمد واحد إذا لا يصلحان"٢. والثاني، تنمية الوعي بأهمية العمل الجماعي، وسيادة مبدأ الشورى؛ لأن في الشورى تجسيدا لإرادة الأمة، وإشراكًا لجميع أفرادها وهيآتها في حمل المسئولية. وهو ما طبقه الرسول ﷺ وسار عليه الخلفاء الراشدون. فقد كان أبو بكر وعمر إذا ما ورد على أحدهما أمر نظر في الكتاب والسنة، ثم شاور العلماء وأولي الرأي٣. والثالث، تكافؤ الفرص وعدم محاباة الأقارب والأصدقاء، وتوزيع الوظائف والأعمال طبقا لمقاييس الإخلاص والكفاءة. وهذا ما وجه إليه أبو بكر الصديق. فعن يزيد بن أبي سفيان: قال أبو بكر لما بعثني إلى الشام، يا يزيد إن لك قرابة عسى أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكبر ما أخاف عليك، فإن رسول الله ﷺ قال: "من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم أحد محاباة له بغير حق، فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم. ومن أعطى أحدا من مال أخيه محاباة له، فعليه لعنة الله" أو قال: "برئت منه ذمة الله. إن الله دعا الناس أن يؤمنوا فيكونوا حمى الله! فمن انتهك في حمى الله شيئا بغير حق فعليه لعنة الله". أو قال: "برئت منه ذمة الله " ٤.

стр. 331

٦- نصرة رجال الفكر وجمهور الأمة في مواجهة القوة والسلطان: يرتبط هذا المظهر بنصرة "أفكار" الرسالة ارتباطا وثيقا. وهو من أهم ميزات الأصول السياسية للتربية الإسلامية. فالقرآن الكريم يحدد دور رجال الفكر، ورجال القوة في أكثر من موضع، من ذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . ولقد قدم الرازي وابن تيمية عرضا مطولا لتفاسير علماء الصحابة، وتلامذتهم لمعنى "أولي الأمر" وخلصا إلى أن هذه التفاسير تنقسم إلى قسمين: قسم جعل "أولي الأمر" هم العلماء والأمراء وهو رأي الأقلية، وقسم جعلهم العلماء وحدهم وهو رأي الأكثرية١. وعلى كل حال فالعلماء، أو رجال الفكر، موجودون في تعريف كلا الطرفين ولهم الصدارة والأولوية، وهذا هو الذي ينسجم مع "نصرة الرسالة" وضرورة دوران "الأشخاص والأشياء" في فلك "الأفكار" كما مر. كذلك يقدم القرآن الكريم أمثلة لما يجب أن يكون عليه مكانة رجال الفكر وجمهور الأمة. ولقد ناقش ابن تيمية هذه المكانة وذكر إنها مما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ . ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . وفي التشهد:

стр. 332

"التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين". فالإشارة هنا -لله ورسوله- إشارة إلى القائمين على فقه الكتاب والسنة والتربية عليهما، والإشارة إلى -الذين آمنوا- إشارة إلى جمهور الأمة المسلمة. ويضيف ابن تيمية أن هذه الأصول هي التي أمر بها عمر بن الخطاب شريح حيث قال: "اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة الله، فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس، وفي رواية فبما قضى به الصالحون. وكذلك ابن مسعود: "من سئل عن شيء فليفت بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس. وكذلك روى نحوه ابن عباس وغيره. ولذلك قال العلماء: الكتاب والسنة والإجماع١، ٢. كذلك يقدم القرآن الكريم أمثلة لما يجب أن تكون عليه معادلة العلاقة بين رجال الفكر، وجماهير الأمة ورجال القوة، وتحديد أدوار كل فريق منهم. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . هكذا تتوزع الأدوار إذا واجهت الأمة قضية من قضايا الأمن، أو الخوف أو شأن من شئون الحرب أو السلم، فالحسن الجماهيري هو الأداء

стр. 333

القادر على استشعار القضايا أو المشكلات؛ لأن الجماهير هي التي تتفاعل على مسرح الحياة الاجتماعية، ولها حق التعبير والإعلان عنها، ولكن ليس باللغو وإذاعة الإشاعات، وإنما بآداء دورها في دائرة فاعلة دائمة الجريان حيث تبدأ الجماهير برد القضايا، والمشكلات إلى أولي الأمر من العلماء -الأمراء "وهم هنا خلفاء الرسول" ليردوها بدورهم إلى المختصصين القادرين على عملها، واستنباط معالجتها. ويمكن أن نمثل لهذه الدائرة الفاعلة في معالجة المشكلات والقضايا بالشكل التالي: ولقد أدرك ابن تيمية هذه العلاقة التي تنظم أدوار رجال الفكر، ورجال القوة وأسهب في وصف تطبيقاتها، وتطوراتها في الأمة الإسلامية. ومما قاله في هذا الشأن: "قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١ فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ . ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما ... وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارة يوافق الكتاب، وتارة يخالفه، كان دين من هو كذلك بحسب ذلك"٢.

стр. 334

فابن تيمية يرمز لرجال القوة بـ"السيف" تمشيا مع وسائل تكنولوجيا القوة في عصره، بينما يشير القرآن لها بـ"الحديد" المادة الأساسية لتكنولوجيا القوة في كل عصر. ولقد كان عصر النبوة والخلافة الراشدة تطبيقا للمعادلة القرآنية بين رجال الفكر، وجمهور الأمة ورجال القوة. فقد كان "فقهاء الرسالة" يتصدرون مواقع الإمامة في الأمة ابتداء من إمامة الصلاة، حتى إمامة المجتمع كله. ومن المعروف جيدا أن الخلفاء الراشدين كانوا أعظم فقهاء الرسالة بعد الرسول ﷺ وأنهم لولا انشغالهم بشئون السياسة، وتسيير جيوش الفتح الإسلامي لتركوا مجلدات مبتكرة في أصول الفكر الإسلامي بميادينه المختلفة. كذلك تحددت منازل الأفراد طبقا لدرجة دورانهم في فلك "أفكار" الرسالة الإسلامية. ففي المجتمع النبوي، والراشدي ترقى أشخاص من منازل "رعاة صغار الغنم في شعاب مكة"، و"الخدم في بيوت مترفيها" ليصبحوا "فقهاء الرسالة" ورجال التربية، وقادة الجيوش، وولاة الأقاليم والناطقين الإعلاميين كما حدث لأمثال عبد الله بن مسعود، وزيد بن حارثة، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، بينما هوت "أشخاص" أشراف رفضوا الدوران في فلك "أفكار" الرسالة إلى مدافن النفايات البشرية كما حدث لأمثال عمرو بن هشام، وأبي بن خلف في بدر، وتراجعت منازل "أشخاص" زعماء تأخروا عن الدوران في فلك الرسالة حتى فتح مكة ليصبحوا أشخاصا عاديين كما حصل لأمثال أبي سفيان. ولقد كان ﷺ دائم التحذير من اختلال المعادلة التي أرساها بين رجال العلم، وجمهور الأمة ورجال القوة، ومن خطورة هذا الاختلال في مستقبل الأمة المسلمة من ذلك قوله: "خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة في الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه، يمنعكم الفقر والحاجة. ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا

стр. 335

مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم. قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب. موت في طاعة خير من حياة في معصية الله" ١. ومن الموضوعية أن نقول: أنه بعد مجتمع الخلفاء الراشدين اضطربت معادلة العلاقة بين رجال الفكر والتربية، وبين رجال القوة ودخل الطرفان في صراع طويل انتهى بتغلب رجال القوة والسلطان. ولكن الحديث في تفاصيل هذا الموضوع يقع في دائرة البحث في تاريخ التربية الإسلامية، وهو موضوع خارج عن نطاق هذا البحث. وفي العصر الحديث تدرب مؤسسات التربية في العالم الإسلامي الحديث على أن شخصا واحدا هو شخص المعلم -الذي يتقمص فيما بعد شخص الحاكم من أولي القوة- هو القادر على استشعار المشكلات، والقضايا كلها وعلى إصدار الحلول الفاصلة القاطعة التي لا مراء فيها. فالدائرة الاجتماعية -هنا- مقطوعة ممنوعة، والتنسيق بين رجال الفكر، وجمهور الأمة ورجال القوة غير قائم. وحملة الشهادات وذوي الاختصاص ودور العلم، والجامعات مجرد زينة و"ديكور" وطني يتباهى به رجال القوة ذوي الهيمنة المطلقة أمام الأقطار الأخرى تماما كالمكتبات في بيوت العالم الإسلامي تزين بها البيوت كقطع الأثاث، وأدوات الزينة دون أن يقرأ منها صاحبها صفحة واحدة. وفي المقابل نجد إن نظم التربية في الغرب -غير المسلم- قد نسقت أدوار كل من رجال الفكر، ورجال القوة وهيئات المجتمع بما يتطابق مع

стр. 336

التوجيهات القرآنية التي مرت. فالمشكلات وقضايا الأمن أو الخوف تبدأ في الساحة الجماهيرية، ولكنها لا تترك للغو والإشاعات وإنما تنقل لأولي الأمر بالاستفتاءات، وجمع المعلومات والبيانات والمقابلات ثم ترد إلى مراكز البحوث المتخصصة حيث ينكب عليها المؤهلون القادرون على تحليلها واستنباط الحلول لها، ثم يردونها إلى أولي الأمر من صانعي القرار ثم إلى أجهزة التنفيذ ثم تقوم بمتابعتها أجهزة القياس، والتقويم لجمع ثمرات التطبيق، وتقويم النتائج وتبدأ الدائرة من جديد. ٧- نصرة الأمة المسلمة في مواجهة العدوان الخارجي: وأساس هذا المظهر أن الأمة التي يوجهها روح النصرة لا تسمح للعدو الخارجي أن ينال منها، أو من أفرادها ومقدراتها. ولتحقيق هذا المظهر لا بد للتربية الإسلامية أن تركز على خمسة اتجاهات رئيسية هي: الأول، تربية الأمة على الروح العسكرية وتعشق الجهاد. والتوجيهات النبوية حازمة وراسخة في هذا الاتجاه. فهي تحث على تدريب الناشئة مبكرًا على الحاملات الحربية، وأدوات القتال التي رمزت لها بأدوات عصر النبوة المتمثلة في ركوب الخيل ورمي النبال، واستعمال السيف وفنون الفروسية مع مراعاة الاستمرار في هذه الأهلية وتعشق الجهاد. ولكن لا بد من الانتباه الشديد إلى أن تربية الأمة على الروح العسكرية يجب أن يضبطها ضابط الرسالة الإسلامية التي استعرضنا تفاصيلها في فصل -الجهاد والرسالة- حتى لا تطغى الروح العسكرية على الغايات التي هي وسيلة لتحقيقها. ومعنى ذلك إن الفكرة يجب أن توجه القوة، أو نقول: إن القوة في خدمة الشريعة. وهذا من الفوارق الرئيسية بين الحضارات الإنسانية الراقية، والحضارات الاستعمارية المتخلفة. فالحضارة الإنسانية التي تستهدف إشاعة الأمن والسلام هي التي تلجم القوة بالشريعة، أو القانون وتجعلها وسيلة لنصرة المبادئ، والأفكار بينما تعكس حضارات العدوان

стр. 337

والاستعمار المعادلة فتجعل الأفكار أداة لتبرير طغيان القوة، وممسحة لتنظيف قاذوراتها وآثار همجيتها في الأرض. والثاني، إقامة الصناعات الحربية وتطوير العلوم العسكرية بما يكفل للأمة الإسلامية التفوق الرادع للأعداء، والرهبة والهيبة أمام الخصوم، وتحقيق النصرة أمام التحديات والأخطار. وهذا مما يوجه إليه -بصراحة- قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] . والثالث، إقامة مراكز الدراسات المتخصصة -أو مراكز شهود العالم حسب التعبير القرآني- وذلك لتحقيق الأهداف التالية: الهدف الأول هو دراسة ما يجري في العالم من تيارات وأحداث في صالح الأمة المسلمة أو ضدها؛ وذلك لتحديد سياسات التعامل مع هذا العالم وإيصال الرسالة إليه. وهذا مما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨، ٩] . وهو أيضا ما يرشد إليه قوله ﷺ : "رحم الله من حفظ لسانه، وعرف زمانه، فاستقامت طريقته" ١. والرسول كان يشهد الأحداث الجارية بوسائل المعرفة الثلاثة: الوحي والعقل والحس. أما وقع انقطع الوحي فإن على -مراكز البحوث والدراسات- أن تضاعف من عمل أداتي العقل والحس في شهود ما يجري

стр. 338

في العالم، وبدون ذلك لا تكون هناك استراتيجيات صائبة، ولا سياسات حكيمة١. والهدف الثاني هو تشخيص الشئون المتجددة، والنظر في وسائل التكيف معها، ومجابهة التحديات التي ترافقها. والهدف الثالث هو دراسة المجتمعات غير الإسلامة للتعرف على أصولها الاجتماعية، والثقافية الموجهة لسياساتها وعلاقاتها، وتحديد أساليب التعامل معها. ويقدم القرآن توجيهات واسعة لـ"قراءة عقول غير المؤمنين" و"إرادتهم" مما يشكل أصولا لتطوير علوم سياسية إسلامية، وعلم اجتماع إسلامي، وعلم إنسان إسلامي "أنثروبولوجيا"، وعلوم تتطلب الحاجات المتجددة ابتكارها إذ بدون العلم لا يمكن تحقيق أي مظهر من مظاهر -النصرة- التي قدمنا نماذج لها. والهدف الرابع هو بلورة أصول العلاقات الخارجية مع المجتمعات غير الإسلامية، وتحديد الميادين التي يباح فيها التعاون، والصداقة مع هذه المجتمعات، والمدى الذي يصلان إليه وينتهيان عنده. ٨- أهمية النصرة: النصرة عامل هام وحاسم في توفير البيئة الصحية التي تنمو فيها الفضائل، والصفات التي تجسد رقي الأمة وعافيتها، وتوفير المناعة الواقعة من الرذائل الاجتماعية، والأمراض الفكرية التي تسهم في مرض الأمة أو وفاتها. ويمكن القول أن أهمية النصرة تتجسد فيما يلي:

стр. 339

الأهمية الأولى، إن "نصرة الإنسان" واحترام إنسانيته يشيعان في الأمة روح العزة، والإرادات النبيلة العازمة، ويهيئان لنمو فضائل الصراحة والاستقامة واحترام العهود والمواثيق، ولتوفير المناعة ضد أمراض النفاق والخيانة والذل. وهذا ما وجه إليه الخليفة عمر حين كان يوصي عماله: "ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم"!! والأهمية الثانية، إن "نصرة العدل" تشيع في الأمة الإيمان بالله وتطبيقاته، وتهيئ لتذوق "المثل الأعلى" وتقبله، وتوفر المناعة ضد أمراض الكفر والزندقة والجريمة، والانحلال. وهذا أيضا ما وجه إليه الخليفة عمر حين أضاف: " ... ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم"!! والأهمية الثالثة، إن اجتهاد مؤسسات الإدارة والأمن، والجيش لـ"نصرة الأمة" في مواجهة طغيان "أشخاص" الحاكمين أو تسلط المترفين أو الأقليات الأسرية والقبلية والطائفية، يشيع في -الأمة روح المسئولية العامة، والوحدة، وفضائل البذل والموالاة للصالح العام، ويوفر المناعة ضد أمراض الأنانية، والتحلل من المسئولية العامة، والفتن ومضاعفاتها في الشح والبخل والاغتراب، والجبن والنكوص أمام التحديات. والأهمية الرابعة، أن الأمة التي توجه علاقاتها "نصرة الحرية" تشيع فيها اتجاهات العمل الجماعي، وتنمو فيها القدرات العقلية العليا، وتشيع الحكمة والإبداعات العلمية والإنجازات الحضارية. والأهمية الخامسة، أن "نصرة أفكار الرسالة" في مواجهة طغيان "الأشخاص" وزخرف "الأشياء" تشيع في الأمة والرقي الثقافي، والعطاء الإنساني وتزين الحياة فيها قيم المثابرة، والجد والتسامح مع الغير والانفتاح على الآخرين. والأهمية السادسة، أن الأمة التي توجهها روح "النصرة أمام العدوان الخارجي" يشيع فيها فضائل الشجاعة، والإقدام والتضحية والطموح، والثقة بالنفس في مجابهة التحديات، والقدرة على تحقيق الانتصارات.

стр. 340

٤- التربية ورباط النصرة: تتحمل التربية مسئولية كبيرة في تربية الناشئة، والمتعلمين على مظاهر النصرة التي مر ذكرها. ويمكن القول أن هذه المسئولية تتمثل في ما يلي: المسئولية الأولى، هي بلورة مضامين النصرة، ومظاهرها التي يتطلبها تطور الحياة في المكان والزمان، ثم تطوير هذه المضامين والمظاهر إلى علوم، ومناهج دراسية وقيم اجتماعية، وثقافية وإدارية يؤمن بها المتعلم ويعيها، ويدرك منافع وجودها ومضار غيابها. والمسئولية الثانية، هي إفراز الأنشطة التربوية، والاجتماعية التي يتدرب الناشئة والمتعلمون -من خلالها- على ممارسة تطبيقات النصرة المراد إشاعتها، وتهيئتهم للمشاركة المستقبلية في مؤسساتها. وهذا هو محور التربية النبوية خلال الوقائع، والأحداث في أوقات السلم والحرب سواء. والمسئولية الثالثة، هي صبغ العلاقات التربوية والاجتماعية بالاتجاهات، والقيم التي توجه إليها مظاهر النصرة المشار إليها، وتعميق الغيرة عليها، واحترامها والاستعداد للدفاع عنها في الداخل والخارج. ولعله من الموضوعية أن نقول: إن المؤسسات التربوية -من المدارس والجامعات والأندية، والأحزاب والجمعيا- في أمريكا وأوربا الغربية قد نجحت نجاحا كبيرا في تنمية الولاء للديموقراطية -العنصر المقابل لعنصر "النصرة"- ونجحت في بلورة مضامينها، وإخراج مؤسساتها وإدارتها التي تقتضيها تطورات الزمان والمكان. كذلك نجحت في تضمينها مناهجها، وتدريب الناشئة والمتعلمين على ممارساتها، وعلى صبغ العلاقات القائمة بين المؤسسات والجماعات باتجاهاتها، الأمر الذي جعل هذه الديموقراطية صفة تميز تلك المجتمعات، ومظاهر الحياة فيها، في حين وقفت مؤسسات التربية الإسلامية عند الوعظ بالفضائل التي تفرزها "النصرة" بينما غفلت إداراتها، وأساليبها عن توفير بيئة النصرة التي تساعد على نمو الفضائل المشار إليها.

стр. 341

وما زالت هذه المؤسسات لا تعي أن بذور الفضائل موجودة -أصلا- في فطرة الإنسان، وما تحتاجه التربية هي تزكية البيئة من "أغلال" و"آصار" العصبيات، التي تحول دون نمو هذه الفضائل وينعها.

стр. 342

الفصل الثاني والعشرون: العنصر السادس الولاية والولاء معنى الولاية ... الفصل الثاني والعشرون: العنصر السادس الولاية والولاء الولاية هي المحصلة النهائية لتفاعل العناصر المكونة للأمة المسلمة: أي عناصر الإيمان والهجرة والجهاد والرسالة، والإيواء والنصرة. كما أن وجود الولاية في واقع الأمة وسريانها في جميع ممارساتها وعلاقاتها شاهد على أن عناصرها المشار إليها هي حية فاعلة في سلوك الأفراد ونشاط الجماعات، كما دل على ذلك أسلوب الإشارة إلى الولاية في آخر الآية، التي وجهت إلى عناصر الأمة الخمسة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] . معنى الولاية: و"الولاية" مصطلح قرآني تردد في مئات المواضع من القرآن والحديث، ومعناه: القيام بأمور الآخرين كلها. و"الولي" هو القائم بأمور غيره من الأمة المسلمة في الميادين المتفرعة عن عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء والنصرة بالطريقة التي أمر الله. أي إن -الولاية- مصطلح اجتماعي يعني ولاء الفرد المسلم للأفكار، التي جاءت بها الرسالة الإسلامية أكثر من ولائه لنفسه. وهو يجسد هذا الولاء من خلال الإسهام -مع المسلمين الآخرين- في تحويل الأفكار المذكورة إلى تطبيقات عملية تتمثل في عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة بين الأفراد الذين يشتركون في الإيمان بالأفكار الإسلامية المشار إليها. فالولاية -إذن- هي هيمنة روح الشعور بالمسئولية في السلوك

стр. 343

والعلاقات والحاجات وقيام الأفراد والمؤسسات، والجماعات برعاية شئون بعضهم بعضا في ميادين الاجتماع، والسياسة والاقتصاد والزراعة، والصناعة والفكر والثقافة والتوجيه، والتعليم والحرب والسلام والأمن والخطر، وغير ذلك. ومن هذه الولاية والرعاية اشتقت مصطلحات: "أولي الأمر" و"الولاة". والذين يحسنون هذه الولاية والرعاية -كل في ميدانه- ويلتزمون في ولايتهم ورعايتهم -في ظل القيم والتوجيهات التي جاءت بها الرسالة الإسلامية- لشئون غيرهم أوامر الله توجيهاته حق الالتزام دون أن تفتنهم المغريات هم -أولياء الله. وبذلك يكون -ولي الله- هو من يلتزم أوامر الله حق الالتزام في ميادين الاجتماع والسياسة، والإدارة والعسكرية والاقتصاد والتربية، والفكر والثقافة والتوجيه والجهاد والأمن وغير ذلك. وبهذا المعنى كان أبو بكر وعمر بن الخطاب، وليين لله في ميدان الحكم والسياسة، وكان خالد بن الوليد ولي الله في ميدان العسكرية، وكان معاذ بن جبل ولي الله في ميدان التربية والتعليم، وكان عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان وليين لله في ميدان التجارة والأعمال، وكان هناك ولي الله الزارع، وولي الله الصانع، وولي الله البوليس، وولي الله الإداري، وهكذا ما دام الكل يعملون حسب أوامر الله نواهيه، ويتقونه حق تقاته. ولعله من الواجب -هنا- أن نشير إلى أمرين: الأول، التشويه الخطير الذي أصاب مصطلح -الولاية- في التربية الإسلامية حين أخرجت -الولاية- من محتواها الاجتماعي، وصار -ولي الله- هو الدرويش الأهبل المنسحب من الحياة، الفاقد للإحساس بها، العاجز عن العمل، الخانع أمام الأعداء، القانع بالذل والفاقة والعجز والقذارة، وإذا أهلكه الجوع والمرض والجهل أقيم له النصب، والأضرحة وصار صنما تذبح عنده القرابين، وتلوذ به الجماهير التي تعاني من الظلم والفاقة والقهر والاستغلال. وفي الأصل كان وراء هذا التشويه لمعنى الولاية عقليات ماكرة من

стр. 344

سلالات المترفين الذين سلبهم الإسلام نفوذهم على الناس، وتحكمهم بمقدرات الحياة، فعملوا على استرجاع ما فقدوه من امتيازات بوسائل التشويه الثقافي والتربوي، وتشويه المصطلحات والمبادئ وأنماط المعتقدات، والسلوك بعد أن عجزوا عن استرجاع امتيازاتهم بالوسائل العسكرية، ثم استحسن هذه السياسة الظلمة من السلاطين، والحكام لصرف الأنظار عن احتكاراتهم وسياستهم الجائزة. ولعل ما كتبه المقريزي في -الخطط- عن ساسية سلاطين المماليك في بناء الأضرحة، وتشجيع طرق الدروشة. ومواقف ابن تيمية وكتاباته ضد هذه السياسات مثلا واضحا وشواهد لهذه السياسات الجائرة المشار إليها. ولقد حذت حذو هذه السياسة واستثمرت التراث السلبي الممثل لها دوائر الاحتلال الاستعماري في المغرب العربي، وأفريقيا والهند وغيرها. والثاني، موقع الولاية -حسب المفهوم الإسلامي- في سلم محاور الولاء وضرورتها في المجتمعات المعاصرة. لقد تطور مفهوم الولاية -أو الولاء- بتطور المجتمعات البشرية. فحين كان المجتمع الإنساني يتمثل في العائلة تحدد إطار -الولاء- بالعائلة. وحينما أصبح المجتمع البشري هو -القبيلة- تحدد إطار الولاء بحدود القبيلة. وحينما أصبح المجتمع البشري هو القوم تحدد إطار الولاء بحدود القومية. وحينما تهدمت الحدود الجغرافية، والثقافية بين المجتمعات البشرية جاءت الرسالة الإسلامية برباط -الولاية- الواسع الذي يفتح الباب لكل عضو في الإنسانية للانضواء في عقده. ولعل مما تفرضه مبادئ النقد الذاتي أن نقول: أن جيل الصحابة قد جسد -رباط الولاية- بأوسع دوائر الولاء حيث "آمنوا" قولا وعملا بما نزل على نبيهم، و"هاجروا" من أجل دينهم و"جاهدوا" بأموالهم وأنفسهم و"تآووا" و"تناصروا" لتبليغ الرسالة وإخراج الناس إلى عدل الإسلام، وسعة الدنيا والآخرة. ثم تلتهم أجيال اكتفت بـ"الانتماء" الإسلامي وارتدت إلى

стр. 345

محاور -الولاء- القومي أو الشعوبي، ثم إلى محاور الولاء الإقليمي ثم إلى محاور الولاء القبلي. فالإنسان الحاضر في الأقطار الإسلامية يتحدد محور ولائه بحدود قبيلته، وليس لديه مفهوم واضح عما يعنيه الولاء للأمة المسلمة الواحدة. ولا بد هنا من الانتباه إلى الفرق بين "الولاية" و"الانتماء"، وهو ما أدركت ضرورته حينما خلط البعض بين العلاقتين بعد صدور الطبقة القطرية من هذا الكتاب حينما عمد الأستاذ عمر عبيد حسنة المشرف على طباعة -كتاب الأمة- إلى تغيير العبارة المذكورة أعلاه، عبارة: "فالإنسان الحاضر في بلاد الإسلام يتحدد محور ولائه بحدود قبيلته" فجعلها: " ... يتحدد محور ولائه بحدوده الإقليمية". فـ"الولاية" تتحقق حين يبلغ المستوى الذي تصل إليه حركة إرادة الإنسان درجة النفير الاختياري خفافا وثقالًا، وبدافع من "إيمان" الفرد أو الجماعة لـ"هجرة" ما هو خطأ وممارسة ما هو صواب، و"الجهاد" من أجل ما هو حق، و"إيواء" و"نصرة" من يشاركونهم هذا الإيمان. أما "الانتماء" فهو حركة لا تبلغ فيها الإرادة إلى درجة النفير الاختياري، ولا "يجاهد" صاحبها أو أصحابها بالمال والنفس، ولا "يتآوون" و"يتناصرون" بل تصبح مصائب بعضهم فوائد للبعض الآخر. ولذلك لا يمكن تسمية زحف الجيوش المحترفة نفيرا اختياريا يعبر عن "ولاء" للأمة؛ لأنها تساق إلى الموت رغما عنها، وبسبب ما يدفع لها من رواتب مادية وأعطيات عينية. ولكنا نرى عناصر هذه الجيوش المحترفة إذا تعرضت قبائلها للخطر، فإنها "تنفر" نفيرا اختياريا و"تقاتل حمية" دون رواتب تتقاضاها و"تؤوي" و"تنصر" من يشاركونها القرابة الدموية القبلية. وإذا رفعت شعارات "القومية" أو "الأخوة الإسلامية"، فإنما هو استثمار لهذه الشعارات و"إنفاق" لهذه المحتويات كدعامات مساندة لتعزيز فاعلية "الولاء" للقبيلة.

стр. 346

درجات الولاية الإيمانية: والولاية في القرآن والحديث درجات متسلسلة كما يلي: الدرجة الأولى، ولاية الله للمؤمنين: وإلى هذه الولاية كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . فالله يتولى شئون المؤمنين بإخراجهم من ظلمات الجهل، ومزالق الانحراف إلى مناهج الحياة الصائبة الفاضلة، والمؤمنون يتولون القيام بعبادته تعالى، ونشر دعوته والجهاد في سبيلها بالمال والنفس. وولاية الله هي الأصل الذي تتفرع عنه بقية درجات الولاية. فمن لم يحقق هذه الولاية بينه، وبين الله لا تنفعه موالاة سواه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] . ولذلك يجري التأكيد وتكرار التذكير بتحقيق هذه الولاية، وتتكرر الإشادة والبشارة للذين يحققون هذه الولاية في عشرات المواضع من القرآن الكريم والسنة الشريفة. والدرجة الثانية، ولاية الرسل والمؤمنين: وإلى هذه الدرجة من الولاية كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] . ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . فالرسل يتولون المؤمنين بالتربية والتوجيه والإرشاد. والمؤمنون يتولون الرسل بالاستجابة والاتباع والإيواء والنصرة. والدرجة الثالثة، ولاية المؤمنين للمؤمنين: وإلى هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى:

стр. 347

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . فالمؤمنون والمؤمنات يتولون إيواء بعضهم بعضا، ونصرة بعضهم بعضا، ويأمن بعضهم بعضا في ميادين الحياة المختلفة ابتداء من الأسرة، ومرورا بالجوار في الحي والتعايش في المهجر، والجهاد في الدائرة الإنسانية الكبرى. ومن هذه الموالاة تتحدد -كما مر- مفاهيم الولاية ابتداء من ولاة الأسر، ومرورا بولاة الأقاليم وأولي الأمر من العلماء والرؤساء والخلفاء، وولاة العمل إلى جميع المسئوليات والوظائف والمهن كبرت أم صغرت. والدرجة الرابعة، ولاية أولي الأرحام من المؤمنين: وإلى هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] . فأولوا الأرحام وذوي القربى في "أمة" المؤمنين يقومون بتولي أمور بعضهم بعضا في شئون الحياة كلها. وتقدم مصادر التربية الإسلامية -في القرآن والسنة- تفاصيل دقيقة لأشكال -الولاية والولاء- الواجب تطبيقها في كل درجة من الدرجات الأربع المشار إليها بحيث تشمل جميع مظاهر السلوك، وتطبعها بطابعها. ففي درجتي ولاية الله للمؤمنين، وولاية الرسل والمؤمنين تتميز أشكال الولاية بسلوك المحبة، والإخلاص والإحسان والصدق، وفي درجة ولاية المؤمنين للمؤمنين تتميز أشكال السلوك بالإيثار والأخوة، وفي درجة ولاية أولي الرحم من المؤمنين تتميز أشكال السلوك بالمودة والتراحم. وبذلك تتجسد عناصر الأمة الخمسة من الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة في واقع اجتماعي حي يشكل في مجموعة الأمة المسلمة. وتتحمل التربية الإسلامية مسئولية كبيرة في تنظيم مناهجها، وطرائقها لتجسيد هذه الدرجات من الولاية في أنشطة، وممارسات تربوية حسب دوائر التفاعل الإنساني في هذه الدرجات، وبذلك يتهيأ الفرد المسلم والجماعة المسلمة لممارسة هذه الولاية المميزة للأمة الإسلامية.

стр. 348

درجات ولاية غير المؤمنين: والذين لا يكون لهم مكان في ولاية المؤمنين تكون ولايتهم في الطرف المقابل من الولاية الفاسدة القائمة على نصرة الباطل، والدعوة إليه والالتفاف حوله. وهذه الولاية الفاسدة درجتان: الدرجة الأولى، ولاية الشياطين للكافرين والمنافقين والعصاة: أي يتولونهم بالإضلال والإفساد، والاصطدام مع أوامر الله وسننه في الحياة. وإلى هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] . ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧] . وتحسن الإشارة -هنا- إلى الاستعمالات الخاطئة المضللة لمصطلح -الشيطان- بحيث لم يعد بمقدور المسلم العادي أن يتخذ موقفا واقعيا محسوسا من الشياطين وأضاليلهم، وصار محرجا للمسلم المثقف أن يتطرق لمناقشة عمل الشياطين، وآثارها لما يرى في ذلك من إمكانية الوقوع في شرك الخرافة، أو الاتهام بالتفكير الخرافي. فالقرآن والحديث يطلقان مصطلح -الشيطان- ليدل على المنشطن: أي المنحرف الضال من قصد وإصرار١. والشيطان -في القرآن والحديث- قسمان: الأول، هو الشيطان الجني الذي لا يرى ولا يسمع من البشر العاديين. والقرآن يذكر هذا النوع في معرض تعريفه بعناصر الوجود المحيط وتفاعل الإنسان معها، ويخبر أن هذا الشيطان الجني ضعيف الكيد والتدبير، وإن عمله -في الغالب- بين بني جنسه. والنوع الثاني، هو الشيطان الإنساني الذي ينشطن -أن ينحرف عن قصد وإصرار- عن منهج الله ويتبنى منهاجا مضادا في الفكر والسلوك،

стр. 349

ويجعل من الانحراف والضلال فكرا صائبا، وعملا صالحا وإنجازا حضاريا متقدما، ثم يكرس حياته وجهوده للدعوة إلى هذا الانحراف والضلال وإشاعتهما. ففي معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . يذكر الطبري في تفسره أن الشياطين المشار إليهم في هذه الآية هم شياطين فارس من المجوس، وأن أولياءهم هم المتمردون من مشركي قريش. فقد أرسلت فارس إلى أوليائها من قريش أن جادلوا محمدا وأصحابه، حول أكل الميتة، وكانوا يسمونها قتل الله. فقالوا: ما قتل الله لا تأكلونه وما قتلتم تأكلون؟ وفي رواية قال المشركون للرسول ﷺ : أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: "الله قتلها". قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . وفي رواية أخرى، قالوا: أما قتل الصقر والكلب فتأكلونه، وأما قتل الله فلا تأكلونه؟ فوقع في نفوس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله الآية، ونزلت أيضًا آية: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢-١٢١] ١. ورواية الطبري عن مناسبة الآية تبين بوضوح إن ظاهرة شياطين الفكر من المستعمرين الذين يثيرون الشبهات حول الإسلام، وظاهرة أوليائهم من العرب -أو العملاء حسب لغة العصر الحديث- الذين يشيعون هذه الشبهات هذه ظاهرة قديمة -حديثة. فالعرب كانوا وما زالوا يتلقون القضايا الفكرية من شياطين الخارج. ففي الماضي كانوا يتلقون المعتقدات والشبهات من فارس والروم، واليوم يتلقونها من الغرب والشرق، ولا عاصم لهم إلا الإسلام. والحديث النبوي يركز على التحذير من شياطين الإنس. من ذلك قوله ﷺ : "يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ " قالت قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم شر من شياطين الجن" ٢.

стр. 350

وبهذا التصور الذي يقدمه القرآن والحديث يكون هناك شيطان الفكر، وشيطان التربية، وشيطان الثقافة، وشيطان الآداب، وشيطان الفنون، وشيطان الإعلام، وشيطان الإباحية، وشيطان الأزياء. ومن أحب أحدا من هؤلاء الشياطين أو قلده فهو ولي له، وهم أولياء له باعتبار أن لكل هؤلاء اهتمامات مشتركة تعمل في الاتجاه المضاد لصحة الأمة المسلمة، وسلامة عناصرها في الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة إن كانت قائمة، أو يعمل على إعاقة إخراجها إن كانت في مرحلة التكوين أو النشأة والنمو. وهكذا تتمركز -ولاية الشيطان- في قلب الاجتماع البشري، وتمثل سلوكا بشريا متخلفا وضارا لا بد من دراسته ومعالجته. ولكن مؤسسات التربية الإسلامية -حين خشيت في عصور الجمود والاستبداد شياطين السياسة والترف من الإنس- انحرفت للغوص في الغيبات بحثا عن شياطين الجن، التي لا ترى ولا يحس لها أثر، وأشغلت تفكير الناس بذلك حتى انتهت بكثير منهم إلى الوسوسة والجنون. لذلك لا بد للتربية الإسلامية أن ترد لمصطلح الشيطان، وولاية الشيطان محتواهما الاجتماعي المتمركز في قلب الاجتماع البشري، ولا بد لها أن تفتح ميادين جديدة في علم النفس للتعرف على عوامل، والمؤثرات التي تنتهي بالإنسان الذكي إلى الشيطنة الفكرية والسياسية، والاقتصادية والأخلاقية والتعرف على مضاعفاتها، وأساليب معالجتها وطرق الوقاية منها. فذلك هو الذي تدعو إليه الضرورات وتتطلبه التحديات، ويركز عليه القرآن الكريم حين يتحدث عن شياطين البشر من القيادات الفكرية، والسياسية وآثارهم المدمرة في الجماهير التي تستجيب لشيطنتهم وتقتفي أعمالهم، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . ولقد نقل الطبري في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود ﵄ أن المراد بـ"الشياطين" في هذه الآية كبار اليهود ورءوس الكفر، وأن الآية تشير إلى سلوك المنافقين في المدينة المنورة الذين كانوا يتظاهرون

стр. 351

بالإيمان إذا أصاب المسلمون رخاء وخيرا، ولكنهم إذا رجعوا إلى "شياطينهم" من كبار اليهود ورؤساء الكفر قالوا لهم: إنا لسنا جادين في إظهار الإيمان، وإنما نحن مستهزئون بمحمد وأصحابه١. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الحكمة من اعتبار شياطين الإنس شر من شياطين الجن -كما يقرر الحديث النبوي الذي مر ذكره؟ الجواب: هو ما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨-١٠٠] . فالشيطان الجني مخلوق خفي لا فاعلية له إلا في بيئات الظلم، والفساد والفاحشة التي تسهل عمله على إيقاع البشر في المعاصي، تماما كما لا تعمل الجراثيم، والفايروسات إلا في بيئات التلوث والقذارة التي تيسر لها التكاثر والفتك بالأصحاء. لذلك لا سلطان للشيطان في بيئات الإيمان بالله، وتطبيقاته النظيفة، وإنما سلطانه حين "يتولاه" المنشطنون من البشر و"يشركون" به و"يؤمنون" بالضلال الذي يريده، و"يهاجرون" إلى تطبيقات هذا الضلال، و"يجاهدون" لتلويث البيئة العامة بهذه الفواحش، و"يؤون" روادها ويسبغون عليهم المال والجاه والمكانة الوظيفية، ويجتهدون في "نصرتها" وحراستها. لذلك تبدو خطورة المكر الذي تمارسه الأنظمة السياسية التي تفصل بين الدين، والحياة وتجعل الدين قضية فردية، ثم "تتولى" شياطين الفن والثقافة، والتعليم والإعلام والاقتصاد والإدارة بالإيواء والنصرة، وتطلق لهم الحرية كاملة ليلوثوا البيئة العامة بالإلحاد والفاحشة، والترف والاحتكار والظلم والمحسوبية، وغلاء الأسعار الأمر الذي يجعل اجتناب المعاصي أمرا صعبا للغاية عند غالبية الذين يعيشون في هذه البيئة مهما انتشرت الخطابة

стр. 352

والمواعظ وكثرت المساجد وشعائر العبادة؛ لأن السلوك هو محصلة التفاعل بين الفرد والبيئة في لحظة معينة. لذلك لا يولد العمل الصالح من صلاح الفرد وحده، وإنما من صلاح الفرد والبيئة سواء. يضاف إلى ذلك أن تكرار السقوط في مزالق المعصية، ومصارعة معزياتها في البيئة الملوثة يشيع الاعتقاد بصعوبة التدين، ويجعل العصاة وضعاف النفوس يصدقون مقولات -شياطين العلم- التي تقرر أن الضوابط الأخلاقية قيود نفسية، تنتهي بأصحابها إلى العقد النفسية، والمشكلات الاجتماعية والأمراض الجسدية. والدرجة الثانية، ولاية الكافرين والمنافقين والعصاة بعضهم لبعض: وإلى هذه الدرجة هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩] . ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] . فالكافرون والمنافقون والعصاة من الموجهين والقادة يتولون الأتباع بالتوجيه، والتدريب على الممارسة والتطبيق، بينما يتولى الأتباع القادة والموجهين بالاستجابة، والاتباع والإيواء والنصرة. وهم جميعا يتعاونون لإقامة -أمة الكفر- والهيمنة في الأرض لنشر الفتنة والفساد الكبير.

стр. 353

التربية ورباط الولاية: ينبه القرآن الكريم إلى ضرورة العلم بالنوعين من -الولاية- وقيام التربية بالتمييز بينهما بغية اتقاء التداخل، أو الاختلاط بين الأفكار والتطبيقات والروابط، والولاء مما يضعف -ولاية الأمة المسلمة- ويبطل فاعليتها. وأبرز الظواهر التي تختلط فيها مفاهيم الولاية، والرعاية هي -روابط العصبية والدم والمصالح الاقتصادية، ولذلك أخضعتها التربية الإسلامية لتوجيهاتها، وسمحت بها ما دامت -صلة رحم- تدور في فلك -ولاية الإيمان- وتقتصر وظيفتها على التواصل الاجتماعي بعيدا عن مكاسب السياسة والإدارة. أما إذا انقلبت عصبية جاهلية، واصطدمت بولاية المؤمنين فعند

стр. 354

ذلك لا مكان لها في "أمة المؤمنين". وإلى ذلك يشير أمثال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٣، ٢٤] . والرسول ﷺ يخرج من بقي مواليا لروابط العصبية من دائرة الانتماء لـ"الأمة المسلمة"، وأنه ليس من هذه الأمة من دعا إلى عصبية أو قاتل على عصبية أو مات على عصبية١. وتبدو الحكمة من المفهوم الإسلامي لـ"الولاية" حين ننظر في العلاقة بين فاعلية الولاية وسعة دائرتها. فالأمة التي تمتد حدود -الولاية- فيها إلى الدائرة الإيمانية التي تتسع للإنسانية كلها تتفوق على الأمة التي ينتهي رباط الولاية فيها عند "الدائرة القومية". والأمة التي ينتهي رباط الولاية فيها عند "القوم" تتفوق على الأمة التي ينتهي فيها رباط الولاية عند دوائر "القبيلة". والسبب إنه كلما اتسعت دائرة الولاء تطلبت إلى قدر أكبر من العمل الجماعي، ومحتويات أوسع وأعمق لروابط الإيمان والهجرة والجهاد والرسالة، والإيواء والنصرة، وإلى قدر أكبر من الوسائل وتكنولوجيا التنظيم. وهذا ما يفسر تخلف مجتمعات العالم الثالث، وتفوق مجتمعات أمريكا وأوربا واليابان، ذلك أن ولاء الفرد والجماعات في المجتمعات المتفوقة يمتد حتى دائرة "القوم" بينما ينتهي ولاء الفرد في المجتمعات العالم الثالث -ومنه العالم الإسلامي- عند دائرة "القبيلة" أو "الطائفة"، ولذلك تتحدد جهوده ونشاطاته، واهتماماته بحدود الدوائر القبلية والطائفية، وبما يكفي احتياجاتها المحدودة مما يجعل أهدافه أصغر وطموحاته أدنى، ونشاطاته ووسائله في المعرفة، والعمل والإنتاج أقل.

стр. 355

الفصل الثالث والعشرون: عناصر الأمة المسلمة ونظرية الحاجات في علم النفس الحديث سلم الحاجات بين الأصول الإسلامية وعلم النفس الإنساني ... الفصل الثالث والعشرون: عناصر الأمة المسلمة، ونظرية الحاجات في علم النفس الحديث إن تجسيد عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة في حياة مجموعة من الناس يلبي حاجات فطرية في الإنسان، ويفجر طاقاته في العمل ويؤدي إلى ميلاد أمة وقيام حضارة. والعبث بهذه العناصر في أمة قائمة أو تسرب الخلل إليها يحرم الإنسان من حاجاته الفطرية، فتموت فاعليته وينتهي إلى العجز والكسل مما يؤدي إلى ضعف الأمة القائمة، وانحلالها وموتها. ولقد أولى علم النفس الحديث -ظاهرة الحاجات الإنسانية- عنايته وتناولتها علوم الإدارة والسياسة والتربية بالتطبيق. ومن المصادر المعتمدة في هذا المجال -نظرية سلم الحاجات عند أبراهام ماسلو Abraham Maslow رائد مدرسة علم النفس الإنساني Humanistic Psychology التي تقول بتفرد الإنسان، وترفض المقررات التي تسوي بينه وبين الحيوان. ولعله من المناسب استعراض التوازي القائم بين هذه النظرية، وبين عناصر الأمة المسلمة وتطبيقاتها التي مر ذكرها. ١- سلم الحاجات بين الأصول الإسلامية، وعلم النفس الإنساني: للإنسان دوافع أو حاجات كثيرة تتزاحم لتوجيه سلوكه، وتتخذ أوضاعا متغيرة في حياته حيث تقوى أحيانا وتضعف أخرى. وأقوى هذه الحاجات في لحظة معينة تقود إلى النشاط، وتوجيه السلوك كما هو في الشكل التالي:
следующие страницы →