← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بالإيمان إذا أصاب المسلمون رخاء وخيرا، ولكنهم إذا رجعوا إلى "شياطينهم" من كبار اليهود ورؤساء الكفر قالوا لهم: إنا لسنا جادين في إظهار الإيمان، وإنما نحن مستهزئون بمحمد وأصحابه١. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الحكمة من اعتبار شياطين الإنس شر من شياطين الجن -كما يقرر الحديث النبوي الذي مر ذكره؟ الجواب: هو ما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨-١٠٠] . فالشيطان الجني مخلوق خفي لا فاعلية له إلا في بيئات الظلم، والفساد والفاحشة التي تسهل عمله على إيقاع البشر في المعاصي، تماما كما لا تعمل الجراثيم، والفايروسات إلا في بيئات التلوث والقذارة التي تيسر لها التكاثر والفتك بالأصحاء. لذلك لا سلطان للشيطان في بيئات الإيمان بالله، وتطبيقاته النظيفة، وإنما سلطانه حين "يتولاه" المنشطنون من البشر و"يشركون" به و"يؤمنون" بالضلال الذي يريده، و"يهاجرون" إلى تطبيقات هذا الضلال، و"يجاهدون" لتلويث البيئة العامة بهذه الفواحش، و"يؤون" روادها ويسبغون عليهم المال والجاه والمكانة الوظيفية، ويجتهدون في "نصرتها" وحراستها. لذلك تبدو خطورة المكر الذي تمارسه الأنظمة السياسية التي تفصل بين الدين، والحياة وتجعل الدين قضية فردية، ثم "تتولى" شياطين الفن والثقافة، والتعليم والإعلام والاقتصاد والإدارة بالإيواء والنصرة، وتطلق لهم الحرية كاملة ليلوثوا البيئة العامة بالإلحاد والفاحشة، والترف والاحتكار والظلم والمحسوبية، وغلاء الأسعار الأمر الذي يجعل اجتناب المعاصي أمرا صعبا للغاية عند غالبية الذين يعيشون في هذه البيئة مهما انتشرت الخطابة

стр. 352

والمواعظ وكثرت المساجد وشعائر العبادة؛ لأن السلوك هو محصلة التفاعل بين الفرد والبيئة في لحظة معينة. لذلك لا يولد العمل الصالح من صلاح الفرد وحده، وإنما من صلاح الفرد والبيئة سواء. يضاف إلى ذلك أن تكرار السقوط في مزالق المعصية، ومصارعة معزياتها في البيئة الملوثة يشيع الاعتقاد بصعوبة التدين، ويجعل العصاة وضعاف النفوس يصدقون مقولات -شياطين العلم- التي تقرر أن الضوابط الأخلاقية قيود نفسية، تنتهي بأصحابها إلى العقد النفسية، والمشكلات الاجتماعية والأمراض الجسدية. والدرجة الثانية، ولاية الكافرين والمنافقين والعصاة بعضهم لبعض: وإلى هذه الدرجة هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩] . ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] . فالكافرون والمنافقون والعصاة من الموجهين والقادة يتولون الأتباع بالتوجيه، والتدريب على الممارسة والتطبيق، بينما يتولى الأتباع القادة والموجهين بالاستجابة، والاتباع والإيواء والنصرة. وهم جميعا يتعاونون لإقامة -أمة الكفر- والهيمنة في الأرض لنشر الفتنة والفساد الكبير.

стр. 353

التربية ورباط الولاية: ينبه القرآن الكريم إلى ضرورة العلم بالنوعين من -الولاية- وقيام التربية بالتمييز بينهما بغية اتقاء التداخل، أو الاختلاط بين الأفكار والتطبيقات والروابط، والولاء مما يضعف -ولاية الأمة المسلمة- ويبطل فاعليتها. وأبرز الظواهر التي تختلط فيها مفاهيم الولاية، والرعاية هي -روابط العصبية والدم والمصالح الاقتصادية، ولذلك أخضعتها التربية الإسلامية لتوجيهاتها، وسمحت بها ما دامت -صلة رحم- تدور في فلك -ولاية الإيمان- وتقتصر وظيفتها على التواصل الاجتماعي بعيدا عن مكاسب السياسة والإدارة. أما إذا انقلبت عصبية جاهلية، واصطدمت بولاية المؤمنين فعند

стр. 354

ذلك لا مكان لها في "أمة المؤمنين". وإلى ذلك يشير أمثال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٣، ٢٤] . والرسول ﷺ يخرج من بقي مواليا لروابط العصبية من دائرة الانتماء لـ"الأمة المسلمة"، وأنه ليس من هذه الأمة من دعا إلى عصبية أو قاتل على عصبية أو مات على عصبية١. وتبدو الحكمة من المفهوم الإسلامي لـ"الولاية" حين ننظر في العلاقة بين فاعلية الولاية وسعة دائرتها. فالأمة التي تمتد حدود -الولاية- فيها إلى الدائرة الإيمانية التي تتسع للإنسانية كلها تتفوق على الأمة التي ينتهي رباط الولاية فيها عند "الدائرة القومية". والأمة التي ينتهي رباط الولاية فيها عند "القوم" تتفوق على الأمة التي ينتهي فيها رباط الولاية عند دوائر "القبيلة". والسبب إنه كلما اتسعت دائرة الولاء تطلبت إلى قدر أكبر من العمل الجماعي، ومحتويات أوسع وأعمق لروابط الإيمان والهجرة والجهاد والرسالة، والإيواء والنصرة، وإلى قدر أكبر من الوسائل وتكنولوجيا التنظيم. وهذا ما يفسر تخلف مجتمعات العالم الثالث، وتفوق مجتمعات أمريكا وأوربا واليابان، ذلك أن ولاء الفرد والجماعات في المجتمعات المتفوقة يمتد حتى دائرة "القوم" بينما ينتهي ولاء الفرد في المجتمعات العالم الثالث -ومنه العالم الإسلامي- عند دائرة "القبيلة" أو "الطائفة"، ولذلك تتحدد جهوده ونشاطاته، واهتماماته بحدود الدوائر القبلية والطائفية، وبما يكفي احتياجاتها المحدودة مما يجعل أهدافه أصغر وطموحاته أدنى، ونشاطاته ووسائله في المعرفة، والعمل والإنتاج أقل.

стр. 355

الفصل الثالث والعشرون: عناصر الأمة المسلمة ونظرية الحاجات في علم النفس الحديث سلم الحاجات بين الأصول الإسلامية وعلم النفس الإنساني ... الفصل الثالث والعشرون: عناصر الأمة المسلمة، ونظرية الحاجات في علم النفس الحديث إن تجسيد عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة في حياة مجموعة من الناس يلبي حاجات فطرية في الإنسان، ويفجر طاقاته في العمل ويؤدي إلى ميلاد أمة وقيام حضارة. والعبث بهذه العناصر في أمة قائمة أو تسرب الخلل إليها يحرم الإنسان من حاجاته الفطرية، فتموت فاعليته وينتهي إلى العجز والكسل مما يؤدي إلى ضعف الأمة القائمة، وانحلالها وموتها. ولقد أولى علم النفس الحديث -ظاهرة الحاجات الإنسانية- عنايته وتناولتها علوم الإدارة والسياسة والتربية بالتطبيق. ومن المصادر المعتمدة في هذا المجال -نظرية سلم الحاجات عند أبراهام ماسلو Abraham Maslow رائد مدرسة علم النفس الإنساني Humanistic Psychology التي تقول بتفرد الإنسان، وترفض المقررات التي تسوي بينه وبين الحيوان. ولعله من المناسب استعراض التوازي القائم بين هذه النظرية، وبين عناصر الأمة المسلمة وتطبيقاتها التي مر ذكرها. ١- سلم الحاجات بين الأصول الإسلامية، وعلم النفس الإنساني: للإنسان دوافع أو حاجات كثيرة تتزاحم لتوجيه سلوكه، وتتخذ أوضاعا متغيرة في حياته حيث تقوى أحيانا وتضعف أخرى. وأقوى هذه الحاجات في لحظة معينة تقود إلى النشاط، وتوجيه السلوك كما هو في الشكل التالي:

стр. 356

في الشكل "أ" تقع الحاجات الفسيولوجية في أعلى السلم، وتبدو أقوى الحاجات؛ لأنها حاجات أساسية ضرورية للحياة نفسها مثل الحاجة للطعام، والحاجة للباس، والحاجة للمأوى، والحاجة للزواج، وما لم تشبع هذه الحاجات الأساسية إلى درجة تضمن حياة الجسم، والقيام بوظائفه فإن غالبية اهتمامات الإنسان، ونشاطاته سوف تتركز حول هذه الدرجة من سلم الحاجات بينما تنال بقية المستويات قليلا من الدافعية. ب- الشكل الثاني: حاجات الأمن: وإذا بدأت الحاجات الفسيولوجية بالاكتفاء تصبح الحاجات التالية في السلم وهي -حاجات الأمن Safety أو Security أكثر هيمنة، وتسيطر على الاهتمامات، وتوجه النشاطات كما يتضح من الشكل التالي: في الشكل الثاني تبدو حاجات الأمن في أعلى السلم أي أنها أقوى الحاجات. وحاجات الأمن تعني التحرر من الخوف، أو الإيذاء الجسدي أو الحرمان من الحاجات الأساسية أي أنها تعني حفظ النفس، وصيانة ثروة الفرد ووظيفته حتى يستطيع توفير الغذاء والمأوى لغده وما بعد. فإذا كان أمن الإنسان في خطر فإن بقية الحاجات تصبح غير مهمة عنده، ويتركز اهتمامه ونشاطه وسلوكه لتوفير الأمن الذي ينشده، واتقاء الخطر الذي يتهدده.

стр. 357

والكثير من الناس يحتاجون إلى تقدير عال لأنفسهم يتمثل في الثقفة بالنفس، والهيبة والقوة والهيمنة وشعور الفرد بأنه مفيد، وله بعض التأثير في بيئته. وإذا لم يستطع -هذا النوع من الأفراد- إشباع حاجته للتقدير من خلال السلوك البناء، فإنه قد يلجأ إلى السلوك التدميري، والنشاطات المشوشة غير الناضجة. فالطفل -مثلا- قد ينفجر في نوبة غضب ليلفت انتباه من حوله. والموظف قد يدخل في جدل مع زملائه أو رئيسه، ويصبح مشاكسا في دائرته، والمعارضة قد تدخل في شغب مع الحكومة، وانتقاد حاد أو هدام لأعمالها والتظاهر ضدها، وإثارة أعمال الشغب في وجهها. ويتعلق بـ -حاجة التقدير- دافعان: المكانة Prestige والقوة Power. أما المكانة فقد تولد مع الفرد إذا ولد في عائلة أو بيئة لها مكانتها. والناس يبحثون عن المكانة بطرق عديدة، ويكتفي الكثير بالبحث عن مظاهرها المادية بينما يجاهد آخرون لنيلها بالإنجاز الشخصي وتحقيق الذات. وكثير من الأشخاص يعملون بجد للحصول على مكانة معينة، فإذا حصلوا عليها ضعفت أو انطفت هذه الحاجة وصارت مهمتهم المحافظة عليها لا التقدم. ولذلك تكون دافعية المكانة قوية في الشباب الذين يميلون لتحسين مكانتهم بينما يقنع الكبار بما وصلوا إليه، وتكون النتيجة أنهم لا يعملون كثيرا لتحسين مراكزهم. أما عن القوة فهي نوعان: قوة المركز، وقوة الشخصية. وهناك أناس لا قوة لهم على الإطلاق. هـ- الشكل الخامس: الحاجة لتحقيق الذات عندما تبدأ الحاجة إلى التقدير بالإشباع بشكل مقبول، فإن الفرد يبدأ في التطلع إلى ما يثبت هذا التقدير ويخلده. ولذلك تصبح -الحاجة لتحقيق الذات- أقوى دوافع السلوك، وتتمركز في أعلى قمة السلم كما هو واضح في الشكل التالي:

стр. 358

وحاجة تحقيق الذات تستدعي مضاعفة إنتاج الفرد، وبلوغ أقصى ما يستطيعه من الإبداع. فالمفكر يحتاج أن يكتب ويفرز أحسن ما يستطيعه من الأفكار، والقائد يحتاج أن يحقق أروع الانتصارات ويكسب المعارك، والسياسي يحتاج أن ينجز أعظم الأعمال. وهكذا فإن تحقيق الذات هو الرغبة في أن يصبح المرء ما في قدرته أن يكون. ويشبع الأفراد هذه الحاجة بطرق مختلفة. فقد يعبر عنها الإنسان ليصبح مديرًا ناجحًا. وقد يعبر عنها بالبروز في الرياضة، وآخر قد يعبر عنها في التفوق الدراسي، وقد تعبر عنها الأم لتصبح أما مثالية، وفي القتال قد يخاطر الجندي بحياته، ويهاجم وحدة سلاح لتدميرها وهو يعلم تمام العلم إن فرض نجاته قليلة جدا، وهو لا يفعل ذلك لحاجته للانتماء أو التقدير، وإنما لما يظنه مهما. وتتنوع أساليب إشباع -الحاجة لتحقيق الذات- ويمكن تغييرها في مدار العمر. فالرياضي مثلًا قد يبحث عن ميادين أخرى يضاعف فيها احتمالات تفوقه طبقات لتغير عطائه الجسدي أو لاتساع آفاقه١.

стр. 359

والبحوث التي تناولت تحقيق الذات -بعد ماسلو، بلورت هذه الحاجة في دافعين اثنين هما: دافع الجدارة، ودافع الإنجاز. أما الجدارة أو الكفاءة فهي تتضمن القدرة على السيطرة على عوامل البيئة الطبيعية والاجتماعية. فالناس الذين لديهم هذا الدافع لا ينتظرون حدوث الأشياء من ذاتها، وإنما يريدون أن تكون لديهم القدرة على تشكيل البيئة لحدوث الأشياء. وتعتمد قوة هذا الدافع أو ضعفه على تجارب النجاح والفشل الماضية. وتتشكل توقعات الأفراد حسب هذه الخبرات. فالذين تكون توقعاتهم سلبية تضعف عندهم روح المخاطرة والمبادرة. وهؤلاء يتركون بيئتهم تتحكم بهم أكثر من المحاولة على تغييرها. وهذا الدافع متغير غير ثابت حسب خيرات النجاح والفشل. وعلى كل هناك وقت يميل فيه دافع الكفاءة إلى الهدوء والركود. وعندما يحدث هذا فإن حس الكفاءة يتحول إلى تنبؤات نفسية عما إذا كانت خبرة معينة ستنجح أو تفشل. وبعد أن يصل الفرد إلى سن معينة، فإنه نادرا ما ينجز أكثر مما يظن أنه قادر عليه؛ لأنه يحاول إنجاز أشياء يظن أنه ليس له قدرة عليها. وأما -الإنجاز- فقد لاحظ علماء السلوك أن بعض الأفراد لديهم حاجة قوية للإنجاز، بينما آخرون، ولربما الأكثرية، لا يبدو أنهم يهتمون بالإنجاز، ولقد أثارت هذه الظاهرة البروفسور ديفيد س. ملكيلاند الذي ما زال هو وفريقه في جامعة هارفارد يدرسون الحاجة للإنجاز. والأبحاث التي أجراها مكليلاند قادته إلى الاعتقاد بأن حاجة الإنجاز هي حاجة واضحة متميزة، ويمكن تمييزها من بقية الحاجات، ويمكن عزلها وتقييمها في أية جماعة. وأبرز خصائص الأشخاص الذين لديهم حاجة عالية للإنجاز هي: أولًا، دراسة الشيء بدقة قبل البدء به. ثانيًا، اعتدال روح المخاطرة.

стр. 360

ثالثًا، الاهتمام بالإنجاز أكثر من الحوافز. رابعا، قضاء وقت أكبر في التفكير بما يجب عمله١. وليس من الضروري -حسب رأي ماسلو- أن تعمل حاجات الإنسان طبقا للنسق الذي قدمه، وليس من الضروري أن تنطبق هذه الحاجات على كل بني الإنسان. ولكنها هي النموذج الغالب الذي يعمل في غالب الأوقات. ولقد شعر -ماسلو- إن هناك نماذج من البشر تشذ عن هذا المبدأ، وضرب لذلك مثلا بالقائد الهندي غاندي الذي ضحى بحاجاته الفسيولوجية، والأمن ليشبع الحاجات الأخرى عندما كانت الهند تكافح للاستقلال من سيطرة بريطانيا٢. ولا أريد الخوض في درجة النقد لـ -ماسلو- وهو ينتبه لفرد واحد مثل غاندي، ويغفل عن جيل كامل مثل جيل الصحابة في التاريخ الإسلامي الذين قدموا المثل الفريد للتضحية بالحاجات الفسيولوجية، والأمن في سبيل الارتقاء إلى حاجة تحقيق الذات. ولكنه يظل جيلا غير قابل للتكرار بنفس الحجم والزخم -حسب تقرير القرآن نفسه الذي نص بصراحة على أن بلوغ هذا الدرجة تتصف بها ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين. والواقع إن النظر الراسخ في القرآن الكريم يرشد إلى أن الله لم يفرض هذه التضحية قاعدة مستمرة في استراتيجية العمل الإسلامي، وإنما وجه إليها رسوله ﷺ مؤقتا في الوقت الذي وجهه، لأن يبحث عن مهجر يهاجر إليه، ويعمل على توفير كافة درجات سلم الحاجات لأتباعه فيه ابتداء من الحاجات الأساسية، ثم حاجات الأمن والاحترام والانتماء مما يهيئ لهم تحقيق ذواتهم الإنسانية، التي فطروا عليها في الجدارة

стр. 361

والإنجاز وهم يجاهدون لحمل رسالة الإسلام إلى العالم كله. وليست عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة إلا وسائل عملية فاعلة لتوفير سلم الحاجات المشار إليه. فعنصر -الإيواء- يحقق -الحاجات الأساسية- وهو يركز على وجوب انتفاع الأمة كلها بمصادر الثرورة، وتنمية قيم الاستقرار والزواج والمسكن، وتأمين المواصلات، وحسن الانتفاع بالأرض ومواردها، وتنمية حب العمل ومهاراته، وغير ذلك مما جرت مناقشته في الفصل الخاص بذلك. وعنصر -النصرة- يحقق -حاجات الأمن- وهو يركز على سيادة "الشريعة فوق القوة"، وتحصين إنسان الأمة المسلمة من الغيبة والتجسس، والاضطهاد والنفي وهو أيضا يحقق -الحاجة للتقدير- وهو يركز على حرمة الإنسان ونصرة العدل ضد الظلم، والدفاع عن حرماته أمام طغيان القوة في الداخل أو الخارج. وعنصر -الإيمان- يحقق -الحاجة للانتماء- وهو يركز على بلورة "هوية المؤمنين وجنسيتهم وثقافتهم" المتميزة عن بقية الجنسيات والثقافات. وعنصر -الجهاد والرسالة- يحقق -الحاجة لتحقيق الذات- وهو المجال الذي يفتح الباب واسعا في مسرح الكرة الأرضية كلها ليحقق المسلم ذاته من خلال إثبات "جدارته" في حمل الرسالة -رسالة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- وبرهنة "جدارته" على "الإنجاز" من خلال تجسيد هذه الرسالة في معتقدات ونظم وتطبيقات. وعنصر -الهجرة- يرتقي بحاجة الانتماء إلى أعلى مستوياتها، ويجعل لسلم الحاجات الإنسانية ميزة خاصة، وهي قابلية الهجرة من التطبيقات الخاطئة لهذه الحاجات، أو تلك التي انقضى أمدها إلى تطبيقات تتفق مع متطلبات الزمان والمكان.

стр. 362

ويلاحظ على سلم الحاجات التي توجه إليها الأصول الإسلامية، أنها تتلاحم مع الأصول العقدية، والقيم الأخلاقية التي يوجه إليها الإسلام مما يسهل الحكم على تطبيقات هذه الحاجات، وتصنيفها إلى تطبيقات خيرة وأخرى خاطئة. وتبدو هذه السمة واضحة في الآيات القرآنية التي تتحدث عن دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٧] . ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] . فالدعاء من أجل إشباع -حاجات الأمن، والثمرات، والتقدير "من أفئدة الناس" وسائل تعين ذرية إبراهيم "ليقيموا الصلاة" و"يشكرون". وإقامة الصلاة تعني إقامة معانيها في واقع الحياة، أما حقيقة الشكر فهو أن لا يعصى الله فيه نعمه. أما في علم النفس الحديث، فإن -سلم الحاجات الإنسانية- يطرح مجردا من العقائد والقيم والأخلاق مثله في ذلك مثل -العلم الطبيعي- ثم لا يكترث واضعو نظرية سلم الحاجات هذا إن جاءت تطبيقاتها لنصرة الخير، أو لتعزيز مكانة الشر. وانطلاقا من هذه الفرق اختلفت تطبيقات الحاجات المشار إليها في كلا المدرستين التربويتين، وهو ما سيعالج في الفقرة التالية من هذا البحث.

стр. 363

٢- سلم الحاجات الإنسانية بين التطبيقات الإسلامية، والتطبيقات التي يوجه إليها علم النفس الحديث: أدى الاختلاف القائم بين غايات سلم الحاجات الإنسانية في أصول التربية الإسلامية، وعلم النفس الحديث إلى اختلافات في التطبيقات. وتتمثل أبرز هذه الاختلافات في ما يلي: أولا: توفير حاجات الطعام، والأمن للنوع البشري كله -في مقابل- توفيرها لجنس معين من النوع البشري: في أصول التربية الإسلامية توجه تطبيقات سلم الحاجات الإنسانية إلى توفير حاجات الطعام، والأمن لجميع بني الإنسان سواء منهم المؤمنين أو الكافرين. فحين قصر إبراهيم ﵇ دعاءه بالأمن، والثمرات وإيواء أفئدة الناس على "من آمن" من ذريته جاءه الجواب الإلهي ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ . والقليل هنا هو فترة الحياة الدنيا، ووصف بالقلة لقصر زمنها إذا ما قورنت بالآخرة الأبدية اللامتناهية. ويستنتج من هذا عدم جواز العبث والمساس بحاجات الغذاء والإيواء، والأمن بسبب الاختلاف في المعتقدات والسلوك والمواقف. فلا نفي ولا مصادرة ولا قطع لموارد العيش، ولا إيقاف عن العمل ولا اعتداء على الحريات والكرامات. وفي القرآن الكريم أن المناسبة في نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] هي أن جماعة من المسلمين كانوا ينفقون على قوم من يهود قريظة، والنضير في المدينة تربطهم بهم روابط النسب والقربى، فأرادوا إيقاف النفقة عنهم لإجبارهم على الدخول في الإسلام، فنزل الوحي ينهى الرسول ﷺ ويخبر المسلمين أنه لا يرضى بالضغط الاقتصادي أن يكون وسيلة لهداية الناس١.

стр. 364

ومثلها تمامًا حين أراد أبو بكر الصديق أن يوقف العون المالي الذي كان يدفعه لبعض أهل الإفك الذين أشاعوا الفحشاء عن عفاف ابنته عائشة زوجة الرسول ﷺ ، فجاء الوحي يناه عن قطع هذه المعونة: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . صحيح أن هذه التطبيقات الإسلامية لم يستمر التقيد بها تماما بعد عصر النبوة، والخلفاء الراشدين بسبب الردة إلى القيم القبلية والدوران في فلك "أشخاص" الحاكمين، إلا أن مخالفتها ظلت وما زالت ينظر إليها كمخالفة للأصول الإسلامية لا يمكن تبريرها أو القول بشرعيتها. أما في المجتمعات الحديثة التي تسترشد بنظريات علم النفس، فإن تطبيقات -سلم الحاجة الإنسانية بسبب الفلسفة اللادينية لهذا العلم- تقتصر على توفير حاجات الطعام، والأمن على جنس معين من البشر هو مواطنو هذه المجتمعات ولهدف اقتصادي هو رفع درجة الإبداع العلمي، والآداء الوظيفي بغية تحسين ظروف العمل وغزارة الإنتاج. أما خارج هذه المجتمعات فقد استغل الساسة والعسكريون، وأصحاب المصالح المالية في الاحتكار والاستعمار -سلم الحاجات عند ماسلو- لبلورة استراتيجيات، وسياسات معينة هدفها الهيمنة والتحكم بمقدرات الشعوب، والأمم الأخرى خارج أقطارهم. ويعترف الكثير من خبراء السياسة والمختصين في التربية إن قوانين ماسلو في الحاجات تطبق على كثير من شعوب العالم الثالث -ومنه العالم العربي والإسلامي- للتحكم من خلالها بمقدرات هذا العالم العقلية والنفسية، والمادية وإبقاء هذه الشعوب في دوامة العجز والفشل والإحباط بالقدر الذي تستدعيه السياسات المرسومة. أما أدوات هذا التحكم والتطبيق السلبي لقوانين ماسلو فهي التنظيمات الإدارية، والإجراءات البوليسية والسياسات الاقتصادية، والتربوية التي تنصح بها

стр. 365

الدول المتقدمة دول العالم الثالث، والمشكلات السياسية والعسكرية التي تستدرجها للتخبط في حمأتها، وتثبيت مواردها البشرية بواسطتها في دوامة البحث عن الغذاء والكساء، والسكن والزواج أي تثبيتها عند -درجة الحاجات الأساسية- مما يجعل ارتقاءها إلى -درجة التحقيق الذاتي: درجة الجدارة والإنجاز- أمرا مستحيلا. ثانيا: تأمين الأمن والاحترام للنوع البشري كله -في مقابل- تأمين الأمن والاحترام لجنس معين من النوع البشري: في أصول التربية الإسلامية توجه تطبيقات سلم الحاجات الإنسانية إلى توفير الأمن، والتكريم لبني آدم دون نظر إلى أجناسهم، أو ألوانهم أو معتقداتهم وثقافاتهم وممتلكاتهم أو أوطانهم. والعلاقة التي تربط بني المؤمنين وغير المؤمنين في مجتمع الأمة المسلمة تجسد هذا الاحترام في الاسم، والممارسة وتذكر بعلاقة العهد ووجوب الوفاء به. وهو ما يتضمنه اصطلاح -أهل الذمة، أو الذميين. وآخر وصية للرسول ﷺ عندما حضرته الوفاة كانت مراعاة الوفاء، والمعاملة الخيرة للنساء وأهل الذمة. أما في المجتمعات الحديثة فإن تطبيق -سلم الحاجات الإنسانية- يقتصر على توفير الحاجة للاحترام على جنس معين من البشر ميزته باسم -المواطن- وألقت عليه صفة -الأكثرية- بينما ميزت من هو خارج عن دائرة هذا الجنس باسم -الأجنبي- وألقت عليه صفة -الأقلية- وتقررت درجة الاحترام طبقا لهذا الاسم وهذه الصفة. كذلك قصرت الأمن على جنس معين من البشر هم الذين يسكنون داخل هذه المجتمعات. أما خارج هذه المجتمعات -خاصة مجتمعات العالم الثالث- فقد أشاعت سوء العلاقات بين القيادات، والشعوب وأبقت الجميع حبيس الحذر، وعدم الثقة ومما ينتج عن ذلك من توتر واضطراب، ونزيف بشري بسبب الفتن الدموية، أو الهجرات إلى الخارج. ويعترف الكثير

стр. 366

من الخبراء والمستشارين إنهم أقاموا نظم الحكم الدكتاتورية، والتربية العسكرية، ومؤسسات البوليس والمخابرات في العالم الثالث لتكون أدوات تهدم أمن الإنسان، واحترامه مما يبقيه مثبتا عند الحاجة إلى الأمن، والاحترام عاجزا عن الصعود إلى درجة الحاجة لتحقيق الذات حيث الجدارة والإنتاج. ولقد تناول هذه الظاهرة العالم النفساني -صول و. جلبرمان- حين ذكر أن حاجات الأمن تظهر بشكل واع، أو تكون في منطقة اللاوعي. فالحاجات المدركة هي مثل السلامة من الحوادث والحروب، والاعتقال والأمراض وعدم الاستقرار الاقتصادي. ولذلك يهتم الأفراد والمؤسسات في الدول المتقدمة بتوفير الضمانات للعاملين، وتوفير الأجواء المربحة لهم لتجنب العوامل التي تعيقهم عن الإبداع، بينما تنتهي هذه السلبيات بأقطار -العالم الثالث- إلى العجز وعدم الإنتاج. ويضيف -جلبرمان- إن توفير هذه الضمانات والحاجات النفسية في الأمن، والاحترام والانتماء يجعل العاملين أكثر استجابة لما يطلب منهم أن يعملوه، وأنهم بدونها قد يكونون أكثر طاعة للأوامر، ويمكن التحكم بمستقبل تصرفاتهم، ولكن ليس من الضروري أن يصبحوا منتجين مبدعين. ثالثا: تأمين -الحاجة للانتماء- للنوع البشري كله -في مقابل- قصر حاجة الانتماء على جنس معين من النوع البشري: في أصول التربية الإسلامية يستطيع كل إنسان أن يبلور "جنسيته" و"هويته" من خلال -عنصر الإيمان- وتطبيقاته الثقافية دون نظر إلى عوامل المولد والوطن، واللون والمصالح والمقدرات الاقتصادية، والمكانة الاجتماعية١.

стр. 367

أما في المجتمعات الحديثة -التي توصف بالتقدم التكنولوجي- قد لونت هذه الحاجة بفلسفة الدارونية وقصرت -الانتماء- على جنس معين. من البشر وضعت له أوصافا في "اللون" و"الجنس" و"التقدم الاقتصادي والتكنولوجي". فهو الجنس الأبيض، وهو المتقدم، وهو المتحضر. أما خارج هذه المجتمعات فقد تدخلت لتحديد "جنسيات" العالم الثالث و"هوياتهم" ومستوياتهم الحضارية، ومدى تطورهم التاريخي، وإصدار أحكامها فيما يتعلق بثقافتهم وتراثهم، فهم: شعوب العالم الثالث، وهم البرابرة، وهم مجتمعات التخلف، واستغلت نظم التربية والتوجيه لإشاعة ظواهر "الاغتراب الثقافي والاجتماعي" عند ناشئتهم، وعدم الانتماء عند شبابهم ومثقفيهم، ثم تركتهم فريسة الإحساس بالنقص، والظواهر المرضية في ميادين الاجتماع والأخلاق. رابعًا: تأمين -الحاجة لتحقيق الذات- للنوع البشري كله -في مقابل- قصر تحقيق الذات على جنس معين من البشر في أصول التربية الإسلامية توجه تطبيقات سلم الحاجات الإنسانية إلى توفير -الحاجة لتحقيق الذات- لبني البشر كافة من خلال إثبات "جدارتهم" وقدرتهم على "الإنجاز" الفكري والنفسي، والمادي فيما يسهم بحمل رسالة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلى العالم كله، وتجسيد هذه الغاية في واقع الحياة يحتاج إلى "جدارات" عالية و"إنتاج ضخم" في ميادين علوم الغايات وعلوم الوسائل وتطبيقاتها. أما في المجتمعات الحديثة، فإن تطبيق -سلم الحاجات الإنسانية- يقصر الحاجة لتحقيق الذات على جنس معين، كما يقصر ميدان "الجدارة" و"الإنتاج" على عوامل الوسائل، ولا يمتد إلى "علوم الغايات". أما خارج المجتمعات المتقدمة فإن سياسات هذه المجتمعات تقوم على نهب العقول القادرة على "تحقيق الذات" بوسائل التهجير التربوي

стр. 368

والأمني والبوليسي، وإغراءات إشباع الحاجات التي يحرم أصحاب العقول الذكية منها في مواطنهم -مواطن العالم الثالث- تاركين خلفهم الأغلبية الساحقة يصارعون لتحقيق أدنى درجات -سلم الحاجات الإنسانية- أو الحاجات الفسيولوجية التي تدور حول الغذاء، والكساء والمأوى والزواج، والذين ينجحون في تأمين الحد الأدنى لأنفسهم، ولأسرهم من الحاجات الفسيولوجية المشار إليها يصبحون أمثلة النجاح والإنجاز، والجدارة للأفراد، والقدوة الحسنة للناشئة. وخلال الصراع المشار إليه تنهار أخلاق الأفراد وتتقطع روابط الجماعات؛ لأن الإنسان إذا لم يحصل على حاجاته في العيش، والأمن والاحترام والانتماء بالطرق الكريمة العادلة، يصاب باختلال المشاعر والفكر والسلوك، فإما أن يلجأ إلى النفاق والتزلف والغش، والمكيدة والفاحشة للحصول على الحاجات المذكورة، وإما أن يغترب نفسيا ويلجأ إلى العزلة أو الهجرة إلى الخارج، وهذا هو السبب في الاضطراب الأخلاقي والاجتماعي عند الأكثرية السكانية في أقطار العالم الثالث.

стр. 369

الباب الخامس: صحة الأمة ومرضها وموتها مدخل ... الباب الخامس: صحة الأمة ومرضها وموتها الأمم كالأفراد تنتابها حالات الصحة والمرض والوفاة، ولها أعمار وآجال. وحين تمضي الأمم في مراحل الصحة والمرض والموت، فإنها تسير طبقا لقوانين محددة ومراحل مقدرة تحكمها -الأسباب والنتائج- وتصاحبها -الأعراض والمضاعفات- حتى تنتهي الأمة إلى أجلها ومصيرها المحتوم. وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] و [يونس: ٤٩] . ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٤، ٥] . والأسباب التي تؤدي إلى مرض الأمم، وتسوقها إلى آجالها هي أيضا كأسباب مرض الأفراد وآجالهم: أي هي أسباب طبيعية تتمثل في الهرم، وانتهاء زمن الابتلاء المقدر في الحياة، وأسباب مرضية تتمثل في مخالفة قواعد صحة الأمم، واقتراف أسباب المرض أو الوفاة. والأسباب الطبيعية لا سبيل إلى التحكم بها مثل انتهاء أجل الأمة، التي أخرجت على يد رسول الله ﷺ والتي أشار إلى أجلها بقوله:

стр. 370

"إن لكل أمة أجلا، وإن لأمتي مائة سنة، فإذا مرت على أمتي مائة سنة أتاها ما وعد الله"١. أما الأسباب المرضية فيمكن التدخل بها إيجابا، وسلبا مثلما يمكن التدخل في أسباب صحة الأفراد وأمراضهم ووفاتهم. ويحتاج العاملون في ميادين -إخراج الأمة- ورعايتها إلى التمييز بين "أسباب" مرض الأمم، و"مراحله" و"أعراضه". "فالأسباب" المرضية تكون "فكرية" أساسها ما في الأنفس من معتقدات وقيم وثقافات. أما "الأعراض" فتكون سياسية واقتصادية واجتماعية، وأما "المراحل" فتكون "حضارية". والخلط بين الأسباب والأعراض، والمراحل يتسبب في الاضطراب والارتباك في ميادين التربية، والدعوة والمعالجة فيشتغل المعالجون بالأعراض بدل الأسباب، أو يخطئون ترتيب الأسباب والمراحل، أو يخطئون في استعمال وسائل العلاج وطرائقه، أو يخطئون في توفير المؤسسات اللازمة لذلك هكذا. والرسول ﷺ يوجه إلى أسباب مرض الأمة وموتها، وإلى أعراض هذا المرض ومراحله في أحاديث كثيرة، ومتنوعة مستهدفا تحريك -إرادات- المسلمين لاستعمال قدراتهم العقلية، والحسية للبحث في الأسباب وتشخيص الأعراض، وتحديد وسائل العلاج كما نرى ذلك في مكانه من البحث. ويتحدث ﷺ عن مراحل صحة الأمة ومرضها، ووفاتها فيقول: "إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله " ٢.

стр. 371

الفصل الرابع والعشرون: المرحلة الأولى مرحلة صحة الأمة وعافيتها مرحلة الدوران في فلك الأفكار دوران الأشخاص والأشياء في فلك أفكار الرسالة وتطبيقاتها ... الفصل الرابع والعشرون: المرحلة الأولى: مرحلة صحة الأمة وعافيتها "مرحلة الدوران في فلك الأفكار" يرمز إلى مرحلة صحة الأمة في الشكل رقم "٢" بالمثلث أب جـ على صفحة ٣٧٣ حيث تبدأ بميلاد الرسالة عند المحطة الزمنية أ، حتى إذا تم إخراج الأمة، وبلغت درجة النضج كانت حقيقة "المثل الأعلى" الذي يوجه الحياة في الأمة هي: دوران "الأشخاص والأشياء" في فلك "أفكار" الرسالة وتطبيقاتها: والتطبيق العملي للدوران المذكور هو أن يكون "الولاء" للرسالة هو محور الأنشطة التي تكرس خلالها طاقات الأشخاص، ومقدرات الأشياء في الأمة في سبيل تطبيق "أفكار" الرسالة في الداخل ونشرها في الخارج. وبذلك تصبح "أفكار" الرسالة هي غايات الحياة بينما يشكل جهاد الأشخاص، وبذل الأشياء في هذ الجهاد دور الوسائل العامة لتحقيق هذه الغاية. وبتعبير آخر "يخلف أشخاص الأمة" الرسول في نصرة "أفكار" الرسالة فتظهر -الخلافة- وتحدد مواقع الأفراد، ووظائفهم طبقا لدرجة قدرتهم على "خلافة" الرسول في "فقه" أفكار الرسالة، وتطبيقاتها والإخلاص في حملها. وتطابق مواقف "الخلفاء" مع نموذج الرسول في الفقه، والتطبيق يؤهل خلافتهم لتوصف بأنها خلافة راشدة. وتتفاوت سعة "الخلافة" بتفاوت مسئوليات الأفراد حيث تبدأ من مسئولية الفرد في أسرته، أو متجره أو وظيفته حتى تبلغ أقصى سعتها في -الخليفة الحاكم- الذي يدير السياسة ويصرف

стр. 372

الأمور العامة. وهذا التجانس بين قمة الخلافة وقواعدها هو بعض ما تعنيه القاعدة الإسلامية القائلة: "كما تكونون يول عليكم"١. وفي حالة الصحة تستمد عناصر الأمة: أي عناصر الإيمان، والهجرة والمهجر، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية محتوياتها من أفكار "الرسالة" الإلهية، وتستثمر في سبيل تطبيقات الرسالة ونشرها. ويصور الشكل رقم "٣" التكوين الذي تنتظم طبقات له عناصر الأمة في مرحلة الصحة المشار إليها: الشكل رقم "٣" ففي الشكل "٣" المذكور أعلاه تتمركز عناصر الأمة الرئيسية: أي الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة على دائرة أفكار الرسالة لتجسد محصلة تطبيقاتها العملية في -الولاء- للفكرة ذاتها، وللأمة التي تحمل هذه الفكرة.

стр. 373

ويلاحظ إن -محور الولاء- المشار إليه يمر بدوائر أخرى تقع داخل دائرة الأفكار، وهذه الدوائر هي دوائر القوم، والقبيلة والأسرة والفرد نفسه. ومعنى ذلك إن هذه الدوائر المتوالية في الصغر تتغذى من دائرة "الأفكار" الأكبر كما تتغذى السيقان، والأغصان والأوراق والزهور، والثمار من بيئة الغذاء المحيطة بالجذور التي تنقل بدورها الغذاء للسيقان، والفروع التي تليها. فالدوائر الأصغر الواقعة داخل الدائرة الكبرى تستمد محتوياتها من "أفكار الرسالة" وتصبح -محاور الولاء- المحركة لها هي أيضا جزءا متحدا مع محور الولاء لأفكار الرسالة تسترشد بتوجيهاته، وتنصهر في مجراه. ونتيجة لذلك تصبح معادلة تكوين الأمة كالتالي: الأمة = أفكار الرسالة "أفراد مؤمنون + هجرة ومهجر + جهاد + الإيواء +نصرة". = أفراد مؤمنون بالرسالة + هجرة ومهجر لأفكار الرسالة + جهاد في سبيل الرسالة + إيواء حملة الرسالة + نصرة الرسالة. والنتيجة العملية لهذا التكوين هي -الولاية أو الولاء للأمة. وهذا الولاء هو مظهر صحة الأمة وعافيتها، وتكون المظاهر والتطبيقات العملية لذلك كما يلي: أ- رقي مستوى الخبرات الاجتماعية والكونية: يرتقي مستوى -الخبرات الاجتماعية والكونية- تبعا لارتقاء مستوى "المثل الأعلى". ولما كانت النشاطات التربوية، والعلمية هي التطبيق العملي لرقي الخبرات المذكور، فإن -إنسان التربية- هنا "يقرأ باسم ربه"، ويجتهد لتوفير الأهداف والوسائل التي تحقق غايات هذه القراءة. ويكون من ثمار ذلك ثلاثة أمور: الأول، ارتقاء مستوى المعرفة إلى مستوى "العلم"، أي مستوى اكتشاف الحقائق الجديدة، والصياغة الجديدة للمعارف السابقة، والثاني، اتساع دائرة المعرفة لتشمل قضايا الوجود كله في مراحل النشأة

стр. 374

والحياة والمصير دون حدود عرقية أو مكانية، أو زمانية إلى أن يبرز قسمان متكاملان من العلوم: علوم الغايات التي تدور حول فقه "أفكار الرسالة" وتطبيقاتها. وعلوم الوسائل التي تدور حول "تسخير" طاقات "الأشخاص" و"الأشياء" لتوفير الأدوات اللازمة لتجسيد "غايات" الرسالة في حياة الأمة المسلمة في الداخل، ثم حملها ونشرها بين الآخرين في الخارج. والثالث، نشاط الحركة المعرفية وشيوع روح الاجتهاد، وتعشق البحث العلمي والتنقيب في الخبرات البشرية الماضية والحاضرة، وشيوع حب القراءة بين خاصة الأمة وعامتها، وازدهار التربية والعلوم ومؤسساتها، وتطبيقاتها في مجالات الحياة المختلفة، وجذب العلماء من أي قطر كانوا، وإلى أي عرق انتموا. ب- رقي مستوى التفاعل مع الرسالة "رقي شبكة العلاقات الاجتماعية": يرتقي مستوى التفاعل مع الرسالة -أي ممارسة الحياة طبقا لتوجيهاتها -ويتجسد هذا- عمليا -في شبكة العلاقات الاجتماعية التي تنظم علاقات الأفراد، والجماعات في الداخل، وعلاقات الأمة مع غيرها من الأمم، حيث تتشكل هذه الشبكة كما يلي: تصبح رابطة "الإيمان" بأفكار الرسالة هي المحدد "لجنسية" الأفراد و"ثقافة" الأمة. ويصبح "المهجر" الذي يجمع المؤمنين بأفكار الرسالة هو الوطن الواحد الذي لا يتجزأ، والدار المفتوحة لأفراد المؤمنين جميعهم. ويصبح "الجهاد" لتجسيد أفكار الرسالة في الداخل، ونشرها في الخارج هو المجرى العام الذي تصب فيه روافد جهود جماعات المؤمنين وأفرادهم. ويصبح "إيواء" المؤمنين بتطبيقات الرسالة حقا لكل من يحمل "جنسية" الإيمان، ويتذوق "ثقافة" المؤمنين. وتصبح "نصرة" كل من يحمل جنسية المؤمنين، ومن توجه أفكار الرسالة إلى نصرته من غير المؤمنين مسئولية تقع على كاهل الأمة جميعها.

стр. 375

وتغير عناصر الأمة بالشكل المذكور أعلاه يؤدي إلى تغير مماثل في القيم والفضائل، والأخلاق التي توجه شبكة العلاقات الاجتماعية، فتصبح كما يلي: ١- تدور الأعمال والممارسات حول تجسيد عناصر الرسالة الثلاثة في حياة الأمة، حيث يتركز تطبيق "الأمر بالمعروف" حول التوافق مع سنن الله وأقداره وقوانينه، ويتركز تطبيق "النهي عن المنكر" حول اتقاء الاصطدام بهذه السنن والأقدار والقوانين، ويتركز تطبيق "الإيمان بالله" حول وقاية الإنسان المؤمن من مرض "الطغيان"، وادعاء الألوهية في حالة القوة والغنى، ومن مرض "الهوان"، والرضى برق "الأشخاص والأشياء" في حالات الضعف والفقر والتبعية. ٢- ينتظم سلم القيم في الأمة حول محور "الفكرة توجه القوة". ويكون التجسيد العملي لذلك هو تسلم "فقهاء الرسالة وحكمائها، وخبرائها" وظيفة "أولي الأمر" الذين قرن القرآن طاعتهم بطاعة الله ورسوله. أما مؤسسات "القوة"، وما فيها من أمراء وقادة ورؤساء وحاكمين، فيشكلون -الأجهزة- التي تنفذ ما يشرعه "أولوا الأمر" العلماء والمفكرون، والمصادر الإسلامية واضحة جلية في تحديد مسئوليات "العلماء" و"الرؤساء" وتصنيفها. ففي تفسير الطبري عن ابن عباس، وغيره أن "أولي الأمر" هم: أهل الفقه في الدين والعلم والعقل١. وعند الرازي أن غالبية العلماء ترى أن "أولي الأمر" هم العلماء وآخرون يرون أنهم العلماء والأمراء٢. وعند ابن تيمية: العلماء والأمراء٣ أو أهل الكتاب وأهل الحديد٤. ولقد تجسدت "ولاية الأمر" لأهل الفقه والعلم والدين، والعقل في عهد الرسول ﷺ وعهد خلفائه الراشدين ﵃.

стр. 376

٣- يتركز إنتاج "الأشياء" واستعمالها فيما يحقق غايات الرسالة، ويجسد "مثلها الأعلى" في تحقيق المنعة لأمة الرسالة، وشيوع العدل وتكافؤ الفرص وهيمنة السلام. ٤- تستمد نظم الإدارة والسياسة والاقتصاد، والعسكرية محتوياتها من "أفكار الرسالة"، وتتحدد وظائف الأفراد ومسئولياتهم طبقا لدرجة ولائهم لأفكار الرسالة، ودرجة قدراتهم العلمية والجسدية، ومهاراتهم التنفيذة دون اعتبار لمقاييس النسب والمولد والقوة، والعلاقات الشخصية المختلفة. جـ- رقي مستوى القدرات العقلية: في بيئة الولاء لـ"أفكار" الرسالة تشيع حريات التفكير والتعبير، والعمل والاختيار، ويتفاعل أصحاب القدرات العقلية بعضهم مع بعض، الأمر الذي يساعد على نمو هذه القدرات، وبلوغها أقصى مداها ابتداء من القوة على الحفظ، ومرورا بقدرات الفهم والتحليل والتركيب، والتأليف والتطبيق والتقويم حتى القدرة على العمل والنشر. واستثمار جميع المقدرات الفكرية، والبشرية والثقافية، والمادية بهذا التجرد والتناسق، والتكامل يمنح الأمة الناشئة عافية وقدرات هائلة: فهو -أولًا- يرفع درجة "القدرات التسخيرية" عند الأفراد ويبعث "إرادتهم العازمة". وهو -ثانيا- يشيع في الأمة التجانس الثقافي في القيم والعادات، والأخلاق والممارسات الاجتماعية والثقافية والفنية، ونماذج التعبير والتطبيق بما يتفق مع -محور الولاء- الذي يتغذى من دائرة "أفكار" الرسالة، الأمر الذي يمنح الأمة الناشئة عافية، وقدرات يقودانها إلى نجاحات حاسمة، وانتصارات كاسحة تدفع بالمجتمعات المعاصرة لأمة الرسالة إلى فتح قلوبها لبعوث الرسالة، والإقبال على دراستها، والتفاعل معها واعتناق عقيدتها وتطبيقاتها. ويمثل هذه الظاهرة في التاريخ الإسلامي التطبيقات التي تمت في

стр. 377

مجتمع الرسول ﷺ ، ومجتمع الراشدين في المدينة المنورة، وما حولها في الجزيرة، والانتصارات المدهشة والفتوحات الدينية، والثقافية التي حققتها جيوش الرسالة الإسلامية العسكرية، وبعوثها الفكرية خاصة زمن الرسول ﷺ ثم زمن الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 378

الفصل الخامس والعشرون: مرحلة مرض الأمة مرحلة الدوران في فلك الأشخاص مدخل ... الفصل الخامس والعشرون: مرحلة مرض الأمة "مرحلة الدوران في فلك الأشخاص" يرمز إلى مرحلة مرض الأمة في الشكل رقم "٢" بالمستطيل ب جـ د هـ. على صفحة ٣٧٣، وتتحول الأمة إلى هذه المرحلة حين تصبح حقيقة "المثل الأعلى" الذي يوجه الحياة فيها هي: دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "الأشخاص": ويبدأ الدوران المذكور حين تعدو "قيم" العصبيات القوية على "أفكار" الرسالة، فتحيلها إلى "أدوات" تحقق لـ"أشخاصها" "ملكية" الجاه، والمال بعد أن كانت مسئولية" و"أمانة" "يخلف" أفراد الأمة الرسول في حملها ونشرها. والمحصلة النهائية لهذا التبدل في القيم الاجتماعية هي اختفاء "الخلافة الراشدة" وظهور ما يسميه الرسول ﷺ بـ"الملك الجبري" الذي يلغي الشورى وحرية الاختيار، ويجبر الأمة على النهج الذي يضمن مصالح "أشخاص" العصبيات في الحكم والتملك. وتتفاوت دوائر "الملك الجبري" في الأمة حيث تبدأ من الأسرة، أو المتجر أو الوظيفة إلى أن تبلغ أقصى سعتها في صلاحيات الحاكم المتربع على رأس السلطة. ولقد علق ابن تيمية على هذا التجانس بين قمة -الملك الجبري وقواعده- فقال: "إن مصير الأمر إلى الملوك ونوابهم من الولاة والقضاة والأمراء، ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقص في الراعي والرعية جميعا، فإنه "كما

стр. 379

تكونون يول عليكم"، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ ١. ونجاح "أشخاص الملك الجبري" في توجيه سلم القيم في الأمة عند المحطة الزمنية "ب" في الشكل رقم "٢" يهيئ إلى انحسار عناصر الأمة أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية من دائرة "الأفكار" إلى دائرة الولاء لـ"الأشخاص" واستبدال محتوياتها الفكرية بمحتويات "شخصية". وتكون المحصلة النهائية لتفاعلاتها هي -الولاء للأشخاص. وبذلك يتغير تكوين الأمة لتصبح معادلته كما يلي: الأمة = الولاء للأشخاص "إيمان + هجرة ومهجر + هجرة ومهجر + جهاد ورسالة + إيواء + نصرة". = إيمان بالأشخاص + هجرة للأشخاص + جهاد للأشخاص + إيواء للأشخاص + نصرة للأشخاص. والولاء لـ"الأشخاص" له دوائر بعضها أضيق من بعض. فهناك الولاء للقوم أو الولاء للإقليم، ثم الولاء للقبيلة أو الطائفة أو الحزب، ثم الولاء للأسرة ثم ولاء الفرد لنفسه.

стр. 380

الطور الأول: طور الولاء للقوم حقيقة "المثل الأعلى" الموجه لحياة الأمة في هذا الطور هي: - دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "أشخاص" القوم- واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار الأمة أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة من دائرة "الأفكار الرسالة" إلى دائرة "أشخاص القوم" واستبدال مضامينها الفكرية بمضامين قومية. وتكون المحصلة النهائية لتفاعلاتها هي -الولاء للقوم- وبذلك يتغير تكوين الأمة لتصبح معادلته كما يلي:

стр. 381

الأمة = الولاء للقوم "إيمان + هجرة ومهجر + جهاد ورسالة + إيواء +نصرة". = أفراد يؤمنون بالقوم + هجرة قومية + جهاد ورسالة قومية + إيواء قومي + نصرة قومية. ويمكن أن نمثل لتكوين الأمة الجديدة بالشكل التالي رقم "٤": ففي الشكل رقم "٤" ينحسر -محور الولاء- إلى دائرة "أشخاص القوم". أما دائرة "أفكار" الرسالة، فتتحول صلة الأمة بها إلى صلة "نفاق" لا صلة ولاء. أي تتحول إلى أفكار تراثية مخزونة "تنفق" عند الحاجة من أجل نصرة محور الولاء لـ "أشخاص القوم". ويشير القرآن إلى "صلة النفاق" هذه عند أمثال قوله تعالى: - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣] . - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] .

стр. 382

وقد يبقى في الأمة أفراد وجماعات تدور في فلك "أفكار" الرسالة، ولكن دورانهم هذا يعضهم في "غربة" عمن حولهم ولا يخرجون في كل تفاعل اجتماعي إلا بالخبرات السلبية، ومشاعر الإحباط والأسى والعدمية. وفي هذا الطور تتعدد -محاور الولاء- تبعا لتعدد الأقوام المكونة لأمة الرسالة بدل الولاء للأمة الواحدة، وتنشأ عن ذلك مضاعفات مرضية في الخبرات الاجتماعية والكونية، ومستوى القدرات العقلية المتفاعلة في الأمة تتمثل فيما يلي: أ- مضاعفات المرض في مستوى الخبرات الاجتماعية والكونية: ينحسر مستوى التفاعل مع الخبرات الاجتماعية، والكونية في هذا الطور تبعا لانحساب "المثل الأعلى". ويكون التجسيد العملي لهذا الانحسار في ميدان التربية والعلم، فتتغير فلسفة التربية وأهدافها، إذ "يقرأ" إنسان التربية في هذا الطور "باسم قومه" أي لرفعتهم، وتمكينهم من الهيمنة والتملك. وهذا التحول في فلسفة المعرفة يؤدي إلى حلول "الفقه العرفي" محل "الفقه السنني". والفرق بين النوعين من الفقه هو أن الفقه السنني "يستبصر" بآيات الوحي لـ"يقرأ" سنن الاجتماع الإنساني، وقوانين الخلق في الآفاق والأنفس. أما "الفقه العرفي" فهو يئول آيات الكتاب في ضوء "أعراف" القوم، وخبراتهم الثقافية المتراكمة عبر العصور. و"الجماعة" في مفهوم الفقه السنني هي التي تجتمع على الحق وإن قلت. ولهذا أجاب الإمام علي بن أبي طالب من سأله عن معنى -الجماعة- فقال: " ... والجماعة -والله- مجامعة أهل الحق وإن قلوا. والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا"١. أما في الفقه العرفي فالجماعة هي الأغلبية التي يتم "قياس" الحق طبقا لمحصلة رغباتها.

стр. 383

والفقه السنني يعالج سلوك الإنسان، ونشاطات المجتمعات عبر مراحل الرحلة الإنسانية أي مراحل النشأة والحياة، والمصير باعتبارها كلها وحدة واحدة لا تتجزأ. أما الفقه العرفي فهو يجزئ الظاهرة الإنسانية فيجعل هناك "فقه للحياة" كما تودها إرادات -الأقوام- و"فقه" لغيبيات "النشأة والمصير" دون مرور في محطة الحياة. وحلول "الفقه العرفي" محل "الفقه السنني" يفضي إلى مضاعفات خطيرة أهمها: ١- هبوط مستوى المعرفة وضيق دائرتها، إذ تهبط المعرفة من دائرة الأفكار إلى دائرة الأشخاص، ومن اكتشاف الحقائق الجديدة إلى ترديد معارف السلف السابقين، وتضيق من الدائرة الإنسانية التي تعالج قضايا الإنسان أنى، وأين كان إلى الدائرة القومية التي تسجن المعرفة داخل الحدود العرقية والتاريخية. ٢- ينمو فقه "المظهر الشعائري" للعبادة، وينحسر فقه "المظهر الاجتماعي"؛ لأن إرادة الجالسين في مراكز القوة والجاه في كل "قوم" تتطلع للبقاء طليقة من أي فقه يقيدها في التصرف بشئون الحياة والاجتماع. وانحسار فقه "المظهر الاجتماعي" للعبادة ينعكس على كل من فقه "المظهر الديني" وفقه "المظهر الكوني". فبدل أن يكون فقه المظهر الديني نصرة للعدل الدنيوي يتحول إلى مخدر يشيع الرضى بالظلم، والقهر انتظارا للعدل الأخروي. وبدل أن يكون فقه المظهر الكوني بحثا عن آيات الله في الآفاق، والأنفس يصبح تطويرا لوسائل "دع أيتام الإنسانية" أي قهرهم والتسلط عليهم. وبدل أن يكون "تسخيرا" للمخلوقات لخدمة الإنسان يصبح "تسخيرا" للإنسان، والمخلوقات سوء لإرادات أصحاب القوم والنفوذ. ونتيجة لذلك يقع الانشقاق بين "أهداف الحياة" التي توفرها العلوم الدينية، وبين "الوسائل" التي توفرها العلوم الطبيعية. وتنقسم العملية التربوية إلى قسمين: تربية تشتغل بأهداف لا وسائل لها، وتربية تشتغل بوسائل لا

стр. 384

أهداف لها. وتمتد هذه الانشقاقات إلى مناهج الفهم والتطبيق، وتثور الخصومات وتعدد الفرق والجماعات. وإلى هذه الانشقاقات يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . ٣- يقل "فقهاء الرسالة" ويظهر "فقهاء الأقوام" المكونة للأمة الذين يؤولون آيات الكتاب ويحرفون المعاني عن مواضعها لتبرر إرادات "الأقوام" دون نظر في آيات الآفاق والأنفس. وإلى هذا التغير والزوغان يشير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] . ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] . أي فلما زاغوا -أي تحولوا- عن الولاء لـ"أفكار" الرسالة عملت سنن الله عملها في تحويل قدرات العقل، والإرادة في قلوبهم فصارت تتحرى المتشابه من آيات القرآن لتأويلها، وتبرير الولاء لـ"أشخاص القوم" ومصالحهم. ب- مضاعفات المرض على "القدرات العقلية" و"الإرادة العازمة" و"القدرة التسخيرية": تفضي مضاعفات الدوران في فلك "الأشخاص" إلى النيل من حرية "القدرات العقلية" عند كل من -إنسان التربية والعالم- وإعاقتها عن النمو السليم مما يتسبب في ضمور القدرات العقلية العليا كالتحليل، والتركيب والتقويم، والاقتصار على قدرات الحفظ والاستظهار والفهم والتأويل. ويكون من نتائج ذلك ظاهرتان رئيستان: الأولى، نقص في "الإرادة العازمة" و"القدرة التسخيرية" وولادتهما بصورة غير عازمة ولا تسخيرية. وبالتالي لا ينجبان -العمل الصالح-

стр. 385

بالدرجة التي كان عليها في مرحلة -صحة الأمة، أي أن مؤسسات التربية تتوقف عن إخراج الإنسان الصالح بالصورة التي كان عليها في مرحلة الصحة المشار إليها. والظاهرة الثانية، هبوط مستوى الحماس للمعرفة والبحث. ولذلك يبدأ التقاعس والميل إلى التقليد. ويكون من نتائج ذلك توقف المؤسسات التربوية والعلمية عن "الهجرات" العقلية والنفسية، أي تتوقف عن التجديد في الفهم والقيم، وتتخلف عن مواكبة الشئون المتجددة التي يطرحها الله في الخلق الجديد المتجدد، وتبذر بذور الآبائية، وتضعف الجاذبية الحضارية، فتتوقف -هجرات العقول الرافدة- المتشوقة للمشاركة في حمل الرسالة، أي يتوقف تجديد شباب الأمة ومواردها البشرية، ويتحول "المهجر" إلى "وطن" مغلق راكد الحركة بسوى ما يكون من تنافس "الأقوام"، وتناطحها بسبب الولاءات القومية المتباينة. جـ- اضطراب مستوى التفاعل مع الرسالة "اضطراب شبكة العلاقات الاجتماعية": في هذا الطور المرضي يصيب الخلل مستوى التفاعل مع الرسالة، أي ممارسة الحياة طبقا لنموذجها بالقدر الذي أصاب الخلل "المثل الأعلى" في الأمة. ويظهر هذا الخلل في اضطراب شبكة العلاقات الاجتماعية، والتطبيقات العملية لعناصر الأمة بمحتوياتها الجديدة. إذ تتشكل كما يلي: تصبح رابطة "الإيمان بالولاء للقوم" هي المصدر الذي يحدد "جنسيات" الأفراد و"ثقافاتهم". يتحول "المهجر" إلى "وطن" مغلق يقتصر على المؤمنين برباط الولاء للقوم. يتحول "الجهاد" إلى بذل أشكال الجهد لرفعة القوم، وتفوقهم على بقية الأقوام في الداخل والخارج. يقتصر "الإيواء" على من يدور في فلك الولاء للقوم الذين يتسلمون زمام القيادة، ويتفوقون على غيرهم من الأقوام المكونة للأمة.

стр. 386

تتحول "النصرة" إلى نخوة قومية هدفها نصرة من يدور في فلك القوم. تتحول "الولاية" من الاهتمام بشئون "أمة المؤمنين" إلى الاهتمام بشئون "القوم المهيمنين". وتغير محتويات عناصر الأمة بهذا الشكل يؤدي إلى تغير مماثل في القيم والفضائل، والأخلاق التي توجه شبكة العلاقات الاجتماعية فتصبح كما يلي: ١- في البيئة الجديدة -بيئة الدوران في فلك أشخاص القوم- تنحسر معاني الرسالة فيحذف من "الأمر بالمعروف" كل ما ينال من إطلاق أيد "أشخاص القوم" "الأقوياء - الأثرياء" ويضيق معنى "النهي عن المنكر" ليسقط منه كل ما ينال من أخطاء "أشخاص القوم" الأقوياء. ويضيق معنى "الإيمان بالله" ليقتصر على المظهر الشعائري للعبادة دون المظهر الاجتماعي الذي يسوي "أشخاص القوم" الأقوياء مع نظائرهم غير الأقوياء والضعفاء. ٢- يتبدل سلم القيم في الأمة ليصبح محوره: "القوة فوق الفكرة" الأمر الذي يجعل -أولو الأمر- هم أهل القوة بدل أهل الفكر، وتصبح وظيفة "مؤسسات النصرة" تطبيق الحدود الشرعية لتنفيذ إرادات أهل القوة بدل قيم الرسالة. ٣- تنقسم الأمة -من الناحية العملية- إلى عدة أمم قومية، أو شعوبية تتنافس من أجل الهيمنة والاستئثار بمظاهر "الإيواء"، وبذلك تنقسم الأمة إلى سادة يهيمنون على منافع "الإيواء"، وموالي "يجاهدون" من أجل المشاركة في هذه المنافع. ٤- تبذر بذور قومية "الجنسية" و"الثقافة" بما فيها القيم والعادات واللغات والفنون، وغير ذلك مما يهيئ لظهور حركات الانفصال والنزعات الإقليمية، ويضغط على حدود "المهجر" الواحد لتفجيره إلى عدد من الأوطان.

стр. 387

٥- تتحدد مكانة الأفراد في الأمة، ومسئولياتهم طبقا لأصولهم القومية ومكانتهم الاجتماعية، ومواقعهم على دوائر الولاء للقوم أو الإقليم، أو العشيرة أو الأسرة دون اعتبار لمقاييس الفكر، والقدرات الفكرية والولاءات الإسلامية إلا بمقدار ما تمليه الضرورة في تأمين الولاء لأشخاص القيادة، واستقرار نفوذهم. ٦- تهتز مكانة العدل في الأمة، وتبذر بذور الظلم، وتفقد قيم الرسالة فاعليتها وتأثيرها وتتحول إلى قيم مخزونة في مخازن التراث "ينفقها" الأقوياء لتبرير هيمنتهم واحتكاراتهم، و"ينفقها" المستضعون لاستجداء -أشيائهم، مما يمهد إلى ظهور "قيم كفر الترف" و"قيم النفاق" و"قيم كفر الحرمان" التي تفترس المظلومين من أذكياء الأمة ومحروميها١. ٧- يتحول "ولاء" عامة الأمة وحبهم، وطاعتهم إلى "الأشخاص" الأقوياء الذين يحتكرون "الأشياء"، ويتحكمون بمصائر "الأشخاص" الأتباع. وبذلك يتحول الناس من تأليه الله مصدر الرسالة -أي حبه وطاعته- إلى تأليه -الأشخاص الأقوياء- وتتحرك إراداتهم إلى المدى الذي يحدده هذا التأليه. وبذلك تنتقل الأمة من صفاء التوحيد إلى شرك الصنمية: صنمية الأشخاص التي أطلق القرآن عليها اسم -صنمية الأنداد- وتبتكر رموزا جديدة للصنمية تتلاءم مع روح العصر وثقافته واتجاهاته. وبذلك تتحول الأمة من "أمة رسالة" إلى "أمة سدنة". والفرق بين النوعين من الأمة أن الأولى تضحي بالأموال، والنفوس في سبيل الرسالة بينما "تنفق" أمة السدنة أفكار الرسالة لتنال السلطان، وتجمع المال وترفه النفوس، ويتحول فيها العلماء ورجال الفكر، ومؤسسات التربية إلى التعلق برسوم العلم ومظاهره ويشتغلون بـ"فقه" الأشكال بدل "فقه" الأعمال. ولقد بدأ هذا الطور -طور الولاء للقوم- في حياة الأمة الإسلامية

стр. 388

عند بدء اختلال العلاقة بين رجال الفكر وبين رجال القوة، ثم دخول الطرفين في شقاق طويل انتهى بتغلب رجال القوة، وتطويعهم لرجال الفقه والفكر. ولقد وصف ابن تيمية تطور الشقاق المذكور فقال: "كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم، ثم بعد ذلك تفرقت الأمور، فصار أمراء الحرب يسوسون الناس في أمر الدنيا والدين الظاهر، وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس فيما يرجع إليهم فيه من العلم والدين"١. ويعلل ابن تيمية هذا الانشقاق فيقول: "ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال، والشرف وصاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم، رأى كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك. ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضًا عن الدين لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العلو والعز. وكذلك لما غلب على كثير من أهل الدين العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم من إقامته من البلاء، واستضعف طريقتهم واستذلها من رأى من لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها. وهاتان السبيلان الفاسدتان -سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال. وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين، وهما سبيل المغضوب عليهم والضالين"٢. ويضيف ابن تيمية أن ظاهرة الانشقاق بين رجال العلم، ورجال السياسة تفاقمت تحت قيادة العباسيين حتى انتهت إلى الانشقاق بين المؤسسات الممثلة لكلا الفريقين. وفي ذلك يقول:

стр. 389

"فلما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة، احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع. وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة. وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك إن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود، حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال، وتستباح الحرمات والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذين يحكم بلا هوى وتحرى العدل. وكثير يحكمون بالهوى، ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك"١. وإذا كنا نقدر لابن تيمية هذا السبر العميق لتطور العلاقة بين رجال الفكر ورجال القوة، وإدراكه لخطورة الانتكاس الذي أصاب هذه العلاقة، إلا أننا لا نتفق معه على أن الانشقاق بدأ بحكم بني العباس، وإنما هو أمر بذرت بذوره بوصول "طلقاء مكة"، الذين أسلموا بعد الفتح إلى مراكز القيادة دون أن يمروا بسلسلة العمليات التربوية التي مر بها المهاجرون والأنصار٢. فمنذ وصول -طلقاء مكة- إلى صفوف القيادة أخذوا ينافسون رجال الفقه، والفكر من المهاجرين والأنصار، ويحاولون الخروج على التقليد الذي أرسي في عصر النبوة، والخلافة الراشدة، وهو انقياد رجال القوة لرجال الفقه والعمل بإرشادهم وتوجيهاتهم، حتى إذا استكمل طلقاء مكة سيطرتهم.

стр. 390

على زمام القوة والقيادة في الأمة الإسلامية أعادوا قيم العصبية القبلية، وتقاليدها في الرئاسة والسياسة، وسخروا مؤسسات التربية والفقه والإدارة لتطويع جماهير الأمة إليها. فالعامل الحاسم هنا في اضطراب العلاقة بين رجال الفكر، ورجال القوة هو الفارق الهائل بين التربية الإسلامية التي نالها كل من فريق المهاجرين، والأنصار وفريق طلقاء مكة. وتشير المصادر الإسلامية إلى أن محاولات -طلقاء مكة- للهيمنة على رجال الفقه، والفكر بدأت منذ أيام عمر بن الخطاب، ولكن "فقه" عمر وهيبته وسطوته كانت تقف أمام هذه المحاولات، من ذلك ما قام به معاوية زعيم طلقاء مكة، وابن زعيمهم أبي سفيان حين تسلم ولاية الشام، وأخذ يعترض على فقه قادة البعوث الثقافية من فقهاء المهاجرين والأنصار، ويحاول تطويع هذا الفقه لسياساته. إذ يروي ابن ماجه في سننه أن الصحابي النقيب عبادة بن الصامت غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدينار، وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة". فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان نظرة. فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك؟ لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة. فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا
следующие страницы →