← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تتحول "النصرة" إلى نخوة قومية هدفها نصرة من يدور في فلك القوم. تتحول "الولاية" من الاهتمام بشئون "أمة المؤمنين" إلى الاهتمام بشئون "القوم المهيمنين". وتغير محتويات عناصر الأمة بهذا الشكل يؤدي إلى تغير مماثل في القيم والفضائل، والأخلاق التي توجه شبكة العلاقات الاجتماعية فتصبح كما يلي: ١- في البيئة الجديدة -بيئة الدوران في فلك أشخاص القوم- تنحسر معاني الرسالة فيحذف من "الأمر بالمعروف" كل ما ينال من إطلاق أيد "أشخاص القوم" "الأقوياء - الأثرياء" ويضيق معنى "النهي عن المنكر" ليسقط منه كل ما ينال من أخطاء "أشخاص القوم" الأقوياء. ويضيق معنى "الإيمان بالله" ليقتصر على المظهر الشعائري للعبادة دون المظهر الاجتماعي الذي يسوي "أشخاص القوم" الأقوياء مع نظائرهم غير الأقوياء والضعفاء. ٢- يتبدل سلم القيم في الأمة ليصبح محوره: "القوة فوق الفكرة" الأمر الذي يجعل -أولو الأمر- هم أهل القوة بدل أهل الفكر، وتصبح وظيفة "مؤسسات النصرة" تطبيق الحدود الشرعية لتنفيذ إرادات أهل القوة بدل قيم الرسالة. ٣- تنقسم الأمة -من الناحية العملية- إلى عدة أمم قومية، أو شعوبية تتنافس من أجل الهيمنة والاستئثار بمظاهر "الإيواء"، وبذلك تنقسم الأمة إلى سادة يهيمنون على منافع "الإيواء"، وموالي "يجاهدون" من أجل المشاركة في هذه المنافع. ٤- تبذر بذور قومية "الجنسية" و"الثقافة" بما فيها القيم والعادات واللغات والفنون، وغير ذلك مما يهيئ لظهور حركات الانفصال والنزعات الإقليمية، ويضغط على حدود "المهجر" الواحد لتفجيره إلى عدد من الأوطان.

стр. 387

٥- تتحدد مكانة الأفراد في الأمة، ومسئولياتهم طبقا لأصولهم القومية ومكانتهم الاجتماعية، ومواقعهم على دوائر الولاء للقوم أو الإقليم، أو العشيرة أو الأسرة دون اعتبار لمقاييس الفكر، والقدرات الفكرية والولاءات الإسلامية إلا بمقدار ما تمليه الضرورة في تأمين الولاء لأشخاص القيادة، واستقرار نفوذهم. ٦- تهتز مكانة العدل في الأمة، وتبذر بذور الظلم، وتفقد قيم الرسالة فاعليتها وتأثيرها وتتحول إلى قيم مخزونة في مخازن التراث "ينفقها" الأقوياء لتبرير هيمنتهم واحتكاراتهم، و"ينفقها" المستضعون لاستجداء -أشيائهم، مما يمهد إلى ظهور "قيم كفر الترف" و"قيم النفاق" و"قيم كفر الحرمان" التي تفترس المظلومين من أذكياء الأمة ومحروميها١. ٧- يتحول "ولاء" عامة الأمة وحبهم، وطاعتهم إلى "الأشخاص" الأقوياء الذين يحتكرون "الأشياء"، ويتحكمون بمصائر "الأشخاص" الأتباع. وبذلك يتحول الناس من تأليه الله مصدر الرسالة -أي حبه وطاعته- إلى تأليه -الأشخاص الأقوياء- وتتحرك إراداتهم إلى المدى الذي يحدده هذا التأليه. وبذلك تنتقل الأمة من صفاء التوحيد إلى شرك الصنمية: صنمية الأشخاص التي أطلق القرآن عليها اسم -صنمية الأنداد- وتبتكر رموزا جديدة للصنمية تتلاءم مع روح العصر وثقافته واتجاهاته. وبذلك تتحول الأمة من "أمة رسالة" إلى "أمة سدنة". والفرق بين النوعين من الأمة أن الأولى تضحي بالأموال، والنفوس في سبيل الرسالة بينما "تنفق" أمة السدنة أفكار الرسالة لتنال السلطان، وتجمع المال وترفه النفوس، ويتحول فيها العلماء ورجال الفكر، ومؤسسات التربية إلى التعلق برسوم العلم ومظاهره ويشتغلون بـ"فقه" الأشكال بدل "فقه" الأعمال. ولقد بدأ هذا الطور -طور الولاء للقوم- في حياة الأمة الإسلامية

стр. 388

عند بدء اختلال العلاقة بين رجال الفكر وبين رجال القوة، ثم دخول الطرفين في شقاق طويل انتهى بتغلب رجال القوة، وتطويعهم لرجال الفقه والفكر. ولقد وصف ابن تيمية تطور الشقاق المذكور فقال: "كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم، ثم بعد ذلك تفرقت الأمور، فصار أمراء الحرب يسوسون الناس في أمر الدنيا والدين الظاهر، وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس فيما يرجع إليهم فيه من العلم والدين"١. ويعلل ابن تيمية هذا الانشقاق فيقول: "ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال، والشرف وصاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم، رأى كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك. ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضًا عن الدين لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العلو والعز. وكذلك لما غلب على كثير من أهل الدين العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم من إقامته من البلاء، واستضعف طريقتهم واستذلها من رأى من لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها. وهاتان السبيلان الفاسدتان -سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال. وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين، وهما سبيل المغضوب عليهم والضالين"٢. ويضيف ابن تيمية أن ظاهرة الانشقاق بين رجال العلم، ورجال السياسة تفاقمت تحت قيادة العباسيين حتى انتهت إلى الانشقاق بين المؤسسات الممثلة لكلا الفريقين. وفي ذلك يقول:

стр. 389

"فلما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة، احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع. وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة. وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك إن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود، حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال، وتستباح الحرمات والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذين يحكم بلا هوى وتحرى العدل. وكثير يحكمون بالهوى، ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك"١. وإذا كنا نقدر لابن تيمية هذا السبر العميق لتطور العلاقة بين رجال الفكر ورجال القوة، وإدراكه لخطورة الانتكاس الذي أصاب هذه العلاقة، إلا أننا لا نتفق معه على أن الانشقاق بدأ بحكم بني العباس، وإنما هو أمر بذرت بذوره بوصول "طلقاء مكة"، الذين أسلموا بعد الفتح إلى مراكز القيادة دون أن يمروا بسلسلة العمليات التربوية التي مر بها المهاجرون والأنصار٢. فمنذ وصول -طلقاء مكة- إلى صفوف القيادة أخذوا ينافسون رجال الفقه، والفكر من المهاجرين والأنصار، ويحاولون الخروج على التقليد الذي أرسي في عصر النبوة، والخلافة الراشدة، وهو انقياد رجال القوة لرجال الفقه والعمل بإرشادهم وتوجيهاتهم، حتى إذا استكمل طلقاء مكة سيطرتهم.

стр. 390

على زمام القوة والقيادة في الأمة الإسلامية أعادوا قيم العصبية القبلية، وتقاليدها في الرئاسة والسياسة، وسخروا مؤسسات التربية والفقه والإدارة لتطويع جماهير الأمة إليها. فالعامل الحاسم هنا في اضطراب العلاقة بين رجال الفكر، ورجال القوة هو الفارق الهائل بين التربية الإسلامية التي نالها كل من فريق المهاجرين، والأنصار وفريق طلقاء مكة. وتشير المصادر الإسلامية إلى أن محاولات -طلقاء مكة- للهيمنة على رجال الفقه، والفكر بدأت منذ أيام عمر بن الخطاب، ولكن "فقه" عمر وهيبته وسطوته كانت تقف أمام هذه المحاولات، من ذلك ما قام به معاوية زعيم طلقاء مكة، وابن زعيمهم أبي سفيان حين تسلم ولاية الشام، وأخذ يعترض على فقه قادة البعوث الثقافية من فقهاء المهاجرين والأنصار، ويحاول تطويع هذا الفقه لسياساته. إذ يروي ابن ماجه في سننه أن الصحابي النقيب عبادة بن الصامت غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدينار، وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة". فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان نظرة. فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك؟ لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة. فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا

стр. 391

أبا الوليد؟ فقص عليه وما قال عن مساكنته. فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك. فقبح الله أرضًا لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر١. ويروي الطبري عن زيد بن وهب موقفا مماثلا مع الصحابي أبي ذر، قال: مررت بالربذة "مكان خارج المدينة نفى الخليفة عثمان إليه أبا ذر" فلقيت أبا ذر. فقلت: يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ﴾ الآية. فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، وإنما هذه الآية في أهل الكتاب. قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول. فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقبل إلي. قال: فأقبلت. فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني من قبل يومئذ. فشكوت ذلك إلى عثمان. فقال لي: تنح قريبا. قلت: والله لن أدع ما أقول"٢. وأبو ذر هذا الذي قال عنه رسول الله ﷺ : "ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر" ٣.

стр. 392

ثم جاءت الضربة القاصمة على أيدي بني أمية وبني العباس، إذ لم يقتصر الأمر على إخضاع رجال القوة رجال الشريعة، وإنما اختفى مصدر هائل من مصادر الفكر السياسي في الإسلام. هذا المصدر هو -خطب الرسول ﷺ التي كان يخطبها أيام الجمعة، وخطب -الصلاة جامعة- التي كان يعالج بها القضايا العامة الكبرى حين يستدعي الأمر المعالجة الحاسمة السريعة. ومثلها -خطب- الخليفة أبي بكر، وخطب الخليفة عمر. وكلها خطب تغطي حقبة زمنية طويلة تتألف من "١٠" عشرة سنوات أيام الرسول ﷺ ، وسنتين أيام أبي بكر، وعشرة سنوات أيام عمر، أي ما يزيد على "١٥٠٠" ألف وخمسمائة خطبة. وجميعها خطب كانت تنصب على شئون الاجتماع والسياسة، والاقتصاد والإدارة والعلاقات بين الحاكم والمحكوم، وبين فئات المحكومين أنفسهم، فأين هذه الخطب الجامعة؟ وهل استعصى جمعها على رجال الحديث الذين دونوا الأحاديث التي تناولت حياة الرسول ﷺ وتفاصيل علاقاته في غرف نومه مع زوجاته وأسرته؟ لماذا لم نتسلم من هذه الخطب إلا نتفا وإشارات تاريخية؟ إن التفسير الوحيد الذي نرجحه، في ضوء مواقف معاوية مع أمثال عبادة بن الصامت وأبي ذر الغفاري، ومواقف الحجاج الثقفي مع أمثال سعيد بن جبير، وإعدامه لمئات العلماء المعترضين على السياسات المطلقة لبني أمية، ومواقف أبي جعفر المنصور، والمأمون من أمثال سفيان الثوري وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل، هو أن الخلفاء الأمويين والعباسيين قد منعوا رواية هذه الخطب وتدوينها وحاربوا التحدث بها وانتشارها لما فيها من تقرير لمبادئ الشورى -وليس الاستشارة- وحكم المؤسسات ورقابة الحاكم، ومساءلته ومحاكمته وإنزال القصاص به، ولما فيها من تعريض، وتنديد بسياسات الملك العضوض في الحكم والمال والإدارة، وهو ما اتصفت به أنظمة الحكم الأموي العباسي التي استمدت مفاهيمها

стр. 393

وتطبيقاتها من تقاليد العصبية القبلية العربية، ومزجته بما راقها من تقاليد الكسروية الفارسية والقيصرية الرومانية١. واستمر مسلسل هيمنة رجال الملك، والقوة على رجال الفقه والفكر وتعاظمت ردة القيم السياسية من الدوران في فلك "أفكار الرسالة" إلى الدوران في فلك "أشخاص" القوة وأصحاب النفوذ، فصارت "القوة فوق الشريعة" و"التسلط فوق الحرية" و"الحكم المطلق فوق الشورى" و"التملك الفردي فوق ملكية الأمة". ولقد أدى هذا التحول في اندحار "فقهاء الرسالة" إلى ظهور "فقهاء الملوك والسلاطين، وازدهار مكانة الشعراء والمداحين الذين أشاوا بانفراد "أشخاص" الحاكمين بالنفوذ والتصرف، وأسبغوا الكمال والعصمة على أفعالهم، وسياساتهم الأمر الذي بذر بذور ردود الفعل العنيفة التي تلت، وأفرزت "قيم كفر الحرمان" التي جسدتها فلسفات الزندقة، والحركات الباطنية. ولما كان تدوين التاريخ الإسلامي قد بدأ خلال هذه الفترة -فترة الدوران في فلك الأشخاص بدل الأفكار- فقد جرت كتابة هذا التاريخ على أساس أنه تاريخ عائلات وأشخاص، لا تاريخ فكرة ورسالة، وما زال قارئوا هذا التاريخ لا يتبينو عمق التشويه الذي أحدثه الدوران في فلك الأشخاص بدل الأفكار في كتابه هذا التاريخ وتصنيفه. ولعل من الإنصاف أن نقول: أن هذا التحول لم يحدث بسهولة، وإنما رافقته مقاومة شديدة من جيل الصحابة، والتابعين الذين كانوا يدورون في فلك أفكار الرسالة الإسلامية. وخلال هذه المقاومة قدم المقاومون تضحيات هائلة في الأنفس

стр. 394

والمقدرات المادية والاجتماعية. ومثال ذلك التضحيات التي قدمها علي بن أبي طالب وولداه الحسن والحسين، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن الزبير، وفقهاء التابعين من أمثال سعيد بن جبير، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك وغيرهم. ولكن عدم اكتمال -التحول النفسي- في الأقطار المفتوحة، خاصة الشام والعراق ومصر، جعل سكان هذه الأقطار يدورون في فلك "الأشخاص والأشياء" أكثر من الدوران في فلك "أفكار الرسالة"، ولذلك والوا -طلقاء مكة وثقيف- وساعدوهم في الوصول إلى قيادة الأمة الإسلامية، مكرسين بهذه المساعدة المرض الذي نزل في الأمة الإسلامية حين انتقلت من الدروان في فلك "أفكار الرسالة" إلى الدوران في فلك "الأشخاص" الذين يملكون القوة والممتلكات، وفتحوا الباب للشكل الثاني من المضاعفات، وهو الدروان في فلك أشخاص "العشيرة"، ونظرائها كالطائفة والمذهب.

стр. 395

الطور الثاني: طور الولاء للقبيلة ونظرائها "كالطائفة أو الحزب أو الإقليم " وتحول الأمة إلى وحدات قومية متنافسة ينقل عدوى التنافس داخل كل قومية، أي بين قبائلها وطوائفها، الأمر الذي يؤدي إلى انحسار -محور الولاء- من دائرة القوم إلى دائرة القبيلة أو الطائفة، أو الإقليم أو المذهب أو الحزب، مما يهيئ إلى انحسار "المثل الأعلى" الموجه للحياة لتصبح حقيقته هي: - دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "أشخاص" القبيلة أو الطائفة أو الحزب أو الإقليم أو المذهب: واتصاف -المثل الأعلى- بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار عناصر الأمة: أي عناصر الإيمان والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة من دائرة القوم إلى دائرة القبيلة، أو نظائرها واستبدال مضامينها القومية

стр. 396

بمضامين عشائرية أو طائفية أو إقليمية أو مذهبية أو حزبية. ثم تكون نتيجة هذا الانحسار هي تغير تركيب الأمة لتصبح معادلته كالتالي: الأمة = الولاء للعشيرة "إيمان + هجرة ومهجر + جهاد ورسالة + إيواء +نصرة". و= أفراد يؤمنون بالحمية القبلية + هجرة قبلية + جهاد ومصالح قبلية + إيواء قبلي + نصرة قبلية. ومثلها معادلات الطائفة أو الإقليم أو الحزب أو المذهب. ويمكن أن نمثل للتركيب الجديد للأمة بالشكل التالي رقم "٥": ففي الشكل رقم "٥" ينحسر -محور الولاء- من دائرة "أشخاص القوم" إلى دائرة "أشخاص القبيلة" أو الإقليم أو الطائفية أو الحزب، ويصبح الطابع العام في الأمة هو: - "دوران -الأفكار والأشياء في فلك- أشخاص القبيلة -أو الطائفة أو الإقليم أو الحزب". أما دائرة القوم فتتحول صلة الأمة بها إلى صلة "نفاق" لا صلة ولاء. أي تتحول إلى مخزون الأرصدة التراثية -مثلها مثل دائرة الأفكار- من قبل

стр. 397

لـ"تنفق" عند الحاجة من أجل -الولاء للقبيلة. أما الأفراد الذين يبقون على ولائهم لدائرة القوم، فحين يتفاعلون مع الأحداث على دائرة القوم لا يخرجون إلا بالخبرات السلبية والإحباطات، ومشاعر الخيبة والأسى والعدمية. وفي طور الولاء للقبيلة "أو الطائفة أو الإقليم أو الحزب" تعدد محاور الولاء في الأمة طبقا لتعدد القبائل أو الطوائف، أو الأقاليم أو الأحزاب المكونة للأمة. أي إن "الأمم القومية" المتجمعة في "بالون" الأمة تمارس مزيدا من الانقسامات، فتتحول إلى أمم قبلية أو طائفية تتنافس داخل إطار "بالون أمة الرسالة"، وتضغط عليه لتمزقه. ولذلك تحدث مضاعفات مرضية في التربية، والاجتماع تتمثل ملامحها الرئيسية فيما يلي: أ- مضاعفات مرض الولاء القبلي على مستوى التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية: في طور الدوران في فلك "أشخاص" القبيلة أو الطائفية، أو الإقليم ينحسر مستوى التفاعل مع "الخبرات الاجتماعية والكونية" تبعا لانحسار "المثل الأعلى" في الأمة. ويكون التجسيد العملي لهذا الانحسار في ميادين التربية والعلم، وأوضح ما يكون في التغيرات التالية: ١- تتغير فلسفة التربية، وأهدافها "ليقرأ" إنسان هذا الطور "باسم قبيلته" أو طائفته أو إقليمية، أي لإعزازها وتفوقها على نظائرها في القوة، والتملك والمكانة. أما في ميدان العلم فتضعف دوافع البحث وينقطع التفكر الجدلي بين إنسان هذا التطور وبين "الخبرات" الاجتماعية والكونية، وإلى هذا الانقطاع يشير قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .

стр. 398

﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] . ويتكرر الحديث في القرآن عن هؤلاء "المعرضين" الذين لا يرون فيما حولهم من أحداث اجتماعية، وظواهر كونية -آيات الله- الدالة على قدرته؛ لأن الإنسان الذي ينحصر ولاؤه وتفكيره في دائرة القبيلة، ونظائرها لا يمكن أن يرقى إلى شهود قوانين الكون وسنن الحياة. ٢- تحل الثقافة القبلية محل العلم والقانون والنظام، ويضيق مدلول المصطلحات لتستمد محتوياتها من دائرة العصبية القبلية ونظائرها، وتشيع -معرفة اللغو والتسلية- فتحل الأمثال والأشعار، والمقولات والأعراف القبلية والطائفية محل -أفكار الرسالة- ومعطيات العلم والمعرفة، ويسود العجز والكسل عن ابتكار الجديد، ويحل محله اجترار سير الآباء والفخر بتراث الأجداد. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . ٣- يدب الضعف في "اللغة القومية" ويزداد الجهل بـ"لغة الرسالة" فتنتعش اللهجات العامية داخل القومية الواحدة، وتتمزق الثقافات القومية إلى ثقافات قبلية أو عشائرية أو طائفية؛ لأن اللغات واللهجات والثقافات تتعدد بتعدد محاور الولاء الجديدة. ب- مضاعفات المرض على القدرات العقلية، والإرادة العازمة والقدرة التسخيرية: الولاء القبلي سرطان قاتل للقدرات العقلية؛ لأنه ينحسر بها إلى قدرة "الحفظ" دون سواها. إذ المحور في القيم القبلية أن يتلقى الفرد مقولات قبيلته دون تفكير، ثم يندفع لتنفيذها بحمية وحماس. وهذا ما عبر عنه الشاعر الجاهلي دريد بن الصمة بقوله: فهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد

стр. 399

والقرآن والحديث يطلقان على هذا المستوى من التلقي العقلي، والتنفيذ العملي اسم "حمية الجاهلية"؛ لأنه يلغي أنماط التفكير الصحيح، ويمنع الإرادات من النمو إلى الدرجة التي تفرز العزم اللازم لحمل الرسالة، ويحول دون نمو القدرات التسخيرية اللازمة لبناء الحضارات والمحافظة عليها. ولذلك تسخر البيئة إنسان هذا الطور بدل أن يسخرها، ويبدأ التقهقر في مدارج الانحطاط والتخلف. جـ- مضاعفات المرض في مستوى التفاعل مع الرسالة "شبكة العلاقات الاجتماعية": في هذا الطور يستشري الخلل في مستوى التفاعل مع توجيهات الرسالة بالقدر الذي يستشري الخلل في "المثل الأعلى" للأمة. وتظهر مضاعفات هذا الخلل في شبكة العلاقات الاجتماعية التي تنظم العلاقات داخل الأمة وخارجها. أما مظاهر هذا الخلل فتكون كما يلي: تصبح رابطة "الإيمان" بالقبيلة "أو نظائرها" هي الحمية المحددة لـ"جنسيات" الأفراد و"ثقافاتهم" الفعلية. ويصبح الحي أو الإقليم الذي تسكنه القبيلة "أو نظائرها" هي الشكل الفعلي للمهجر وطبقا له يختار الأفراد مواقع سكناهم، وانتماءاتهم واتجاهاتهم. ويتخذ "الجهاد" شكل المنافحة عن مصالح القبيلة والعمل في سبيلها. ويتحدد مفهوم "الإيواء" في توفير الإقامة، والاطمئنان المعيشي بحدود القبيلة أو نظائرها. ويتحدد مفهوم "النصرة" في الحمية القبلية المنافحة عن القبيلة أو نظائرها. وتغير محتويات عناصر الأمة بهذا الشكل يؤدي إلى تغير مماثل في القيم والفضائل التي توجه شبكة العلاقات الاجتماعية فتصبح كما يلي:

стр. 400

١- يتبدل سلم القيم في تجمعات الأمة ليصبح محوره "الحمية القبلية فوق الفكرة والقوم"، الأمر الذي يشيع الصراعات القبلية، وتنحسر الفضائل وصلات المودة إلى داخل القبيلة دون سواها حيث تسمها سمات الرياء والمصانعة والنفاق. أما خارج القبيلة فإن الريبة والشح، والمشاحنات تصبح الطابع المميز لشبكة العلاقات الاجتماعية على المستوى الفردي والجماعي. ٢- يختفي مفهوم -الولاء للأمة- وينحسر ليتحدد بحدود القبيلة أو الطائفة، أو الإقليم أو الحزب أو المذهب أو الطريقة -حسب رموز صنمية العصر. ففي عصر جاهلية ما قبل الإسلام تنافست القبائل والعشائر العربية على إقامة التماثيل والنصب الحجرية، وحرصت كل عشيرة على بناء كعبة خاصة بها حتى بلغ عدد كعبات ذلك العصر حوالي عشر، وظلت قائمة حتى هدمها الرسول -صلى الله عليه وسلم١. وفي العصر الحديث تتنافس القبائل، والطوائف والأقاليم والأحزاب في أقطار العالم العربي، والإسلامي على نصب أصنام، وتماثيل بشرية في قيادات الدول والجيوش والوزارات والدوائر، والبرلمانات ورئاسة البلديات والمجالس القروية والمخاتير، والعمد لا بهدف تطوير الأمة والنهوض بها في الداخل وتحقيق صمودها أمام الأخطار من الخارج، وإنما بقصد رفعة القبيلة أو الطائفة أو الإقليم أو الحزب، وتحقيق طموحاتها في الجاه والمكانة والثروة والنفوذ. ٣- تمتد آثار عودة القيم القبائلية إلى ميدان العمل، والاقتصاد لتضعف نشاطه وتحد من فاعليته. إذ إن العمل والاشتغال بالزراعة والصناعة والحرف ممارسات تحتقرها القيم القبلية، وتجعلها من مهام الخدم والعبيد الأمر الذي يهبط بمستوى الإنتاج الزراعي، والصناعي ويقود إلى إهمال العناية بمشروعاته، كذلك لا تساعد محاور الولاء القبلية على شيوع روح التعاون

стр. 401

وقيام الشركات التي هي من الشروط الأساسية للاقتصاد الحديث. ويكون لذلك كله مضاعفات سلبية في أشكال التعامل، وينال من قيم المساواة والعدل في الأمة وتبذر بذور التفاوت الطبقي، والاستغلال الاجتماعي وتدني مستوى التدين والأخلاق العامة. ٤- تجتث القيم القبلية والطائفية، والإقليمية روح الولاء للأمة وتأتي على فضائله وثماره. فالقبلي لا يعرف مفهوم الأمة ولا يستوعبه، وينتهي ولاؤه عند حدود قبيلته، ولذلك تختفي فضائل الإحساس بالمسئولية والصالح العام، وتظهر الأنانية وعدم الإخلاص والاهتمام بالمصالح القبلية المحدودة الموقوتة. والقبلية سرطان قاتل لروح الشورى ومحاسبة الحاكم، ولذلك تفرز الاستبداد والتسلط وترسل إلى قيادة الأمة شيخان قبليا بألقاب وطقوس سياسية تناسب العصر، فيشيع التسلط الفردي والتصرف المطلق في الداخل، والعجز عن مواجهة التحديات في الخارج. والأمم التي تشيع فيها قيم العصبيات القبلية أو الطائفية تمتلئ بالتناقضات التي تهدد بتفجير الأمة على الدوام. ولذلك يسهل على الأعداء استغلال هذه التناقضاات، والنفاذ إلى الأمة من خلالها، ولعل دول الطوائف في الأندلس خير مثال على ذلك حيث كانت محاور الولاء القبلية، والطائفية من أقوى الأسلحة التي استعملها الإسبان لتدمير الوجود الإسلامي هناك. ومثلها الدول -المدن التي كانت في بلاد الشلام قبيل الغزو الصليبي، والتي عرفت باسم -الأتابكيات- وسهلت نجاح هذا الغزو وتحالفت مع قادته ضد بعضها البعض، ولم تنج بلاد الشام من أخطار هذا الغزو، وتتخلص من الاحتلال إلا بعد القضاء على قيم العصبية القبلية، واختفاء تطبيقاتها السياسية الممثلة بالدول -المدن أو "الأتابكيات" التي مثلتها. واستشراء مضاعفات المرض في الطور القبلي يفضي إلى مضاعفات أخرى تنقل الأمة إلى طور آخر هو طور -الولاء الأسري.

стр. 402

الطور الثالث: طور الولاء للأسرة تنتقل الأمة إلى هذا الطور حين يُصاب "المثل الأعلى" الذي يوجه حياة الأمة، وعلاقاتها بمزيد من الانحسار وتصبح حقيقته هي: - دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "أشخاص الأسرة": واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار محور الولاء من دائرة القبيلة، أو الطائفة إلى دائرة الأسرة مما يهيئ أيضا لانحسار عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة إلى دائرة الأسرة لتستمد مضامينها منها وتتفاعل عليها. وتكون المحصلة النهائية هي تغير محتوياتها عناصر الأمة لتصبح معادلتها كالتالي: الأمة = الولاء الأسري "إيمان + هجرة + جهاد ورسالة + إيواء + نصرة". و= أفراد يؤمنون بالعصبية الأسرية + هجرة أسرية + كد أسري + إيواء أسري + حمية أسرية. ويمكن أن نمثل للتركيب الجديد بالشكل التالي رقم "٦":

стр. 403

ففي الشكل رقم "٦" ينحسر -محور الولاء- من دائرة "أشخاص القبيلة" أو الطائفة أو الإقليم أو الحزب إلى دائرة الولاء لـ"أشخاص الأسرة"، ويصبح الطابع العام لـ"المثل الأعلى" الذي يوجه الحياة العامة هو: - دوران "الأفكار وأشياء" في فلك "أشخاص الأسرة": أما دائرة القبيلة أو الطائفة، أو الحزب أو الإقليم فتتحول إلى صلة "نفاق" ومجاملات لا صلة ولاء، أي تنضم إلى مخزون أرصدة "الأفكار والقوم" لـ"تنفق" مثلهما عند الحاجة من أجل -محور الولاء للأسرة- بينما تتحول دائرتها -أي دائرة العشيرة ونظائرها- إلى منطقة جفاف اجتماعي لا يعود الذين يبقون على الولاء لها إلا بالخبرات السلبية، والإحباطات ومشاعر الخيبة والعدمية. وفي هذا الطور تتفاعل مضاعفات مرض الأمة، وتؤدي إلى مزيد من المضاعفات المرضية في مستوى التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية، وفي القدرات العقلية، وفي مستوى التفاعل مع أفكار الرسالة. وتتمثل الملامح الرئيسية للمضاعفات المذكورة فيما يلي: أ- ازداد هبوط مستوى التفاعل مع -الخبرات الاجتماعية والكونية: يستمر انحسار مستوى التفاعل مع الخبرات الاجتماعية، والكونية في هذا الطور لانحسار مستوى المثل الأعلى في الأمة. ويكون التجسيد العملي لهذا الانحسار في ميدان التربية، والعلم حيث تتغير فلسفة التربية الواقعية لـ"يقرأ" -إنسان التربية- "باسم أسرته" أي لتأمين متطلبات حياتها المادية، والاجتماعية ويكون من نتائج هذا ما يلي: ١- مزيد من ضعف دوافع العلم والتربية يؤدي إلى الشكلية العلمية، والاشتغال بقضايا سطحية دنيوية. وإلى هذا المعنى يتوجه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] .

стр. 404

وإليه يتوجه الحديث النبوي القائل: "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج". قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل"١. وحين سئل ﷺ عن كيفية قبض العلم قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ٢. فالجهل المشار إليه في الحديث يشير إلى انحراف التربية عن الاشتغال بمقاصد الحياة العليا، وارتدادها لتقتصر على الاشتغال بالمهارات الموصلة إلى شهوات "الأشخاص" في "الأشياء" الآنية، الأمر الذي لا يحقق أمنا في الحياة، ولا رقيا في العلاقات، وإنما فتن وخصومات وحروب حتى لا يكون إلا القتل!! والقتل!! والقتل!! ٢- تأخذ الأمية في الانتشار -أمية القراءة وأمية التفكير، ويصبح العلم مجرد "ديكور"، وزينة شخصية وأسرية هدفه الحصول على الشهادات والألقاب العلمية دون أن يصاحبه نشاط علمي أو بحث معرفي، وتهبط ثقافة الجماهير لتصبح ثقافة متع وغرائز، وتهبط الفنون لتصير فنون شهوات، وقبحا لا أذواق وجمال. ب- ازدياد هبوط مستوى التفاعل مع الرسالة "شبكة العلاقات الاجتماعية": في هذا الطور يتعمق الخلل في مستوى التفاعل مع الرسالة تبعا لتفاقم الخلل في "المثل الأعلى" للأمة. وتظهر مضاعفات هذا الخلل في محتويات عناصر الأمة التي تصبح كما يلي:

стр. 405

يصبح "الإيمان" بالرباط الأسري هو المحدد الحقيقي لـ"جنسيات" الأفراد و"ثقافاتهم". ويصبح "المهجر" الفعلي للأسرة هو المكان الذي تجد فيه استقرارها، وعملها وعيشها. ويصبح الكد لتأمين حاجات الأسرة هو المظهر الذي تتلخص فيه مفاهيم "الجهاد والرسالة" وتطبيقاتهما في الحياة. ويصبح مفهوم "الإيواء" هو توفير الإقامة والسكن لأفراد الأسرة. ويتحدد مفهوم "النصرة" في المنافحة عن شئون الأسرة ومصالحها. وتغير محتويات عناصر الأمة بهذا المفهوم يؤدي إلى تغير مماثل في الفضائل، والقيم والأخلاق التي توجه شبكة العلاقات الاجتماعية فتصبح كما يلي: ١- في بيئة الدروان في فلك "أشخاص الأسرة" يتبدل سلم القيم في المجتمع ليصبح محوره "المصلحة الأسرية فوق الصالح العام في الأمة"، الأمر الذي يقطع التواصل، ويشيع التدابر وينحسر الإحساس بالمسئولية إلى داخل الأسرة دون سواها. أما خارج الأسرة فإن المسئولية تنعدم، وترخص القيم لتصبح مثل مناديل الورق التي يحمل الإنسان لفترة محدودة يمسح بها بصاقه، وأوساخه ثم يلقي بها في براميل النفايات. ٢- في الداخل تضطرب الإدارة ويختل النظام، ويشيع التحلل من المسئوليات العامة، وتظهر محاباة العصبيات المختلفة، وينتشر الظلم وينحسر العدل، وتظهر الجريمة وفساد الأخلاق، فلا يعود الناس يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر. أما في الخارج فإن الناس يتثاقلون أمام الأخطار الخارجية ولا يعدون لدفعها، ويصبح الدائرون في فلك "العصبية الأسرية" أدوات للقوى الأجنبية الطامعة، وبوابات للتجسس على الأمة واختراقها. ذلك إن الذي يدور في

стр. 406

فلك "أشخاص الأسرة أو العشيرة" لا يفهم -مفهوم الأمة- والذين هم خارج دائرة أسرته أو عشيرته يتساوون في أنهم "أجانب"، وأقربهم إليه أكثرهم نفعا ماديا عاجلا له. ٣- يتحول -الوله- أي الحب والطاعة -إلى "نفاق" موقوت لمن يساعد على توفير حاجات الأسرة، وقضاء مصالحها في المكاسب والوظيفة، وتشتد حدة التنافس على المتع والمكاسب المادية، والمراكز الوظيفية. ٤- يتركز إنتاج "الأشياء"، واستعمالاتها على ما يحقق حاجات دائرة الأسرة الضيقة، ولذلك تختل مظاهر الإنتاج الزراعي والصناعي، فتنحسر من تلبية نصرة أفكار الرسالة إلى تلبية حاجات الأسرة في الاستهلاك، ويشيع الكسب الفردي السريع، ويظهر الاحتكار والكنز ويختفي التعاون الجماعي، وتكافؤ الفرص. جـ- هبوط مستوى القدرات العقلية والإرادة العازمة، والقدرة التسخيرية: تنحسر القدرات العقلية بانحسار "المثل الأعلى" فترسخ الآبائية والتقليد، ويزداد ثقل الأغلال والآثار الثقافية والموروثات الاجتماعية، ويجنح الناس إلى الأهواء والاحتكام إلى الأعراف والعادات، والتقاليد بدل المقررات العقلية، وتضعف الإرادات، فتتضاءل القدرات التسخيرية ويكون من ثمار ذلك عقم في التخطيط، والتنفيذ في مجالات الحياة المختلفة. واستشراء مضاعفات الطور الأسرية ينقل الأمة إلى آخر أطوار المرض، وهو انهيار آخر مظاهر الاجتماع البشري وشيوع الفردية.

стр. 407

الطور الرابع: طور ولاء الفرد لنفسه أبرز ملامح هذا الطور هو تدني "المثل الأعلى" الموجه للحياة في الأمة لتصبح حقيقته هي: - دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "شخص الفرد" نفسه:

стр. 408

واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار -محور الولاء- من دائرة الأسرة إلى دائرة الفرد نفسه، مما يهيئ إلى انحسار عناصر الأمة: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، وانكماشها في بؤرة الأنانية الفردية، وتكون المحصلة النهائية لهذا الانكماش هي تغير محتويات عناصر الأمة لتصبح معادلتها كالتالي: الأمة = ولاء الفرد لنفسه "الإيمان + هجرة + جهاد ورسالة + إيواء + نصرة". = أفراد أنانيون + هجرة فردية + جهاد فردي ورسالة فردية + إيواء فردي + نصرة فردية. ويمكن أن نمثل لهذا التركيب النهائي لوجود الأمة بالشكل التالي: ففي الشكل رقم "٧" ينحسر محور الولاء إلى "شخص" الفرد نفسه، ويصبح الطابع العام هو: - دوران "الأفكار والأشياء" حول "شخص" الفرد نفسه: أما دائرة الأسرة فتتحول إلى صلة "نفاق" لا صلة ولاء، أي هي تنضم

стр. 409

إلى مخزون أرصدة الأفكار والقوم والقبيلة لـ"تنفق" عند الحاجة من أجل مصالح الفرد الخاصة. وفي هذا الطور تتفاعل مضاعفات المرض وتدفع بالأمة إلى حالة النزع الذي تتمثل مظاهره فيما يلي: أ- ضآلة التفاعل مع الخبرات الاجتماعية والكونية: يتفاقم انحساب التفاعل مع الخبرات الاجتماعية، والكونية تبعا لتفاقم انحسار "المثل الأعلى" في الأمة. ويكون التجسيد العملي لهذا التفاقم في ميدان التربية حيث "يقرأ الفرد باسم نفسه" دونما أية فلسفة تربوية أو أهداف، وإنما يتدرب على -المعلومات والمهارات- التي تسوقه في أي مجتمع وتحت أي لواء. ولذلك يتحول إلى مواطن مرتزق يجوب الأرض للعمل تحت أي لواء، ويمنح لكل جهة ولاء. ب- تفاقم انحسار مستوى التفاعل مع الرسالة: في هذا الطور تصبح رسالة الفرد في الحياة أن يعيش طبقا لما يقتضيه محور ولائه لنفسه، وتصبح شبكة العلاقات الاجتماعية كما يلي: يصبح محتوى "الإيمان" بشهوات الفرد وتأمينها محدد لـ"جنسيته وثقافته"، فهو يقابل للذوبان في أية جنسية وفي أية ثقافة. ويصبح المكان الذي يجد الفرد فيه قضاء مصالحه هو "المهجر" الذي يشد إليه رحاله. ويصبح العمل لتأمين المصالح المذكورة هو مظهر "الجهاد" الذي يفرغ الفرد فيه طاقاته العقلية، والنفسية، والجسدية. ويتحدد مفهوم "الإيواء" في توفير الإقامة المريحة الزاخرة بمصالح الفرد نفسه. ويتحدد مفهوم "النصرة" في منافحة الفرد عن مصالحة الخاصة دون سواها.

стр. 410

ويتحدد مفهوم "الولاية" في الأنانية الفردية، وتقديمها على أي شيء آخر. وبلوغ الأمة -هذا الطور- معناه تمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، وتعطل الفاعلية الاجتماعية لعناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية، وأبرز مظاهر هذا التعطل هو انفجار الأسرة آخر الوحدات الاجتماعية في الأمة، وانصراف كل عضو فيها لشئونه الخاصة دون سواه. وبروز مرض "الإنسان السرطاني" الذي يتضخم على حساب الأفراد المحيطين به، ويتعامل معهم بالكيد والتآمر للاستئثار بالمكاسب، والمنافع وفرص العمل تماما كما تتضخم الخلايا السرطانية وتدمر بعضها بعضا. وبلوغ الأمة هذه الحالة يحولها إلى أكوام من الخردة البشرية، ومعنى هذه الحالة الدخول في المرحلة الثالثة: مرحلة الوفاة!! وأخيرا لا بد من الانتباه إلى الملاحظات التالية: الملاحظة الأولى، إن سلسلة الانحسارات المتوالية التي تمر بها الأمة لا تتم بدرجة متفاوتة عند أفراد الأمة وجماعاتها، فقد يكون أناس على دائرة الولاء للأفكار في الوقت الذي يكون آخرون على دائرة الولاء للقوم، وتناثر الأكثرية على دوائر الولاء للقبيلة، والعائلة، والطائفة، والفردية. وفي هذه الحالة يعاني الذين يعيشون على الدوائر الواسعة من "الاغتراب" الفكري والاجتماعي، ولا يكون لهم أثر في الأحداث أو إيقاف السرطانات الاجتماعية التي تؤدي بالأمة إلى الوفاة!! والملاحظة الثانية، ليس حتميا أن تتولى الانحسارات حتى تنتهي بالأمة إلى الوفاة، فقد تقوم حركات مراجعة و"توبة" إصلاحية ترد للأمة قسطًا من العافية أو تمنع زيادة الانحسار لمدة، أو تنقلها من المرض إلى الصحة. والملاحظة الثالثة، يمكن المحافظة على عافية الأمة، وصحتها إذا كان هناك رقابة "وتوبة" دورية، وترميم لظواهر الاختلال أو مقدمات المرض.

стр. 411

والقيام بهذه المهمة يحتاج إلى مؤسسات متخصصة تضم عددا كافيا من الخبراء المختصين يتناسب عددهم مع عدد الأمة. ولعله من الموضوعية أن نقول أن الأمم الغربية المعاصرة قد انتبهت إلى الملاحظة الثالثة، وأقامت المؤسسات المتخصصة التي تفحص نشاطات الأمة بمختلف الوسائل العلمية، كالبيانات الاستطلاعية، والدراسات الإحصائية والاستفتاءات، والتنقيب في ثمار الخطط وتقويم المشروعات، وفي جميع هذه الوسائل توفر لها حرية النقد والتعبير والتشخيص؛ لأنه بدون هذه الحرية لا يمكن أن يكون هناك تقويم وتصحيح.

стр. 412

الفصل السادس والعشرون: مرحلة وفاة الأمة مرحلة الدوران في فلك الأشياء مدخل ... الفصل السادس والعشرون: مرحلة وفاة الأمة "مرحلة الدوران في فلك الأشياء" يرمز إلى هذه المرحلة في الشكل رقم "٢" بالمثلث د هـ وعلى صفحة ٣٧٣ حيث تبدأ بوفاة الأمة عند المحطة الزمنية "هـ"، وتنتهي عند إعلان الوفاة والقيام بالدفن عند المحطة الزمنية "و"، وتنتهي الأمة إلى حالة الوفاة حين تصبح حقيقة "المثل الأعلى" الذي يوجه الحياة فيها هي: - دوران "الأفكار والأشخاص" في فلك "الأشياء": والتجسيد العملي لهذا الدوران هو تمركز شهوات الحياة، ومتعها في محور نظام القيم السائدة، وتكريس المقدرات الفكرية والبشرية لتوفير هذه الشهوات، والمتع ونسيان ما عداها من قضايا النشأة والحياة والمصير. وإلى هذا النسيان يشير قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] . والمحصلة النهائية لهذا التبدل في القيم هي بروز "إنسان" أناني تدور اهتماماته حول "ملكية الأشياء"، والعض عليها بكل الأنياب المادية والنفسية كقوة السلاح والتآمر، والغش والظلم والاغتصاب دون اعتبار للآخرين ومصائرهم. ويطلق الرسول ﷺ على هذا النظام القيمي اسم -الملك العضوض- أي الذي يعض عليه أهله بقوة السلاح، ويغتصبونه بالقتل والفتن ويحرسونه بالإرهاب. وتتفاوت سعة دوائر شهوة -الملك العضوض- بتفاوت دوائر الممالك في الأمة. فهي تبدأ من -ملك الفرد- العادي للأشياء حتى تبلغ أقصى

стр. 413

سعتها في الملكية المطلقة للحاكم الجالس على رأس المجتمع. وهذا التجانس بين قمة -الملك العضوض- والقواعد الشعبية العضوضة يندرج أيضا تحت المبدأ الإسلامي القائل، "كما تكونون يول عليكم". وتفصل الأحاديث النبوية في تشخيص هذا اللون من قيم -الملك العضوض- ومظاهره ومضاعفاته، من ذلك قوله ﷺ : "سيأتي على الناس زمان، لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان، فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقر على المحبة، وصبر على الذال وهو يقدر على العز، أتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي" ١. وفي حديث آخر: "يأتي على الناس زمان همتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله" ٢.

стр. 414

أولًا: أعراض الأمة الميتة تبقى الأمة الميتة -بعد حدوث الوفاة- فترة من الزمن تكون خلالها كالعمارة الضخمة المتصدعة التي تظل قائمة ما دامت لم تهب الرياح التي تقوض أركانها، أو لم تعمل فيها آلات الهدم التي تهدم حيطانها. ويقدم القرآن للأمم الميتة مثلا من جثة سليمان التي ظلت زمنا بعد وفاته تخيف العاملين تحت إمرته، فلما أكلت دابة الأرض المنسأة -أو العصاة- التي تستند إليها الجثة، وخرت إلى الأرض قال العاملون تحت إمرته من الجن

стр. 415

والإنس لو كنا نعلم وفاته ما لبثنا زمنا طويلا في عذاب العمل وتنفيذ الأوامر. وكذلك أنظمة الحكم والأمة حين تموت تبقى زمنا تتكئ على منسأتها من البوليس والجيش، والمخابرات بحيث يخيل للرازحين تحت ظلمها أنها حية قائمة حتى يبعث الله عناصر انقلابية من الداخل، أو قوة غايزة من الخارج، فتأكل المنسأة وتخر الأمة وتعلن الوفاة. وحينئذ يتبين الرازحون تحت ظلمها أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا زمنا في العذاب المهين. والرسول ﷺ يحدد للأمة الميتة أعراضا مجملة رئيسية يندرج تحت كل عرض تفاصيل دقيقة يستطيع أولو الألباب من خلال هذه الأعراض التحقق من وفاة الأمة، ونظام الحكم فيها فيقون الناس مضاعفات الانهيار، ويبدأون محاولات بعث الأمة من جديد. ومن الأحاديث التي تقدم مجمل هذه الأعراض ما يلي: "إذا رأيت شحا مطاعا، وهو متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودعك من أمر العامة" ١. فالشح المطاع، والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، كلها أعراض رئيسية للأمة الميتة يتفرع عن كلها منها عشرات المضاعفات والتفاصيل. وهذه الأعراض تبدو جلية واضحة في الفترة الواقعة بين حدوث الوفاة، وبين إعلانها، وإجراءات الدفن التي مر الحديث عنها: أما تفاصيل هذه الأعراض فهي كما يلي: ١- شيوع "الشح المطاع": والشح في اللغة معناه أشد البخل. وقيل: البخل يكون في المال، أما

стр. 416

الشح فيكون بالمال والمعروف١. وقيل: إنه الإفراط في الحرص على الشيء٢. ولقد عرفه الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ بأنه: أن ترى ما أنفقته تلفًا٣. أي خسارة. ولقد ورد ذكر الشح في القرآن الكريم في خمسة مواضع تتكامل جميعها لتدل على أمور ثلاثة: الأول، أن من يبتلى بالشح يتصف بعدم الإنفاق في سبيل الله، والبخل بعمل الخير والسلوك الحسن، والتردد في مساعدة الناس، والنكوص عن الجهاد والجبن أمام الأعداء، وسلاطة اللسان على الأصدقاء، والغياب عند التضحية والبذل، والحضور عند الطمع والغنيمة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨-٢٠] . والأمر الثاني، أن من برئ من الشح يتصف بالسخاء والبذل، وإيثار المصلحة العامة، ومساعدة الناس على الاستقرار، ومحبة القادمين الغرباء كمحبة المقيمين الأقرباء، وتيسير أمورهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ

стр. 417

فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] . والأمر الثالث، إن الشح ورد في آية أخرى ليشير إلى المرأة العجوز، أو الدميمة التي تضن بجزء من حقها لضرتها الشابة الجميلة. - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨] . وفي الآية -أيضا- إشارة إلى أن الشح يشمل التشبث بمنافع لم تعد الحاجة شديدة إليها، وعدم التفضل بها لمن هو أكثر حاجة إليها، ومن أمثلته الأثرياء الذين يشحون عن الإحسان والتبرع حين تتقدم بهم السن، وتفتك بهم علل الموت بينما يتبرع نظائرهم في المجتمعات غير الإسلامية بتأسيس دور العلم ومراكز البحوث والمستشفيات، وأمثالها من المنافع العامة. فالشح في حقيقته نقيض لعنصر الولاية في الأمة. أي إن محوره اختفاء الشعور بالصالح العام، وإبطال لفاعلية شبكة العلاقات الاجتماعية التي توفرها عناصر الأمة، أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والرسالة والجهاد، والإيواء، والنصرة التي مرت تفاصيلها في فصول سابقة. وبذلك تكون الأمة التي تصاب بالشح كالجسد الميت الذي تتوقف فيه الدورة الدموية، فلا تزود أجهزته بالغذاء اللازم لاستمرار عافيتها وآداء وظائفها مما يمهد لتفسحها وانبعاث نتنها. ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت -الشح- يتضح أن الشح يتمثل فيما يلي: أ- الشح بيسر الحياة وشحنها بالضنك والعسر، كتضييق الحكومات على الحريات، وإثقال كاهل الرعية بالضرائب والغرامات، واستغلال رجال

стр. 418

الاقتصاد للأزمات وأوقات الشدة وظروف القطح، والحرب وندرة السلع لممارسة الاحتكار ورفع الأسعار، والإيجار دون اكتراث بما يسببه ذلك من عنت وإرهاق للآخرين. ب- الشح بإنجاز الواجبات وبذل الجهد وشيوع العجز، والشح بالمعاملة الحسنة وشيوع الفظاظة والغلظة في ميادين الحياة ومؤسساتها المختلفة١.

стр. 419

حـ- الشح بالتكافل وعدم التواصل والتراحم، وعدم البذل والتبرع، وانتشار الفردية والأنانية مع الإسراف في الإنفاق على ملذات النفس وشهواتها. د- الشح بالمظهر الاجتماعي للعبادة، وشيوع الشكلية في التدين والاقتصار على تدين "الأشكال" دون "الأعمال". والتركيز على طقوس العبادات، وحركاتها دون إقامة معانيها في الحياة، والتوقف عن الزكاة والجهاد، ومنع كل "ماعون" يعين المسلم على إقامة روح الدين وفضائله. وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أي يراءون بالصلاة بينما هم يمنعون كل "ماعون" يعين الناس على يسر الحياة، وعدم الاشتغال بها اشتغالا يلهيهم عن دينهم أو يدفعهم دفعا لمخالفته، ومخالفة تعاليمه. هـ- الشح بالعدل وشيوع "التطفيف" في المعاملات. والتطفيف مشتق من قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ والتطفيف في العمل أو الوظيفة أن يرهق أصحاب العمل العمال، والموظفين بالواجبات ويثقلون عليهم في المسئوليات في الوقت الذي يدفعون لهم أجورا، أو رواتب أقل من غيرهم، ويغتنمون كل فرصة "ليخسروهم" أي يخصمون من أجورهم أو رواتبهم. أما التطفيف في التجارة فهو المبالغة في الاستيفاء عند الشراء وإنقاص الوزن، أو المكيال عند البيع. وهكذا في جميع أنواع المعاملات وعلاقات العمل والخدمة والوظيفة. و الشح بالنفس والأبناء والقدرات، والجبن أمام الأخطار الخارجية أو الأعداء الخارجين، وإيثار السلامة بالمال والنفس، مع القسوة على الأخوة أو الرعايا في الداخل. وهذا ما أشار إليه الحسن بن علي بن أبي طالب حين عرف -الجبن- بأنه: الجرأة على الصديق والنكوص عن العدو١.

стр. 420

ولقد لخص الرسول ﷺ مظاهر الشح التي تقدمت عند قوله: "إياكم والشح فإنما هلك من قبلكم بالشح: أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبحلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" ١. ٢- اتباع الهوى: المحور الذي يدور حول -الهوى- هو مجانبة العدل في السلوك والتفكير والشعور، ثم الانطلاق في ذلك كله من الحمية العصبية والشهوات النفسية. ويذكر الرازي في تفسيره أن الله وضع الهوى في مقابل العدل عند قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] . ثم يعلق على ذلك فيقول: "المعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بالعدل. وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك الهوى. ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر. فتقدير الآية: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ "٢. ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت -الهوى الصفة الثانية للأمة الميتة -يتضح أنه يتمثل فيما يلي: أ- الظلم، فالذين يمارسون الظلم إنما يقترفونه بسبب الهوى، تلبية لحمية عصبية أو شهوة نفسية. كما إن المظلومين الذين يخنعون أمام الظالم، ويرضون بظلمه إنما يفعلون ذلك بسبب الهوى. ولذلك قال ﷺ : "إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم فقد تودع منها" ٣. فالأمة الميتة تسكت أمام سياسات الظلم وتطبيقاته في الاجتماع

стр. 421

والاقتصاد والسياسة والثقافة والفنون، والتربية وتتسابق لتملق الظالم طلبا لما عنده من شهوات أو لما تربطهم به من عصبيات، فالتاجر في الأمة الميتة يخشى على تجارته، والموظف يخشى على وظيفته، والعامل يخشى على عمله، وصاحب الشهوة يخشى فقدان شهوته وهكذا. ولا يعني هذا أن الأمة الميتة تخلو من العناصر الصالحة، وإنما معناه أنها تفتقر إلى العناصر "الصالحة-المصلحة" التي تقف أمام الظلم، وتحول دون انتشاره واستشراء مضاعفاته. والتمييز بين الفريقين واضح تمام الوضوح في القرآن الكريم والحديث الشريف. فالقرآن يؤكد على أن العناصر "الصالحة-المصلحة" هي الضمان الواقي للأمة من الهلاك ومن العقوبات الإلهية. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] . أما العناصر الصالحة غير المصلحة فهذه لا تحول دون وفاة الأمم، ولا تنجو من الدمار الذي ينزل بالأمم المعذبة: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . وينبه الرسول ﷺ إلى أن مساعدة الظالم على ظلمه تخرج من الإسلام: "ألا إنه سيكون بعدي أمراء يظلمون، ويكذبون فمن صدقهم بكذبهم، ومالأم على ظلمهم فليس مني، ولا أنا منهم، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ومن لم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه" ١.

стр. 422

والسكوت على الظلم ينتهي بالأمة إلى الكوارث والعقوبات الإلهية: - "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب" ١. - "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم" ٢. ب- انطفاء العلم وشيوع الجهل: ولا يعني ذلك شيوع الأمية وإغلاق معاهد العلم، وإنما المقصود تعطل فاعلية العلم الناتج عن التربية، والتعليم اللذين يوجههما الهوى بحيث يصبح وجود العلم شبيها بالجهل؛ لأن أصحاب الأهواء يستثمرون العلم، والمعرفة استثمارا يجعل فقدهما أنفع من ضررهما، وهم يتخذون من العلم حلية اجتماعية يتطاولون بها على الناس، ويظلمونها بدل مساعدتهم وإنصافهم. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . جـ- انطفاء فاعلية الحقيقة: وشيوع الهوى معناه الاحتكام إلى النزعات والحمية، والشهوات مما يبطل فاعلية الحقيقة رغم وقوف الناس عليها. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] . د- انطفاء الخير والصلاح وشيوع الشر والفساد: في الأمة الميتة التي يشيع فيها الهوى يتحول الناس إلى أكوام بشرية تتصارع من أجل الشهوات

стр. 423

والعصبيات والحصول على المنافع والمكاسب، فتذهب الأخلاق، وينعدم النظام، ويفشو الفساد في السلوك والمعاملات، وتنعدم روح المسئولية، وتدب الفوضى، ويشيع الغش والخيانة والرشوة، وألوان الخداع والكذب، وما إلى ذلك. وإلى كل هذه المضاعفات يشير قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] . هـ- شيوع الصنمية واختفاء التوحيد: ويكون من نتائج ذلك شيوع الرق النفسي والفكري، واختفاء حريات التفكير والتعبير والعمل والاختيار. وتلغى شخصية الإنسان فيصبح متقلبا حسب المواقف التي تقررها أهواؤه في الرغبة أو الرهبة، أو الخوف أو الطمع أو الحرص. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤] . و شيوع الفرقة وتحطم الوحدة: وإلى ذلك يشير قوله ﷺ : "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة. وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة. وسيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق، ولا مفصل إلا دخله" ١. ز- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى تشيع الدناءة والصغار، وينعدم الطموح والترفع. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] .

стр. 424

ح- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى يشبع الخطأ في الأحكام، والقرارات والسياسات والمواقف. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص: ٥٠] . ط- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى يشيع الحمق والقصور العقلي، وقلة الحكمة وعدم الاستفادة من الخبرات الاجتماعية، والكونية التي يقرأها الناس أو يمرون بها أو تراها أعينهم أو تسمعها آذانهم. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] . ٣- إيثار الدنيا: وهذه هي الصفة الرئيسية الثالثة للأمة الميتة. ومحورها الوقوف عند العناية بنعيم الدنيا، وشهواتها دون اهتمام بأمور النشأة والمصير. فهي إذن توقف عن مسيرة الإنسان نحو الخلود والرقي. ويتكرر الحديث عن -إيثار الدنيا- في مئات المواضع في القرآن والحديث. ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت -إيثار الدنيا- يتضح أنه يتمثل فيما يلي: أ- شيوع صنمية المال: وهذه الصنمية هي محور إيثار الدنيا، إذ لما كان المال هو الوسيلة الموصلة إلى نعيم الدنيا وشهواتها، فإن الأمة الميتة تنصب من المال صنما تتقرب لمالكيه بالعبادة: أي بالطاعة الكاملة بسبب الرغبة الكاملة به والرهبة الكاملة من فقدانه. وإلى هذه الصنمية يشير قوله ﷺ : "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" ١.

стр. 425

وقوله أيضًا: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي منهما رضي، وإن منع سخط" ١. فهو عبد الدينار والدرهم؛ لأن "ولاءه" يدور في فكلهما إن أعطي منهما رضي، وإن منع عنه العطاء سخط. والقطيفة هي التي يجلس عليها. أو هي رمز للأثاث، فهو عبد الأثاث؛ لأنه دائم التفكير به، مشغول بالبحث عنه سواء أكان تاجرا أو مستهلكا. والخميصة هي اللباس الذي يرتديه الإنسان، فهو عبد اللباس؛ لأنه دائم التفكير به والتفتيش عن أزيائه وأشكاله والنظر في منشورات الدعاية له، والربط بين الدينار والدرهم من ناحية والأثاث، واللباس من ناحية أخرى؛ لأنها كلها مرتبطة بعضها ببعض لا يتوصل عابدها إلى شيء منها إلا بالحصول على الأخرى. وليحصل عابدها عليها لا بد أن يطيع مالكها ومعطيها، والمتسبب بالحصول عليها طاعة كاملة، ويرهبهم رهبة كاملة، ويرغب بهم رغبة كاملة، فهي أصنام متعددة وأرباب متنوعة لكنها مترابطة يوصل بعضها إلى بعض. ولذلك قال بعض السلف: ألبس من الثياب ما يخدمك، ولا تلبس منها ما أنت تخدمه، واقتن البساط الذي تجلس عليه لا الذي يجلس عليك٢. والتربية المعاصرة، والثقافة المعاصرة -تربية وثقافة الإنتاج والاستهلاك- تفرز إنسانا تجلس "الأشياء" فوق عقله وقلبه وجسده، وتنام وتصحو معه، دون أن تدع لـ"الأفكار" وشبكة العلاقات الاجتماعية متسعا، ويظل ينوء تحت الأشياء كلها آناء الليل، والنهار حتى تصبح دينه ونياه.
следующие страницы →