← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والاقتصاد والسياسة والثقافة والفنون، والتربية وتتسابق لتملق الظالم طلبا لما عنده من شهوات أو لما تربطهم به من عصبيات، فالتاجر في الأمة الميتة يخشى على تجارته، والموظف يخشى على وظيفته، والعامل يخشى على عمله، وصاحب الشهوة يخشى فقدان شهوته وهكذا. ولا يعني هذا أن الأمة الميتة تخلو من العناصر الصالحة، وإنما معناه أنها تفتقر إلى العناصر "الصالحة-المصلحة" التي تقف أمام الظلم، وتحول دون انتشاره واستشراء مضاعفاته. والتمييز بين الفريقين واضح تمام الوضوح في القرآن الكريم والحديث الشريف. فالقرآن يؤكد على أن العناصر "الصالحة-المصلحة" هي الضمان الواقي للأمة من الهلاك ومن العقوبات الإلهية. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] . أما العناصر الصالحة غير المصلحة فهذه لا تحول دون وفاة الأمم، ولا تنجو من الدمار الذي ينزل بالأمم المعذبة: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . وينبه الرسول ﷺ إلى أن مساعدة الظالم على ظلمه تخرج من الإسلام: "ألا إنه سيكون بعدي أمراء يظلمون، ويكذبون فمن صدقهم بكذبهم، ومالأم على ظلمهم فليس مني، ولا أنا منهم، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ومن لم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه" ١.

стр. 422

والسكوت على الظلم ينتهي بالأمة إلى الكوارث والعقوبات الإلهية: - "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب" ١. - "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم" ٢. ب- انطفاء العلم وشيوع الجهل: ولا يعني ذلك شيوع الأمية وإغلاق معاهد العلم، وإنما المقصود تعطل فاعلية العلم الناتج عن التربية، والتعليم اللذين يوجههما الهوى بحيث يصبح وجود العلم شبيها بالجهل؛ لأن أصحاب الأهواء يستثمرون العلم، والمعرفة استثمارا يجعل فقدهما أنفع من ضررهما، وهم يتخذون من العلم حلية اجتماعية يتطاولون بها على الناس، ويظلمونها بدل مساعدتهم وإنصافهم. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . جـ- انطفاء فاعلية الحقيقة: وشيوع الهوى معناه الاحتكام إلى النزعات والحمية، والشهوات مما يبطل فاعلية الحقيقة رغم وقوف الناس عليها. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] . د- انطفاء الخير والصلاح وشيوع الشر والفساد: في الأمة الميتة التي يشيع فيها الهوى يتحول الناس إلى أكوام بشرية تتصارع من أجل الشهوات

стр. 423

والعصبيات والحصول على المنافع والمكاسب، فتذهب الأخلاق، وينعدم النظام، ويفشو الفساد في السلوك والمعاملات، وتنعدم روح المسئولية، وتدب الفوضى، ويشيع الغش والخيانة والرشوة، وألوان الخداع والكذب، وما إلى ذلك. وإلى كل هذه المضاعفات يشير قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] . هـ- شيوع الصنمية واختفاء التوحيد: ويكون من نتائج ذلك شيوع الرق النفسي والفكري، واختفاء حريات التفكير والتعبير والعمل والاختيار. وتلغى شخصية الإنسان فيصبح متقلبا حسب المواقف التي تقررها أهواؤه في الرغبة أو الرهبة، أو الخوف أو الطمع أو الحرص. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤] . و شيوع الفرقة وتحطم الوحدة: وإلى ذلك يشير قوله ﷺ : "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة. وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة. وسيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق، ولا مفصل إلا دخله" ١. ز- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى تشيع الدناءة والصغار، وينعدم الطموح والترفع. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] .

стр. 424

ح- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى يشبع الخطأ في الأحكام، والقرارات والسياسات والمواقف. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص: ٥٠] . ط- في الأمة الميتة التي يتبع فيها الهوى يشيع الحمق والقصور العقلي، وقلة الحكمة وعدم الاستفادة من الخبرات الاجتماعية، والكونية التي يقرأها الناس أو يمرون بها أو تراها أعينهم أو تسمعها آذانهم. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] . ٣- إيثار الدنيا: وهذه هي الصفة الرئيسية الثالثة للأمة الميتة. ومحورها الوقوف عند العناية بنعيم الدنيا، وشهواتها دون اهتمام بأمور النشأة والمصير. فهي إذن توقف عن مسيرة الإنسان نحو الخلود والرقي. ويتكرر الحديث عن -إيثار الدنيا- في مئات المواضع في القرآن والحديث. ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت -إيثار الدنيا- يتضح أنه يتمثل فيما يلي: أ- شيوع صنمية المال: وهذه الصنمية هي محور إيثار الدنيا، إذ لما كان المال هو الوسيلة الموصلة إلى نعيم الدنيا وشهواتها، فإن الأمة الميتة تنصب من المال صنما تتقرب لمالكيه بالعبادة: أي بالطاعة الكاملة بسبب الرغبة الكاملة به والرهبة الكاملة من فقدانه. وإلى هذه الصنمية يشير قوله ﷺ : "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" ١.

стр. 425

وقوله أيضًا: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي منهما رضي، وإن منع سخط" ١. فهو عبد الدينار والدرهم؛ لأن "ولاءه" يدور في فكلهما إن أعطي منهما رضي، وإن منع عنه العطاء سخط. والقطيفة هي التي يجلس عليها. أو هي رمز للأثاث، فهو عبد الأثاث؛ لأنه دائم التفكير به، مشغول بالبحث عنه سواء أكان تاجرا أو مستهلكا. والخميصة هي اللباس الذي يرتديه الإنسان، فهو عبد اللباس؛ لأنه دائم التفكير به والتفتيش عن أزيائه وأشكاله والنظر في منشورات الدعاية له، والربط بين الدينار والدرهم من ناحية والأثاث، واللباس من ناحية أخرى؛ لأنها كلها مرتبطة بعضها ببعض لا يتوصل عابدها إلى شيء منها إلا بالحصول على الأخرى. وليحصل عابدها عليها لا بد أن يطيع مالكها ومعطيها، والمتسبب بالحصول عليها طاعة كاملة، ويرهبهم رهبة كاملة، ويرغب بهم رغبة كاملة، فهي أصنام متعددة وأرباب متنوعة لكنها مترابطة يوصل بعضها إلى بعض. ولذلك قال بعض السلف: ألبس من الثياب ما يخدمك، ولا تلبس منها ما أنت تخدمه، واقتن البساط الذي تجلس عليه لا الذي يجلس عليك٢. والتربية المعاصرة، والثقافة المعاصرة -تربية وثقافة الإنتاج والاستهلاك- تفرز إنسانا تجلس "الأشياء" فوق عقله وقلبه وجسده، وتنام وتصحو معه، دون أن تدع لـ"الأفكار" وشبكة العلاقات الاجتماعية متسعا، ويظل ينوء تحت الأشياء كلها آناء الليل، والنهار حتى تصبح دينه ونياه.

стр. 426

ب- فساد القيادة وانتهاك القيم والحرمات: ذلك أن الأمة الميتة التي تؤثر الدنيا على الآخرة تدفع إلى مراكز القيادة فيها العناصر المترفة -أي أهل النعمة والبطر والاستكبار١- لأنها تتوهم فيهم القدرة والخبرة للحصول على الدنيا التي تؤثرها. ولكن المترفين -بحكم إصابتهم بنفس الداء- يتحولون إلى قيادات ظالمة مستغلة تتركز سياساتها حول الاستئثار بمزيد من الدنيا، وأسباب البطر والاستكبار، فيختفي العدل ويفشو الظلم، وتنتهك الحرمات، ويتحلل من المسئوليات ويختفي الأمن والاستقرار. وإلى هذه الحالة يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] . والفسق المشار إليه في الآية نوعان: فسق القيادات أي انحرافها عن المنهاج القويم في الحكم والإدارة، واستعبادها للناس وكبت الحريات. وفسق الشعوب، وهو سكوتها على انحراف القيادة المترفة وتملقها وتبرير ممارساتها. ولذلك أدان الله فرعون وقومه سواء؛ لأنهم سمحوا له أن يستخف بهم فأطاعوه، ونفذوا سياساته وشكلوا جنده وحراسه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] . جـ- الانغماس في الشهوات، وانتشار روح المنافسة والصراع: في الأمة الميتة التي تتصف بإيثار الدنيا ينحسر عنصر الجهاد، والنصرة في الصراع من أجل حطام الدنيا والانغماس في شهواتها. وإلى هذا يشير قوله ﷺ : " ... فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كانت قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم" ٢.

стр. 427

وفي حديث آخر يقول: "سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطايب الدنيا وألوانها، ويركبون فره الخيل وألوانها، ويلبسون أجمل الثياب وألوانها. لهم بطون من القليل لا تشبع، وأنفس بالكثير لا تقنع، عاكفين على الدنيا، يغدون ويرحون إليها، اتخذوها إلهة من دون إلههم، وربا دون ربهم، إلى أمرها ينتهون، ولها يتبعون، فعزيمة من محمد بن عبد الله، لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم، وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم، ولا يعود مرضاهم، ولا يتبع جنائزهم، ولا يوقر كبيرهم، فمن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام" ١. ومن الطبيعي أن الرسول ﷺ لا يحرم الطيبات التي أحل الله لعباده، ولكنه يشير إلى ظاهرة من مظاهر الأمة الميتة حين تنحسر فيها عناصر الإيمان والهجرة، والجهاد والرسالة والإيواء، والنصرة، والولاية لتدور في فلك "أشياء" الدنيا وطيباتها. د- سطحية التدين: وتتخذ هذه السطحية مظهرين: سطحية العامة حيث يتحول الدين إلى طقوس وأعياد ومناسبات، كأن يصبح رمضان شهر المطاعم والملاهي والتسويق والشراء، ويصبح الحج موسما للتجارة والنرهة والإيجار والاستئجار. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٥١] . وسطحية العلماء والمتدينين حيث يجري التركيز على "الطقوس والأشكال" بدل "الروح والأعمال". وهذه السطحية قديمة صاحبت الإسلام منذ نشأته وأصابت

стр. 428

الرسول ﷺ نفسه بأذاها فحذر من مستقبلها ونبه إلى روادها. من ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري حين قال: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة من أديم مقروظ لم تحصل من ترابها. قال فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وأما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء. قال فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟ " قال فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشر الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار. فقال: يا رسول الله! "اتق الله! " فقال: "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا لعله أن يكون يصلي". فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: "إنه يخرج من ظئظئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". قال: أظنه قال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود" ١. هذا هو رائد التدين السطحي وسنة "الأشكال": رجل "كث اللحية"، "محلوق الرأس"، "مشمر الإزار". وهو ظئظئ -أي أصل- فئات يتبعون سنته، ويتلون كتاب الله رطبا -أي سهلا لكثرة حفظهم- ولكنهم إذا لاحت لهم شهوة أو منفعة قفزوا عليها، وتجردوا من الذوق والأخلاق ومرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ثم شاهد التاريخ الإسلامي نماذج من هؤلاء أولوهم بأنهم -الخوارج. والحقيقة أن الظاهرة لا تقتصر على فرقة معينة في زمن معين، وإنما هي ظاهرة متكررة كلما مرضت الأمة، وانتهت

стр. 429

إلى الوفاة وأفرزت نماذج تتعلق بـ"الأشكال" وتمرق من "الأعمال". هـ- سطحية العلم والتربية: في الأمة الميتة تنحسر ميادين المعرفة، وتطبيقاتها ومناهجها التربوية من ميادين النشأة والمصير وسنن الحياة، والكون لتقتصر على البحث في ميدان "الأشياء" الدنيوية، وإعداد الناس للحصول عليها وإنتاجها ثم استلاكها. وإلى هذه الظاهرة يشير قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] . والثمرة العامة للنشاطات التربوية والعلمية هي بروز "ثقافة الاستهلاك" التي تلون أنماط الفهم والتفكير، وتحيل كل فقه -حتى فقه القرآن والحديث- إلى أداة لإنتاج "الأشياء" وتسويقها، وتمجيد القائمين على إنتاجها. أما "الأفكار" فيكون الساهد منها هو أفكار "اللغو" أي أدنى مستويات المعرفة التي يسميها القرآن -لهو الحديث- فهي عند المتدينين تدور حول الجدل عن السحر والعفاريت، وشرعية التمسح بالحجارة وزيادة القبور، واستعمال السبحة وما إلى ذلك. وعند غير المتدينين تدور حول الأشعار الغزلية، والأدب الوجداني، والقصص الجنسي، وبرامج التسلية والترفيه وما إلى ذلك. وتتصاعد مضاعفات -إيثار الدنيا- وتفرز نتائج سلبية في الفكر، والسلوك والثقافة حتى تبلغ قمتها في بروز ظاهرة -الكفر والاستخفاف بالإيمان. والكفر في جوهره مرض نفسي، وفكري سببه الجهل والحاجة: جهل المالكين للدنيا بحكمتها، وحاجة المحرومين إلى مقومات العيش فيها. وهذا ما أدركه ابن تيمية حين قال: "المحرمات جميعها من الكفر، والفسوق والعصيان إنما يفعلها العبد لجهله أو لحاجته، فإنه إذا كان عالمًا

стр. 430

بمضرتها، وهو غني امتنع أن يفعلها ... فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم أو الغنى"١. وغالبا ما يتخذ الكفر مظهرين: الأول، كفر ضحايا قيم الحرمان الذين أحبوا الدنيا وفشلوا في دوامة الصراع الجاري حول المال، والتنعم بالأشياء. فيدفعهم الفشل والفقر والحرمان إلى الكفر، خاصة إذا لم يتبن علماء الدين قضاياهم، ويتصدوا للظلم النازل بهم والدعوة إلى إنصافهم والعناية بهم٢. والمظهر الثاني، كفر ضحايا قيم الترف، أي الذين جهلوا حكمة الجاه والثراء فأبطرهم الانتصار في حلبة الصراع على الدنيا، وأفرجهم احتكار النعيم والثروة والقوة، واعتقدوا أن هذه النصر مرده علمهم، ومهاراتهم في الكسب والإنتاج، فيسخرون من الدين، ويتجرأون على الفساد، ويتحللون من المسئولية الأخروية، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢] . ٤- إعجاب كل ذي رأي برأيه: ومحور هذه الصفة الأخيرة من صفات الأمة الميتة هو تعطل روح الجماعة والعمل الجماعي، وتوقف تبادل الخبرات والمشورة. وينتج عن ذلك بروز ظواهر التعصب للرأي، والعجب والكبر والتعالم، وإملاء الرأي وفرضه على الآخرين في جميع دوائر الحياة الاجتماعية ابتداء من القواعد الدنيا في الأسرة، والمتجر، والمصنع، ودائرة الوظيفة حتى أعلى دوائر المجتمع في رئاسة الحكومة، وقيادة الدولة حيث زعامات الحكم المطلق، والقيادات الدكتاتورية المتنافرة المتناحرة. ويكون من نتائج ذلك بروز

стр. 431

مجتمعات الكراهية وفقدان الثقة، وشيوع الحسد وانعدام التعاو والوحدة، وتفرق الكلمة، والتستر على الأخطاء والنواقص والعيوب، ورفض النقد الذاتي، وتبرير الهزائم والنكسات والأزمات، وفشل اللجان والمؤتمرات، وعقم التخطيط واللقاءات، والاجتماعات، وانعدام التعاون بين الهيئات، والجماعات وغير ذلك. والمحصلة النهائية لذلك كله هي تحطم روح الجماعة والعمل الجماعي، وإغلاق الاتصال والتفاهم فلا تحل المشكلات إلا بالخصومة، والفتن والتآمر والقتل، وإلى هذا المصير يشير قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] . ولقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أمرائكم. و ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ من سفلتكم، و ﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الأهواء والاختلاق. و ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يقتل بعضكم بعضًا١. والواقع أن معاني الآيات المشار إليها لا تقتصر على ما استقاه ابن عباس من خبرات زمانه، بل هي تتدفق طبقا لما يحدثه الخلق الجديد "التطور" في الأزمنة والأمكنة والتكنولوجيا. فقد يكون من مظاهر: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الطائرات والقذائف الصاروخية الناسفة، وقد يكون من مظاهر: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الأحزاب والمنظمات المتحاربة من أجل غايات مختلطة يحوطها اللبس والغموض، والدسائس الخفية. فمظاهر العذاب تتطور بتطور أدواته، أما القوانين والسنن فهي خالدة مترابطة، وأقدار -أي قوانين- متتالية يفضي بعضها إلى بعض، حين تفسق الأمم عن الصراط المستقيم،

стр. 432

دون أن توقفها أهواء أو تحد من هولها، وعواصفها عصبيات ونزعات. ثم إن هذه الأعراض الأربعة الرئيسية للأمة الميتة: أعراض الشح المطاع، والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، تتبادل التأثير السلبي، وتتظافر في إفراز مضاعفاتها الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعسكرية في واقع الأمة الميتة, ولقد فصل الرسول ﷺ في ذكر هذه المضاعفات في أحاديث كثيرة منها: "يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عددًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم" ١. وفي حدث آخر: "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء". فقيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "إذا كان المغنم دولًا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم الغير الدين، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه. وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا أو مسخا" ٢.

стр. 433

ثانيا: إعلان الوفاة وإجراءات الدفن وخلال الصراعات الدائرة وتفاعل الفتن، والمضاعفات السلبية في الداخل تعمد الفئات المهزومة أو تلك التي فيها بقية صلاح إلى الهجرات المعاكسة، والهروب من أرض الهرج والقتل، والفتن إلى حيث الأمن والاستقرار وسيادة القانون. أما الخردة البشرية فتستمر في أتون الصراعات الدموية، ومستنقع الانحرافات الاجتماعية إلى أن تتمزق الأمة وتتناثر مزقها: تمزق سياسي وتفسخ أخلاقي، وهزائم ونكبات، ومجاعات تصبح حديث المحافل الدولية، ووسائل الإعلام العالمية. وإلى هذا الوضع المأساوي يشير قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] . وبلوغ الأمة هذه الحالة يجعلها كالجيفة التي تنفجر أحشاؤها، وينتشر نتنها فتجذب روائحها الكريهة برابرة الشعوب، والغزاة الطامعين من خارج ليقوموا بإعلان الوفاة وإجراءات الدفن. وغالبا ما يتمثل إعلان الوفاة بالانهيار العسكري السريع أمام الغزاة. والواقع أن ما يبدو انتصارا ساحقا، وهزيمة مروعة هو في حقيقته إعلان لوفاة أمة لفظت أنفسها من قبل، ولكنها ظلت زمنا تتكئ على أجهزتها المخابراتية والأمنية، وتوهم المرعوبين من جماهيرها أنها حية قائمة كما ظلت جثة سليمان المتكئ على منسأته زمنا ترعب العاملين تحت إمرته من الإنس، والجن حتى أكلت دابة الأرض تلك المنسأة -أي العصاة- فلما خرت الجثة قال الخاضعو بعضهم لبعض: لو كنا نعلم الغيب ما لبثنا زمنا في العذاب المهين. وأما عن إجراءات الدفن، فتمثل بحل جيش النظام الظالم وبوليسه، ومخابراته وإداراته، وانهيار الثقافة التي مكنت للظلم والفساد، وتوزيع

стр. 434

الميراث الممثل باقتسام الغنائم ومناطق النفوذ. وإلى هذه النهاية يشير قوله ﷺ : "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن"، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" ١. والقرآن يدرج تداعي الأمم الغازية وما يرافق زحفها من إعلان لوفاة الأمة الميتة تحت اسم "الصيحة" التي تنتهي بالأمة الميتة إلى -نفس النهاية- نهاية الغثاء: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . و"الحق" الذي جرت الصيحة طبقا له هو إشارة إلى السنن، والأقدار التي تحدد مسارات الأمم ومصائرها. و"الغثاء" في اللغة معناه القذى والوسخ والقش. وفي الحديث هنا يشير إلى نفايات البشرية من بقايا الأمة الميتة التي تنسحب من تيار الحياة البشرية لتتكلس على ضفافه. و"نزع المهابة" من صدور الأعداء، و"قذف الوهن" في قلوب المستضعفين الأذلاء نتائج عمل سنن الله، وقوانينه في الاجتماع البشري تعبر عنها الآية المشار إليها بصيغة: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي إبعادا لأنظمة الظلم وإداراته، ومؤسساته وقادته ورعاياه وجيوشه، وبوليسه وأجهزة مخابراته وجميع ممارساته. فالأمة التي تجبن أن تقول للظالم: يا ظالم ولا تصلح آثار الظلم يبعث الله عليها: ﴿الصَّيْحَةُ﴾ أو هدير الغزاة وآلاتهم الحربية ليقوموا بما وهنت الأمة عن

стр. 435

القيام به. إنها عمليات جراحية إلهية تستهدف فك "الأغلال" السياسية و"الآصار" الاجتماعية والثقافية التي مكنت للظلم، وسمحت للظالمين بإحكام قبضتهم إحكاما لا فكاك منه. والتاريخ مليء بأشكال "الصيحة" التي تتالت صيحة بعد صيحة كلما أحكم الظلم قبضته، وجنبت الأمة عن تحطيم قيود الظالمين وثقافة الظلم. فالطوفان كان "صيحة" أبعدت النظام الظالم، والثقافة الظالمة التي كانت تلقن الفجور، والكفر للإنسان منذ طفولته حتى يبدو، وكأنه يولد مزودا بهما: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] . وآشور كانت "صيحة" أجهزت على النظام الظالم الذي آل إليه ورثة رسالة موسى ﵇ في أرض الرسالات، وحول المسجد الأقصى. والمسلمون الفاتحون كانوا "صيحة" أبعدت النظم الظالمة، وقوضت الثقافات والأديان المستبدة التي كانت قائمة في ظل قيادات القياصرة والأكاسرة. والمغول كانوا "صيحة" قوضت النظام الظالم الذي انتهت إليه إدارات الخلفاء والسلاطين في بغداد. والصليبيون كانوا "صيحة" أبعدت النظام الفاطمي الظالم الذي أعاد الصنمية، والزندقة ودمر الاجتماع في مصر والشام. وجيوش الاستعمار الحديث كانت "صيحة" أبعدت الأنظمة الظالمة، وهدمت مؤسساتها وإداراتها وفككت "أغلال" سياسات الولاة والباشاوات، والسلاطين الظالمة، و"آصار" الثقافات العصبية والعرقية الداعمة للظلم وبقائه وتثبيته.

стр. 436

وسوف تظل الصيحات تتوالى "صيحة" إثر "صيحة" لتعلن وفاة الأمم التي أماتها الظلم، ولتقوم بإعلان الوفاة وإجراءات الدفن للأنظمة الظالمة التي تتكئ على منسأتها البوليسية، والمخابراتية فتوهم المظلومين بحياتها ويبقون في العذاب المهين.

стр. 437

الفصل السابع والعشرون: مصير الأمة المتوفاة لا تتوقف السنن والأقدار عند -إعلان وفاة الأمة ودفنها- وإنما تستمر في عملها خطوات أخرى يصفها القرآن الكريم بـ"التقطيع في الأرض" و"الابتلاء بالحسنات والسيئات" و"الرجوع" و"الاستبدال". وإلى هذه الخطوات يشير قوله تعالى: - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] . - ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . أما تفاصيل هذه الخطوات وتتابعها فهي كما يلي: ١- التقطيع والتجزئة: و"التقطيع" المشار إليه هنا هو تفكيك عناصر الأمة المتوفاة، وانهيار مؤسساتها، وبعثرتها إلى دويلات وأقليات متناثرة هنا وهناك. وحقيقة هذا التقطيع أنه معالجة لـ"الصالحين" ومن هم "دون ذلك" ممن نزحوا هاربين خلال إعلان الوفاة والدفن. ذلك أن إنسان ما بعد دفن الأمة الميتة هو إنسان مثقل بـ"الأغلال" السياسة و"الآصار" الثقافية والاجتماعية التي تراكمت خلال فترات الجمود والآبائية، وأدت إلى وقوعه في أسر صنمية "الأشخاص والأشياء"، فصار يعاني من مرضين: الأول، عدم وضوح الرؤيا الفكرية ولذا يعجز عن النظر الصائب في -آيات الكتاب- أي مصادر الرسالة،

стр. 438

ويعجز عن النظر في -آيات الآفاق والأنفس- أي أحداث الاجتماع البشري والكون، وإنما يراها ملونة بتراث مراحل الجمود والآبائية تماما كما ترى العين الفضاء الواسع، والأشياء المتناثرة فيه ملونة بلون النظارة التي تعلو العين. والمرض الثاني، موت الإرادة العازمة، والعجز عن التحرك إلا نحو الحاجات الدنيا المتمثلة في الغذاء والكساء، والجنس دون التطلع إلى الحاجات العليا المتمثلة في التقدير وتحقيق الذات. ولذلك فهو إنسان غير صالح للرسالة بحالته القائمة إلا إذا أعيد تشكيل شخصيته، وقام بنقد ذاتي جسور -أو توبة نصوحة- من آثار التقليد والآبائية والعجز. وهذا ما يوفره التحرر من أسر مجتمع الولاء لـ"الأشياء" والعيش في بيئات "التقطيع". ٢- الابتلاء بالحسنات والسيئات: وهذه خطوة مكملة لسابقتها. إذ هي إعادة تشكيل لشخصية إنسان ما بعد الأمة المتوفاة من خلال تمريره في سلسلة من الخبرات السارة، والمؤلمة التي تهيؤه لمراجعة أنماط الحياة السابقة التي انتهت به إلى التمزيق، والشتات في الأرض. فالابتلاء هنا شبيه بتسليط النار الشديدة على قطع الحديد التي استشرى فيها الصدأ ثم طرقها وإعادة صقلها. وهكذا الابتلاء هو إعادة صقل بالحرمان، والمصائب ليتحرر إنسان ما بعد الأمة المتوفاة من قيود زينة الدنيا، وتعود إليه قابلية حمل الرسالة، ونصرة الحق وتذوق الخير والجمال، ومحاربة الباطل والنفور من الشر والقبح. والمرور في هذه العمليات الابتلائية يؤدي إلى إعادة النظر في الموروثات الثقافية، والاجتماعية وبلورة نموذج "مثل أعلى" جديد، ونظام تربوي جديد، وتنظيم صفوف "شظايا" الأمة، وتنمية قدراتها على تسخير إمكاناتها البشرية، والمادية لإعادة بعث الأمة واستئناف رسالتها. والنجاح في هاتين الخطوتين -التقطيع والابتلاء- يؤهل الإنسان المبتلى للقيام بعملية "الرجوع" إلى إخراج الأمة المسلمة من جديد، وهو ما يشير إليه جزء الآية القائل: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

стр. 439

٣- فقه الرجوع إلى إخراج الأمة المسلمة من جديد: والمشلكة هنا في فقه "الرجوع" وطبيعته ومظاهره وطرقه، ووسائله وأدواته واستراتيجياته. فهو أيضا تحكمه السنن والقوانين، ويحتاج إلى فقهاء وعلماء مختصين. ويحتاج إلى مؤسسات فكرية وتربوية، ودوائر بحوث ودراسات. ويحتاج إلى ابتكار علوم جديدة ذات أصول إسلامية تعي ما يجري في قرية الكرة الأرضية وتسترشد بالتوجيهات النبوية من أمثال ما أورده المناوي في كتابه -فيض القدير- عن قوله ﷺ : "رحم من حفظ لسانه، وعرف زمانه، واستقامت طريقته" ١. فمعرفة الزمان، وتفتيق العلوم اللازمة لمعرفة الزمان وحاجاته، وتحدياته وأصول الوقائع والأحداث الجارية فيه شرط لتوجيه ظروفه، وتسخير أحداثه بدل الغرق في تيارها، وشرط لصوابية التخطيط والتنفيذ في استراتيجية "الرجوع" إلى إخراج الأمة المسلمة من جديد. ومع إن مؤسسات التربية والفكر، والدعوة تحتاج أن تفرز علوما جديدة لفهم السنن، والقوانين التي توجه إخراج الأمة والمحافظة على عافيتها، وكيفية تحويل هذه العلوم إلى تطبيقات عملية في ميادين التربية والإدارة، وفي أخلاق العاملين فيها ومؤهلاتهم وعلاقاتهم، إلا أنه يمكن القول أن الوقوف على السنن، والقوانين التي توجه "فقه الرجوع إلى الإسلام" يستدعي مراعاة الأمور التالية: أولا: انسحاب الطليعة الواعية المثقفة التي تحسن بمأساة -الأمة الميتة- من صفوف المجتمع الميت والتوقف عن الاشتغال بالقضايا العامة بغية التفرغ للقيام بـ"توبة" شاملة تبدأ في نفوس المسلمين، ويكون من ثمارها الانتقال من حالة -الحس- إلى حالة -الوعي- بأسباب الوفاة، وبالاستراتيجية اللازمة لإخراج أمة مسلمة جديدة.

стр. 440

ويحدد الرسول ﷺ زمن هذا الانسحاب وغايته فيقول: "إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودعك من أمر العامة" ١. والشح المطاع، والهوى المتبع، وإيثار الدنيا، والإعجاب بالرأي الشخصي -كما مر- كلها إشارات إلى صفات الأمة الميتة. فالشح المطاع دلالة على جفاف "المثل الأعلى"، والهوى المتبع دلالة موت "القدرات العقلية" التي تميز بين "المثل الأعلى" و"المثل السوء"، وإيثار الدنيا دلالة العجز عن حمل "الرسالة" ومتطلباتها في "الإيواء والنصرة"، والإعجاب بالرأي الشخصي دلالة الانغلاق وجفاف "الخبرات الاجتماعية والكونية"، وعدم الاستفادة منها في تسخير سنن الكون لتطوير "وسائل تحقيق المثل الأعلى. والتوقف عن الاشتغال بـ"أمر العامة" عند ظهور المضاعفات المذكورة ضرورة لها أهميتها الكبرى. فهو -أولا- يوفر للمنسحب القيام بـ"توبة" شاملة تمحو آثار المضاعفات السلبية التي ضربت "خاصة نفس" المنسحب طالما نشأ، وترعرع في بيئات الأمة الميتة وتسلم منها موروثاتها الثقافية والاجتماعية، وأنماط التفكير فيها. وثمة أهمية -ثانية- إن الانسحاب عامل أساس في تحقيق عنصري الإخلاص، والإصابة لدى العاملين في ميادين التربية والدعوة والإصلاح. فالعمل في هذه الميادين قبل الانسحاب والعودة يتحول -في الغالب- إلى استثمارات عقائدية، وسياسية هدفها مصلحة الأفراد العاملين في ميادين الإصلاح للوصول إلى الجاه، والمال والنفوذ لأنفسهم أو أسرهم وعشائرهم.

стр. 441

ويراعى خلال فترة الانسحاب أن يركز المنسحب على تشخيص نفسه لتحري الأمور التالية: أ- "محور الولاء" عنده إن كان يدور في فلك الأفكار أم الأشخاص أم الأشياء ثم العمل على تزكية هذا الولاء، وجعله يدور في فلك "أفكار" الرسالة؛ لأن حقيقة الدوران في فلك "الأفكار" توحيد، وفي فلك "الأشخاص" شرك، وفي فلك "الأشياء" وثنية. ب- تزكية "المثل الأعلى" لديه، وذلك بمراجعة عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة عنده لتستقر على دائرة "الولاء لأفكار الرسالة" وتستمد محتوياتها منها. جـ- تزكية "الخبرات الاجتماعية والكونية"، وذلك بمراجعة ما تسلمه منها من بيئته المحيطة أو انحدر إليه من تراث الآباء مراجعة تستهدف تصويب الخاطئ، واستبعاد الميت الذي مضى زمنه، والتعرف على الجديد الذي قامت الحاجة إليه، واسترجاع النافع الذي لفه النسيان. د- تزكية "القدرات العقلية"، وتحريرها من صنمية "الأشخاص" و"الأشياء" وإعدادها للنمو، وأخذها بالتدريب الحر، للعمل في فلك "أفكار" الرسالة دون خوف من "شخص" أو طمع "بشيء". هـ- تزكية "الإرادات" وذلك بتحريرها من التوجه إلى "مثل السوء"، وتوجيهها إلى "المثل العليا" لتكون نبيلة، وتنميتها إلى أقصى مراتبها لتصير "عازمة". و تزكية "القدرة التسخيرية" لتكون قادرة على شهود قوانين الله في الآفاق، والأنفس وتحويلها إلى تطبيقات فاعلة، ووسائل تسهم في تحقيق غايات الحياة ومقاصدها العليا. ولتكون هذه التزكية -أو المراجعة- فاعلة نافعة لا بد من البحث الراسخ المحيط في مصدرين اثنين: الأول، في آيات وأحاديث

стр. 442

الرسول ﷺ بغية فقه الأمور الستة المذكورة أعلاه "أ-و" فقها يتصف بـ"الأصالة" أي الانسجام مع توجيهات الكتاب والسنة. والمصدر الثاني، في آيات الآفاق والأنفس بغية تحقيق صفة "المعاصرة" في فقه الأمور الستة المشار إليها أعلاه، أي فقهها فقها يتناسب مع حجم التحديات القائمة، ويلبي حاجات المرحلة المعاصرة زمانا ومكانا. ومن البحث في هذين المصدرين ومراعاة هاتين الصفتين، يبدأ المنسحبون في بناء فلسفة جديدة للتربية، وبلورة أصول متينة للاجتماع البشري، وإبراز أهداف جديدة، ومناهج جديدة، وميادين معرفية جديدة، ومربين جدد، ومؤسسات جديدة تسهم كلها في إخراج إنسان جديد، وبناء شبكة علاقات اجتماعية جديدة تحتوي على مضامين جديدة معاصرة لعناصر الأمة التي يراد إخراجها، وتعلن ميلاد أمة مسلمة جديدة. ثانيا: عودة المنسحبين إلى -المجتمع- بغية العمل على "توبة" الآخرين، وتحقيق أمرين اثنين: الأول، استبدال "المثل السوء" الذي أدى إلى مرض الأمة ووفاتها، واستبدال "الخبرات الاجتماعية والكونية" الخاطئة، وتحرير "القدرات العقلية" المكبلة بأغلال الصنمية السائدة، وآصار الآبائية المستحكمة. والأمر الثاني، إخراج الأمة المسلمة الجديدة حسب النموذج الذي "فقهه" المنسحبون -العائدون خلال فترة الانسحاب. ويراعى في إخراج الأمة الجديدة التدرج في هذا الإخراج حسب التفاصيل التي مرت عند تعريف الأمة في الفصل الأول من هذا البحث. وهذا يعني أن تعمد الجماعات، والمجموعات الإسلامية المتناثرة هنا، وهناك في حارات الكرة الأرضية إلى تكوين "أمم صغرى" في مهاجرها "الحبشية" الموقوتة تتكون كل أمة من عناصر: الأفراد المؤمنين، والهجرة، والرسالة والجهاد، والإيواء، والصنرة، والولاية حسب المفاهيم والمضامين التي مرت في هذا البحث، على أن تكون مقدمة لتجميع هذه "الأمم الصغرى" في "أمة إسلامية كبرى" يكون مهجرها النهائي الدائم هو الأرض التي رسم

стр. 443

حدودها إبراهيم ﵇ والرسل من ذريته منذ موسى ﵇ حتى محمد ﷺ وأقاموا مؤسساتها التي صار محورها المسجد الحرام، والحرم النبوي، والمسجد الأقصى. ثالثا: توجيه "الأمة المسلمة الكبرى" لحمل -الرسالة الإسلامية- ونشر نموذج "المثل الأعلى" الإسلامي بين الأمم الأخرى، بعد أن تعيش الأمة المثل المذكور واقعا قائما، وتجعل منه "جنسية" حية، و"ثقافة" فاعلة متحركة يستطيع بنو البشر تذوقها، وتعشقها حالما تقع أبصارهم على أفراد الأمة "المجاهدين" في سبيل نشرها. وهذا المنهج -في الانسحاب والعودة- هو ما وجه إليه الله سبحانه رسوله الكريم حين انسحب من مجتمع مكة قبيل الرسالة ليتفكر، ويتحنث في -غار حراء- إلى أن عاد إلى الإنسانية بتصور جديد لوجودها، ومراجعة شاملة لموروثاتها الدينية، والاجتماعية، والكونية. ولقد اقتفى أثر الرسول ﷺ في الانسحاب والعودة مصلحون كثيرون، من أبرزهم حركة الإصلاح التي بدأها أبو حامد الغزالي وطبق منهجه عمليا طليعة كبيرة كان لهم الدور الأكبر في إخراج جيل صلاح الدين وعودة القدس١. ولكن أولئك المنسحبين ركزوا في "توبتهم" على "المثل الأعلى" دون الخبرات الاجتماعية والكونية"، ولذلك اقتصرت نجاحاتهم على تحقيق عنصر "الإخلاص" دون "الإصابة"، أو نقول: نجحوا في تنمية "الأمانة" دون "التمكين"٢. ولذلك نجح -جيل صلاح الدين الذي أخرجوه- في ميدان الجهاد العسكري وتحرير المقدسات، ولكنه لم ينجح في تطوير النظم والمؤسسات التي تضمن استمرارية الحضارة الإسلامية وفاعليتها،

стр. 444

فخلفهم خلف عادوا للموروثات الخاطئة في الإدرا والحكم، والذي وحده جيل صلاح الدين عاد -جيل أبنائه- وقسموه ميراثا بين أولئك الأبناء. وكذلك أصاب الخلل حركات الإصلاح نفسها التي ضربها الانشقاق المذهبي والآبائية، وانتهت إلى موروثات الدروشة والطرق الصوفية. هذه خطوط عريضة أولية في "فقه الرجوع إلى الإسلام"، وإذا لم تراعَ هذه الخطوط فسوف يكون "رجوعا" سطحيا، متشنجا أو خنوعا ينتهي إلى العصبية المذهبية، والحزبية أو الدروشة الطريقة. وسوف يقتصر "الرجوع" على ما يظن أنه "أشكال صالحة" بدل "الأعمال الصالحة"، أو ما يظن أنه "سنة الرسول" بينما هو "سنة الحمس"١. ٤- استبدال الأمة المتوفاة: ولكن قد تخطئ الجماعات "المتقطعة" في الأرض استراتيجية "الرجوع إلى الإسلام"، وإخراج الأمة المسملة من جديد، ثم يكون من نتائج هذا الخطأ أن لا تحسن فقه "الابتلاء بالحسنات والسيئات" و"الخبرات" الإيجابية والسلبية التي تمر بها في بيئات "التقطيع"، وبالتالي ل تحسن إخراج الأمة المسملة من جديد حتى تصل إلى حالة "الغثاء" نهاية مأساوية يشير إليها قوله تعالى:

стр. 445

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِين، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤١-٤٣] . فـ"الغثاء" بقايا ونفايات بشرية خاوية تعيش على هامش مجرى الاجتماع الإنساني كدويلات وأقليات متناثرة، وثقافات هامشية تراثية -آثارية. ولي سفيها قابلية البعث من جديد، والإسهام في حمل الرسالة، فلا هي مستعدة للتضحية، ولا قادرة على التحرر من رق الشهوات الفردية والولاءات العصبية، وأبرز صفاتها هو -الوهن- أي حب الدنيا وكراهية الموت، والتضحية حسب تعريف رسول الله ﷺ ، فهي تخاف من تكاليف الحرية، وتجبن عن مجابهة الظلم في الداخل وصد الغزاة من الخارج، بل إن هذا الجبن يصبح عند "الغثائيين" مردافا للحكمة والتعقل، ولذلك ترحل -الرسالة- لتزكية خامات بشرية جديدة ما زالت تحتفظ بفطرتها المعافاة من "الوهن". وحين تكمل تزكية هذه العناصرة الجديدة تبدأ دورة أخرى في بناء أمة جديدة تتسلم إمامة الإرشاد في الأرض، وتبدأ دورة الإصلاح من جديد بقوة، ونشاط يتطابقان مع مستوى "المثل الأعلى" الذي تطرحه المؤسسات التربوية التي أسهمت في تربية الأمة الجديدة. وإخراج هذه الأمة الجديدة، لتحل محل الأمة الميتة هو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] . ولعله من المناسب أن نقول: أن هذه السنن والقوانين في التعذيب، والاستبدال هي التي وجهت تعاقب الأمم الإسلامية من العرب المسلمين، والفرس المسلمين، والسلاجقة والزنكيين، والأيوبيين، والمماليك، ثم الأتراك العثمانيين. فقد رحلت الرسالة الإسلامية من الأمة السابقة إلى اللاحقة، واستمرت في كل أمة من هذه الأمم ما دامت تقوم بتكاليف الرسالة حتى إذا أثاقلت إلى الأرض استبدلها الله بالتي تليها. ولعله من المناسب -هنا- أن نوضح أن هزيمة العثمانين آخر الأمم

стр. 446

الإسلامية المستبدلة أمام جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وإلغاء الخلافة على يد أتاتورك لم يكن إلا إعلانا للوفاة التي نزلت بالعثمانين قبل الحرب بسنين طويلة، وأن المسلمين أنفسهم كانوا يضيقون بنتن الخلافة المتوفاة، ويعبرون عن هذا الضيق من خلال أمثال جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وغيرهم ممن كرسوا جهودهم لبعث الأمة المتوفاة من جديد. ويلاحظ أن عمليات "التقطيع" أو التمزيق، والتقسيم التي نزلت بجثة الخلافة العثمانية المتوفاة، وعمليات "الابتلاء والاختبار بالحسنات والسيئات" أو التجارب السارة، والضارة التي مرت بها هذه القطع والتقسيمات لم تضع المؤسسات التربوية في العالم العربي، والإسلامي على الطريق الصحيح لإعادة "إنشاء" الأمة الإسلامية من جديد. فهي -حتى الآن- لم تحسن النظر في "آيات الكتاب" و"آيات الآفاق والأنفس" لبلورة "الحكمة" القادرة على "فقه الرجوع" الذي يشترطه الله سبحانه لإعادة إخراج الأمة الإسلامية، ولبلورة "مفهوم" الأمة الإسلامية، وبلورة المضامين المعاصرة لعناصر الأمة: عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء والنصرة، والولاية، ولتشخيص الحاجات، وتحديد التحديثات وتبيان الاستراتيجيات اللازمة لإعادة بناء الأمة الإسلامية من جديد١.

стр. 447

وهي لم تفرز -بعد- القادرين على -الجدال الأحسن- والمراجعة الجزئية والتحليل، الصريح للأسباب، والعومل الداخلية التي عملت عملها طويلا وأدت إلى وفاة الأمة الإسلامية. فهي ما زالت بعيدة عن القاعدة التي يوجه إليها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . لم تقم المؤسسات التربوية الإسلامية -بعد- بشيء من هذا، وإنما اقتصرت -وما زالت تقتصر- على الوعظ والبيان الساحر لمقاومة جيوش الاحتلال التي جذبتها روائح الأمة الميتة، واكتفت بإلقاء اللوم كله على الاستعمار، والصهيونية في الوقت الذي استمرت مناهجها، وتطبيقاتها التربوية تحتضن آداب العصبية، وتاريخ العصبيات الإقليمية والقبلية والعرقية، وفقه العصبيات المذهبية، وقيم العصبيات وثقافاتها، وفنونها التي أفرزت عوامل "القابلية للاستعمار"، ومسببات مرض الأمة ووفاتها. كذلك اقتصرت المؤسسات التربوية الإسلامية، والجماعات الموازية لها في الرجوع إلى الإسلام على "الأشكال" بدل "الأعمال"، واشتغلت بالمضاعفات بدل الأمراض الأساسية، ورضيت بالعناوين والشعارات بدل تفاصيل العلم، والإنجازات ولذلك ما زالت عوامل التحلل تعمل عملها في "قطع" الأقاليم والدويلات، و"مزق" الأقليات المتناثرة في قارات الأرض كلها، وما زالت شئونها وقضاياها، ومشكلاتها "قصعة" للطامعين و"أحاديث للناس" ومادة للصحابة والإعلام في العالم كله دون أن يكون لها دور مستقل راسخ في تشخيص المشكلات وتقرير المعالجات. وإذا لم تقم المؤسسات التربوية، والفكرية بدور محيط راسخ لتشخيص عوامل الضعف الناخرة في "قطع" الأمة "ومزقها"، وإذا لم تعرف هذه المؤسسات العوامل المحركة لزمانها، وتشهد أحداثه وتعي متطلبات "الرجوع

стр. 448

إلى الإسلام" ومقوماته واستراتيجياته، ومؤسساته وتطبيقاته اللازمة لإخراج الأمة من جديد، فسوف تنتقل السنن، والقوانين الإلهية إلى المرحلة التالية: مرحلة يستبدل قوما غيركم ولا يكونوا أمثالكم.

стр. 449

الفصل الثامن والعشرون: ملاحظات حول الأمة ملاحظات حول مفهوم الأمة المسلمة ... الفصل الثامن والعشرون: ملاحظات حول الأمة الملاحظات التي يخلص إليها هذا البحث يمكن إجمالها فيما يلي: أ- ملاحظات حول "مفهوم" الأمة المسلمة: مفهوم الأمة المسلمة مفهوم فكري يستمد محتواه من الولاء لـ"الأفكار" الإسلامية. ويتسجد -عمليا- في عناصر: الأفراد المؤمنين، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية بالتفاصيل التي تم استعراضها في هذا البحث. وهذه هي الصفة التي تميز هذا المفهوم عن غيره من المفاهيم التي تستمد محتوياتها من الولاء لـ"الأشخاص" و"الأشياء" وتفرز تطبيقاتها تحت روابط: القوم، والوطن، والمصالح المشتركة التي تتوازي مع روابط الحيوان في القطيع، والحظيرة، والمرعى. ولكن هذه الصفة المميزة لمفهوم الأمة المسلمة لا تبرز أصيلة فاعلة إلا إذا أحسنت مؤسسات التربية الإسلامية "فقه" العناصر المكونة للأمة، وعملها والعوامل المؤثرة في صحة الأمة ومرضها، ووفاتها وبعثها -إن توفت- من جديد. وإتقان التربية لهذا "الفقه" يقتضي الوعي بالملاحظات التالية: أولا، يلاحظ أن عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة ترد في القرآن والسنة مقترنة بعضها مع بعض، ويعرضها السياق القرآني كبذل محض يبرهن الأفراد المؤمنون من خلاله ولاءهم لـ"أفكار" الرسالة الإسلامية، ولا يكون ولاؤهم لـ"الأشخاص" الذين ينتمون إليهم و"الأشياء" التي يمتلكونها، أو يتطلعون إلى امتلاكها إلا بمقدار دوران أولئك الأشخاص، وتلك الأشياء في فلك "الأفكار" الإسلامية وتطبيقاتها المختلفة.

стр. 450

ثانيًا، يلاحظ كذلك أن عناصر: الإيواء، والنصرة، والولاية ترد مقترنة بعضها مع بعض، وكعطاء متبادل بين الله تعالى وبين الأمة المسلمة، شريطة أن يسبق ما تقدمه الأمة ذلك الذي يقدمه الله . فهناك "إيواء" تقدمه الأمة المسلمة لله -أولًا- يتمثل في: إيواء عامة المؤمنين لرسلهم ودعاتهم، وإيواء أقوياء المؤمنين لضعفائهم، وإيواء أغنياء المؤمنين لفقرائهم، وإيواء علماء المؤمنين لمتعلميهم، وإيواء ولاة الأمور لرعيتهم، وإيواء رجال المؤمنين لنسائهم، وإيواء كبار المؤمنين لصغارهم، وإيواء أصحاء المؤمنين لمرضاهم ... وهكذا. أما الإيواء الذي يثبت الله به الأمة المسلمة فهو نوعان: إيواء في الدنيا، يتمثل في التمكين في الأرض، ووفرة النعيم، وتوفير الأمن والاستقرار والسعادة، وإيواء في الآخرة يتمثل في نعيم الجنة والخلود فيها. وهناك "نصرة" تقدمها الأمة المسلمة لله -أولًا- تتمثل في نصرة الأمة لرسلها ودعاتها، ونصرة أقويائها لضعفائها، ونصرة إدارتها وبوليسها لمظلوميها ضد ظالميها، ونصرة ولاتها وقضاتها وولاة الأمر فيها لذوي الحقوق فيها ... وهكذا. وأما النصرة التي يثبت الله بها الأمة المسلمة فهي نوعان: نصرة في الدنيا تتمثل في منح الأمة الغلبة، والتفوق على أمم الكفر والنفاق، ونصرة في الآخرة تتمثل في تقوية الله لحجة المؤمنين، وتثبيتهم بالقول الثابت عند المساءلة، ونجاتهم يوم الحساب وإدخالهم الجنة وزحزحتهم عن الناس. وهناك "ولاية" تقدمها الأمة المسلمة لله تتمثل في تولي شئون الرسالة، ودعاتها ومؤسساتها والاهتمام بها بالتخطيط، والتنفيذ والتقويم المستمر بكافة الإمكانات والمقدرات. وأما الولاية التي يثبت الله بها الأمة المسلمة فهي أيضا نوعان: ولاية في الدنيا تتمثل في تسديد أعمالها، وتبصيرها بنتائج هذه الأعمال والقدرة على تمييز الصواب والخير، والفضيلة والجمال، وولاية في

стр. 451

الآخرة تتمثل في إقالة عثراتها وستر أخطائها، ومغفرة زلاتها، ومضاعفة أعمالها الحسنة. ثالثا، تتوازى درجة ولاية الله للأمة المسلمة ونصرتها، وإيوائها مع درجة ولاية الأمة لله، أي مع درجة تطبيقها لعناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد، والرسالة، والإيواء، والنصرة. وكمال التزام الأمة بتطبيق هذه العناصرة سبب في كمال ولاية الله للمؤمنين، ويصور الرسول ﷺ ثمرات هذا التلازم القائم بين كمال ولاية الأمة، وكمال ولاية الله بالقول أنه يصل إلى درجة يصبح الله سبحانه فيها عين المؤمن التي تبصر، ويده التي تبطش، ورجله التي تسعى، ولسانه الذي يسأل فيعطى. رابعا، يلاحظ أن التوجيه إلى ولاية المؤمنين لله، ونصرته كان في الفترة المكية بينما كان التبشير بولاية الله للمؤمنين، ونصرتهم في الفترة المدنية. وهذا يعني أن تربية المؤمنين على ولاية الله ونصرته يجب أن تسبق تربيتهم على توقع ولاية الله لهم، وأن تكون شرطا مسبقا لها، ثم صيانة هذا الولاء من الانحسار إلى دائرة "الأشخاص" بأطوارها المختلفة التي مرت حتى لا تتعرض الأمة للمرض، وصيانته من الانحسار إلى دائرة "الأشياء" حتى لا تتعرض الأمة للوفاة!! خامسا، إن الامتداد الحقيقي للأمة المسلمة في التاريخ هو امتداد فكري لا مكان لعصبيات الدم فيه. وهذا ما توجه إليه الآيات التي رسمت الخطوط العريضة لهذا البحث، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . فـ"المؤمنون"، المهاجرون، المجاهدون -حسب المفاهيم التي مرت في هذا البحث- هم الامتداد الحقيقي للأمة المسلمة "من بعد" عصر النبوة، وليسوا ذرية الدم المتحللين من تكاليف "الإيمان"، الرافضين "هجرة"

стр. 452

قيم العصبية والآبائية، المضيعين لـ"الرسالة"، الناكصين عن "الجهاد" في سبيلها. ويلاحظ أن الآية أوردت ثلاثة من العناصر المكونة للأمة المسلمة كصفات مميزة لامتداد هذه الأمة عبر التاريخ. وهذه الصفات هي: الإيمان، والهجرة، والجهاد، ولم تذكر منها عنصري: الإيواء، والنصرة. ولعل السبب أن ذكرها قد مر في الآيات التي سبقت؛ ولأنها من مستلزمات عنصر الهجرة والمهجر وأساس شبكة العلاقات الاجتماعية التي تنظم علاقات المؤمنين في المهجر المشار إليه. ويجدر الانتباه -هنا- إلى أن ولاية -الأرحام- التي يوجه إليها نص الآية القائل: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ، هي ولاية إرشاد ودعوة لا ولاية عصبية ودم، فهي ولاية مادتها "كتاب الله" أي أن المؤمنين -قبل غيرهم- مسئولون عن تعليم -أرحامهم- كتاب الله، وهذا ما يوضحه أمثال قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ، و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] . والذين يصلون -أرحامهم- بشيء من الدنيا فصلاتهم تنحصر في ممتلكاتهم الخاصة التي اكتسبوها بعمل أيديهم، أما ممتلكات الأمة، وما يتعلق بها من منصاب ومسئوليات، فليس لأحد أن يخص أقرباءه بشيء منها -كما ورد في التفاصيل التي مرت في فصول سابقة. فصلة الأرحام هنا تدور في فلك -أفكار- الرسالة وتهتدي بهديها. وحسب المؤمنين الصلة التي يقررها الله لهم؛ لأنه وحده العليم بالصلاة الفاعلة الخيرة في طور العالمية الجديد، وبالنسب الحقيقي النافع في الدنيا والآخرة. سادسا، يلاحظ في الفصول التي عالجت -صحة الأمة ومرضها ووفاتها- أنه تم التفريق والتمييز بين "الولاء" و"الانتماء" مع توضيح هذا الفارق بالرسومات البيانية. وأهمية هذا التفريق أنه كثيرا ما يختلط الولاء

стр. 453

بالانتماء في حياة الأفراد والجماعات، فيوجد "الانتماء" ويظن أنه "الولاء". لذلك نقول أن "الولاء" هو ما دفع صاحبه إلى ممارسة المعادلات العملية للإيمان، وممارسة الهجرة والجهاد في سبيل الرسالة، والإيواء، والنصرة مع تحمل ما يترتب على هذه الممارسة من تضحيات وتكاليف، ومحن ومشاق. أما الاقتصار على الشعور العاطفي الذي لا يرافقه ممارسات عملية لعناصر الأمة الخمسة المذكورة، فهو يشير إلى مجرد وجود علاقة "الانتماء" وليس "الولاء". سابعًا: يحتاج الدارسون إلى التفريق بين وجود "الأمة المسلمة"، وما يعتريها من صحة ومرض ووفاة، وبين وجود "الأفراد المؤمنين" المجرد. فالأمة المسلمة تكون موجودة حين يوجد الأفراد المؤمنون "وجود تنظيميا" لا "وجودا تكديسيا". والفرق بين النوعين من الوجود أن الأفراد في -الوجود التنظيمي- يعيشون في شكل "مركب اجتماعي منظم" تنتظم فيه عناصر الأمة الأخرى: أي عناصر الهجرة، والجهاد في سبيل الرسالة، والإيواء، والنصرة، تنظيمًا قائمًا على "الوعي العلمي" ببناء هذه العناصر ومحتوياتها، وتفصيلها طبقا لحاجات الزمان والمكان. وأما "الوجود التكديسي" فهو يفتقر إلى هذا الوعي، وإن كان يحس بهذه العناصر أو يعرفها معرفة نظرية، فالوجود التنظيمي يتوفر له "إخلاص" الأفراد المؤمنين بالإضافة إلى "صوابية" تنظيم عناصر الأمة الأخرى. أما الوجود التكديسي فيقتصر على "إخلاص" الأفراد المؤمنين مع الافتقار إلى الاستراتيجيات "الصائبة" التي تحكم تنظيم عناصر الأمة الخمسة المذكورة.

стр. 454

ملاحظات حول التطبيقات الخاطئة لمفهوم الأمة المسلمة وعناصرها في الماضي ... ب- ملاحظات حول التطبيقات الخاطئة لـ"مفهوم" الأمة المسلمة، وعناصرها في الماضي: لم تلتزم التطبيقات التاريخية في مؤسسات التربية الإسلامية القواعد، والمبادئ المتعلقة بعناصر الأمة المسلمة كما أشير إليها في الفقرات السابقة، وإنما حدثت تطبيقات خاطئة ما زالت كامنة في التربية الإسلامية التقليدية

стр. 455

وفي التراث اللذين تحدرا من عصور الركود والضعف. وتتمثل هذه الأخطاء فيما يلي: أولا: إخراج عنصر "الإيمان" من مركز الاجتماع البشري إلى ميدان المقولات الغيبية التي لا صلة لها بوقائع النشأة والحياة والمصير. وهذا ما قام به أمثال فرق القدرية والجبرية والمعتزلة، ومن استدرجوه لمحاورتهم من المذاهب والعلماء حين أداروا الجدال حول "ذات الله"، وما تفرع عن ذلك من مقولات التجسيد، والاستواء والصعود والنزول، مخالفين بذلك التوجيهات الإلهية، والنبوية التي تدعو إلى حصر التفكر والنظر في "خلق الله"؛ لأن في هذا الخلق آيات الله في الآفاق، والأنفس أي البراهين التي تصدق آيات الوحي؛ ولأنه يهيئ لاكتشاف سنن الله وقوانينه في الكون، واكتشاف هذه القوانين يؤدي إلى تسخير مخلوقات الله، وانتفاع الإنسان بها ورؤية نعم الله من خلالها. ثانيًا: حصر الفقه في "المظهر الديني" للعبادة دون "المظهر الاجتماعي والمظهر الكوني". وهو ما قام به "فقهاء التقليد المذهبي" و"فقهاء السلاطين والخلفاء" الذين سجنوا الققه، ومحتوياته في حدود -قيم العصبيات- الي هيمنت بعد عصر الخلافة الراشدة، وجعلت محورها "القوة فوق الشريعة" بعد أن كان محور القيم "الشريعة فوق القوة"، مما أدى إلى إهمال الفقه المتعلق بـ"الأمة" وعناصرها في الهجرة، والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية، وانحسار ميادين الفقه إلى ما يتعلق بـ"الفرد" وتضخيم قضايا الطهارة، والحيض والنفاس وأمثالها. ثالثًا: تشويه معنى "الولاية" وهو ما قامت به طرق التصوف السلبي المنسحب من الحياة حين شوهت معنى "الولاية"، وأخرجتك هذه -الولاية- من محتواها الاجتماعي، وجعلت -ولي الله- كل مخبول أهبل، منسحب من الحياة، عاجز عن العمل، خانع أمام الظلمة، قانع بالفاقة والقهر والاستغلال. فوجد السلاطين الظلمة في نموذج هذا "الدرويش" صورة

стр. 456

المسلم الذي يجب على التربية تنشئته لتسهيل مهمتهم في الهيمنة، والتملك والاستغلال. رابعًا: تشويه مصطلحات الأمة وعناصرها، وإفراغها من محتويات الرسالة الإسلامية التي تشمل المنشأ والحياة والمصير، ثم تحوليها إلى مضامين جزئية تدور في فلك "قوة" العصبيات المالكة وتبدأ بالمنشأ، وتقفز إلى المصير تاركة شئون الحياة لأصحاب القوة والجاه والتملك. ومن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . إن التفسير الذي نقله الطبري عن علماء الصحابة، وأورده الرازي وابن تيمية وأمثالهم يذكر أن -أولي الأمر- هم العلماء ورجال الفكر. ولكن مناهج التربية التي هيمنت بإشراف "فقهاء السلاطين والخلفاء" في الماضي بدلت محتوى "أولي الأمر" ليصبح أصحاب القوة والعصبية والمال والجاه. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] . فلقد نقل الطبري عن الصحابة والتابعين أن آل الرجل هم أتباعه، وقومه هم من على دينه، وعن ابن عباس قال: في الآية هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد. يقول الله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ١. ولكن "فقهاء السلاطين" أفرغوا مصطلح "آل" من محتواه الفكري، وأحالوه إلى محتوى "دموي، عرقي" ليعني "عائلة" أو"ذرية" أو"سلالة"، وليبرر عمليات الوراثة والاغتصاب في الحكم والتملك.

стр. 457

ومثله أيضا كلمة "سلطان" التي ترد في القرآن الكريم لتدل في أغلب المواضع على الفكر المدعوم بالبراهين الصحيحة١، مثل قوله تعالى: - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] . - ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١] . - ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] . - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] . ولكنه -فقهاء الخلفاء والسلاطين، ومؤسسات التربية التربية التقليدية- أفرغوا مصطلح "السلطان" من معناه الأصلي، وقلبوه ليعني الحاكم الذي لا مؤهل هل من علم أو فقه إلا القوة المادية والعصبية. وما زالت -مؤسسات التربية والإعلام، ودوائر الإفتاء وفقهاء السلطة- تعزز هذه التشويهات، وتفرغ المزيد من المصطلحات لتملؤها بما يدعم العصبيات الحاكمة، ويضع "القوة فوق الشريعة"، ويعزز قيم الفردية في الحكم المطلق والتملك. ومثله أيضًا مصطلح "السنة" الذي يعني في الأصل النموذج الكامل لإحكام فهم القرآن والعمل به. ولذلك كان تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ بأن الحكمة هي السنة. وأساس هذه السنة أمران: الأول، هو تكامل "الأشكال" و"الأعمال" كتكامل قشرة الثمرة ولبها. فإذا انفصلت القشرة تعرض اللب للتلوث والعفن، وإذا نزع اللب فقدت القشرة قيمتها، وطرحت في أكياس النفايات وبرميل الزبالة. وينقسم كل من "الأشكال" و"الأعمال" إلى قسمين: "قيمة" معنوية، و"رمز" محسوس.

стр. 458

والقيمة ثابتة، أما الرمز فهو متغير. فـ"القيمة" -مثلا- في الزكاة أو الصدقة هي سد حاجة المعوزين لتزكية المجتمعات من أسباب الكفر، والشرك والجريمة والفاحشة. أما "الرمز" فقد يكون في عصر ما أو مكان ما قمحا أو تمرًا، وقد يكون في عصر آخر، أو مكان آخر نقدا أو ضمانًا اجتماعيًا. و"القيمة" في المسواك هي "مطهرة الفم ومرضاة الرب" -كما ورد في الحديث- أما "الرمز" فقد يكون في مكان ما، وعصر ما هو -عود نبات الأراك- وفي عصر آخر ومكان آخر هو الفرشاة ومعجون الأسنان. و"القيمة" في اللباس هي الحشمة والستر، أما "الرمز" أو القماش الذي يجسدهما فهو متغير بتغير البيئات والثقافات. وهكذا في كل "عمل" أو "شكل". والأمر الثاني: أن سنة الرسول هي سنة أمة لا سنة أفراد فحسب؛ لأن الرسول ﷺ كان أمة قانتا لله كما كان إبراهيم ﵇. ولذلك تتفرع السنة، وتنتشر في أفراد الأمة وجماعاتها كل حسب موقعه ومسئولياته: فـ"العلماء" تتمحور حصتهم من السنة حول الاجتهاد، والإخلاص في العلم ونشره، وفي تصبير أنفسهم مع المقبلين عليه الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وإن كانوا فقراء لا جاه لهم، والترفع عن التكسب به على أبواب ذوي الجاه، والمال وإن عظم نفوذهم. و"أولو الأمر" تتمحور حصتهم من السنة حول "الزهد" بالجاه والتزام العدل، ورحمة الرعية في الداخل، ثم "العزة" مع الأنداد، و"الشدة" مع الأعداء في الخارج. و"الأغنياء" تتمحور حصتهم من السنة حول "الزهد" بالمال ثم وضعه في خدمة قضايا الأمة، وتمويل مشروعاتها وتلبية حاجاتها. و"المجاهدون" تتمحور حصتهم من السنة حول تعشق الجهاد والتدرب على مهارات وتوفير عدده ومتطلباته.

стр. 459

و"جماهير الأمة" تتمحور حصتها من السنة حول الدروان في فلك "أفكار" الرسالة الإسلامية، وموالاتها ثم الحذر من "الفسق" للدروان في فلك "أشخاص" الأقوياء والطمع بما لديهم من "الأشياء". وهكذا في جميع أفراد الأمة وجماعاتها حتى تصبح السنة هي الطابع المميز لثقافة الأمة، ونظمها ومؤسساتها وإدارتها وممارساتها، وسائر أشكال شبكة العلاقات الإنسانية فيها. وهذا كله مما يوجه إليه أمثال قوله تعالى: - ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . ولكن فقهاء السلاطين في الماضي، ومشايخ السلطة ومؤسسات التربية التقليدية في الحاضر نقلوا محور السنة من ميدان "الأعمال" إلى ميدان "الأشكال" حيث حصروها فيما لا ينال من هيمنة ذوي النفوذ والمال، وفيما يبرر الشهوات، وينسي التذكير بـ"المسئوليات"، فصارت السنة سنتين: "سنة للأغنياء"، ومحورها أن يتمتع القوي المترف بـ"زينة الله التي أحل لعباده"، وأن يتزوج بأكثر من واحدة مرات ومرات، و"سنة للفقراء"، ومحورها أن يزهد المستضعف المحروم بقوام حياته، وأن يرضى بجوعه ومرضه وتشرده، وأن يصبر على من ظلمه، مكرسا وقته لتطويل لحيته، وحلق رأسه وتقصير ثوبه. ولكن أخطر التشويهات التي أصابت المصطلحات الإسلامية هو التشويه الذي أصاب مصطلح "الشريعة" التي ينظر المسلمون إلى تطبيقها باعتباره الأمل الوحيد الذي يحقق العدالة الاجتماعية في حياتهم، والحصن الذي يوفر المنعة لهم، والدواء الناجع للقضاء على الفساد بمجتمعاتهم. إن الأصل في اصطلاح "الشريعة" -كما يطرحه القرآن، والحديث- أنه يتكون من عنصرين رئيسين: القيم والحدود. والقيم مقاييس وموازين تميز العدل من الظلم، والصواب من الخطأ، والحق من الباطل، والفضيلة من

стр. 460

الرذيلة، وما إلى ذلك. والقيم -هنا- تشمل ميادين الحياة كلها. أي هناك قيم فكرية، وقيم سياسية، وقيم اجتماعية، وقيم اقتصادية، وقيم أخلاقية، وقيم جمالية، وقيم علمية، وقيم عسكرية وهكذا. من أمثلة القيم الإيجابية: الحرية، وتكافؤ الفرص، والوحدة، والشورى، والعدل، واحترام الإنسان، وعدالة توزيع الثروة، والنظام، واحترام العمل الجماعي، وسيادة القانون، وموالاة الحق، ومحاربة الظلم وغير ذلك. والأصل أن "القيم" هي جوهر الدين ومراد الرسالة والجهاد؛ لأن التزام الإيجابية منها يحقق السعادة في الحياة والآخرة، وتجنب السلبية يقي العوالم كلها شرور الحياة ومفاسدها. أما "الحدود" فهي لحراسة "القيم" من أن يعتدى عليها أو يقصر الناس في اتباعها. و"إقامة الحدود" مشروطة بـ"تطبيق القيم"، فإذا تسرب الخلل إلى هذا التطبيق يوقف الحد الحارس حتى يتم إصلاح الخلل المذكور. وهذا مما فهمه الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ حين أوقف حد السرقة في عام المجاعة. ولكن "فقهاء السلاطين" ومشايخ السلطة، ومؤسسات التربية التقليدية -أفرغوا مصطلح الشريعة من -القيم الإسلامية- خاصة القيم السياسية والاقتصادية، ثم أبقوا على "الحدود" وحدها لتحرس "قيم العصبيات" اللاإسلامية التي تحمي الظالم، وتعاقب المظلوم حتى رسخ في عقول أجيال المسلمين أن الشريعة تقتصر على تطبيق "الحدود" دون اعتبار لـ"القيم" التي تحرسها هذه الحدود، وتجلد الناس أو تقطع أيديهم من أجلها. وبذلك صار "الخاطئ الكبير" يجلد "الجانحين الصغار" الذين تزل أقدامهم في مزالق ظلم الخاطئ المذكور وفساده، وصارت "يد" السارق الكبير الذي يجب أن يقام عليه الحد تقطع "يد" السارق الصغير الجائع الذي يجب أن يرفع عنه الحد.
следующие страницы →