المسلم الذي يجب على التربية تنشئته لتسهيل مهمتهم في الهيمنة، والتملك والاستغلال.
رابعًا: تشويه مصطلحات الأمة وعناصرها، وإفراغها من محتويات الرسالة الإسلامية التي تشمل المنشأ والحياة والمصير، ثم تحوليها إلى مضامين جزئية تدور في فلك "قوة" العصبيات المالكة وتبدأ بالمنشأ، وتقفز إلى المصير تاركة شئون الحياة لأصحاب القوة والجاه والتملك. ومن ذلك تفسير قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
إن التفسير الذي نقله الطبري عن علماء الصحابة، وأورده الرازي وابن تيمية وأمثالهم يذكر أن -أولي الأمر- هم العلماء ورجال الفكر. ولكن مناهج التربية التي هيمنت بإشراف "فقهاء السلاطين والخلفاء" في الماضي بدلت محتوى "أولي الأمر" ليصبح أصحاب القوة والعصبية والمال والجاه.
ومثله قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] .
فلقد نقل الطبري عن الصحابة والتابعين أن آل الرجل هم أتباعه، وقومه هم من على دينه، وعن ابن عباس قال: في الآية هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد. يقول الله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ١.
ولكن "فقهاء السلاطين" أفرغوا مصطلح "آل" من محتواه الفكري، وأحالوه إلى محتوى "دموي، عرقي" ليعني "عائلة" أو"ذرية" أو"سلالة"، وليبرر عمليات الوراثة والاغتصاب في الحكم والتملك.
стр. 457
ومثله أيضا كلمة "سلطان" التي ترد في القرآن الكريم لتدل في أغلب المواضع على الفكر المدعوم بالبراهين الصحيحة١، مثل قوله تعالى:
- ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] .
- ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١] .
- ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] .
ولكنه -فقهاء الخلفاء والسلاطين، ومؤسسات التربية التربية التقليدية- أفرغوا مصطلح "السلطان" من معناه الأصلي، وقلبوه ليعني الحاكم الذي لا مؤهل هل من علم أو فقه إلا القوة المادية والعصبية. وما زالت -مؤسسات التربية والإعلام، ودوائر الإفتاء وفقهاء السلطة- تعزز هذه التشويهات، وتفرغ المزيد من المصطلحات لتملؤها بما يدعم العصبيات الحاكمة، ويضع "القوة فوق الشريعة"، ويعزز قيم الفردية في الحكم المطلق والتملك.
ومثله أيضًا مصطلح "السنة" الذي يعني في الأصل النموذج الكامل لإحكام فهم القرآن والعمل به. ولذلك كان تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ بأن الحكمة هي السنة. وأساس هذه السنة أمران:
الأول، هو تكامل "الأشكال" و"الأعمال" كتكامل قشرة الثمرة ولبها. فإذا انفصلت القشرة تعرض اللب للتلوث والعفن، وإذا نزع اللب فقدت القشرة قيمتها، وطرحت في أكياس النفايات وبرميل الزبالة. وينقسم كل من "الأشكال" و"الأعمال" إلى قسمين: "قيمة" معنوية، و"رمز" محسوس.
стр. 458
والقيمة ثابتة، أما الرمز فهو متغير. فـ"القيمة" -مثلا- في الزكاة أو الصدقة هي سد حاجة المعوزين لتزكية المجتمعات من أسباب الكفر، والشرك والجريمة والفاحشة. أما "الرمز" فقد يكون في عصر ما أو مكان ما قمحا أو تمرًا، وقد يكون في عصر آخر، أو مكان آخر نقدا أو ضمانًا اجتماعيًا. و"القيمة" في المسواك هي "مطهرة الفم ومرضاة الرب" -كما ورد في الحديث- أما "الرمز" فقد يكون في مكان ما، وعصر ما هو -عود نبات الأراك- وفي عصر آخر ومكان آخر هو الفرشاة ومعجون الأسنان. و"القيمة" في اللباس هي الحشمة والستر، أما "الرمز" أو القماش الذي يجسدهما فهو متغير بتغير البيئات والثقافات. وهكذا في كل "عمل" أو "شكل".
والأمر الثاني: أن سنة الرسول هي سنة أمة لا سنة أفراد فحسب؛ لأن الرسول ﷺ كان أمة قانتا لله كما كان إبراهيم ﵇. ولذلك تتفرع السنة، وتنتشر في أفراد الأمة وجماعاتها كل حسب موقعه ومسئولياته:
فـ"العلماء" تتمحور حصتهم من السنة حول الاجتهاد، والإخلاص في العلم ونشره، وفي تصبير أنفسهم مع المقبلين عليه الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وإن كانوا فقراء لا جاه لهم، والترفع عن التكسب به على أبواب ذوي الجاه، والمال وإن عظم نفوذهم.
و"أولو الأمر" تتمحور حصتهم من السنة حول "الزهد" بالجاه والتزام العدل، ورحمة الرعية في الداخل، ثم "العزة" مع الأنداد، و"الشدة" مع الأعداء في الخارج.
و"الأغنياء" تتمحور حصتهم من السنة حول "الزهد" بالمال ثم وضعه في خدمة قضايا الأمة، وتمويل مشروعاتها وتلبية حاجاتها.
و"المجاهدون" تتمحور حصتهم من السنة حول تعشق الجهاد والتدرب على مهارات وتوفير عدده ومتطلباته.
стр. 459
و"جماهير الأمة" تتمحور حصتها من السنة حول الدروان في فلك "أفكار" الرسالة الإسلامية، وموالاتها ثم الحذر من "الفسق" للدروان في فلك "أشخاص" الأقوياء والطمع بما لديهم من "الأشياء".
وهكذا في جميع أفراد الأمة وجماعاتها حتى تصبح السنة هي الطابع المميز لثقافة الأمة، ونظمها ومؤسساتها وإدارتها وممارساتها، وسائر أشكال شبكة العلاقات الإنسانية فيها. وهذا كله مما يوجه إليه أمثال قوله تعالى:
- ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] .
ولكن فقهاء السلاطين في الماضي، ومشايخ السلطة ومؤسسات التربية التقليدية في الحاضر نقلوا محور السنة من ميدان "الأعمال" إلى ميدان "الأشكال" حيث حصروها فيما لا ينال من هيمنة ذوي النفوذ والمال، وفيما يبرر الشهوات، وينسي التذكير بـ"المسئوليات"، فصارت السنة سنتين: "سنة للأغنياء"، ومحورها أن يتمتع القوي المترف بـ"زينة الله التي أحل لعباده"، وأن يتزوج بأكثر من واحدة مرات ومرات، و"سنة للفقراء"، ومحورها أن يزهد المستضعف المحروم بقوام حياته، وأن يرضى بجوعه ومرضه وتشرده، وأن يصبر على من ظلمه، مكرسا وقته لتطويل لحيته، وحلق رأسه وتقصير ثوبه.
ولكن أخطر التشويهات التي أصابت المصطلحات الإسلامية هو التشويه الذي أصاب مصطلح "الشريعة" التي ينظر المسلمون إلى تطبيقها باعتباره الأمل الوحيد الذي يحقق العدالة الاجتماعية في حياتهم، والحصن الذي يوفر المنعة لهم، والدواء الناجع للقضاء على الفساد بمجتمعاتهم.
إن الأصل في اصطلاح "الشريعة" -كما يطرحه القرآن، والحديث- أنه يتكون من عنصرين رئيسين: القيم والحدود. والقيم مقاييس وموازين تميز العدل من الظلم، والصواب من الخطأ، والحق من الباطل، والفضيلة من
стр. 460
الرذيلة، وما إلى ذلك. والقيم -هنا- تشمل ميادين الحياة كلها. أي هناك قيم فكرية، وقيم سياسية، وقيم اجتماعية، وقيم اقتصادية، وقيم أخلاقية، وقيم جمالية، وقيم علمية، وقيم عسكرية وهكذا. من أمثلة القيم الإيجابية: الحرية، وتكافؤ الفرص، والوحدة، والشورى، والعدل، واحترام الإنسان، وعدالة توزيع الثروة، والنظام، واحترام العمل الجماعي، وسيادة القانون، وموالاة الحق، ومحاربة الظلم وغير ذلك.
والأصل أن "القيم" هي جوهر الدين ومراد الرسالة والجهاد؛ لأن التزام الإيجابية منها يحقق السعادة في الحياة والآخرة، وتجنب السلبية يقي العوالم كلها شرور الحياة ومفاسدها. أما "الحدود" فهي لحراسة "القيم" من أن يعتدى عليها أو يقصر الناس في اتباعها.
و"إقامة الحدود" مشروطة بـ"تطبيق القيم"، فإذا تسرب الخلل إلى هذا التطبيق يوقف الحد الحارس حتى يتم إصلاح الخلل المذكور. وهذا مما فهمه الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ حين أوقف حد السرقة في عام المجاعة.
ولكن "فقهاء السلاطين" ومشايخ السلطة، ومؤسسات التربية التقليدية -أفرغوا مصطلح الشريعة من -القيم الإسلامية- خاصة القيم السياسية والاقتصادية، ثم أبقوا على "الحدود" وحدها لتحرس "قيم العصبيات" اللاإسلامية التي تحمي الظالم، وتعاقب المظلوم حتى رسخ في عقول أجيال المسلمين أن الشريعة تقتصر على تطبيق "الحدود" دون اعتبار لـ"القيم" التي تحرسها هذه الحدود، وتجلد الناس أو تقطع أيديهم من أجلها. وبذلك صار "الخاطئ الكبير" يجلد "الجانحين الصغار" الذين تزل أقدامهم في مزالق ظلم الخاطئ المذكور وفساده، وصارت "يد" السارق الكبير الذي يجب أن يقام عليه الحد تقطع "يد" السارق الصغير الجائع الذي يجب أن يرفع عنه الحد.
стр. 461
ملاحظات حول التطبيقات الخاطئة لمفهوم الأمة المسلمة وعناصرها في الحاضر
...
جـ- ملاحظات حول التطبيقات الخاطئة لـ"مفهوم" الأمة المسلمة وعناصرها في الحاضر:
تدور هذه الملاحظات حول "مفهوم الأمة المسلمة" عند فريقين من الناس: فريق الجماعات والحركات الإسلامية، وفريق المشيخات الرسمية والحكومات القائمة وجماهير العامة. أما الحركات والجماعات الإسلامية فهذه يغلب عليها "الإحساس" بمفهوم الأمة المسلمة وأهمية وجودها. وهي تعبر عن هذا الإحساس من خلال شعارات فضفاضة غائمة، وعناوين عامة مختلفة مثل: "إقامة مجتمع إسلامي"، "بعث الحياة الإسلامية"، "إقامة حكم الله في الأرض". ولكن ذلك يبقى مجرد إحساس بالمشكلة لا يصل درجة "الوعي" بمفهوم الأمة وعناصرها وإخراجها، وعوامل عافيتها ومرضها وموتها وبعثها من جديد. ولذلك فهي ما زالت تعاني من الأخطاء التالية:
١- الافتقار إلى الكوادر، والمؤسسات الفكرية التي تعي مفهوم الأمة المسلمة وعناصرها، والتطبيقات التي تجسد هذه العناصر في الحياة الاجتماعية، وهي حين تعمل على تطبيق الشعارات التي أشير إليها مثل "إقامة حكم الله في الأرض" وأمثالها، فإن نموذج التطبيق الذي تتوجه إليه يتمثل في تمكين "أشخاصها" -أي أشخاص الجماعة- من الوصول إلى مناصب الدولة، والمجالس النيابية دون أن يكون لديهم "أفكار"، وبرامج محددة لما سوف يعملونه. لذلك تقتصر ممارساتهم عند تسلم المناصب حول التركيز على القضايا الأخلاقية الفردية، والأمانة والإخلاص في تنفيذ قوانين وتعليمات، وبرامج الناظم السياسي الذي كانوا يعارضونه ويصمونه بـ"الجاهلية" قبل الوصول إلى المراكز والمناصب.
٢- إن "ولاء" الأعضاء في هذه الجماعات يدور -غالبا- في فلك "أشخاص" الجماعة أكثر من الدوران في فلك "أفكار"ها، فهم يحرصون على وجود "الجماعة" الشخصي، والاعتراف لها بالفضل والمكانة العليا أكثر
стр. 462
من حرصهم على "أفكار" الجماعة ونمائها وبلورتها، وانتشارها وتجددها بما يلبي الحاجات ويواجه التحديات.
ولقد انسحبت هذه الصفة على التربية هؤلاء "الأعضاء" فصاروا ينشأون على الانتماء لـ"أشخاص" الجماعة أكثر من الولاء لـ"أفكارها". وصاروا يضفون على أشخاص القيادة "عصمة" غير منطوقة ولا مكتوبة، ولا يسمحون بـ"النقد الذاتي"، ويعتبرونه تجريحا وشتما وتخريبا للصف وتفريقا للجماعة.
كذلك انسحبت هذه الصفة على تركيب الجماعة نفسها، فصارت -في الغالب- تتكون من صنفين من الناس: صنف يدور في فلك "الأشخاص"، وصنف يدور في فلك "الأشياء". أما الأعضاء الذين يدورون في فلك "الأفكار" فهؤلاء يمرون على الجماعة مرورا ولا يستقرون؛ لأنهم حين يبدأون طروحاتهم وتساؤلاتهم الفكرية، ويرفضون "التقاليد" القبلية في القيادة والتبعية والتطبيق يقابلون بالرفض الاجتماعي، والإرهاب الفكري ويتهمون بالخروج على "القيادة"، وتخريب الصف ويدعون دعا إلى خارج صفوف الجماعة.
٣- ونتيجة للصفتين الاثنتين المذكورتين في البند رقم "١" والبند رقم "٢" تم إهمال "التعليم" الفكري، وجرى التركيز على "الانتماء" الحزبي. ونتيجة لذلك وقعت هذه الجماعات في رباط العصبية، وصارت قبيلة من لا قبيلة له، ووقعت في الفهم الخاطئ لمفهوم الشريعة، فصارت -تعني لديها- تطبيق "الحدود" مع الغفلة عن "القيم" غير الإسلامية.
ولذلك يمكن القول إن المفهوم الذي تطرحه الجماعات الإسلامية الحاضرة للأمة المسلمة -لو قدر له التطبيق- فسوف يفرز أمة إسلامية تكون في حالة المرض؛ لأنها ستكون في مرحلة -الدروان في فلك "أشخاص" الجماعة، أو الحزب دون "الأفكار".
وأما عن الفريق الثاني -فريق المشيخات الرسمية، والحكومات
стр. 463
الإقليمية وجماهير العامة- فإن مفهوم الأمة المسلمة عندها هو معدوم تمام الانعدام وغائب كل الغياب. فهي تطلق هذا المفهوم على أي ركام بشري أو إطار يحتوي على "مزقة" من "مزق" الأمة الإسلامية المتوفاة. والغالب عليه هو الدوران في فلك "أشخاص" الإقليم أو القبيلة أو الطائفة.
وما زال "فقهاء الملوك والرؤساء" و"مفتو الدول" الإقليمية الذين تطوروا عن طلبة رسبوا في التوجيهية أو اجتازوها بمعدل ٥٠% أو ٦٠% يعززون هذا التشويه لمفهوم الأمة المسلمة، ويفتون بأن تطبيق الشريعة يتمثل في إقامة "الحدود" لحماية: الحكم المطلق، واحتكار الثروة، واغتصاب الحرية، ووراثة الحكم والوظائف، وحماية الظلم والمحسوبية، ودوام التجزئة وممالأة المحتلين، وسجن المطالبين بالشورى وتكافؤ الفرص والقيادة الجماعية وهكذا.
وما زال الجهل بهذا التشويه الذي أصاب مصطلح الشريعة ينفر الأذكياء والوطنيين، والمتطلعين للإصلاح من تطبيق الشريعة، ويملأ نفوسهم بالمخاوف من هذا التطبيق.
ومن الموضوعية أن نقول: أن هذه المضاعفات جرت في الوقت الذي يقف خريجو مؤسسات التربية الإسلامية التقليدية عاجزين عن فهم التحديات، وتشخيص الحاجات إلا ما كان من مواقف التشنج، وإدانة الأعراض والمضاعفات.
ويلاحظ أن حركات الإصلاح وبعث الأمة من جديد ما زالت لم تتبين أهمية التربية وخطورتها. ولذلك تبدأ من -الخطوة الثانية- وهي تجنيد أشخاص تخرجوا من مؤسسات تربوية غرست في نفوسهم مسبقا -الولاء- للعصبيات المختلفة، وأمدتهم بعوامل التناقض في الفهم والتطبيق. ولذلك لا يكون لنشاطاتهم من أثر إلا مزيد من التناقض، والصراع والانتهاء بمحاولات الإصلاح إلى الفشل والإحباط.
стр. 464
د- ملاحظات حول مراحل صحة الأمة ومرضها ووفاتها:
في الفصول التي عالجت صحة الأمة ومرضها، ووفاتها ظهر واضحا أن دوام عافية الأمة يتقرن بدوام الولاء لـ"أفكار" الرسالة الإسلامية، ودوران "الأشخاص والأشياء" في فلكها، وأن الأمة تدخل حالة المرض حين يتحول الولاء لـ"أشخاص" العصبيات القومية والإقليمية والقبلية والعائلية، وتدور كل من "الأفكار والأشياء" في فلك "الأشخاص". وتنتهي الأمة إلى حالة الوفاة حين يتحول الولاء لـ"الأشياء" ويدور في فلكها كل من "الأفكار والأشخاص".
و"إحكام" الوعي بمراحل صحة الأمة ومرضها، ووفاتها شرط رئيس لبلورة استراتيجيات وممارسات التربية الإسلامية والعمل الإسلامي. ففي -مرحلة صحة الأمة- التي لا تخلو من الأخطاء والنواقص في السياسات، والإدارات تقبل وتحترم أساليب النقد الذاتي الصريح، كما حدث في مواقف المعترضين من الصحابة والصحابيات على بعض ممارسات الخليفة عمر بن الخطاب ﵃. وحين تدخل الأمة مرحلة المرض، فإن "أشخاص" الحاكمين ترفض النقد، وتشيع ثقافة المدح وتقمع حركات الإصلاح كما حدث في عهود ما بعد الخلافة الراشدة. ولذلك تحتاج دعوات الإصلاح إلى إحكام الاستراتيجيات وتقديم التضحيات. أما حين تدخل الأمة مرحلة الوفاة، فإن "إنسان" الأمة المتوفاة -في الوقت الذي يتنكر فيه لجميع تطبيقات الإصلاح- يتحول إلى تاجر "ينفق" أفكار الإصلاح كلها كنوع من الاستثمارات العقائدية التي تدر المال والجاه.
لذلك فإن من متطلبات الصواب في التربية الإسلامية، والعمل الإسلامي أن يكونا قادرين على تشخيص وتمييز المراحل، والدوائر التي ينتهي عندها "ولاء" إنسان التربية الإسلامية -ويتفاعل عليها: إيمانه، وهجرته، وجهاده ورسالته، وإيواؤه، ونصرته، وبين الدوائر التي تقتصر بها علاقة هذا "الإنسان" على مجرد "الانتماء" العاطفي الذي يستثمر لـ"نصرة" "محور الولاء" الفاعل الحقيقي، وأن يكونا قادرين على تطوير استراتيجيات: الجهاد التربوي، والجهاد التنظيمي للارتقاء بالجماهير المؤمنة من دوائر
стр. 465
"الولاء" للعصبيات المختلفة إلى دائرة "الولاء" لـ"أفكار" الرسالة الإسلامية.
وتحتاج المؤسسات التربوية أن تتبين الحد الذي ينتهي عنده كل من الجهاد التربوي، والجهاد التنظيمي حتى لا يتحول عملها إلى ممارسات تربوية عقيمة، ويئول لما آلت إليه التربية الصوفية والمذاهب الفقهية التقليدية.
ومراعاة هذين الأمرين السابقين تتطلب بروز علم مختص يمكن بواسطته تقدير المرحلة التي يستمر العمل خلالها في ميدان تحويل "الانتماء" إلى "ولاء" حتى يصل إلى الحد الذي تصبح فيه -الجماهير المؤمنة- كاملة الاستعداد لممارسة عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة بالمحتوى الذي توجه إليه "أفكار" الرسالة الإسلامية وغاياتها١.
ومع أن هذا البحث لا يدعي تقديم -العلم المطلوب- لتنظيم العمل الإسلامي، واستراتيجيات التربية إلا أنه يرى أن تمييز -المرحلة الأولى من العمل الإسلامي- خلال فترات مرض الأمة، ووفاتها بالطابع السلمي والتفرع الكامل إلى تغيير ما بالأنفس من قيم فكرية ونفسية وخبرات ثقافية واجتماعية، وتصويب علاقات "الولاء" السائدة، وتنظيم العلاقات الخمس بين -إنسان التربية الإسلامية- من ناحية وبين كل من الخالق، والإنسان والكون والحياة والآخرة بحيث تصبح علاقات عبودية، وعدل وإحسان، وتسخير، وابتلاء، ومسئولية وجزاء٢.
وعلى العمل الإسلامي في هذه المرحلة أن يتجنب كل ما من شأنه أن يؤدي إلى المصادمات مع "القوم" الذين يعمل في أوساطهم، وأن يتحلى بـ"الصبر الجميل" على أذاهم، و"هجر الرجز" الخاطئ الذي يلون حياتهم،
стр. 466
وأن يتجنب الاشتراك في سياسات ترميم الأمة المريضة، أو المتوفاة من خلال المشاركة في المجالس النيابية والإدارات والحكومات، وأن يتجنب الاشتراك في عمليات الصراع، والمجابهة خلال فترات الفتن التي لا ينفك باعثوها، وقادتها عن استثمار شعارات "الانتماء" الديني، والقومي، والإقليمي، والقبلي، والأسري، وغيرها.
ولا بد من الانتباه -هنا- إلى أهمية "فقه" أحاديث الفتن التي تزخر بها مصنفات الحديث النبوية فقها صائبا يزيل آثار الشروح الخاطئة التي تناولت هذه الأحاديث، وانتهت بأجيال المسلمين إلى العزلة السلبية، والقعود عن الإصلاح بانتظار المهدي ونزول المسيح أو قيام الساعة. والصواب أن الأحاديث المذكورة توجه إلى صيانة طاقات المؤمنين من التبديد، وإلى التزام -التربية فقط- كمنهج للإصلاح خلال الفتن التي تصاحب مرحلتي مرض الأمة ووفاتها.
ولعله من المناسب هنا أن نقول: أن الأستاذ جودت سعيد قد "أحس" في كتابه -مذهب ابن آدم الأول- بأهمية التفرغ للعمل التربوي، الذي أسماه العمل السلمي، وتجنب العنف. ولكنه إحساس لم يصل إلى درجة "الوعي" الذي يميز حلقة العمل السلمي في منهاج العمل الإسلامي، ويحصرها في -الجهاد التربوي- خلال مرحلتي مرض الأمة ووفاتها، لإخراج جيل الإصلاح، ثم الانتقال إلى مرحلة -الجهاد التنظيمي- الذي يوفر بيئة المهجر الحاضنة، ويحسن تعبئة الموارد المادية والمعنوية، وإعداد ما يستطيعه مجتمع المؤمنين من قوة ورباط تؤهله للنوع الثالث من -الجهاد- الذي يرهبون به عدو الله وعدوهم، وآخرين من دونهم لا يعلمونهم من أهل الفتنة والنفاق١.
стр. 467
إن عدم بروز علوم إسلامية توضح -مراحل العمل الإسلامي، واستراتيجياته أدى إلى تخبط مؤسسات التربية وحركات التجديد، والإصلاح سواء في تنظيماتها الداخلية أو نشاطاتها الدعوية في الخارج. فهي لم تدرك الفارق بين "الولاء" للعصبيات التي توجه سلوك -إنسان الأقطار الإسلامية- في حياته الفعلية، وبين علاقات "الانتساب والانتماء" التي يستثمرها و"ينفقها" هذا الإنسان لـ"نصرة" ولاءاته العصبية حين تتعرض الأخيرة للخطر، تماما كالسلوك الذي يصفه قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] .
فكثيرا ما ظن الإسلاميون أن حماس جماهير الأمة المتوفاة لخطبائهم في المساجد وترديدها لهتافهم: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا"! هو دلالة على استعداد هذه الجماهير لـ"الجهاد" وبذل النفس والمال لـ"نصرة" أفكار الرسالة، ثم إذا دعيت هذه الجماهير لتجسيد هذا الحماس في واقع حي تثاقلت إلى الأرض، واكتفت في أحسن حالاتها بالحوقلة والتحسر، ثم كانت مواقفها الفعلية تطبيقا كاملا للمثل الشعبي المستمد من ثقافتها القبلية القائل: "من يتزوج أمي هو عمي"١.
وفي المقابل كثيرا ما انقلب بعض من أسلمتهم حركات الإصلاح، والتجديد قيادتها، أو دفعت بهم إلى "مجالس النواب" لتمثيلها ولـ"نصرة" الإسلام، و"إيواء" المؤمنين، إلى زعماء "متسوزرين" يركزون "جهادهم" لـ"إيواء" قبائلهم وأسرهم و"نصرة" عصبياتهم ومصالحهم في الجاه والتملك!!
стр. 468
ولعله من المناسب -هنا- أن نشير إلى حكمة التخطيط، والتنفيذ التي اعتمدتها استراتيجيات الدول المستعمرة في "مزق" الأمة الإسلامية المتوفاة حيث كانت، وما زالت هذه الاستراتيجيات تستثمر -بصبر ووعي- المؤسسات التربوية والإدارية والعسكرية والإعلامية، والبعثات الدراسية والعلاقات الإقليمية وشئون السفر والإقامة، وقوانين العمل للارتداد بمحاور "الولاء" من دوائر الولاء لـ"الأفكار" الإسلامية إلى دائرة "الولاء الأسري" و"الولاء الفردي" متدرجة عبر دوائر القوم والإقليم والقبيلة، حتى إذا جاءت أجيال تتناثر "ولاءاتها" على دوائر القبيلة والأسرة والأنانية الفردية، أطلقت أزمة التناقضات وأعنة الصراعات بين العصبيات المذكورة حتى تنتهي مشروعات التنيمة إلى الإفلاس، والأمة إلى الوفاة!!
стр. 469
الفصل التاسع والعشرون: مشكلة التناقض بين إعداد الفريد وإخراج الأمة في أهداف التربية الحديثة
مدخل
...
الفصل التاسع والعشرون: مشكلة التناقض بين "إعداد الفرد" و"إخراج الأمة" في أهداف التربية الحديثة
تعاني التربية الحديثة من مشكلة تحديد العلاقة بين الفرد، والأمة بحيث لا يطغي أحدهما على الآخر. ولقد بدأ النظر في هذه المشكلة منذ أواخر القرن التاسع عشر، واتخذ عدة اتجاهات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية طبقا لمشاهير التربويين الذين قادوا هذه الاتجاهات.
الاتجاه الأول الذي يعتبر وظيفة التربية هي نقل الثقافة الاجتماعية إلى الفرد الناشئ. ورائد هذا الاتجاه هو المفكر الفرنسي -إيميل دوركايم" "١٨٥٨-١٩١٧"- الذي اشتهر في ميدان علم الاجتماع.
وخلاصة رأي دوركايم في هذا المجال أن المجتمع يحتل المكانة الأولى بينما يأتي الفرد في المنزلة الثانية. ولذلك تبدأ الحياة الحقيقية النافعة بقيام المجتمع وتوثيق روابطه. وحين تتحكم هذه الروابط تنعكس آثارها السيئة على الأفراد أنفسهم.
وانطلاقا من ذلك فإن وظيفة التربية الرئيسة هي إيجاد التوافق بين أفراد المجتمع، وتوثيق روابطهم وتطوير الروح الجماعية عندهم. فالمجتمع هنا هو محور الأهداف التربوية وليس الفرد. وهذا يعني إن مسئولية التربية تقع على الدولة، وعليها أيضا تقع مسئولية إعداد المعلم والمدرسة للقيام بهذه الوظيفة بالشكل الذي ترغب به الدولة.
стр. 470
وبذلك تبدأ التربية -عند دوركايم- بالمجتمع وتنتهي بالفرد١.
أما الاتجاه الثاني فهو يسير في الخط المعاكس للاتجاه الأول. ورائد هذا الاتجاه هو -كارل روجز Carl Rogers- "١٩٠٢-٠٠٠". وكارل روجرز هذا عالم نفس أمريكي له أثره في ميدان علم النفس والتربية. ولقد قامت نظريته في الأصل لمعالجة الاغتراب alienation الذي تعاني منه مجتمعات الحضارة المعاصرة.
ففي رأي -روجز- أن العلاقات الإنسانية في هذا العصر باردة جافة مجردة من العواطف والإخلاص. ولذلك أصبح الأفراد يعانون من حساسية مفرطة إزاء أحكام الآخرين نحوهم، ويعيشون في حالة من إمكانية السقوط، وحتى يحموا أنفسهم من هذا المصير، فإنهم يتسترون خلف قناعات زائفة تخفي حقيقتهم الأساسية، وتنسيهم حقيقة -الاغتراب- الذي يسم وجودهم، وبسبب هذا الاغتراب يفقد الأفراد القدرة على التحلي بمقيمهم الكامنة فيهم، ويتلبسون القيم التي يفرضها المجتمع عليهم رغم عدم إيمانهم بها في كثير من الأحوال. ولذلك تصبح هذه القيم قاسية، جامدة.
لذلك يجب إتاحة الفرصة للأفرد للعيش في عالم متحرر من ضغوط المجتمع، وليختاروا القيم التي تنبع من داخلهم.
وهكذا يتضح أن الحلم الجميل عند روجرز يمثل الكابوس المخيف عند دوركايم. فروجرز يود تحرير الأفراد من القيود المدمرة التي يفرضها المجتمع بينما يود دوركايم تحرير الأفراد من فوضى الحياة الفردية. فالأخلاق عند دوركايم يفرزها وعي المجتمع وعقلانيته أما عند روجرز فهي تنبع من وجدان الفرد وعواطفه. ولذلك تتركز أهداف التربية -عند رجروز- في رد الأفراد للعيش مع عواطفهم بعيدا عن ضغوط المجتمع، وعلى التربية
стр. 471
أن تهيئ الفرد الأجواء المناسبة لاستعادة ثقته بنفسه، وليكتشف مشاعره الخاصة، وليتحرر من الأقنعة الاجتماعية المصطنعة. وبذلك يتعامل الأفراد مع بعضهم طبقًا لرغباتهم الفطرية المتحررة من القيود التي نسجتها اتجاهات المجتمع وقيوده. أي إن التربية -في نظر روجرز- تبدأ من الفرد وتنتهي بالمجتمع.
أما الاتجاه الثالث فهو يقف في الوسط بين كل من دوركايم، وروجرز ورائد هذا الاتجاه هو -جون ديوي- "١٨٥٩-١٩٥٢".
لقد رأى ديوي أن أبرز خصائص المجتمعات الحديثة هي انفصام العلاقة بين الفرد والمجتمع، وأن بإمكان الفلسفة معالجة هذا النقص. لقد اعتبر ديوي أن ظاهرة الاغتراب مدمرة للمجتميع والفرد سواء. وأن أساس الخطأ في رأي كل من دوركايم وروجرز هو الفصل بين الفرد والمجتمع، ووضع مصلحة كل واحد منهما ضد مصلحة الآخر، وإن أيا منهما لا يحقق وجوده إلا بالتغلب على الآخر. لذلك لم ير ديوي إن وظيفة التربية هي تحقيق هيمنة الأفراد، أو المجتمع وإنما عملها أن تستغل تبادل العلاقة بينهما إلى أقصى حد. والوسيلة لتحقيق هذا الهدف هو -الذكاء الإنساني- وهو يتضمن قوة الملاحظة التي تمكن الفرد من تحديد المشكلات وتحليلها وتقييمها ثم حلها. وهذا يتطلب تعليم الفرد بالخبرة وأن يستغل هذه الخبرة لصنع مستقبله. فبالذكاء يعيد الفرد تقييم المهارات، والعادات والتقاليد الاجتماعية ويقرر النافع منها. والعقل لا ينمو من خلال فرد يطيع المجموع طاعة عمياء، ولا من خلال مجتمع يصب الأفراد في قوالب محددة من السلوك، وإنما ينمو العقل من خلال الحوار وحرية الرأي التي تؤدي إلى إيجاد -العقل الاجتماعي. والعقل الاجتماعي يتمثل في مؤسسة اجتماعية تفكر بمصلحة الجميع وتحسين نوعية الفرد، والجو الذي تنمو فيه هذه المؤسسة هو جو الحرية الديموقراطية. والإنسان ليس فيه ذكاء فطري أو قدرات طبيعية، وإنما هو نتاج المجتمع والبيئة. لذلك كانت التربية هي
стр. 472
الوسيلة الفعالة لتطوير الذكاء المشار إليه والخبرات المشار إليها كذلك. وعلى التربية أن توفر للفرد التدريب على حل المشكلات في جو من الحرية، وأن تعطيه الفرصة ليتعلم بنفسه ويتفهم آراء الآخرين١.
وهكذا يبدو الاختلاف واسعا بين وجهات النظر المتعلقة بأهداف تربية الفرد، والمجتمع عند كل من دوركايم، ورجرز، وديوي، ولقد علق -رودمان ويب- على هذا الاختلاف بقوله:
"إن نظريات كل من دوركايم، وروجرز، وديوي منشقة على بعضها بعضا أميالًا شاسعة، وإنه لمن الغريب أن نجد مثل هذا الاختلاف العميق بين علماء أذكياء حول قضايا أساسية. ويرجع هذا الاختلاف إلى اختلاف تصوراتهم عن الطبيعة الإنسانية"٢.
لقد وجد كل من الاتجاهات الثلاثة أنصاره الذين أدخلوه مجالات التطبيق. ولكن تركز هذا التطبيق في ميادين الاقتصاد، وإخراج الفرد المنتج -المستهلك أو المجتمع المنتج- المستهلك، وفسرها كل جماعة حسب مصالحهم وما تمليهم حاجاتهم المادية ورغباتهم في التملك والثروة. ولذلك أفرزت تناقضا خطيرًا بين هدف "تربية الفرد" وهدف "إعداد الأمة".
ولقد درس المختصون في تاريخ التربية، واجتماعات التربية، وفلسفة التربية وأهدافها هذه التفسيرات، والتطبيقات لأهداف تربية الفرد والمجتمع وتناولوها بالتحليل وأوضحوا التناقض القائم فيها. ويمكن أن نصنف هذه الدراسات التربوية المشار إليهما فيما يلي:
стр. 473
أ- أصحاب الرأي الناقد "نظرية التناقض بين الأهداف ":
يرى أصحاب هذا الرأي أن -أهداف إعداد الأمة المتمركزة حول
стр. 474
المصالح الاقتصادية -تتناقض مع- الأهداف المتمركزة حول إعداد الفرد. ففي حين تهدف الثانية إلى جعل التلميذ سيد نفسه وحاكم قدره، فإن الأهداف التي تتمركز حول التقدم الاقتصادي للأمة تعمل على تقييد تطلعاته، وتطويعه لمتطلبات العمل في المؤسسات الصناعية. ويمكن إدارك هذا التناقض وحدته حين يتذكر المرء أن ملايين الوظائف في الأقطار الصناعية هي وظائف شاقة، وغير جذابة ومن النوع الذي لا يرغب الإنسان أن يجعلها عمله الدائم إذا كان لديه فرص اختيار عمل آخر. ومن أمثلة هذه الوظائف الشاقة: العمل في المناجم وإصلاح الطرق، وتفريغ أكياس الأسمدة. ومثلها الوظائف الروتينية المملة التي أفرزها التقسيم المفرط للتخصصات في العمل خلال التقدم التكنولوجي، كالعمل في المكاتب والأسواق، وكتابة محاضر الجلسات وأعمال السكرتارية.
وبالإجمال فإن الأهداف الاقتصادية للأمة تتناقض مع أهداف تربية الفرد في التربية الحديثة في عدة جوانب هي:
الجانب الأول، يتناقض الهدفان: الفردي والاقتصادي في نوع المعلومات وأسلوب الفهم الذي يتطلبه كل منهما. ففي أهداف إعداد الفرد يتطلب الأمر تزويد الفرد بالمعلومات الواسعة عن غايات الحياة ومقاصدها، ووسائل تحقيقها وهكذا. بينما تتطلب الأهداف الاقتصادية للأمة تقديم معلومات محددة عن نوع واحد من العمل أو الوظائف، بل إن بعض الوظائف لا تتطلب إلا قدرا محدودا من المعرفة، والتدريب الذي لا يتطلب إلا أياما أو أسابيع قليلة.
والجانب الثاني، الذي يتناقض فيه الهدفان هو النزعة التي يشجعها كل منهما. ففي حين ينمي هدف تربية الفرد التأمل، والتفكير فإن الأهداف الاقتصادية للمجتع تتطلب تنمية الإذعان والخضوع للسلطة. فالتربية للعمل في المصانع لا تتطلب عمالا يناقشون في الصواب والخطأ، والحقوق والواجبات، ثم ينتهي بهم الأمر إلى عدم الرضى عن عملهم ووظائفهم.
стр. 475
ولهذا الهدف فإن القائمين على نظم التربية يدربون التلاميذ على الإذعان مبكرا، فيجعلون علاقة المعلمين بالتلاميذ، والمدراء بالمعلمين علاقة تنفيذية قائمة على السلطة والتعليمات، وإصدار الأوامر وتنفيذ القرارات. ومثل ذلك في التربية العسكرية التي تجفف إرادة الفرد وتجعله ينفذ الأوامر دون تساؤل، أو تفكير.
والجانب الثالث، أو الأهم الذي يتناقض فيه الهدفان هو أن هدف تربية الفرد يتطلب من الفرد الوعي بهذا الهدف، وتقبله بقناعة حتى يتمكن أن يخطط مستقبله باستقلال ووعي. ولكن هذا الهدف غير مطلوب في مجال الإعداد لميدان العمل، بل يكفي أن يدرب الفرد لآداء الوظيفة التي تسند إليه برضى وقبول بها. بل إن اطلاعه على هذا الهدف الثاني قد يجعله في صف المقاومين له؛ لأنه يريد أن يقوم بعمل لا معنى له وينال من حريته. فجهله بالهدف -إذن- يعطي المشرفين على إعداده فرصًا أكبر لتشكيل سلوكه وشخصيته دون وعي منه.
وهنا يطرح المختصون بأهداف التربية واجتماعياتها من أصحاب هذا الاتجاه السؤال التالي:
ما الذي يمكن عمله لمواجهة هذا التناقض القائم في التربية الحديثة بين أهداف إعداد الفرد للحياة، وبين أهداف إعداده للعمل في المجتمع؟
يلخص -جون وايت John White- الإجابات المطروحة عن هذا السؤال بالقول إن هناك عدة أساليب لذلك:
الأسلوب الأول: اتباع أسلوب النعامة Ostrich أي دفن الرؤوس في الرمال وتجاهل هذا التناقض. والذي يبرز هذا الأسلوب هو اعتبار وظيفة التربية إعداد الفرد للحياة، بينما يترك إعداد الفرد للعمل في المجتمع لتقرره المؤسسات الاقتصادية، والعسكرية خارج ميدان التربية وليس للمربي شأن بها. ولا شك هذا التصور شبيه بتصور العلاقة بين الدين والسياسة في
стр. 476
المجتمعات الغربية والتسليم بالتناقض القائم بين الاثنين، ووجوب انفصال بعضهما عن بعض.
والأسلوب الثاني لمواجهة التناقض المذكور هو اللجوء إلى قاعدة الحل الوسط Compromise. ويضرب -جون وايت- لذلك مثلا بالدراسات المسحية التي قام بها -آشتوت Ashton- وزملاؤه بعنوان "أهداف التربية الابتدائية: دراسة ميدانية لآراء المعلمين". ولقد خلصت هذه الدراسة إلى أن الحل الوسط يقوم على إعطاء قدر من الاهتمام للمهارات الأساسية المتعلقة بالأهداف الاقتصادية للأمة، بينما يكرس باقي الوقت لتنمية شخصية التلميذ بالمتعلقة بأهداف إعداده للحياة من خلال عدة أنشطة يختار منها ما يشاء. ومن أمثلة ذلك أن يقدم للتلميذ قراءات في الصباح وبعد الظهر بينما يقض بقية الساعات بالتدريب على حياة العمل.
ويعلق -جون وايت- على هذا الحل الوسط، فيقول: إنه يفتقر إلى الربط المنطقي بين النوعين من الأهداف، وما يتعلق بهما من النشاطات المنهجية ولذلك يبقى التناقض قائما بينهما؛ لأن طلاب المرحلة الابتدائية يعيشون مرحلة بعيدة عن الأهداف الاجتماعية الاقتصادية، وتزداد حدة هذا التناقض في المرحلة الثانوية بسبب صعوبة التوفيق بين تعدد المعارف التي تتطلبها تنمية شخصية التلميذ، وبين التخصص الذي يتطلبه العمل، ويزداد الأمر تناقضا وتعقيدا بالنسبة لطلبة المرحلة الجامعية. فرغبتهم في بناء حياة يرغبونها تصطدم بحاجاتهم للعمل الذي يتطلب منهم إذعانا، وتخصصا دقيقا في حياة العبودية الصناعية. لذلك لا عجب أن نراهم حين يتبينون هذا التناقض، فإنهم يتحولون إلى مثيري شغب.
ولا ينقطع أنصار أهداف تربية الفرد من أجل العمل عن التفكير، والبحث عن الوسائل والأساليب التي تروض الناشئة المشاغبين، وتوجد الانسجام بين طموحاتهم الشخصية ومتطلبات الصناعية والعمل. وهناك مدرسة تربوية تقول بتدريبهم منذ المرحلة الابتدائية على متطلبات البيئة
стр. 477
الصناعية مع توفير الأنشطة الرياضية والفنون والدراما، والموسيقى ولكن التجارب التي تمت في هذا الميدان لم تحل المشكلة. كذلك دعا آخرون إلى ما أسموه بـ"الحل الواقعي" وهو توفير فرص التنافس بين التلاميذ في المدرسة من خلال الامتحانات كأسلوب لتدريبهم على التنافس في العمل المستقبلي، وإعطاء المتفوقين منهم جواز السفر اللازم للوظائف الجيدة، وبذلك يتم التوافق بين الأهداف المتعلقة بالعمل والصناعة. ولكن واقع التطبيق لم يحقق هذا التوافق المفترض.
ويعلق -جون وايت- على هذا الواقع المستعصي، فيذكر إن أسلوب "الحل الوسط" لم يرأب الصدع القائم بين النوعين من أهداف التربية: أهداف تربية الفرد، وأهداف المجتمع الصناعي.
стр. 478
ب- أصحاب "نظرية التآمر الطبقي في التربية ":
يشيع هذا الرأي بين عدد غير قليل من علماء التربية، وعلم النفس المنتشرين في عدد من الجامعات الأميركية. ومن أبرزهم: صمويل بولز Samuel Bowels وهربات جنتز Herbert Gintis وجول سبرنج Joel Spring ومارتن كارنوي Maxtin Carnoy وإيفان إيللتش Ivan Illich وكريستوفر جنكس Christopher Jencks ومايكل كاتز Michael Katz ودون مارتن T. Martin Don ووليم توماس William B. Thomas.
ويرى أصحاب هذه النظرية أن أهداف التربية الحديثة تنطلق من قاعدة أساسية جرى بلورتها وتركيزها بإتقان، وهي تبرير النظام الاقتصادي القائم ودعمه، واستعمال التربية لترويض الناشئة على تقبله وتنفيذ سياساته، والدفاع عنه وعدم الانتباه لنقائصه.
وخلاصة هذه النظرية إن أصحاب العمل يشيعون في المصانع، والمؤسسات والمجتمع نماذج من العلاقات الاجتماعية والتنظيمات الإدارية، وعادات العمل والمهارات التقنية التي تستهدف تطويع العمال، وتجريدهم من
стр. 479
ثمرة جهودهم إلى جانب تجريدهم من النزعات السياسية، ونزع فتيلة الانفجار المحتمل في العلاقات القائمة بين أصحاب العمل والعمال.
ولتحقيق هذه الأهداف كلها يجري تخطيط الأهداف التربوية، ومناهجها لتعويد الطلبة -منذ وقت مبكر- على تقبل هذه الأوضاع المذكورة، وتخليد الأحوال الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية التي يتم خلالها سلب العمال والموظفين من ثمرات عملهم المتمثلة في الزيادة الهائلة في أرباح أصحاب العمل.
وتؤدي التربية هذه الوظيفة المشار إليها من خلال -مبدأ تطابق دقيق Correspondence Principle- بين العلاقات الاجتماعية والمهارات التقنية التي تحكم نظام العمل، وبين العلاقات الاجتماعية والمهارت التعليمية التي توجد النظام التربوي، خاصة علاقات السلطة، والضبط العامودية القائمة بين مدراس التربية ومدراء المدارس، وبين مدراء المدارس والمعلمين، وبين المعلمين والطلاب، وبين الطلاب والطلاب، وبين الطلاب وواجباتهم المدرسية.
فهذه كلها تتطابق مع العلاقات الطبقية الفوقية التي يراد إشاعتها، وترسيخها بين أصحاب العمل ومدراء المصانع، ثم بين مدراء المصانع ومراقبي العمال، ثم بين مراقبي العمال والعمال، ثم تقسيم العمل السائد في المصنع والمؤسسة. فالسلطة منظمة عبر خطوط رأسية تبدأ من الإدارة العليا للتعليم، وتنحدر إلى مدير التربية ثم إلى الهيئة التدريسية ثم الجسم الطلابي. ويتطابق مقدار الحرية المعطى للطلاب للتعامل مع مواد المنهاج مع مقدار الحرية المعطي للعامل للتصرف بوظيفته. ونظام الدوافع المدرسية كالعلامات، والجوائز والتهديد بالسقوط وثمار النجاح يطابق الدور الذي تلعبه أنظمة العمل، ودوافعه كالأجور وشبح البطالة. والتنافس غير البناء بين الطلبة وإشاعة الحسد والخصومات بينهم يطابق العلاقات غير الحسنة الشائعة بين العمال. وتتطابق الواجبات المدرسية المرهقة، وملء فراغ الطالب بالأعمال الثقيلة مع كمية العمل التي تعطي للعامل وتشغل أوقاته. ويتطابق تقسيم
стр. 480
المعرفة الأكاديمية إلى تخصصات غير مترابطة مع العلاقات الهشة بين العمال والموظفين، وتقسيم الوظائف الرتيبة المملة. كما إن امتحانات الذكاء IQ وامتحانات القدرات المهنية هي وسائل مصممة لغرس القناعات النفسية الراسخة بأن المستقبل الذي يراد للطلاب في أماكن العمل هو ما يتفق مع قدراتهم العقلية، واستعداداتهم النفسية، وإنهم يتحلمون -هم أنفسهم- مسئوليات النجاح والفشل في حياتهم.
ويضيف أصحاب هذه النظرية، إنه بالرغم من هذا التطابق بين الأهداف التربوية، وأهداف أصحاب العمل، إلا إن الأهداف التربوية تحمل في طياتها التناقض والاضطراب. ففي الوقت الذي تدرب المدرسة الناشئة ليكونوا في المستقبل عمالا طائعين، فإنها تغرس فيها بذور التمرد والشغب. وفي الوقت الذي تدرب الجامعة الطلبة ليكونوا بيروقراطية الإدارة والهيمنة في أماكن العمل فإنها تشيع بينهم المعارضة والنقد لأصحاب العمل. كذلك تسهم أهداف أولياء الأمور في هذا التناقض؛ لأن أهدافهم التي أرسلوا أبناءهم من أجلها إلى المدارس والجامعات إنما تدور حول تحسين أحوالهم الاجتماعية، ورفع مستواهم الاقتصادي وهذه تتناقض مع أهداف المؤسسات الاقتصادية في الهيمنة والربح الوافر١.
ولو نظرنا -نظرة محايدة- في مختلف هذه الآراء مقرونة بأهداف التربية الحديث كلها لوجدنا أن التناقض يعود إلى بشرية المصدر الذي تستمد منه هذه الأهداف سواء أكان فردا أو جماعة. فالاتجاه الذي ينطلق من "تلبية رغبات الفرد وحاجاته" يجد نفسه بعد فترة أمام مجموعات من "الرغبات والحاجات". فالأفراد الذين يحققون قسطا معينا من النجاح خلال مسيرة الحياة تتركز "رغباتهم وحاجاتهم" حول ثمرات هذه النجاح وتتفق مصالحهم في التحالف للمحافظة على هذه "الثمرات"، وزيادتها التي لا تقف
стр. 481
عند حد طالما إن الإنسان يتمنى واديا ثالثا من ذهب إذا كان له واديان -كما قال ﷺ وكما أثبته واقع المليونيرات في العصور المختلفة.
أما الأفراد الذين لم يحققوا هذا النجاح، ولم يحصلوا على ثمراته فتتركز "رغباتهم وحاجاتهم" في التطلع إلى ما حصل عليه الآخرون، وتتفق مصالحهم في التحالف للوصول إليه بكل الوسائل الممكنة.
وهكذا تنشأ في المجتمع -طبقات- بعضها يستهدف المحافظة على التفوق والكسب والامتياز، وبعضها يستهدف الخروج من حالة الحرمان والفضل ويبدأ الصراع الطبقي.
أما الاتجاه الذي ينطلق من "تلبية رغبات المجتمع وحاجاته"، فإنه في الواقع بعض صيحات -الطبقة المحرومة الفاشلة. ومعروف إن دوركايم رائد هذا الاتجاه كان من صفوف اليساريين في فرنسا. وحين ينطلق هذا الاتجاه من أعلى، فهو يمثل "حاجات ورغبات" أولئك الذين يمسكون بدفة المجتمع ويتحكمون بمصائره. أي إن رغبات المجتمع تنتهي لتكون رغبات طبقة معينة كذلك، ولكنها تغلفها بأغلفة مطاطة فضفاضة غائمة كالمصلحة العامة، ومصلحة المجتمع.
ويفصل -جول سبرنج ١Joel Spring- في الكشف عن جذور الأنظمة التربوية التي رفعت شعارات، وأهداف عامة مثل "المواطن الصالح" و"الوطنية" و"القومية" و"الصالح العام"، ويتتبع تاريخها بشكل علمي يقترن بالوقائع والأسماء والتواريخ ثم يخلص ليقول:
"يمكن مقارنة الوطنية بالدين. فهي لها رموزها وطقوسها ذات النكهة الصوفية. فجوهر الوطنية هو تعليم الفرد محبة مفاهيم نظرية غائمة
стр. 482
ميتافيزيقية كالقومية ومصلحة الشعب. ولهذا يجري تركيز ممارسة هذا الديانة على احترام الأعلام الوطنية، والشارات والنصب التذكارية، والموسيقى الوطينة ... والالتصاق بهذه الرموز هو التصاق شعوري عاطفي، وليس التصاقا عقليا ...
ولقد كانت القومية والوطنية من أعظم القوى المدمرة في الحضارة المعاصرة؛ لأن القتال لحماية -راية من الرايات، أو مفهوم "شعب" قد أدى إلى هلاك الملايين من البشر"١.
ويضيق -سبرنج Spring- إنه بالرغم من هذه -المتيافيزيقا التربوية- فإن البحث في تاريخ التربية الحديثة يكشف عن أن أهدافها التي رفعتها هي أهداف الأقلية البيروقراطية الحاكمة باسم الشركات والمؤسسات الرأسمالية. فالمواطنة السياسية في التربية الحديثة تستهدف حماية المصالح الاقتصادية لطبقة الملاك، وتجنيد بقية الطبقات لحماية هذه المصالح مثلما تجندها لزيادة الإنتاج. والأنظمة السياسية هي مجموعة البيروقراطيين الذين يقومون بمهمة استثمار الطبقات العاملة لحماية الاحتكار الاقتصادي، وتوفير فرص النمو والاستثمار لهذا الاقتصاد.
ويدلل -سبرنج- على خضوع التربية الحديثة للشركات، والمؤسسات الصناعية والمالية بظاهرة تربوية قائمة وهي إن البحث التربوي، وتطوير النظم التربوية يرتبط إلى حد كبير بتوجيه المؤسسات التابعة للشركات، والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. كما إن الباحثين التربويين يركزون على الموضوعات التي تقترحها جهات التمويل المذكورة، وهم يختارون موضوعاتهم من الموضوعات التي تقترحها هذه الجهات، ويتنافسون في الحصول على المنهج والجوائز التي تقدمها هذه الجهات كذلك.
وبالتالي فإن الأهداف التربوية والنظم التربوية التي يفرزها البحث
стр. 483
التربوي تأتي ممثلة لمصالح طبقة رجال الأعمال والبيروقراطيات الحاكمة باسمها، ولا تمثل المجتمع والإنسان بشكل عام١.
ويضيف -سبرنج Spring- إن من أبرز من عكسوا هذه الاتجاهات ووظفوا التربية في خدمة رجال الاقتصاد والصناعة في الغرب هو -جون ديوي. وإن خلاصة أفكار ديوي وتطبيقاتها التربوية ركزت على تلبية حاجات الصناعة المتغيرة، وإعداد المدرسة الحديثة لخدمة المؤسسات الصناعية، وتدريب الطالب على حياة العمل وعلاقات المصنع.
أما في المعسكر الشرقي الشيوعي فقد قام بدور -ديوي- المفكر التربوي السوفياتي -أنطون ماكرنكو- Anton Makarenko. ومع إن النظام الاقتصادي في كل من المعسكرين الغربي والشرقي يختلف عن نظيره، إلا إن الأهداف التربوية تشابهت من حيث إعداد الفرد الإنسان لتلبية حاجات المؤسسات الصناعية الحديثة دون عناية بإنسانيته٢.
والخلاصة إن مشكلة تناقض الأهداف التربوية في التربية الحديث تتركز في بشرية مصدرها. ولكن لا بد من التنبيه إلى حقيقة معينة لها دلالالتها، وشواهدها في تطبيقات التربية الإسلامية قديمًا وحديثًا.
إن إلهية المصدر في أهداف التربية الإسلامية يجب أن تكون مقرونة بتنمية قيم التقوى، والإحساس الشديد برقابة الله. ذلك إن التربية الإسلامية -كما مر في كتاب فلسفة التربية الإسلامية- تنمي علاقة القيام بالمسئولية الاجتماعية نحو الآخرين بدل توجيه الفرد لحقوقه وحاجاته ورغباته، فإذا لم تكن هذه المسئولية مقرونة برقابة الله، وتقواه تنقلب إلى تسلط ممزوج من الأبوة القبلية والدكتاتورية السياسية في المجتمع والمؤسسة والأسرة، ويرى الفرد إنه المسئول عن كل شيء وإن لا حق لغيره في مشاركته في شيء.
стр. 484
وأكثر ما تبرر آثار هذا التطرف في الميادين السياسية حيث تتعدد الرؤوس التي تمارس المسئولية، ويصعب التنازل والاتفاق.
أي إن مضاعفات فساد علاقة المسئولية في المؤسسات التربوية الإسلامية هي عكس مضاعفات فساد هدف "تنمية الإحساس بالحقوق والحاجات" في المؤسسات التربوية الحديثة حين تتعدى الحقوق والحرية حدودها، وتنفلت من كل قيد اجتماعي أو أخلاقي.
ولذلك حين تنحل المجتمعات الإسلامية تنحل سياسيا، وحين تنحل المجتمعات الغربية تنحل اجتماعية.
стр. 485
الباب السادس: تنمية الإيمان بوحدة البشرية والتآلف بين بني الإنسان
مدخل
...
الباب السادس: تنمية الإيمان بوحدة البشرية، والتآلف بين بني الإنسان
الإيمان بوحدة البشرية والعمل على تحقيقها، وإرساء قواعد التعايش السلمي بين بني البشر هو الهدف العام الثالث في أهداف التربية الإسلامية. والإيمان بهذا الهدف ثم العمل لتحقيقه لا ينبعان -فقط- من التصورات المثالية القائمة على الالتزام العقائدة، والأخلاقي عند فئة محدودة من الناس تجمعت حول رسول أو نبي مثالي، ونفر من صحبه المغرقين في تعشق المثالية وحياة القديسين.
ولكن الإيمان بهذا الهدف والعمل لتحقيقه هو أمر حتمي واقعي تقتضيه طبيعة الطور الاجتماعي الذي بلغته البشرية، وجاءت الرسالة الإسلامية على أبوابه.
لقد مر فيما مضى أن التفكير الديني في الإسلام قائم على أساس إن الرسالات الإلهية، تطورت في موازاة التطور الذي مرت به المجتمعات البشرية ابتداء من مرحلة المجتمع الأسري، ثم المجتمع القبلي ثم المجتمع القومي حتى المجتمع العالمي الذي اتضحت معالمه، وتبلورت أسسه في أيامنا هذه. ولقد جاءت كل رسالة على أبواب الطور التي وقفت البشرية في كل مرة أمامه، وأخذت في الاستعداد لولوج هذه الأبواب.
ولقد جاءت الرسالة الإسلامية على أبواب الطور العالمي للمجتمع البشري، وهو طور تحددت أسسه وخصائصه والعوامل المؤثرة فيه، وأصبحت
стр. 486
الوحدة الإنسانية فيه ضرورة معيشية، ومتطلبا أمينا تفرضه دواعي السلم والاستمرار في الحياة.
وفيما يلي استعراض لأسباب هذه الضرورة العالمية، ومظاهرها في الحياة المعاصرة.
стр. 487
الفصل الثلاثون: ضرورة التألف الإنساني كهدف من أهداف التربية المعاصرة
أصبحت الوحدة الإنسانية ضرورة معيشية في واقع الحياة المعاصرة أكثر من أية مرت بها البشرية من قبل، وذلك للأسباب التالية:
السبب الأول، لم يعد ممكنا -في العالم المعاصر- استمرار الروابط العائلية والقومية والوطنية والجنسية؛ لأن التجمعات البشرية التي قامت على هذا الرابط آخذة -اليوم- في الانهيار المتسارع. فالتقدم التكنولوجي الهائل في ميادين المواصلات والاتصالات، والأقمار الصناعية والأعلام والنشر قد قرب المسافات بين أقطار الأرض، وأدى إلى سرعة الهجرات والأسفار القارية، وإلى تشابك العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية، والاجتماعية وأحال الحياة على الأرض إلى ما يسميه -رجال الاجتماع- "قرية الكرة الأرضية". وهذا واقع مزق المؤسسات الاجتماعية القديمة- كالأسرة الكبيرة، والقبيلة، والشعب، -وبعثر أعضاء كل منها من أرجاء الأرض كلها. ولو أننا نظرنا في واقع البلدان القائمة في الوقت الحاضرة لوجدنا كل بلد -هو الآن- خليط من جميع الأجناس المهاجرة من هنا وهناك، وأن نسبة السكان الأصليين فيه لا تتعدى النصف على الأكثر، وإن أقطار العالم استحالت إلى ما يشبه -السوبر ماركت- الذي يحمل على المدخل اسما وطنيا، ولكنه في الداخل يضم مئات الأصناف المستوردة من أقطار الأرض كلها.
والذين تعدوا الروابط الإقليمية والطائفية، والوطنية والعصبية العائلية أو العنصرية، ولكنهم لما يستشرفوا بعد الرابطة العالمية، يعيشون اليوم -نفسيا
стр. 488
وشعوريًّا- في برزخ الطورين: طور الانتماءات التقليدية المنحدرة من الأطوار السابقة، وطور الانتماء الإنساني الجديد الذي تفرضه أحوال الطور الجديد وعلاقاته ونشاطاته. ولعل وقوف البشرية كلها في برزخ الطورين هو الذي يضع المجموعات البشرية المعاصرة في دوامة التذبذب، والسلوك المتناقض بين التواصل، والتنابذ في جميع سياساتها ومظاهر حياتها.
ففي الوقت الذي تتوالى فيه مجموعة من الظواهر الجديدة الكاسحة التي تدفع العالم إلى طور الوحدة الإنسانية كالتفاعل الثقافي الذي يتضاعف يوميا بسبب نشاطات المؤسسات، والجمعيات العلمية والتربوية، ودور النشر في العالم كله، والتفاعل الاجتماعي الذي تتضاعف نسبته بسبب المواصلات العالمية والهجرات العالمية للعمل والدراسة، والإقامة والزواج العالمي بين الأجناس، وتشابك الاقتصاد العالمي. فإن هناك حواجز كبيرة من تراث الماضي، والرواسب التاريخية التي تضع العثرات في طريق المسيرة العالمية نحو الوحدة، ويمثل هذه الرواسب الأفكار العنصرية القديمة، والفلسفات والقيم الطبقية والتاريخ الملطخ بالأحقاد، والنعرات العصبية.
ويزيد في مضاعفات هذه السلبيات التاريخية، والاجتماعية الفجوة الواسعة بين الفكر والسياسة في العالم المعاصر. ففي حين ينزوي الفكر ليجتر مثله، وقيمه في الجامعات ومعاهد البحث، فإن السياسة تشكل الواقع القائم طبقا للاتجاهات المقولبة في قوالب الأيدولوجيات القديمة، والمصالح الموقوتة الضيقة.
ولقد أحس بهذه الظاهرة نفر غير قليل من رجال الفكر والتربية في العالم المعاصر. من ذلك ما يقوله البروفسور جيمس بيكر:
"لقد توحد العالم إلى درجة كبيرة من الناحية الجغرافية والتكنولوجية والاقتصادية. ومع ذلك فليس لدى الإنسان خطط، ولا تصور ولا مؤسسة للحفاظ على هذه الوحدة الأساسية ودعمها. فما زالت عادات الإنسان وأفكاره، وممارساته تصطدم مع المقومات الأساسية لوجوده، وما زالت
стр. 489
غرائزه وولاءاته ذات صبغة قبلية بالرغم من التطور الذي مر به خلال مئات الآلاف من السنين"١.
ويستعرض صاحبا كتاب -التواصل العالمي Global Reach- مظاهر النشاطات الاقتصادية التي تجعل الوحدة بين أقطار الكرة الأرضية حقيقة ملموسة في الميدان الاقتصادية بينما تعمل نزعات السياسيين المتخلفة، وشعارتهم وممارساتهم المتناقضة على دفع العالم في دوامة التناقض والصراع٢.
كذلك انتقد هذا التناقض العالم الأمريكي -رينيه دوبوا- بقوله:
"إن مصطلحات -العالم الواحد- و -الأخوة الإنسانية- تتردد بشكل لا يتناهى في المحادثات والمحاضرات السياسية، في الوقت الذي يطفح العالم بالحروب السياسية، والاضطرابات العنصرية"٣.
ويعالج هذه الظاهرة -المؤرخ البريطاني توينبي- بروح أكثر متفائلة، فيذكر إن الوحدة العالمية قادمة لا محالة، وإن الحضارة مقدمة للديانة، كما كانت الحضارة الرومانية مقدمة للمسيحية التي وجدت في طرق المواصلات الشهيرة التي بناها الرومان، والأمن الذي أشاعوه على جوانب هذه الطرق وسائل سهلت تنقل دعاتها الذين نشروها في مناطق تلك الحضارة.
ويضيف توينبي بما يشبه التلميح إن هذا التقدم التكنولوجي الحاضر الذي أنجزه ورثة الرومان من الغربيين المعاصرين ينتظر ذلك الشرقي القادم ليزين جبين هذا التقدم التكنولوجي بعنصر العقيدة، والروح مثلما زين أسلافه الحضارة الرومانية. ويضيف توينبي أيضًا إن العالم أحوج ما يكون اليوم إلى
стр. 490
فضائل الإسلام خاصة تلك الأخلاق التي تساوي البشر وتحارب المخدرات.
السبب الثاني، لضرورة الطابع العالمي للبشرية المعاصرة هو إن العلم قد كشف عن أصول هذه الوحدة العالمية، وأبرز الحاجة إليها كعامل أساسي من متطلبات استمرار الحياة على الأرض، وتجنب الكوارث المدمرة. وكشف خطأ الفرضيات والفلسفات العنصرية التي قسمت بني البشر إلى مجموعات تتفاوت في الأصل، والمقومات الأسياسية للوجود الإنساني. والأبحاث في ذلك كثيرة جدا، منها ما انتهى إليه -إيرك فروم- حين قال:
"إن الفروق في الذكاء والعقليات والمعارف كلها قابلة للإهمال إذا قورنت بهوية الإنسان وجوهره. ولاكتشاف هذه الهوية يجب تخطي ظاهر الإنسان إلى فطرته وجوهره؛ لأن النظر إلى ظاهرة يكشف عن فروق تباعد بين بنيه. ولكن النفاذ إلى جوهره يكشف لنا حقيقة الأخوة التي تجمع بين البشر"١.
والسبب الثالث، الذي يجعل الوحدة العالمية ضرورة مباشرة هو الطابع العالمي للمشكلات والقضايا التي يواجهها العالم المعاصر. فتلوث الماء والهواء، والحاجة إلى زيادة الغذاء، وأزمات الصناعة والتضخم المائي، وسباق التسلح، والقرارات المتعلقة بالتنمية القومية كلها أصبحت تتخطى الحدود القومية، وتستدعي تكاتف الجهود العالمية.
стр. 491
الفصل الحادي والثلاثون: الوحدة الإنسانية ومفاهيم التربية الدولية المعاصرة
الاتجاه الأول: المدرسة المثالية idealistic
...
الفصل الحاديث والثلاثون: الوحدة الإنسانية، ومفاهيم التربية الدولية المعاصرة
بدأ رجال التربية منذ أوائل الستينات بالحديث عما يعرف بـ"التربية الدولية"، ثم تزايدت الدعوة إلى تحقيق هذه العالمية التربوية من خلال مؤسسات التربية الدولية -وخاصة اليونسكو- وفي المؤتمرات التربوية ذات الطابع العالمي.
ولقد اتخذت الدعوة إلى -عالمية التربية- اتجاهين رئيسين هما: اتجاه المدرسة المثالية، واتجاه المدرسة الواقعية. وفيما يلي عرض مفصل لكل من الاتجاهين المذكورين.
أ- الاتجاه الأول: المدرسة المثالية Idealistic:
أطلقنا هذا الاسم على هذا الاتجاه؛ لأن الممثلين له مجموعة من المثاليين الذين يريدون -من خلال التربية- بناء عالم مثالي خال من نوازع الشر والأنانية، ومفعم بدوافع الخير والإثرة والتضحية. ولقد اتخذ هذا الاتجاه -أيضا- شكلين رئيسين: الشكل الأول مثله أفراد من المفكرين المتناثرين هنا وهناك، والشكل الثاني تمثل بمؤسسة اليونسكو الدولية.
ويمكن أن نختار -كمثال للشكل الأول- نفرًا من التربويين الذين أسهموا في بلورة هذا الشكل منهم المربي الأمريكي -جيمس يبكر James Becker- الذي شارك لسنوات طويلة بنشاطات اليونسكو، وأسهم في بلورة منطلقات التربوية الدولية، وعمل خبيرًا للمنظمات التربوية في الولايات المتحدة.
وفي البحث المشترك الذي قدمه -بيكر- بالاشتراك مع -لي
стр. 492
أندرسون Lee Anderson لخص الباحثان الأفكار الرئيسية لفكرة التربية الدولية وبواعثها ومبرراتها. ومما جاء فيه:
"لقد رأى الإنسان عالمه -عالم الأرض- من مدار القمر بصورة تختلف تمامًا عن الصورة التي ألفها، وهو يجلس على الأرض نفسها. لقد رأى كوكبا هشا غير صلب، عالم ثمين جدا يوفر أسباب الحياة وسط ملايين الأميال من البرودة والفراغ. وبذلك استيقن الإنسان إن مصادر الحياة -من الهواء والماء والتراب والمعادن- هي مصادر محدودة قابلة للنفاذ السريع، وإن الصراعات التي تجري على هذه الأرض صراعات تافهة إذا قورنت بوحدة بني الإنسان، ومصلحتهم المشتركة في البقاء.
ولقد قاده هذا التفكير إلى فكرة أخرى مرعبة، وهي ماذا سيكون عليه مصير الإنسان إذا لم يتعلم أن يتعايش مع هذه الحقائق الجديدة عن وحدة الأرض، وتفردها إن المدارس نادرا ما تغرس في وجدان الطلبة الإحساس بوحدة الكرة الأرضية، وما تقدمه التربية عن العالم لا يزيد عن مجموعة من قطع المعلومات المبعثرة، حيث تقدم مقررا عن الشرق الأدنى، ومقررا عن أمريكا الجنوبية، ومقررا عن الولايات المتحدة، ودرسا عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ودرسا عن الشيوعية، ودرسا عن العلاقات الدولية، ودرسا عن الثقافات الإنسانية، ودرسا عن التفكير الناقد. يرافق ذلك الصورة القديمة التي تقدمها الخرائط السياسية عن إن العالم يتكون من "١٣٠" قطعة من العقارات الأرضية.
فالتربية الدولية ما زالت صورة باهتة غامضة الأهداف مفككة المناهج والمدارس القائمة هي مؤسسات فاشلة عاجزة عن تربية الأطفال، والشباب وإعدادهم ليعيشوا في عالم اليوم، وعالم المستقبل"١.
стр. 493
كذلك ناقش -جيمس بيكر- أهمية التربية الدولية بتفضيل أكثر في كتابه "تربية لمجتمع عالمي موحد"١، فذكر إن هناك مجموعة من العوامل المستجدة التي تجعل وحدة الكرة الأرضية ضرورة ملحة، وحاجة من حاجات الحياة إذا أريد للحياة على الأرض أن تستمر وتبقى.
ومن هذه المستجدات: ثورة الاتصالات وتقلص المسافات، والانفجار السكاني في العالم، ومشكلات الطاقة، وظهور ثقافة عالمية مشتركة، وتبادل الاعتماد التاري والاقتصادي، وأخطار تلوث الماء والهواء والمحيطات، واستمرار أخطار التسلح والحروب. بالإضافة إلى ما تسببت به هذه المستجدات الجديدة من تغييرات في زيادة الإنتاج والاستهلاك، وتعرية سطح التربة، واستنزاف مصادر الوقود والمعادن والمواد الأخرى، وتلوث العناصر الضرورية لحياة الإنسان وصحته، وزيادة قدرة الإنسان على السلب والنهب، وتفوقه على بقية الكائنات الموجودة في التخريب، وزيادة تعرض المجتمعات لخطر الدمار والانحلال.
ولقد أثرت هذه التغييرات كلها في التركيب السياسي القائم في المجتمعات المعاصرة. فتضاعفت القدرات الحربية في الوقت الذي لم تتقدم الثقافة والقيم. وظل الجوع والمرض يشكلان القاسم المشترك بين غالبية السكان بينما يتربع على قمة المجتمع قلة من النخبة التي تملك كل شيء وتتمتع بكل شيء.
فإذا قارنا هذا الوقع الخطير بالصورة التي نقلها رواد الفضاء عن الكرة الأرضية الخضراء الهشة، السابحة في الفضاء فسوف نعي المخاطر التي تتهدد سلامة الإنسان، وسوف ندرك الحاجة إلى نظم تربوية تقدم العالم كله وحدة واحدة، وليس مجرد مجموعة من المناطق المتباعدة المعزولة.
стр. 494
ولكن هناك مجموعة من العقبات التي تقف سدًّا أمام إخراج هذا النوع من التربية العالمية الموحدة. وأخطر هذه العقبات -في رأي جيمس بيكر- هي العنصريات والقوميات القائمة. فالناس حين يولدون فهم يولدون بجنسية واحدة وانتماء واحد هو -أمة الإنسان- ولكنهم بعد الميلاد تلتهمهم التكتلات الإقليمية، والعرقية التي تمزق الانتماء الإنساني وتفسده، وتمنع تسوية المشكلات بالوسائل السلمية بين جماعات البشر.
واليوم تعيش الدول القومية مجموعة من التناقضات الخطيرة المدمرة.
وأول هذه التناقضات إن أيا من هذه الدول لا تملك ضمانات الأمن لمواطنيها وسلامتهم، وازدهارهم بمعزل عن بقية الأمم ومع ذلك فهي لا تتوقف عن إثارة المشكلات، والنفخ في الخلافات وإشعالها.
وثاني هذه التناقضات إن قادة هذه الدول يمارسون عددا من الألاعيب، والمناورات مع الأنداد والخصوم تحت ستار الأمن والقومي، والنفوذ، والمكانة الدولية في الوقت الذي ينادون بتسنيق المصالح الإنسانية المشتركة، وتوازن المدفوعات، وتسهيل التجارة الدولية، وحرية الملاحة في المحيطات، والتعاون لحفظ بيئة الكرة الأرضية من التلوث.
وثالث هذه التناقضات إن قادة الدول القومية يلعبون مع مواطني بلادهم مجموعة أخرى من الألاعيب السياسية، حيث يضيقون عليهم معيشتهم باسم الأمن الاجتماعي، وفرض الضرائب، والصالح العام، بينما يعدونهم بتوفير فرص التعليم، وتوفير الإسكان، والصحة العامة.
ورابع هذه التناقضات إن الحكومات القومية تنشر القوات البحرية في ما وراء البحار، وتطور الأسلحة، وتذكي التسابق في التسلح وحملات الفضاء، وإنفاق الملايين في السياسات الخارجية، في الوقت الذي تقصر في نفقات التربية والصحة العامة، والإسكان وأمثالها.
стр. 495
ولقد زادت حدة هذه التناقضات والضغوط الناتجة عنها بسبب الوعي السياسي المتزايد، وانشار فاعليته بين الطبقات المحرومة.
ولكن أخطر هذه التناقضات -في رأي جيمس بيكر- هو فشل الحكومات الإقليمية، والقومية المعاصرة في إدارك التناقض بين سياساتهم المحلية الإقليمية وبين الضرورات العالمية. فالحكومات القويمة -منذ مائتي عام- تمارس سلطة مطلقة وتنفرد في تقرير المصائر على حساب الواجب الملح في تحقيق التعاون بين شعوب العالم. وما زالت التربية تصيغ الناشئة صياغة قومية، وتضعهم في خدمة التسلط الطبقي، والقومي مع إن تطور الحياة يسير في اتجاه معاكس ويتطلب آفاقا أرحب من التسامح، والتعاون لمساعدة بني الإنسان على التحرر من نزعاتهم العدوانية التي يمارسونها تحت عناوين الصالح العام والأمن القومي.
ويزيد في الحاجة إلى التربية الدولية أن التطور الثقافي في العالم يسير في اتجاه يعزز أهداف هذه التربية وتوجهاتها، ويمهد لبدء حضارة عالمية واحدة أساسها المعارف العلمية، والتكنولوجية المشتركة، والتطلعات المشتركة، والمصير المشترك، والجهود المشتركة لمواجهة المشكلات القائمة، وتخطي الحدود القائمة في السياسة والثقافة والاجتماع. ويعزز ذلك انهيار الحواجز الجغرافية والثقافية وظهور المدن الكبرى التي تعيش فيها مجموعات تمثل العالم كله مثل نيويورك ولندن، وطوكيو بالرغم من التناقضات التي تسببها الحكومات القومية، والعرقيات القائمة في العالم. ويعزز هذه الوحدة الظواهر العالمية والمشاركات والممارسات العالمية كالشركات الاقتصادية العالمية، ودراسات السلام العالمي والتخطيط المشترك لمستقبل العالم.
ويخلص -بيكر- من استعراضه هذا إلى القول إنه آن الأوان أن يدرك الناس أن البشري يعشون في كوكب واحد -أو بلد واحد- بين كواكب أخرى لا حياة فيها، وأنهم يواجهون مشتركة واحدة، وإنهم ما لم