نشير أخيرا إلى ما يقال أحيانا من أن الفرضيات ليست ضرورية للبحث وأنها تحد من خيال الباحث، وأن عمل الباحث العلمي أن يجد المجهول وليس أن يوضح المعلوم، وغير ذلك من الأقوال، إن هذه الأقوال تشير إلى جهل الباحث بمهمة الفرضية وتسبب ضياعه، لأن الفرضية أقوى أداة توصل إلى العلم، فمن عمل الباحث أن يشك في جميع التفسيرات التي تقدم إليه، وهو يصر على إخضاع التفسيرات للتجريب، ومن أجل ذلك لا بد له من صياغة تفسيرات قابلة للاختبار والتجريب، والواقع أن هذه التفسيرات هي الفرضيات، والحق أن العالم لا يفعل أكثر من صياغة فرضيات من الحوادث وأسبابها ونتائجها ويخضعها فيما بعد لمزيد من الملاحظة والتجريب والاختبار، وإذا لم يتمكن الباحث من أن يضع التفسير في صيغة قابلة للاختبار الفعلي التجريبي، فإن تفسيره يكون ميقافيزيقيا وليس علميا، وسوء ثبتت صحة الفرضية أو لم تثبت فإنه من الصعب تصور حدوث أي تقدم على الإطلاق بدون فرضيات فهي أقوى أداة أوجدها الإنسان للتوصل إلى العلم الذي يمكن الاعتماد عليه١.
стр. 107
المبحث الثالث: الملاحظة، والحقيقية، والنظرية
...
المبحث الثالث: الملاحظة، والحقيقة، والنظرية
- الملاحظة:
هي "انتباه مقصود ومنظم ومضبوط للظاهرات أو الحوادث أو الأمور بغية اكتشاف أسبابها وقوانينها" وهي الخطوة الأولى في البحث العلمي ومن أهم خطواته، يقوم الباحث فيها في جميع مراحل البحث تسبق الافتراض وترافقه وتلحق به وتقود الباحث إلى صياغة الفرضيات والنظريات.
تبدأ الطريقة العلمية وفق خطتها المألوف بالملاحظات وقد تكفي الملاحظة الدقيقة.
أحيانا بحيث يستغني الباحث عن التجريب، بل إن التجريب وهو جوهر البحث قد يعتبر ملاحظة في ظروف محددة مخططة، والملاحظة قد تكون عفوية لكن الملاحظة العلمية قلما تكون كذلك، فهي ليست عملا بسيطا، تتطلب تخطيطا ذكيا واعيا، وأحيانا استخداما لوسائل وأدوات، ويتم بعضها بوساطة الحواس فقط.
يعتمد الأسلوب الكيفي في البحث على الملاحظة بنوعيها الحسية والعقلية، تعتمد الأولى في التعرف على ما يجري في الحياة اليومية، وتكون نتائجها مسجلة، أما الملاحظة العقلية فإنها تعتمد على قواعد التفكير العلمي وتمكن من استنباط الفروض واستقراء النظريات واستخراج القوانين، وكذلك التحقق من مدى استنباط الفروض واستقراء النظريات واستخراج القوانين، وكذلك التحقق من مدى صحتها أو خطئها، وهذا النوع من الملاحظة يفيد في مسح العلاقات بين الوقائع في مجملها وتفاصيلها، والربط بين الطرد أو المتشابه منها، والتعرف الحدسي على الأسباب والكشف الاستبصاري عن كنه الأمور مما يتبدى من مجرياتها.
جدير بالذكر أنه كلما كانت الملاحظة منظمة ومخططا لها كانت أكثر فائدة في تمكن الباحث من التعمق والغوص على المعاني، ومعرفة المختلف والانتباه للمستجدات والاعتبار للاستنباط والاستقراء والمعنى الدقيق للملاحظة المشاركة، ففي البحوث الاجتماعية مثلا تجري المشاركة مع المبحوثين في حياتهم اليومية والتجارب الجارية، السابقة للملاحظة والممهدة لها والمؤثرة فيها، وبذلك يستطيع الباحث أن يحلل ما يجري حوله ويفسره ويقف على الأسباب السابقة والحالية وتلك القريبة، أي أن مسلك الباحث مسلكا تحليليا كيفيا وتفسيره تفسيرا منطقيا، بحيث تبرز قيمة مرحلة الاطلاع الواسع والمتشعب واستقصاء مختلف ألوان المعرفة والبيانات والمعلومات من مصادرها، وكلما كان عمله منظما كان تحليله وتفسيره مثمرا، هذا وللملاحظة العلمية شروط:
١- أن تكون منظمة.
٢- أن تكون موضوعية.
стр. 108
٣- أن تكون دقيقة كما وكيفا.
٤- أن يكون الملاحظ مؤهلا للملاحظة ومدربا وفي وضع مادي "جسدي" ومعنوي "نفسي" يمكنه من الملاحظة.
٥- أن تسجل الأمور الملاحظة بسرعة، حتى لا يحورها النسيان.
٦- أن يوضع للملاحظة خطة علمية مرنة.
أما أنواع الملاحظة فهي:
١- الملاحظة العفوية البسيطة.
٢- الملاحظة المقصودة والمضبوطة والمنظمة.
٣- الملاحظة الفردية والملاحظة الجماعية.
٤- الملاحظة في الطبيعة وتستعمل في العلوم الطبيعية وفي العلوم السلوكية.
٥- الملاحظة في المخبر.
٦ الملاحظة في العيادة.
هذا وقد يخطئ الباحث في ملاحظاته، إما لأسباب نفسية أو شخصية، ويؤثر ذلك على تفسير الملاحظة، واستقرائها والربط بينها، وتبين علاقاتها المتبادلة، لهذا تفرق بعض البحوث العلمية بين الملاحظ والمفسر، وبشكل عام تكون الملاحظة الدقيقة نتيجة للممارسة والتدريب، ونتيجة لتوافر صفات في الملاحظ: الانتباه والاهتمام والموضوعية، والإحساس والاستعانة ببعض الأدوات حين اللزوم.
- الحقيقة:
الحقيقة حدث أو واقعة أو خبرة أو تغيير تتصف بقدر كبير من الثبات، ويؤيد وجودها أدلة صادقة يمكن حصرها في بحث معين، إن غاية البحث من الملاحظة هي الوصول إلى
стр. 109
الوقائع أو الحقائق، والعالم أقل قطعا بالنسبة إلى الحقائق، وأكثر شكا في الوقائع، يخضعها جميعها للبحث والتمحيص، ويقف منها موقف الناقد لتحقيقها.
تختلف إمكانية الوصول إلى الحقيقة من حال إلى حال، ومن بحث لآخر، فثمة حقائق شخصية "خاصة" تكمن في أعماق الفرد ولا يستطيع الإنسان الآخر الوصول إليها بسهولة، أو بصورة تامة، وإن كانت حقائق واقعة وبالنسبة لصاحبها "الآمال" وبدهي أن سلوك الفرد كثيرا ما يوحي بآماله، وأمانيه ويعبر عن مخاوفه وأسباب قلقه، وبهدف التوصل إلى مثل هذه الحقائق لا بد من فحص وتمحيص قد يكونا ممزوجين بالظن والتخمين.
نذكر هنا الملاحظة الشخصية وهي الاستبطان "Introspection"، وهي ملاحظة الإنسان لذاته ونظره في خبراته ووصفه لها وتعبيره عنها، وبما أن العلم موضوعي لهذا لا يمكن الاعتماد على الاستبطان من قبل المراقب الخارجي لاختلاف الملاحظة الشخصية بين الأشخاص "الخوف" وفي العلوم السلوكية يغلب العنصر الشخصي على العنصر الموضوعي عكس العلوم الطبيعية، لهذا يسعى علماء العلوم السلوكية لجعل علومهم تجريبية إحصائية كمية، ولقد فرق دالين بين مستويات ثلاثة للحقائق هي:
١- مستوى الحقائق التي يكون الإنسان فيها واعيا لها عن طريق الخبرة الحسية المباشرة، وهي ليست إلا إحساسات، هي خبرات خام، تدرك مباشرة والإحساس بداية الإدراك، وهذا بدوره تفسير الإحساس.
٢- مستوى الحقائق التي يتعرف عليها الباحث، بوساطة وصفه خبراته المباشرة وتفسيرها، حيث يفسر المحس إحساساته في ضوء خبراته الماضية ومعارفه ليحصل على حقائق.
٣- مستوى الحقائق التي يتعرف عليها الباحث بوساطة قيامه بالاستقراء والاستنتاج، وعمليتي التجريب والتعميم، وهنا يعمل الباحث عقله، ويستخدم عمليتي التجريد
стр. 110
والتعميم، ويقوم بفاعلتي الاستقراء والاستنتاج، وحيثما أمكن يلجأ إلى التجريب فيصل إلى الحقائق الموضوعية، وهكذا تأكد الإنسان أن الأرض كرية.
هذا وإن المستويات الثلاثة متكاملة متواصلة، فبدون إحساس لا نصل إلى الحقائق، وبدون إدراك وتفسير لا نصل إلى الحقائق وبدون استدلال لا نصل إلى الحقائق١.
- النظرية:
تعرف النظرية بأنها: "كل مجرد من المفاهيم يتحد في سياق منطقي تقوم عليه معرفة علمية للظاهرات"٢ والمقصود من النظرية في البحث العلمي: توضيح العلاقة بين السبب والأثر "Cause effectrelationship" بين المتغيرات، بهدف الشرح أو التنبؤ بظاهرات معينة، وبتعبير أوضح: النظرة أفكار مرتبطة ومنظمة تساعدنا على تفسير مجموعة من الظاهرات المعروفة أو المرصودة وتصلح أن تكون أساسا للتوقع أو التنبؤ٣.
إن الباحث الذي يلاحظ والذي يجمع الحقائق ينتهي إلى "نظرية" تنظيم الحقائق، وتربط بين الوقائع، وتعطي تعليلا أوليا يسميه العلماء "فرضية" يجربونها" فإن ثبتت صحتها قبلت وأصبحت "قانونا" أو "حقيقة عامة" على الأقل، وإلا رفضت وعمد إلى "نظرية" أو "فرضية" أخرى حيث يعيد الباحث الكرة من التجريب والتمحيص والبحث، ومن العسير أن نرسم خطا فاصلا بين كل من الفرض والنظرية، والفرق بينهما هو في الدرجة لا في النوع، فالنظرية في مراحلها الأولى تسمى "الفرض" وعند اختبار الفرض بمزيد من الحقائق بحيث يتلاءم الفرض معها، فإن هذا الفرض يصبح نظرية.
ينتهي الباحث الذي يجمع ويلاحظ الحقائق إلى فرضية أو نظرية مؤقتة "Provisional Theory" قد تشمل شرحا وتفسيرا فإن كان خطأ تعاد الكرة من جديد من التجريب والتمحيص، وإن صحت فإنها تستمر، وقد تستمر النظرية لفترة طويلة من الزمن، حتى تكتشف طرق أخرى للبحث تؤدي إلى اكتشاف حقائق جديدة تطور الفرضية أو النظرية المؤقتة التي وضعت من قبل الباحث. ويمكننا تشبيه ذلك بنظرية "بطليموس" ومن بعده نظرية "كوبرنيكوس".
стр. 111
المبحث الرابع: البناءات والمتحولات
يعمل العلماء على مستويين: مستوى النظرية والفرضية ومستوى الملاحظة، ويتراوح العلماء بين هذين المستويين، فالعالم حينما يصوغ مقولات ربطية ويستعمل المفاهيم والبناءات فإنه يعمل في مستوى النظرية والفرضية والبناء، وحينما يجمع المعلومات التي تمكنه من اختبار فرضية ينتقل من مستوى البناء إلى مستوى الملاحظة، كقوله: "عدم هطول الأمطار بسبب تدهورا في الثروة المائية" فالهطول والتدهور مفهومان تربط بينهما كلمة يسبب، وعلى الباحث أن يعرف هذين البناءين بشكل يجعل الملاحظة ممكنة.
يتشابه المصطلحان "مفهوم" و"بناء" بمعناهما، رغم ذلك نميز بينهما، فالمفهوم يعبر عن تجريد حصل نتيجة تعميم من الحالات الخاصة: الوزن مفهوم يعبر عن ملاحظات عديدة تناولت أشياء خفيفة أو ثقيلة، كذلك الكتلة والقوة والطاقة يستعملها علماء الطبيعة، وهي أقل تجريدا من مفاهيم الطول والوزن والارتفاع وأمثالها، وفي العلوم التربوية يعني طالبها بمفهوم "الإنجاز" وهو تجريد كون بعد ملاحظة عدد من أنواع السلوك كذلك الذكاء والشرف و ...
- البناء "Constrict": مفهوم، لكن له معنى إضافيا حينما يتبنى غرضا علميا معينا، فالذكاء مفهوم، أما حينما يكون بناء، فإنه يعني شيئا يزيد أو ينقص عن مفهوم
стр. 112
الذكاء، فالإنجاز المدرسي هو وظيفة من وظائف الذكاء، وهو "الذكاء" محدد ومعرف بطريقة يمكن ملاحظته وقياسه.
- المتحولات: وهي البناءات والخصائص التي يدرسها العلماء أمثال الدخل، الطبقات الاجتماعية الذكاء، الإنجاز. فالمتحول هو خاصية تكون لها قيم مختلفة، أو المتحول أمر يتحول والتعريف الدقيق لمصطلح متحول هو: رمز يمكن أن تنسب له قيم، وقد يكون للمتحول قيمة أو أكثر فالجنس متحول له قيمتان، والدين متعدد المتحولات "Polytomies"، ومن الشائع في العلوم السلوكية وبحوثها تحويل المتحولات المستمرة إلى متحولات ثنائية أو متعددة، وهكذا فالذكاء وهو متحول يقسم إلى ذكاء عال وآخر متوسط وثالث منخفض، والحرارة قد تكون عالية أو متوسطة أو منخفضة، ولكن بعض المتحولات يستحيل تحويلها إلى متحولات مستمرة مثل الجنس.
ميزنا بين المفهوم والبناء، ونميز الآن بين البناء والمتحول: نعرف الكلمات أو البناءات بطريقتين عامتين: أولهما تعريف بكلمات أخرى وهذا ما تفعله المعاجم وثانيهما أن نعرف كلمة بالدلالة على الأعمال أو أنواع السلوك التي تعبر عنها أو تشتمل عليها، وهكذا بدلا من قولنا: إن الذكاء هو القدرة على التفكير المجرد، نقول: من يستطيع فهم هذا الموضوع هو من مستوى ذكي، ولكن في كلامنا هذا عدم دقة رغم أننا نلجأ إلى الطريقتين لهذا نورد تفريقا بين التعريفات التكوينية "Constitutive" والتعريفات الإجرائية "Operational".
التعريف التكويني: يعرف البناء ببناءات أخرى مثلا نعرف الوزن بأنه ثقل الأشياء أي عرفنا مفهوما بمفهوم آخر أما التعريف الإجرائي: فيحدد معنى البناء أو المتحول بوساطة تعيين الفعاليات أو الإجراءات الضرورية لقياسه، وهو بمعنى آخر نوع من دفتر التعليمات الذي يعطي للباحث يحدد فيه الفعل والطريقة، أي أنه يحدد المتحول أو يعرفه عن طريق الإشارة إلى ما يجب على الباحث عمله من أجل قياسه. وهناك نوعان من
стр. 113
التعريفات الإجرائية:
١- المقيس.
٢- التجريبي.
فالأول يصف كمية قياس متحول ما، مثلا نعرف الإنجاز بوساطة قياس المنجزات كما، أما التعريف الإجرائي التجريبي فيذكر تفاصيل العمليات "الإجراءات" التي يقوم بها الباحث في تقليبه وتعامله مع المتحول، والباحثون العلميون يواجهون ضرورة قياس المتحولات في العلاقات التي يدرسونها ففي بعض الأحيان يكون القياس سهلا وفي بعضها الآخر يكون عسيرا فقياس الطبقة الاجتماعية أمر سهل ولكن قياس الإبداع أمر صعب.
التعريفات الإجرائية أمور لا يستغنى عنها في البحث العلمي، لأنها تمكن الباحثين من قياس المتحولات، وهي جسور تصل بين مستوى "النظرية والفرضية والبناء" ومستوى "الملاحظة" فمن غير الممكن وجود بحث علمي دون ملاحظة، والملاحظة بدورها مستحيلة بدون تعليمات واضحة محددة عما يجب ملاحظته وكيفية ملاحظته، وما التعريفات الإجرائية إلا هذه التعليمات ورغم أهمية هذه التعريفات إلا أنها لا تقدم إلا معاني محدودة للبناءات وبالتالي فإن المتحولات التي يقوم العلماء بقياسها هي دوما محدودة المعنى ومخصصة، فالإبداع الذي يدرسه علماء النفس ليس هو الإبداع الذي يشير إليه القانون، بالرغم من وجود عناصر مشتركة بينهما. هذا وإن الإصرار على أن كل مصطلح نستعمله في حوارنا العلمي يجب أن يعرف إجرائيا فيه تضييق شديد وتحديد أشد وهو بالتالي غير مفيد علميا.
يمكن تصنيف المتحولات تصنيفات عديدة:
١- المتحولات الحرة والمتحولات التابعة: وهي أهم طرائق تصنيف المتحولات وأكثرها فائدة لسهولة تطبيقها وبساطتها وأهميتها في تجديد البحث وعرضه فالمتحول الحر هو السبب المفترض للمتحول التابع الذي يعتبر النتيجة المفترضة له، والمصطلحان مستعاران من الرياضيات، وفي التجارب العلمية يكون المتحول الحر هو المتحول الذي يحوله المجرب، والمتحول التابع هو المتحول الذي ينشأ به في حين أن المتحول الحر هو
стр. 114
المتحول الذي يتنبأ منه، والعلاقة بين المتحول الحر والمتحول التابع تتضح أكثر إذا رسمنا محورين بزاوية قائمة بينهما يمثل الواحد منهما محور السينات وآخر محور العينات وللرياضيات في هذا الصدد طرائق معروفة لا مجال لذكرها.
٢- المتحولات الفعالة والمتحولات المنسوبة: من التصنيفات المفيدة في البحث العلمي تصنيف يقوم على التمييز بين المتحولات التجريبية والمتحولات المقيسة، والمهم في تخطيط البحوث وتنفيذها أن نميز بين هذين النوعين من المتحولات، إن المتحولات التي نجرب فيها ونغير ونبدل تسمى متحولات "فعالة" أما المتحولات المقيسة فتسمى "منسوبة"، وهكذا كل متحول منسوب، وجدير بالذكر أن بعض "المتحولات" صعب تحويلها، ولذلك فهي منسوبة مثل الذكاء والجنس وصفات الطبع، والتفريق بين المتحولات الفعالة والمتحولات المنسوبة مفيد وعام ومرن، وبعض المتحولات لا تكون إلا منسوبة، في حين أن بعضها الآخر يكون حينا منسوبا وحينا آخر فعالا مثال ذلك القلق.
٣- المتحولات المستمرة والمتحولات الرمزية: من المفيد في تخطيط البحث وتحليل المعلومات التمييز بين المتحولات المستمرة والمتحولات الرمزية، فالمتحول المستمر قادر على أن يتخذ مجموعة مستمرة من القيم وفق معيار معين. أما المتحولات الرمزية فهي تنتمي إلى نوع من القياس يسمى قياسا اسميا مثلا الفرد ذكر أو أنثى، وقد يكون هناك قياسا أكثر من صفتين تنتسب إلى واحدة منهما، وقد اصطلح البعض مصطلح "المتحولات الكيفية" بدلا من "المتحولات الرمزية" لا سيما بالنسبة للمتحولات الثنائية، وذلك تمييزا لها عن "المتحولات الكمية" أو "المتحولات المستمرة" والتي هي ذات صفة كمية عددية.
إن الفرق بين البناءات والمتحولات أن البناءات ليست ملحوظة، بينما المتحولات حين
стр. 115
تعرف إجرائيا تكون ملحوظة، ولقد سميت البناءات بالمتحولات المتدخلة "Intervening varibles" وهي لا ترى ولا تسمع ولا يحس بها، وإنما تستخلص من السلوك، مثال ذلك التعلم يستخلص من روائز الإنجاز، والقلق يستخلص من ضربات القلب ... العالم حينما يستعمل مثل هذه المصطلحات ينتبه إلى أنه يتكلم عن بناءات اخترعها واستخلص واقعيتها من السلوك١.
стр. 116
الباب الثاني: مناهج البحث العلمي
الفصل الرابع: المناهج
المبحث الأول: تعريف بالمصطلحات:
هناك ثلاثة مصطلحات منهجية ترد في بحوث الباحثين وهي: النهج، والمنهاج، والمنهج، لكل منها استخداما خاصا يعين في توضيح جانب أساسي هام من تصميم البحوث، فالنهج لغة الطريق المستقيم الواضح، والمنهاج هو الخطة المرسومة، والمنهج هو الطريق البين إلى الحق في أيسر سبله١ وقد وردت في القرآن الكريم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٥/ ٤٨] والمنهاج هنا يعني الطريق المحدد الواضح لمعرفة دين الله.
وبهدف التوضيح نميز بين هذه المصطلحات بالمثال الآتي: في البحث العلمي هناك نهج فكري يتمكن الباحثون بوساطته من الكشف عن الحقائق باتباع منهاج مرسوم، يستخدم فيه أكثر من منهج علمي، وتعتمد المناهج على طرائق خاصة للتقصي لتمكن من تحقيق الهدف من البحث وفق التصميم العلمي الذي وضع له، يعين في توضيح جانب أساسي هام من تصميم البحوث.
والذي أوقع المؤلفين العرب في عدم الوضوح والخلط، نقلهم مما كتب في هذا
стр. 117
الموضوع باللغات الأوروبية، التي ليس فيها إلا مادة لغوية واحدة وهي "Method" التي تكتب بأشكال متقاربة في هذه اللغات على اختلافها، وذلك لأن أصل الكلمة مأخوذ من الكلمة اللاتينية "Methodus"، المأخوذة بدورها عن اليونانية، وقد استعملها أفلاطون بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، بينما استعملها أرسطو بمعنى بحث، أما الكلمة في معناها الأصلي فتعني الطريق أو المنهج الذي يؤدي إلى الهدف المقصود، بعد التغلب على عقبات ومصاعب١، ولعدم وجود كلمة أخرى غير كلمة "Method" فقد استعملها علماء المناهج الأوروبيين، لتدل على المنهج وعلى اصطلاحي نهج ومنهاج، كما استعملوها كذلك بمعنى طريقة للبحث، وبمعنى وسيلة لجمع البيانات أيضا كأداة للوسيلة.
هذا ونشير إلى أن لكلمة method"٢" معاني اصطلاحية مختلفة، فهي تعني إجراء أو عملية لإحراز شيء أو لتحقيق هدف، كما تعني إجراء نظاميا تفنينيا٣، وبخاصة في البحث العلمي أو أسلوبا للاستقصاء يصلح للتخصص أو فن بعينه، وتعنى أيضا خطة نظامية لعرض مادة للتعليم أو التوجيه، كما تعني أيضا فرعا من المعرفة أو الدراسة، يتناول مبادئ وتفنينيات التحقيق العلمي، وعلى من يترجم هذه الكلمة إلى اللغة العربية أن ينتقي الكلمات التي تؤدي إلى هذه المعاني المختلفة٤.
لقد تكونت فكرة المنهج "Method" بالمعنى الاصطلاحي المتعارف عليه اليوم ابتداء من القرن "السابع عشر" على يد فرنسيس بيكون "Francis Bacon" "٩٦٩هـ-١٠٣٦هـ"، "١٥٦١م-١٦٢٦م" وبورويال وجون ستيوارت ميل، وديكارت،
стр. 118
وكلود برنارد، وغيرهم من المحدثين: دور كايم، وبرتران رسل، وجون ديوي، ومن العلماء الأمريكيين المعاصرين وليم توماس وستيوارت تشابن، مورينو، وغيرهم من علماء معاصرين أيضا مرموقين بريطانيين وفرنسيين وألمانيين، وأصبح معنى اصطلاح المنهج "الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بوساطة طائفة من القوعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحديد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة"١.
هذا والعلم الذي يبحث في الطرق التي يستخدمها الباحثون لدراسة المشكلة والوصول إلى الحقيقة هو "علم المناهج Methodology" وأصبح هذا العلم مصطلحا يستخدم في استعمالات شتى متباينة من بينها الإشارة إلى الأساليب التي يستخدمها علم من العلوم في جميع البيانات وفي اكتساب المعرفة، على أن المعنى الأساسي الذي ظل يشير إليه المصطلح هو الدراسة التجريدية للأساس المنطقي الذي يقوم عليه العلم بالذات، وهذا الاستعمال يجعل من علم المناهج مساويا لفلسفة العلم، وفي ضوء هذا المعنى فإن المثال الكلاسيكي لعلم المناهج هو كتاب ستيوارت ميل "John Stuart Mill" المنطق "System of Logic" في "١٣١٦هـ/ ١٨٩٨م" وقد نشر ميل في هذا الكتاب أساليب استقصاء الحقائق وتقدير أو تقويم البيانات أو الأدلة، كما يشتمل الكتاب أساليب استقصاء الحقائق وتقدير أو تقويم البيانات أو الأدلة، كما يشتمل الكتاب على مناقشة عدد من الموضوعات كالاستدلال والاستقراء وفكرة قانون الطبيعة وطبيعة العلية "أو السببية" والتجربة وصياغة المفاهيم والتصنيف وما شابه ذلك، وثمة مؤلف أكثر حداثة عن فلسفة العلم هو كتاب ناجل "Nagel. E" المسمى بناء العلم "The structure of Science" صدر في عام "١٣٨١هـ/ ١٩٦١م".
لقد ثارت مشكلة تتعلق بتكوين "علم المناهج" ذاته، وذلك بالنسبة لنصيب العالم المتخصص ونصيب الفيلسوف من هذا التكوين، هل الفيلسوف أم العالم هو الذي يضع القواعد للمناهج العلمية؟ وفي الواقع فإن كلا من الأسلوب الاستقرائي
стр. 119
"Induction" الذي يتبعه العلماء التجريبيون عادة يكمل الأسلوب القياسي، أو المنطقي الذي يميل إليه الفلاسفة، فطريقهما واحد متكامل١.
أشرنا سابقا إلى وجوب اهتمام الجامعات بتربية الكوادر العلمية، ومن هنا أصبحت دراسة مناهج البحث جزءا لا يتجزأ من تربيتهم وبرامج دراستهم، إن أول ما يستهدف إليه الإلمام بمناهج البحث هو مساعدة الدارس على تنمية قدراته على فهم أنواع البحوث والإلمام بالمفاهيم والأسس والأساليب التي يقوم عليها البحث العلمي، ومثل هذه الدراسة لا غنى عنها لطالب الدراسات العليا، بخاصة أنها تساعده على الاختيار السليم لمشكلة معينة لبحثه وتحديدها، وصياغة فروضها واختيار وتحديد النسب والأساليب لدراستها، والتوصل إلى نتائج يوثق بصحتها، وبعبارة أخرى فإن مثل هذه الدراسة تزوده بالمعرفة، والمهارات التي تجعله أكثر قدرة على تصميم خطة بحثه، وحسن تنفيذها وفق منهج البحث العلمي.
كذلك فإن دراسة مناهج البحث تزود الدارس بالخبرات التي تمكنه من القراءة التحليلية النافذة للبحوث وملخصاتها وتقويم نتائجها، أو الحكم على ما إذا كانت الأساليب المستخدمة في هذه البحوث تدفع إلى الثقة بنتائجها ومعدل الاستفادة منها في مجالات التطبيق والعمل، ويزيد من أهمية هذه الوظيفة أن التقدم العلمي في وقتنا الحاضر جعلنا مستهلكين لنتائج البحوث العلمية في عديد من مجالات حياتنا، إن لم يكن في جميع هذه المجالات، ويؤكد هذا أن دراسة مناهج البحث ضرورة لا غنى عنها للباحثين المشتغلين في مجالات البحث العلمي.
ومن ناحية أخرى، فإن الخبرة التي توفرها هذه الدراسة، يحتاج إليها المشتغلون في مهن وأعمال أخرى غير البحث العلمي، فهي ضرورية للعالم والمهندس والطبيب والإداري وغيرهم، تساعدهم على تحقيق فهمٍ أفضل، وتقويم لنتائج بحوثهم العلمية، كما أنها تزيد من قدراتهم على اتخاذ القرارات الحكيمة، إزاء المشكلات والصعوبات التي تواجههم في مجالات عملهم، وسوف نأتي في موضع آخر على المناهج الرئيسية المستخدمة.
стр. 120
المبحث الثاني: الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي
إن تتبع مناهج البحث العلمي من القديم إلى الحديث يجعلنا نقول: إن أول من وضع البحث العلمي وطرق الاستدلال فيه والاستنباط هو أرسطو، وقد سمى منهجه باسم المنطق، إلا أن الطابع التأملي كان غالبا على تفكيره١، وقد تحدث فيه عن الكليات الخمس المعروفة: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض، ومنها تتألف الحدود والتعاريف، وقد لعبت دورا كبيرا في جميع العلوم عند العرب، وإن أصبح العصر الحديث لا يعنى بها، لأنها كثيرا ما تكون مضللة، وخير منها التقسيم الذي يقوم على تحليل ما يراد تعريفه إلى عناصره وجزئياته وأفراده وأصنافه، وأهم من الكليات في منطق أرسطو اهتداؤه في الاستدلال إلى أنه يتألف من قضايا، فهي الوحدات التي يتخلل إليها، وينبغي أن ندرس أشكال وضروب تركيبها، من موجبة كلية وموجبة جزئية، وسالبة كلية وسالبة جزئية، ومن هذه القضايا تتكون مقدمة القياس، بحيث إذا كانت صادقة كان صادقا، وإذا كانت فاسدة فسد بفسادها٢، فإذا قلنا: فلان إنسان وكل إنسان ناطق، تولد من القضية أو ترتب عليهما أن فلانا ناطقا.
اهتم العرب بمنطق أرسطو، أخذوا يترجمونه أولا ثم مضوا يشرحونه ويلخصونه في مصنفات كثيرة، واستلهموا هذا المنطق في وضع علومهم، واهتدى علماؤهم إلى أن القياس الأرسطي قياس رياضي، فهو يبدأ من العام الكلي ويطلبه في المفردات الجزئية.
стр. 121
وقد تطرد صحته تلك في الرياضيات، أما في العلوم الطبيعية والإنسانية فلا بد من الانتقال العكسي، أي من الأفراد والمفردات إلى الكلي العام، حتى يكون القياس سديدا، وكان لذلك أثره البعيد في العلوم العربية، إذ عد الاستقراء والملاحظة أصلين أساسيين فيها، وضمت إليها العلوم الطبيعية والتجريبية، وبذلك أمكن للعلوم العربية أن تنهض نهضتها العظيمة في كل مجال، وهي نهضة أعدت لازدهار علوم الطب والصيدلة بفضل التجارب الكثيرة التي كان يجريها الصيادلة والأطباء، وقل ذلك نفسه في الكيمياء والفلك، ومراصده الضخمة، وحتى في البحوث الأدبية كان أهم بحث أدبي عند العرب يتضح فيه تأثير المنطق الأرسطي والتأثر بمنهجه في كتاب "البرهان في وجوه البيان" لابن وهب الذي نشر خطأ باسم "نقد النثر" ونسب إلى قدامة١.
وعلى هذا النحو كان العرب يستضيئون بمنطق أرسطو حتى في بحوثهم الأدبية، مع محاولات خصبة للعناية بالجزئيات والمفردات واكتمال الاستقراء وصحة الاستنباط، واتسعوا في الملاحظات سعة شديدة، وهي تقابل في البحوث الأدبية والتجارب في البحوث العلمية عندهم، وظلوا مع ذلك يحتكمون إلى المنطق الأرسطي، مكثرين من القواعد والضوابط والأقيسة، وهم في كل ذلك يختلفون عن علماء العصور الوسطى الغربيين، ولا ريب في أنهم أخذوا يتعرفون بوضوح على العلم العربي في نهاية تلك العصور، فعرضوا بدقة ما تنادى به علماء العرب ومفكروهم من العناية بالاستقراء الكامل والملاحظة والتجربة، وعلى قبس أو أقباس من هذه المعرفة أخذ روجر بيكون "الفيلسوف الإنكليزي" "٦١١-٦٩٤هـ/ ١٢١٤-١٢٩٤م" وليونارد دي فينشي "٨٥٦-٩٢١هـ/ ١٤٥٢-١٥١٥م" وغيرهما، ممن طالبوا باستخدام الملاحظة والتجريب وأدوات القياس للوصول إلى الحقائق، وعارضوا منهج أرسطو في القياس المنطقي.
стр. 122
ولا بد من الإشارة إلى أنه بالرغم من مطالبة هؤلاء المفكرين تبني الطريقة العلمية، إلا أنهم لم يستخدموا فعلا هذه الطريقة إلا في حدود ضيقة، كما ينبغي أيضا أن نشير إلى أنه رغم التحرر التدريجي من سلطان الكنيسة ورجال الدين، إلا أن هذه السلطة كانت ما تزال لها فعاليتها، ومثال على ذلك موقف السلطات الدينية من العالم كوبرنيكوس١ "Copernicus" عام "٨٧٨-٩٥٠هـ/ ١٤٧٣-١٥٤٣م" لقوله بدوران الأرض حول الشمس، كما أحرقت الكنيسة في روما عام "١٦٠٠م" عالما إيطاليا "جيودا نوبرونو" لإصراره على أن الأرض تدور حول الشمس٢.
أتى فرنسيس بيكون لبعث الحياة في فكرة روجر بيكون٣، وقال بالاستقراء الكامل وبالتجارب وجمع الأمثلة الكلية التي تنقض القانون العام، والتجارب وحدها لا تكفي، فلا بد من الاستنباط والنشاط العقلي، وكان المنهج الصحيح عنده هو الذي يجمع بين التجربة والطريقة القياسية، أو بعبارة أدق هو الذي جمع بين الاستقراء الدائم على التجارب وبين القياس العقلي المحكم، أو قل هو الاستقراء المصبوب في قالب عقلي وطيد، وبذلك كله يعتبرون فرنسيس بيكون مؤسس المنطق الحديث، وفاتحة عصر جديد في البحث العلمي٤، ومؤلفه الأداة الجديدة للعلوم "Novum organ om Scientiarum" يفصل بين قواعد المنهج التجريبي وخطواته.
إن جوهر العمل الذي قام به بيكون لم يكن علما بقدر ما كان في مجال العلاقات الاجتماعية للعلم، وقد أشار إلى ضرورة إخضاع العلم بكلياته وجزئياته للملاحظة العلمية، كما قام بتصنيف الأخطاء الشائعة التي تعوق البحث العلمي:
١- أخطاء تعود إلى ضعف العقل الإنساني.
стр. 123
٢- أخطاء تعود إلى اللغة التي يتعامل بها الفرد مع أقرانه.
٣ - أخطاء تعود إلى اعتماد الفرد على أهل الثقة.
أما بالنسبة إلى خطوات المنهج التجريبي، فقد أوضح بيكون أن على الباحث أن يجمع الحقائق التي تعتبر أساس المنهج الاستقرائي ومادته، كما بين مراحل البحث:
الأولى مرحلة التجريب، والثانية مرحلة اللوحات "٣ لوحات" أو تسجيل التجربة، والخطوة التالية هي مقارنة ما تم تسجيله في اللوحات الثلاث "الحضور، الغياب، تفاوت الدرجات" لاستخلاص الخصائص الظاهرة موضع الدراسة، ثم يقوم بالتحقيق من النتائج لإثبات مدى صحتها أو خطئها، والنتائج الأولى هي فروض عملية، لا بد من اختبارها حتى يتأكد الباحث من صحتها، لتصبح قاعدة أو قانونا.
وباختصار فقد وضع بيكون مجرد مبادئ وملاحظات، اهتدى بها من جاء بعده من الباحثين مثل جون ستيوارت ميلن وكلود برنارد اللذين نضج على أيديهما المنهج التجريبي وثبتت دعائمه.
جاء بعد بيكون الفيلسوف الفرنسي ديكارت "١٠٠٥-١٠٦٠هـ/ ١٥٩٦-١٦٥٠م" ورأى أن يضع للعلوم كلها رياضية وطبيعية منهجا واحدا صوره في مبحثه "مقال في المنهج" وقد هاجم المنطق الأرسطي لعدم أخذه بالشك، وهاجم فرنسيس بيكون لأنه اعتمد التجربة والمشاهدة الحسية في استنباط القوانين الطبيعية، ونفذ من ذلك إلى منهجه الجديد، وهو منهج يعتمد على البراهين الرياضية، ووضع مكان قواعد المنطق الأرسطي القديم شديد التعقيد أربع قواعد هي:
قاعدة اليقين: قاعدة التحليل، قاعدة التركيب، قاعدة الاستقراء.
وقد اتفق جميع من أتى بعد بيكون وديكارت على أن المنطق الأرسطي انتهى زمنه، وأنه ينبغي أن يحل محله المنهج العلمي، الذي ينبغي أن يعتمد على دراسة الظاهرات ورصدها مع الجمع بين التفكير النظري وبين الملاحظة والتجربة كلما سنحت الفرصة،
стр. 124
أو سمحت الظاهرات الطبيعية باستخدامها، وهو بذلك منهج يجمع بين قوانين العلوم الرياضية وقوانين العلوم الطبيعية التجريبية، ويقدرهما جميعا، وأيضا فإنه يقدر العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد السياسي١، وحسبه أن يسجل الأسس التي تقوم عليها الأصول المختلفة التي تسود فيها، فلكل علم طبيعته ومن الصعب أن يوضع لكل العلوم قوانين عامة مطلقة على نحو ما حاول أرسطو قديما في منطقه.
ولعل مسيرة البحث العلمي الكبرى بخاصة في العلوم الطبيعية، يمكن أن تعود إلى التجارب التي أجراها جاليلو في الفيزياء "Calileo, S. Experimental work" وذلك في أوائل القرن "السابع عشر" ويدعي الغربيون أن هذا العصر تتوج باكتشاف اللوغاريتم على يد نابيير٢ عام "١٠٢٣هـ/ ١٦١٤م" وهناك بحوث هارفي "Harvey" على الدورة الدموية٣، واستخدام الرموز العشرية على يد بريجز٤ "Briggs" عام "١٠٢٦هـ/ ١٦١٧م".
стр. 125
تطور الأسلوب العلمي تدريجيا، ومن أبرز الأسماء في تاريخ العلم في إنجلترا: إسحاق نيوتن الذي عاش بين "١٥٠٢-١١٤٠هـ/ ١٦٤٢-١٧٢٧م" ونال شهرة عظيمة، وبدأت الروح العلمية تتغلب على عقيدة الكنيسة، بخاصة في إنكلترا وفرنسة، وبعد ذلك في ألمانية وأمريكا.
ساد في القرن "الثامن عشر" في أوروبا النظرية العقلية بين الطبقات المتعلمة، وظهر فيه فولتير وروسو وكثير من العظماء والكتاب الفرنسيين الذين كتبوا في كل المواضيع، وأحدثوا ثورة في العقل البشري، وقد سايرت هذه النظرة العقلية النظرة العلمية.
وكان القرن "التاسع عشر" عصر العلم، فقد كان الفضل في قيام الثورة الصناعية والتطور الصناعي والتطور الصناعي والتطور السريع على وسائل النقل راجعا إلى العلم ... وفي عام "١٢٧٦هـ/ ١٨٥٩م" نشر كتاب في إنكلترا، قام على أثر نزاع بين عقيدة الكنيسة والنظرة العلمية، ذلك الكتاب هو "أصل الأنواع لمؤلفه شارلس داروين" لم يكن من أعاظم العلماء كما لم يكن قوله جديدا كليا ... وقد سجل طفرة علمية وأوجد اهتماما كبيرا ... وبعد بضع سنوات نشر كتابا آخر بعنوان "أصل الإنسان" طبق فيه نظرياته السابقة على الإنسان ... وأرى بهذه المناسبة أن أسوق بعض ما كتبه في الموضوع أحد الفلاسفة الصينيين قبل حوالي "٢٥٠٠" عام، وهو "تسوني تي" الذي كتب في القرن "السادس عشر قبل الميلاد" أي "عصر بوذا" ... وهو استنتاج قريب من نظرية داروين، مما يجعلنا ندهش من وصول عالم بيولوجي صيني إلى ما احتاج العالم لألفين وخمسمائة عام للحاق به.
وكلما تقدم القرن "التاسع عشر" زاد التطور الحاصل في المجتمع ... وما زال العلم في زحفه يزداد تسارعه ولا يعرف الكلل ... واليوم ينغمس عدد كبير من العلماء والخبراء في خضم العلم الواسع، وعلى رأس هؤلاء ألبرت أينشتاين الذي نجح إلى درجة ما في تعديل نظرية نيوتن، ... وقد أذهلت الإضافات والتعديلات في النظرية العلمية، أذهلت العلماء أنفسهم، ولكن التطور الأخير كان من حظ "القرن العشرين"١.
стр. 126
المبحث الثالث: قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي
...
المبحث الثالث: قبسات منهجية من التراث ١ العربي الإسلامي
اعتاد الكتاب الغربيون أن يرموا الفكر العربي الإسلامي بأنه فكر غيبي، ينقصه الالتزام بالمنهج العلمي١، وقد طال الجدل حول هذا الموضوع، فنسب الغربيون غير المنصفين المنهج العلمي الحقيقي إلى فرنسيس بيكون وديكارت في القرن "السابع عشر الميلادي" وجون ستيوارت ميل في القرن "التاسع عشر الملادي"، في حين أن الدراسات المنصفة انتهت إلى نتيجة مفادها أن تفكير العرب العلمي يعتبر أساسا لهذا المنهج، ولا يختلف كثيرا عن المنهج العلمي الحديث.
تميز الإسلام منذ انطلاقته بمبادئ الأولى منها التوحيد، وتبين للمستشرقين٢ بخاصة الأهمية البالغة لإبعاد هذه الرؤية الإسلامية للإله الواحد، ويتداخل مع موضوع التوحيد موضوع آخر هو الخطاب العقلاني، حيث يستخدم البرهان الذي أفاد منه الفلاسفة الإسلاميون، لقد جعل القرآن العقل أداة أولية في حياة الإنسان، ودعا إلى استخدامه في البحث عن الكون كأحد أركان العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٦٤] .
ونرى من خلال آياته أن العلم هو الحق اليقيني الثابت بالحجة القاطعة: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ١٠/ ٣٦] وهو الطريق العلمي السليم في بحث أسرار الطبيعة
стр. 127
بأسلوب قائم على البرهان التجريبي، وليس على التخمين والظن ويبني القرآن الكريم العلم على المنطق الأساسي في قانونين أساسيين:
١- ثبوت الفطرة واستقلالها: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٣٥/ ٤٣] .
٢- لا تناقض مطلقا بين الحقائق: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٦٧/ ٣] كما يؤكد المشاهدة الصحيحة كإحدى وسائل البحث في العلوم الطبيعية ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠/ ١٠١] وتتجمع أصول النظر العلمي السليم والمنهج الاستقرائي التجريبي في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٣٦] .
لقد أكد الإسلام على استخدام المنهج الاستقرائي في النظرة العلمية والبحث عن كيفية تركيب الأشياء في هذا الكون، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٨٨/ ١٧-٢٠] فكلمة كيف تعبر عن روح العلم ومنهجه كله، كما أشار القرآن الكريم إلى عدم التوقف في البحث عند محصولات الخيال، إلا أنه لا بد من أن يأتي يوم يظهر فيه اليقين كما في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٣٨/ ٨٨] .
لقد حض الإسلام على التقدم المستمر: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ٢٠/ ١١٤] وأن يكون العلم نافعا وقد ورد في الحديث الشريف: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ومن دعاء لا يسمع ومن نفس لا تشبع ومن علم لا ينفع" ١ وهذه إشارة إلى تكريس العلم واستخدامه في خدمة الإنسان ولصالحه وليس للقضاء عليه.
كتب ابن المعتز "ت ٢٩٦هـ/ ٩٠٨م" في سنة "٢٧٤-٢٧٥هـ/ ٨٨٧-٨٨٨م" "كتاب
стр. 128
البديع" وهو فيه على وعي تام بأنه أول من قام بدراسة نظامية لفنون الشعر، وعبر عن أمله في أن يكشف غيره أنواعا أخرى، وبذلك يزيدون عمله تحسينا، وبذا يكون ابن المعتز أول مسلم يفكر في العلم بوصفه واجبا، لا بد من مواصلته للتمكن منه باطراد بوساطة تعاون أجيال متعاقبة من العلماء، أما السكاكي "ت ٦٢٧هـ/ ١٢٢٩م" فقد جنح أصلا إلى العلم لما شهده من التشريف الذي كان يحظى به العلماء الكبار، كيف دعم أركان تقليد شريف عندما عاد بعد عرض وجهة نظره في مسألة بيانية ملخص وجهة نظر خصومه وترك للقارئ الحكم١.
كانت الاتجاهات السائدة في المجتمع الإسلامي تحبذ أن يكون العالم نموذجا معياريا للأخلاق والأنشطة البشرية، ولقد يلوح أن رجل العلم كان يظن فيه في البداية الإحاطة بكل شيء تقريبا، ونظرا لعدم وجود معايير معترف بها مسلمة فيما يجوز تصديقه عقلا، كان من العسير الفصل بين الإدراك المتولد من العلم ومثيله الذي يجيء عن طريق الإلهام "Inspiration" ونستخلص من التراث العربي ما يلفت النظر في النزعة الكريمة لدى العلماء الأوائل الذين واجهوا بشجاعة أهل الجمهور فيهم باعترافهم بقلة ما لديهم من معلومات مما ذكره السيوطي "ت ٩١١هـ/ ١٥٠٥م" في فصل ثم يتبع فصلا عقده في ذكر "من سُئل من علماء العربية عن شيء فقال: لا أدري، بفصل آخر سجل فيه أسماء من سُئل عن شيء فلم يعرفه فسأل من هو أعلم منه، ثم يذكر كذلك عددا من الأعلام الثقات الذين جرءوا على الرجوع عن رأيهم بعد طول البحث"٢، وقد صاغ المبرد "ت ٣٠٦هـ/ ٨٩٨م" مبدءا يبرر فيه اعتراف الإنسان بخطئه فيقول: "إنه يمحو الذنب الذي قد يترتب على الوقوع في الأخطاء ونشرها بين الناس".
لقد سما العصر العظيم الزاهر للحضارة العربية الإسلامية بالعلماء، واستطاع أن يقيم للعالم مثلا أعلى ساميا حقا٣، "ويأبي العلم أن يضع كنفه أو يختفي جناحه أو يسفر
стр. 129
عن وجه إلا لمتجرد له بكليته، ومتوفر عليه بأينيته، مكان بالقريحة الثابتة والرؤية الصافية، معترفا به التأييد والتسديد، قد شمر ذيله وأسهر ليله، حليف النصب، ضجيع التعب، يأخذ مأخذه متدرجا يتلقاه متطرفا، لا يظلم العلم بالتعسف والاقتحام، ولا يخبط منه خبط عشواء في الظلام، ومع هجران عادة الشر، والنزوح عن نزاع الطبع ومجانبة الألف، ونبذ المحاكلة واللجاجة وإحالة الرأي عن غموض الحق والتأتي بلطف المآتي، وتوفيته النظر حقه من التمييز بين المشتبه والمتضح والتفريق بين التمويه والتحقيق، والوقوف عند مبلغ العقول"١.
ويأمل المقدسي "ت ٣٩٠هـ/ ٩٩٩م" أن يقدم موضوعه منحطا عن درجة الغلو، خارجا عن حد التقصير، مهذبا من شوائب التزيد، معفى عن إسقاط الغسالات، وخرافات العجائز وتزاوير القصاص فموضوعات المهتمين المحدثين٢.
وبهذه الروح يستهدي المقدسي٣ في مقدمة كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" وقد كتبه في سنة "٣٧٧هـ/ ٩٨٧م" في حين يرى أن يسترشد أولا بالملاحظة الشخصية ثم بالكتب والمراجع وأخيرا فالبحث لا التأمل، والنظر هو الذي يحصل به المرء على العلم الدقيق بالعالم، وما أكثر الرسائل التي يستخدمها في الأسفار وجمع المعلومات٤.
ومن قبله اليعقوبي "ت ٢٨٤هـ/ ٨٩٧م" بنفس ذلك الدافع الذي لا مرد إلى جمع المعلومات البكر التي لم يسبقه إليها إنسان، كان يسأل ويستكمل ذلك بالأسفار٥.
стр. 130
وهذا هو الحسن بن الهيثم يعترف بأن الدراسة والبحث هما عمله في الحياة، وأنه ليتفق مع جالينوس في اعتبار الصدق أمرا لا ينال إلا بالجهد العلمي، وقد نبه في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس" إلى أن حسن الظن بالعلماء السابقين مغروس في طبائع البشر، وأنه كثيرا ما يقود الباحث إلى الضلال، وطالب الحق عنده ليس من يستقي حقائقه من المتقدمين، بل عليه أن يشك في إعجابه بهم، ويتوصل إلى حقائق الأمور، ورغم أنه يقر في كتابه أن بطليموس رجل يشار إليه في العلوم الحقيقية ولكن وجد فيه مواضع شبهة وألفاظا بشعة ومعاني متناقضة، وهذا أوضح من التعليق.
ورغم حماسة العرب في نقل تراث الأوائل إلى لغتهم، فإن ذلك لا يمنع العقل العربي من أن يكون حرا في نقد الآثار التي تستهويه وتمحيص حقائقها والكشف عما يحتمل أن تتضمنه من زيف وبطلان مستعينا بالملاحظة والمعاينة١.
قال ابن الهيثم في كتابه "المناظر": بأن مراحل المنهج التجريبي تبدأ بملاحظة الظاهرات الجزئية الحسية وتحديد صفاتها وخصائصها، ثم يندرج في بحثه مع التمحيص والحذر من الوقوع في الخطأ حتى يبلغ اليقين، يقول ابن الهيثم: "يبدأ البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات، وتميز خواص الجزئيات ويلتقط باستقرائها ما يخص المبصر في حالة الإبصار وما هو مطرد لا يتغير، وظاهر لا يشتبه في كيفية الإحساس، ثم أرقى في البحث والمقاييس على التدرج والتدريب مع انتقاد المقدمات والتحفظ في الغلط في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نجيزه وننقده طلب الحق الذي به تثلج الصدور ونصل بالتدرج واللطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، وتظهر مع النقد والتحفظ التي يزول معها الخلاف وتنسجم به مواد الشبهات" فهو بهذا لا يختلف عن ديكارت رغم وجود فارق زمن بينهما يصل إلى حوالي "ستة قرون".
стр. 131
وهكذا فإن مبدأ الشك لم يكن بدعة نادى بها ديكارت، فقد سبقه إلى ذلك كثير من المفكرين العرب، وأوجبوا على الباحث منذ البداية بحثه أن يطهر عقله من كل ما يحويه من أفكار حول موضوعه، خشية أن يتلف بحثه وتوجهه إلى غير ما يقتضيه منهجه وتوصلوا إلى ذلك بالشك.
يقول إبراهيم النظام: "لم يكن يقين قط حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد حتى يكون بينهما حال شك، لأن كل يقين في المعرفة مسبوق بشك يستهدف التمحيص ويمهد لليقين".
قام علم الفلك عند العرب على التجربة، معتمدا على الملاحظة الحسية وآلات الرصد لتعليل حركات الأجرام السماوية وتفسير الظاهرات الفلكية، لقد ترجم العرب كتاب بطليموس١ "النظام الرياضي للنجوم Mathematic Syntaxis" وسموه المجسطي "Al-magistic" "أي الأعظم" ورغم أن كتابه بالغ الأثر في العرب، إلا أن علماء العرب كشفوا في ضوء دراساتهم التجريبية عن الكثير من أخطائه، لهذا قيل: إنه كان عندهم نقطة انطلاق في تفكيرهم العلمي فيما لاحظ ول ديورانت "W. Durant".
نذكر في هذا المجال أبناء أحمد بن موسى بن شاكر "ت ٢٥٩هـ/ ٨٧٢م" الذين تحققوا من مقياس الكرة الأرضية، وقد علق المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نلليو "Nallino" عام "١٩٣٨م" ويعد حجة في عالم الفلك بقوله: "وهو كما لا يخفى قريب من الحقيقة" "مقياس محيط الأرض" دال على ما كان للعرب من باع طويل في الأرصاد وعلم المساحة ... وقياس العرب أول قياس حقيقي أجري ولا بد لنا من إعداد ذلك القياس من أعمال العرب الفلكية المجيدة المأثورة.
стр. 132
إن التجربة في التصور العلمي الحديث هي ملاحظة مستثارة، يتدخل أثناءها الباحث في تغيير الظروف التي يدرس فيها ظاهرته، وقد فطن العرب إلى التجربة قبل المحدثين من الغربيين بمئات السنين، وقد سماها "جابر بن حيان ت ١٩٨هـ/ ٨١٣م التدريب"، وكان ابن الهيثم يزاول التجربة العلمية مكملة للملاحظة الحسية وسماها "الاعتبار"، وقد نقل عنه روجر بيكون "Roger Bacon" في دراسته للبصريات، ورغم أن الكشف العلمي "الخزانة المظلمة ذات الثقب" في أوروبا يعود إلى القرن "السادس عشر" فإن ابن الهيثم قد ذكر في بحوثه كثيرا عبارة البيوت المظلمة ذات الثقب١.
كان مسلمة بن أحمد المجريطي "ت ٣٩٧هـ/ ١٠٠٦م" يوجب على المشتغل بالكيمياء أن يدرب يديه على التجارب وبصره على ملاحظة المواد الكيماوية وعقله على مزاولة التفكير فيها، وقد مهدت تجاربه ووصوله إلى قانون حفظ المادة، مهدت لبحوث كيميائية قام بها لافوازييه "Lavoisier" وبريستلي "Priestly" في هذا المجال.
لقد بدأ تمحيص التجربة العلمية والحرص على بيان العامل المؤثر، وتحديد القواعد التي تلزم مراعاتها في نص أورده ابن سينا "ت ٤٢٨هـ/ ١٠٣٦م" في الفصل الثاني من كتاب "القانون"، ومنه نستنتج أن ابن سينا لا يقنع باستخدام التجربة وإنما يحرص على تحديد قواعدها، وبين ما قاله ابن سينا في القانون وما قاله جون ستيوارت ميل "١٢٩٠هـ/ ١٨٧٣م" في كتابه "System of Logic" عن قواعد التثبت من صحة الفروض وخطئها صلة وثيقة.
إن ما ساعد العرب على الدقة في البحث استعمالهم الأدوات والأجهزة، كان بعضها اختراعا عربيا، وبعضها مقتبسا عن أسلافهم، والمعروف أن ابن الهيثم منشئ علم الضوء قد استعان بالكثير من الآلات في دراساته، وكاد يخترع العدسة المكبرة، فاستعان
стр. 133
به بعد نحو ثلاثة قرون روجر بيكون وغيره ممن اخترعوا المجهار "الميكرسكوب" والمقراب "التلسكوب" فيما لاحظ مؤرخ الحضارات ول ديورانت.
لقد أشار الرازي في كتابه "سر الأسرار" إلى الآلات التي تستخدم لتحضير العقاقير، وقد نشر يوليوس روسكا "Ruska" في عام "١٩٣٧م" ترجمة لهذا الكتاب يتضمن القول: إن الكيمياء بدأت علما تجريبيا في هذا الكتاب، ومن أجل هذا كان خليقا بأن يكون منشئ علم الكيمياء قبل لافوازييه "Lavoisier" بنحو تسعة قرون من الزمان، وقد سبق جابر بن حيان إلى جعل الميزان أساسا للتجريب، ففطن إلى التفرقة بين الكيفيات والكميات، وبهذا حقق للدراسات الكيميائية خاصة من أهم خصائص العلم تحقيقا للدقة والضبط.
وفي الطب استخدم جراحو العرب مئات الآلات في التشريح وإجراء الجراحات، ومن ذلك أكبر جراحي العصور الوسطى أبو القاسم الزهراوي "ت٤١٤هـ/ ١٠١٣م" صاحب "التصريف لمن عجز عن التأليف" وقد عولت الجامعات الأوروبية على كتابه حتى مطلع العصر الحديث، منذ أن ترجم الجزء الجراحي"جيرار كريموني" إلى اللاتينية، فكان مرجعا في جامعتي سالرنو ومونبلييه وغيرهما، ومنذ عصره كان أقرانه ممن يزاولون الجراحة في إسبانيا يمنحون لقب طبيب جراح "Medeican-Surgeon" بينما كان قرينهم في جامعة باريس أو لندن أو أدنبره يمنح لقب حلاق جراح "Barber-Surgeon".
أما استخدام العرب لآلات وأجهزة علم الفلك فقد كان أوضح من هذا كله، إن أهم ما في الفلك أرصاده التي تستخدم لمعرفة حركة الأجرام السماوية، وقد بدأت الأرصاد المنظمة في مطلع القرن "التاسع" وكان أول مرصد عرف في تاريخ الفلك قد أنشئ في الإسكندرية في عصر بطليموس، وظل وحيدا حتى أنشأ العرب مراصدهم في بغداد ودمشق والقاهرة ومراغة وسمرقند وغيرها، والآلات التي استخدموها في هذه
стр. 134
المراصد كثيرة منها "الأسطرلاب Astrolabe" وكان أنواعا، وكان أول مسلم صنع الأسطرلاب هو إبراهيم بن حبيب الفزاري "ت ١٨٩هـ/ ٨٠٤م" تقريبا، وأقدم رسالة في الأسطرلاب هي رسالة "علي بن يحيى" الذي سمي بأسطرلابي، وكان أول من استخدم هذه الآلات وأفاض في وصفها إبراهيم بن يحيى النقاش القرطبي، المعروف باسم الزرقالي "ت ٤١٤هـ/ ١٠١٣م".
يذكر أنور عبد العليم في كتاب "أضواء على قاع البحر" "١٩٦١م" أن العرب قد حسنوا آلتين هامتين من أدوات الملاحة كان لهما الفضل الأكبر في كشوفات فاسكو دي غاما وكولومبوس وماجلان من بعد آلة رصد النجوم "الأسطرلاب"، والأخرى هي "البوصلة البحرية" المعروفة "ببيت الإبرة"، توصل إليها العرب في القرن "الحادي عشر"، والمعتقد أن الإدريسي قد استخدم البوصلة، وقد ساعدت على نشأة علم الجغرافية علما عمليا يستند إلى حقائق تستقي من المشاهدة والخبرة.
وممن نذكر فضلهم في تطوير علوم البحار عامة والملاحة بخاصة، وابتكارهم لعدد من آلات البحر الضرورية للملاحة في ذلك الوقت سليمان التاجر، ابن ماجد، سليمان المهري، ورسالة سليمان التاجر الخطية سنة "٢٣٧هـ/ ٨٥١م" موجودة في المكتبة الأهلية بباريس تحت اسم "رحلة التاجر سليمان" أضاف إليها الكاتب العربي أبو زيد حسن السيرافي١ بعض المعلومات عن الهند والصين، وعن علاقة العرب بهذين البلدين خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، كما ترك ابن ماجد النجدي، مؤلفات قيمة محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم "٢٢٩٢، ٢٥٥٩" ومخطوط آخر يتضمن عددا من الأبحاث لرائد بحري آخر هو سليمان المهري، وقد قام الوزير الفرنسي جبريل فران بإعادة نشر هذين المخطوطين في باريس، مع ترجمة وتعليق عليهما، وأخرج كل ذلك في صورة ثلاثة مجلدات خلال العقد "الثالث من القرن الحالي"، ويقول الرحالة
стр. 135
الإنكليزي بيرتون في عام "١٨٥٤م": "إن اسم ابن ماجد قد رفع إلى مراتب الأولياء المسلمين باسم الشيخ ماجد" نتيجة لخدماته المقدمة للبحارة المسلمين.
نضيف إلى ما ذكرناه أن العرب فطنوا منذ مئات السنين إلى التعاون مع بعض البحوث العلمية فرقا "Teams" فمما قام به المأمون وحذا حذوه شرف الدولة البويهي في بغداد ونصير الدين الطوسي "ت ٦٧٣هـ/ ١٢٧٤م"١ في مراغة، وذلك بجمع المعنيين بالبحث ليتعاونوا ببحوثهم العلمية بهدف أن تكون نتائجها أكمل وأدق.
ما أوردناه آنفا من نماذج عن العلوم عند العرب، يشهد بحرصهم على أن الدعوة إلى الملاحظة الحسية والتجربة العلمية والدقة، أداة لكشف الحقائق، وممارسة هذه الدعوة فعلا في بحوثهم العلمية، والاستعانة بالآلات والأجهزة التي تمد في قدرة الحواس على الإدراك وتحقق الدقة والضبط في نتائج البحوث، مما أدى إلى الكشف عن كنوز من الحقائق الأصلية، التي سبقوا بها عصرهم.
مما يؤكد مقولتنا أن العرب رغم حماسهم في نقل تراث الأوائل إلى لغتهم، فإن ذلك لا يمنع العقل العربي من أن يكون حرا في نقد الآثار العلمية التي تستهويه وتمحيص حقائقها والكشف عما يحتمل أن تتضمنه من زيف وبطلان، مستعينا بالملاحظة والمعاينة، حريصا على الاستعانة بالآلات والأجهزة التي تمد في قدرة الحواس على الإدارك وتحقق الدقة والضبط في نتائج البحوث مما ذكرناه سابقا.
стр. 136
المبحث الرابع: تصنيفات مناهج البحث العلمي
يختلف الناس بفطرتهم فيما يتناولون من الأمور، وما يسلكون من طرق البحث والاستنباط، ولكل منهم موازين معينة يهتدي بها في تفكيره، ويعتمد عليها في استنباطه، وتكون له منهجا خاصا يتميز عن المنهج الفكري لغيره، ويسيطر على فقهه.
ولقد دار حول لفظ "منهج"١ جدل طويل بين رجال الفلسفة والمنطق وعلم المناهج ولبست هذه اللفظة لباسات متعددة بمرور الزمن، منذ القرن "السادس عشر" حتى الآن. يعرف المنهج بأنه الطريقة المتبعة، ولا بد لتصور الجهود العقلية من وجود طريقة متبعة في التفكير، ويختلف المفكرون فيما بينهم في هذه الطرق، وبالتالي تختلف النتائج التي يصلون إليها، أما المنهاج العلمي فهو " تلك المجموعة من القواعد والأنظمة العامة التي يتم وضعها من أجل الوصول إلى حقائق مقبولة حول ظاهرات موضوع الاهتمام من قبل الباحثين في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية"، وتعريف آخر "المنهاج العلمي هو عبارة عن أسلوب من أساليب التنظيم الفعالة المجموعة من الأفكار المتنوعة والهادفة للكشف عن حقيقة تشكل هذه الظاهرة أو تلك، ونوجز تعريفه فنقول: "إنه يجب ألا تقبل أي فكرة إلا إذا أيدها دليل مناسب".
ففي الرياضيات يكون الدليل المناسب عادة برهانا منطقيا، يستند إلى قوانين معترف بها، ويجري في خطوات استنتاجية، تعتمد كل منها على ما قبلها وتفضي إلى ما بعدها، ودروس الرياضيات الأساسية تستهدف معرفة هذه الأدلة وتسمى البراهين، وموازنتها ثم تعديلها وتقويتها حتى تصمد للمنطق الرياضي الصارم، وهو أروع نتاج الفكر الإغريقي الذي استنه أرسطو ونفذه إقليدس.
وفي العلوم التجريبية، يكون الدليل عادة تجربة علمية تختبر الفكرة أو تثبت صحتها أو بطلانها، والفكر الإغريقي لم يعده دليلا علميا، بينما رفعه الفكر العربي إلى المرتبة العلمية، وذلك من هدي القرآن الكريم، الذي يعد كل حقائق الكون آيات من آيات الله، ودلائل على وجوده وقدرته، وكان مما تعلمه الأوروبيون من الفكر الإسلامي هذا الدليل التجريبي، دعا إليه روجر بيكون ثم أعقبه فرنسيس بيكون.
نذكر أن ثمة حقائق لا نملك إقامة دليل على صحتها، سواء كان رياضيا أو تجريبيا،
стр. 137
لكن المتخصصين قانعين بصحتها، فهل نرفضها؟ إن كل فكرة علمية لا تحمل في ثناياها ما يناقض المشاهدة والخبرة المؤيدة بالبرهان المنطقي أو التجريبي هو دليل مناسب على صحتها، مثال ذلك قانون الجاذبية العام، وضعه نيوتن ولم يقم دليلا على صحته ولا على ما ينقضه، ومما تجب الإشارة إليه أن القبول أو الرفض يجب أن يقوم على نظرية موضوعية، فهو أول شروط المنهاج العلمي، أن يبدأ ويظل موضوعيا.
تتعدد مناهج البحث العلمي وتتحدد مفاهيمها بالوحدة والثبات والحتمية، بوحدة طبيعة الظاهرات وعدم تغير صفاتها الأساسية تغيرا ملموسا خلال فترة محدودة من الزمن، ووجود سبب أو أكثر لحدوث ظاهرة ما، ولقد تعددت تصنيفات مناهج البحث ونورد فيما يلي بعضها:
١- تصنيف هويتني١ "whitney":
١- المنهج الوصفي.
٢- المنهج التاريخي.
٣- المنهج التجريبي.
٤- البحث الفلسفي.
٥- البحث التنبؤي "Prognostic Research".
٦- البحث الاجتماعي.
٧- البحث الإبداعي.
٢- تصنيف ماركيز٢ "Marquis":
١- المنهج الأنتربولوجي.
٢- المنهج الفلسفي.
٣- منهج دراسة الحالة.
٤- المنهج التاريخي.
٥- المسح الاجتماعي.
٦- المنهج التجريبي.
٣- تصنيف جودو سكيتس٣ "Good an Scates":
١- المنهج الوصفي.
٢- المسح الوصفي.
٣- المنهج التجريبي.
٤- منهج دراسة الحالة.
٥- دراسات النمو والتطور والوراثة.
стр. 138
- أما الباحثون العرب المحدثون فإن تصنيفاتهم للمناهج هي على النحو التالي:
١- محمد طلعت عيسى١:
١- منهج دراسة الحالة.
٢- المسح الاجتماعي.
٣- المنهج الإحصائي.
٤- المنهج التجريبي.
٥- المنهج التاريخي.
٦- المنهج المقارن.
٢- عبد الرحمن بدوي٢:
١- المنهج الاستدلالي.
٢- المنهج التجريبي.
٣- المنهج الاستردادي "التاريخي".
٣- محمود قاسم٣:
١- منهج البحث في الرياضيات.
٢- منهج البحث في العلوم الطبيعية.
٣- المنهج التاريخي.
٤- المنهج التجريبي.
٥- أحمد بدر٥:
١- منهج البحث الوثائقي أو التاريخي.
٢- منهج البحث التجريبي.
٣- منهج المسح.
٤- منهج دراسة الحالة.
٥- المنهج الإحصائي.
تشكل بعض المناهج قاسما مشتركا بين واضعي المناهج، وسوف نأتي على دراسة بعضها وهي الأكثر اتباعا.
стр. 139
الفصل الخامس: منهج البحث التاريخي
مدخل
...
الفصل الخامس: منهج البحث التاريخي "Historical Method"
تمهيد:
يعرف التاريخ بأنه "هو كل ما حدث" أو "هو رواية وتدوين كل ما حدث" وهو "فعالية علمية من فعاليات المعرفة البشرية، تتسع ساحتها لكل شئون الإنسان" وقد عرفه بعض الباحثين بأنه "التدوين الموثق للأحداث الماضية" وعرفه البعض الآخر "بأنه وصف الحقائق التي حدثت في الماضي بطريقة تحليلية ناقدة" ومن هذين التعريفين نستخلص أن علم التاريخ لا يمكن فصله بل ربطه مع المنهج التاريخي، وذلك باعتبار أن البحث أو التقصي العلمي وسيلة موضوعية هدفها الوصول إلى نتائج أو قوانين أو قواعد يمكن تعميمها واستخدامها للتنبؤ بما يحدث في المستقبل ضمن السياق التاريخي.
أما منهج البحث التاريخي فتعرفه بأنه "مجموعة الطرائق والتقنيات التي يتبعها الباحث التاريخي والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، وإعادة بناء الماضي بكل وقائعة وزواياه، وكما كان عليه في زمانه ومكانه، وبجميع تفاعلات الحياة فيه" وهذه الطرائق قابلة دوما للتطور والتكامل، مع تطور جموع المعرفة الإنسانية وتكاملها ومنهج اكتسابها.
لقد دار جدل ونقاش حول طبيعة المادة التاريخية وطرائق الوصول إلى الحقائق العلمية المجردة الثابتة، وكان على المؤرخين أن يثبتوا أن التاريخ معرفة علمية دقيقة، غنية بتجربة قرون طويلة لها منهج أو طرائق في البحث والاستقصاء عن الحقيقة لا تقل
стр. 140
في علميتها وصحة وسائلها عن مناهج العلوم الوضعية الأخرى. وهكذا بحث عدد من المؤرخين في طرائق علم التاريخ، وأثبتوا في كتبهم ومقالاتهم أن علم التاريخ علم يعود إلى الحقيقة الثابتة والمؤكدة، وفي عام "١٨٩٤م" صدر كتاب حول منهج البحث التاريخي، قام بوضعه أرنست برنهام "E. Berhiem"، جمع فيه ما كتب عن المنهج التاريخي، وكان كتابا لنخبة المثقفين، لا يتضمن طريقة صحيحة في البحث لمن يريد أما المؤرخ فوستيل دوكولانج "Fustal de Coulanges" فقد قام بتحويل قواعد المنهج التاريخي، هو الكتاب الذي ألفه المؤرخان الفرنسيان لانغلوا "Langglois" وسينوبوس "Seiglbaus"، في أواخر القرن "التاسع عشر" وأطلق عليه اسم "مدخل للدراسات التاريخية Introduction aux etudes Historiques" صدر في باريس عام "١٨٩٨" وقد ترجم جزء منه إلى اللغة العربية.
تتالت الأحداث المشابهة بعد ذلك، لكن في البلاد العربية لم ينبرِ أحد لدراسة هذا الموضوع حتى الربع الثاني من "القرن العشرين" رغم أن المؤرخين العرب أدركوا كثيرا من الأساسيات العلمية لمنهج البحث التاريخي بمضمونها الحديث، وكتبوا فيها ونموذجهم الأكبر ابن خلدون١ "ت ٨٠٨هـ/ ١٤٠٦م" والكافحي٢ "ت ٨٧٩هـ/ ١٤٧٤م" والسخاوي٣ "ت ٩٠٢هـ/ ١٤٩٦م" وجلال الدين السيوطي٤ "ت ٩١١هـ/ ١٥٠٥م" وعبد الرحمن الفاسي٥ "ت ١٠٩٦هـ/ ١٦٨٤م".
بل إن المحدثين والفقهاء الذين دققوا في الأحاديث والسيرة، كانوا كذلك روادا في هذا الميدان ومنهم الغزالي٦ "ت ٥٠٥هـ/ ١١١١م" وابن الصلاح عثمان الشهزوري٧ "ت ٦٤١هـ/ ١٢٤٣هـ" وابن تيمية٨ " "ت ٧٢٩هـ/ ١٣٢٨م" ومحمد بن أحمد الذهبي٩ "ت ٧٤٩هـ/ ١٣٤٨م" عن رجال الحديث١٠.
стр. 141
المبحث الأول: منهج البحث التاريخي عند العرب
نشأ علم التاريخ عند العرب المسلمين فرعا من علم الحديث، وقد سعوا إلى المصادر الموثوقة وإلى الرواية الشفوية، واهتم مؤرخوهم بالمكان فمزجوا بين الجغرافيا والتاريخ، من مثل المسعودي وابن النديم، ومن ثم اعتمدوا على الوثائق الرسمية في مدوناتهم من مثل اليعقوبي والبلاذري والطبري وابن الجوزي والعماد الأصفهاني، كما اعتمد بعض المؤرخين النقوش الكتابية على الأبنية كالخطيب البغدادي، وابن الشحنة والأزرقي وكذلك النقوش على الأختام، وقد أشار ابن خلدون إلى هذا المضمون الشامل لمصادر التاريخ حين قال في مقدمته: "إن المؤرخ محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة"١.
لقد عمل المؤرخون على بيان مظانهم في مقدمات كتبهم، أو في طليعة روايتهم للخبر، وفي القرون الأولى للتدوين التاريخي استخدموا "الإسناد" كما في "الحديث" وبذلك كانوا أمناء في نقل الأخبار، ويلاحظ هذا بخاصة لدى الطبري، وقد يستطيل الإسناد لديهم.
أما النقد التاريخي عند العرب فقد بينه القرآن الكريم في آيات كثيرة، ضرورة إعمال العقل في ما يرى الإنسان ويسمع، وأكد على مفهوم البينة، والحجة، والبرهان،
стр. 142
ووجوب "التثبت من الخبر" وكلها أمور توجه الفكر إلى النقد العقلاني للأمور، وقد نبه الرسول الكريم محمد ﷺ في أحاديثه لضرورة تبين الصدق من الكذب أي نقد ما يرى ويسمع، ومن ثم أوجد علماء الحديث تدريجيا أصولا نقدية للتمييز بين الصحيح والموضوع من الأحاديث ولتصنيفها بحسب قربها من الحقيقة، واتبع المؤرخون العرب تلك الأصول للتحقيق من "صحة الخبر" أيضا، والأسلوب النقدي الذي ساروا عليه، واقتدوا فيه بعلماء الحديث كان "التجريح والتعديل" هذا النهج هو في المنهجية العلمية المعاصرة للبحث التاريخي، النقد الباطني السلبي أو ما يسمى بنقد المؤلف.
لقد اتخذوا "الموازنة الزمنية" بين خبرين أو "الموازنة بعامة، من مثال ما أورده السخاوي في كتابه، بل إنهم استطاعوا بذلك النمط من الموازنة والمحاكمة الزمنية التاريخية أن ينقدوا ما يدّعي بأنه "وثائق" ويظهر زيفها، وإن المتتبع لحديث ابن خلدون عن "التاريخ" في مقدمته ونقده للمؤرخين العرب، يرى بوضوح أنه كان مدركا لمختلف عملياته وخطواته، وقد شجب ابن خلدون نقل المؤرخين عن بعضهم أو عن الرواة دون تدقيق أو تمحيص، كما حلل الأسباب التي تلزم المؤرخ على النقد والتمحيص. وميز في عملية النقد التاريخي وقواعدها بين نوعين من الأخبار: الأخبار الشرعية، والأخبار عن الواقعات، وبذلك رسم طريقا واضحة في عملية نقد الخبر أو الواقعة، وإذا كان بعض المؤرخين العرب قد التزم خطة دقيقة في النقد عددا منهم كانوا يتجاوزونه، وينقلون الخبر دون تمحيص عقلاني وقد نقدهم ابن خلدون في مقدمته من مثال نقده للمسعودي عن كيفية بناء الإسكندر للإسكندرية، وما نقله المسعودي في تمثال الزرزور الذي بروما، وحديثه عن مدينة النحاس بصحراء سجلماسه.
حاول المؤرخون العرب ضبط الأحداث زمنا، بوساطة التوقيت لها بالسنة والشهر
стр. 143
والليلة وبهذا فاقوا مؤرخي اليونان والرومان، وأوروبا في العصور الوسطى وقد قال المؤرخ الإنكليزي بكل: "H. TH. Buchle" إن التوقيت على هذا النحو، لم يعرف في أوربا قبل "١٩٥٧م" وبالواقع أبدى المؤرخون العرب اهتماما فائقا بتحديد الزمن في الأخبار ويتضح هذا من تعريفهم للتاريخ بأنه "الإنسان والزمان" وأنه "الزمان وأحواله" ولكن جميع الأحداث في سلسلة زمنية، هو خطوة أولى في عملية التركيب التاريخي إلا أنها ليست لبّها، فالتركيب الحقيقي يقوم على ربط الأحداث ببعضها ربطا سببيا، وهذا ما عناه ابن خلدون عندما عرف التاريخ بقوله: "هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول ... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق"١.
لقد اتهم المؤرخون العرب بأنهم لم يسعوا إلى التعليل أبدا بل اكتفوا بالسرد، ويتفاوت المؤرخون العرب في تقصيهم للأسباب في تفسيرهم للحوادث، إلا أنهم أدركوا بالمجموع أهمية العوامل الاقتصادية والجغرافية في دفع الأحداث، وفي التأثير على حياة البشر، وكذلك العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية، وندر جدا من المؤرخين من كان كتابه مجرد سرد ساذج لا يحمل ضمن السطور تأويله الخاص وتفسيره الذاتي.
إن المستقصي لمجموع ما دونه العرب في التاريخ وهو وفير جدا، يتعرف تماما بأن التاريخ العربي قد اهتم بالقضايا السياسية العامة لا الفردية فحسب، كما أنه توغل في بنية المجتمع، ولم يكتفِ بعض المؤرخين المسلمين بتتبع أسباب الحوادث فقط، بل سعى لتكوين تركيب فلسفي لمعنى التاريخ ككل ومن هؤلاء المطهر بن طاهر المقدسي في كتابه "البدء والتاريخ" وقد يشبهه في هذا "أبو طالب عبد الجبار" الذي عاش في أواخر القرن "الخامس الهجري" وأوائل "السادس" في أرجوزته التاريخية التي صاغ فيها التاريخ الإسلامي شعرا منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى نهاية دولة المرابطين.
стр. 144
هذا وليس علميا البتة إطلاق أحكام عامة على مجموع التاريخ العربي والمعالجة السببية لدى كلية المؤرخين العرب المسلمين لكثرتهم، واختلاف الموضوعات التي بحثوا فيها، وتنوع مناهجهم في العمل وأساليب عرضهم، وقد ثبت في أذهان الباحثين نقد ابن خلدون لسابقيه لا سيما حول ابتعادهم عن تقصي السبب، ولعل مفهومات ابن خلدون العميقة والمثلى للكتابة التاريخية وأهدافها وصفات المؤرخ ومنهجيته، هي التي أوقعته بتلك الأحكام "العامة" القاسية، لأنه في مقدمته التاريخية كان قمة في التأريخ العالمي" لا "التأريخ العربي" فحسب، فهو أول من بحث جمعا وتفصيلا في عوامل العمران المختلفة، ودخل في فلسفة التاريخ بمضمونها الواقعي الدنيوي.
كان أسلوب الصياغة والأداء عند العرب في معظم الأحوال بلغة عربية بينة وبليغة، ومصورة بوضوح ما يريدون تباينه، دون إدخال التأنق الأدبي فيه، إلا أنهم استعملوا السجع وضمنوا كتاباتهم الشعر والرواية القصصية وفي الواقع كان أسلوب كل مؤرخ عربي يتباين عن الآخر، إلا أن أسلوب الأغلبية كان واضحا وبينا يحيط بالحقيقة التاريخية ويبرزها.
وهكذا نخلص إلى القول: إن منهج البحث التاريخي عند المؤرخين العرب المسلمين كان منهجا علميا في خطوطه العامة، وإن العلم الحديث يسجل لهم أنهم أول من ضبط الحوادث بالإسناد والتوقيت الكامل، وأنهم مدوا حدود البحث التاريخي، ونوعوا التأليف فيه، وأكثروه، إلى درجة لم يلحق بهم فيها من تقدمهم أو عاصرهم من مؤرخي الأمم الأخرى، وأنهم أول من كتب فلسفة التاريخ والاجتماع وتأريخ التاريخ، وأنهم حرصوا على العمل جهد طاقتهم بأول واجب المؤرخ وآخره "وهو الصدق في القول والنزاهة في الحكم" وبذلك يكون المؤرخون العرب هم الذين وضعوا الأصول الأولى "لمنهج البحث التاريخي العلمي الحديث" الذي بدأ ناضجا في أوروبا في القرن "التاسع عشرا"، وهم الذين تركوا بتلك الأصول أثرهم في مؤرخي أوروبا في مطلع العصور الحديثة، الذين شرعوا بدورهم ينهجون في الكتابة التاريخية طريق النقد والتمحيص والتدقيق١.
стр. 145
المبحث الثاني: مراحل البحث التاريخي
إن الهدف من البحث التاريخي هو صنع معرفة علمية من الماضي الإنساني، ونعني بالعلمية أنها تستند إلى طائق عقلانية توصل إلى الحقيقة بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها، وهي ظروف تقنية "طبيعة الوثائق المستخدمة ووجودها" وظروف منطقية "تلك التي تحللها نظرية المعرفة"، هذا وإن مراحل أو خطوات صنع المعرفة العلمية هي:
١- اختيار الموضوع.
٢- تقميش المصادر.
٣- النقد.
٤- التركيب.
٥- إنشاء الموضوع١.
أي:
١- اختيار المشكلة.
٢- جمع الحقائق والوثائق وتدوينها.
٣- نقد الوقائع والحقائق.
٤- صياغة الفرضيات التي تفسر الأحداث واختبارها.
٥- تفسير نتائج البحث وكتابة تقرير عنه٢.
- اختيار موضوع البحث:
إن الأصول العامة لاختيار موضع المشكلة المراد بحثها واحدة في كل المناهج: