← Фикх общий

Фикх общий · id 8368

البحث العلمى أساسياته النظرية وممارسته العملية

رجاء وحيد دويدري

Полный текст (496 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبحث الأول: منهج البحث التاريخي عند العرب نشأ علم التاريخ عند العرب المسلمين فرعا من علم الحديث، وقد سعوا إلى المصادر الموثوقة وإلى الرواية الشفوية، واهتم مؤرخوهم بالمكان فمزجوا بين الجغرافيا والتاريخ، من مثل المسعودي وابن النديم، ومن ثم اعتمدوا على الوثائق الرسمية في مدوناتهم من مثل اليعقوبي والبلاذري والطبري وابن الجوزي والعماد الأصفهاني، كما اعتمد بعض المؤرخين النقوش الكتابية على الأبنية كالخطيب البغدادي، وابن الشحنة والأزرقي وكذلك النقوش على الأختام، وقد أشار ابن خلدون إلى هذا المضمون الشامل لمصادر التاريخ حين قال في مقدمته: "إن المؤرخ محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة"١. لقد عمل المؤرخون على بيان مظانهم في مقدمات كتبهم، أو في طليعة روايتهم للخبر، وفي القرون الأولى للتدوين التاريخي استخدموا "الإسناد" كما في "الحديث" وبذلك كانوا أمناء في نقل الأخبار، ويلاحظ هذا بخاصة لدى الطبري، وقد يستطيل الإسناد لديهم. أما النقد التاريخي عند العرب فقد بينه القرآن الكريم في آيات كثيرة، ضرورة إعمال العقل في ما يرى الإنسان ويسمع، وأكد على مفهوم البينة، والحجة، والبرهان،

стр. 142

ووجوب "التثبت من الخبر" وكلها أمور توجه الفكر إلى النقد العقلاني للأمور، وقد نبه الرسول الكريم محمد ﷺ في أحاديثه لضرورة تبين الصدق من الكذب أي نقد ما يرى ويسمع، ومن ثم أوجد علماء الحديث تدريجيا أصولا نقدية للتمييز بين الصحيح والموضوع من الأحاديث ولتصنيفها بحسب قربها من الحقيقة، واتبع المؤرخون العرب تلك الأصول للتحقيق من "صحة الخبر" أيضا، والأسلوب النقدي الذي ساروا عليه، واقتدوا فيه بعلماء الحديث كان "التجريح والتعديل" هذا النهج هو في المنهجية العلمية المعاصرة للبحث التاريخي، النقد الباطني السلبي أو ما يسمى بنقد المؤلف. لقد اتخذوا "الموازنة الزمنية" بين خبرين أو "الموازنة بعامة، من مثال ما أورده السخاوي في كتابه، بل إنهم استطاعوا بذلك النمط من الموازنة والمحاكمة الزمنية التاريخية أن ينقدوا ما يدّعي بأنه "وثائق" ويظهر زيفها، وإن المتتبع لحديث ابن خلدون عن "التاريخ" في مقدمته ونقده للمؤرخين العرب، يرى بوضوح أنه كان مدركا لمختلف عملياته وخطواته، وقد شجب ابن خلدون نقل المؤرخين عن بعضهم أو عن الرواة دون تدقيق أو تمحيص، كما حلل الأسباب التي تلزم المؤرخ على النقد والتمحيص. وميز في عملية النقد التاريخي وقواعدها بين نوعين من الأخبار: الأخبار الشرعية، والأخبار عن الواقعات، وبذلك رسم طريقا واضحة في عملية نقد الخبر أو الواقعة، وإذا كان بعض المؤرخين العرب قد التزم خطة دقيقة في النقد عددا منهم كانوا يتجاوزونه، وينقلون الخبر دون تمحيص عقلاني وقد نقدهم ابن خلدون في مقدمته من مثال نقده للمسعودي عن كيفية بناء الإسكندر للإسكندرية، وما نقله المسعودي في تمثال الزرزور الذي بروما، وحديثه عن مدينة النحاس بصحراء سجلماسه. حاول المؤرخون العرب ضبط الأحداث زمنا، بوساطة التوقيت لها بالسنة والشهر

стр. 143

والليلة وبهذا فاقوا مؤرخي اليونان والرومان، وأوروبا في العصور الوسطى وقد قال المؤرخ الإنكليزي بكل: "H. TH. Buchle" إن التوقيت على هذا النحو، لم يعرف في أوربا قبل "١٩٥٧م" وبالواقع أبدى المؤرخون العرب اهتماما فائقا بتحديد الزمن في الأخبار ويتضح هذا من تعريفهم للتاريخ بأنه "الإنسان والزمان" وأنه "الزمان وأحواله" ولكن جميع الأحداث في سلسلة زمنية، هو خطوة أولى في عملية التركيب التاريخي إلا أنها ليست لبّها، فالتركيب الحقيقي يقوم على ربط الأحداث ببعضها ربطا سببيا، وهذا ما عناه ابن خلدون عندما عرف التاريخ بقوله: "هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول ... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق"١. لقد اتهم المؤرخون العرب بأنهم لم يسعوا إلى التعليل أبدا بل اكتفوا بالسرد، ويتفاوت المؤرخون العرب في تقصيهم للأسباب في تفسيرهم للحوادث، إلا أنهم أدركوا بالمجموع أهمية العوامل الاقتصادية والجغرافية في دفع الأحداث، وفي التأثير على حياة البشر، وكذلك العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية، وندر جدا من المؤرخين من كان كتابه مجرد سرد ساذج لا يحمل ضمن السطور تأويله الخاص وتفسيره الذاتي. إن المستقصي لمجموع ما دونه العرب في التاريخ وهو وفير جدا، يتعرف تماما بأن التاريخ العربي قد اهتم بالقضايا السياسية العامة لا الفردية فحسب، كما أنه توغل في بنية المجتمع، ولم يكتفِ بعض المؤرخين المسلمين بتتبع أسباب الحوادث فقط، بل سعى لتكوين تركيب فلسفي لمعنى التاريخ ككل ومن هؤلاء المطهر بن طاهر المقدسي في كتابه "البدء والتاريخ" وقد يشبهه في هذا "أبو طالب عبد الجبار" الذي عاش في أواخر القرن "الخامس الهجري" وأوائل "السادس" في أرجوزته التاريخية التي صاغ فيها التاريخ الإسلامي شعرا منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى نهاية دولة المرابطين.

стр. 144

هذا وليس علميا البتة إطلاق أحكام عامة على مجموع التاريخ العربي والمعالجة السببية لدى كلية المؤرخين العرب المسلمين لكثرتهم، واختلاف الموضوعات التي بحثوا فيها، وتنوع مناهجهم في العمل وأساليب عرضهم، وقد ثبت في أذهان الباحثين نقد ابن خلدون لسابقيه لا سيما حول ابتعادهم عن تقصي السبب، ولعل مفهومات ابن خلدون العميقة والمثلى للكتابة التاريخية وأهدافها وصفات المؤرخ ومنهجيته، هي التي أوقعته بتلك الأحكام "العامة" القاسية، لأنه في مقدمته التاريخية كان قمة في التأريخ العالمي" لا "التأريخ العربي" فحسب، فهو أول من بحث جمعا وتفصيلا في عوامل العمران المختلفة، ودخل في فلسفة التاريخ بمضمونها الواقعي الدنيوي. كان أسلوب الصياغة والأداء عند العرب في معظم الأحوال بلغة عربية بينة وبليغة، ومصورة بوضوح ما يريدون تباينه، دون إدخال التأنق الأدبي فيه، إلا أنهم استعملوا السجع وضمنوا كتاباتهم الشعر والرواية القصصية وفي الواقع كان أسلوب كل مؤرخ عربي يتباين عن الآخر، إلا أن أسلوب الأغلبية كان واضحا وبينا يحيط بالحقيقة التاريخية ويبرزها. وهكذا نخلص إلى القول: إن منهج البحث التاريخي عند المؤرخين العرب المسلمين كان منهجا علميا في خطوطه العامة، وإن العلم الحديث يسجل لهم أنهم أول من ضبط الحوادث بالإسناد والتوقيت الكامل، وأنهم مدوا حدود البحث التاريخي، ونوعوا التأليف فيه، وأكثروه، إلى درجة لم يلحق بهم فيها من تقدمهم أو عاصرهم من مؤرخي الأمم الأخرى، وأنهم أول من كتب فلسفة التاريخ والاجتماع وتأريخ التاريخ، وأنهم حرصوا على العمل جهد طاقتهم بأول واجب المؤرخ وآخره "وهو الصدق في القول والنزاهة في الحكم" وبذلك يكون المؤرخون العرب هم الذين وضعوا الأصول الأولى "لمنهج البحث التاريخي العلمي الحديث" الذي بدأ ناضجا في أوروبا في القرن "التاسع عشرا"، وهم الذين تركوا بتلك الأصول أثرهم في مؤرخي أوروبا في مطلع العصور الحديثة، الذين شرعوا بدورهم ينهجون في الكتابة التاريخية طريق النقد والتمحيص والتدقيق١.

стр. 145

المبحث الثاني: مراحل البحث التاريخي إن الهدف من البحث التاريخي هو صنع معرفة علمية من الماضي الإنساني، ونعني بالعلمية أنها تستند إلى طائق عقلانية توصل إلى الحقيقة بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها، وهي ظروف تقنية "طبيعة الوثائق المستخدمة ووجودها" وظروف منطقية "تلك التي تحللها نظرية المعرفة"، هذا وإن مراحل أو خطوات صنع المعرفة العلمية هي: ١- اختيار الموضوع. ٢- تقميش المصادر. ٣- النقد. ٤- التركيب. ٥- إنشاء الموضوع١. أي: ١- اختيار المشكلة. ٢- جمع الحقائق والوثائق وتدوينها. ٣- نقد الوقائع والحقائق. ٤- صياغة الفرضيات التي تفسر الأحداث واختبارها. ٥- تفسير نتائج البحث وكتابة تقرير عنه٢. - اختيار موضوع البحث: إن الأصول العامة لاختيار موضع المشكلة المراد بحثها واحدة في كل المناهج:

стр. 146

التاريخي منها والوصفي والتجريبي، ويعني اختيار المشكلة اختيار موضوع البحث، أي طرح مشكلة تتعلق بالماضي كون لها أهمية واقعية وقيمة وجودية، والباحث الأصيل هو الذي يعرف كيف يختار المشكلة الحقيقية، ولقد كان المؤرخ التربوي الإنكليزي "اللورد أكتون" يوصي طلابه بجامعة كمبردج بقوله: "ادرسوا مشكلات لا فترات زمنية". إن المشكلة المطروحة يجب أن تنطلق من المبادرة الذاتية للباحث التاريخي، وتنبثق من فضوله العلمي الخاص وأن تكون جديدة في عنوانها ومضمونها، تضيف جديدا إلى المعرفة التاريخية، أكان في ميدان التوثيق أو في مجال التركيب، وقد يعيد بعض الباحثين موضوعات طرحت سابقا، إذا وجدت أصول تاريخية جديدة تسوغ إعادة بحث الموضوع من جديد، وإسقاط أضواء جديدة على بعض مناحيه، وأن تكون المشكلة بقدر طاقة الباحث على العمل ومدى قدرته على الحصول على الأصول الضرورية، وأن تكون هذه الأصول قادرة على تقديم ما يوضح المشكلة ويحلها، وأن تكون المشكلة بعيدة ما لا يقل خمسين عاما عن زمن الباحث١، وقد يدفع الباحث للمشكلة دفعا نتيجة الصدفة وهذا كثير في التاريخ القديم، حيث الوثائق نادرة. عند تعيين الباحث لمشكلة بحثه يكون في أحد وضعين إما أن المشكلة انبثقت في ذهنه واتضحت إحداها وعندئذ تم تحديدها بيسر أو أن يكون خالي الذهن عنها، أو أن الغموض يكتنفها في فكره، حينئذ يلجأ إلى القراءة والمطالعة، ليكون خلفية ثقافية يحدد عليها موقع المشكلة، ويقوم ببحث عام أولى عن مصادر المشكلة، ويلجأ بالاستفسار ممن لهم خلفية عن هذه المشكلة، ومن ثم يضع مخططا أوليا للنقاط التي سوف يعالجها بالبحث والدراسة وبهذا يتكون هيكل الموضوع وعنوانه. - جمع الحقائق والوثائق وتدوينها: إن وسيلة الإجابة على المشكلة هي جمع المصادر، وهي أهم أعمال المؤرخ، ويطلق

стр. 147

على هذا العمل باللغة الأجنبية اسم "هوريستيك" "Heurestique" فالتاريخ يُصنع بالوثائق١ وحيث لا وثائق لا تاريخ، وهذا ما يقوله المؤرخ المعاصر "لوسيان فيفر": "إن التاريخ دون شك يصنع بالوثائق المكتوبة إذا وجدت" وقد حاول بعض المؤرخين تصنيف الوثائق ضمن زمرتين: ١- الروايات المأثورة والمخلفات المحسوسة. ٢- وقال آخرون بتقسيم مصادر البحث إلى "أولي" أو "أصول" أو مصادر فقط، وإلى مشتقة "ثانوية" وسوف نأتي في موضع آخر على تفصيل ذلك، وقد تجمع المصادر معلومات أولية وثانوية، وبشكل عام يمكن تصنيف المصادر أو الوثائق إلى: أ- الوثائق المكتوبة أو المطبوعة. ب- الوثائق الأخرى. جـ- الرواية الشفوية المباشرة. أ- تشكل الوثائق المكتوبة المخطوطة والمطبوعة ميدانا واسعا وتشمل: ١- وثائق الأرشيفات "أو المحفوظات الحكومية". ٢- أرشيف المنظمات المختلفة في المجتمع كسجلات الجمعيات والنقابات بأنواعها والأحزاب والسياسية و ... ٣- المدونات الإعلامية: النشرات والصحف والدوريات المتنوعة والإذاعة ...

стр. 148

٤- التقارير السرية "حكومية أو خاصة". ٥- المؤلفات الأدبية والجغرافية والعلمية والفلسفية والفنية والتاريخية، وكل ما دون في مجالات المعرفة الأخرى، مما له أهميته. نشير بخاصة إلى المكتبات حيث يبحث المؤرخ فيها عن أمور ثلاثة: ١- البيبلوغرافيا "Bibliographie": وهي في معناها العام مجموع ما نشر عن موضوع معين وبمعناها الخاص "علم المؤلفات الخاصة بحقل معين من المعرفة وما نشر منها" وهي إما وضعية أو نقدية أو تحليلية، ولقد أدرك العرب قيمتها، وكتاب "الفهرست" لابن النديم "ت ٤٣٨هـ/ ١٠٤٧م" دليل على ذلك، ولم يبدأ الاهتمام بها في أوروبا إلا في القرن "الخامس عشر والسادس عشر" وتوسعت العودة إليها في القرنين "السابع عشر والثامن عشر" في أوروبا والعالم الإسلامي والوطن العربي، ونذكر في هذا الشأن "كشف الظنون عن أسامي الفنون" لحاجي خليفة "ت ١٠٦٧هـ/ ١٦٥٧م". البيبلوغرافيا: هي أداة البحث الأولى، وهي عالمية وعامة ووطنية، وقد نمت الأخيرة نموا كبيرا في القرن "العشرين"، وقد يلجأ الباحث التاريخي إلى "البيبلوغرافيا التاريخية" فحسب وحدودها سائبة كحدود التاريخ نفسه، ولقد تطورت، ونشير بخاصة إلى "بيبلوغرافيات الدوريات، ومن أشهر الدوريات التاريخية "المجلة التاريخية في فرنسا" و"المجلة التاريخية الإنكليزية" و"المجلة التاريخية الأميريكية" و"الألمانية" وقد نشرت المجلات التاريخية في "بيبلوغرافيا عالمية" خاصة هي: "World list historical Periodical and Bibiographes. Oxford ١٩٣٩". ٢- تضم المكتبة أيضا بعض وثائق الأرشيف وبعض الوثائق الأركيولوجية "النقود" وأدوات العمل الأخرى، فالموسوعات العامة "Encyclopidia" وهي كتب المعارف العامة، من مثال كتاب "تاريخ الرسل والملوك" للطبري، و"الكامل" لابن الأثير، و"العبر" لابن خلدون، مادتها مرتبة حسب الحروف الأبجدية، أو بحسب الموضوعات،

стр. 149

فهي لازمة للباحث التاريخي، تعطيه عناصر الإعلام الأولى التي توجه بحثه، وهناك الموسوعة الكبيرة "بالفرنسية" "١٨٨٥-١٩٠٢م" والفرنسية "١٩٣٥م" والألمانية "١٩٥٢-١٩٦٠م" والبريطانية "١٩٤٧م" والأميركية "١٩٤٠" والإسلامية، وقد صدرت باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وعمل على ترجمتها في مصر. هذا وجدير بالذكر دور المحفوظات "الأرشيف" "Archives" في التاريخ العربي، حيث كان يوجد في العهد الأموي "دار للقراطيس" تشبه ما نسميه اليوم "الأرشيف" كذلك في العصر العباسي، وبشكل عام كان للدول العربية الإسلامية أرشيفاتها الإدارية الضخمة، وصل إلينا منها ما ندر من مثال "أوراق البردي" وقد عملت كل دولة عربية على تأسيس دار خاصة للأرشيف "مديرية الوثائق" في سورية، مصر، المملكة الأردنية الهاشمية، و ... هناك بعض الوثائق في بعض دور الأرشيف الأجنبية منها في إسبانيا، إيطاليا، فرنسا، النمسا، إنكلترا، تركيا. ٣- ومن أدوات العمل معاجم الأعلام، ومعاجم اللغات المختلفة والأطالس التاريخية والجغرافية والخرائط، هذا بالإضافة إلى الأدوات المادية الضرورية للبحث التاريخي من مثال: قارئات "الميكروفيلم" ومصورات "فوتوغرافية" وبعض المواد الكيماوية المساعدة، وسوف نوضح في موضع آخر طريقة تصنيف ونسل المعلومات من هذه المصادر. ب- الوثائق الأخرى "Miscellaneaus": أي المخلفات المحسوسة وتشمل الآثار التي تختلف عن الأحداث من مثل المباني المتنوعة والطرق والجسور والبقايا الإنسانية والصور، والوسائل الناطقة كالأشرطة المسجلة والسجاد والأقمشة والفنون الأخرى، يليها المخلفات الأثرية وتحفظ في المتحف وهناك ثلاث مجموعات من المتاحف، متاحف الفن ومتاحف التاريخ ومتاحف العلم، وجميعها تهتم بالبحث التاريخي، وقد انتشرت العناية بها في الحقبة المعاصرة في أرجاء الوطن العربي لدورها العلمي والفني والتربوي، ويعتبر المتحف الوطني في دمشق من أفضل متاحف العالم

стр. 150

تنظيما وغنى بالمؤلفات الأثرية، ومنهج عمل الباحث في المتاحف مثل عمل الباحث في المكتبات والأرشيفيات. جـ- الرواية الشفوية المباشرة. وهي أقوال الأشخاص الموثوقين الذين شهدوا الحوادث الماضية بأنفسهم، وسمعوا عنها مباشرة، وكتاباتهم، وقد يستعين الباحث بشهادات أشخاص لم يروا الحادث بأنفسهم ولكنهم سمعوا عنه من أشخاص آخرين، أو قرءوا عنه في مصادر مفقودة أو غير ذلك. هذا وتشكل الرواية الشفوية مصدرا هاما من مصادر البحث التاريخي، حيث يقوم الباحث بالاتصال بالناس الذين عايشوا المشكلة وشاهدوها، أو اشتركوا فيها فعليا بعد أن يكون قد أعد مجموعة من الأسئلة الشاملة الذكية يطرحها عليهم، وقد تكون أجوبتهم مكتوبة أو شفوية، وقد يكون الاتصال بهم مباشرة، وهو الأفضل أو بوساطة الكتابة إليهم، ونشير هنا إلى وجوب خضوع هذه المصادر لنقد الباحث التاريخي من حيث سلامتها الجسمية والنفسية والعقلية والأهواء والميول والعواطف.

стр. 151

المبحث الثالث: نقد الوقائع والحقائق يطلق على عملية "التحليل" المفصل للاستدلالات التي تقود من ملاحظة الوثائق إلى معرفة الوقائع والحقائق اسم "النقد" وهي عملية ضرورية لجميع الوثائق مهما كان نوعها، يقوم فيها الباحث التاريخي بعملية فكرية تراجعية، نقط الانطلاق فيها الوثيقة، ونقطة الهدف الواقعة التاريخية، وبينهما سلسلة من الاستدلالات تكون فيها فرص الخطأ عديدة. إن مصادر المعلومات في معظمها مصادر غير مباشرة، تتراوح بين شهادات الأشخاص الذين حضروا الحوادث أو الذين سمعوا عنه أو كتبوا عنه، وبين الآثار والسجلات والوثائق التي تركوها، وحيث أن هذه الوثائق معرضة للتلف والتزوير

стр. 152

بسبب قدمها، كما أن كاتبها معرضا للنسيان أو التزوير، لهذا تطرح تساؤلات حول مدى موضوعية الوثيقة ومدى تطابق معلوماتها مع معلومات وثائق أخرى، وهل كتبت مباشرة بعد الحادثة أم بعد مرور فترة زمنية، هل كان صاحبها في صحة جسمية ونفسية سليمتين، هل كانت هناك حرية الكتابة حينما كتبت، أم أنها كتبت بتأثير من سلطة أو وجهة نظر ما، كما أن كثيرا من المسلمات التي كانت شائعة اكتشف الباحثون أنها ليست صحيحة. إن ما ذكرناه من حيث نقد الوثائق، يعود بنا إلى نقد مصادر الخبر من حيث معرفة سلامتها أو زيفها والأسباب التي تدعو إلى التحريف والتشويه والخطأ المتعمد فيها وغير المتعمد كان أمرا معروفا منذ القدم، وقد برع المسلمون في ميدانه عندما نقدوا "الحديث" و"الخبر" ووضعوا له قواعد صارمة، وقد اقتبس الأوربيون في العصور الحديثة كثيرا من أصوله، وارتقوا به من القرن "الخامس عشر" حتى الوقت الحاضر ومع توافر الكثير من الأدوات الميسرة له اليوم، فإنه يمكن القول: إنه احتفظ بإطاره الأساسي التقليدي الذي حدده "لانغلوا" و"سينوبوس"١ في عمليتين رئيسيتين: ١- النقد الخارجي. ٢- النقد الداخلي. وفي كليهما على الباحث أن تكون قراءته فاحصة متأنية، تتناول شخصية المؤلف أو الكاتب كما تتناول الوثيقة شكلا ومضمونا، بحيث تخرج على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي٢. يتناول الباحث في النقد الخارجي للوثيقة هوية الوثيقة وأصالة الوثيقة "Authenticity" أي صدق الوثيقة أو عدمه "إثبات صحة الأصل"، تحديد مصدر

стр. 153

الوثيقة زمانها ومكانها، هل هي الأصل أم منسوخة عنه، هل كتبت بخط صاحبها أم بخط شخصي آخر، هل كتبت بلغة العصر الذي كتبت فيه أم تتحدث بمفاهيم ولغة مختلفتين، وهل المواد التي كتبت عليها كانت مستعملة في زمن كتابتها، هل تتحدث عن أشياء كانت غير معروفة في ذلك العصر، وهل يطابق مظهرها مخبرها، هل في نصها إضافة أو حك أو تغيير، وهل تقبل على حقيقة معينة أم لا تقبل؟ ما هي هوية المؤلف، والبحث عن موارد الأصل١، هل تحمل اسم صاحبها أو تحمل اسما مستعارا؟ ويتحقق الباحث من ذلك بمقارنة الوثيقة من حيث الأسلوب والخط بأعمال أخرى للمؤلف والفترة الزمنية التي كتبت فيها الوثيقة، وهل هناك أحداث وردت في الوثيقة، وأماكن لم يكن يعرفها شخص عاش في عصر كاتب الوثيقة، وإذا كان المؤلف مجهولا وكانت الوثيقة غير مؤرخة فهل في مضمون الوثيقة ما يكشف عنهما؟ بعد أن يتم التأكيد من زمان ومكان الوثيقة وتحقيق شخصية الباحث فإن النقد الداخلي أو الباطني يسير نحو تحقيق عمله لتقويم الوثيقة، معنى المادة الموجودة في الوثيقة وصدقها، هل كتبت بناء على ملاحظة شخصية مباشرة أم نقلا عن رواة، ويسير ذلك وفق خطوتين: الأولى هي النقد الداخلي الإيجابي والهدف منه تفسير الأصل التاريخي، وإدراك معناه الحقيقي، ويمر ذلك بدورين: الأول تفسير ظاهرة النص وتحديد المعنى الحرفي له، والثاني إدراك المعنى الحقيقي للنص أي هدف المؤلف مما كتبه. أما النقد الداخلي السلبي فيتناول مدى دقة الحقائق التي أوردها صاحب الأصل وإخلاصه، الموضوعية فيها، ويعنى هذا تحليل شخصية المؤلف وظروفه، ومدة صحة ما أورد من حوادث، أي إثبات الحقائق التاريخية، ويرتبط ذلك ارتباطا كبيرا بتقويمها أي بمدى فهمها وشرحها، ويتعلق ذلك بشخصية الباحث التاريخي وخياله المبدع

стр. 154

وثقافته الواسعة وقوة ملاحظته ومقدماته، وكل هذا يوضح لنا التعقيد الشديد للتحليل أو للنقد التاريخي، إلا أنه يبين لنا في الوقت نفسه الضرورة المطلقة له. هذا ولا بد أن تتوافر لدى الباحث معارف تاريخية عامة وخاصة كافية، وحس تاريخي وذكاء لماح وإدراك عميق ومعرفة بالسلوك البشري، ومعرفة أيضا بالعلوم المساعدة من مثل فقه اللغة والكيمياء وعلم الأقوام وعلم الخرائط وعلم النقود وعلم النفس، والإلمام بالفنون والأدب، ومعرفة الخطوط واللغات القديمة منها والحديثة، مما يتطلب تدريبا للباحث، رغم إمكانية الاستعانة بالمتخصصين في كثير من هذه الأمور. لقد مارس العرب المسلمون عند نقدهم للأحاديث المروية عن الرسول الكريم هذا النوع من النقد "الداخلي" بشكل واسع، واستخدموا لهذا الغرض التجريح والتعديل، وبحسب الثقة التي منحوها لشخصية المحدث فإنهم أخذوا روايته أو رفضوها، ويمكن الرجوع إلى ما كتبه الغزالي "ت ٥٠٥هـ/ ١١١١م" في كتابه "المستصفى من علم الأصول"وما دونه ابن الصلاح١ "ت ٦٤١هـ/ ١٢٤٣" في كتابه "مقدمة في علم الحديث" للاطلاع على عدالة الراوي، وقد طرح المؤرخ "سينوبوس" جملة من الأمثلة توضح واقعها أسباب الخطأ، فيما يقدمه مؤلف النص من وقائع، وربما أخذ جزءا كبيرا مما طرحه ابن خلدون في مقدمته عن "أسباب الكذب في الخبر"١. وقد أورد "فان دالين" مبادئ عامة للنقد نورد فيما يلي أهمها: ١- لا تقرأ في الوثائق القديمة مفاهيم أزمنة متأخرة. ٢- لا تحكم على المؤلف بأنه يجهل أحداثا معينة لأنه غفل عن ذكرها. ٣- لا تقلل من قيمة المصدر ولا تبالغ في قيمته. ٤- لا تكتفي بمصدر واحد حول حقيقة واحدة.

стр. 155

٥- الأخطاء المتماثلة في مصدرين أو أكثر تثبت نقلها بعضها عن بعض. ٦- إذا ناقض الشهود بعضهم بعضا في واقعة فقد يكون أحدهم صادقا، وقد يكونون مخطئين جميعا. ٧- النقاط التي يتفق عليها شهود كثر أكفياء مباشرون تعتبر مقبولة. ٨- قد تعطي وثيقة ما دليلا كافيا في نقطة معينة ولا تعطي مثل هذا الدليل في نقطة أخرى. ٩- الشهادات الرسمية شفوية أو كتابية، يجب تأييدها ما أمكن بأخرى غير رسمية١.

стр. 156

المبحث الرابع: التركيب التاريخي أعطائنا النقد التاريخي ما نسميه بـ "حقائق التاريخ" بشكل مبعثر متفرق ومجرد، ولا بد لهذه الحقائق أن تنظم ويتم الربط بينها، بفرضية تعلل الحادث وتبين مجرياته وتعلل أسبابه وتحدد نتائجه. إن الباحث حين بدأ يجمع الحقائق ونظر في المصادر لم يكن يفعل ذلك من لا شيء وإنما كانت له فرضية مبدئية جمع الحقائق وفقها ونظر في المصادر بوحي منها، لهذا فإنه يعود لفرضيته هذه بعد أن جمع هذه الحقائق ونقدها فيعيد صياغة الفرضية في ضوء ملاحظاته ومكتشفاته ويعدل فيها في ضوء مما توصل إليه مع الإشارة إلى أن طبيعة البحث التاريخي تقتضي حتما اختلافا في نوعية القروض وكيفيتها وتتطلب مهارة خاصة، كما أن سمات الحادثة التاريخية وماهيتها وغيابها، وكونها وقعت في الماضي، لا تتكرر، متعددة العوامل متشابكة الأسباب كل ذلك يجعل الفرضية في البحث التاريخي صعبة، كما تتطلب من الباحث أن يتميز بصفات من حيث قراءة المعرفة

стр. 157

والخيال الخصب الواسع، ومهما كان الأمر فإن درجة اليقين التي تنتهي إليها الفروض التاريخية، أقل بكثير من درجة اليقين التي يتوصل إليها علماء الطبيعة. تتضمن عملية التركيب التاريخي عمليات مترابطة متداخلة مع بعضها، تكون صورة فكرية واضحة لكل حقيقة من الحقائق المجمعة لدى الباحث: ١- قيام الباحث بتكوين صور فكرية واضحة لكل حقيقة من الحقائق المتجمعة لديه، وللهيكل العام لمجموع بحثه، أي يكون صورة عن واقع الماضي تنشئها مخيلة الباحث، من منطلق مشابهة الماضي الإنساني للحاضر، إلا أن المعطيات الوثائقية المتنوعة تجعلها أكثر وضوحا، وتقود الباحث نحو أساس واضح، يجمع الحقائق المتوفرة لديه وفقه، أي أنه يضيف الحقائق وفق كل جزئية من جزئيات "الصورة المتخلية". ٢- تصنيف الحقائق بحسب طبيعتها الداخلية وقد ظهر مؤخرا وببطء، ونشأ أولا خارج حدود التاريخ، بخاصة الموضوعات التي تعالج حوادث إنسانية خاصة، تجمع الحقائق الاقتصادية مع بعضها، كذلك الفكرية والاجتماعية والسياسية، وكان المؤرخون السابقون يصنفون الحقائق استنادا إلى الظروف الخارجية: المكان والزمان، تاريخ مرحلة زمنية ما، أو بلد معين، أو سيرة رجل. وقد وضع "لانغلوا" و"سينوبوس" نموذجا أو هيكلا من هذا النوع لتصنيف الحقائق، جمعا فيه طبيعة الظروف الخارجية، وخصائص الحقائق، ومظاهر النشاط والفعالية الإنسانية وقد تضمن هذا النموذج ما يلي: ١- الظروف المادية. ٢- العادات الفكرية. ٣- العادات المادية. ٤- العادات الاقتصادية. ٥- المؤسسات الاجتماعية. ٦- المؤسسات العامة. ولا بد من التأكيد أن أنواع التصنيف "الزمني، الجغرافي، المنطقي أي بحسب الخصائص ونوعها" لا يستخدم أحدها مستقلا عن الآخر تماما، إنما هي متداخلة فيما بينها، وعندما يضيف المؤرخ حقائقه تبدو أمامه مسألة جديدة بالعناية، وهي أن كل

стр. 158

عمل إنساني ظاهرة فردية محددة بالزمان والمكان، ولكنه يشبه أعمالا أخرى للشخص ذاته، أو أعمال رجال آخرين ينتمون للبيئة نفسها، أو البيئة الأخرى، ويمكن أن يطلق على هذه الأفعال المتشابهة لفظ "عادات" أو "نظم" وهما "حقائق جماعية" تمتد في الزمان والمكان. ولا يكتفي المؤرخ بالمقارنة بين حوادث زمن وآخر في بيئة واحدة، وإنما عليه أن يدرس أوجه الشبه والاختلاف بين الظاهرات المختلفة، في بيئات متنوعة، وأزمنة واحدة أو مختلفة، يقف المؤرخ من خلال ذلك على تشابه في بعض الظاهرات، على مستوى المجتمعات كلها، مما يدفع المؤرخ إلى وضع "تعميمات" تجعل الصياغة التاريخية أقرب إلى الصياغة العلمية المحددة "بالقانون". ٣- يملك المؤرخ المحاكمة أو ما يسمى ملء الفجوات والثغرات التي يجدها الباحث في هيكل التصنيف لأنه لا يستطيع ملء هذه الثغرات بالملاحظة المباشرة أسوة بالباحثين في العلوم الطبيعية، وهناك طريقتان في هذا الشأن. أ- الطريقة السلبية، وهي الاعتقاد بأن الحادث الناقص لم يقع، ولكي تصبح المحاكمة سليمة من الضروري تأكيد ما يلي: ألا يكون هناك وثائق أبدا تشير إلى الحادث الناقص، وأن تكون الواقعة التاريخية الناقصة من نوع لا يمكن إلا ملاحظتها وتدوينها لأهميتها في عصرها، هذا ولا يمكن استخدام الاجتهاد "السلبي" إلا في حالتين: ١- إذا كان هم مؤلف الوثيقة التي لم تذكر فيها الحقيقة، أن يذكر بدقة وانتظام جميع الوقائع، التي هي من نوعها، والتي كان على صلة وثيقة معها، كعدم إشارة الشهر ستاني١ في كتابه "الملل والنحل" إلى فرقة دينية ما ظهرت في فترة سابقة لوجوده، قد تكون حجة على عدم وجودها، لأنه عرف بتقصي جميع الملل والنحل في كتابه. ٢- أن تكون الحقيقة أو نوعيتها قد أثرت تأثيرا كبيرا في فكر مؤلف الوثيقة حتى

стр. 159

أنها غدت جزءا من مفهوماته الفكرية الرئيسة، كأن تفتقد ظاهرة فكرية بارزة لدى مؤرخ عرف بدقته في تقصي الحقائق الفكرية. ب- الطريقة الإيجابية: وتعتمد على استنتاج حقيقة لم تشر إليها الوثائق من حقيقة أثبتتها الوثائق، ويعتمد الاجتهاد الإيجابي على فرضيتين الأولى عامة ومنبثقة من كليات عامة مستمدة من تجارب الإنسان، والثانية، خاصة ومنبثقة من الوثائق، ويبدأ المؤرخ عادة بالفرضية الخاصة، بالحقيقة المستفادة من الوثائق، من مثال: مدينة ما تحمل اسما عربيا، ولكن الوثائق لا تذكر من بناها، فعلى المؤرخ أن يعرف مؤسسها، فإذا وقع الباحث على الفرضية العامة القائلة بأن اسم مدينة ما هي غالبا لغة الشعب الذي أنشأها فإنه يستنتج أن هذه المدينة أسسها العرب، لأنها تحمل اسما عربيا. ولكي تكون النتيجة صحيحة وثابتة يجب أن يتوافر شرطان: ١- أن تكون الفرضية العامة صحيحة كل الصحة: أي يكون الارتباط بين الواقعتين التاريخية وثيقا جدا، وإذا استوفى هذا الشرط، يكون لدينا في الواقع "قانون" بالمعنى العلمي للكلمة، ولكن من الواضح أننا بمعالجتنا لوقائع الإنسانية، لا يمكننا أن نعمل إلا "بقوانين فرضية" منبثقة من تعميمات ناقصة، فهذه "القوانين الفرضية" قريبة من الحقيقة بالنسبة إلى مجموعة محددة من الوقائع، إلا أنها ليست صحيحة دائما، ففرضية ارتباط اسم المدينة بالشعب المنشئ لها، المذكورة آنفا، ليست صحيحة دائما، من مثال سيراكوز في أمريكا "شمال غرب نيويورك" تحمل اسما إغريقيا، ومن ثم لا بد من توافر شروط أخرى قبل إصدار حكم بأن اسم مدينة متعلق بجنسية مؤسسيها. ٢- يجب أن يكون لدى الباحث معرفة تفصيلية عن الحقيقة الخاصة، أي قبل إصدار الحكم حول الشعب الذي أسس مدينة ما، لا بد للباحث من دراسة الظروف المختلفة المحيطة بالمدينة، كموقعها وعادات الشعب، وتطورات تاريخها، أي لا بد من الاعتماد على مجموعة من الظاهرات والتفصيلات، لا على ظاهرة واحدة، ولا سيما أن الكليات

стр. 160

العامة مستمدة في أغلب الأحيان من معلومات عن الحياة الاجتماعية وتحتوي معظم هذه المعلومات على عنصر من الشك، ولذا لا بد من الحذر. هذا ولا بد من التأكيد على أن يكون الباحث متزويا في عملية الاجتهاد التاريخي، وحذرا في اجتهاداته واستنتاجاته، وألا يذهب فيها بعيدا، ولا يعتمد على تعميمات ضعيفة لا أدلة أو براهين كافية عليها، علما بأن الاجتهاد لا يؤدي إلى نتائج قاطعة وثابتة، وإنما إلى نتائج تقريبية، كما أن بعض القضايا التي لم تنشر إليها الوثائق، قد تبقي حائرة لا أرى حاسم فيها، حتى يكتشف من المصادر ما ينير غموضها، وعلى الباحث أيضا ألا يسرف في تحليل الأصول، بحيث يحملها من الاجتهادات أكثر من محتواها الحقيقي، كما لا يجوز أن يخلط بين الحقائق المؤكدة التي توصل إليها من وثائقه، وبين الوقائع التي حصل عليها بالاجتهاد، وفي الحالة الأخيرة عليه أن يبين بصراحة أنها استنتاج، وأن يظهر مدى ثقته أو شكه بها. ٤- ربط الحقائق التاريخية ببعضها أو البحث عن علاقات قائمة بينها؛ التعليل: وهي ذروة العملية التركيبية في التاريخ، والنتائج النهائية لها، ويقودنا بحث العلاقة بين الحقائق إلى موضوع هام في منهج البحث التاريخي، وهو موضوع التعليل، أو البحث عن الأسباب، ولقد أكد التيار الحديث في الكتابة التاريخية أن دراسة التاريخ هي دراسة أسباب، وإذا كان جمع المادة التاريخية يشكل الخطوة الأولى، فإن التعليل يشكل الخطوة الأخيرة الحاسمة، وهو الذي يقود إلى الصيغ العامة التي تشبه إلى حد ما القوانين، والتي تحاول أن تكشف النسيج الذي يكون ماضيه الإنسان في دوافعه وروابطه١، فسرد الأحداث متسلسلة زمنيا أو مصنفة نوعا، مهما بلغ من الدقة والموضوعية، لم يعد يمثل في نظر المؤرخين المعاصرين سوى تقويم "كرونولوجي"، لا يفسر واقع الإنسان وفعاليته المختلفة، ولا بد من إدخال الروابط المنطقية والمعقولة،

стр. 161

ضمن تلك الأحداث، والتساؤل عن أسباب ازدهار الحضارات وانحطاطها، وتفوق الأمم وتدهورها، وتفجر الثورات وخمودها إلى غير ذلك من الأمور، فالسببية هي الركن الأساسي الذي يقيم التاريخ عليها علميتهن ويحاول أن يتساوى بها مع العلوم الأخرى. لقد أكد ابن خلدون على مبدأ "العلية" أو "السببية" عندما ألح على أن التاريخ "في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق"١. إن اهتمام المؤرخين بسببية الأحداث يعني إيمانهم بأن "التاريخ ليس مجرد أحداث لكنه يستند كالعلوم الأخرى إلى فرضية مسبقة، هي أن ثمة قوانين تسير هذا النظام من الأحداث على الشكل الذي يجري فيه، وقد أكد هذه الفرضة "هيغل"٢ بنظريته القائلة: "إن الزمان والمكان والفردية، ليست وحدات مستقلة مشتقة بعضها عن بعض، كما أن الواقعة التاريخية ليست فردية، كل شيء في الوجود يتم وفق مخطط منطقي عام تجري الحوادث بموجبه، فلا صدفة في التاريخ، بل لا علل مبدئية لحوداثه، فهذه الأخيرة ليست إلا أسبابا ظاهرية". وقد تبنى هذه المفهوم بأطره العامة عديد من المؤرخين في القرن "التاسع عشر" من مثال المؤرخ الفرنسي ميشله "١٧٩٨- ١٨٧٤م" الذي رأى في مجرى الحوادث دورها الخاص في تقديم المجتمع الإنساني، وكانت مدار دراسات وتأملات فلاسفة التاريخ، وما زالت مشكلة السبب التاريخي في جوهرها دون حل رغم محاولات المؤرخين تلمس أسباب الحوادث. يضاف أخيرا مشكلة كبرى هي مشكلة "الاحتمال والصدق" فهناك أمور تبدو خارجة عن حدود إرادة الإنسان، ومن هنا كانت السببية في التاريخ هي محاولة للكشف عن السبب ولكن عن تلك المجموعة المركبة من الأسباب والعوامل الكامنة

стр. 162

في كل حدث، وهكذا فإن المشكلات الكثيرة التى لا تزال تحيط بمفهوم السببية في التاريخ، دعت عددا من الفلاسفة إلى إخراج لفظ "سبب" من قاموس المؤرخين، ورغم ذلك فإنه لا بد للباحث من المضي في مضمار التعليل، لأن المقصود من السببية في التاريخ تفسير أحداثه، أي جعلها أكثر فهما وإيجاد معناها، وبيان أمور فيها تبدو غير ذات معنى. يقسم والش "Walsh"١ مفهوم تفسير التاريخ أو البحث عن التعليل فيه إلى ناحيتين: الأولى هي "البحث عن المعنى في التاريخ" والثانية هي البحث في معنى التاريخ، تكون الأولى عندما يبحث المؤرخ في معنى "حادث" أو "مجموعة من الحوادث" في بيئة محدودة، مثلا تساؤله عن أسباب الموجة الأولى من الفتوحات العربية الإسلامية، فالبحث يجري في مجموعة من الأحداث المحددة في الزمن وإلى حد ما في المكان، وهذا العمل بحسب "والش" هو عمل المؤرخ، وفي هذا المضمار يمكن للباحث التاريخي أن يصل بغيته بطرق شتى أهمها: ١- أخذ ما ذكر في الأصول التاريخية نفسها عن مثل تلك الأسباب. ٢- قيام المؤرخ بدراسة العناصر الداخلة في كل حادث تاريخي على حدة وتحليلها. ٣- وضع بعض الفروض التي يتخيلها الباحث من ظواهر الحقائق التي تعرض له، ومحاولة إثبات أو نفي هذه الفروض حسبما يملك من حقائق بنزاهة وموضوعية. وعند تحليل الباحث لعناصر العلاقات في الحادث المدروس لاستخلاص أسبابه، يجب أن يلجأ إلى طريقة "المقارنة" متبعا بذلك طريقة العلماء الطبيعيين ونحوهم آخذا بالاعتبار ما يلي: ١- إن دراسة التاريخ تدور حول "تاريخ الإنسان" والإنسان كائن معقد.

стр. 163

٢- إن الحوادث التاريخية لا تخضع لسبب واحد، بل لمجموعة من الأسباب. ٣- إن أحداث التاريخ محدودة بالزمان والمكان. أما الناحية الثانية في دراسة التعليل التاريخي، وهي دراسة معنى التاريخ ككل، فإن والش يؤكد ويلح على أن هذا لا علاقة خاصة له بعمل المؤرخين، لأن التساؤل عن معنى التاريخ ككل هو سؤال فوق التاريخ، فالتاريخ بمعناه الحقيقي هو انصباب جداول عديدة من الأجناس والأمم والعادات والحكومات والصناعات والأفكار والإرادات في تيار واحد من الأمل التقدمي وقد طرحت عدة نظريات للتعليل الواحد في التاريخ، أو معنى التاريخ ككل. تقتسم اليوم ميدان فلسفة التاريخ مدارس عدة، تياراتها يكمل الواحد الآخر، وتحاول جميعها أن تنظر إلى تاريخ الإنسانية وحدة متكاملة، والمذاهب الفلسفية المعاصرة هي: ١- المدرسة البيوغرافية "مدرسة سيرة الأشخاص" أو مدرسة التراجم. ٢- المدرسة العلمية، أي أن التاريخ هو دراسة التطور العلمي التقني للإنسان. ٣- المدرسة الاقتصادية، وتنظر إلى كل التاريخ على أنه صراع الكتل البشرية أو الجماهير ضد استغلال الطبقات. ٤- المدرسة الجغرافية وترتبط بالمدرسة الاقتصادية في التفسير التاريخي، فأعمال البشر مسيرة بالجوع المادي والموقع الجغرافي. ٥- المدرسة الاجتماعية: تحاول أن تبحث في أصل المجتمع وبنيته ونشاطاته، معتمدة على الأسباب الطبيعية والحيوية العاملة كلها معا في موكب تطوري. ٦- المدرسة الفكرية المثالية: ويرى مؤرخو هذه المدرسة أن قصة تقدم الأفكار الإنسانية هي تاريخ الجنس البشري.

стр. 164

٧- المدرسة التركيبية الشاملة: ويعترف فلاسفتها بأهمية الإسهامات التي قدمتها المدرسة الفلسفية الأخرى، وأن قيمة هذه الإسهامات لا تبين إلا عندما نركبها في نظرة عالمية للتاريخ. وهكذا فإن تقدم الجنس البشري بكليته يصبح مفهوما عندما ننظر إليه على أنه تتابع عوامل وجود فردية وعلمية واقتصادية وجغرافية واجتماعية وفكرية، فالتاريخ هو القصة الكاملة للعالم بكل سعته. إننا ننهي بحث التعليل في التاريخ بالقول: إن على الباحث التاريخي أن يستفيد من مدارس فلسفة التاريخ كلها، وأن يسعى إلى البحث عن جميع الأسباب والعوامل والدوافع المشار إليها آنفا في إطار بحثه دون فكرة مسبقة، وألا يأخذ بنظرية واحدة، وأن يختار من الحقائق ما يؤيدها. وهكذا يتضح أن مرحلة التركيب التاريخي، هي أشق المراحل في البحث التاريخي، وأكثرها صعوبة، تظهر فيها إمكانية المؤرخ، لأن ما ذكر من مراحل في إعداد البحث التاريخي تتطلب محاكمة قوية وسليمة، وخيال مبدع، وثقافة واسعة عميقة، وموضوعية تامة.

стр. 165

المبحث الخامس: إنشاء البحث التاريخي من خلال ما قام به الباحث التاريخي من إجراءات توصل إلى مجموعة كبيرة من الحقائق في هيكل تصنيفي معين، وفي سياق تعليلي محدد، وعمله لا يكتمل إلا بالتدوين ويميز النقاد التاريخيون في هذه الخطوة بين عمليتين: عملية الصياغة وعملية العرض. أ- الصياغة التاريخية: وهي آخر العمليات التركيبية، يسعى فيه المؤرخ للتعبير عن نتائج بحثه. وهي تقابل في العلوم الأخرى الدساتير أو القوانين التي تأخذ في بعض العلوم "صياغة رياضية" أما في التاريخ فالصياغة وصفية، دقيقة موجزة وهنا يصطدم

стр. 166

المؤرخ بمشكلة هي أول ما يجابهه وهي مشكلة "ما هو المهم" من الحقائق التاريخية، وفي أغلب الأحيان تستمد الحقيقة أهميتها من علاقتها ببيئة المؤلف وعصره وبهدفه أو أهدافه في كتابه التاريخ، ومن المؤكد أن هناك حقائق في كل موضوع بمثابة العمود الفقري منه، ولا معدى لجميع المؤرخين الذين يطرقونه عن الاستناد إليها، مهما كانت الظروف والعصر اللذان يعيشون فيهما، ومع ذلك فإنه يمكن القول: إن هذا لا يضمن اتفاقهم في القواعد العامة التي يصلون إليها، إذ قد يجد كل واحد منهم في الحقائق ذاتها معاني مختلفة. وقضية ما هو مهم لها تفسيران: المهم في نظر الماضي والمهم الآن، والتاريخ العلمي الدقيق بحسب المؤرخ الألماني "فون رانكة١: ١٧٩٥-١٨٨٦م" هو القائم على المعنى الأول وهذا يتطلب توفر ما يسمى "الحاسة التاريخية" لدى الباحث، وهذا الاتجاه في الدراسة التاريخية، هو ما يعبر عنه بلفظ "الموضوعية" وهو الذي ساد في القرن "التاسع عشر"، وسعى المؤرخون خلاله أن يحققوا بهذا المثل الأعلى. شاع التيار الثاني منذ مطلع القرن "العشرين" الذي تحدى فكرة "الموضوعية" على أساس أنها غير ممكنة التحقيق، ومع أنه من المتفق عليه مبدئيا أن الباحث الموضوعي ينتقي عادة من الحقائق ما كان لها أكبر النتائج على تطورات أتت بعدها، أو ما يمكن أن يستشف منها ما سيأتي، أو تلك التي انبثقت بشكل طبيعي مما سبقها، فإن النقادة التاريخية قد وضعوا بعض نقاط هادية في هذا الطريق، وميزوا بين ثلاثة أنواع من الحقائق: الحقائق العامة وهي المشتركة بين مجموع كبير من الناس أو الحقائق التي لها صفة أكثر ديمومة من غيرها "العادات، النظم" والحقائق الفردية أو الشخصية وهي التي تخص شخصية تارخية معينة، وحقائق الحوادث وتعتبر من الحقائق الخاصة لأنها تحدث مرة واحدة ومحددة بزمانها ومكانها.

стр. 167

تدعم الصياغة الكمية الصياغة الوصفية للحقائق، وهي الآن عنصر حيوي في الكتابة التاريخية المعاصرة، ويمكن حصر الصيغة الكمية في التاريخ بـ: المقياس والتعداد وهو أمر إحصائي والتقدير وهو تعداد ناقص يقوم به الباحث في مجال محدود وأخذ العينات أو النماذج وهو تعداد نسبي مقصور على بعض وحدات مأخوذة من ميدان البحث. قد تترجم الصيغة الكمية في التاريخ إلى صيغة خطية بيانيا معتمدا فيها الباحث على الوسائل الإحصائية المختلفة، كما أن الصيغة الوصفية تعتمد على صيغة مكانية بيانية توضحها طريقة ما فالصياغة التاريخية إذن هي تركيز وتكثيف مدون للحقائق التاريخية العديدة، ومحاولة لوضعها في صيغة عامة واحدة. وفي الحقيقة إن عملية الصياغة التاريخية هي جزء من عملية التركيب التاريخي، إذ قد تقود إلى التعليل أو التعليل إلى الصياغة الصحيحة، وهي تركيز وتكثيف مدون للحقائق التاريخية العديدة، ومحاولة لوضعها في صيغة عامة واحدة، تسقط منها الحقائق المتغيرة وتبقى الثابتة والمشتركة منها. ب- العرض التاريخي: وهو إخراج الموضوع وحدة كاملة متماسكة الأطراف، بحيث يكون إحياء للماضي يتحسسه الباحث القارئ، وهذه الخطوة هامة وعسيرة، ويتبين في العرض أمران رئيسيان: أولهما اتباع الباحث مخططا واضحا وثانيهما استخدام الباحث أسلوبا كتابيا ملائما والعمليتان متكاملتان. سوف نتحدث في موضع آخر عن كيفية كتابة تقرير البحث في مختلف مناهج البحث العلمي، مما يعفينا هنا من التفصيل في ذلك، وتكفي الإشارة إلى أن البحث العلمي يشمل في صورته التقليدية: المقدمة، المتن، النتائج، الهوامش، بحيث يشمل مشكلة البحث والفرضية الأساسية

стр. 168

التي قام عليها البحث والفرضيات الثانوية التي تفرعت عنها، ثم طرائق الباحث في النقد والبحث والنتائج التي توصل إليها، وأخيرا قائمة بمراجع البحث والفهرسة الأبجدية والفهرسة العامة. يعرف الباحث حقائقه بموجب الصيغة التي توصل إليها مترابطة ومتماسكة وشارحة وموضحة الواقع التاريخي الماضي، مع تأكيد على التعليل ومناقشة رصينة للآراء، ودعم بالأدلة والشواهد، وقد لا يستدل الباحث بمعنى مضمون الوثيقة فحسب، وإنما يقتبس من النص فقرة أو فقرات، وقد يتضح للباحث أثناء عرضه التاريخي أن هناك نواقص وثغرات في بحثه لا بد أن تستوفي، فيلجأ إلى بحث تلك النواقص، وقد يضطر إلى تعديل نتائجه بل وتغيير توضيع الفصول نفسها. نشير بخاصة إلى أسلوب عرض البحث التاريخي، إذ أن الأسلوب الأدبي الصرف غير مستساغ أبدا في الكتابة التاريخية، لأنه قد يحرف الحقائق عن مسارها الدقيق، بما يطرحه من ألفاظ عامة، أو حاملة لصفة المبالغة، أو منجرفة وراء الخيال، فالكتابة التاريخية فن لا يمتلك ناصيته جميع المؤرخين، إنها كتابة بعيدة عن الإطناب الممل والاختصار المخل، بعيدة عن المبالغات أو التعصبات أو الإخلال بالموضوعية تظهر من خلالها شخصية الباحث الذي يجب أن يجلو قصة الإنسانية بوضوح وأمانة١.

стр. 169

المبحث السادس: تقويم منهج البحث التاريخي دار نقاش حاد وجدل بين المؤرخين والعلماء حول موضوع "المنهج العلمي للبحث التاريخي" وأيضا بين بعض المناطقة والفلاسفة في القرن "التاسع عشر"، وما زال مستمرا حتى الآن، لقد دار الجدل حول طبيعة المادة التاريخية وطرائق الوصول إلى الحقيقة العلمية المجردة والثابتة ونعرض فيما يلي وجهتي النظر: ١- لقد أنكر كثير من العلماء الطبيعيين والمناطقة على المعرفة التاريخية علميتها "الوضعية" وصحة حقائقها وثبوتها، بحجة عدم إمكان إخضاعها لطرائق العلم الوصفي الحديث، المعتمد على الملاحظة المباشرة والتجربة واستنباط القوانين وحتميتها. ٢- لا يمكن ملاحظة جميع أحداث التاريخ المعاصر، بنزاهة واستيعاب وتجرد، فهي تحدث مرة واحدة في زمانها ومكانها، وقد تجري بشكل مفاجئ وفي ساحات متعددة، مما يصعب معه الإحاطة بها بالملاحظة المباشرة ولهذا فمن الأحرى أن يصعب الإحاطة بالأحداث التي مضت. ٣- التاريخ لا يعيد نفسه تماما، وعنصر الصدفة قد يبتر أي محاولة لاستشفاف المستقبل والتنبؤ بالحدث قبل وقوعه، لهذا يقول البعض: إن التاريخ مجموعة أقاصيص كاذبة أو صادقة١، وآخرون: إن التاريخ نوع ممتع من الأدب، وقد أكد رجال الأدب أن التاريخ فن من الفنون وليس علما من العلوم، ويرى آخرون أن التاريخ أخطر إنتاج صنعته كيمياء الفكر٢. ٤- إن مصدر الباحث التاريخي في المعرفة لا يعتمد على الملاحظة المباشرة، ومصادره غير مباشرة من مثل: الآثار والسجلات أو الأشخاص، وقد يشك في قدرتهم على الاحتفاظ بالحقيقة بعد مرور فترة زمنية عليها، كما أن الباحث التاريخي لا يستطيع أن يصل إلى كل الحقائق المتصلة بمشكلة بحثه، قد لا يستطيع الكشف عن كل الأدلة واختبارها، لهذا فإن المعرفة التي يتوصل إليها جزئية وليست كاملة. ٥- على الرغم من أن غرض العلم هو التنبؤ فإن الباحث التاريخي لا يستطيع دائما أن يعمم Generalize" على أساس الأحداث السابقة، لأن هذه الأحداث كانت غالبا غير مخططة، أو أنها لم تتطور كما هو مخطط لها، فهناك عوامل أخرى لا يمكن التحكم

стр. 170

فيها، كما أن تأثيرا واحدا أو لعدد من الأشخاص كان حاسما، وعلى ذلك فإن النموذج نفسه بما يشمل من عوامل سوف لا يتكرر. ٦- يعاني المنهج التاريخي كأسلوب علمي من تعرض بعض الأحداث للتلف أو التزوير، مما يحد من عطاء المعرفة الكاملة حول مختلف جوانب الحياة، وظاهرتها في الماضي، ويجعلها معرفة جزئية. ٧- يصعب تطبيق المنهجية العلمية لتغير الأحداث التاريخية، بالإضافة إلى صعوبة إخضاع الحدث التاريخي للتجربة، وما يلاحظ صعوبة وضع فرضيات مبنية على أسس نظرية قوية للأحداث التاريخية، لأن علاقة السبب بالنتيجة في تحديد مسار الأحداث التاريخية، لا يمكن تطورها بشكل دقيق لتعدد الأسباب عن الإلمام الكافي بالمادة التاريخية، ومن مصادرها الأولية الثانوية، مما يوجد صعوبات لدى التحقق من الفرضيات، وعليه من الصعوبة بمكان الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها حسب المنهج. ٨- ويشار إلى ملاحظة وهي أن البحث التاريخي لا يخضع للتجريب، كما أنه يصعب الوصول إلى نتائج تصلح للتعميم، لصعوبة تكرار الظروف التي وجدت فيها الظاهرة المدروسة، لهذا كانت الحقائق التي يتم التوصل إليها من خلال المنهج التاريخي غير دقيقة بمعايير البحث العلمي. يرى آخرون أن كل ما ذكر لا يحول دون الاعتماد على المنهج التاريخي منهجا علميا لتوافر معظم مقوماته كمنهج لإجراء بحث علمي وذلك من خلال ما يلي: ١- إن البحث التاريخي يعتمد المنهج العلمي في البحث، فالباحث يبدأ بالشعور بالمشكلة وتحديدها، ووضع الفروض المناسبة، وجمع المعلومات والبيانات لاختبار الفروض والوصول إلى النتائج والتعميمات، كما أن رجوع الباحث إلى الأدلة غير المباشرة من خلال رجوعه إلى السجلات والآثار والأشخاص الذين عاشوا الأحداث أو كتبوا عنها، لا يعتبر نقطة ضعف في البحث التاريخي، إذا أخضع الباحث معلوماته وبياناته للنقد والتحليل والتمحيص.

стр. 171

٢- إن التجريب هو جوهر الطريقة العلمية، والفاحص الناقد للمصادر هو التجريب في الطريقة التاريخية، كذلك مسألة الفروض والنظرية والتعميم، "ونؤكد بأن أكبر نتائج البحث فائدة ودلالة تكون في التعميمات والمبادئ المستمدة من البيانات والمعلومات الحقيقية، والبحث التاريخي "الوثائقي" من هذه الناحية قد أدى إلى تعميمات وفروض كثيرة. والباحثون في العلوم الإنسانية بصورة عامة يدركون ويلاحظون الفروض أو التفسيرات للأحداث التاريخية خلال فترة معينة، بخاصة فما يتعلق بالتعرف على كيفية وسبب وقوع هذه الأحداث ... ومن الواضح أن كل واحدة من التفسيرات تمثل تعميمات موضوعة بحرص وعناية معتمدة البيانات الحقيقية المستمدة من تحليل الوثائق. أي أن استخدام الأسلوب الوثائقي "التاريخي" يتضمن أكثر من مجرد تجميع الحقائق"١. إن الباحث التاريخي يخضع دليله بشدة للتحليل النقدي للتعرف على أصالته وصدقه، وعندما يقرأ نتائجه فإنه يستخدم قواعد الاحتمالات المتشابهة لتلك التي يستخدمها علماء الطبيعة. ٣- إذا كان العالم الطبيعي لا يستطيع التحكم في المتغيرات بصورة مباشرة، فإن هذا العيب ليس قاصرا على المنهج التاريخي، بل يميز البحوث السلوكية كلها بخاصة تلك التي لا تستخدم فيها البحوث المعملية، من مثل علم الاجتماع السياسي والعلوم الاجتماعية الأخرى والاقتصادي وغيرها. ولعل العوامل التي تحد من فاعلية المنهج التاريخي هو أنه غير مباشر "Indirect". وبالتالي فإن مصادر المعرفة للنقد الخارجي والداخلي، يتصل الأول بأصالة الوثيقة ويتعلق الثاني بمعناها ودرجة اتصالها بالحقيقة مما أشرنا إليه في موضع آخر. ٥- إن المعرفة التاريخية معرفة جزئية أكثر منها كلية، ولكن هذا لا يمنع من أننا نتبع

стр. 172

فيها كل الطرائق العلمية، ونتخذ فيها كل الاحتياطات الموضوعية، وما دامت طبيعة الحادثة التاريخية مختلفة عن طبيعة الحادثة الطبيعية فلا نستطيع أن نطالب الباحث المؤرخ بقوانين تشبه قونين الطبيعة، إن الأسباب في الحادثة التاريخية أكثر عددا وأشد تعقيدا، ولذلك ففروضه أكثر وأشد غموضا وتعميماته أقل دقة وموضوعية. ويبقى المنهج التاريخي علميا وضروريا لدراسة نوع من الحوادث، وما دام الباحث يبحث عن الحقيقة، فلا بد من أن يتبع المنهج التاريخي في سبيل الوصول إلى الحقائق التاريخية١.

стр. 173

الفصل السادس: منهج البحث الوصفي مدخل ... الفصل السادس: منهج البحث الوصفي "Descriptive Method" تمهيد: نعرف المنهج الوصفي بأنه: "أسلوب من أساليب التحليل المركزي على معلومات كافية ودقيقة عن ظاهرة أو موضوع محدد، أو فترة أو فترات زمنية معلومة، وذلك من أجل الحصول على نتائج علمية، ثم تفسيرها بطريقة موضوعية، بما ينسجم مع المعطيات الفعلية للظاهرة". ويرى آخرون أن "المنهج الوصفي عبارة عن طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته من خلال منهجية علمية صحيحة، وتصوير النتائج التي يتم التوصل إليها على أشكال رقمية معبرة يمكن تفسيرها" وتعريف آخر "إنه وصف دقيق وتفصيلي لظاهرة أو موضوع محدد على صورة نوعية أو كمية رقمية، فالتعبير الكيفي يصف الظاهرة أو حجمها ودرجة ارتباطها مع الظاهرات المختلفة الأخرى، وقد يقتصر هذا المنهج على وضع قائم في فترة زمنية محددة أو تطويرا يشمل عدة فترات زمنية. يعتبر الوصف ركنا أساسيا من أركان البحث العلمي، ومنهجه من أهم المناهج المتبعة فيه، إذ إن الباحث الذي يرغب في الوصول إلى نتائج علمية يعتمد عليها لا بد من أن يحرص على وصف الوضع الراهن للظاهرة، وذلك برصدها وفهم مضمونها والحصول على أوصاف دقيقة وتفصيلية لها بغية الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها والمشكلات التي يدرسها.

стр. 174

لقد بدأ منهج البحث الوصفي عند الغرب في نهاية القرن "الثامن عشر"، ونشط في القرن "التاسع عشر"، حيث ركزت الدراسات الاجتماعية التي قام بها فريدريك لوبلاي "F. Play"؛ "١٨٠٦-١٨٨٢م" بإجراء دراسات تصف الحالة الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة في فرنسة ولكن التطور الهام الذي أسهم في تطوير الأسلوب الوصفي في البحث كان في القرن العشرين. كان الأسلوب الوصفي مرتبطا منذ نشأته بدراسة المشكلات المتعلقة بالمجالات الإنسانية، وما زال الكثير من بحوث هذه المجالات وصفيا أيضا، إذ إنه المنهج الوحيد الممكن لدراسة بعض الموضوعات الإنسانية، كالبحوث السلوكية لعدم تمكن الباحث من إجراء تجارب في مثل هذه الموضوعات. وكما هو الحال في بحوث المجالات الإنسانية، فإن الأسلوب الوصفي يمكن استخدامه في مجال دراسة الظاهرات الطبيعية المختلفة، وسواء في المجالات الإنسانية أو الطبيعية فإنه لا بد من السير فيها وفق مخطط علمي متعارف عليه في جميع البحوث العلمية، مما سنوضحه في موضع آخر.

стр. 175

المبحث الأول: منهج البحث الوصفي عند العرب كما كان فضل علماء العرب ملموسا في منهجي البحث التجريبي والتاريخي، فإن فضلهم يذكر في مجال البحث الوصفي القائم على أسس علمية، كانوا فيه روادا، سواء في العلوم الأساسية أو في العلوم التطبيقية أو العلوم الإنسانية، لقد جمعوا في مجال البحث الوصفي بين الوصف والتعليل والتحليل، نذكر في شأن العلوم التطبيقية حنين بن إسحاق العبادي "ت ٢٦٤هـ/ ٨٧٧م" والطبري "ت ٣٦٦هـ/ ٩٧٦م" وابن سينا "ت ٤٢٨هـ/ ١٠٣٦م" وطاهر السيجزي "كان حيا قبل عام ٥٠٠هـ/ ١١٠٦م" وأبا بكر الرازي "ت ٦٠٦هـ/ ١٢٠٩م" وابن النفيس "ت٦٨٦هـ/ ١٢٨٨م" وعلي بن

стр. 176

عباس المجوسي وقد اشتهر بين "٩٧٠/ ٩٨٠هـ" والزهراوي وغيرهم وقد أوردنا ذكرهم في موضع آخر. أما في مجال العلوم الإنسانية، فإننا بحكم التخصص، نخص بالذكر المنهج الوصفي لدى الجغرافيين العرب، لقد كان التأليف الجغرافي يعرض لنا روحه ومضمونه في محاولات جدية للتفسير والتعليل العلميين، يدعمهما ذخيرة واضحة من المعرفة بهذا العلم، ونستمد المادة التي نحتاج إليها فيما يخص الجغرافية الوصفية من المؤلفات الغزيرة عن الرحلات البرية والبحرية، والكتب المتنوعة التي تقدم دليلا وافيا عن الطرق والمسافات والمراحل والدراسات المفصلة في الجغرافية الإقليمية والمحلية. ثم لم نجد أي مؤلف انصرف بصورة منهاجية لوصف مشهد الأرض الطبيعي حتى مطلع القرن "الثالث الهجري" "التاسع الميلادي"، وقبل أن يكون كتاب المجسطي نقطة انطلاق لدى العرب في ميدان الجغرافية الفلكية والرياضية، كانت أمور جغرافية استرعت انتباه العربي وملاحظاته حول النجوم الثابتة وسير الكواكب المتحركة وتغيرات الطقس، ومن ثم استرعت انتباه الكتاب العرب جغرافية شبه جزيرة العرب، ومن هؤلاء النضر بن شميل "ت ٢٠٤هـ/ ٨١٩م" وهشام الكلبي "ت ٢٠٦هـ/ ٨٢١م" والواقدي "ت ٢٠٨هـ/ ٨٢٣م" وكانت عنده أولى المحاولات الأدبية المطبقة على وصف العالم وأبو سعيد الأصمعي "ت ٢٨٣هـ/ ٨٩٦م". أوجد العرب إمبراطورية واسعة، وأدت رغبة المعرفة بها إلى ظهور الجغرافية الأدبية أو الوصفية، والتي تمثلت بعلمي المسالك والممالك وعجائب البلدان، ونذكر من بين المؤلفات في هذا الشأن، ابن خرداذبة "ت حوالي ٢٧٢هـ/ ٨٨٥م" وكتابه "المسالك والممالك" وهو من طلائع من ألف في هذا المجال، والمروزي "ت ٢٧٤هـ/ ٨٨٧م" وكتابه "المسالك والممالك" واليعقوبي "ت٢٨٤هـ / ٨٩٧م" وكتابه "كتاب البلدان" وقد تناول بحوثه بأسلوبه وصفي بخاصة النواحي الإحصائية والطبوغرافية وقد قال عنه

стр. 177

متز "Metz": إنه أول جغرافي بين العرب، وصف الممالك معتمدا على ملاحظاته الخاصة، وهناك السرخسي "ت ٢٨٦هـ/ ٨٩٩م" والبلخي "ت ٣٢٢هـ/ ٩٣٤م" وكتاباهما أيضا "المسالك والممالك" وقد تخلل كتاب البلخي الشرح والبيان والرسوم والإصطخري "ت بعد عام ٣٤٠هـ/ ٩٥١م" وابن حايك الهمداني صاحب كتاب "شبه جزيرة العرب". ومما زاد في أهمية الجغرافية الوصفية، أن اتخذ الكثير السياحة وسيلة للدراسة وأكثر جغرافيو العرب هم السائحون، ونذكر من رحالة البر المسعودي "ت ٣٤٦هـ/ ٩٥٧م" وابن جبير الكناني "ت ٦١٤هـ/ ١٢١٧م" وابن بطوطة "ت ٧٧٩هـ/ ١٣٧٧م" والموصلي والعبدري و ... وهناك لون آخر من الكتابة الجغرافية يطالعنا بوصف تفصيلي لأقاليم خاصة، ومن طلائع المؤلفات في هذا الباب مؤلف موفق الدين البغدادي "ت ٦٢٩هـ/ ١٢٣١م" وهو نوع من الدراسة الطبوغرافية لمدينة بغداد، ووصف البلخي لفارس، وهي من أهم الكتب الطبوغرافية في العصور الوسطى١، وكتاب "رسالة ابن فضلان" لأحمد بن فضلان، وهي أقدم وصف معروف لشاهد عيان عن حياة "الفايكنغ" ومجتمعهم، ووثيقة بارزة في وصفه لحوادث وقعت منذ ما ينوف عن ألف سنة، وذلك في القرن "الرابع الهجري" "العاشر الميلادي، وملاحظة البيروني "ت ٤٤٠هـ/ ١٠٤٨م" للأقطار الإسكندنافية ووصفه لأهل "ورنج" الإسكندنافين٢، وما كتبه الحبيهاني والجرديزي وصاحب كتاب حدود العالم والبلخي وطليعة هؤلاء المهلبي، وهناك كتاب سليمان التاجر "ت ٢٣٧هـ/ ٨٥١م" وكتاب "برزك بن شهريار الناخدا" الذي يعد مقدمة قيمة

стр. 178

لقصص السندباد١، وتعد قمة هذه المعرفة والكتب القيمة كتب أحمد بن ماجد، وأعظمها أهمية كتاب "الفوائد" الذي يصف فيه أصول الملاحة، ويقول فران "Ferrand. G": إن وصفه البحر الأحمر بغض النظر عن أخطاء خطوط العرض لا تدانيه أية إرشادات أوروبية٢، كما وصف سليمان المهري رحلات هامة في أبحاث نثرية ثلاثة في تعليمات البحار٣. تناول البعض من خلال أداء فريضة الحج، بالوصف والتحليل ما رأوه أو كتبوه، وقد أشار ياقوت الحموي في مقدمته إلى ذلك، وكانت روايات الحجاج المسلمين ذات قيمة علمية، نذكر منهم رحلة ابن جبير "٥٧٩-٥٨١هـ/ ١١٨٣-١١٨٥م" والدليل الذي قدمه الكاتب الفارسي الهروي "ت ٦١١هـ/ ١٢١٤م" والرحلة المغربية للعبدري "ت ٦٨٨هـ/ ١٢٨٩م" والفهري "ت ٧١٢هـ/ ١٣٢١م". كذلك كانت الرغبة في طلب العلم حافزا لمن يرغب بالسفر إلى المرامي البعيدة والنواحي القاصية كشمس الدين المقدسي "ت ٣٩٠هـ/ ٩٩٩م" وكتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" ويعتبره "اشبرنجر" "أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة" وأبي الريحان البيروني، واليعقوبي "ت ٢٧٨هـ/ ٨٩١م" وهو أول جغرافي درس النبات وصنف فيه والدينوري والبغدادي" ت ٢٨٢هـ/ ٨٩٥م" محب الأسفار وراء الاستزادة من العلم، ويعد أول من رسم نحو "٢٠٠" نبتة ووضع لها وصفا وتعريفا علميا دقيقا، اعتمد على الملاحظة المباشرة والتجربة في دراسته، ووضع منهجا جديدا في دراسة العلاقة بين النبات والتربة لا يقل في علميته عما وصفه "كارل لينيس" السويدي "١٧٠٧-١٧٧٨م" في تصنيف النبات والتي لا تزال تستعمل الآن، وأهم آثاره "كتاب النبات" وهو موسوعة معجمية علمية تاريخية مؤلفة من ستة مجلدات أصولها مفقودة.

стр. 179

ولد نمط جديد، أي حكايات الأسفار بالمعنى الذي نفهمه اليوم في الربع الأخير من القرن "السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، وهي أقاصيص الرحالة الجغرافيين التي أودعوا فيها خلاصة تجاربهم. أمدنا الإدريسي "ت ٥٦٠هـ/ ١١٦٦م" بمعلومات أصيلة في دقة لا ينازعه فيها أحد، وذلك في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" وجدة المعلومات وقيمتها الحقيقية تثيران إعجاب الجغرافيين المحدثين١، وابن جبير الكناني "ت ٦١٤هـ/ ١٢١٧م"٢ له ميزة الأسبقية في كتابه "رحلة الكناني وكان طلعه إلى المعرفة، وقد وصل إلى القمة التي وصل إليها فن تدوين الرحلات في تاريخنا الفكري، وابن بطوطة "ت ٧٧٩هـ/ ١٣٧٧م" أشهر الرحالة المسلمين وكتابه "تحفة النظار في عجائب الأمصار" دبجه ابن جزي، ويقول عنه المستشرق بلاشير: "إنه رحالة يتفوق عنده حب الاستطلاع على حدة الذكاء" ويقول كراتشكوفسكي: "إنه لم يكن نقالة بل كان رحالة" وإنه منافس خطير لمعاصره الأكبر منه شأنا ماركو بولو البندقي الإيطالي "١٢٥٤-١٣٢٣م" وكتابه "كتاب ماركو بولو" ويقول بروكلمان: إن معلومات ابن بطوطة أوثق وأجدر بالاعتماد من رحلة ماركو بولو، أما البحاثة الياباني "ياموتو" فيقول: "إن وصفه لبلاد الصين فيه فقرات تعتمد على ملاحظات مباشرة عن الصين" ومنذ "الرحلة العياشية" التي وضعها العياشي "ت ١٠٩٠هـ/ ١٦٧٩م" لم يعد للوصف قيمة بقدر ما للنقاد الأساتذة العلماء. لقد قدم أسلافنا القدماء وصفا عن الكون والأرض والمحيطات والمجتمعات البشرية وعجائب الطبيعة والعادات المستغربة لدى الشعوب البعيدة بأسلوب وصفي يتم عن معرفة مباشرة، وكان حديثهم سردا تاريخيا حينا وملاحظات حينا آخر، ولكن

стр. 180

ما سجلوه قام بدور فعال في الكشف عن الأرض والإنسان بأسلوب وصفي، تميزت جغرافيته بأصالة فريدة. لم يكن هناك مصطلحات جغرافية قائمة بكل معنى الكلمة قبل القرن "التاسع"، ومع ازدهار الترجمة تمكن العرب من الاطلاع على أفكار بطليموس ومارينوس الصوري، ومع ظهور هذه الترجمات بدأت السلسلة الجغرافية العلمية التي تبعها أنماط متعددة للجغرافية الوصفية، ثم تنوعت أوصاف الرحلات فساد في بعضها الطابع الواقعي في حين احتفظت الأخرى بالعنصر القصصي. لقد أخذت الجغرافية صورا متباينة حسب الأزمنة وأمزجة الرجال الذين انصرفوا إليها مما جعلها تصطبغ بصفات مختلفة خلال تطورها في الزمان، هذا ولا شك فإن منهج الجغرافية الوصفية عند العرب يسترعي الانتباه، بغزارة مادته، ذات الطابع المميز، والسيماء الخاصة، مما لا نجد له مثيلا في آداب الأمم الأخرى. لم يكن في وسع العقول المستنيرة في أوروبا أن تتجاهل حقيقة المسلمين في مجال الجغرافية الوصفية التحليلية، نقرأ للراهب الدومينيكي "فنسنت أف بوفيه" "Dominical Friar Vincent of Beaunvais" الذي يوجز المعرفة السائدة في كتابه "Speculum"، نراه ينقل في معرض كلامه عن وادي النيل عن ابن سينا بين مصادره، ونجد في كتابات الراهب "ألبرت الكبير" وهو كثيرا ما يبدي تحولا عن الرأي السائد في شأن العالم، استنادا إلى مصادر عربية كثيرة، ثم تعقب ذلك الرحلات الخيالية لرجل إنكليزي وهو "سيرجون مندفيل ١٣٥٦م"، ويعتبر وصف هذه الرحلات من باب الخيال المحض تملؤه الأسانيد والخرافات، ولقي هذا الكتاب قبولا عظيما خلال القرنين "الرابع عشر والخامس عشر" إذ يعطي العامة من الأوروبيين فكرة عن العالم نقارن ذلك بهمم التبصر في حقائق الأرض على أساس من الملاحظة لدى العرب. ونذكر في هذا المجال "روجر بيكون" "٦١١-٦٩٤هـ/ ١٢١٤-١٢٩٤م" صاحب
следующие страницы →