نشير أخيرا إلى صعوبة الفصل بين هذين النوعين من البحوث، سواء بأهدافهما ونتائجهما أو بالاستخدامات التالية التي تستعمل فيها هذه النتائج، كل منهما يغذي الآخر ويتغذى عليه، ويقدم أيضا المواد الخام والأدوات التي يمكن للتطور التقني أن يدخل عليها التحسينات باستمرار ويضعها موضع الاستخدام العام، وأن أية محاولة للتمييز بينهما، تصبح غير ذات معنى لدى الباحث نفسه، بخاصة أن كل واحد من أنواع البحوث يعتمد على استخدام نفس المنهج العلمي.
معلوم أن البحث العلمي يحدد الاحتياجات، وبين الحلول ويوفر الوسائل اللازمة لتحقيقها، ومن هذا المنطق فإن أية محاولة للتمييز بين البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية تصبح غير ذات معنى لدى الباحث نفسهن بخاصة وأن كل واحد من أنواع البحوث يعتمد على استخدام نفس المنهج العلمي، وعلى الاختبار من نفس مجموعات قواعد الإجراءات، رغم ذلك فإن التمييز بين البحوث الأساسية والتطبيقية شيء ملازم للجوانب الإدارية، من منطلق المقياس الزمني وليس من حيث أي اختلافات هامة في صفة البحث ذاته.
٤- وحسب مناهج البحث والأساليب المستخدمة فيها تقسم البحوث العلمية إلى ثلاثة رئيسة وهي:
١- البحوث الوصفية "Descriptive Research" وتهدف إلى وصف ظواهر أو أحداث أشياء معينة وجمع المعلومات والحقائق والملاحظات عنها، ووصف الظروف الخاصة بها، وتقرير حالتها كما توجد عليه في الواقع، دون تعليل أو تحليل وتفسير، وتشمل البحوث الوصفية أنواعا فرعية متعددة: الدراسات المسحية ودراسة الحالة ودراسات النمو أو الدراسات التطورية، وفي كثير من الحالات لا تقف البحوث الوصفية أنواعا فرعية متعددة: الدراسات المسحية ودراسة الحالة ودراسات النمو أو الدراسات التطورية، وفي كثير من الحالات لا تقف البحوث الوصفية عند حد الوصف أو التشخيص الوصفي بل تهتم أيضا بتقرير ما ينبغي أن تكون عليه الأشياء والظاهرات التي يتناولها البحث، وذلك في ضوء قيم ومعايير معينة، واقتراح الخطوات
стр. 72
والأساليب التي يمكن أن تتبع للوصول إلى الصورة التي ينبغي أن تكون عليه في ضوء هذه المعايير أو القيم، وتسمى هذه البحوث بالبحوث الوصفية المعيارية أو التقويمية "Normative or Evaluative Researfch"، ويستخدم لجمع البيانات والمعلومات في أنواع البحوث الوصفية أساليب ووسائل متعددة مثل الملاحظة والمقابلة، الاختبارات، الاستفتاءات، المقاييس المتدرجة، وقد تطور هذا المنهج إلى المنهج الوصفي الكمي لاستخدام الإحصاء والرياضيات، وهو المنهج المتبع الآن في الولايات المتحدة الأمريكية في إعداد الرسائل العلمية١.
٢- أما البحوث التاريخية "Historical Research" فهي أقدم البحوث وتستخدم في جميع المجالات العلمية بخاصة العلوم الاجتماعية، لها طبيعتها الوصفية، فهي تصف وتسجل الأحداث والوقائع التي جرت وتمت في الماضي، ولكنها لا تقف عند مجرد الوصف والتاريخ لمعرفة الماضي فحسب، وإنما تتضمن تحليلا وتفسيرا للماضي بغية اكتشاف تعميمات تساعدنا على فهم الحاضر، بل والتنبؤ بأشياء وأحداث في المستقبل، ويركز البحث التاريخي عادة على التغير والنمو والتطور في الأفكار والاتجاهات والممارسات سواء لدى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات الاجتماعية المختلفة ويستخدم الباحث التاريخي نوعين من المصادر للحصول على المادة العلمية وهي المصادر الأولية والمصادر الثانوية، ويبذل أقصى جهده للحصول على هذه المادة من مصادرها الأولية كلما أمكن ذلك٢.
٣- أما البحوث التجريبية "Experimental Research" فتحتاج إلى خلفية علمية واسعة٣، ويشتمل البحث التجريبي عناصر ثلاثة:
стр. 73
١- الظاهرة موضوع الدراسة.
٢- العامل المراد معرفة تأثيره في الظاهرة.
٣- العوامل المتداخلة "أي العوامل الأخرى غير العامل الرئيس" المراد معرفة تأثيره في الظاهرة. مثال: الوضع التعليمي في منطقة ما هي الظاهرة موضوع الدراسة، العامل المراد معرفة تأثيره: التطور الحضاري وتلاؤم ذلك مع المستوى التعليمي، العوامل المتداخلة بقية العوامل المتعلقة بالفرد أو المجتمع: الصحي، انتشار الأوبئة ... والبحوث التجريبية هي التي تبحث المشكلات والظاهرات على أساس من المنهج التجريبي، أو منهج البحث العلمي القائم على الملاحظة وفرض الفروض والتجربة الدقيقة المضبوطة، ولعل أهم ما تتميز به البحوث التجريبية على غيرها من أنواع البحوث الوصفية والتاريخية هو كفاية الضبط للمتغيرات والتحكم فيها عن قصد من جانب الباحث، وتعتبر التجربة العلمية مصدرا رئيسا للوصول إلى النتائج أو الحلول المناسبة للمشكلات التي يدرسها البحث التجريبي، ولكنه في الوقت نفسه يستخدم المصادر الأخرى في الحصول على البيانات والمعلومات التي يحتاج إليها البحث العلمي بعد أن يخضعها للفحص الدقيق والتحقق من دقتها وصحتها وموضوعيتها.
نشير إلى أن هذا المنهج يتبع في كثير من الدراسات الإنسانية وبخاصة التربوية وبعض الدارسات الاجتماعية، حيث نحدد أهداف البحث الاجتماعي بأهداف وظيفية، وصفية أو تشخيصية أو كشفية وبرهانية، وفي مجال تحديد الأهداف من البحوث الاجتماعية نذكر ما قاله المنشئ الأول لعلم المعاشرة بين أبناء الجنس، عبد الرحمن بن خلدون في بداية مقدمته المشهورة التي تحتوي أول بحث اجتماعي علمي من نوعه في العالم، وكان هدفه من بحثه وضع قانون منهجي، يجعل منه معيارا للتاريخ ومنطقا للمؤرخين، يستطيعون بوساطته الحصول على الوقائع التي حدثت فعلا، أو كان لها وجود أصلا، فكان هذا القانون هو العمران البشري والاجتماعي الإنساني، الذي يكون
стр. 74
موضوعه علمه الاجتماعي الجديد، علم لم يسبقه إليه أحد، لقد تخلى عن شواغل الحياة السياسية والاجتماعية، ووضع فروضا كثيرة ونظريات متنوعة، تتعلق بالنظم الاجتماعية، واجتهد في تحري صحتها والبرهنة عليها١.
٥- البحوث الأكاديمية:
نميز بين بحوث الطلبة وبحوث أساتذة الجامعات، تشتمل الأولى:
أ- ١- البحث الصفي "حلقة البحث" ويسميها البعض المقالة أو "الإنشاء المنهجي" سواء كان أدبيا أو علميا، وهي أول ما يبدأ فيه الطالب البحث من المرحلة الثانوية حتى نهاية المرحلة الجامعية الأولى، فهي إذن البادرة الأولى للبحث، وتتكون المقالة٢ في صورتها التقليدية من مقدمة وموضوع وخاتمة، يقول عنها العقاد: المقالة مشروع كتاب٣.
إن الهدف من البحث الصفي "حلقة البحث تعريف الطالب بالمصادر المتعلقة بتخصصه والتعود على الانتفاع بالمكتبة، وبلورة أسلوب خاص به في عرض الأفكار، أسلوب موضوعي منهجي، وترتيبها وتقديمها بلغة سهلة مقبولة وواضحة، فالهدف يتلخص بالتدريب على إعداد بحوث متخصصة موضوعية، تتجلى في تطبيق الوسائل العلمية على البحث، واستخدام المادة واستقرائها ومعالجتها بالتنقيب والتحليل والموازنة بذكاء وفهم تقود الطالب إلى الحقيقة المنزهة عن الهوى، المؤيدة بالحجج والأسانيد،
стр. 75
والطالب الذي ينجح في إعداد بحثه خلال مرحلة الدراسة الجامعية الأولى، هو نفسه الطالب الذي يوفق في إنجاز رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراة في مرحلة الدراسات العليا.
٢- مرحلة الدراسات العليا: ويعد الطالب فيها ما نسميه بالرسالة١ وهي تسمية أكاديمية لنيل الدبلوم ودرجة الماجستير، وبالأطروحة لنيل درجة "دكتوراه" والرسالة أقصر من الأطروحة، تكون مبتكرة في موضوع من الموضوعات، لذلك فهي البحث المتصل، يتعهده الباحث ليكشف عن حقيقة من الحقائق المدعومة بالبراهين، والأسانيد، تمد الطالب بتجارب وافية في البحث وتضيف جديدا للثقافة، أما الأطروحة فتطلب دراسة أصيلة أعمق، كما يجب أن يكون الجديد فيها الذي يضاف للمعرفة الإنسانية أقوى وأكثر نضوجا ووضوحا، لذلك فهي تعتمد على مراجع أوسع، وتحتاج إلى براعة في التحليل والاستنتاج ليغدو ذلك الأثر عملا إبداعيا ممتازا، يستطيع الباحث فيما بعد أن يستقل في إنتاجه.
ب- أما بحوث الأساتذة، فلكل أستاذ منهجه في البحث، رغم وجود خطوط رئيسية يتبعها جميع الباحثين، ويتم نشرها في ثلاثة أشكال:
أ- كتاب يشتمل على البحث الذي أعده الأستاذ.
ب- مقال علمي ينشر في إحدى المجلات العلمية التي تصدر في داخل الجامعة أو خارجها.
جـ- مؤتمر علمي يشترك فيه الأستاذ ببحثه، فيلقي فيه هذا البحث، ويكون عرضة لمناقشة البحث من جانب المشتركين في المؤتمر، وتعقد هذه المؤتمرات الدول أو الجامعات أو الجمعيات.
стр. 76
المبحث الخامس: دور التراث العربي في إحياء البحث العلمي
تمهيد: كي نقدر هذا الدور يجب أن نضع في اعتبارنا مجموعة من الحقائق:
- إن الحضارة العربية الإسلامية حضارة إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، سمتها التسامح، تؤمن بالعلم في أصدق صورة وأعمق أصوله، مما كان له أثره البارز في تكوين الفكر العلمي لدى الغربيين منهجا وأساليب بحث ومعارف نظرية وتجارب تطبيقية في شتى العلوم إضافة إلى إسهام الفكر العربي في نقل التراث اليوناني والهندي والفارسي والحضارات القديمة في موطن العرب، حضارة بلاد ما بين النهرين وحضارة وادي نهر النيل، وهكذا كان دور حضارة العرب منطلق النور الذي عم أوروبا بعد الظلام وهو دور لا يمكن أن يجحد أو ينكر١.
كان تفوق الحضارة العربية العلمي والمادي في الشطر الأعظم من العصر الوسيط، أمرا لا ينكره أحد، فالعصر الذهبي في الشرق والمغرب العربيين كان بدءا من منتصف "القرن الثامن للميلاد" وحتى "القرن الثالث عشر الميلادي"، وفيه تفوق العرب والمسلمون علميا وماديا، فحينما سقطت طليطلة في سنة "٤٧٥هـ/ ١٠٨٥م" سرعان ما بدأ ريموند النظر في إنشاء معهد لترجمة الكنوز العربية إلى اللغة اللاتينية، وفي سنة
стр. 77
"٦١٢هـ/ ١٢٢٤م" أسس فريدريك الثاني جامعة نابولي لترجمة العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية، وانتشرت في جميع أجزاء أوروبا، وإلى ما بعد النهضة الأوروبية الكبرى بقيت جامعات فرنسا وإنكلترا وإيطاليا تعتمد على المراجع العربية١.
وقرب نهاية العصر الوسيط دخل الشرق العربي في دور ركود ذهني واضمحلال اقتصادي، وشهد "القرن السادس عشر" خاتمة تأثير العرب في الدراسات الأوروبية، وإن بقيت منه شوارد متخلفة إلى أوليات "القرن التاسع عشر"٢ ومنذ "القرن السابع عشر" أخذت الحضارتان تتباعدان، وأخذت أوروبا تستعيد ماضيها الكلاسيكي القديم فأصبح الاتصال الذهني بالمشرق ترفا بعد أن ظل أمدا طويلا بحاجة ماسة، وبعد أن كانت الحضارة الإسلامية هي المعلم، أخذت تتحول بالتدريج إلى موضوع يدرس وبهذه الصفة صار إسهامها في عملية التأويل الذاتي الغربية ثمينة لا تقدر بثمن، ورغم ذلك نجد أنه في القرن الرابع عشر "لم تقبل جامعة باريس إدخال دراسة أرسطو إلا مفسرة في شرح ابن رشد "ت ٥٩٥هـ/ ١١٩٨م" كما نذكر أن دراسات ابن خلدون الاجتماعية، قد تسلفت العلوم الاجتماعية بما يربو على "أربعة قرون" لقد سبقه السكاكي "٦٢٧هـ/ ١٢٢٩م"، في بيان أثر البيئة في الفكر، لكن ابن خلدون تجاوز سلفه شوطا بعيدا٣.
- كانت العلوم تنقل إلى الغرب إما باكتشاف "إحياء" الفكر الإغريقي ثانية عن طريق بيزنطة أو بوساطة الترجمة العربية، وليس ثمة ميدان من ميادين الخبرة الإنسانية لم يزد ثروة الغرب فيها غنى، وإن نفس وجود العالم الإسلامي كان له أثره في صوغ التاريخ الأوروبي والحضارة الأوروبية إلى حد بعيد، مما نلمس أثره في إنتاج توماس أكويناس، الذي استخدم مذهب "ابن ميمون" "ت٦٠١هـ/ ١٢٠٤م" "وابن رشد"
стр. 78
"ت ٥٩٥هـ/ ١١٩٨م" و"دانتي" ... أيضا في ميدان الكيمياء القديمة "Alchemy"والتنجيم، كان فيها الإسلام المعلم وعالم الغرب هو التلميذ، فزاد في عدد الأفكار والخواطر التي اشترك فيها الجانبان.
- إنه لمن دواعي الأسف أن ما بأيدينا من معرفة بالعلوم القديمة العربية والإسلامية، لا يسمح لنا بإصدار حكم نهائي على مدى إسهام تراثنا في كل فرع بعينة من فروع العلم بشكل دقيق، لكن ما يعترف به الغربيون أن تراثنا زاخر علميا في مجالي الطب والفلك، أما البصريات فقد بز العرب فيها بأوضح صورة أساتذتهم الإغريق، بينما كان المؤتمر الهندي واضحا في الرياضات، ونورد هنا قول ابن طملس "ت ٦٢٠هـ/ ١٢٢٣م" الأندلسي، أبرز علماء الإسلام في علوم الهندسة والحساب والفلك والموسيقي على أسلافه القدامي " ... فمن العدل أن نتذكر أنه من المحتمل أن عددا جما من مؤلفات الأقدمين قد باد ... " وإنه لجدير بالتقدير لروحه العلمية البعيدة عن التحيز، وقد كتب هذا بعد أن ولى عصر الإنتاج وانصرم لدى أهل المغرب العربي، ثم انقطع التعلم منه إلا قليلا، كان في دولة الموحدين بمراكش ... "أما المشرق العربي فلم ينقطع سند التعليم فيه، بل إن أسواقه نافقة وبحوره زاخرة ... وإن كانت مدن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة ... "١.
يقودنا هذا إلى القول بدورة العلم، وهي دائمة الحركة كما رأينا، يختلف دور الأمم فيه، فالعلم "الهيلني" ابتداعا وانتشارا أكثر منه إحياء وتجديدا، لقد اعتمد الفكر "الهيلني" على الحضارات القديمة، ويعترف هيرودوت بفضل الحضارتين المصرية والبابلية "موطن العرب القديم" على الفكر الإغريقي، ويقول سارتون "١٩٥٠" الذي درس الحضارات الإنسانية على اختلافها: إن العلم الروماني ليس إلا نسلا ضعيفا للعلم "الهيلني"، وما بعد الحضارة الإغريقية تشتت العلماء، وأحرق الكثير من الكتب، إلى أن جاءت
стр. 79
الحضارة العربية الإسلامية، واستنادا إلى ما ذكره ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" وما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" فإن مدرسة الفكر انتقلت من مدرسة الإسكندرية في سنة "٩٩هـ/ ٧١٧م" إلى أنطاكية، حيث مكث فيها حوالي سنة "٢٣٠هـ/ ٨٤٤م" ومنها إلى حران حتى حوالي سنة "٢٧٠هـ/ ٨٨٤م" وفي المرحلة الثالثة بين عامي "٨٩٢هـ/ ٩٠٢هـ" أي "١٤٨٦م-١٤٩٦م" انتقلت إلى بغداد حيث أصبحت متماسكة الحلقات، تسير بين أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، إلى أمهات المدن الإسلامية الأخرى في دمشق والقاهرة والقيروان وقرطبة١ وعن طريق الأندلس فيما بعد وإيطاليا وصقلية، وجد العلم طريقه إلى أوروبا محدثا بذلك دورة أخرى في التاريخ، انتقل العلم فيها بوساطة الاقتباس من الحضارة الأندلسية في القرن "الثاني عشر" تقريبا، ويرى "لوبون" أن الحضارة العربية لم تدخل أوروبا نتيجة الحروب الصليبية كما هو الرأي الشائع، بل دخلت بوساطة الأندلس وصقلية وإيطالية، وزهاء مدة "خمسة قرون أو ستة" ظلت ترجمة كتب العرب العلمية هي المصدر الوحيد للتدريس بجامعات أوروبا، ولم يظهر في أوروبا قبل "القرن الخامس عشر" عالم لم يقتصر على استنساخ كتب العرب، وكان الموسوعيون الأوروبيون حينما يتحدثون عن الأرض يرددون ببساطة آراء ابن سينا، وقبل نهاية القرن "الثالث عشر الميلادي" كانت معظم العلوم بما فيها علوم الأرض والفلسفات العربية قد تمت ترجمتها ونقلها إلى أوروبا.
وهكذا نرى أن الدعائم الأولى للحضارة الأوروبية الحديثة، ارتكزت على أسس متينة من الحضارة الإسلامية، التي تركت بصماتها واضحة في شتى مجالات الفكر الأوروبي وعلومه، من ذلك شيوع مصطلحات عربية أو ذات أصل عربي في اللغات الأوروبية على اختلافها، وقد تأثر بذلك بخاصة اللغات الإسبانية والبرتغالية والإنكليزية
стр. 80
والفرنسية والإيطالية والألمانية، ونقل عن العرب العلوم والفلسفات العربية كما هي بأسمائها الأصلية، وفي أغلب الأحيان لم يشيروا إلى مصادرها، كما أخذوا عن العرب منهجهم العلمي في البحث١.
ونورد رأي المستشرق "إدواربروي" أستاذ تاريخ الحضارات في جامعة "السوريون في باريس" في دور الحضارة الإسلامية٢، جميل بالإنسان أن يرتفع إلى مستوى الإنصاف انجلى غبار الفتح الإسلامي عن إمبراطورية جديدة، ولا أوسع، وعن حضارة ولا أسطع، وعن مدينة ولا أروع، عول عليه الغرب في تطوره الصاعد ورقيه البناء بعد أن نفخ الإسلام في سَم موات "من التراث الإنساني القديم" روحا جديدة عادت معه الحياة فنبض "أي التراث الإنساني" وأشع وأثرى، ولهذه الأسباب مجتمعة، كان لا بد أن يحتل تاريخ العالم الإسلامي محلا مرموقا في ثقافة رجل العصر، كما كان لا بد لرجل العصر هذا من أن يفهم جيدا أن المدينة لا يقتصر مدلولها على شعب أو بلد متحيز في الزمان، فالتراث الحضاري الإنساني للجميع، وعلى رجل العصر أن يعرف جيدا، أنه قبل "توما الأكويني" الذي رأى النور في إيطاليا، طلع "ابن سينا" وأن مساجد دمشق وبغداد وقرطبة ارتفعت قبابها، قبل "كاتدرائية نوتردام" في باريس بزمان، وألا ينتقص من شأن العالم العربي الإسلامي "من خلال واقعه الراهن"، بل علينا اعتبار الأزمنة والأمكنة، والذي لا يزال على الرغم من جزئياته وخصائصه، تاريخ هذه البشرية الجامعة الجمعاء.
يقول غوستاف لوبون: "إن العرب استطاعوا أن يبدعوا حضارة جديدة ... وكان تأثير العرب في الغرب عظيما، يرجع إليهم الفضل في حضارة أوروبا"، ويقول المستشرق الألماني شخت: "لقد تتلمذت أوروبا على العرب مدة "خمسة قرون" نهلت
стр. 81
في أثنائها من حياض العلوم العربية، وبهذا أعدت نفسها لما تنتج الآن من البحوث العلمية الحديثة"١.
"فأي برهان أنصع من هذا على اتصال شجرة المعرفة الإنسانية واستمرارها من عصر لعصر وتعاون الأجيال على رعايتها والعناية بها، رغم اختلاف الأديان واللغات والعصور؟ وأي برهان هو آكد من هذا على ما قام به العرب من دور جليل في تطوير المعرفة الإنسانية والسير بمشعل الحضارة الإنسانية خلال العصور التي تسمى مظلمة وما هي مظلمة بحال؟ هنا نرى دور العرب من الوضوح بحيث يكاد يلمس باليد، لمن درس وبحث وطلب الحقيقة في بطون المؤلفات"٢. والاجتماع منعقد بين دارسي النهضات على أن بذور المستقبل تفصل عن تراب الماضي، وأن النظرة إلى الوراء إنما هي شرط لتصويب النظرة إلى الأمام، وأن في الحياة العربية الماضية من الحوافز والتجارب والمبادرات والإبداعات ما لا يمكن أن تستغني عنه في تطلعها نحو الآتي، فهل نأمل أن نعود كما كنا خير أمة أخرجت للناس.
إن أعظم كشف طبي قدر أن يكون على يد عالمين عربيين هو كشف الدورة الدموية وذلك قبل أن يعرفه الأوروبيون ببضعة قرون، هذان العالمان هما الطبيبان علي بن عباس المجوسي، وابن النفيس، وكان حديث ابن النفيس في مجال التشريح كاد يتوصل به إلى علم لم يكن قد عرف بعد هو علم التشريح المرضي "الباتولوجيا"، ومهد لكشف الأوعية الدموية، الذي تحقق بعده بعدة قرون. وفي "عام ١٥٤٧م" ترجم كتابه إلى اللاتينية ثلاثة من علماء أوروبا يصفون الدورة الدموية في الرئة بنفس الألفاظ التي استخدمها ابن النفيس.
طبع البحوث العربية بطابع الأسلوب العلمي، حنين بن إسحاق العبادي في كتابه
стр. 82
كتابه "العشر مقالات في العين" ويقول مؤرخ الطب الغربي إدوار براون: إن يوحنا ماسويه قد وضع كتاب "دغل العين"، وهو أقدم كتاب وضع في طب العيون من مختلف اللغات القديمة، ويقول الدوميلي وماكس مايرهوف: إن كتاب "تذكرة الكحالين" الذي صنفه "علي بن عيسى" في "القرن العاشر" يعلو على جميع الكتب الأوروبية حتى "القرن التاسع عشر"، وعلى هذا المستوى كتاب "المنتخب في علاج أمراض العين" لعمار بن علي الموصلي بالقاهرة، ترجمه إلى الألمانية هير شبرج مع آخرين، وهو الذي اخترع الإبرة المجوفة التي تمتص ماء العين "Cataracta".
كان العرب أول من استخدم المخدر١، وسموه بالمرقد، ونبهوا إلى شكل الأظافر عند المصدورين، ووصفوا صب الماء البارد لإيقاف النزف، وعالجوا الجنون علاج الأمراض الطبيعية. وبشكل عام ظلت دراسة الطب في أوروبا عالة على العرب أكثر من "أربعة قرون".
أما العلوم المساعدة في الطب فقد اهتم العرب بعلمي "النبات والكيمياء"، اشتهر بعلم النبات رشيد الدين الصوري "ت ٦٢٩هـ/ ١٢٤١م"، وكان منهجه في دراسة النبات على نحو ما هو عليه في أيامنا الحاضرة، وقد استفاد العرب من النبات في الصيدلة "علم الأدوية" عند العرب. وكانت كلية الطب في سالرنو تدرس الطب والصيدلة بالعربية واللاتينية، وبقيت على ذلك نحو "تسعمائة عام" وقد فرق العرب بين علم النبات وهو بالعلم أشبه وبين علم الصيدلة وهو بالعمل أشبه، وكل منهما مشترك بالآخر.
يقول الأستاذ "ميير هوف" إن علم الصيدلة العربي استمر في أوروبا حتى منتصف "القرن التاسع عشر"، هذا وإن أول صيدلية افتتحت في العالم كانت في إيطاليا، ولم
стр. 83
يتحول الأمر من الأعشاب إلى المساحيق والأقراص والأشربة إلا بعد أن ازدهرت الكيمياء في "القرن التاسع عشر"١، ونذكر من الأطباء الذين كانوا يعالجون بالأعشاب: الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن خورشيد الطبري الناتلي "كان حيا سنة ٣٨٠هـ/ ٩٩٠م ظنا" وإسحاق بن عمران، وكتابهما في إستانبول وفي الأسكوريال٢.
وقد خلف لنا علماء العرب كتبا كثيرة في الصيدلة منها "تذكرة ابن داود"، وكانت من مراجع الصيادلة في القرون الماضية، وبدأ علماء أوروبا في "عام ١٩٦٤" وأيضا في أمريكا يعيدون قراءة كتابه للاستفادة مما ذكره حول النباتات التي ستخدم طبيا.
إن من أهم وأندر المؤلفات التي وضعت في هذا المجال كتاب جابر بن حيان "ت ١٩٨هـ/ ٨١٣م" "السموم ودفع مضارها"، سار فيه وفق النهج العلمي، الذي لا يختلف في جوهره عما هو جار الآن، وكتاب "القانون" لا بن سينا، تضمن خمسة أبواب اثنان منها "٢/ ٥" في الأدوية المركبة والأدوية المفردة "الأقرباذين"، وله مختصر أقرباذين ابن سينا" مصور بمعهد التراث بحلب برقم "٣٩١/ ١٣/ مجموع".
ونذكر أبا جعفر الغافقي "ت ٥٥٠هـ/ ١١٥٥م" ويعده ماكس ما يرهوف أعظم الصيادلة أصالة وأرفع النباتيين مكانة عند المسلمين طوال العصور الوسطى، كما وضع ابن البيطار "٦٤٦هـ/ ١٢٤٩م" رئيس العشابين "أي نقيب الصيادلة" في مصر أكبر موسوعة في هذا المجال بكتابه "الجامع في الأدوية المفردة،" وقد تضمن أكثر من ألف وأربعمائة صنف من الأدوية المختلفة على حروف المعجم.
هذا وقد اختار مجمع الصيادلة في إنجلترا أعظم اثنين تدين لهما علوم الصيدلة بالفضل هما "جالت" اليوناني و"ابن سينا" العربي.
стр. 84
أما علم الكيمياء "علم الصنعة" فإن المستشرقين ومنهم: سارتون، هولميارد، كارل بوير، ول ديورانت، وبول كراوس، ومايرهوف، وزيغريد، وغيرهم أشاروا إلى دور العرب في مجال علم الكيمياء واستفادة الغرب منهم، ويتفق مؤرخو هذا العلم على أن نشأته علما تجريبيا كان مقدرا على أن يكون على يد علماء وفي مقدمتهم:
جعفر الصادق أبو عبد الله "ت ١٤٩هـ/ ٧٦٦م"، وهو من الرواد الأوائل في هذا العلم، وأستاذ جابر بن حيان في هذا المجال، وكان جابر أول من أثبت دعائم هذا العلم، وكانت تسمى قبله "الصنعة" وبقيت الكيمياء طوال العصور الوسطى تسمى "علم جابر" أو "صنعة جابر" وله كشوف كثيرة في هذا المجال، منها طريقة فصل الذهب عن الفضة وما تزال هذه الطريقة متبعة حتى الآن في تقدير عيارات الذهب في السبائك، وبلور نظرية "الاتحاد الكيميائي" التي تقول: إنه يكون باتصال العناصر المتفاعلة بعضها مع بعض، وهذا يوحي بالنظرية المشهورة التي نسبها علماء الغرب خطأ إلى العالم الإنكليزي جون دالتون "ت ١٢٦٠هـ/ ١٨٤٤م" أي بعد جابر بن حيان بما ينوف عن "عشرة قرون".
يعد الغربيون والشرقيون أبا بكر الرازي، تلميذ جابر بن حيان مؤسس الكيمياء الحديثة. وفي رأي الدوميلي أنه أسس الكيمياء علما تجريبيا قبل أن ينشأ عند الأوروبيين بمئات السنين، ويقول عنه هولميار "Holmyard" إنه أول مبدع في علم الكيمياء على أسس علمية صحيحة، وقد بلغت مؤلفاته "٢٢٠" مؤلفا مفتديا إياها ببصره، تتسم بالمنهج العلمي والأمانة في الاقتباس والدقة بالمصطلحات، وسهولة الفهم، وهو أول من استخدم الزئبق في تركيب المراهم والفحم الحيواني في إزالة الألوان والروائح من المواد العضوية، وفرق بين كربونات الصوديوم والبوتاسيوم و ... وهناك سالم الحراني١ كان حيا سنة "١٩٨هـ/ ٨١٣م" كيميائي صنعوي. أما الحسن الهمذاني "ت ٣٣٤هـ/ ٩٤٥م" فله كتاب "الجوهرتان العقيقتان المائعتان من الصفراء والبيضاء"،
стр. 85
ترجمة إلى الألمانية ونشره "كريستوفر تول"، ونشره مع النص العربي سنة "١٩٨٦"، في جامعة أوبسالا في السويد، ونسخه الخطية موجودة١، وأبو قاسم المجريطي "ت ٣٩٨هـ/ ١٠٠٧م"، وهو واضع أسس الاتحاد الكيمياوي المعروف باسم قاعدة بقاء المادة، وينسب علماء الغرب ذلك لكل من بريستلي ولافوزييه، وأبو المنصور الموفق "القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي"، وهو مؤسس علم الكيمياء الصناعية، التي لها مكانتها في المناهج الجديدة في جامعات العالم، والحسين بن عبد الله بن سينا، درس هذا العلم وكعادته يحكم العقل والمنطق، وقد خالف كثيرا من الآراء الخرافية التي كانت سائدة آنذاك٢ والتي تناولها علماء الكيمياء، وهو أول من ابتكر طريقة علمية لإعداد زيت وحمض الكبريت والكحول وغيرها. أما القاسم العراقي "ت ٥٨٠هـ/ ١١٨٤م" فقد احتضنت أوروبا مؤلفاته لشمولها، وعز الدين الجلدكي "ت ٧٤٣هـ/ ١٣٤٢م" فقد وضع اللبنة الأولى والأساسية لابتكار قانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيمياوي، وهو القانون الذي ينسب علماء الغرب اكتشافه إلى جوزيف برادست "١٢١٤هـ/ ١٧٩٩م" الذي أتى بعد الجلدكي "بخمسة قرون"، وهو أول من فكر بابتكار وباستخدام الكمامات في معامل الكيمياء.
نشير إلى ما سمي بـ "العلوم الخفية" أو السحر وكان محرما أو مكروها، وقد حوله بعضهم إلى علم قائم بذاته، يعتمد في كثير من الأحيان على الكيمياء، وقد استعملت الرموز للفلزات والكواكب في الكيمياء والتنجيم، ويقسم جابر بن حيان هذه الرموز إلى "٢٨" جزءا، يقابل كل منها حرفا من حروفا الأبجدية العربية، ثم جاءت دراسات الرازي لتدخل تطويرا كبيرا على علم الكيمياء، أبرزه تقسيم المواد إلى معادن ونبات وحيوان، نقلا عن تصنيف الجواهر، وقد صنف الكاشي العلوم الخفية ولخصها في خمسة علوم هي:
стр. 86
الكيمياء والليمياء "السحر" والهيمياء "إخضاع الروح" والسيمياء "خداع البصر" والريمياء "الشعوذة والحيل".
يقول الأستاذ "هوكينغ" في مقالة عن حضارة العرب ومستقبلها عن أسباب جمود الفكر العربي بعد هذه النهضة "إن أسباب الانطلاقة هي الجوع١، الحضارة، الإنشاء العالمي، التعاون المثمر الصادق بين مختلف الذهنيات، والعقل العربي الواسع الفعال". ثم يتساءل "هل لتلك العوامل أن تعود يوما؟ " ويجيب بأن "الأمة العربية ذات فعالية وطاقة حيوية وذاتية، يدل عليهما عدم مقدرة الحضارة الرومانية أن تطغى على هاتين المزيتين، بل هو طغى على جميع البلاد التي انتشرت فيها ثقافته وشريعته ولسانه وتعليمه، فامتزج بالإسلامية امتزاجا لم تستطع المدنية الرومانية العظيمة أن تفعل مثله" ثم يقول مؤكدا: "وسوف نرى عندما تزول اللفحة المحرقة التي أصابت العرب وخدرت نفوسهم أن العناصر المقومة لذاتيتهم وعلومهم ومدنيتهم كالثروة والاستعداد النفسي والشجاعة الفكرية والشروع بالعمل والاختبار الاجتماعي، سوف تعود إليهم ومن الممكن أن نعجل بعودتهم إليهم، فالعرب شعب لا يرقد طويلا بل يستيقظ ويعمل ويقدم نجاحا حيث وجد أفراده في "نياغارا" أو "شيكاغو" أو "نيويورك" أو "جاوة" أو "مانشستر" أو "اليابان" أو "أستراليا" إنهم يتعلمون العلم ويحبون الأدب والفن والفلسفة ويشتغلون في الصناعة والتجارة والزراعة ولهم والزراعة ولهم في كلها كل مقام وأثر مرموق"٢.
ونقول: إن الغرب لم يتحرر من ماضيه في القرون الوسطى إلا عن طريق العلم وعن طريق التضحية لأجل العلم، يجب أن نتعلم ونفكر بذهنية علمية، ونتبع أساليب الغرب في البحث والكشف، واستقصاء الحقائق "التي ورثوها عن أجدادنا العلماء" وأن نطبق دساتير العلم ومبادئه في كل عمل ومشروع من مشاريع حياتنا، إن ما يلزمنا هو العلم ونشر العلم.
стр. 87
المبحث السادس: المنظور المعاصر للبحث العلمي ١:
كثيرة هي أسباب قيام البحث العلمي، وتتضمن جميعها حب الاستطلاع الفكري، وبهدف مواجهة احتياجات المجتمع الأساسية طموحاته، المادية والتعليمية والثقافية، أصبح يحظى بالرعاية، وبسبب إخفاق العلماء والباحثين لفترة طويلة من الزمن في الاتصال بالمجتمع، كنا نجد ظاهرة مناهضة للعلم، مما أدى إلى وجود ثقافتين٢ وبالتالي تباعد مستمر بين العلماء وغير العلماء، فيما يختص بطبيعة المعرفة واليقين والمنهجيات المختلفة لكسب معرفة جديدة وفهم لأسرار الكون.
خلال القرنين "الثامن عشر والتاسع عشر" ظهرت في أوروبا، جنبا إلى جنب: الثورة الصناعية وحاجة جماهيرية إلى طلب المعرفة عن كل ما هو تقني وعلمي، وأصبح ينظر إلى العلم على أنه عمل ذي شأن هام ومفيد، وهكذا بدأ تأسيس الكثير من الجمعيات في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية، وكانت الاستجابة لذلك مختلفة، فمن الصعب أن يدرك المجتمع بسهولة التغيرات التي حصلت في تعديل الطريقة التي يعيش بها حياته، وتأمين حاجاته وإعادة توجيه فهمه للكون.
إن السمة البارزة للعصر الحديث هو أن البحث العلمي والتقانة التجريبية، أديا إلى تنوع في المنتجات، وإلى تغيرات هامة في كل من أساليب الإنتاج وعادات الاستهلاك، كما تزايد إدراك الإنسان للكون وللعلاقات البشرية، وللتغيرات التي حدثت في الحراك الجغرافي والاجتماعي في القرن "التاسع عشر" في البلدان المتقدمة صناعيا، لقد تزايد الوعي بأن العلم والتقنية يقدمان إضافات واضحة، وعندما تريد المجتمعات التميز في مجال أو آخر فعليها دعم البحث العلمي، وعندما تكون إمكانات التغير واضحة ويتم تقويم الآثار والعواقب، ويصبح من الضروري تحديد الاختيارات، حينئذ تعتمد
стр. 88
المجتمعات على الحس الجمالي السليم لاختيار وقبول أو رفض مثل هذا التغير وآثاره البعيدة، ويعد مثل ذلك موازيا بأوسع المعاني الممكنة للمنهج العلمي.
من المعتقد أن التغير التقني يمضي على صورة ثورات، ومثل هذه الأمور لا تحدث بين عشية وضحاها، حيث تحل التقانة الجديدة محل القديمة منها، وقد تؤدي التقانات الجديدة إلى رفع كفاءة الفرد العامل، ويقابل ذلك تناقض في عدد العمال، لهذا كان التخطيط والتقويم أمرا ضروريا قبل إدخال التقانة الجديدة على نطاق واسع.
إن المطلب الرئيس للبحث العلمي في هذا الصدد، تغيير طريقة صنع الأشياء، بل تغير الأشياء التي يمكن أيضا، وبالتالي فإن البحث العلمي يلعب دورا هاما في تكوين الثروة القومية بزيادته مجالات العمل وإنتاجيته، ورأس المال أيضا، مما يؤدي في الوقت نفسه إلى تنوع في السلع وإتاحة للخدمات، ولا يقتصر الأمر على ما ذكر، بل إن إتاحة جدية للحصول على خدمات الرعاية الصحية والتعليم والنقل في دولة ما يجعلها أكثر ثراء من دولة أخرى، يقتصر ثراؤها على ثروات باطنية فقط.
ورغم ما يقال عن البحث العلمي بأنه مهنة ممتعة، وأنه ترف مغالى فيه، لأنه يمتص الثروة القومية، فإن قول جيسون "Gibson": "إذا كنت ترى أن البحث الطبي شيء مكلف فجرب المرض" يبين مدى أهمية البحث العلمي، وهذا ما قال به العديد من الكتاب أمثال إيفنسون "Evanson " وفودنبرج "Fodenberg" وتوكسبري "Tewchesbury" حيث قدموا الأمثلة وشواهد موثقة توضح أن البحث العلمي نشاط ذو فعالية عالمية بالنسبة لتكاليفه، وإن الدول تسعى للقيام باستثمار كثيف وفعال في أنشطة البحث والتطوير التجريبي، بهدف الحفاظ على وضعها التنافسي في عالم اليوم.
وبالرغم من أن حضارات آسيا وأمريكا اللاتينية وشمال إفريقية قد أسهمت فيما مضى بالعناصر الأولى في التقدم العلمي، فإننا نجد أن تطورات علمية خلال القرون
стр. 89
الماضية نشأت في المجتمعات الأوروبية، مع الإشارة إلى أن التقدم لا يقتصر على مجموعات معينة من الأفراد، بدليل أن أعدادا كبيرة من مواطني الدول النامية يعملون وبمستوى علمي رفيع في أرقى مؤسسات البحث العلمي في جميع أنحاء العالم.
وليس المجال هنا لتحديد الفترات التاريخية والظروف والعوامل التي شجعت على النهضة العلمية التي اختصت بها مناطق جغرافية في العصور الحديثة نسبيا، إنما الجدير بالذكر أنه ساد في أوروبا إلى جانب نهضة العلم الحديثة، اعتقاد شمل المجتمع هو إمكانية وصف الطبيعة وصفا منهجيا، وفهمهما فهما عقلانيا، وفي مثل هذا المناخ الثقافي لا يدخل الأفراد عادة مجال البحث العلمي، بهدف المجد أو الشهرة أو أملا في مغانم شخصية كبيرة، بل بهدف كسب المكانة اللائقة بهم بين أفراد المجتمع وتأمين الرخاء المادي، وهذا لا يمكن أن يواصل مسيرته إذا تقوضت أو أهملت الرفاهية الفكرية، فالعلاقة بينهما علاقة مترابطة متكاملة.
يتم ذلك بالاستثمار، والاستثمار في البحث العلمي يتضمن خليطا من العاملين والمال والمعدات والمعلومات الملائمة، تعمل جميعها في ضوء أهداف محددة بوضوح، والتفاعل بين هذه المكونات هو فعالية البحث، إلا أن أهم وأدق أنواع الاستثمار في النشاط العلمي والتقني، هو ما يخصص لإعداد الباحث الفرد، فالباحث أكثر العناصر قيمة، فهو حجر الأساس ويتم ذلك بالتمويل، ونسبة الاعتمادات المخصصة للبحث العلمي والتطوير مختلفة، تتراوح بين "٥%" من الناتج القومي الإجمالي في أغلب الدول النامية إلى ما يقرب من "٤٠%" في بعض دول أوروبا وأمريكا الشمالية، وكلما كبرت الدولة، وكانت على درجة عالية من التصنيع كبر ناتجها القومي الإجمالي، وغطت نسبة ما تخصصه للبحث والتطوير "وقد تجاوز الإنفاق العالمي على البحث والتطوير "١٠" بلايين دولار منذ عام "١٩٧٤"، وجمع وأنفق أقل من "٣%"١ من جملة هذا المبلغ في
стр. 90
الدول النامية، وفي الوقت الحاضر هناك اهتمام دولي كبير موجه لزيادة هذا النوع من الاعتمادات المالية".
يتم فهم أو إدراك المعرفة الجديدة، وهو جوهر النشاط البحثي في عقل الإنسان، لكن ذلك يتطلب مناخا ملائما يتمثل بأجهزة العمل على تأمين الوسط المناسب لرصد الظاهرة، واختبار الفرضية بوساطة التجربة، ومن ثم نشرها، كما أن الإنجازات التقنية تتمثل في الأجهزة والأدوات العلمية، مما يتطلب تمويلا يدعم مسار متطلبات البحث العلمي، وفي معظم الدول تخصص موارد إضافية للبحوث من أجل دعم أفكار العاملين في مجال التعليم العالي، من مصادر حكومية في معظمها، ويعد مثل هذا التمويل إشارة في مجال التعليم العالي، من مصادر حكومية في معظمها، ويعد مثل هذا التمويل إشارة إلى قيمة التعليم الجامعي وسط مناخ البحوث، حيث تقدم للجامعات ومؤسسات التعليم العالي إعانة مالية تتجاوز متطلبات التدريس الأساسية لاستخدامها فيما يسمى بالبحوث الأساسية والموجه إلى فروع العلم في معظمها.
نتساءل هل يتناسب جدوى العلم مع ما يستثمره البحث العلمي؟ والجواب إيجابي، أي أن الاستثمار بالبحث يتجه إلى الزيادة غالبا، كما نتساءل ما هي ثمرات البحث العلمي؟ وهنا نقف أمام أمرين، أولهما لا تتم معرفته إلا في حدود ضيقة، لأن البحث العلمي يتعامل مع المجهول، مع أكثر منتجات البشرية تجريدا وهي الأفكار، ورغم صعوبة ذلك فقد حاول كارل بوبر "Karl Popper" أن يعطي مقياسا أو افتراضا لقيم هذه الأفكار، كما أن هناك أمورا غير قابلة للتقويم الكمي كنتيجة متوقعة من البحث، والثاني على العكس يبدو آثار بعضها واضحا، مثال ذلك الرعاية الصحية وفي كليهما تتمثل فاعلية البحث بالدرجة التي توصل إليها الباحث والبحث في تحقيق الأهداف المجددة منذ بداية العمل، كما يتم قياس الفعالية لدى إتمام كل من مراحل البحث مما يجعل نظام البحث العلمي يشجع المشروعات المأمونة. وقد تكون الأهداف الموضوعة للبحث غير علمية، يعبر عنها من زاوية اجتماعية لتحسين الرعاية الصحية أو تنمية مصادر بديلة للطاقة ... إلخ.
стр. 91
إن نظام ضبط الجودة أخذ بالتطور لأسباب متنوعة منها منهجي تماما ومنها ما يرتبط بفلسفة العلوم التي ترى أن المعرفة العلمية رصيد من الخبرة الفكرية المشتركة، وحتى يصبح عمل ما جزءا من هذا الرصيد المعرفي لا بد من أن يسهل الاطلاع عليه بوساطة النشر، بعد أن يتم ضبط الجودة، ولقد أوضح رافيتز "Ravets" أن أقل من ربع المشتغلين بالعلوم كافة لم ينشروا بحثا واحدا، ومن حسن الطالع أن الاتجاه نحو النشر آخذ بالتزايد، وقد أدى ذلك إلى تأسيس عدد من المجالات تخصصت في نشر البحوث، وهذه تختلف في قيمتها وفي قدر الفكر الوارد بها ونوعيته، والجهد والخبرة اللذين تنطوي عليهما، وبالتالي تتباين مستوى المجلات العلمية ومحتواها، ونستشهد بالتعليق اللاذع لجورج أوريل "Geoge Orewell" الذي يقول: "إن جميع المطبوعات وإن كانت متساوية في حد أدنى من القبول، فإن بعضها أكثر تساويا عن غيره".
وعلى عاتق الأكاديميين والمحررين والمحكمين تقع مسئولية منع تدهور المعايير، عليهم أن يستبعدوا نتائج البحوث والمخطوطات التي تتسم بالتكرار، وتخلو من أية قيمة مهما كانت درجة كفاءة الباحث وحسن نواياه، فإنه غير معصوم عن الخطأ، والمنظور التاريخي أفضل وسيلة لضبط الجودة، نقصد بذلك أن القيمة النهائية للبحث العلمي تقاس بالقدر الذي يعتبره الباحث اللاحق جزءا من المعرفة لا غنى عنه في الدراسة والترتيب المنهجي ومواصلة الجدل ودعم النظرية والمعرفة ووضع الأسس النظرية الجديدة.
إن من السمات المميزة للعلم نزعته العالمية، وقد ظهرت هذه النزعة منذ العصور الوسطى، كما أنه عامل من عوامل التكمل في العلاقات الإنسانية والدولية نجم عن ذلك تطوران متباينان، على صعيد عالمي بينهما علاقة، أحدهما تطور جوهري، أو ذاتي العلم، والثاني خارجي. وفي نهاية القرن "التاسع عشر" تقريبا بدأت الجمعيات الكونية لتكوين اتحادات إقليمية ودولية منظمة على أساس الفروع العلمية. وحوالي
стр. 92
"عام ١٩٠٠م" بذلت محاولة باءت بالفشل، لتنسيق النشاط العلمي الدولي والوطني بوساطة منظمة أطلق عليها اسم الرابطة الدولية للأكاديميات. وثمة محاولة أخرى كانت أكثر نجاحا هي المجلس الدولي للاتحادات العلمية "الإكسو Icsu". وقد تأسس عام "١٩١٩"١، وانضم إليها حتى عام "١٩٨٦" ما ينوف عن عشرين اتحادا علميا دوليا، لكل اتحاد تخصصه: فيزياء، علم العقاقير، الجغرافيا ...
اعتمد "الإكسو" لدى مختلف وكالات الأمم المتحدة المتخصصة كهيئة تمثل تمثيلا عالميا وجهات نظر العلم والعلماء في الشئون الدولية، و"للإكسو" لجان تقنية متخصصة كثيرة تتولى تنسيق البحوث والمعلومات المتعلقة بالمسائل ذات الأهمية العالمية كالموارد المائية، كما أنه له عددا من اللجان الدائمة التي تهتم بالمسائل الأوسع نظاما، منها اللجنة الدائمة بشأن الحفاظ على الاستمرار في طلب العلم "أنشئت في عام ١٩٧٢" واللجنة الدائمة لحرية انتقال العلماء "أنشئت في عام ١٩٦٣" تتوليان الدفاع عن مفهوم "رابطة الشعوب بغير حدود" في مجال العلم وتعزيزه، وهو المفهوم الذي يعتبر واحدا من أنبل أهداف البحث العلمي وأقواها.
فيما بعد الحرب العالمية الثانية، كان من أهم منجزات "الإكسو" تنسيق نشاط البحث العلمي على المستوى الدولي خلال "عام ١٩٥٧-١٩٥٨"، وتتمثل الجوانب العلمية ذات الأغراض الخارجية "للإكسو" بـ:
١- تعزيز إجراء البحث العلمي بتجميع الموارد عندما تعجز دولة شريكة في أي مشروع علمي عن جمع الموارد اللازمة.
٢ تعزيز التفاهم بين الأمم عن طريق إجراء مشروعات البحوث العلمية المشتركة.
٣ توجيه الموارد الوطنية نحو إيجاد حلول للمشكلات العالمية أو الإقليمية المعترف بها، مثال ذلك المشكلات التي تؤثر على الموارد البحرية والمائية وموارد الطاقة
стр. 93
والتصحر وقد وصف هذه الأغراض كل من هنج "Hing" و "بوزاتي" "Buzzatie" و "تراخيرسو" "Traperso" و"اليونسكو" كما ورد في كتاب صدر عن "اليونسكو" عام "١٩٧٩" Science Technology and Goverment قائمة بالمنظمات الحكومية وغير الحكومية بأوروبا وأمريكا الشمالية، كما صدر عن اليونسكو منشورات وكتب أخرى عن إنتاجية الباحث العلمي، وفرق البحث ونتائج البحوث العلمية والتضامن مع حركة "البجواش"١، وقد بين اجتماع الرابطة الأميريكية لتقدم العلم الذي تم عام "١٩٨١" وفق ما أورده بروملي "Bromly" جوانب الأغراض الخارجية الدولية للوسط العلمي، وفي حال يكون الناتج النهائي للتعاون الدولي في البحث العلمي ممثلا باكتساب المعارف العلمية الجديدة، أو إتاحة التسهيلات للقيام ببحث وطني للأمم الصغيرة، أو نقل الخبرة التقنية والتعليمية لشعوب الأمم الصغيرة، فإن هذه المشروعات يكون مجراها سهلا، والعكس حينما تبرز السمة التجارية إلى حيز الوجود، تنشأ الصعوبات والمشكلات، تتمثل بالصراعات بين المصالح الوطنية والدولية، وهجرة الكفاءات إلى المنظمات الدولية.
إن أهم جانب لمختلف أشكال التبادل الدولي بين العلماء ومخططي العلوم "المؤتمرات، التعاون بين فرق البحث في مختلف البلدان ... " هو التفاهم الدولي ٢، وقد ذكر كيروين "keruin" أمثلة عن هذا التفاهم والتضامن بين العلماء فيما رفض نيلز بور Niels Bohr قبول شرف رئاسة الاتحاد الدولي للفيزياء اللجنة التطبيقية بسبب عدم إشراك مواطنين من دول كانت فيما سبق أعداء لبلاده، في الاجتماعات العلمية.
стр. 94
الدولية التي تنظم تحت رعاية ذلك الاتحاد، وعلى العكس وليس من صالح العلم، إلغاء الاتفاقيات الثنائية لخاصة بتبادل المعلومات والباحثين بسبب التصرفات السياسية لحكومة إحدى الطرفين في الاتفاق، ويدفع هذا الثمن لقاء انغماس العلماء في شئون العلم.
لقد أكد الاتحاد العالمي للمشتغلين بالعلم "وافسو Wfsw" على التوازن بين حقوق العلماء وواجباتهم، لا سيما الواجبات التي تتعلق بالاستخدامات التي يطبق فيها عملهم، وفي طليعة هذه المجموعة حركة "البجواش" "Pugwash" سابقة الذكر، وجهت اهتمامها إلى أكثر المشكلات أهمية وهي سباق التسلح النووي، ومما يستحق ذكره أيضا في هذا المجال معهد "استوكهولم لبحوث السلم الدولي" "سيبري Sipri" الذي تأسس عام "١٩٦٦".
وهنا أرى كغيري أن من أهم القضايا الحيوية في وجودنا المعاصر، إدراكنا لقضية لها دلالاتها وأبعادها وهي ما تركه لنا السلف، وما نسعى إليه مما له صلة وثقة بما نحن بصدده لتلبية حاجات الحاضر وتحدياته في المجال العلمي منهجا ومضمونا.
стр. 95
الفصل الثالث: المفاهيم والمصطلحات في البحث العلمي
المبجث الأول: المفهوم
...
الفصل الثالث: المفاهيم والمصطلحات في البحث العلمي
المبحث الأول: المفهوم:
ماذا نعني بكلمة المفهوم "Concept" وبكلمة المصطلحات "Technical Terms" المفهوم هو الوسيلة الرمزية "Simbolic" التي يستعين بها الباحث للتعبير عن الأفكار والمعاني المختلفة بهدف توصيلها للناس، والمفهوم أحد الرموز الأساسية في اللغة، يمثل ظاهرة معينة "رمزها" أو شيئا معينا أو إحدى خصائص هذا الشيء وليس له معنى إلا بقدر ما يشير إلى الظاهرة التي يمثلها، ولكل موضوع علمي مفاهيمه المميزة، ويسهل تحديد المفهوم إذا كان الأمر ملموسا، وقد يكون للمفهوم أكثر من معنى واحد.
فكلمة بيئة "Environment" يستعملها البعض للدلالة على الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الناس، بينما يعني بها البعض الآخر مجموعة الظاهرات الطبيعية والبشرية، ومفهوم كلمة عامل "Laboure" وهو المزود ببعض الخبرة في مجال عمله،
стр. 96
وفاعل "Worker" على من ليس لديه خبرة، وعامل فني "Skilled Labourer" وتقابل كلمة فني "Technician"، مما يجعل الباحث في حيرة من أمره لدى استعمالها، ويسبب له إحراجا في التأليف.
كذلك مفهوم الصناعة "industry"، يراه البعض بمعناه الواسع يشمل جميع أنواع النشاط البشري: فالرعي والزراعة والصيد، تدخل في نطاق الصناعة الأولية "Primary industry" والصناعة التحويلية وتدخل في نطاق الصناعة الثانوية "Secondary industry" والصناعة الثلاثية "Tertiary Industry" وتشمل قطاع المصارف والبنوك والمقاهي والخدمات، والبعض يقتصر في استعمال كلمة الصناعة فيجعلها محصورة فقط بالصناعة التحويلية "Manufacturing"، وكثيرا ما يطلق على أنواع النشاط البشري لفظة الفعاليات الاقتصادية: الأولى والثانية والثالثة وتشمل أنواع النشاط البشري المذكورة أعلاه، وهناك مفهوم الخدمات، قد يقتصر على خدمات المطاعم والمقاهي والخدمات التعليمية والصحية، وقد يتجاوزها ليشمل المصارف وشركات الاستثمار والادخار والسياحة والمخابز.
يجد الباحث أيضا صعوبة في تحديد مفهوم القرية والمدنية، ومدني أو حضري "Urban"، ويرى البعض أن وسيلة التحديد هي الوظيفة التي يقوم بها المركز السكاني، ومفهوم الصحراء هل يحدد على أساس الظاهرات المناخية أم صعوبة العيش؟ وللحد من هذه المشكلات يلجأ عادة في تحديد المفاهيم إلى الاطلاع الواسع وبخاصة ما يتعلق بميدان تخصصه والعلوم الأخرى المساعدة، وأن يحدد الخصائص البنائية والوظيفية لمفهومه مما يتطلبه البحث.
يتم اختيار المفاهيم المقيدة بوساطة العلماء والباحثين، والمفاهيم ليست وسائل للاتصال فحسب، بل تستخدم للتعميم أيضا، وبهدف توضيحها يلجأ عادة إلى التعاريف "Definitions"، ويعتمد الباحث على نوعين منها:
أولا: التعريف المفهومي "Conceptual" والثاني التعريف الإجرائي "Operational".
стр. 97
يتضمن الأول استخدام مفاهيم لشرح مفاهيم أخرى، فالذكاء مثلا هو القدرة على حل المشكلات، بينما التعريف الإجرائي للذكاء يتضمن بيان العمليات التي يقوم بها الباحث ليكشف عن وجود الصفة التي تمثل المفهوم، مثال ذلك اختبار الذكاء عند عدد من الطلبة، بإعطائهم كتابا يتضمن معلومات خاصة كموضوع ما، ويختبر مقدار الذكاء لديهم بمقدار الاستيعاب والوصول إلى فهم المضمون، ويستخدم هذا التعريف في البحوث الاجتماعية عادة.
أما المتغيرات "Variables" فهو مفهوم تطبيقي له قيمتان أو أكثر، مثال ذلك مفهوم "الطبقة الاجتماعية" لها خمس قيم، والدخل الاجتماعي له ثلاث قيم والجنس له قيمتان، وهناك ثلاثة أنواع شائعة من المتغيرات في البحوث العلمية: المتغيرات المستقلة وهي التي تفسر لنا الظاهرة والمتغيرات التابعة التي يرغب الباحث في شرحها، أي أن المتغيرات المستقلة هي السبب الافتراضي للمتغيرات التابعة، والمتغيرات التابعة هي الناتج المتوقع من المتغيرات المستقلة، وقد تكون المتغيرات المستقلة في دراسة معينة هي نفسها متغيرات تابعة في دراسة أخرى، فالانتماء الحزبي مثلا هو المتغير المستقل والمشاركة السياسية هي المتغير التابع.
أما المتغيرات الضابطة فهي المتغيرات التي يمكن بوساطتها اختبار العلاقة بين المتغيرات المستقلة والتابعة، والتأكد من أنها علاقة عرضة أم لا، أي أن المتغيرات الضابطة تخدم في اختبار العلاقة التي نلاحظها بين المتغيرات المستقلة والتابعة، فالعلاقة بين الإنتاج الزراعي والمزارعين لا يمكن شرحه إلا بعامل ثالث هو "المتغير الضابط" المساحة المزروعة كما وكيفا.
- أما المصطلحات العلمية فهي على وجه التحديد:
стр. 98
منهج البحث "Method" ونوع البحث١ "Type" وأداة البحث "Tool" وأسلوب البحث "Technique" ومسلك أو مدخل البحث "Approach" وطريقة البحث "Way" ووسيلة البحث ... وتستعمل بعض كتب البحث العلمي كلمة أسلوب للدلالة على كل من النوع أو الأداة أو المنهج، مثلا أسلوب الملاحظة "Observation Technique" وأسلوب الاستيان "Questionaire Technique" وأسلوب البحث والتقصي " ... Investication Technique"، واستخدام مصطلح المدخل أو المسلك للدلالة على الطريقة التي يسلكها الباحث حين يعالج موضوع البحث، أي الزاوية التي يبدأ منها تناول موضوع البحث، وكيفية تناول الموضوع بالدراسة، ففي علم الجغرافية مثلا نميز ثلاثة مداخل، الأصولي "Systematical" والإقليمي "Chororaphical" والتاريخي "Chronological" كما نميز بين طريقة البحث "Way" وهي أسلوب الوصول إلى غاية معينة دون استخدام وسيلة واحدة محددة مثالها طريق القياس وطرق التحليل ... ومنهج البحث "Method" وهو مجموعة من القواعد العامة تحدد عمليات الباحث حتى يصل إلى نتيجة معينة هي الكشف عن حقيقة مجهولة أو البرهنة على صحة حقيقة معلومة.
وفي مناهج البحث من المصطلحات التي يجب التعرف عليها مصطلح الإحصاء "Statistics"، وهو في صيغة الفرد يقصد به علم الإحصاء، وفي صيغة الجمع الإحصاء "Statistics" المقصود منها معلومات رقمية مبوبة، تساعد على التوضيح توضيحا رقميا في جداول، أما المجتمع الإحصائي "Statistical Population" فهو جمع المفردات أو الوحدات "Statistical Unities" التي نريد دراستها لمعرفة حقائقها.
стр. 99
المبحث الثاني: مفاهيم في البحث العلمي
...
المبحث الثاني: مفاهيم البحث العلمي
المفهوم "Concept" إنتاج نظري "واقع فكر" يعبر عن جوهر الواقع متضمنا مختلف تحديات الواقع الملموس، الوزن مفهوم والطاقة مفهوم والقوة مفهوم، وهي مفاهيم يستعملها علماء الطبيعة، وهي أكثر تجريدا من مفاهيم: الطول، والوزن، والارتفاع ... أما السلوكيون فإنهم يعتنون بمفهوم "الإنجاز" أكثر من عنايتهم بالمفاهيم السابقة التي يعني بها الفيزيائيون. فمفهوم الإنجاز تجريد كون بعد ملاحظة عدد من أنواع السلوك كذلك الذكاء والشر ... أي أن المفهوم تجريد عقلاني، شمولي، إنه تجريد مبني على التعميم.
هناك نوعان كبيران من المفاهيم: المفاهيم المتعلقة بأشياء مادية، قابلة للاستيعاب اليدوي أو التصوير محتوى، وتلك المتعلقة بالأفكار، كالحرية مثلا فهي كلمة "تجريد" إلا أنها كلمة مليئة بالمعاني ومحسوسة ومفهومة ومقبولة، تعطي حالات ووقائع وظاهرات ملموسة ملاحظة١، ونورد فيما يلي مفاهيم:
المشكلة الفرضية:
- المشكلة:
نعرف المشكلة في البحث العلمي بأنها: جملة سؤالية تسأل عن العلاقة القائمة بين متحولين أو أكثر، وجواب هذا السؤال هو الغرض من البحث العلمي، وليس من الممكن دوما للباحث أن يصوغ مشكلة بصورة بسيطة وواضحة وكاملة، وكثيرا لا يكون لديه إلا فكرة غامضة ومشوشة وعامة عن المشكلة، وهذا من طبيعة تعقد المشكلات العلمية، وتعقد طرائق البحث فيها، وقد يفضي الباحث فترة طويلة من الزمن في البحث والتمحيص والتفكير قبل أن يحدد المشكلة ويصوغ الأسئلة التي يجب أن
стр. 100
يطرحها، ويبحث عن أجوبة ومع ذلك فإن صياغة المشكلة صياغة صحيحة ودقيقة جزء من أهم أجزاء البحث العلمي، وخطوة أساسية من خطواته، ورغم صعوبته إلا أنه أمر ضروري ولازم.
أمر آخر هو أن الباحث العلمي إذا أراد حل مشكلة ما، فإن عليه أن يعرف بالضبط وبالتحديد ماهية هذه المشكلة، وحين تحقق تحديد المشكلة وفهمها، فإن جزءا كبيرا من الحل يتحقق، ورغم اختلاف المشكلات وعدم وجود طريقة مثلى لصياغتها، فإنه من الممكن ذكر عدد من صفات المشكلات وصفات الصياغة واستعمالها في البحث العلمي الجيد.
هناك ثمة معايير لصياغة المشكلات الجيدة:
أولها: إن المشكلة يجب أن تعبر عن علاقة بين متحولين أو أكثر بشكل واضح في الصياغة.
ثانيها: إن المشكلة يجب أن تكون مصاغة بوضوح وصراحة على شكل سؤال أو أكثر، إذ إن الأسئلة تتميز بأن تطرح المشكلة بصورة مباشرة وهذا ما يفضله معظم العاملين في البحث العلمي، وقد تصاغ بعبارة لفظية.
ثالثها: وهو أصعبها هو أن المشكلة وصياغتها يجب أن يكونا من النوع الذي يمكن من القيام ببحث خبري تجريبي، إذ إن المشكلة التي لا يمكن أن تبحث تجريبيا، ليست مشكلة علمية بحال من الأحوال، وهذا لا يعني فقط الإتيان على ذكر علاقات، بل يعني أيضا أن تكون المتحولات من النوع الذي يمكن قياسه، وهناك مشكلة هامة ليست علمية لأن التجريب عليها صعب أو مستحيل١.
رابعها: أن تعالج موضوعا حديثا.
خامسها: أن تسهم بإضافة علمية.
стр. 101
سادسها: أن تؤدي إلى الاهتمام ببحوث ودراسات أخرى.
سابعها: أن يستفاد من النتائج بحيث يمكن تعميمها.
ثامنها: أن تقدم فائدة علمية للمجتمع.
هذا وإن الاطلاع على الدراسات والبحوث السابقة تمكن الباحث من بلورة مشكلة البحث وإغنائها بحيث يطلع على الأطر النظرية والفروض التي اعتمدتها تلك الدراسات والمسلمات والنتائج. كما أنها تزود الباحث بالكثير من الإجراءات والاختبارات التي يمكن أن يفيد منها، وبالمصادر والمراجع الهامة.
الفرضية١:
الفرضية صياغة حدسية للعلاقة بين متحولية أو أكثر، أو إنها عبارة عن تخمين أو استنتاج يتوصل إليه الباحث ويأخذ به بشكل مؤقت، أي أنها أشبه برأي مبدئي للباحث في حل المشكلة، أو أن نقول: الفرض حل مؤقت أو تفسير مؤقت يضعه الباحث لحل مشكلة البحث، فهو إجابة محتملة لأسئلة البحث.
تمثل الفروض علاقة بين متغيرين، متغير مستقل ومتغير تابع، مثال: توجد علاقة بين عدد المحاضرات وبين الجدوى التعليمي للطلبة، أو هناك علاقة بين عدد ساعات دراسة الطلبة وبين تحصيلهم العلمي، فالعلاقة هنا هي بين متغيرين هما عدد الساعات والتحصيل المعرفي، وقد تكون إيجابية "تحصيل المعرفة" أو سلبية "عدمها" أو ألا يكون هناك ارتباط بين المتغير المستقل والمتغير التابع.
هذا وللفروض نوعان: فرض مباشر "Directional" "صياغة الإثبات" أو فرض صفري "Nunhypothis" "صياغة النفي" مثال على الأول: توجد فروق إحصائية بين اتجاهات الطلبة نحو التعليم المهني، وفي هذه الحالة يضع الباحث فرضا يؤيد وجود
стр. 102
الفروق أما في حالة موافقة جميع الطلبة على التعليم المهني، هنا نقول: إن الفرض صفري لعدم وجود فروق، فهي منفية منذ البداية، وهذا النوع من الفروق أكثر سهولة لأنه أكثر تحديدا وبالتالي يمكن قياسه والتحقق منه١.
ثمة معايير للفرضيات الجيدة وصياغتها:
١- أن تكون بسيطة تفسر الظاهرات دون تعقيد.
٢- أن تكون الفرضية تعبيرا عن العلاقة بين المتحولات.
٣- أن يكون الفرضية معقولة وليست خيالية، منسجمة مع الحقائق العلمية المعروفة.
٤ - أن تكون قابلة للاختبار والتجريب.
٥- لها قدرة على تفسير شامل أو تعميم شامل للظاهرة المدروسة.
٦- انسجام الفرض كليا أو جزئيا مع النظريات القائمة.
والفروض خطوة نحو الحقيقة، تتحول إلى حقائق لمجرد أدلة كافية على صحتها وتصبح الفروض قانونا حينما تثبت صحتها، وتتشابه الفروض مع النظريات في كونها تصورات أو تخيلات ذهنية لتفسير علاقة ما، لكن مجال النظرية أكثر سعة من الفروض، فالنظرية تشمل عدة فروض، وبالتالي تتطلب جهودا أكبر لإثباتها، وتكون بعد إثباتها أكثر قدرة من الفروض على تفسير أكبر قدر من الظاهرات.
أما القانون: فهو أكثر ثقة من النظرية والفرضية هو "صلة أو ترابط عميق أساسي ثابت منتظم فيما بين الظاهرات، أو فيما بين مختلف أوجه الظاهرة الواحدة، فهو انعكاس لعملية موضوعية تحصل في الطبيعة، وفي جوهر معطيات مجتمع ما، يتمتع بخاصية كونه موضوعيا، الطبيعي منه محدد يعبر عنه بمعادلات رياضية، ويمكننا التحقق منه في كل لحظة، بينما لا يمكن ذلك في قوانين المجتمع لديمومية التغير"٢ لأنها تنتج عن
стр. 103
نشاط الأفراد في وضعية تاريخية دائمة التغير، هذا والقوانين ليست مطلقة، بل محدودة بالظروف الزمنية والمكانية أو غير ذلك، كما أنها تقريبية محددة بزمان معين، قد تستبدل بقوانين أخرى أكثر دقة وإحكاما١.
- أهمية المشكلات والفرضيات:
تعتمد هذه الأهمية على هدف البحث، وتبدو من خلال:
١- أنها وسائل العمل في النظرية، ويمكن استخلاصها من النظرية ومن الفرضيات الأخرى.
٢- أن الفرضيات يمكن اختبارها والتأكد من صحتها أو خطئها، وذلك بخلاف الحقائق المعزولة التي لا يمكن اختبارها، إن ما يختبر هو الصلات، وبما أن الفرضية تعبر عن صلاتها فإنها ممكنة الاختبار وبالتالي فهي تستعمل في البحث العلمي، بهدف تفسير الحقائق والكشف عن الأسباب وتحليل الظاهرة المدروسة، أما إذا كان الهدف من البحث العلمي الوصول إلى حقائق ومعارف أو القيام بدراسة مسحية فلا قيمة للفروض، إن الفروض بجوهرها معينة على التنبؤ وتعبر عن صلة، ومن ثم إمكان الاختبار الذي يدلل على صحة القول أو خطئه.
٣- الفرضيات وسائل قوية في تقديم المعرفة، ذلك لأنها تمكن الإنسان من الخروج من خارج ذاته، فالبرغم من أن الإنسان هو الذي يصوغ الفرضية فالفرضية، موجودة ويمكن اختبارها والبرهنة على صحتها، أو عدم صحتها، من وجهة نظر الباحث، وهذه أمور كلها هامة لدرجة نستطيع القول بأنه: لولا الفرضيات لما وجد العلم وأنه لا علم بلا فرضيات.
ولا تقل المشكلات التي تقف وراء الفرضيات أهمية عن هذه الفرضيات، البحث
стр. 104
العلمي يوجد لوجود مشكلة أو لوجود وضع مشكلة، وأنه يوجد في البداية وضع غير محدد، تكون فيه الأفكار غامضة والأمور مشكوك فيها، المفكر حائرا، والمشكلة لا يمكن حلها إلا بعد أن يستشعر المفكر هذه الحيرة ويطرح هذه التساؤلات ويضع تلك الفرضيات.
يمكن حل المشكلة في القضاء على عدم المحاولة المحدودية والتخلص من الغموض وبالرغم من أن المفكر قد لا يملك في البداية أية فكرة غامضة عن المشكلة التي تواجهه، فإن عليه فيما بعد أن يحدد المشكلة التي يحلها، وبالرغم من أن هذا الأمر يبدو بدهيا لكن واحدا من أصعب الأمور في البحث العلمي هو تحديد المشكلة تحديدا واضحا وكاملا وبتعبير آخر إن ما يجب هو أن نحدد الذي نبحث فيه، ومتى تمت معرفة ذلك يكون الباحث قد قطع شوطا بعيدا.
- مزايا المشكلات والفرضيات:
أول ميزة هي أنها توجه الباحث بما يجب عمله، والثانية أنها تمكن الباحث من استخلاص ظاهرات خيرية محددة، تشتمل عليها المشكلات والفرضية، والميزة الثالثة أن المشكلات والفرضيات تسبب تقدم البحث العلمي بوساطة مساعدتها الباحث على الموافقة على النظرية أو عدم الموافقة عليها.
هناك فروق هامة بين المشكلات والفرضيات، فالفرضيات المصاغة صياغة صحيحة يمكن اختبارها رغم أن بعض الفرضيات واسعة جدا، بحيث يتعذر اختبارها، إلا أنها إن كانت جيدة فإنه يمكن استخلاص فرضيات للاختبار منها، والذي يختبر هنا هي الصلة أو الصلات التي تعبر عنها الفرضية، وليس الحقائق فالمشكلة لا يمكن حلها إلا إذا حولت إلى صيغة فرضية، والمشكلة سؤال قد يكون واسعا لا يمكن اختباره بصورة مباشرة.
وإذا كانت المشكلات والفرضيات تساعد على التقدم العلمي، فإن الباحث الذي
стр. 105
لا يجري بحثا على أساس من فرضية مسبقة عن صلة بين متحولين أو أكثر، فإن الحقائق التي يكتشفها لا تبرهن على شيء أو تنفي شيئا، ولا يجوز للباحث أن يجمع الحقائق ويصوغ النظريات، ثم ينتقي من هذه الحقائق ما يناسب نظريته ويهمل ما لا يناسبها، بل أن يجمع الحقائق ومن ثم يفترض الفرضية، ثم يضعها موضع الاختبار العلمي الموضوعي، محددا سلفا ما يتوقعه من صلة أو صلات، فإذا أثبت الاختبار صحة الفرضية صارت نظرية أو قانونا، وهكذا فإن الفرضة توجه الباحث دون تحيز، والبحث يكون إما عن صحة الفرضية أو عدم صحتها.
وأخيرا نشير إلى أن الفرضية تصوغ النظرية في قالب يجعلها ممكنة الاختبار، ولكي نبحث نظرية ما، ونختبرها لا بد أن نستخلص الصلات المقترحة في النظرية، وصياغة الصلة أمر سهل، ولكن اختبارها أمر صعب، لأن من الصعوبة بمكان تحديد معنى بعض المصطلحات تحديدا يمكن قياسها به، والعمل كما هو معلوم يستهدف في جملة ما يستهدف القياس، ومن هنا يتضح لنا أن الفرضيات جسور هامة تصل بين النظرية والبحث الخبري.
عمومية الفرضيات وخصوصيتها:
وهي إحدى الصعوبات التي يواجهها طلبة الدراسات العليا في تحضير بحوثهم، ذلك بأنه إذا كانت المشكلة مفرطة في العمومية فإنها على الأغلب تكون غامضة لا يمكن اختبارها، رغم أنها تبدو وكأنها فرضيات علمية قابلة للبحث والتجريب.
أما الإفراط في التحديد ورغم أن تحديد المشكلات أمر ضروري للبحث العلمي لتصبح المشكلة قابلة للبحث والقياس ولكن المبالغة فيه تعني التجزئة، والمبالغة في التحديد شر من التعميم وهي كفيلة بالقضاء على وجود المشكلة وفي بحوث الدراسات العليا "الدكتوراة بخاصة" لا يسمح بأن تكون المشكلة محدودة أكثر مما يجب، وأفضل الأمور الوسط والوصول إليه رهن بالمعرفة والخبرة والممارسة وإشراف الأستاذ الموجه١.
стр. 106
نشير أخيرا إلى ما يقال أحيانا من أن الفرضيات ليست ضرورية للبحث وأنها تحد من خيال الباحث، وأن عمل الباحث العلمي أن يجد المجهول وليس أن يوضح المعلوم، وغير ذلك من الأقوال، إن هذه الأقوال تشير إلى جهل الباحث بمهمة الفرضية وتسبب ضياعه، لأن الفرضية أقوى أداة توصل إلى العلم، فمن عمل الباحث أن يشك في جميع التفسيرات التي تقدم إليه، وهو يصر على إخضاع التفسيرات للتجريب، ومن أجل ذلك لا بد له من صياغة تفسيرات قابلة للاختبار والتجريب، والواقع أن هذه التفسيرات هي الفرضيات، والحق أن العالم لا يفعل أكثر من صياغة فرضيات من الحوادث وأسبابها ونتائجها ويخضعها فيما بعد لمزيد من الملاحظة والتجريب والاختبار، وإذا لم يتمكن الباحث من أن يضع التفسير في صيغة قابلة للاختبار الفعلي التجريبي، فإن تفسيره يكون ميقافيزيقيا وليس علميا، وسوء ثبتت صحة الفرضية أو لم تثبت فإنه من الصعب تصور حدوث أي تقدم على الإطلاق بدون فرضيات فهي أقوى أداة أوجدها الإنسان للتوصل إلى العلم الذي يمكن الاعتماد عليه١.
стр. 107
المبحث الثالث: الملاحظة، والحقيقية، والنظرية
...
المبحث الثالث: الملاحظة، والحقيقة، والنظرية
- الملاحظة:
هي "انتباه مقصود ومنظم ومضبوط للظاهرات أو الحوادث أو الأمور بغية اكتشاف أسبابها وقوانينها" وهي الخطوة الأولى في البحث العلمي ومن أهم خطواته، يقوم الباحث فيها في جميع مراحل البحث تسبق الافتراض وترافقه وتلحق به وتقود الباحث إلى صياغة الفرضيات والنظريات.
تبدأ الطريقة العلمية وفق خطتها المألوف بالملاحظات وقد تكفي الملاحظة الدقيقة.
أحيانا بحيث يستغني الباحث عن التجريب، بل إن التجريب وهو جوهر البحث قد يعتبر ملاحظة في ظروف محددة مخططة، والملاحظة قد تكون عفوية لكن الملاحظة العلمية قلما تكون كذلك، فهي ليست عملا بسيطا، تتطلب تخطيطا ذكيا واعيا، وأحيانا استخداما لوسائل وأدوات، ويتم بعضها بوساطة الحواس فقط.
يعتمد الأسلوب الكيفي في البحث على الملاحظة بنوعيها الحسية والعقلية، تعتمد الأولى في التعرف على ما يجري في الحياة اليومية، وتكون نتائجها مسجلة، أما الملاحظة العقلية فإنها تعتمد على قواعد التفكير العلمي وتمكن من استنباط الفروض واستقراء النظريات واستخراج القوانين، وكذلك التحقق من مدى استنباط الفروض واستقراء النظريات واستخراج القوانين، وكذلك التحقق من مدى صحتها أو خطئها، وهذا النوع من الملاحظة يفيد في مسح العلاقات بين الوقائع في مجملها وتفاصيلها، والربط بين الطرد أو المتشابه منها، والتعرف الحدسي على الأسباب والكشف الاستبصاري عن كنه الأمور مما يتبدى من مجرياتها.
جدير بالذكر أنه كلما كانت الملاحظة منظمة ومخططا لها كانت أكثر فائدة في تمكن الباحث من التعمق والغوص على المعاني، ومعرفة المختلف والانتباه للمستجدات والاعتبار للاستنباط والاستقراء والمعنى الدقيق للملاحظة المشاركة، ففي البحوث الاجتماعية مثلا تجري المشاركة مع المبحوثين في حياتهم اليومية والتجارب الجارية، السابقة للملاحظة والممهدة لها والمؤثرة فيها، وبذلك يستطيع الباحث أن يحلل ما يجري حوله ويفسره ويقف على الأسباب السابقة والحالية وتلك القريبة، أي أن مسلك الباحث مسلكا تحليليا كيفيا وتفسيره تفسيرا منطقيا، بحيث تبرز قيمة مرحلة الاطلاع الواسع والمتشعب واستقصاء مختلف ألوان المعرفة والبيانات والمعلومات من مصادرها، وكلما كان عمله منظما كان تحليله وتفسيره مثمرا، هذا وللملاحظة العلمية شروط:
١- أن تكون منظمة.
٢- أن تكون موضوعية.
стр. 108
٣- أن تكون دقيقة كما وكيفا.
٤- أن يكون الملاحظ مؤهلا للملاحظة ومدربا وفي وضع مادي "جسدي" ومعنوي "نفسي" يمكنه من الملاحظة.
٥- أن تسجل الأمور الملاحظة بسرعة، حتى لا يحورها النسيان.
٦- أن يوضع للملاحظة خطة علمية مرنة.
أما أنواع الملاحظة فهي:
١- الملاحظة العفوية البسيطة.
٢- الملاحظة المقصودة والمضبوطة والمنظمة.
٣- الملاحظة الفردية والملاحظة الجماعية.
٤- الملاحظة في الطبيعة وتستعمل في العلوم الطبيعية وفي العلوم السلوكية.
٥- الملاحظة في المخبر.
٦ الملاحظة في العيادة.
هذا وقد يخطئ الباحث في ملاحظاته، إما لأسباب نفسية أو شخصية، ويؤثر ذلك على تفسير الملاحظة، واستقرائها والربط بينها، وتبين علاقاتها المتبادلة، لهذا تفرق بعض البحوث العلمية بين الملاحظ والمفسر، وبشكل عام تكون الملاحظة الدقيقة نتيجة للممارسة والتدريب، ونتيجة لتوافر صفات في الملاحظ: الانتباه والاهتمام والموضوعية، والإحساس والاستعانة ببعض الأدوات حين اللزوم.
- الحقيقة:
الحقيقة حدث أو واقعة أو خبرة أو تغيير تتصف بقدر كبير من الثبات، ويؤيد وجودها أدلة صادقة يمكن حصرها في بحث معين، إن غاية البحث من الملاحظة هي الوصول إلى
стр. 109
الوقائع أو الحقائق، والعالم أقل قطعا بالنسبة إلى الحقائق، وأكثر شكا في الوقائع، يخضعها جميعها للبحث والتمحيص، ويقف منها موقف الناقد لتحقيقها.
تختلف إمكانية الوصول إلى الحقيقة من حال إلى حال، ومن بحث لآخر، فثمة حقائق شخصية "خاصة" تكمن في أعماق الفرد ولا يستطيع الإنسان الآخر الوصول إليها بسهولة، أو بصورة تامة، وإن كانت حقائق واقعة وبالنسبة لصاحبها "الآمال" وبدهي أن سلوك الفرد كثيرا ما يوحي بآماله، وأمانيه ويعبر عن مخاوفه وأسباب قلقه، وبهدف التوصل إلى مثل هذه الحقائق لا بد من فحص وتمحيص قد يكونا ممزوجين بالظن والتخمين.
نذكر هنا الملاحظة الشخصية وهي الاستبطان "Introspection"، وهي ملاحظة الإنسان لذاته ونظره في خبراته ووصفه لها وتعبيره عنها، وبما أن العلم موضوعي لهذا لا يمكن الاعتماد على الاستبطان من قبل المراقب الخارجي لاختلاف الملاحظة الشخصية بين الأشخاص "الخوف" وفي العلوم السلوكية يغلب العنصر الشخصي على العنصر الموضوعي عكس العلوم الطبيعية، لهذا يسعى علماء العلوم السلوكية لجعل علومهم تجريبية إحصائية كمية، ولقد فرق دالين بين مستويات ثلاثة للحقائق هي:
١- مستوى الحقائق التي يكون الإنسان فيها واعيا لها عن طريق الخبرة الحسية المباشرة، وهي ليست إلا إحساسات، هي خبرات خام، تدرك مباشرة والإحساس بداية الإدراك، وهذا بدوره تفسير الإحساس.
٢- مستوى الحقائق التي يتعرف عليها الباحث، بوساطة وصفه خبراته المباشرة وتفسيرها، حيث يفسر المحس إحساساته في ضوء خبراته الماضية ومعارفه ليحصل على حقائق.
٣- مستوى الحقائق التي يتعرف عليها الباحث بوساطة قيامه بالاستقراء والاستنتاج، وعمليتي التجريب والتعميم، وهنا يعمل الباحث عقله، ويستخدم عمليتي التجريد
стр. 110
والتعميم، ويقوم بفاعلتي الاستقراء والاستنتاج، وحيثما أمكن يلجأ إلى التجريب فيصل إلى الحقائق الموضوعية، وهكذا تأكد الإنسان أن الأرض كرية.
هذا وإن المستويات الثلاثة متكاملة متواصلة، فبدون إحساس لا نصل إلى الحقائق، وبدون إدراك وتفسير لا نصل إلى الحقائق وبدون استدلال لا نصل إلى الحقائق١.
- النظرية:
تعرف النظرية بأنها: "كل مجرد من المفاهيم يتحد في سياق منطقي تقوم عليه معرفة علمية للظاهرات"٢ والمقصود من النظرية في البحث العلمي: توضيح العلاقة بين السبب والأثر "Cause effectrelationship" بين المتغيرات، بهدف الشرح أو التنبؤ بظاهرات معينة، وبتعبير أوضح: النظرة أفكار مرتبطة ومنظمة تساعدنا على تفسير مجموعة من الظاهرات المعروفة أو المرصودة وتصلح أن تكون أساسا للتوقع أو التنبؤ٣.
إن الباحث الذي يلاحظ والذي يجمع الحقائق ينتهي إلى "نظرية" تنظيم الحقائق، وتربط بين الوقائع، وتعطي تعليلا أوليا يسميه العلماء "فرضية" يجربونها" فإن ثبتت صحتها قبلت وأصبحت "قانونا" أو "حقيقة عامة" على الأقل، وإلا رفضت وعمد إلى "نظرية" أو "فرضية" أخرى حيث يعيد الباحث الكرة من التجريب والتمحيص والبحث، ومن العسير أن نرسم خطا فاصلا بين كل من الفرض والنظرية، والفرق بينهما هو في الدرجة لا في النوع، فالنظرية في مراحلها الأولى تسمى "الفرض" وعند اختبار الفرض بمزيد من الحقائق بحيث يتلاءم الفرض معها، فإن هذا الفرض يصبح نظرية.
ينتهي الباحث الذي يجمع ويلاحظ الحقائق إلى فرضية أو نظرية مؤقتة "Provisional Theory" قد تشمل شرحا وتفسيرا فإن كان خطأ تعاد الكرة من جديد من التجريب والتمحيص، وإن صحت فإنها تستمر، وقد تستمر النظرية لفترة طويلة من الزمن، حتى تكتشف طرق أخرى للبحث تؤدي إلى اكتشاف حقائق جديدة تطور الفرضية أو النظرية المؤقتة التي وضعت من قبل الباحث. ويمكننا تشبيه ذلك بنظرية "بطليموس" ومن بعده نظرية "كوبرنيكوس".