← Фикх общий

Фикх общий · id 8368

البحث العلمى أساسياته النظرية وممارسته العملية

رجاء وحيد دويدري

Полный текст (496 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عباس المجوسي وقد اشتهر بين "٩٧٠/ ٩٨٠هـ" والزهراوي وغيرهم وقد أوردنا ذكرهم في موضع آخر. أما في مجال العلوم الإنسانية، فإننا بحكم التخصص، نخص بالذكر المنهج الوصفي لدى الجغرافيين العرب، لقد كان التأليف الجغرافي يعرض لنا روحه ومضمونه في محاولات جدية للتفسير والتعليل العلميين، يدعمهما ذخيرة واضحة من المعرفة بهذا العلم، ونستمد المادة التي نحتاج إليها فيما يخص الجغرافية الوصفية من المؤلفات الغزيرة عن الرحلات البرية والبحرية، والكتب المتنوعة التي تقدم دليلا وافيا عن الطرق والمسافات والمراحل والدراسات المفصلة في الجغرافية الإقليمية والمحلية. ثم لم نجد أي مؤلف انصرف بصورة منهاجية لوصف مشهد الأرض الطبيعي حتى مطلع القرن "الثالث الهجري" "التاسع الميلادي"، وقبل أن يكون كتاب المجسطي نقطة انطلاق لدى العرب في ميدان الجغرافية الفلكية والرياضية، كانت أمور جغرافية استرعت انتباه العربي وملاحظاته حول النجوم الثابتة وسير الكواكب المتحركة وتغيرات الطقس، ومن ثم استرعت انتباه الكتاب العرب جغرافية شبه جزيرة العرب، ومن هؤلاء النضر بن شميل "ت ٢٠٤هـ/ ٨١٩م" وهشام الكلبي "ت ٢٠٦هـ/ ٨٢١م" والواقدي "ت ٢٠٨هـ/ ٨٢٣م" وكانت عنده أولى المحاولات الأدبية المطبقة على وصف العالم وأبو سعيد الأصمعي "ت ٢٨٣هـ/ ٨٩٦م". أوجد العرب إمبراطورية واسعة، وأدت رغبة المعرفة بها إلى ظهور الجغرافية الأدبية أو الوصفية، والتي تمثلت بعلمي المسالك والممالك وعجائب البلدان، ونذكر من بين المؤلفات في هذا الشأن، ابن خرداذبة "ت حوالي ٢٧٢هـ/ ٨٨٥م" وكتابه "المسالك والممالك" وهو من طلائع من ألف في هذا المجال، والمروزي "ت ٢٧٤هـ/ ٨٨٧م" وكتابه "المسالك والممالك" واليعقوبي "ت٢٨٤هـ / ٨٩٧م" وكتابه "كتاب البلدان" وقد تناول بحوثه بأسلوبه وصفي بخاصة النواحي الإحصائية والطبوغرافية وقد قال عنه

стр. 177

متز "Metz": إنه أول جغرافي بين العرب، وصف الممالك معتمدا على ملاحظاته الخاصة، وهناك السرخسي "ت ٢٨٦هـ/ ٨٩٩م" والبلخي "ت ٣٢٢هـ/ ٩٣٤م" وكتاباهما أيضا "المسالك والممالك" وقد تخلل كتاب البلخي الشرح والبيان والرسوم والإصطخري "ت بعد عام ٣٤٠هـ/ ٩٥١م" وابن حايك الهمداني صاحب كتاب "شبه جزيرة العرب". ومما زاد في أهمية الجغرافية الوصفية، أن اتخذ الكثير السياحة وسيلة للدراسة وأكثر جغرافيو العرب هم السائحون، ونذكر من رحالة البر المسعودي "ت ٣٤٦هـ/ ٩٥٧م" وابن جبير الكناني "ت ٦١٤هـ/ ١٢١٧م" وابن بطوطة "ت ٧٧٩هـ/ ١٣٧٧م" والموصلي والعبدري و ... وهناك لون آخر من الكتابة الجغرافية يطالعنا بوصف تفصيلي لأقاليم خاصة، ومن طلائع المؤلفات في هذا الباب مؤلف موفق الدين البغدادي "ت ٦٢٩هـ/ ١٢٣١م" وهو نوع من الدراسة الطبوغرافية لمدينة بغداد، ووصف البلخي لفارس، وهي من أهم الكتب الطبوغرافية في العصور الوسطى١، وكتاب "رسالة ابن فضلان" لأحمد بن فضلان، وهي أقدم وصف معروف لشاهد عيان عن حياة "الفايكنغ" ومجتمعهم، ووثيقة بارزة في وصفه لحوادث وقعت منذ ما ينوف عن ألف سنة، وذلك في القرن "الرابع الهجري" "العاشر الميلادي، وملاحظة البيروني "ت ٤٤٠هـ/ ١٠٤٨م" للأقطار الإسكندنافية ووصفه لأهل "ورنج" الإسكندنافين٢، وما كتبه الحبيهاني والجرديزي وصاحب كتاب حدود العالم والبلخي وطليعة هؤلاء المهلبي، وهناك كتاب سليمان التاجر "ت ٢٣٧هـ/ ٨٥١م" وكتاب "برزك بن شهريار الناخدا" الذي يعد مقدمة قيمة

стр. 178

لقصص السندباد١، وتعد قمة هذه المعرفة والكتب القيمة كتب أحمد بن ماجد، وأعظمها أهمية كتاب "الفوائد" الذي يصف فيه أصول الملاحة، ويقول فران "Ferrand. G": إن وصفه البحر الأحمر بغض النظر عن أخطاء خطوط العرض لا تدانيه أية إرشادات أوروبية٢، كما وصف سليمان المهري رحلات هامة في أبحاث نثرية ثلاثة في تعليمات البحار٣. تناول البعض من خلال أداء فريضة الحج، بالوصف والتحليل ما رأوه أو كتبوه، وقد أشار ياقوت الحموي في مقدمته إلى ذلك، وكانت روايات الحجاج المسلمين ذات قيمة علمية، نذكر منهم رحلة ابن جبير "٥٧٩-٥٨١هـ/ ١١٨٣-١١٨٥م" والدليل الذي قدمه الكاتب الفارسي الهروي "ت ٦١١هـ/ ١٢١٤م" والرحلة المغربية للعبدري "ت ٦٨٨هـ/ ١٢٨٩م" والفهري "ت ٧١٢هـ/ ١٣٢١م". كذلك كانت الرغبة في طلب العلم حافزا لمن يرغب بالسفر إلى المرامي البعيدة والنواحي القاصية كشمس الدين المقدسي "ت ٣٩٠هـ/ ٩٩٩م" وكتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" ويعتبره "اشبرنجر" "أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة" وأبي الريحان البيروني، واليعقوبي "ت ٢٧٨هـ/ ٨٩١م" وهو أول جغرافي درس النبات وصنف فيه والدينوري والبغدادي" ت ٢٨٢هـ/ ٨٩٥م" محب الأسفار وراء الاستزادة من العلم، ويعد أول من رسم نحو "٢٠٠" نبتة ووضع لها وصفا وتعريفا علميا دقيقا، اعتمد على الملاحظة المباشرة والتجربة في دراسته، ووضع منهجا جديدا في دراسة العلاقة بين النبات والتربة لا يقل في علميته عما وصفه "كارل لينيس" السويدي "١٧٠٧-١٧٧٨م" في تصنيف النبات والتي لا تزال تستعمل الآن، وأهم آثاره "كتاب النبات" وهو موسوعة معجمية علمية تاريخية مؤلفة من ستة مجلدات أصولها مفقودة.

стр. 179

ولد نمط جديد، أي حكايات الأسفار بالمعنى الذي نفهمه اليوم في الربع الأخير من القرن "السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، وهي أقاصيص الرحالة الجغرافيين التي أودعوا فيها خلاصة تجاربهم. أمدنا الإدريسي "ت ٥٦٠هـ/ ١١٦٦م" بمعلومات أصيلة في دقة لا ينازعه فيها أحد، وذلك في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" وجدة المعلومات وقيمتها الحقيقية تثيران إعجاب الجغرافيين المحدثين١، وابن جبير الكناني "ت ٦١٤هـ/ ١٢١٧م"٢ له ميزة الأسبقية في كتابه "رحلة الكناني وكان طلعه إلى المعرفة، وقد وصل إلى القمة التي وصل إليها فن تدوين الرحلات في تاريخنا الفكري، وابن بطوطة "ت ٧٧٩هـ/ ١٣٧٧م" أشهر الرحالة المسلمين وكتابه "تحفة النظار في عجائب الأمصار" دبجه ابن جزي، ويقول عنه المستشرق بلاشير: "إنه رحالة يتفوق عنده حب الاستطلاع على حدة الذكاء" ويقول كراتشكوفسكي: "إنه لم يكن نقالة بل كان رحالة" وإنه منافس خطير لمعاصره الأكبر منه شأنا ماركو بولو البندقي الإيطالي "١٢٥٤-١٣٢٣م" وكتابه "كتاب ماركو بولو" ويقول بروكلمان: إن معلومات ابن بطوطة أوثق وأجدر بالاعتماد من رحلة ماركو بولو، أما البحاثة الياباني "ياموتو" فيقول: "إن وصفه لبلاد الصين فيه فقرات تعتمد على ملاحظات مباشرة عن الصين" ومنذ "الرحلة العياشية" التي وضعها العياشي "ت ١٠٩٠هـ/ ١٦٧٩م" لم يعد للوصف قيمة بقدر ما للنقاد الأساتذة العلماء. لقد قدم أسلافنا القدماء وصفا عن الكون والأرض والمحيطات والمجتمعات البشرية وعجائب الطبيعة والعادات المستغربة لدى الشعوب البعيدة بأسلوب وصفي يتم عن معرفة مباشرة، وكان حديثهم سردا تاريخيا حينا وملاحظات حينا آخر، ولكن

стр. 180

ما سجلوه قام بدور فعال في الكشف عن الأرض والإنسان بأسلوب وصفي، تميزت جغرافيته بأصالة فريدة. لم يكن هناك مصطلحات جغرافية قائمة بكل معنى الكلمة قبل القرن "التاسع"، ومع ازدهار الترجمة تمكن العرب من الاطلاع على أفكار بطليموس ومارينوس الصوري، ومع ظهور هذه الترجمات بدأت السلسلة الجغرافية العلمية التي تبعها أنماط متعددة للجغرافية الوصفية، ثم تنوعت أوصاف الرحلات فساد في بعضها الطابع الواقعي في حين احتفظت الأخرى بالعنصر القصصي. لقد أخذت الجغرافية صورا متباينة حسب الأزمنة وأمزجة الرجال الذين انصرفوا إليها مما جعلها تصطبغ بصفات مختلفة خلال تطورها في الزمان، هذا ولا شك فإن منهج الجغرافية الوصفية عند العرب يسترعي الانتباه، بغزارة مادته، ذات الطابع المميز، والسيماء الخاصة، مما لا نجد له مثيلا في آداب الأمم الأخرى. لم يكن في وسع العقول المستنيرة في أوروبا أن تتجاهل حقيقة المسلمين في مجال الجغرافية الوصفية التحليلية، نقرأ للراهب الدومينيكي "فنسنت أف بوفيه" "Dominical Friar Vincent of Beaunvais" الذي يوجز المعرفة السائدة في كتابه "Speculum"، نراه ينقل في معرض كلامه عن وادي النيل عن ابن سينا بين مصادره، ونجد في كتابات الراهب "ألبرت الكبير" وهو كثيرا ما يبدي تحولا عن الرأي السائد في شأن العالم، استنادا إلى مصادر عربية كثيرة، ثم تعقب ذلك الرحلات الخيالية لرجل إنكليزي وهو "سيرجون مندفيل ١٣٥٦م"، ويعتبر وصف هذه الرحلات من باب الخيال المحض تملؤه الأسانيد والخرافات، ولقي هذا الكتاب قبولا عظيما خلال القرنين "الرابع عشر والخامس عشر" إذ يعطي العامة من الأوروبيين فكرة عن العالم نقارن ذلك بهمم التبصر في حقائق الأرض على أساس من الملاحظة لدى العرب. ونذكر في هذا المجال "روجر بيكون" "٦١١-٦٩٤هـ/ ١٢١٤-١٢٩٤م" صاحب

стр. 181

كتاب١ "Opus Majus" إننا نجد بين المصادر العربية التي ذكرها كمراجع له في شئون الفلك والرياضيات والجغرافية أسماء مثل أبي معشر، وقد أورد ذكره في معرض إشارات متعددة تتعلق بالرياضيات والفلك والفلسفة الأخلاقية، وقال عن كتاب أبي معشر "الاتصالات": إن معرفة علم الفلك قد وصلت إلى أيدي اللاتين عن طريق هذا الكتاب، وهناك الفرغاني وابن سينا والبتاني وثابت بن قرة والزرقالي٢. ونورد فيما يلي نموذجا عن المنهج الوصفي لدى الجغرافيين العرب نستقيه من كتاب "أحسن التقاسيم لمعرفة الأقاليم" بدأ كتابه بمدخل طويل نوعا ما ومكثف عن الجغرافية الطبيعية، وعن أبحاث الذين سبقوه والتقسيمات التي تبنوها والاصطلاحات والتسميات الدارجة، ثم عالج في القسم الأول الأقاليم العربية، ووصف في القسم الثاني الأقاليم الفارسية والأقطار الإسلامية الشرقية، وخص كل أقليم بفصل خاص وذلك ضمن إطار مخطط متماثل يبدأ بعموميات عن المنطقة ثم بوصف المدن والنواحي التي تتبعها وينتهي بمعلومات جزيلة الفائدة عن المناخ والديانة والغرائب والتجارة والمظاهر الجغرافية في المنطقة المذكورة، ولعل من الأفضل أن نترك المقدسي يقدم منهجه بنفسه: "فرأيت أن أقصد علما قد أغفلوه، وانفرد بفن لم يذكروه إلا على الإخلال، وهو ذكر الأقاليم الإسلامية، وما فيها من المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار، ووصف أمصارها المشهورة ومدنها المذكورة، ومنازلها المسلوكة وطرقها المستعملة، وعناصر العقاقير والآلات، ومعادن الحمل والتجارات، واختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم، ومذاهبهم ومكاييلهم وأوزانهم، ونقودهم وصروفهم، وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم ومياههم ومعرفة مفاخرهم وعيوبها وما يحمل من عندهم وإليهم، وذكر واضح الأخطار في المفازات وعدد المنازل في المسافات". ومن الغريب أنه وصل إلى فكرة الجغرافي الحديث في تدبره فائدة الموضوع بالنسبة للتعليم العام والثقافة فيقول: "وعلمت أنه باب لا بد منه للمسافرين والتجار، ولا غنى عنه للصالحين والأخيار، إذ هو علم ترغب فيه الملوك والكبراء وتطلبه القضاة والفقهاء، وتحبه العامة والرؤساء" ويرجع إلى مؤلفات الجغرافييين أمثال ابن خردذابة والجيهاني والبلخي والهمداني والجاحظ، فيعالج ميزاتهم وأخطائهم بصراحة.

стр. 182

المبحث الثاني: مراحل المنهج الوصفي يقوم الباحث الذي يتبع المنهج الوصفي بإنجاز مرحلتين: الأولى هي مرحلة الاستطلاع والثانية هي مرحلة الوصف الموضوعي، بحيث يكون الباحث أخيرا نظرية يمكن اختبارها أي أنه يقوم به: ١- تفحص الموقف المشكل ودراسته دراسة وافية. ٢- تحديد المشكلة التي يريد دراستها. ٣- صياغة فرضية معينة لهذه المشكلة بناء على ملاحظاته ويدون هذه المشكلة ويقرر الحقائق والمسلمات التي يستند إليها في دراسته. ٤- اختيار عينة مناسبة ويعين مواضيع فحصهم. ٥- تحديد طرائق جمع البيانات التي ينبغي الحصول عليها. ٦- تصنيف البيانات التي يريد الوصول إليها وذلك بغرض المقارنة والتوصل إلى وجوه الشبه والاختلاف وتبين العلاقات. ٧- اختيار أدوات البحث التي يستخدمها في جمع البيانات، كالاستبيان أو المقابلة أو الملاحظة وفقا لطبيعة المشكلة موضوع الدراسة، ويتحقق من صلاحية هذه الأدوات في جمع البيانات.

стр. 183

٨- القيام بملاحظات وجمع البيانات بطريقة موضوعية ودقيقة. ٩- تحديد النتائج التي توصل إليها الباحث وتصنيفها ثم تحليلها وتفسيرها بدقة وبساطة، ومن ثم وضع توصيات لتحسين الواقع الذي يدرسه١. نستنتج مما ذكرناه أن الباحث الكفء ليس مجرد جامع للمعلومات أو مصنف لها، وإنما يقوم بعمله على أساس من فرضية معينة ولغاية محددة يتم الوصول إليها وفق خطوات معينة. إن مصادر معلومات الباحث في المنهج الوصفي إما من المجتمع الأصلي كله أو من عينة ممثلة لهذا المجتمع، ويتوقف اختياره لهذه الطريقة أو تلك على طبيعة الدراسة التي يقوم بها وعلى مداها، وفي حالة قيامه بدراسة المجتمع الأصلي بكامله لا بد أن يكون المجتمع المدروس صغيرا نسبيا، ويمكن الدراسة بهذه الطريقة، وحينئذ تنطبق النتائج التي توصل إليها على هذا المجتمع الصغير وحده، وإن كانت ذات فائدة نسبية بالنسبة للمجتمعات المماثلة، أما إذا كان المجتمع كبيرا، فلا بد من اختيار عينة منتقاة بطريقة علمية كي يستطيع القيام بالدراسة وحينئذ يعمم النتائج التي توصل إليها على المجتمع الأصلي الكبير بكامله، واختيار العينة أمر صعب وله طرائق تقنية سنعود إليها في موضع آخر. يعبر الباحث عن البيانات التي جمعها إما بطريقة وصفية أو كمية أو بكليهما، والألفاظ الكيفية كثيرا، ما تعوزها الدقة، إذ إنها لا تحمل المعنى نفسه بالنسبة لكل الأفراد وفي كل الأحوال، كقولنا: "قليل، كثير" لهذا فإن الباحثين يحرصون على استعمال الرموز الكمية التي تعبر عن حقائق موحدة بالنسبة لجميع الأفراد وفي جميع الأحوال. هذا وتفرض بعض الدراسات الأسلوب الكمي كالتعبير بالأرقام وبرسوم بيانية على "تطور الدخل القومي" مما يتطلب عدة مفاهيم إحصائية، فهي تعطي وصفا. دقيقا للظاهرة، بخاصة أنها تستند إلى قاعدة محدودة من القياس والإحصاء، على أن تتوافر أدوات القياس المناسبة، أما نتائج البحث فإن طبيعة المشكلة هي التي تحدد الأسلوب المناسب لعرضها، وحيث تخضع المشكلات المتعلقة بالظاهرات الطبيعية للأسلوب الكمي، في حين تخضع المشكلات الاجتماعية للأسلوب الكيفي أكثر من الكمي.

стр. 184

المبحث الثالث: أنماط البحوث الوصفية تتنوع الدراسة الوصفية من حيث مستوى تعمقها من جميع المعلومات والإحصاء البسيط أو الوصف البسيط للظاهرة، إلى تنظيم العلاقات بين هذه المعلومات، إلى دراسة أثر عامل آخر، كما تتخذ الدراسات الوصفية أنماطا وأشكالا متعددة لم يتفق العلماء على أنواعها، يجعلها البعض خمسة، في حين يجعلها البعض الآخر أكثر أو أقل، وقد أشار فإن دالين١ "Van Dalen" إلى ثلاثة أنماط رئيسية هي: أ- الدراسات المسحية "Survey Studies". ب- دراسة العلاقات "Correlation Studies". جـ- الدارسات النمائية "Development Studies". ولا ننسى أن نشير إلى أن ثمة دراسات للترابط وأخرى للتنبؤ وثالثة مقارنة وسواها، كما أننا لا ننسي الإشارة إلى أن هذه التصنيفات ليست جامعة. ليست جامعة ولا مانعة، فما يعتبره كاتب دراسة تقع في مجال معين، قد يعتبره كاتب آخر واقعا في مجال مخالف. الدراسات المسحية "Survey Studies"، وهي جمع معلومات وبيانات عن ظاهرة للتعرف عليها وتحديد وضعها ومعرفة جوانب الضعف والقوة فيها، لمعرفة مدى الحاجة

стр. 185

لإجراء تغيرات فيه، ويعتبر المسح أكثر طرق البحث التربوي والاجتماعي استعمالا، ذلك لأننا بوساطته نجمع وقائع ومعلومات موضوعية عن ظاهرة معينة أو حادثة مخصصة، أو جماعة من الجماعات، أو ناحية من النواحي "صحية، تربوية، اجتماعية" إلخ. يختلف المسح عن البحث التاريخي بعامل الزمن، بينما يهتم التاريخي بالماضي يهتم المسح بالحاضر، ويتميز المسح عن التجريب بالهدف من كل منهما فمسح الظاهرة يقرر وضعها ولا يبين أسبابها مباشرة، ويختلف المسح عن دراسة الحالة بالعمق والسعة فدراسة الحالة أعمق والمسح أوسع، يزود المسح الباحث بمعلومات تمكن من التعليل والتفسير واتخاذ القرارات ويكشف عن العلاقات ثم إن المسح يجري على الطبيعة وليس في ظروف مخبرية، وعلى نطاق واسع أو نطاق ضيق. وفي سبيل القيام بالدراسات المسحية لا بد من تحليل الوثائق، وقد أشرنا في موضع آخر إلى أن تحليل الوثائق في المنهج التاريخي يتناول الماضي في حين أن تحليل الوثائق في المنهج الوصفي يتناول الحاضر، والوثائق التي تحلل كثيرة الأنواع متعددة الوجوه، يستخدم في الدراسات المسحية أدوات البحث العلمي المختلفة للحصول على المعلومات والبيانات اللازمة مثل الاستبيان والمقابلة وهي أكثرها شيوعا، والملاحظة والاختبارات والسجلات اليومية والدورية التي يعدها العاملون عن نشاطاتهم ودراسة آراء عدد من الرؤساء الذين يشرفون على هذه الوظيفة. تشمل الدراسة المسحية على١: ١- المسح التربوي المدرسي: بدأ ببداية هذا القرن وأدى خدمات جلى، وإن كان قد كمل بالمقابلات والاختبارات والاستخبارات وغيرها، ويميز الكتاب عادة بين أنواع من المسح المدرسي هي:

стр. 186

١- مسح الخبير الخارجي. ٢- المسح الذاتي. ٣- المسح التعاوني. تقوم بالمسح الأول هيئات البحوث في وزارات التربية أو الجامعات أو مجالس البحوث العلمية أو ما شابهها، وأما المسح الذاتي فتجريه هيئة التدريس في المؤسسة التعليمية ذاتها، وأما المسح التعاوني فتجريه هيئة التدريس بالتعاون مع خبير خارجي أو تحت إشرافه. يتم المسح المدرسي في مدرسة واحدة أو في عدة مدارس، وعلى مستوى المحافظة أو على مستوى القطر، أو المستوى القومي ذاته، ويتناول مثل هذا المسح موضوعات عديدة ومن البداهة أن نقول: إنه كلما اتسع مجاله ضاق فحواه. لقد أشرنا إلى تحليل الوثائق في الدراسة المسحية وفي المسح المدرسي الوثائق التي تحلل كثيرة الأنواع متعددة الوجوه، تتناول سجلات الطلاب وقوانين الإدارة ومنهج التدريس وغير ذلك كثير، ويخدم تحليل الوثائق أغراضا عديدة تتراوح بين تحسين المناهج والمقررات وبين دراسة الحالات وإسداء النصح والإرشاد. ويفيد تحليل الوثائق في عدد من الأمور منها: وصف ظروف وممارسات معينة توجد في المدرسة والمجتمع، إبراز الاتجاهات وتحديد الموقف، الكشف عن نواحي الضعف، تتبع نمو الطالب أو التطور الإداري، إظهار الفروق بين المحافظات والمناطق والأقطار، تقييم العلم التعليمي ومدى تحقيق الأهداف والغايات، إماطة اللثام عن التعصبات والتحيزات والكشف عن الميول والقيم. وهكذا نستطيع أن نقول: إن لهذا النوع من الدراسات منافعه وفوائده وإن كانت له حدوده ومزالقه. ٢- طريقة تحليل العمل: "Job Analysis": أصبحت دراسات تحليل العمل اليوم دراسات على جانب كبير من الخطورة وتقوم على أسس علمية مدروسة تستخدم لدراسة الأوضاع الإدارية التعليمية وغير التعليمية، وفيها تجمع المعلومات عن واجبات

стр. 187

العاملين ومسئولياتهم ونشاطاتهم وكيفية قيامهم بأعمالهم وأوضاعهم العملية وعلاقتهم بالتنظيمات الإدارية وظروف عملهم والتسهيلات المتاحة لهم وغير ذلك، وقد أصبحت دراسات تحليل العمل على جانب كبير من الخطورة، وتقوم على أسس علمية مدروسة، وتفيد في الكشف عن نواحي الضعف والقوة في الإدارة، الازدواج في الأعمال، عدم الكفاية في إجراءات العمل المعمول بها، تصنيف الأعمال المتشابهة، الكشف عن جداول الأجور والمرتبات واختلافها ومناسبتها لطبيعة العمل، ودرجة مسئوليته، والمؤهلات للتعيين للأعمال المختلفة، تدريب الإداريين في أثناء العمل وقبله، شروط الدقة وواقعها، نقل العاملين ومعاقبتهم إلخ ... هذا وتحقق دراسات تحليل العمل الفوائد التالية: ١- تحديد أسس اختيار العاملين للوظيفة التي يتم تحليلها. ٢- تنمية الموظفين العاملين في هذه الوظيفة لرفع مستوى كفايتهم الإدارية. ٣- وضع أسس لترقية الموظفين ونقلهم. ٤- تحديد الخصائص الشخصية لمن سيشغلون هذه الوظيفة. ٥- تحديد أفضل الطرق لأداء العمل. ٦- تحديد سليم للأجور والمرتبات في ضوء مسئولياتهم الوظيفية ومهامها. ٧- تحديد معايير الإنجاز المطلوب ممن يشغل هذه الوظيفة١. ٣- الدراسات المسحية للرأي العام "Public Opinion" الرأي العام هو تعبير الجماعة وحكمها وقرارها في عمل ما أو موضوع ما، ويكون التعبير عن الرأي العام بطريقة تلقائية أو بطريقة منظمة، وهي على جانب كبير من الخطورة والأهمية، حيث تساعد في الحصول على المعلومات والبيانات الضرورية اللازمة لأية عملية تخطيط وتعرفنا بمواقف الناس واتجاهاتهم نحو الموضوعات التي ستتناولها عملية التخطيط. ويلجأ إليها الباحثون في ميادين الصناعة والتجارة والسياسة والتربية وسواها، يلجئون لها قبل اتخاذهم العديد من قراراتهم الهامة ورسم سياساتهم طويلة الأمد.

стр. 188

تتفق خطوات دراسة الرأي العام تماما مع خطوات ومراحل البحث الوصفي من حيث التزامها بخطوات المنهج العلمي، وهي تحديد المشكلة، وتحديد المجتمع الذي سيدس رأيه أو العينة التي ستكون موضوع الدراسة، وأيضا تحديد أداة التعرف على الرأي العام، ومن ثم استخلاص النتائج وتنظيمها، ورغم بساطة منهج البحث إلا أن الباحث قد يقع في مزالق تؤثر في دقة الدراسة، كأن تكون العينة غير ممثلة تماما للمجتمع الأصلي، أو أن تكون العينة بعيدة الصلة عن الموضوع الذي يدرسه الباحث، أو أن الأسئلة الموجهة غير محددة، وتنقصها الدقة والوضوح. تستخدم في هذه الدراسات الاستبيانات والمقابلات الشخصية والاتصال الهاتفي، ويختار الباحث لذلك عينة بدقة وعناية، وذلك بغية الوصول إلى معلومات يوثق بها، ونشير إلى الأهمية البالغة لهذه الدراسة بالنسبة للسياسة في المجتمعات الغربية ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية ومعهد "غالوب المشهور". ٤- مسح السوق "Market Survey": ويعتبر هذا النوع من المسح تطبيقا تخصيصا لمسح الرأي العام ... حيث يتضمن محاولة قياس رد فعل الناس بالنسبة للمنتجات الاستهلاكية، أو تقويم تأثير الإعلان على العادات الشرائية وزيادة ترويج البضاعة. لهذا النوع من التحليل آثاره الهامة لمصممي الإعلانات ورجال الصناعة والموزعين وغيرهم، وباستخدام المقابلات والاستبيانات يمكن تجميع آراء عينة ممثلة في المجتمع وتحليل هذه الآراء ... وبناء على هذه الآراء يقوم الموزع والمعلن بتقديم السلعة بطريقة أكثر جاذبية للمستهلك، كما يفيد هذا المسح في التنبؤ بدرجة عالية من الدقة بإمكانية التسويق الناجح، ومن المعروف أن رجال الصناعة والتجارة في السوق التنافسي الحديث يترددون في المخاطرة بمبالغ كبيرة لازمة لإنتاج سلعة جديدة أو طراز جديد دون وجود بعض الدليل على تقبل الجمهور له١.

стр. 189

٥- المسح الاجتماعي "Social Survey": بدأت هذه الدراسة في إنكلترا سنة "١٧٧٣م" على يد جون هوارد، وفي فرنسا سنة ١٨٨٥م" على يد فريدريك لابلاي، وشارلز لزبوث "١٨٣٩-١٩٠٣م" تناولت موضوعات اجتماعية مختلفة، استهدفت دراستها توجيه الاهتمام إلى بعض المشكلات والقضايا الاجتماعية كجزء من حركات الإصلاح الاجتماعية في البلدان الأوروبية، كما اهتم الاشتراكيون الأوربيون بهذه الدراسات لإثبات الحاجة الملحة إلى التصوير والتغيير الاجتماعيين. تتسع مجالات المسح الاجتماعي لتغطي جوانب الحياة الاجتماعية كلها، فالدراسات السكانية وتوزع السكان ودراسات الأسرة وحركة السكان والهجرة الداخلية والخارجية، وعادات السكان وتقاليدهم واتجاهاتهم نحو مختلف القضايا الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية وفئات المجتمع وطبقاته، والفروق بين فئاته، كل هذه المجالات تعتبر ميدانا للدراسات المسحية الاجتماعية، هذا وما تزال المجالات الاجتماعية بكرا وخالية من الدراسات المسحية الاجتماعية في عدد كبير من الدول، ونظرا لأهمية هذا النوع من المسح نشير إلى أهم خطواته: ١- الإعداد والتخطيط. ٢- جمع الوقائع والمعلومات. ٣- تحليل المعلومات وترتيبها وتنظيمها. ٤- تفسير المعلومات. ٥- تقرير النتائج وعرضها. ومن الخطوط الرئيسة التي اتبعها بوث "Booth": ١- تجميع البيانات الكمية عن موضوع الدراسة. ٢- التركيز على الأحوال الجارية دون الرجوع إلى الماضي.

стр. 190

٣- الاهتمام بالوصف والمسح الشامل دون إهمال دراسة الحالة للفرد والجماعات. ٤- الاعتماد على الملاحظة المباشرة والمقابلة الشخصية١. ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أهمية اختيار العينة وضرورة كون أسئلة الاختيار محدودة وقليلة وواضحة، وإلى الأهمية القصوى لأن يكون القائمون به مدربين تدريبا حسنا، وإلى كون التقرير النهائي واضحا ودقيقا وموضوعيا، فإذا لم تتوفر هذه الشروط، كان المسح الاجتماعي ضارا بدلا من أن يكون نافعا. إن لهذه الدراسات ميزة أساسية كدراسات المسح التربوي، كونها تمثل أسلوبا ناجحا في دراسة الظاهرات والأحداث الاجتماعية التي يمكن جمع معلومات وبيانات رقمية وكمية عنها، وفي كونها وسيلة لقياس أو إحصاء الواقع لوضع الخطط وتطويرها. وكما أن لهذه الدراسة حسنات فعليها أيضا مآخذ فهي دراسات مسحية تهتم بالشمول أكثر مما تهتم بالعمق، فالباحث الذي يقوم بعملية المسح الاجتماعي يهتم بدراسة آراء الناس ومواقفهم المعلنة دون أن يهتم بالتحليل أو بالتعمق في دراسة العوامل التي تؤدي إلى هذه الآراء والمواقف، كما يرى بعض الباحثين أن هذه الدراسات المسحية لا تعطي الباحث مرونة كافية لاستيعاب الظاهرة، كما قد يجدها في الواقع، وذلك لأن الباحث يعد مسبقا أدوات بحثه كالاستبيان مثلا قبل أن يبدأ لعملية المسح، وبذلك يقيد نفسه في أسئلة الاستبيان فقط، مما يؤدي إلى إغفال بعض المعلومات التي يستوعبها الاستبيان، ويمكن أن تقل أهمية هذا النقد إذا كان الباحث قد أعد استبيانه بعد فترة كافية من الدراسة ويستطيع أن يعزز المعلومات التي حصل عليها من الاستبيان باستخدام أدوات أخرى كالمقابلة أو الملاحظة.

стр. 191

المبحث الرابع: دراسة العلاقات المتبادلة إذا كانت الدراسات المسحية تكتفي بجمع البيانات والمعلومات عن الظاهرات التي تدرسها، من أجل وصف وتفسير هذا المعلومات لفهم هذه الظاهرات، فإن دراسة العلاقات لا تكتفي بعملية الوصف والتفسير، بل تهتم بدراسة العلاقات بين الظاهرات، وتحليلها والتعمق بها لمعرفة الارتباطات الداخلية في هذه الظاهرات، والخارجية بينها وبين الظاهرات الأخرى، ونذكر في هذا الصدد ثلاثة أنماط من هذا الدراسات هي: ١- دراسة الحالة. ٢- الدراسة السببية "العلية" المقارنة. ٣- دراسات الترابط. ١- دراسة الحالة ١ "Case Study": وهي بحث متعمق في حالة من الحالات، وبحث في العوامل المعقدة التي أثرت فيها، والظروف الخاصة التي أحاطت بها، والنتائج العامة والخاصة التي نتجت عن ذلك كله، ويرجع استخدام منهج دراسة الحالة خلال نصف القرن الماضي في نظر البعض إلى ظهور نظرية "الجشطلت Gestalt" التي لفتت الانتباه إلى ضرورة الاهتمام بالموقف الكلي، الذي يتفاعل فيه الكائن الحي، واعتباره جزءا من الموقف لا ينفصل عنه إلا بقصد التحليل فقط، وقد سبق إلى ذلك قدماء المصريين ومؤرخو رحالة العرب، حيث استخدموا دراسة الحالة في وصف حياة الناس والأمم، والأمثلة على ذلك كثيرة في تراثنا، وفي العصر الحديث اعتمد الباحثون هذا الأسلوب في صياغة بعض النظريات مثل "سيغموند فرويد" كما اكتشف فريدريك لابلاري تاريخ الحالة جزئيا ويعتبر عام "١٩٥١"، نقطة تحول كبيرة بالنسبة لهذا المنهج عندما نشر وليام هيلي "W. Healy" كتابه "الأحداث الجانحين".

стр. 192

وقد تكون الحالة المدروسة فردا أو أسرة أو جماعة أو مؤسسة اجتماعية أو مجتمعا محليا، وباستخدام أدوات للبحث معينة، تجمع بيانات تدل على الوضع القائم للحالة المدروسة، حاضرها وماضيها، علاقتها مع غيرها من الحالات، وبعد النظر العميق في العوامل والأسباب، يستطيع الباحث أن يرسم صورة متكاملة للحالة وأن يفترض الفروض عن أسبابها، وأن يشخص علاقتها، وإذا كان القصد هو في الأعم الأغلب العلاج، يستطيع أن يصف الدواء الناجع، هذا وإن معظم دراسة الحالات دراسة تشخيصية علاجية إرشادية توجيهية، وإن كانت في الوقت نفسه تلقي الضوء على الأحداث النفسية: أسبابها وتطوراتها وعواملها ودوافعها وبالتالي علاجها بعد تشخيصها. تتميز دراسة الحالة بالعمق، لأن الحالة المدروسة تكون ضيقة المدى فردا أو جماعة محدودة، بل إن دراسة الحالة قد تنصب على جانب من جوانب حالة معينة محدودة، وتتم دراسة الحالة في إطار اجتماعي، الأسرة أو الجماعة أو المجتمع، ولما كان الإطار الاجتماعي ديناميكيا دوما، فإن دراسة الحالة لا بد أن تتضمن معلومات ذات علاقة بالدراسة عن الناس المحيطين بصاحب الحالة المدروسة والجماعة أو الجماعات الذين له بهم علاقة، والمواقف التي يتم فيها التفاعل، وطبيعة العلاقات بين الحالة والحالات المماثلة والمجاورة، ومن البديهي أن الباحث يعمد إلى كل مصدر ممكن فيستقي منه ما يعتبره مفيدا من المعلومات١. هذا وإن منهج دراسة الحالة لا يعتبر علميا بصفة كلية لأن عنصر الذاتية "Subjectivity" والحكم الشخصي موجود في اختيار الحالات وفي تجميع البيانات، إضافة إلى عدم صحة البيانات المجمعة أحيانا وصعوبة تعميم النتائج، رغم ذلك فقد أثبتت دراسة الحالة في الوقت الحاضر فعاليتها وقيمتها في مجالات متعددة كالتعليم

стр. 193

والاجتماع، وما يبدو مؤكدا أننا نتمكن من رؤية العلاقة بين العوامل المعزولة بصورة أكثر وضوحا من مجرد التحليل الكمي١. تشبه دراسة الحالة المسح ولكنها أضيق وأعمق وهي دراسة كيفية بينما المسح دراسة كمية، وكثيرا ما تتكامل الطريقتان، ويعتمد الباحث كليهما من أجل الوصول إلى الحقيقة، إذ إنه يمسح أفقا واسعا، يتعمق في حالات قليلة نموذجية، فيكون قد جمع بين السعة والعمق، إلا أن دراسة الحالة وإن كانت على جانب كبير من الفائدة، وبخاصة بالنسبة للأفراد والجماعات المحدودة، فإن إمكانية الاعتماد عليها في التعميم محدودة، ومن هنا كان حرص الباحثين على انتقاء حالات مماثلة ما أمكن، رغم ذلك فإن التعميم فيها خطير، ونشير إلى أن متابعة تاريخ حياة أحد الأفراد أو عمليات تطوير إحدى الهيئات والمجتمعات تتطلب مصادر وقواعد ومناهج بحث أخرى كمنهج البحث التاريخي، كما تتطلب من القائم بدراسة الحالة أن يتمتع بإمكانات عقلية يتمكن بوساطتها الوصول إلى ما يؤيد فرضه، ويلحظ ما يعاكسها ويحرص دائما على الموضوعية والدقة والضبط، لئلا تأتي تشخيصاته خاطئة ومعالجته مغلوطة وتعميماته خارجة عن الصدد، رغم ذلك فإن عنصر الذاتية في هذا المنهج لا يعتبر علميا. ١- خطوات دراسة الحالة: ١- تحديد الظاهرة أو المشكلة أو نوع السلوك المطلوب دراسته. ٢- تحديد المفاهيم والفروض العلمية والتأكد من توافر البيانات المتعلقة. ٣- اختبار العينة المماثلة للحالة التي يقوم بدراستها. ٤- تحديد وسائل جمع البيانات كالملاحظة والمقابلة والوثائق الشخصية كتواريخ الحياة والسير والمفكرات إلخ.

стр. 194

٥- تدريب جامعي البيانات. ٦- جمع البيانات وتسجيلها ووضع التعميمات١. وتبدو خطوات دراسة الحالة وهي: التعريف والتحديد والتفسير شبيهة إلى حد ما بالبحث الوثائقي، وبالفعل فإن طريقة دراسة الحالة شبيهة فعلا بالبحث الوثائقي "التاريخي" مع فارق هو أننا في دراسة الحالة نتناول الأشخاص الأحياء والجماعات الاجتماعية. ٢- المنهاج والوسائل: يتكامل منهج دراسة الحالة مع المناهج والأدوات والأساليب البحثية الأخرى. حيث تستخدم وسائل جمع البيانات كالاستبيان وبطاقة العلامات "Score Cards" ومقاييس التدرج "Rating Scales"، كم أن الملاحظة المباشرة ضرورية في معظم الأحوال، وربما تخدم المقابلة كوسيلة لملاحظة الأغراض أو العلاقات وتجميع البيانات والتشخيص والمعالجة والمتابعة، ولا يكفي الإحصاء لشرح وتفسير العوامل الديناميكية الإنسانية المؤثرة في الموقف الكلي، ولكن قد تستخدم الأساليب الإحصائية عندما تكون الحالات مصنفة وملخصة، لتكشف عن عدد مرات تكرار حدوث الظاهرة، فضلا عن التطورات والاتجاهات ونماذج السلوك، ومن هنا كانت أهمية دراسة الحالة والبعيد بها عن التجريد وفهمها فهما متعمقا وشاملا. إن جميع مصادر دراسة الحالة كالشهادة الشخصية "Testimony Personal" وهي أهمها وأولها، والترجمة، أو سيرة الشخص الذاتية "Autobiography"، والوثائق المجمعة، والتاريخ الطبي، والمحادثات والمقابلات "الأكلينيكية" وغير ذلك، جميع هذه المصادر والوثائق تفحص وتحلل بطريقة مماثلة لما يتم في تحليل وثائق المنهج التاريخي بهدف تحديد درجة أصالتها "Authenticity" ومعناها الصحيح، لأن هدف الباحث

стр. 195

من دراسة الحالة ليس الوصف الدقيق للشخص أو الجماعة المفحوصة، بل التعرف أيضا على الأسباب الرئيسية التي أدت بالفرد أو الجماعة إلى وضعها الحاضر "Present Study". ونتناول المقابلة الشخصية "Personal interview" لأنها أكثر الأساليب الشائعة المستخدمة في دراسة الحالة، وهي أقرب إلى الحالة الطبيعية للشخص، على أن يتم ذلك وفق ترتيب وتنسيق، وأن يحتفظ المجرب بموقعه الموضوعي قدر الإمكان، ولو أن الموضوعية العلمية التامة أمر عسير، لأن فهم الباحث للحالة، كما هو الحال بجميع وطرق مناهج البحث، هي التعرف على الطبيعة الحقيقية للناس والأشياء. ومهمة الباحث في منهج "دراسة الحالة" هي دور التشخيص أكثر منه دور الإصلاح. تشكل كتابة الملاحظات في دراسة الحالة جزءا أساسيا، ويفضل أن تسجل وتكتب المقابلة بكلمات الشخص ذاته ومباشرة والتحقق من المعلومات التي تم الحصول عليها. أما استخدام الاستبيان أو التخطيط المعد مسبقا في دراسة الحالة، فإنه لا يؤدي دائما إلى أفضل النتائج، لأسباب تتعلق بالشخص ذاته وهي حرية الحديث، وبطبيعة الأسئلة "طريقة نعم أولا"، هذا وإن المواد المميزة لدراسة الحالة ليست بالضرورة مواد كمية، قد تتصل بصفة أكبر بالطريقة الوثائقية للبحث أكثر من اتصالها بالأساليب الكمية السائدة في استبيانات المسح. إن ما يؤخذ بالاعتبار دائما البيانات الأكثر دلالة واتصالا بأغراض الدراسة والبحث، وأن تشمل البيانات المعلومات التالية: تاريخ المقابلة، أسماء الأشخاص الذين أدلوا بياناتهم، الكلمات الفعلية المستخدمة في هذه البيانات، وصف مختصر للظروف المحيطة بعملية المقابلة، ملخص للأساليب الخاصة التي استخدمت في أي جزء من الدراسة "الملاحظة، المقابلة، الاستبيان" تحديد الشخص أو الوثيقة التي تمدنا بالمعلومات، أي أن تكون المعلومات شاملة لكل ما يرتبط بالحالة.

стр. 196

بشكل انتقائي لا عشوائي، على أن تحلل وتفسر هذه المعلومات قبل الوصول إلى النتائج. هذا وإن دراسة الحالة التي تتم بصورة صحيحة، تتطلب عادة أن تكون كل خطوة من خطواتها كاملة لعدم تكرارها ثانية، وأن تكون صحيحة، ويتطلب ذلك فترة طويلة من الزمن نتيجة القيام بأكثر من مقابلة واحدة، لمتابعة تطور تشكيل الحالة والحصول على المعلومات، قد لا توفرها الوثائق بشكل خاص وبصفة مباشرة، كما وأن هذا العمل يتميز بالعمق والشمول، وهكذا فإن الباحث في دراسة الحالة يركز اهتمامه في تعلم كل شيء عن عدد محدود من الحالات. ٢- الدراسة السببية "العلية" المقارنة: يدل اسم هذه الدراسة على ماهيتها، إنها تبحث عن الأسباب وتقارن بين الأحداث بغية الوصول إلى جوهر الحقيقة، تقارن وجوه الشبه والخلاف بين الظاهرات بغية اكتشاف العوامل والظروف التي تصاحب حدثا معينا أو واقعة بعينها. حين يدرس العلماء الظاهرات ويبحثون عن الأسباب والمسببات يطبقون الطريقة التجريبية حيث يرتبون العوامل ويضبطونها ويحصرونها ويثبتونها إلا واحدا يغيرون فيه، ويرون أثر هذا التغيير في النتيجة وتحولاتها، إلا أن هذه الطريقة غير ممكنة أحيانا ولا سيما في العلوم السلوكية، بسبب تعقد الظاهرات الاجتماعية، واستحالة بضبط جميع عواملها من جهة، والتغير الذي يدخله هذا الضبط على طبيعة الحادثة الاجتماعية أو السلوكية، لذلك يعمد العالم إلى الدراسة السببية المقارنة، نضيف إلى ذلك أن استخدام الطريقة التجريبية يكون في بعض الأحيان غير عملي، ويتطلب الكثير من الجهد والوقت والمال، هذا ونشير إلى أنه حينما يستخدم الباحث الطريقة السببية المقارنة لا يرتب التجربة كما يرتبها في المخبر، وإنما يدرس المفحوصين في حياتهم العادية وخبراتهم اليومية.

стр. 197

يقول "فان دالين"١: إن الدراسة السببية المقارنة، تتبع من طريقة "جون ستورات ميل" في اكتشاف الارتباطات السببية، والتي تقرر أنه: "إذا كان لحالتين أو أكثر للظاهرة المدروسة ظرف مشترك واحد فقط، فإن الظرف الذي تتفق فيه وحده كل الحالات يكون هو السبب لهذه الظاهرة وقد يكون نتيجتها"، مثلا زيادة الإنتاج القومي في عدد من الدول وذلك نتيجة تطبيق خطة التنمية، إذن تطبيق خطة التنمية هو سبب زيادة الإنتاج القومي لهذه الدول. ومن المهم للباحث وهو يبحث عن العلاقة السببية أن يتأكد من ظهور السبب الذي يدرسه دائما مع النتيجة، أو أن السبب يظهر قبل النتيجة، وهل السبب حقيقي أم مجرد علاقة ما مع السبب الحقيقي، وهل هذا السبب هو السبب الوحيد أم هناك أسباب أخرى، وما هي الظروف التي تكون فيها العلاقة قوية بين السبب والنتيجة "زيادة الإنتاج وخطط التنمية"، مما يسهل بالتالي على الباحث ربط السبب بالنتيجة، وتفسير الظاهرة بأسبابها، ونشير فيما يلي إلى: - طرق جون ستيورات ميل في الكشف عن الروابط العلية: ١- طريقة التلازم في الوقوع: أي إن العلة والمعلول متلازمان، ففي المثال السابق زيادة الدخل القومي نتيجة تطبيق خطط التنمية يبين أن الزيادة ترتبط بالتخطيط، ومن هنا يمكن فهم أساس هذه الطريقة وهو ارتباط النتيجة بالسبب. ٢- طريقة التلازم في التخلف: إن زيادة الدخل نتيجة خطة لا يمنع من أن يكون هناك أسباب أخرى يحتمل أن تكون هي التي أدت إلى زيادة الدخل كرفع كفاءة العاملين مثلا ومن هنا كانت طريقة التلازم في الوقوع ليست كافية لإثبات علاقة العلة بالمعلول فوضع "ميل" الطريقة الثانية وهي التلازم في التخلف.

стр. 198

٣- طريقة التلازم في الوقوع والتخلف: من الطريقة السابقة يتضح أن زيادة الدخل القومي يمكن أن يكون ناتجا عن وجود التنمية، كما يمكن أن يكون ناتجا عن أسباب أخرى لم يدرسها البحث، ومن هنا لا يجوز الاكتفاء بهذه الطريقة للحكم على ارتباط العلة بالمعلول، ولا بد من البحث عن طريقة أخرى وهي طريقة الجمع بين التلازم في الوقوع والتخلف وتستند هذه الطريقة إلى الأسس التالية: إذا كان العامل "أ" هو المسئول عن أحداث نتيجة "ب" فإن هذا يعني أنه كلما وجدت "أ" وجدت "ب" وكلما غابت "ب" أي أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول، وإذا غابت العلة غاب المعلول، أي أننا نجمع بين طريقتي التلازم في الوقوع والتلازم في التخلق، ومن هنا يكون الباحث أكثر ثقة في الحكم على أن "أ" هي علة "ب". فلو أن باحثا حاول أن يدرس الصلة بين وجود الكلس في طعام الطفل وزيادة قوة أسنانه فإن عليه أن يختبر هذه الصلة من خلال تطبيق طريقة الجمع بين التلازم في الوقوع والتخلف على النحو التالي: يلاحظ الباحث أن وجود الكلس في طعام الطفل وزيادة قوة أسنانه، ثم يلاحظ أن غياس الكلس في طعام الطفل يؤدي إلى ضعف في الأسنان، وبعد أن يتأكد من هاتين الملاحظتين يستطيع أن يقول: بأن وجود الكلس يؤدي إلى زيادة في قوة أسنان الطفل١. ٤- طريقة التغيير النسبي: وفحوها أن المعلول يتغير مع العلة زيادة أو نقصا، فكلما زادت العلة زاد المعلول، والعكس. فإذا لاحظ الباحث أن تطبيق خطط التنمية يؤدي إلى زيادة في الإنتاج القومي، وإن عدم تطبيقها بشكل كامل يؤدي إلى نقص الإنتاج القومي فإن الباحث حينئذ يصبح قادرا على إثبات العلاقة بين الإنتاج القومي وخطط التنمية كعلاقة علة بمعلول.

стр. 199

٥- طريقة العوامل المتبقية: وتستند إلى ما يلي: هناك علتان "أ، ب" لمعلولين مختلفين "ج، د" وتمكنا من إيجاد علاقة علية بين "أ، د" فإننا نستطيع القول: إن هناك علاقة عليه بين "ب، ج" مثال ذلك أن الموارد المائية تساعد على زيادة الإنتاج، إذن الموارد المائية هي المسئولة عن زيادة الإنتاج. إن طريقة الدراسات المقارنة واسعة الاستعمال في العلوم السلوكية، وتعطي نتائج مفيدة في التربية وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، إلا أن لهذا النوع من الدراسات حدودا وصعوبات نذكر منها ما يلي: ١- صعوبة تحديد العوامل المتصلة بعضها ببعض وذات العلاقة المتبادلة. ٢- تتطلب هذه الطريقة في الاتفاق أو الاختلاف أن يكون ثمة عامل واحد مسئول عن الظاهرة أو غيابها، ولكن نادرا ما يكون الأمر كذلك، ذلك بأنه من المعتاد أن يكون للأحداث أسباب متعددة وليس سببا واحدا، ويكون لهذه الأسباب علاقات عديدة متشابكة. ٣- قد تنتج الظاهرة عن سبب ما في حالة، وعن سبب آخر في حالة آخرى. ٤- كشف العلاقات لا يحل المشكلة دوما وبالضرورة ولا يبين الأسباب في كل الأحوال، ومن الصعب في بعض الأحيان أن نعين أي العاملين هو السبب وأيهما هو النتيجة، وفي بعض الأحيان قد يخيل أن ظرفا عرضيا هو السبب الحقيقي مع أنه ليس كذلك. ٥- تصنيف المدروسين إلى مجموعات يقارن بينها، له مشكلاته الكبرى وذلك على اعتبار أن الظاهرات الاجتماعية لا تتشابه إلا بمعنى واسع. ٦- الضبط الدقيق في هذه الدراسات عامة، واختيار المدروسين خاصة أمر صعب وهو بالتأكيد أصعب منه في التجريب العادي١.

стр. 200

رغم ما ذكرناه من صعوبات فإن ذلك لا يقلل من قيمة الدراسات السببية المقارنة، ولا تحدد من استعمالها في كثير من البحوث العلمية، كما يبرز دورها في بعض الدراسات الأخرى كالدراسة التجريبية، بل يعتبرها البعض أنها جزء من الأسلوب التجريبي ومن الأسلوب المسحي أيضا، هذا وتبدو أهمية هذه الدراسات أيضا بأنها تعطي دقة أكثر في البحث، وأن كثرا من الظاهرات الإنسانية لا يمكن دراستها بخاصة لا تخضع للتجربة إلا من خلال أسلوب الدراسة العلية المقارنة، مثال أثر نقص الكلس في طعام الأطفال، وأخيرا فإن الدراسات العلية لا تتطلب الجهد والتنظيم والنفقات التي تتطلبها الدراسات التجريبية. ٣- دراسات الترابط "Correlation": وهي بدورها توصل إلى أوصاف بعض الظاهرات، إذ تؤكد مدى ترابط متغيرين وإلى أي حد تتطابق تغيرات عامل ما مع تغيرات عامل آخر، فإذا أردنا أن نعرف ما إذا كان يوجد ارتباط بين العلامات التي حصل عليها الطلبة في مادة ما وبين حاصل ذكائهم، ومقدار هذا الارتباط في نهاية السنة الدراسية، فإننا نستطيع أن نفترض أن الطالب الذكي يحصل على علامة أعلى، ولكن ثمة طرقا رياضية محددة تعيننا على معرفة ذلك بالدقة وبالضبط، حيث توجد طرق إحصائية لقياس معامل الارتباط بين متغيرين، إذ إن الباحث لا يستطيع من خلال الملاحظة أن يكون درجة الترابط، ويحدد مداه فالباحث يلاحظ وجود علاقة ما أو ترابط ما بين متغيرين، ويضع الفروض التي يفسر بواسطتها هذه العلاقة أو الترابط، ثم يحاول جمع المعلومات والبيانات اللازمة لإثبات صحة هذه الفروض، والوصول إلى النتائج. يتراوح الترابط بين "-١" و"١٠" مارا بالصفر، وهكذا فإن العلاقة بين ارتفاع عمود الزئبق في ميزان الحرارة وارتفاع درجة الحرارة نفسها علاقة إيجابية مقدارها "+١" أي أن كل ارتفاع من الحرارة يقابله ارتفاع مماثل تماما في ميزان الزئبق، أما

стр. 201

العلاقة بين درجة الحرارة وحجم ميزان الزئبق فهي معدودة، وإذا كانت كل زيادة في متغير ما يحتمل أن تكون مصحوبة بزيادة أو نقص في متغير آخر، فإن درجة الارتباط بين المتغيرين معدومة، أو لا ارتباط بينهما، كما قد لا تكون درجات الارتباط كلية تماما أي +١ أو -١، وقد تكون صفرا، ففي كثير من المتغيرات نجد أن درجات الارتباط تتراوح بين "-١، +١، ٠.٢ +٠.٣ +٠.٤ ... ". إذا كانت نسبة الارتباط بين العاملين كبيرة نسبيا، فإن الباحث يستطيع أن يتنبأ بدرجة مناسبة من الدلالة "Significance" أو بمستوى معين من الثقة بالتعميم بالنسبة لهذه العلاقة. ويعبر عن كمية ودرجة العلاقة بمعامل الارتباط "Cofficient of Correlation" ومعامل الارتباط يكون كما أشرنا أعلاه صفرا، أو أن يكون الارتباط إيجابيا أو سلبيا "+ أو -". وفي حال كون النسبة منخفضة تصل إلى "-١" فإن ذلك يعني أن العلاقة بين العاملين علاقة عكسية، أي إن الزيادة في عامل معين تعني نقصانا ما في العامل الثاني بنسبة ثابتة، والارتباط الإيجابي "٣+" أو الأعلى من ذلك، يمكن أن يعتبر دليلا كافيا للدرجة الإيجابية للعلاقة وإن كان ذلك يخضع أحيانا لحكم الباحث وتقديره، الذي عليه أن يحسب كمية الخطأ في الأرقام المستخدمة قبل أن يقرر أن هناك علاقة قوية أو ضعيفة بين عاملين. يمكن أن تستمر العلاقة الإيجابية بين عاملين حتى نقطة معينة من مثال. إن الدراسة تؤمن نجاح الطالب، ولكن المتابعة لدرجة تفوق درجة الإشباع توجد عند الطالب فعلا معاكسا يتمثل في عدم تمكنه من الاستيعاب، أي تؤدي الزيادة إلى نتيجة معاكسة، لهذا على الباحث أن يضع نصب عينيه دائما الظروف المتغيرة، وأن يتجنب التعميم والارتباطات والوصول إلى النتائج عن العلاقات السببية إلا بعد تمحيص واختبار لجميع الجوانب التي يتطلبها البحث، كما يجب أن يأخذ بالاعتبار أن البيانات الإحصائية تعتبر مجرد أرقام رغم ما يبدو من دقتها، وأن الإحصاءات هي وسيلة لغاية وليست غاية في حد ذاتها، لهذا على الباحث أن لا يقبل البراهين الإحصائية التي ينفيها الإدراك السليم. هذا ويؤخذ على هذه الدراسات أن الترابط بين المتغيرات يمكن أن يكون عرضيا دون أن يكون سببيا ولكن يقلل من قيمة هذا النقد، إذا كان الباحث واعيا للعلاقات السببية فالزيادة في محصول زراعي ليست نتيجة تهطال المطر، بل نتيجة أيضا لخصوبة التربة.

стр. 202

المبحث الخامس: الدراسات النمائية "Development Studies" تتناول الدراسات الوصفية النمائية الوضع القائم للظاهرات والعلاقات المتداخل بعضها ببعض كما تتناول أيضا المتغيرات التي تحدث بمرور الزمن، فهي أسلوب لمعالجة مشكلات التطور والتغير التي تمر بها الظاهرة، ذلك بأنها تصف التغيرات في تطورها خلال مدة قد تطول وقد تقصر، وسنعرض بالمناقشة لنوعين من الدراسات الوصفية النمائية هما دراسات النمو ودراسات الاتجاه، هذا ولا يقتصر إجراؤها على ميدان معين، فمن الممكن إجراؤها في مختلف الميادين مارة بالمراحل التالية: ١- ملاحظة ظاهرة أو موقف أو حادثة في فترة ما من الزمن ووصفها كما هي في ذلك الوقت. ٢- تتابع هذه الظاهرة بعد فترة من الزمن، وتوضع في واقعها الجديد والتغيرات التي تمر بها، والعوامل التي أدت إلى إحداث هذه التغيرات. ٣- بعد فترة زمنية أخرى تتابع هذه الظاهرة، وتوضع وتحدد العوامل التي أدت إلى تشكيلها في آخر صورة لها. ٤- يستمر الباحث بالمتابعة حتى يصل إلى مرحلة يتمكن خلالها من فهم تطور هذه الظاهرة والعوامل التي أدت إلى تطورها.

стр. 203

إن هذه الدراسات ترتبط بالأسلوبين التاريخي والتجريبي، لكنها تختلف عن الأسلوب التاريخي بكونها تمر من الحاضر إلى المستقبل، بينما يهتم الأسلوب التاريخي بدراسة سابقة ثم يتابع دراستها حتى فترة من الزمن قد لا تصل إلى الزمن الحاضر، كما أن الباحث في المنهج النمائي لا يستخدم أسلوب الضبط أو تثبيت العوامل كما يستخدم في المنهج التجريبي. ١- دراسات النمو: يعترف الباحث من خلالها على طبيعة التغيرات التي تحدث للكائنات التي يدرسها ومعدل تغيراتها والعوامل التي تؤثر عليها، فهو إذا كان يدرس النمو البشري، لا بد له من أن يعرف العوامل المؤثرة في النمو في مراحله المختلفة ومواعيد ملاحظة هذا النمو لأول مرة ثم تدرج النمو وطفراته وتوقفه واضمحلاله كنمو العقل والجسم والحركة. يمكن دراسة النمو بطريقتين، وفي كل منهما يقوم الباحث بسلسلة من الملاحظات المنظمة والمخططة: أ- الطريقة الطولية "Longitudinal" تقاس فيها حالات النمو لدى الأطفال في أعمار مختلفة على فترات زمنية معينة، حيث يقوم الباحث باختيار عينة في سن معين، ويلاحظ الظاهرة التي يرغب دراستها، ثم يتابع هذه الظاهرة بعد فترة زمنية، ثم بعد فترة أخرى، حتى تبلغ العينة سنا معينا، ويسجل الباحث نتائج كل ملاحظة في جدول خاص، يبين فيه العمر وتطور الظاهرة التي يتابعها الباحث "كلغة الكلام" ومن خلال الجدول الذي أنشأه يصل الباحث إلى النتائج. ب- الدراسات العرضية: يتم خلال اختيار أكثر من مجموعة واحدة من الأطفال، يصنفون وفق أعمار زمنية مختلفة، ثم تطبق مجموعة واحدة من المقاييس على أطفال مختلفين من كل فئة "مستوى عمري" ثم تحسب النسب للمتغيرات لكل مجموعة وتحدد هذه النسب، لكي تصور أنماط النمو العامة لكل متغير لدى الأطفال من سنة معينة إلى

стр. 204

أخرى، ولكي نحصل على معايير النمو علينا أن نحسب النزعة المركزية بالنسبة للأمور المقيسة. وهكذا بالدراسات الطولية تلاحظ مفحوصين أقل، وتقيس متغيرات أكثر، أما في الدراسات العرضية فالمفحوصون أكثر والمتغيرات أقل إلا أن الدراسات الطولية تتميز بأنها أكثر دقة لأنها تجري على مجموعة واحدة أي لها حدود، وتتم متابعة هذه المجموعة على فترات زمنية، كما أن الباحث يمكنه أن يلاحظ أكثر من متغير في دراسته، أيضا للدراسات الطولية حدود حيث تتناول عينة صغيرة من الأفراد، وقد ينتقل أفراد العينة من مكان الدراسة حيث لا يستطيع الباحث متابعتهم في الأماكن الجديدة التي انتقلوا إليها. لكن ما يؤخذ على الدراسة الطولية هو إمكانية تغير أساليب الدراسة وتطورها، فقد يكتشف الباحث أساليب دراسة أكثر إتقانا من الأسلوب الذي بدأ، وقد يتعرض أفراد العينة إلى أحداث هامة، في هذه الفترة الزمنية الطويلة، مما يؤثر على نموهم سلبا أو إيجابا. أما الدراسات العرضية ففي المعتاد تصف عوامل نمو أقل من الدراسات الطولية لكنها تشمل عددا من المفحوصين أكبر كما ذكرنا، وهكذا فإننا نستطيع أن نقيس المجموعة نفسها من الأطفال في عدد عديد من المتغيرات، وفي أعمال مختلفة ونحدد أنماط نموهم الفردية لتلك العوامل خلال هذه السنين. كما أن هذه الدراسة يمكن أن تتم في فترة قصيرة نسبيا، ولها حدود حيث لا يستطيع الباحث ملاحظة ودراسة متغيرات متعددة كما هو الحال في الدراسات الطولية، ويؤخذ على الدراسات العرضية أنها لا تجري على مجموعة واحدة كما هو الحال في الدراسة الطولية، وبذلك قد تتأثر النتائج بالفروق بين أفراد المجموعات المختلفة، وبذا يحصل الباحث على نتائج أقل دقة، رغم ذلك فهي أكثر استعمالا لكونها أقل كلفة ومدتها، ولا شك في أن تحديد العينة

стр. 205

في كل من الطريقين أمر عسير ويتطلب دقة وصبرا، وفي كل الأحوال فإن لكل طريقة فائدتها الخاصة مما يحمل الباحث، وفقا لظروف بحثه على اختيار هذه الطريقة أو تلك. ٢- دراسة الاتجاهات: ترمي إلى الحصول على بيانات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو سواها وتحليلها لتحديد الاتجاهات الغالبة والتنبؤ بما يحتمل حدوثه في المستقبل القريب أو البعيد. يقوم الباحثون المهتمون بالتعرف على الاتجاهات بدراسة معينة تتكرر معينة تكرر سنوات عدة ويحددون الاتجاهات على أثرها، أو يجمعون معلومات من المصادر الوثائقية التي تصف الأحداث الماضية والحاضرة، وبعد مقارنة بين البيانات واستقراء لها ودراسة معدل التغيرات واتجاهاتها يتنبئون بأحداث المستقبل، وواضح أن هذا النوع من الدراسة يجمع بين المنهج التاريخي ودراسة الوثائق وغيرها. يلجأ المسئولون عن وضع الخطط الاجتماعية والاقتصادية إلى هذه الطريقة، ويكثرون من استخدامها، وفي عملهم هذا فوائد وضرورة، لكن فيه أيضا الكثير من المغامرة، على اعتبار أن الاتجاهات دائمة التغير، وقد تطرأ ظروف ليست في الحسبان تغير الاتجاهات تغيرات جذرية، لذلك نستطيع القول: إذا كان التنبؤ بالاتجاهات قصير المدى فإنه يكون أكثر أمانا وضمانا من التنبؤات التي تتناول المدى الطويل البعيد، ولهذا ينظر إلى التنبؤات على أنها مؤشرات تساعد على فهم التطور المستقبلي للظاهرات المختلفة وليس على أنها مسلمات وحقائق. وهكذا رأينا أن البحوث الوصفية توصلنا إلى حقائق دقيقة عن الظروف القائمة وتستنبط العلاقات الهامة القائمة بين الظاهرات المختلفة، وتفسر معنى البيانات وتمد الباحثين بمعلومات مفيدة وقيمة، وبذلك تساعد التخطيط والإصلاح، ووضع الأسس الصحيحة للتوجيه والتغير، وتعيننا على فهم الحاضر وأسبابه ورسم خطط المستقبل واتجاهاته.

стр. 206

المبحث السادس: تحليل المضمون "Content Analysis" يعتبر تحليل١ المضمون وسيلة من وسائل جمع البيانات، يتم بمنهج وصفي حيث يستخدم كأداة في تحليل محتوى المادة التي تقدمها وسائل الاتصال الجمعي، ففي حين ترتبط أشكال الدراسات المسحية السابقة بالاتصال المباشر مع المصادر البشرية، التي تمتلك المعلومات التي يريدها الباحث، فإن دراسات تحليل المضمون "أو تحليل المحتوى" تتم من غير اتصال، حيث يكتفي الباحث باختيار عدد من الوثائق المرتبطة بموضوع بحثه مثل السجلات والقوانين والأنظمة والصحف والمجلات وبرامج التلفاز والكتب وغيرها من المواد التي تحوي المعلومات التي يبحث عنها الباحث. يتم ذلك بالوصف الموضوعي المنظم الكمي للمحتوى الظاهر لوسيلة الاتصال، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالبحوث التاريخية والمنهج التاريخي، بل لعل تحليل المحتوى هو الأداة الحديثة التي يمكن بوساطتها التعبير الكمي والدقيق عن الظاهرات والأحداث والكتابات التاريخية، بخاصة مع استخدام الحاسبات الإلكترونية في عمليات معالجة وتجهيز وتحليل الوثائق. بعد أن يختار الباحث الوثائق التي يريد دراستها، يبدأ بعملية الدراسة والتحليل مركزا على المعلومات المتضمنة الوثيقة بوضوح، ويكتفي بالبيانات الصريحة الواضحة المذكورة فيها، دون أن يحاول الاستنتاج من الوثيقة، هذا ويستند أسلوب تحليل المضمون إلى أن اتجاهات الجماعات والأفراد تظهر بوضوح في كتاباتها وصحفها وآدابها وفنونها وأقوالها وملابسها وعاداتها، فإذا تم تحليل هذه الأدوات، فإن ذلك يكشف عن اتجاهات هذه الجماعات.

стр. 207

أما خطوات بحث تحليل المضمون فهي مماثلة لخطوات المنهج الوصفي، يحدد الباحث المشكلة، ثم يضع فروضه التي ستوجبه في استكمال البحث والوصول إلى النتائج، ثم يختار العينة التي سيحللها ليصل إلى النتائج، إلا أن صعوبات هذا المنهج تتمثل باختيار العينة، حيث لا يستطيع الباحث أحيانا الاطلاع على بعض الوثائق الهامة، أو أن الوثائق التي يدرسها لا تمثل صورة كاملة عن المشكلة المحدودة. ولما كانت معظم بحوث تحليل المحتوى بحوثا كمية بشكل أو بآخر فإن هذا التعبير الكمي يمكن أن يتم بوساطة نظام حسابي للوقت أو المساحة "مساحة أعمدة مقالات الصحف بالبوصة أو وقت الأخبار الإذاعية بالدقائق" أو حساب عدد مرات تكرار وحدات أو مصطلحات معينة "البرجوازية، الشعب" أو التعرف على شدة الاتجاهات والقيم وذلك ببناء مقاييس الاتجاه "Attitude Scale" كما طورها "ثورستون" بأسلوب المقارنات الزوجية "Paired Comparison"، وتشير التطورات الحديثة في مجال تحليل المحتوى إلى استخدام الحاسبات الإلكترونية للتجهيز ومعالجة العديد من العمليات اللازمة للتحليل الكمي للنصوص والوثائق والأرشيفات بطريقة أكثر دقة وسرعة ونظاما. هذا وقد اتجه الكثير من رجال التربية إلى بحوث المحتوى أو تحليل الوثائق، بهدف التعرف على أهم المهارات والمعارف التي يجب أن يساعد المربون الأطفال على اكتسابها، كما قام الباحثون بتحليل أنماط الأخطاء التي وقع فيها التلاميذ في التعبير الشفوي والكتابي، وفي الحساب والهجاء وغيرها من المواد الدراسية، وقد لقي مؤلفو الكتب المدرسية عونا من الدراسات التي تعرفت على الحصيلة اللغوية الأساسية التي يمتلكها الأطفال في مراحل عمرية مختلفة، ولتحديد أكثر الحقائق والموضوعات والقضايا والتعميمات استخداما في حياة الراشدية. ومن الدراسات الشهيرة التي استخدمت طريقة تحليل المضمون للتعريف بخصائص

стр. 208

الرسالة والنصوص، دراسات مسح الرموز السياسية في العالم، وذلك لاختبار فروض عن "الثورة العالمية" والتعرف بالتالي على استخدامات الشعارات والرموز في دول مختلفة، وذلك بين عامي "١٨٩٠و١٩٤٩". واستخدام آخر لتحليل المضمون هو الذي يتم فيه تحليل النص لاستخلاص استنتاجات عن المرسل، وعن الأسباب أو الظروف التي سبقت الرسالة، فقد أمكن في إحدى الدراسات التمييز بين كتابات مؤلفين مختلفين بوساطة تحليل النصوص الموجودة وذلك باختبار كلمات تميز كتابات أحدهما عن الآخر. وهناك دراسات أخرى استخدمت تحليل المضمون للتعرف على الصفات "السكولوجية" لمرسل الرسالة أو للتعرف على جوانب في الثقافة، والتغير الثقافي لتحليل الإنتاج الأدبي والفكري في ثقافات مختلفة، وأخيرا فإن استخدام تحليل المضمون يتم بوساطة الوصول إلى استنتاجات عن أثر الرسالة الاتصالية، ويتم ذلك بأن يقوم بتقرير وتحديد تأثيرات رسالات المرسل "أ" على المستقبل "ب"، هذا ويمكن أن يقوم بتقرير وتحديد تأثيرات رسالات المرسل "أ" على المستقبل "ب" بتحليل مضمون رسالات المستقبل "ب"، هذا ويمكن أن يقوم الباحث بدراسة تأثيرات الاتصال بوساطة فحص جوانب أخرى، من سلوك مستقبل الرسالة، وفي هذه الحالة فإن تحليل المضمون يؤدي إلى إبراز وتوضيح المتغيرات المستقلة المتعلقة والتي بها ارتباط بسلوك مستقبل الرسالة١. تتمثل مزايا تحليل المحتوى بالآتي: ١- إن عدم الاتصال المباشر بالمصادر البشرية يمكن أن يقلل من احتمال تدخل ذاتي للمصدر البشري الذي يقدم المعلومات، أو يقلل من إمكان وقوع هذال مصدر في أخطاء مقصودة أو غير مقصودة. ٢- الرضى النفسي للباحث، كونه لا يلاحق المصادر البشرية للحصول على المعلومات المطلوبة، كذلك إمكان الرجوع للمعلومات كلما دعت الحاجة إليها.

стр. 209

٣- يمكن أن تتم دراسات تحليل المضمون في الوقت الذي يرغب فيه الباحث كونها في حوزته. أما صعوبات تحليل المحتوى فهي. ١- كون بعض الوثائق التي يحللها الباحث ليست واقعية، بل تمثل صورة مثالية. ٢- قد لا يستطيع الباحث الاطلاع على بعض الوثائق الهامة والتي تتسم بطابع السرية. ٣- قد تكون بعض الوثائق محرفة أو مزورة، مما يؤدي إلى نتائج بعد تحليلها. رغم ذلك يستطيع الباحث أن يقلل من هذه الصعوبات، إذا نجح في اختيار عينة ممثلة عن الوثائق وإذا استخدم المنهج العلمي في نقدها قبل دراستها، وتحليلها١.

стр. 210

المبحث السابع: تقويم منهج البحث الوصفي يميل البعض إلى اعتبار البحوث الوصفية أقل قيمة من البحوث التجريبية، ولعلها في بعض الأحيان هي كذلك، ولقد ارتبط هذا المنهج منذ نشأته بدراسة المشكلات المتعلقة بالمجالات الإنسانية، وذلك لصعوبة استخدم المنهج التجريبي في هذه المجالات، وقد تكون خطوة أولية وضرورية تسبق البحث التجريبي وتعينه، وقد تكون أحيانا الطريقة الوحيدة في المواقف الاجتماعية ودراسة السلوك البشري، لهذا تبرز أهمية المنهج الوصفي في كونه: ١- المنهج الوحيد الممكن لدراسة بعض الموضوعات الإنسانية، كما يستخدم في دراسة الظاهرات الطبيعة المختلفة من مثل الظاهرات الفلكية والبيولوجية. ٢- يقدم المنهج الوصفي فوائد كثيرة في فهم مختلف الظاهرات الاجتماعية والإنسانية، وذلك بسبب تقديم حقائق ومعلومات وبيانات دقيقة عن واقع الظاهرة.

стр. 211

٣- يقدم توضيحا للعلاقات بين الظاهرات المختلفة، كالعلاقة بين الأسباب والنتائج، والعلاقة بين الكل والجزء مما يساعد الإنسان على فهم هذه الظاهرات. ٤- يقدم تفسيرا وتحليلا للظاهرات المختلفة، مما يساعد الإنسان على فهم العوامل التي تؤثر في هذه الظاهرات. ٥- يساعد إلى حد ما في التنبؤ بمستقبل الظاهرات المختلفة من خلال تقديم صورة عن معدل التغير السابق في ظاهرة مما يسمح للإنسان بالتخطيط العام لبعض جوانب المستقبل. ٦- إنه المنهج الأكثر استخداما وملاءمة في دراسة الظاهرات الإنسانية والاجتماعية لصعوبة إخضاع هذه الظاهرات للتجريب. رغم ما ذكرناه حول مميزات هذا المنهج، يرى بعض الباحثين: ١- أن الدراسات الوصفية هي أعمال علمية وليست أبحاثا بمعنى الكلمة، لأنها تقدم وصفا وتفسيرا لواقع معين ولا تتعمق في بيان الطريقة التي تؤثر بها العوامل المختلفة على ظاهرة ما، أو الكشف عن مقدار تأثير كل عامل على هذه الظاهرة، كما يحدث عادة في البحوث التجريبية. ٢- يخشى من اعتماد الباحث على معلومات خاطئة في مصادر المعلومات، ويتوقف هذا على دقة عمل البحث. ٣- وجود فرصة لتمييز الباحث في جمع البيانات وميله إلى مصادر معينة، تزوده بما يريد لا بما هو حقيقي، ويعود هذا إلى وعي الباحث وموضعيته. ٤- يتم جمع المعلومات في الدراسات الوصفية غالبا بوساطة عدد من الأفراد الذين يساعدون الباحث في هذه العملية، وتتأثر عملية الجمع بتعدد الأشخاص الذين يجمعونها بأساليبهم المختلفة، مما يجعلها عرضة للنقد.

стр. 212

٥- إن إثبات الفروض في الدراسات الوصفية عملية صعبة، لأنها لا تتم تجربة لإثبات الفروض، بل تثبت بوساطة الملاحظة، مما يقلل من قدرة الباحث على اتخاذ القرار. ٦- تناقش البحوث الوصفية ظاهرات محدودة ومكان محدد، ومن الصعوبة تعميمها لتغيرهما من زمان لآخر ومن مكان لآخر. ٧- إن قدرة البحوث الوصفية على التنبؤ تبقي محدودة بسبب طبيعة الظاهرة الاجتماعية التي تتمثل بالتعقيد والتعرض لعوامل متعددة تؤثر في تطورها أو تغيرها. رغم كل ما ذكرناه فإن البحوث الوصفية هي الخطوة الأولى للوصول إلى العلم.

стр. 213

الفصل السابع: منهج البحث التجريبي مدخل ... الفصل السابع: منهج البحث التجريبي "Experimental Method" تمهيد: يعتبر هذا المنهج أقرب مناهج البحث العلمي لحل المشكلات بالطريقة العلمية، وهو الأسلوب الذي استخدمته العلوم الطبيعية، وحققت بوساطته تقدما علميا ملموسا، مما دفع الكثير من الباحثين في حقول المعرفة الإنسانية إلى استخدامه في البحث. يعتبرون جاليلو "١٥٦٤-١٦٤٢م" هو رائد هذا المنهج١، وهو أب الطريقة التجريبية، وإذا كان روجر بيكون "١٢١٤-١٢٩٤م" داعية الطريقة العلمية التجريبية، فإن فرنسيس بيكون "١٥٦١-١٦٢٦م" فيلسوف هذه الطريقة قرابة "ثلاثة قرون ونصف القرن"، التي تحلق فيها الفكر المعاصر في الفترة ما بين روجر وفرنسيس. لقد وضع فرنسيس بيكون أول كتاب هو تقدم المعرفة "The development of Learning" وأسلوب البحث عند بيكون هو الأسلوب التجريبي، لكنه أسلوب استقرائي وليس استنتاجا، ولقد اندحر الفكر التجريبي في أوروبا في العصور الوسطى، وظلت في حالة ركود إلى عصر النهضة الأوروبية، حيث تكون فيها الفكر المعاصر، وكانت الفلسفة التجريبية نقطة البدء في هذا السبيل، بدأ بها بيكون وتلاه ديكارت ١٥٩٦-١٦٥٠م" بطريقته الاستنتاجية وكبلر "١٦٣٠م" ونيوتن "١٦٤٢-١٧٢٧م" وسبينوزا وغيرهم، وبقي للطريقة الاستقرائية أعوانها، لقد طوروا الفلسفة التجريبية الاستقرائية من مثال توماس هوبز "T. Hobis"؛ "١٨٥٥-١٦٧٩م" ولوك "Lock"؛ "١٦٣٢-١٧٠٤م" وبيركلي "Berkles"؛ "١٦٨٥-١٧٥٣م" وهيوم "١٧١١-١٧٧٦م" وكتاباتهم نماذج للتفكير التجريبي السليم٢.

стр. 214

المبحث الأول: المنهج التجريبي عند العرب: إن عودة إلى التاريخ تجعلنا نقول: إن علماء العرب قد فطنوا إلى أن الوقائع والأحداث التي تقع في التجمعات البشرية المختلفة ما هي إلا تجارب حدثت بين البشر، وقد اختلف اهتمام العلماء بهذه الأحداث، منهم من جمع وأرخ، ومنهم من وصف واجتهد، ومنهم من تقصى وعلل ووقف على نتائج ذلك وكان التاريخ تجارب واعظة لمن يعيها ويتدبرها ويستخلص منها أحكاما عامة، يمكن تطبيقها على ظروف متشابهة وملابسات متماثلة. لقد استخدم بعض المؤرخين كلمة "عبر" و"اعتبار" في عناوين كتبهم التي حوت مواد تاريخية، من مثال ابن خلدون "ت ٨٠٨هـ/ ١٤٠٥م" والمقريزي وأحمد مسكويه١. في كتابه "تجارب الأمم وتعاقب الهمم"، "ليعتبر بها المعتبرون، ويجري مجرى تجارب الأمم التي يتكرر مثلها فيتحرز منها"، ونحا نحوه ابن الأثير الجزري٢ في كتابه "الكامل في التاريخ" عندما حدد فوائد التاريخ "أذكر أن منها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها، فإنها لا تحدث أمرا إلا قد تقدم هو ونظيره فيزداد بذلك عقلا ويصح لأن يقتدى به أهلا".

стр. 215

كان ابن خلدون أول من استخدم المنهج التجريبي١ وعبر عن الجانب الأساسي من التاريخ، الذي أراد أن ينشئ منه علما بقوله: "وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق"، وكان عماده في ذلك في المنهج التجريبي، وهو عملية فكرية، للبحث العلمي، قائمة على اعتبار التاريخ سجلا مليئا بشتى الوقائع المطردة والأحداث المتكررة، التي كان لها وجود حقيقي في شتى المجتمعات على العصور، فجعل منها معطيات بحثية، ونظر إليها على أنها تجارب اجتماعية جرت تلقائيا، وأنها على هذا الأساس تستحق الملاحظة العقلية. وهكذا فإن ابن خلدون أول من استخدم المنهج في العلوم الاجتماعية لدراسة الحياة الاجتماعية النامية١، فعل ذلك لأنه كان على بينة تامة بالمنهج التجريبي، الذي يقوم على التجريب المحدود زمانا ومكانا وموضوعا، والمقصود المخطط له، ذلك التجريب الذي كان يسميه العلماء المسلمون "التدبير"، وكانوا يعتمدون عليه أساسا في علم الكيمياء، وعرفت التجربة لديهم بأنها واقعة عرضية، وحدث تلقائي اتفاقي، ولذلك يمكن أن نطلق عليها اصطلاحا باسم الوقائع والأحداث التجريبية. لقد أخذ علماء العرب بالدليل التجريبي إلى جانب الدليل الاستنتاجي، ولم يقف فيه اعتراف على مبدأ التجربة والاختبار، ونضج ما أخذه الغرب عن العالم الإسلامي، وبدأ الغرب يشق طريقه، مبتدئا بالرياضيات والفلك والبصريات. وفي القرن "السابع عشر" كانت أوروبا الغربية قد توافر لديها كل التراث الفكري الذي أنتجته الحضارات السابقة، نهضت نهضة هي فجر العصر العلمي الحديث، في هذا العصر عاش جلبرت وجاليلو وهارفي وكبلر، يؤمنون بالتجربة لكنها تجربة افتراضية، وكان إنتاجهم الأصيل رياضيا لا عمليا. هذا ونشير إلى أن فرنسيس بيكون استشهد في كتاباته بابن الهيثم وابن سينا والكندي وحنين بن إسحاق والبطروجي الفلكي وغيرهم، ومن المؤسف أن باحثينا الآن ما يزالون يرددون ما يقوله الغرب، عن ابتكاراتهم لفروع المعرفة التي يعود الفضل الأول فيها إلى علماء العرب في العصور الوسطى.
следующие страницы →