← Фикх общий

Фикх общий · id 8368

البحث العلمى أساسياته النظرية وممارسته العملية

رجاء وحيد دويدري

Полный текст (496 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٣- يقدم توضيحا للعلاقات بين الظاهرات المختلفة، كالعلاقة بين الأسباب والنتائج، والعلاقة بين الكل والجزء مما يساعد الإنسان على فهم هذه الظاهرات. ٤- يقدم تفسيرا وتحليلا للظاهرات المختلفة، مما يساعد الإنسان على فهم العوامل التي تؤثر في هذه الظاهرات. ٥- يساعد إلى حد ما في التنبؤ بمستقبل الظاهرات المختلفة من خلال تقديم صورة عن معدل التغير السابق في ظاهرة مما يسمح للإنسان بالتخطيط العام لبعض جوانب المستقبل. ٦- إنه المنهج الأكثر استخداما وملاءمة في دراسة الظاهرات الإنسانية والاجتماعية لصعوبة إخضاع هذه الظاهرات للتجريب. رغم ما ذكرناه حول مميزات هذا المنهج، يرى بعض الباحثين: ١- أن الدراسات الوصفية هي أعمال علمية وليست أبحاثا بمعنى الكلمة، لأنها تقدم وصفا وتفسيرا لواقع معين ولا تتعمق في بيان الطريقة التي تؤثر بها العوامل المختلفة على ظاهرة ما، أو الكشف عن مقدار تأثير كل عامل على هذه الظاهرة، كما يحدث عادة في البحوث التجريبية. ٢- يخشى من اعتماد الباحث على معلومات خاطئة في مصادر المعلومات، ويتوقف هذا على دقة عمل البحث. ٣- وجود فرصة لتمييز الباحث في جمع البيانات وميله إلى مصادر معينة، تزوده بما يريد لا بما هو حقيقي، ويعود هذا إلى وعي الباحث وموضعيته. ٤- يتم جمع المعلومات في الدراسات الوصفية غالبا بوساطة عدد من الأفراد الذين يساعدون الباحث في هذه العملية، وتتأثر عملية الجمع بتعدد الأشخاص الذين يجمعونها بأساليبهم المختلفة، مما يجعلها عرضة للنقد.

стр. 212

٥- إن إثبات الفروض في الدراسات الوصفية عملية صعبة، لأنها لا تتم تجربة لإثبات الفروض، بل تثبت بوساطة الملاحظة، مما يقلل من قدرة الباحث على اتخاذ القرار. ٦- تناقش البحوث الوصفية ظاهرات محدودة ومكان محدد، ومن الصعوبة تعميمها لتغيرهما من زمان لآخر ومن مكان لآخر. ٧- إن قدرة البحوث الوصفية على التنبؤ تبقي محدودة بسبب طبيعة الظاهرة الاجتماعية التي تتمثل بالتعقيد والتعرض لعوامل متعددة تؤثر في تطورها أو تغيرها. رغم كل ما ذكرناه فإن البحوث الوصفية هي الخطوة الأولى للوصول إلى العلم.

стр. 213

الفصل السابع: منهج البحث التجريبي مدخل ... الفصل السابع: منهج البحث التجريبي "Experimental Method" تمهيد: يعتبر هذا المنهج أقرب مناهج البحث العلمي لحل المشكلات بالطريقة العلمية، وهو الأسلوب الذي استخدمته العلوم الطبيعية، وحققت بوساطته تقدما علميا ملموسا، مما دفع الكثير من الباحثين في حقول المعرفة الإنسانية إلى استخدامه في البحث. يعتبرون جاليلو "١٥٦٤-١٦٤٢م" هو رائد هذا المنهج١، وهو أب الطريقة التجريبية، وإذا كان روجر بيكون "١٢١٤-١٢٩٤م" داعية الطريقة العلمية التجريبية، فإن فرنسيس بيكون "١٥٦١-١٦٢٦م" فيلسوف هذه الطريقة قرابة "ثلاثة قرون ونصف القرن"، التي تحلق فيها الفكر المعاصر في الفترة ما بين روجر وفرنسيس. لقد وضع فرنسيس بيكون أول كتاب هو تقدم المعرفة "The development of Learning" وأسلوب البحث عند بيكون هو الأسلوب التجريبي، لكنه أسلوب استقرائي وليس استنتاجا، ولقد اندحر الفكر التجريبي في أوروبا في العصور الوسطى، وظلت في حالة ركود إلى عصر النهضة الأوروبية، حيث تكون فيها الفكر المعاصر، وكانت الفلسفة التجريبية نقطة البدء في هذا السبيل، بدأ بها بيكون وتلاه ديكارت ١٥٩٦-١٦٥٠م" بطريقته الاستنتاجية وكبلر "١٦٣٠م" ونيوتن "١٦٤٢-١٧٢٧م" وسبينوزا وغيرهم، وبقي للطريقة الاستقرائية أعوانها، لقد طوروا الفلسفة التجريبية الاستقرائية من مثال توماس هوبز "T. Hobis"؛ "١٨٥٥-١٦٧٩م" ولوك "Lock"؛ "١٦٣٢-١٧٠٤م" وبيركلي "Berkles"؛ "١٦٨٥-١٧٥٣م" وهيوم "١٧١١-١٧٧٦م" وكتاباتهم نماذج للتفكير التجريبي السليم٢.

стр. 214

المبحث الأول: المنهج التجريبي عند العرب: إن عودة إلى التاريخ تجعلنا نقول: إن علماء العرب قد فطنوا إلى أن الوقائع والأحداث التي تقع في التجمعات البشرية المختلفة ما هي إلا تجارب حدثت بين البشر، وقد اختلف اهتمام العلماء بهذه الأحداث، منهم من جمع وأرخ، ومنهم من وصف واجتهد، ومنهم من تقصى وعلل ووقف على نتائج ذلك وكان التاريخ تجارب واعظة لمن يعيها ويتدبرها ويستخلص منها أحكاما عامة، يمكن تطبيقها على ظروف متشابهة وملابسات متماثلة. لقد استخدم بعض المؤرخين كلمة "عبر" و"اعتبار" في عناوين كتبهم التي حوت مواد تاريخية، من مثال ابن خلدون "ت ٨٠٨هـ/ ١٤٠٥م" والمقريزي وأحمد مسكويه١. في كتابه "تجارب الأمم وتعاقب الهمم"، "ليعتبر بها المعتبرون، ويجري مجرى تجارب الأمم التي يتكرر مثلها فيتحرز منها"، ونحا نحوه ابن الأثير الجزري٢ في كتابه "الكامل في التاريخ" عندما حدد فوائد التاريخ "أذكر أن منها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها، فإنها لا تحدث أمرا إلا قد تقدم هو ونظيره فيزداد بذلك عقلا ويصح لأن يقتدى به أهلا".

стр. 215

كان ابن خلدون أول من استخدم المنهج التجريبي١ وعبر عن الجانب الأساسي من التاريخ، الذي أراد أن ينشئ منه علما بقوله: "وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق"، وكان عماده في ذلك في المنهج التجريبي، وهو عملية فكرية، للبحث العلمي، قائمة على اعتبار التاريخ سجلا مليئا بشتى الوقائع المطردة والأحداث المتكررة، التي كان لها وجود حقيقي في شتى المجتمعات على العصور، فجعل منها معطيات بحثية، ونظر إليها على أنها تجارب اجتماعية جرت تلقائيا، وأنها على هذا الأساس تستحق الملاحظة العقلية. وهكذا فإن ابن خلدون أول من استخدم المنهج في العلوم الاجتماعية لدراسة الحياة الاجتماعية النامية١، فعل ذلك لأنه كان على بينة تامة بالمنهج التجريبي، الذي يقوم على التجريب المحدود زمانا ومكانا وموضوعا، والمقصود المخطط له، ذلك التجريب الذي كان يسميه العلماء المسلمون "التدبير"، وكانوا يعتمدون عليه أساسا في علم الكيمياء، وعرفت التجربة لديهم بأنها واقعة عرضية، وحدث تلقائي اتفاقي، ولذلك يمكن أن نطلق عليها اصطلاحا باسم الوقائع والأحداث التجريبية. لقد أخذ علماء العرب بالدليل التجريبي إلى جانب الدليل الاستنتاجي، ولم يقف فيه اعتراف على مبدأ التجربة والاختبار، ونضج ما أخذه الغرب عن العالم الإسلامي، وبدأ الغرب يشق طريقه، مبتدئا بالرياضيات والفلك والبصريات. وفي القرن "السابع عشر" كانت أوروبا الغربية قد توافر لديها كل التراث الفكري الذي أنتجته الحضارات السابقة، نهضت نهضة هي فجر العصر العلمي الحديث، في هذا العصر عاش جلبرت وجاليلو وهارفي وكبلر، يؤمنون بالتجربة لكنها تجربة افتراضية، وكان إنتاجهم الأصيل رياضيا لا عمليا. هذا ونشير إلى أن فرنسيس بيكون استشهد في كتاباته بابن الهيثم وابن سينا والكندي وحنين بن إسحاق والبطروجي الفلكي وغيرهم، ومن المؤسف أن باحثينا الآن ما يزالون يرددون ما يقوله الغرب، عن ابتكاراتهم لفروع المعرفة التي يعود الفضل الأول فيها إلى علماء العرب في العصور الوسطى.

стр. 216

المبحث الثاني: تعريف بالمصطلحات - الملاحظة: المشاهدة الدقيقة لظاهرة ما، تهدف إلى غرض عقلي واضح هو الكشف عن بعض الحقائق التي يمكن استخدامها لاستنباط معرفة جديدة. - الملاحظة التلقائية: هي الملاحظة التي يقوم بها الباحث بمحض الصدفة وبدون أن تقوده إليها أية فكرة سابقة. -الملاحظة المستشارة الفعالة: هي الملاحظة التي يقوم بها الباحث عمدا، وبتدبير مبني على فكرة سابقة عن طبيعة الظاهرة. - التجربة كما يقول بيفردج "Beveridge"١: ملاحظة مقصودة تحت ظروف محكومة، يقوم بها الباحث لاختبار الفرض والحصول على العلاقات السببية والتجربة في رأي كلودبرنارد: هي الواقعة التي لا دخل للباحث في وقوعها "بمعنى الخبرة" يقول كلود برنارد وهو عالم طبيعي: إذا جاءت لفظة التجربة" في اللغة الفرنسية مفردة كان معناها بوجه عام مجرد المعرفة المكتسبة من تجارب الحياة "أي الخبرة" فإذا طبقت اللفظة مفردة، كان معناه المعرفة التي اكتسبها الشخص، وهذا هو الذي نعنيه أن فلانا قد اكتسب "تجربة"

стр. 217

وأنه "ذو تجربة" ثم أطلق اسم التجارب من بعد ذلك على الوقائع التي تكسبنا معرفة الأشياء معرفة تجريبية، وكان هذا الإطلاق على سبيل التوسع وتشخيص المعنى. نعرف التجربة بأنها: سؤال يوجه إلى الواقع، أو هي حوار بين الباحث والواقع الميداني، يجيب فيها هذا الواقع عن أسئلة الباحث، ورغم ما ينطوي هذا الواقع من تعقيد وتنوع، إلا أن المنهج العلمي يعمل على تنظيم الملاحظات والمشاهدات عبر ظروف موضوعية دقيقة محدودة، فالتجربة أداة لصنع ملاحظات مضبوطة للكشف عن ظاهرة ما أو تفسيرها، تتوخى الكشف عن العلاقة بين نوعين من العوامل، العامل السببي، والنتيجة، أو المتغير التابع، أو أنها تثبت وجود هذه العلاقة وتبرهن عليها، فهي وسيلة للإثبات. - التجارب العارضة المنفعلة: هي التجاب التي تقوم فيها الطبيعة بعمل المجرب نفسه. - التجارب العمدية الفعالة: هي التجارب التي تتدخل فيها يد المجرب تدخلا فعالا للعمل على ظهور ظواهر معينة، أو حدوث حالات محدودة، أي أن: - التجربة المضبوطة "Control Experiment" وتميز عن التجربة، فهي التجريب بعينه، إذ إن شرط التجريب التحكم وممارسة الإرادة في عملية البحث١، وهو مصطلح يستخدمه المنهجيون، ويذهب شابن٢ "Chapin" إلى أن: - التجريب "Ex perimentation" هو "ملاحظة تحت ظروف محكمة" ويتحقق التحكم في نظره بوساطة اختيار بعض الحالات "Cases"، أو بوساطة تطوبع بعض العوامل، وإذا تحدثنا عن: - إجراء التجارب أو "إجراء الملاحظات" حديثا عمليا مشخصا، كان المراد التفرغ للبحث، وبذل الجهود وممارسة التجارب والاختبار، بغية الوصول إلى الوقائع التي

стр. 218

يتمكن "الذهن" بمساعدة الاستدلال من أن يستخلص منه معرفة أو علما، هذا ونشير إلى أن التجربة لا تمثل جميع خطوات وجوانب البحث العلمي المتعددة، على الرغم من أنها تعتبر شكلا هاما من أشكال النشاط العلمي١. - العامل المستقل "Idependent variable" وهو العامل الذي نريد أن نقيس مدى تأثيره على الموقف، ويسمى العامل التجريبي، أو المتغير التجريبي، أي العامل الذي يريد البحث أن يقيس أثره على المتغير التابع. - العامل التابع: "Dependent variable" ويسمى أيضا العامل الناتج أو المتغير الناتج، وهو العامل الناتج عن تأثير العامل المستقل. - ضبط العوامل: وفيها يستبعد أثر جميع العوامل الأخرى، عدا العامل التجريبي، بحيث يتمكن الباحث من الربط بين هذا العامل وبين العامل التابع أو الناتج، وتهدف عملية الضبط إلى عزل المتغيرات وتثبت المتغيرات والتحكم في مقدار المتغير التجريبي. - المجموعة التجريبية "Experimental Group" وهي المجموعة التي تتعرض للتغير التدريجي، أو المتغير المستقل لمعرفة تأثير هذا المتغير فيها. -المجموعة الضابطة "Controlled Group" وهي المجموعة التي تتعرض للمتغير التجريبي، وتبقى تحت ظروف عادية، وتقدم فائدة كبيرة للباحث، حيث تكون الفروق بين المجموعتين التجريبية والضابطة ناتجة عن المتغير التجريبي الذي تعرضت له المجموعة التجريبية، فهي أساس الحكم ومعرفة النتيجة.

стр. 219

المبحث الثالث: المناهج التجريبية ١- المنهج التجربي: إن كل البحوث التي تتناول أي نوع من الظاهرات الاجتماعية في إطارها السالف، أي فيما مضى من الزمان تعتمد على المنهج التجربي، وبتعبير ابن خلدون نفسه، أمر يحدث "في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنه العلم أو الظن" وبهذا يصبح المنهج التجربي المنهج الوحيد الذي يستخدم في دراسة وقائع وأحداث ماضية، باعتبار أنها تجارب عرضية يمكن الاستدلال منها للتوصل إلى وضع قوانين وصياغة نظريات خاصة بالبشرية في معاشرتهم بعضهم بعضا، وهذا النوع من الاستدلال المبني على ملاحظات حسية، أي مشاهدات اجتماعية سجلها المعنيون بها في الماضي ثم تركوها لنا تاريخيا، هو المنهج التجربي الاجتماعي بمعناه الصحيح، ومن قبيل الوقائع والأحداث الاجتماعية التجريبية الماضية حالات الزواج والطلاق، والهجر والترمل والمواليد والوفيات والتعليم والأمية والعمالة والبطالة بخاصة إذا كانت مسجلة تسجيلا كميا، أي في شكل إحصاءات منشورة بوساطة هيئات رسمية متخصصة. وكما يمكن استخدام المنهج التجربي في بحث الوقائع والأحداث الاجتماعية الماضية، كذلك يمكن الاعتماد عليه في بحث الوقائع والأحداث الاجتماعية الآتية، أي التي تحدث تحت سمع وبصر الباحثين كتجارب مفاجئة دون تدبير مسبق منهم، ثم تصبح في عداد الماضي، ويظل منهج البحث التجربي ما دامت الحقائق أو المعطيات أو الوقائع أو الحوادث تجارب اجتماعية ماضية، جرت في بقاع مختلفة، متزامنة أو متعاقبة، وتم تسجيلها وحفظها بمختلف أشكال التسجيل، أو يجري تسجيلها آنيا بوساطة وسائل جمع البيانات: الملاحظة، الاستبيان. ٢- المنهج التجربي التجريبي: ميز أوغست كونت مؤسس الفلسفة الوصفية مما أسماه بالتجارب الاجتماعية غير

стр. 220

المباشرة، ويقصد بها الحالات الاجتماعية المرضية "الباثولوجية" وهي وقائع عرضية تلقائية، تحدث عادة في الظاهرات الاجتماعية تغيرات تصبح لافتة للأنظار، مثالها: الفن، والثورات، والأزمات الاقتصادية، وكان يرى أن استخدام مسلك المقارنة بين الأحوال السوية الطبيعية للظاهرات الاجتماعية وأحوالها المرضية، بعوض الباحث عن التجريب المقصود والمدبر له، والذي يجري وفق منهاج معين. وفي الوقت الذي أنهى فيه كونت مبحثه في الفلسفة الوضعية "Course de la Philosoph Positive" ميز الفيلسوف التجريبي "جون ستوارت ميل"١ بين ظرفين مختلفين وصفهما بأنهما تجريبيان، إذ يرى أن هناك تجربة تلقائية هي تجربة الطبيعة أو تجربة مصطنعة يوجدها الباحث بطريقة متعمدة، وهذا يعني أن يكون الباحثون دائما في حالة ترب لحدوث أية واقعة أو أية تجربة، تحل في أي من مجتمعاتهم، ثم يبدئون على الفور في بحثها ماهية وكيفيا وسببا، على أساس أن الظروف الطبيعية الاجتماعية كفتهم مئونة التجريب المصطنع، والمدبر وفق منهاج معين، وهذا يوضح معنى التجربة التجريبية، والمنهج التجربي التجريبي٢. هذا ويجمع العلماء الاجتماعيون بين التجربة الواقعة التي لا دخل لهم في وقوعها ولا إرادة لهم عليها، وبين التجريب الذي يلاحظون نتائجه ويقيسون ما يمكن قياسه منها ويستقرئون من ذلك ما يستطيعون استقراءه من نظريات وقوانين وهذا هو المنهج التجربي التجريبي، الذي يستخدم في بحث الظاهرات الاجتماعية التي تقع تلقائيا، ولا يمكن إحداثها بحال من الأحوال. ٣- المنهج التجريبي: أفاد التجريب العلمي العلوم الطبيعية أعظم فائدة، إذ مكنها من صياغة الكثير من النظريات ووضع العديد من القوانين التي استند إليها التطبيق العملي، في ميادين هذه

стр. 221

العلوم، ولا يشذ عن ذلك إلا علمان واسعان هما: علم الفلك، وعلم طبقات الأرض، أما العلوم الاجتماعية فقد اعتمدت ولا تزال تعتمد على التجارب التي تقع عرضا، وبدون تدخل الإنسان، شأنها في ذلك شأن علمي الفلك وطبقات الأرض، وإن كان علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية تمتاز بأن بعض الظاهرات طيعة للتجريب في حدود ضيقة. وفيما عدا علم النفس الاجتماعي، نجد أن التجريب الاجتماعي محدود في علم الاجتماعي، والعلوم الاجتماعية الأخرى، وذلك لأن التجريب الاجتماعي لا يكون هدفه إلا التنمية الاجتماعية في محيط المجموعات والجماعات والمجتمعات الحضرية وجميع العالم. وليس من اليسير وضع مشروعات التنمية على اختلاف أنواعها محك التجريب، بخاصة في الدول العربية لعدد من الأسباب، نذكر منها الرغبة في سرعة الإنجاز وعدم تنفيذ المشروعات بوساطة علماء اجتماع متخصصين مثالها مشروعات توطين البدو في الأردن وفي شمال المملكة العربية السعودية، ومشروع توطين أهالي النوبة في منطقة كوم أمبو شمال مدينة أسوان في جمهورية مصر العربية، ولو كانت هذه المشروعات الاجتماعية وغيرها قد بحثت بمنهج تجريبي على أساس أنها تجارب ذات أهداف حددها من فكروا فيها، لكان لدينا الآن تنظيرات علم اجتماعية من واقع أسلوب الحياة في الوطن العربي. هذا وإن البحوث الاجتماعية التي تجري فور تنفيذ القوانين الاجتماعية التي تهدف إلى تحقيق الرفاهية الاجتماعية، لا يمكننا أن نعدها تجارب بالمعنى الصحيح، لأنه يمكن إدخال تغييرات على هذه القوانين وإجراء تجارب أخرى بعد ذلك، والمقارنة بين نتائج التجاريب السابقة والتجاريب اللاحقة، وما دام الباحث لا يستطيع التحكم في عملية البحث من أولها إلى آخرها وإجراء ما يراه من تعديلات فيها، فإنها لا تكون تجاريب، ولا يصح أن يقال: إنه يستخدم المنهج التجريبي والأصوب أن يقال عن هذا الإجراء المبحثي أنه شبه تجريبي، وأن المنهج شبه تجريبي١.

стр. 222

المبحث الرابع: البحث التجريبي وسماته العلمية أشرنا إلى أن استخدام التجارب في العلوم الطبيعية لقي نجاحا، لكنه في العلوم الإنسانية والاجتماعية لم يلق إلا أهمية جزئية نظرا لاختلاف طبيعة المادة في كليهما لذلك طورت أساليب أخرى بديلة أطلق عليها اسم التجربة غير المباشرة أو التحليل الاستقصائي١ "Survey analysis" وقد دعاها أميل دوركهايم طريقة المقارنة، وكان قد رفض ادعاءات ستيوارت ميل حول تعذر استخدام التجربة بصورتها المباشرة أو غير المباشرة في البيولوجيا والكيمياء وعلم الاجتماع. نعرف البحث التجريبي بأنه: استخدام التجربة في إثبات الفروض، أو إثبات الفروض بوساطة التجريب وهناك تعريفات أخرى: - محاولة التحكم في جميع المتغيرات والعوامل الأساسية، باستثناء متغير واحد، حيث يقوم الباحث بتغييره بهدف تحديد وقياس تأثيره في العملية. - تغيير متعمد مضبوط للشروط المحدودة للواقع أو الظاهرة التي تكون موضوعا للدراسة وملاحظة ما ينتج عن هذا التغير من آثار في هذا الواقع والظاهرة. - ملاحظة تتم تحت ظروف مضبوطة لإثبات الفروض، ومعرفة العلاقات السببية ويقصد بالظروف المضبوطة إدخال المتغير التجريبي إلى الواقع وضبط تأثير المتغيرات الأخرى. - محاولة لضبط جميع المتغيرات التي تؤثر على ظاهرة ما أو واقع ما عدا المتغير التجريبي، وذلك لقياس أثره على الظاهرة والواقع. أما السمات العلمية لمنهج البحث التجريبي فهي:

стр. 223

للمنهج العلمي في البحث التجريبي سمات رئيسة أهمها: ١- التشخيص المادي أو الوضعية "Positivism". ٢- الاختبارية "Empericism" ٣- الموضوعية "Objectivity". إن أول من وضع هذه السمات عبد الرحمن بن خلدون، فقد كانت مادة بحثه دائما الكائنات الاجتماعية وفي ذلك يؤكد "أن النظر الذي يفيد تمييز الحق من الباطل، إنما هو للذهن في المعاني المنتزعة من الموجودات الشخصية"١، والتشخيص المادي عند ابن خلدون هو الوضعية عند أوغست كونت "ت ١٢٧٤هـ/ ١٨٥٧م" الذي أنشأ علم المعاشرة في العالم الغربي بعد ابن خلدون "ت ٨٠٨هـ/ ١٤٠٥م" بقرابة "خمسة قرون" وفي رأيه أن الظاهرات الحياتية تخضع للقوانين عامة، ولا تسير وفق الأهواء والمصادفات، شأنها في ذلك شأن الظاهرات الطبيعية تماما، في المنهج العلمي الذي يطرقه العلماء لبحثها. أما الاختبارية، أي الملاحظة والخبرة الشخصية بالأمور: فمثالنا في ذلك ابن خلدون وسواه من علماء العرب الذين كانوا يلاحظون الظاهرات ملاحظة حسية وخبرها خبرة شخصية، وكذلك ملاحظتها ملاحظة عقلية مما سجله المؤرخون في كتبهم، وكان ابن خلدون يعقد مقارنات تساعده على الدراسة بدقة بوساطة تحري سير الأحداث في الحالتين الماضية والآنية، وكذلك تقصي نتائج الأحداث وبذلك أمكنة تطبيق ما أستقرأه من قوانين ونظريات من سير الأحداث في الماضي، على ما يعانيه في أوانه. الاختبارية: هي الملاحظة والخبرة الشخصية بالأمور أي الخبرة التجربية، بما هو حادث في حاضر الباحث، أو بما كان حدث في ماضيه، والمعرفة الاختبارية أو الحسية

стр. 224

تقوم على معايشة الواقع المتشخصة بمادتها، أي ذات الوجود الكياني العياني، والوقائع الاختبارية وقائع مشاهدة أي ملاحظة حسية، تكون المادة الأصلية للعلوم الخاضعة للتجارب أو التجاريب، التي يفرق العالم فيها بين الواقع وتأويله والمشاهد والمستنتج منه، فالأساس الواقعي محتوم، أما التأويلات فصياغات اجتهادية لتنظيم مكونات الموقف الواقعي، بحث يصبح مفهوما، وأولى خطوات الفهم تتم بالتعميم الاستقرائي من التجارب والتجاريب والخبرة بها، ويقتضي هذا التحليل والتجريد، والشائع تسمية هذه العمليات بـ "الامبيريقية" وهي كلمة معربة للاصطلاح الأجنبي الذي تترجمه الكثرة "تجريبية" بينما ظهر اجتهاد منفرد يترجمه: تجربة، ومصطلح الاختبارية يتضمن كلا من التجربة والتجريب، ولا يخصص أيا منهما، كما هي الحال في المصطلحين السالفين. والسمة الثالثة الموضوعية: ترتبط ارتباطا وثيقا بالموضوعية والاختبارية، وهي سمة الباحث لأية ظاهرة، بوصفها شيئا خارجا عن شعور الفرد وسابقا لوجوده، أي أن لا يتأثر الباحث بأية أفكار سابقة، تجعله ينظر إلى الظاهرة من وجهة نظره هو، أو نظر شخص آخر، بحيث يكون البحث علميا بالمعنى الدقيق، أي مجموعة من المعارف العلمية التي تتصل بوقائع ذات وجود خارجي عن الفرد، غير متأثر بمن بحث أو بأية نظرة تقييمية معينة١، وهذا ما فعله ابن خلدون حيث استخدم المنهج التجربي، وركيزته الطريقة التاريخية، كما استعان بالملاحظة الحسية، أي المشاهدة لما عاصره في زمانه من أحداث، ذوات كانت أو أفعالا، وكان يتشكك في الأخبار والروايات يقول: "فلا تثقن بما يلقي إليك من ذلك وتأمل الأخبار وأعراضها على القوانين الصحيحة، يقع لك تمحيصها بأحسن وجه"٢ حيث تبدو الموضوعية عنده بأجلى مظاهرها، وقبيل نهاة القرن "التاسع عشر" نبه العالم الفرنسي "أميل دوركايم" إلى ضرورة الدراسة الموضوعية وبذلك أتى متأخرا عن ابن خلدون.

стр. 225

المبحث الخامس: أسلوب البحث التجريبي هناك أسلوبان متمايزان هما: الأسلوب الكيفي والأسلوب الكمي، ويمكن في بعض البحوث ونظرا لاعتبارات تتعلق بها وبظروفها الجمع بين الأسلوبين، كي تتم الفائدة بالحصول على ميزة كل منهما، وكما أنه من الخطأ اعتبار الاتجاه منهجا، كما يخلط بعض الباحثين الغربيين، فكذلك من الخطأ عد الأسلوب "Stule" منهجا كما هو شائع بينهم ولئن كان عذرهم أن لديهم اصطلاحا واحدا "Methodus" أي منهج باللغة اللاتينية، الذي أخذوا منه اصطلاحتهم بلغاتهم وكان من الممكن استعمال كلمة "Style" أي أسلوب الكم والكيف. يعني الأسلوب الكيفي في البحث العلمي في إطار المنهج التجريبي، التركيز في معالجة التجارب الواقعة عن الأحداث الجارية، سواء في الماضي أو الحاضر، على ما يدركه الباحث منها ويفهمه، ويستطيع تصنيفه، ولمسح العلاقات التي يمكن ملاحظتها ملاحظة عقلية، وهذا الأسلوب هو الذي اعتمد عليه كبار النظريين في العلوم الاجتماعية، وهدوا به إلى صياغة نظريات ووضع قوانين اجتماعية، استقرءوها من العديد من الوقائع والأحداث التي وقعت في الماضي أو الحاضر، في شكل تجارب طبيعية، وقد يكون وقوعها في مجتمع واحد، أو في عدة مجتمعات، وهنا يصبح مجال البحث واسعا مكانا وزمانا، حيث يأخذ الباحث ما يتعلق ببحثه من بيانات بالقدر الذي يكفيه إدراكا وفهما واستدلالا واستنتاجا، وهذه العملة الفكرية تبين مدى صعوبة الأسلوب الكيفي. لابن خلدون في مقدمته ثلاثة فصول في الإدراك البشري من الناحيتين النظرية والعملية ثالثها "في العقل التجريبي وكيفية حدوثه" وأفكاره عظيمة لمن يرغب في التعمق في المنهج التجربي، ويرى بالإضافة إلى ذلك أن أفعال البشر هي نتيجة تجربة في التعامل.

стр. 226

نشير إلى أن الأسلوب الكيفي يستخدم لمعالجة معطيات تم جمعها سابقا، ويهتم بها المعنيون بالبحث العلمي، أما الأسلوب الكمي فيستخدم لمعالجة بيانات أعطيت في الماضي أو تعطي في الحاضر، إما بوساطة صحائف استخبار أو استبار شخصي، وفي هذه الحالة يعتمد المستبرون على صحائف الاستبيان، وبعد ذلك يجري تكميم هذه البيانات في عملية متتابعة الخطوات تنتهي بجداول، ثم يقوم بعمليتي التحليل والتفسير. هكذا يتضح أن الباحث الذي يستخدم الأسلوب الكيفي يتعامل مع أفكار وآراء، بينما ذلك الذي يستخدم الأسلوب الكمي، يتعامل مع أرقام تعبر عن أفكار وآراء تكون في صورة مكممة، أي بلغة الأرقام أو الكم، ومن هنا كانت تسمية هذا الأسلوب من المعالجة في البحوث بالأسلوب الكمي ومن حسن الحظ أن وجد المعداد "الحاسب الآلي" "Calculator"، ليمد يد العون في ميادين البحث العلمي، بخاصة العلوم الطبيعية، التي استفادت منه أعظم فائدة، في اجتلاء سر الفضاء الخارجي وما يجري في المجموعة الشمسية. لقد أصبح الأسلوب الكمي يطغى على الأسلوب الكيفي، وأول هذه الإحصاءات وأعظمها أهمية الإحصاءات السكانية، التي تشمل التعداد العام للسكان وإحصاءات الأحوال المدنية والصحية والتعليمية والزراعية والأمنية وتعد هذه الإحصاءات ثروة من البيانات المكممة، يستعملها الباحثون، فهي تكون طريقة هامة من طرق البحث، تعتمد بالدرجة الأولى على الأسلوب الكمي، وذلك في إطار المنهج التجريبي، لأنها تتعلق بتجارب، أي وقائع وقعت، ومن المؤكد أن تكون هذه الإحصاءات صحيحة، لأنها المادة التي يتكون منها بناء أي بحث علمي، أو هيكل أية خطة واقعية للتنمية الاجتماعية الشاملة المتكاملة، كما أن طريقة البيانات الإحصائية تسهل عمل الباحث وتغنيه عن الانتقال إلى المجال المكاني أو الجغرافي، حيث المجال البشري الذي يتعامل معه، هذا وهناك عمليات إحصائية أخرى لا بد للباحث الاجتماعي من الإلمام الكافي

стр. 227

بها، كاستخراج النسب المئوية، وحساب معامل الارتباط واستخدام مقاييس الصدق والثبات والدلالة الإحصائية. ولقد كسب هذا الرأي في أهمية الإحصاء تقديرا وانتشارا نتيجة التفنينات الإحصائية التي ابتدعها كبار المتخصصين، وخدموا بها البحوث العلمية في مختلف الميادين بخاصة بعد انتشار الحاسب الآلي وقد ابتدع الإحصائيون وعلى رأسهم كارل بيرسن "Karl Pearson" ما يعرف إحصائيا باختبار الدلالة، الذي يكشف بدقة كافية أن متغيرين أحدهما مستقل والآخر معتمد عليه بينهما علاقة سببي، ومن فوائد الإحصاء التطبيقية، تلك الفوائد العظمى في ميدان بحوث السكان، بخاصة ما يتعلق بما يعرف بالإسقاطات السكانية، في فترات منتظمة آتية، حتى يمكن رسم أية خطة تنمية في أية دولة. ومهما يكن من أمر الأسلوب الكمي، فلا بد من التحذير العلمي بخصوص الإحصاءات بوجه عام، وعلى سبيل المثال حساب نسبة الأمية وفق مختلف الأعمار، كذلك التقديرات السكانية المستقبلية وفق الإسقاطات السكانية، ومهما كان الأمر، فما زال الأسلوب الكمي ولا يزال يستخدم في الأغلبية الساحقة من البحوث، لدرجة أصبح هناك اعتقاد بين فريق من العلماء بأن الذين يستخدمون الأسلوب الكمي في بحوثهم وهم وحدهم العلميون الذين يستطيعون إثراء العلم، ويرى العالم "جورج لاميرج" وهو كمي أن الكيفيين يشبهون قراء الفنجان. ولما كان الأسلوب الكمي ببياناته الإحصائية غير كاف وحده، لفهم الظاهرات، فقد تنبه بعض الباحثين إلى ضرورة الاستعانة بالأسلوب الكمي والكيفي، الأمر الذي يساعد على دقة التحليل وضبط التفسير، وقد فعل ذلك ابن خلدون أكثر من مرة في مقدمته، وأبرزها حينما كان يبرهن على صحة قانونه الاجتماعي "في أن البدو أقدم من الحضر، وسابق عليه، وأن البادية أصل العمران ورد لها" فهو يستخدم أولا الأسلوب الكيفي معتمدا على المسلك العقلي في إثبات العلة، أي البرهنة، ويجمع إليه البرهان الكمي بالأرقام مستخدما طريقة "الاستبار" وقد يستعمل الأسلوبين الكيفي والكمي في موضعهما المناسب، وفقا لمتطلبات البحث، مما يمكن أن نسميه المسلك التكاملي الذي أخذ به في العصور الحديثة العالم الأمريكي "بترام سوروكن"١.

стр. 228

المبحث السادس: التصميم التجريبي وقواعده تتنوع التجارب من حيث: مكان إجرائها بين تجارب معملية وتجارب غير معملية، ومن حيث مجموعات التجربة بين تجارب على مجموعة واحدة وتجارب تجري على أكثر من مجموعة، ومن حيث مدة التجربة بين تجارب قصيرة المدى وتجارب طويلة المدى. ولقد أوضحنا في موضع آخر أن التجربة هي: محاولة مضبوطة لإثبات فروض معينة وأن البحث التجريبي هو إثبات الفروض بوساطة التجريب، وإثبات الفروض هذا يتطلب تعميم تجربة أو تخطيطا دقيقا للعملية وذلك باتخاذ إجراءات متكاملة لعملية التجريب، وهذا ما نسميه بالتصميم التجريبي. يتخذ التصميم التجريبي أشكالا متعددة هي: ١- التجارب المعملية والتجارب مع الناس، أو التجارب المعملية والتجارب غير المعملية: تتم الأولى داخل المختبر أو المعمل في ظروف صناعية خاصة، تصمم لأغراض التجارب، تضبط فيه وتثبت وتعزل العوامل الخارجية، مما يمكن من إدخال المتغير التجريبي وقياس آثاره ونتائجه على المتغير التابع، وتتميز هذه التجارب بالضبط والتحكم وإمكانية التكرار، أما الثانية فالباحث يضع فرضه بوساطة تجميع المعلومات من الظاهرات الطبيعية "مجموعات من الأفراد خارج المختبر" بدلا من اصطناعها، مما يجعلها أقل دقة وأكثر صعوبة، لصعوبة ضبط العوامل المؤثرة.

стр. 229

٢- التجارب التي تستخدم فيها مجموعة واحدة من الأفراد "The one Group Method" أو أكثر: وذلك ببيان أثر عامل مستقل معين عليها، ففي الحالة الأولى يتعرف الباحث على اتجاهات أفراد المجموعة ثم يدخل العامل التجريبي عليها، بعد ذلك يتعرف من جديد على اتجاه أفراد المجموعة، والفرق بين الحالتين يكون ناتجا عن تأثير العامل التجريبي، ويمكن أيضا أن تجري التجربة مع مجموعة واحدة لمعرفة أثر حذف عامل معين عليها، بحيث يقاس سلوك الجماعة قبل وبعد حذف هذا العامل، والفرق ينتج عن تأثرها بهذا العامل. ٣- التجارب التي يستخدمها الباحث على مجموعتين: "إحداهما "تجريبية" والثانية "ضابطة" تخضع الأولى للعامل التجريبي، وتترك الثانية في ظروفها الطبيعية، على أن تكونا متكافئتين "Equivalent" ما عدا المتغير التجريبي وذلك باستخدام أحد الأساليب الآتية: ١- الأسلوب الإحصائي: ويتم باستخدام المعايير الإحصائية مثل المتوسط الحسابي والانحراف المعياري لكل عامل مؤثر في المجموعتين بشكل متكافئ، وبعد ذلك يعرض المجموعة التجريبية للمتغير التجريبي، ويبقى المجموعة الضابطة دون متغير تجريبي. ٢- الأسلوب العشوائي: يختار الباحث مجموعة الدراسة ثم يقسمها إلى مجموعتين متكافئتين بالطريقة العشوائية دون تحيز. ٣- أسلوب الأزواج المتماثلة: يختار مجموعة من الأفرد ويحلل العوامل المؤثرة في المتغير الناتج ثم يضيف كل اثنتين متماثلتين في زوج واحد. ٤- أسلوب التوائم: وهو دقيق لكنه لا يستخدم إلا نادرا، ويستخدم لإيجاد المجموعات المتكافئة على أساس أن التوائم متماثلة. ٥- أسلوب تدوير المجموعات: وفيها يقارن الباحث بين أسلوبين في العمل أو بين تأثير متغيرين مستقلين حيث يعمل الباحث على إعداد مجموعتين متكافئتين، يعرض الأولى

стр. 230

للمتغير التجريبي الأول والثانية للمتغير الثاني، وبعد فترة من الزمن، يخضع المجموعة الأولى للمتغير التجريبي الثاني والثانية للمتغير التجريبي الأولى، ثم يقارن بين أثر الأول على المجموعتين وكذلك الثاني، ثم بحسب الفرق بين أثر المتغيرين. ٦- الشكل الملائم للتصميم التجريبي: إن كل تصميم يجري يصلح لنوع من الدراسات، ولكن يمكن للباحث أن يقلل من قصور كل تصميم وذلك: بضبط العوامل والمؤثرات الأخرى عدا العامل التجريبي، وأن يكون دقيقا في تسجيل التغيرات والآثار التي تحدث نتيجة استخدام المتغير التجريبي، وقادرا على تسجيل التغيرات وتقديرها كميا، والتمييز بين المتغيرات السلوكية الناتجة عن المتغير التجريبي أو عن علوم أخرى، ونخص بالذكر الحذر من التحيز لمتغير دون الآخر١. هذا ويراعى في إجراء التجارب ما يلي: ١- أن يحاول الباحث استخدام قيم متباينة للمتغير التجريبي لمعرفة أثر هذا التباين في المتغير التابع. ٢- يمثل المفحوصون الذين سيجري عليهم الدراسات التي تتناول الظاهرات الإنسانية عاملا هاما في النتائج لذلك يجب أن يتدرب هؤلاء على بعض مواقف التجربة وذلك بأن: أ- يثير دوافع المشاركة عند المفحوصين الذين سيخضعون للتجربة. ب- أن يتدرب هؤلاء على أداء أدوارهم من خلال تعليمات معينة. جـ- أن يحافظ على استمرارية دافعية المفحوصين. د- أن يحرص الباحث من إجراء تدريبات يمكن أن تؤثر إيجابيا أو سلبيا على النتائج.

стр. 231

هـ- أن يعزل الباحث أية عوامل قد تؤثر على النتائج أثناء تنفيذ التجربة. و أن يقلل الباحث أثر اختلاط أفراد المجموعة الضابطة وأفراد المجموعة التجريبية، كي لا يؤثر اختلاطهم على دقة النتائج١. أما قواعد تصميم التجارب. فقد قام جون ستيوارت ميل، واضع كتاب "نسق المنطق System of logic" بدراسة مشكلة "الأسباب" التي يتناولها البحث التجريبي، وتوصل إلى خمس قواعد يمكن أن تفيد في تصميم التجارب والبحث عن تلك الأسباب وهي: ١- طريقة الاتفاق "Methoe of Agreement" وتشير إلى أنه إذا كانت الظروف المؤدية إلى حدث معين، تتحد جميعا في عامل مشترك واحد، فإن هذا العامل يحتمل أن يكون السبب، وقد استخدمت هذه الطريقة في دراسات عديدة، وقد تكون العوامل المسببة غير واضحة، لهذا على الباحث أن يميز بين العوامل ذات الدلالة وذات العلاقة بالمشكلة "الموت بمرض لمجموعة أفراد ينجم عن تلوث المياه" وقد يكون ناجما عن عوامل أخرى. ٢- طريقة الاختلاف "Method of Difference" إذا كان هناك مجموعتان أو أكثر من الظروف المتشابهة في كل شيء ما عدا عامل واحد فقط، وإذا حدثت نتيجة معينة عند وجود هذا العامل فقط، فإن هذا العامل موضع البحث، يحتمل أن يكون سبب هذه النتيجة، ولكن هذه النتيجة لا يمكن أن تكون قاطعة وحاسمة، إلا إذا تأكدت في حالات كثيرة جدا، ولعل معظم البحوث الموثوق فيها تتحقق في الدراسات التي تستخدم الطريقتين السابقتين. ٣- الطريقة المشتركة "Joint method" وتعني أنه يجب أن نطبق أولا طريقة الاتفاق لاختبار الفرض، ثم نطبق طريقة الاختلاف، وإذا أدت كلتاهما إلى النتيجة نفسها، فإن الباحث يكون واثقا إلى حد كبير أنه قد وجد السبب، وقد استخدم العالم باستور هذه الطريقة في تجاربه.

стр. 232

٤- طريقة العوامل المتبقية "Method of Residues" وتعتمد على أنه عندما تكون العوامل التي تسبب بعض أجزاء الظاهرة معروفة، فإن الأجزاء المتبقية من الظاهرة لا بد أن تكون ناتجة عن العامل أو العوامل المتبقية. ٥- طريقة التلازم في المتغيرات "Method of Concomitat variation" تدعو إلى أنه إذا كان هناك شيئان متغيران أو يتبدلان معا بصفة منظمة، فإن هذه التغيرات التي تحدث في واحد منهما تنتج عن التغيرات التي تحدث في الآخر، أو أن الشيئين يتأثران في ذات الوقت بسبب واحد مشترك مثال تأثير جاذبية القمر على حركة المد والجزر١، وقد حذر سيتوارت ميل من أن هذه القواعد ليست جامدة، كما أنها لا تصلح للتطبيق في جميع الحالات.

стр. 233

المبحث السابع: مراحل التصميم التجريبي يشتمل البحث التجريبي ثلاث عناصر هي: ١- الظاهرة موضوع الدراسة. ٢- العامل المراد معرفة تأثيره في الظاهرة. ٣- العوامل المتداخلة. ويتم البحث التجريبي خلاث ثلاث مراحل: ١- تحديد المشكلة. ٢- وضع الفرضية. ٣- اختبار الفرضية "البرهان" يتم بعدها ربط الفرضيات الصحيحة بعد اختبارها وإثبات صحتها بالمبادئ العامة في صورة:

стр. 234

٤- النظرية: - تبدأ هذه المراحل بملاحظة المشكلة، أو الظاهرة موضوع الاهتمام، التعرف على أبعادها وأسبابها على شكل فرضيات قابلة للاختبار، مبنية على أسس نظرية قوية، ومن ثم وضع تصميم التجربة، أي كيفية اختبار الفرضية أو البرهان عليها، ونوعها، ومكان إجرائها، يليه اختبار عينة ممثلة لمجتمع البحث، ويتم من ثم تصنيف مفردات العينة وتقسيمها إلى مجموعتين مجموعة المراقبة أو المجموعة الضابطة، والمجموعة الثانية يتم تعريضها للتجربة، مع تحديد وسائل التجريب المناسبة، بعد القيام بتجربة أولية للتأكد من صحة ودقة أسلوب القياس، وما يجب أن يقاس أثناء التجربة، وصولا إلى القيام بتنفيذ التجربة، كما يتم التخطيط لها والحصول على البيانات المطلوبة، والمعبرة عن فرضيات التجربة فعلا وتحليلها وصولا للنتائج التي تم استخلاصها١. وبهدف المقارنة نذكر أننا أشرنا إلى أن أسلوب بيكون كان أسلوبا استقرائيا وليس استنتاجيا، وقد أوضحه في مؤلفه "الأداة الجديدة للعلوم" حيث بين المنهج التجريبي وخطواته، وبين أن على الباحث أن يجمع الحقائق التي تعتبر أساس المنهج الاستقرائي ومادته، كما بين أن هناك مرحلتين للبحث أولادهما مرحلة التجريب والثانية مرحلة اللوحات أو تسجيل التجربة، وهي مجرد مبادئ وملاحظات، اقتدى بها من جاء بعده من الباحثين مثل جون ستيوارت ميل وكلود برنارد اللذين نضج على أيديهم المنهج التجريبي وثبتت دعائمه. تشمل مرحلة التجريب لدى بيكون بعض الجوانب وأهمها: أ- تنويع التجربة: أي تنويع الظروف التي تمر بها التجربة، أو المواد التي تنتج عنها ظاهرة معينة. ب- إطالة التجربة: وذلك أن يستمر الباحث في جعل المؤثر ينتج أثره في الشيء المتأثر حتى يعلم هل يغير ذلك في طبيعة المتأثر، أو أن ذلك ينتج ظواهر جديدة.

стр. 235

ج- نقلة التجربة: أي أن يحاول الباحث نقل ما طبقه من إرشادات في تجربة معينة، على تجربة أخرى أو فرع آخر من العلوم١. أما مرحلة تسجيل اللوحات أو تسجيل التجربة: فقد قصد بها بيكون الحضور والغياب وتفاوت الدرجات، ففي اللوحة الأولى "لوحات الحضور" يسجل الباحث كل الظروف التي تبدو فيها الظاهرة، وفي اللوحة الثانية يسجل فيها الباحث كل الظروف التي تختلف فيها الظاهرة، لتخلف ظرف أو لسبب من الأسباب، وفي اللوحة الثالثة يسجل تنوع الظاهرة والأحوال التي تحدث فيها على درجات مختلفة. أما الخطوة التالية للبحث، فيرى فيها بيكون مقارنة ما تم تسجيله في اللوحات الثلاث لاستخلاص الخصائص للظاهرة موضوع الدراسة، ثم يقوم بالتحقق من النتائج لإثبات مدى صحتها وخطئها، فالنتائج الأولى هي مجرد فروض علمية، لا بد من اختبارها حتى يتأكد الباحث من صحتها لتصبح قاعدة أو قانونا٢.

стр. 236

المبحث الثامن: صياغة الفرضية من أجل التجريب إن غاية كل مجرب هي اختيار الفرضية، لهذا فإن طريقة قيادة البحث تتوقف على كيفية صياغة الفرضية، وبعض البحوث تكون صياغة الفرضية فيها ظاهرة، وبعضها يذكر الوجوه الكبرى للفرضية، وتظهر الوجوه الأخرى في تصميم التجربة أو خطتها. وبهدف أن تكون الفرضية ممكنة الاختبار، يجب صياغتها بشكل محدد، وأن تكون المصطلحات الأساسية محددة أيضا، قبل التجريب الفعلي، ومن الممكن أن تكون الصياغة محددة بشكل لا يمكن من الاختبار وذلك لأسباب عملية حينئذ تعاد صياغة الفرضية ليسهل التجريب الفعلي دون أن نمس جوهرها. ومما يجب ذكره بيان هوية الظاهرة المقصودة بالبحث إذا أردنا للفرضية أن تكون

стр. 237

كاملة، وهذا ليس شرطا خاصا نفرضه على الفرضية من الخارج، إن تحديد الظاهرة المقصودة بالبحث جزء هام، وقد يكون التحديد ضمنيا، الجملة الشرطية الموجودة في الفرضية لدى صياغتها صياغة كاملة، وأي توضيح يرد في الصياغة يجعل الفرضية أدق، فبعض الفرضيات عن السلوك مثلا، يقصد بها أن تنطبق على جميع المخلوقات الحية، ولكن الأكثر شيوعا هو الفرضيات التي تنطبق على جماعة خاصة "الأطفال" أو "طلبة الجامعة" وقد يكون التحديد ضمنيا لا صريحا. هناك أخطاء ترتكب عادة في البحوث العلمية من مثال أن الفرضيات التي تتصف بالعمومية لا يمكن اختبارها على فئة معينة فقط، ولكن العديد من ميادين البحث يمكن فيها استعمال هذه الفئة المعينة للدلالة على العموم، وفي كثير من البحوث لا تذكر التقارير عن بحوث الجماعة المقصودة بالبحث بصورة رسمية وصريحة، ولكنها تكون مذكورة بصورة ضمنية، وذلك حينما تذكر المجرب عليهم وتصفهم، هذا ونشير إلى أن كثيرا من البحوث يكون مصاغا بصورة عامة، ودون تحقيق دقيق للمصطلحات، حينئذ يعتمد المجرب على الوصف للعملية المستعملة في إعلام القارئ بتعريفاته الإجرائية التي يعطيها للمصطلحات التي استعملها في صياغة المشكلة، وعلى هذا فإن التقرير المقدم عن البحث كثيرا ما يحوي فرضيتين: الأول: مذكورة بشكل واسع فضفاض والأخرى مختبرة بطرائق محدودة، فإذا صحت الثانية أكد صحة الأولى ويجب أن تعكس النتائج التي تعطي، العلاقة الخاصة التي اختبرت وجربت، وليس العلاقة العامة التي صيغت في الفرضية الأصلية، وبهدف تجنب خطر المبالغة في التعميم استنادا إلى الاختبارات الخاصة، فإن القاعدة الصحيحة هي صياغة الفرضية بشكل محدد بالدرجة الأولى، وتعريف كل مصطلح تعريفا إجرائيا بعد ذلك. ذكرنا في موضع آخر وجود محددات عديدة لتفسير ظاهرة ما، وقياس هذه الظاهرة هو وظيفة ناتجة عن كثير من المتحولات الحرة، وحينما نقوم باختيار فرضية بوساطة تقليب متحول فرد من هذه المتحولات، فإن عددا من الافتراضات يفترض، وذلك بخصوص أثر المتحولات الأخرى، التي يمكن أن تؤثر في الإنجاز الحاصل، ونلاحظ أن هذه الافتراضات تجرب بصورة متزامنة بالنسبة للفرضية الأساسية التي طرحت للتأكد من صحتها١.

стр. 238

المبحث التاسع: مشكلة التصميم والتفصيلات الإجرائية للتجربة أ- مشكلة تصميم التجربة: تتجسد مشكلة تصميم التجربة في أمرين رئيسين: ما تمليه التجربة وما يقرره المجرب. ١- العوامل التي تمليها التجربة وتشمل: المجرب عليهم والمتحولات الحرة، والمتحولات التابعة أو التوابع: حين تحدد الفرضية من أجل وضعها موضع الاختبار، لا بد من تحديد الجماعة التي تنطبق عليها الفرضية، في حين أن الفرضيات السلوكية حينما تصاغ صياغة واسعة، توهم بأنها تنطبق على أنواع عديدة من المجرب عليهم، وفي تقارير التجارب التي قد يقرؤها القارئ، قد لا نجد ذكرا لجماعة خاصة من المجرب عليهم، لكننا لا نكاد نمضي في قراءة التقرير حتى نجد مثل هذا التحديد أو نستخلصه. إضافة إلى تحديد الجماعة التي تنطبق عليها الفرضية، تشمل الفرضية بدورها على تحديد للمتحول أو لعدد من المتحولات الحرة، التي لا بد من تقليبها من أجل السير في التجربة وتنفيذها، وقد لا يكون للمتحول الحر أكثر من بعد واحد، أما في المتحولات التابعة، فإن التعريف الإجرائي يضيف مزيدا من التحديد للفرضية التي تختبر، لكننا قد

стр. 239

نحصل على نتائج سلبية للفرضية التي نختبرها علما أن الفرضية العامة ما تزال صحيحة، وذلك بسبب ترجمتنا لمصطلحاتها إلى تعريفات إجرائية. ٢- العوامل التي يقررها المجرب: وتشمل تصنيف المجرب عليهم وتصنيف الشروط، ففي الحالة تصنيف المجرب عليهم وتصنيف الشروط هناك ثلاثة إمكانات: أن يقارن المجرب بين شرطين مختلفين، أو قيمتين مختلفتين للمتحول الحر نفسه، والمشكلة هي إذا كان من الواجب تطبيق الشرطين على نفس الفريق من المجرب عليهم أو على فريقين مختلفين، فإذا أخذنا بالحالة الأولى "نفس الفريق" يكون الإنجاز الذي يحققه الشخص تحت شرط ما ممكن المقارنة مع إنجازه تحت الشرط الآخر، كما أن مقارنة متوسط الفريق تحت كل شرط من الشرطين أمر ممكن أيضا، لكن مقارنة الشخص مع نفسه أمر مستحيل، ومقارنة متوسطي الفريق هو الاختبار الطبيعي للفرضية وهي الإمكانية الثانية. أما الإمكانية الثالثة فهي تصنيف المجرب عليهم، وهي إخضاع المجرب عليهم لاختبار مبدئي ثم تصنيف الأشخاص في أزواج متعادلة على أساس من إنجازهم، ثم يعين المجرب أفرادا من كل زوج لكل مهمة بصورة عشوائية، وبدلا من مقارنة متوسطي الفريقين يمكن مقارنة الإنجازات الفردية ضمن الأزواج المتعادلة حيث يبين أثر المتحول الحر، هذا وهناك متحولات أخرى في الوضع التجريبي، يمكن أن تتخذ قيما خاصة في رأي المجرب، إضافة إلى المتحول التجريبي الذي تفرضه الفرضية التي يختبرها. أما عدد المحاولات ومدة التجريب فهناك أمور يجب الالتزام بها، أولها مدة الجلسة التجريبية بحيث تسمح للمتحول الحر بالتأثير على المتحول التابع، وثانيها أن يقاس التقدير عددا من المرات أو خلال مدة من الزمن، تكفي لإعطاء تقدير يعتمد عليه، وثالثها ألا تكون مدة الجلسة طويلة لدرجة تسبب التعب أو الملل، بحيث يؤثران على

стр. 240

الإنجاز ومن الأفضل تقسيم المدة بين عدد من المحاولات بدلا من قصرها على محاولة واحدة طويلة، وفترة الاستراحة التي تفصل بين المحاولات المختلفة تساعد في منع ظهور التعب أو الملل، كما أن المقارنة بين إنجاز وآخر يساعد على اكتشاف التغير في الإنجاز يحدث فيما بين الجلسات. ومن العوامل التي يقررها المجرب طريقة تقدير المثير للأمور المثيرة، مثل الكلمات أو الأشكال الهندسية، ويبدو أن طرائق تقديم الإثارة إلى المجرب عليهم يجب أن يتم اختيارها على أساس من الاعتبارات العملية فقط، كما أن صياغة الفرضية قد تملي اختيار المواد المثيرة في وجه من وجوه التجربة، ولكن بإمكان المجرب اختيار مواده وانتقاء المثيرات وبعدد كاف. ومن هذه العوامل أيضا قياس الاستجابة، حيث يحدد المتحول التابع الذي تحدده الفرضية يحدد قياس السلوك المطلوب في تجربة سيكولوجية، والمبدأ الهام في القياس طريقة القياس، يجب ألا تتدخل تدخلا لا لزوم له في الاستجابة المقيسة. هذا ولا بد من الإشارة إلى إرشادات المجرب نفسه، وهي الاطلاع على البحوث السابقة عن المشكلة نفسها، والتي استهدفت اختبار فرضيات مشابهة، وكذلك الإرشادات التي يستمدها المجرب من الدراسات القائمة، عن بعض محددات السلوكية ذات العلاقة بالدراسة، والتي تقدم إرشادات ثمينة في تصميم التجربة، ومن البديهي أننا في معظم الأحيان لا نجد الأجوبة الدقيقة في الدراسات السابقة، ولكننا نجد نتائج تجريبية ذات أهمية نستعين بها في بحثنا. نشير أيضا إلى إلمام المجرب بمعلومات عن العمليات السلوكية والتحليل الإحصائي للمعلومات وهناك اعتبارات عملية ذات أهمية كبيرة، وهي المهارة في مداورة الصعوبات العملية دون أن يعرض المجرب اختبار الفرضية للخطر، وهو هدفه المنشود١.

стр. 241

ب- التفصيلات الإجرائية: بحثنا الخطوط العريضة لتصميم التجارب، ونمعن النظر هنا في الأوضاع المخبرية: ١- قيم المتحول الحر: تتنوع العوامل التي تبدو كمتحولات حرة في البحوث، وينوع المجربون أمورا من مثل شدة المثير، الوقت المسموح به للعمل، تعقد المشكلات المطلوب حلها، لهذا هناك اعتبارات توجهنا في انتقاء بعض القيم الكمية الخاصة للمتحولات الحرة، وذلك لاستعمالها في تجربة ما. لننتخب متحولا حرا من أجل دراسته، ونختبر قيما مختلفة له، لأنها ستؤثر في الإنجاز بصورة متباينة، وإذا كنا نتوقع أن مثل هذا الفرق سيظهر في القياسات التي تكون للمتحول التابع، فمن الضروري أن نختار قيما للمتحول الحر تكون هي نفسها متباينة بمقدار ينتج فروقا بينة في السلوك، أي ينتج أثرا ذي معنى. وبالرغم من ضرورة تنويع قيم المتحول الحر، تنويعا يكفي لإظهار أثرها في الإنجاز، فإنه من واجبنا عدم المبالغة، حتى لا نفقد العلاقة التي ندرسها، وخير ما يرشدنا إلى تعيين القيم التي نعينها للمتحول الحر في دراسة ما، قد ينجم عن تعرفنا على البحوث السابقة للظاهرة السلوكية نفسها، وهو أمر يلجأ إليه في كثير من تخطيطات البحث وذلك أنه من الممكن أن يكون عدد من هذه القيم كان قد استعمل في تجارب سابقة، وإذا كنا نغير بعض الشروط نعيد التجربة نفسها، فقد نختار القيم ذاتها التي كان قد استعملها المجرب السابق بحيث أن تجربتنا ونتائجها تصبح ممكنة المقارنة مع تجربته ونتائجها، أما إذا كنا نعمل على إقامة علاقة وظيفية بين المتحولات الحرة والمتحولات التابعة فقد نختار قيما وسيطة بالنسبة للقيم التي استعملت سابقا، وذلك من أجل أن نحدد الوظيفة الحسابية لهذا التتابع من القيم. ٢- المجرب عليهم: تبدأ البحوث السيكولوجية بأن يطلب الباحث من المجرب عليهم التعاون معه وتقبل تعليماته، ويعود هذا إلى إمكانية الباحث من صياغة

стр. 242

التعليمات، وفي مقدمتها التشويق للإسهام في التجربة، وإثارة روح المنافسة بين المجرب عليهم، أمر آخر هو ضرورة وضوح التعليمات ودقتها كي تكون النتائج صحيحة، والتأكد من استيعاب المجرب عليهم التعليمات لا أن يتظاهروا بذلك آملين أن يفهموا التعليمات من خلال ممارستهم للعمل المطلوب، وقد يستدعي الأمر تكرار بعض النقاط الهامة، بخاصة التعليمات التي تتطلب أعمالا مغايرة للعادات المألوفة، ومن المناسب تكرار لك قبل بداية التجربة. إضافة إلى التعليمات التي تعطي عادة قبل بداية التجربة، قد يكون من المفيد أحيانا إعطاء التعليمات أثناء القيام بها، وبعد مرحلة معينة منها، مما يعمل على إعادة تشويق المجرب عليهم، وكثيرا ما يفيد في تنفيذ التجربة تغيير أوقات التجريب، وإعطاء تعليمات إضافية من أجل زيادة تبصر المجرب عليهم فيما يقومون به، هذا وهناك طرائق أخرى في إعطاء التعليمات سوى التعليمات الشفوية وذلك كالطرائق الكتابية مما يكون له الأثر الملموس في تشويق وتعزيز وإطلاع المجرب عليه على مدى حسن قيامه بالعمل. ٣- تسيير التجربة: وهو أمر على جانب كبير من الأهمية، وأهم وجوهها: التدريب المبدئي للمجرب عليهم وإعطائهم بعض الاقتراحات التي تساعدهم على القيام بمهمتهم، على أن لا يؤثر هذا التدريب في النتائج، وكثيرا ما يلجأ إلى تسجيل نتائج التدريب المبدئي وحسبانها في التحليل الأخير إذا لزم الأمر، هذا وللتدريب المبدئي أهمية في صياغة الفرضية، إذ إنها تتطلب جمع معلومات من المجرب عليهم. أما الأمر الثاني فهو عزل المثيرات غير المرغوب فيها، وهو أمر شائع معروف في كثير من البحوث، وذلك على اعتبار أن هدف هذه البحوث هو في الأعم الأغلب تبيان أثر مثير ما في الإنجاز، لذلك فإن من واجب المجرب أن يحرص على أن لا يؤثر في النتائج إلا المثيرات المدروسة، وهذا أمر تحرص عليه الدراسات التي تتناول العمليات الحسية الإدراكية بخاصة وكل الدراسات السلوكية بعامة١.

стр. 243

المبحث العاشر: مرحلة النظرية عرّفنا في موضع آخر النظرية بأنها "أفكار مرتبطة ومنظمة تساعدنا على تفسير مجموعة من الظاهرات المعروفة أو المرصودة وتصلح لأن تكون أساسا للتوقع أو التنبؤ". هناك منهجان يمكن بهما التوصل إلى صياغة النظرية، أولهما أن نبدأ بالحقيقة، التي نرصد الواقع كما هو من مشاهداتنا وتجربتنا، وكل ما نتوصل إليه بحواسنا، ثم نحذف التفاصيل لنصل إلى الحقائق المصفاة. ونحصل على الإجابات المطلوبة، وهذا ما نطلق عليه "التجريد" وقد أطلق على هذا المنهج المسلك الاستقرائي. والمنهج الثاني ويطلق عليه الاستنتاجي، ويبدأ بأن نفترض تنظيما مثاليا نقوم ببنائه بأنفسنا، وهو عبارة عن تصورنا لما ينبغي أن يكون عليه سلوك الظاهرة، وبعد هذا البناء الفكري والنظري للمسألة، نبدأ بالمقارنة مع واقع الحال، ويلزم في هذه الحالة إجراء التعديلات المناسبة، حتى يتم التلاؤم والتطابق بين تنظيمنا الفكري التصوري والحقيقة، ولتوضيح الأمر نقول: إن هناك فرقا بين الطريقة التي نفرض بها النظرية بمجرد صياغتها، وبين الطريقة التي نشرع فيها بعمل النظرية وإيجادها. وبهذا التوضيح نشبه النظرية بالخريطة: ترسم الخريطة طبقا لمبادئ كوتوغرافية معينة، منها المحافظة على استعمال الرموز نفسها على الخريطة بصرف النظر عن اختلاف الأمكنة، والخريطة في حد ذاتها نظام يقوم على التجربة "مجموعة خطوط وعلامات وألوان وإشارات ورموز" إذن فالخريطة على هذا النحو عبارة عن نظرية بدون نص. من الطبيعي أن يكون تفسير الخريطة عن طريق عمل مفتاح لها يكون بمثابة الدليل أو التفسير لرموز الخريطة واصطلاحاتها، ويجب أن يبين هذا المفتاح ماهية الإشارة والألوان والرموز، وهكذا ... كما يبين دلالة هذه الخريطة والشيء الذي تمثله، وأما المقياس والموقع والمسقط والاتجاه فكلها أمور هامة تخبرنا عن ميدان الخريطة بنفس

стр. 244

الطريقة التي يخبرنا بها النص الصحيح المضبوط ميدان النظرية، فالنظرية بدون نص كامل كالخريطة بدون مفتاح كامل، وعدم الكمال هذا يحد ويقلل من الاستفادة من الخريطة والنظرية، فمن الخطورة مثلا أن نقوم بحساب المسافات الحقيقية بين الأماكن من الخريطة، إذا لم نكن نعرف المسقط الذي استخدم في رسم الخريطة، كذلك من الخطورة عمل قياسات للواقع من النظرية، إذا لم نعرف الأساس الذي قامت عليه النظرية، ومما يؤسف له حقا أن كثيرا من النظريات في مختلف العلوم الاجتماعية تعاني من نقص واضح في مثل هذه الأمور، مما يجعلها عاجزة عن أن تقوم بالتوقع والتنبؤ اللازمين١. تتشابه أغراض الخرائط والنظريات، فالخريطة نستخدمها لتخزين المعلومات ومدنا بها، كما تستخدم لعمل التوقعات ولتحليل الروابط بين الأشياء والظاهرات، وهذا القول ينطبق أيضا على النظريات، وكما نستطيع أن نشتق من الخريطة بعد رسمها عددا من النماذج، ونقتطف منها معادلات رياضية تلائم اتجاهات السطوح والكونتور، ونترجم المعلومات إلى وسيلة أخرى لغرض التحوير كي نحصل على النموذج النظير، أي نحاول استعمال الخريطة بكاملها، والنظرية كلها لأنها أشمل تعبيرا للواقع كله٢. هذا وقد لا تكتمل النظرية حينما تشرح جزءا من الأدلة وتفشل في شرح أجزاء أخرى، لهذا لا تعتبر النظرية كاملة إلا إذا كانت قادرة على شرح جميع البيانات والحقائق التي تمت ملاحظتها، والنظرية المفضلة هي النظرية التي تحتوي أقل قدر ممكن من التعقيدات والفروض، أي أن النظرية الأفضل هي تلك التي تفسر أكبر قدر من الحقائق التي يمكن ملاحظتها دون تعديلات "Revision" للنظرية، وعرفت هذه الفكرة فيما بعد في مجال البحوث العلمية بقانون الاقتصاد والتركيز في المعرفة "The

стр. 245

Low of Parsimony" وأخيرا فإن النظرية السليمة هي التي تفتح أبوابا جديدة كانت مغلقة من قبل. هذا ويركز القائمون بالبحوث البحتة "Pureresearch" جهدهم في صياغة النظريات دون الاهتمام بالتطبيق العملي، وقد تصبح ذات قيمة عملية في حالة التطبيق، فالنظريات التي تتعلق بعلاقة الأرض بين الكواكب المختلفة، كانت أساسية في نجاح إطلاق وعودة الصواريخ التي أطلقت للفضاء إلى الأرض١. إن فرض الفروض وصياغة النظرية يدلان على تفكير سليم وبعد نظر، ويأتي هذا عن مقدرة عقلية وخبرة ومعرفة، والإبداع والجرأة صفتان للعالم الحق، ويكون الإبداع بفرض الفروض ووضع النظريات ثم دقة التجريب وموضوعيته، وبدهي بعد ذلك أن الفرضية هي بداية القانون، وأنها صياغة للعلاقات، ويترك للتجريب أن يثبت صحتها أو بطلانها، لأن النظرية تربط بين الوقائع وتصل بين الحقائق، لهذا يجب أن تكون قاعدتها واسعة من المعرفة والخبرة. ثم إن الفرضية "أو النظرية" تنبؤ وتعميم، وهي بداية لعمل جدي، ولا بد من الإشارة إلى العلاقة بين الملاحظة الصحيحة وبين جمع الحقائق المستنيرة، وبين صياغة الفرضيات، والنظريات، وبين الوصول إلى الحقائق العامة والقوانين، إن الملاحظة الذكية توصل إلى الحقائق الهامة، والحقائق الهامة تترابط في نظرية أو فرضية فعالة، والنظرية الذكية بدورها إذا بحثت بحثا دقيقا، وجربت تجريبا علميا صحيحا أوصلت الباحث إلى العلم سلبا أو إيجابا، ونشير أخيرا إلى التواصل الوثيق بين كل خطوة من هذه الخطى، وأثر كل واحدة في الأخرى، وقيمة كل منها في الوصول إلى الحقيقة إلى القانون٢.

стр. 246

المبحث الحادي عشر: تقويم منهج البحث التجريبي استخدمت العلوم الطبيعية المنهج التجريبي، وحققت بوساطته تقدما سريعا، مما دفع العاملين في مختلف حقول المعرفة الإنسانية إلى استخدام المنهج التجريبي في البحث، وقد دخل التجريب إلى علم النفس عام "١٨٧٩"، ثم عممت الدراسات التجريبية لتشمل حقول المعرفة الإنسانية، ويتميز هذا المنهج بما يلي: ١- يستطيع الباحث أن يكرر التجربة أو الدراسة أكثر من مرة، وبذلك يتأكد من صحة نتائجه ومن ثباتها. ٢- يستطيع الباحث أن يتحكم في العوامل المؤثرة ويضبطها، مما يعطي الفرصة للعامل التجريبي في التأثير على المتغيرات التابعة. ٣- يقوم هذا المنهج على الدقة في اختيار شرعية الفرضية التي تم وضعها، وعلى الباحث إبداء ملاحظاته العلمية الدقيقة عند مقارنة مضمون الفرضيات التي وضعها والوقائع أو النتائج التي توصل إليها بأسلوب تحليلي منطقي واقعي. ٤- يمتاز هذا المنهج عن غيره من مناهج البحث العلمي، بأنه يسعى أصلا للكشف عن العلاقات السببية بن العوامل المؤثرة والظاهرة محل الاهتمام. أما ما يؤخذ عليه: ١- تتم معظم التجارب في ظروف صناعية بعيدة عن الظروف الطبيعية: ٢- يحتاج إلى مهارات وخبرات عالية المستوى من الناحية العلمية المرتبطة بمعدل إنصاف من يقومون بالموضوعية والخبرة اللازمتين لإنجاح التجارب، كأهم المفاهيم العلمية المتبعة. ٣- يتطلب استخدامه إجراءات إدارية معقدة. ٤- يصعب عزل عامل معين على انفراد، لأن ذلك يجعل تحديد العلاقة بين متغير تابع ومتغير مستقل أمرا صعبا.

стр. 247

٥- يصعب التعاون مع أفراد عينة الدراسة، فيما يتعلق بضبط الأنماط السلوكية للأفراد تحت التجربة. ٦- يصعب إيجاد مجموعتين متكافئتين تماما في كل العوامل، وبذلك تتأثر النتائج بالفرضيات بين المجموعات. ٧- يصعب تعميم النتائج ومقابلتها مع الفرضيات التي قامت عليها التجربة نفسها. ٨- تتأثر دقة النتائج بمقدار دقة ضبط الباحث للعوامل المؤثرة والأدوات التي يستخدمها كالاختبارات والمقاييس، بخاصة في مجال دراسة الظاهرات الإنسانية والاجتماعية.

стр. 248

الباب الثالث: الطرائق الرياضية في البحوث العلمية الفصل الثامن: التحليل الإحصائي مدخل ... الفصل الثامن: التحليل الإحصائي Statistical Analysis تمهيد: إن الحقائق من الظاهرات التي نريد أن نبحثها، هي مادة أولية يعالجها الباحث وفق ما تقتضيه طبيعة البحث، بالتحليل والتركيب لينتهي منها إلى بيانات ثانوية يستعملها في بحثه، وأي بيانات يمكن أن تساعد الباحث في توضيح العلاقة وحل المشكلات إذا كانت تمت إلى طبيعة البحث بصلة، فهي أداة إحصائية لقياس ظاهرة ما، وقد أصبح لها في الوقت الحاضر أهمية بخاصة في مجال التخطيط لأنها تبين الإمكانات بشكل واضح، مما تحتاج إليه الدراسات العلمية الحديثة. تتعدد وتتنوع مصادر الإحصاءات، منها المحلي ومنها الإقليمي ومنها العالمي التي بها نهضت عدة هيئات دولية، وهناك مصادر إحصائية ميدانية وهي التي تتصل بموضوع البحث مباشرة، وينتهي إليها الباحث من خلال الأعمال الحقلية أو الميدانية "Field Work" تضع الباحث وجها لوجه أمام الظاهرات التي يقوم بدراستها، ويتمكن بوساطتها من صحة المعلومات التي يجمعها. ينظر إلى الإحصاء على أنه فرع من فروع الرياضيات لأنه يستعين بلغتها الرمزية وينحو نحوها المجرد، ويستخدم أساليبها وتقنياتها المتعددة في الموجودات الواقعية، وقد وجد أصلا للتعامل مع المعطيات التجريبية، بل هو تطوير خاص للنظرية الاستقرائية،

стр. 249

لهذا كان التداخل في معنى كلمة الإحصاء، وقد أصبح أداة لا يستغنى عنها في البحوث العلمية لمرونته ودقته ووضوحه وموضوعيته في النتائج. كان في مراحله الأولى وصفي الطابع أي جمع وتصنيف وتلخيص وعرض وتمثيل، ثم أصبح استدلاليا، أي استخراج النتائج عن المجتمع الإحصائي، وتلا ذلك ظهور النماذج الرياضية، ونشير إلى المنهج الإحصائي والمنهج العلمي هما تسميتان لمسمى واحد، بحيث تتلخص الطريقة الإحصائية بالآتي: ١- تحديد المشكلة. ٢- جمع البيانات اللازمة. ٣- تصنيف البيانات وترتيب أو تجميع المعلومات. ٤- عرض وتمثيل المعطيات في جداول أو رسوم بيانية. ٥- تحليل المعطيات أو تفسير النتائج. وعلى كل باحث أن يلم بشيء من لغة الإحصاء، حيث تمده بوسيلة فعالة لوصف البيانات الرقمية والمعلومات التي تجمعت أثناء الدراسة فهي أداة أساسية للقياس والبحث والتعرف على درجة دقة البيانات والمعلومات والنتائج التي توصل إليها البحث وتستخدم الطرق الإحصائية بفعالية بالنسبة للمواد ذات الطبيعة الكمية، ويحتل مكانة هامة في البحوث الاستقصائية "المسح أو العينة" حيث يمثل مكانا بديلا من التجربة المضبوطة، وهو مهم أيضا بالنسبة لمناهج البحث الأخرى، ويلجأ معظم الباحثين في الوقت الحاضر إلى استخدام الحاسوب للمساعدة في عملية التحليل، ومن أهم البرامج الإحصائية التي تستخدم في هذا المجال برنامج "SPSS" وبرنامج "SASS".

стр. 250

المبحث الأول: جانب من علم الإحصاء: نظرية الاحتمال "probability Theory": تعتمد المعادلات والطرق الإحصائية بعامة على نظرية أساسية، وتعتمد هذه النظرية بدورها على ملاحظة ما يمكن أن نسميه بقانون المصادفة "Law of chance" أو الاحتمال، والاحتمال هو حدوث شيء، أو حدث معين تحت ظروف معينة، وهذا هو محور نظرية الاحتمال، ورغم أن نظرية الاحتمالات لها استخدامات عديدة وهامة في البحث، ولكن هناك تجارب عديدة لا يمكن شرحها وتفسيرها كمجرد نتائج مصادفة، ولقد كان بليس باسكال "Blais Bascal" من أوائل رواد نظرية الاحتمالات ودراستها بشيء من التفصيل، كان عالم رياضيات شهيرا، وقد لاحظ وجود دراسات بل ملاحظات قليلة سبقته في هذا المجال على يد أرسطو وكيبلر وجاليليو، وتبادل الرأي مع عالم الرياضيات الفرنسي المعروف بييردي فرمات "Pierre d fermat" في هذا المجال وسجل باسكال أفكاره بوساطة حساب الاحتمالات في مؤلفه "Treatise on The Arithmetical Triangle" الذي نشره عام "١٦٦٥" ومضى العلماء بعده لمزيد من الدراسات والبحوث. لقد أصبحت "قوانين الصدفة" أو الاحتمالات، ذات أهمية بالغة في مراحل عديدة من الحياة المعاصرة، من مثال عمل شركات التأمين، حيث تعتمد على تحليل سجلات وإحصائيات الوفيات، بهدف اكتشاف الأعمار المختلفة التي يموت عندها الناس، ثم تحسب الشركة الفرص النسبية للوفيات في مختلف مستويات الأعمار، وبالتالي تستطيع أن تحدد أقساط التأمين التي يجب تحصيلها من العميل، ومثال آخر: يستعين المدرس بالإحصاء لتصنيف علامات الطلاب المختلفة وتصحيح أوراق امتحاناتهم، وطبقا لنظرية الاحتمالات يستطيع المدرس أن يعرف أن الطالب المتوسط "Average" سيحصل على علامة متوسطة "Middle"، وأنه سيكون في الصف الدراسي العادي كثير من الطلاب الذين يحصلون على علامات متوسطة "Average"،
следующие страницы →