المبحث الأول: تعريف النموذج
لم يتفق العلماء على تعريف واحد يحدد به مفهوم النموذج، بل وضعوا تعريفات مختلفة يتفق واحدها مع وظائف النموذج واستخداماته وتطبيقاته، وقد قام تشاور "Y. R. choa" في سنة "١٩٦٢" بتجميع عدة تعاريف أهمها أن النموذج عبارة عن:
- إطار مرجعي، وصف لشيء ما، نظير أو شبيه، منهج مقترح للبحث، تمثيل دقيق للشيء المطلوب دراسته، عرض موجز للحالة قيد الدراسة، الإطار العام الذي به نصف الموضوع، صورة تبين كيف يعمل النظام، نظرية تفسر تركيب أو بنية شيء ما١.
وتعاريف أخرى تقول: النموذج تمثيل للواقع يحاول تفسير ظاهرة من ظواهر هذا الواقع، وهو أبسط منه لكنه قريب من كماله لدرجة يحقق معها الهدف الذي بني من أجله.
- ضرورة منطقية ووسيلة تفسيرية تساعد على استخلاص النتائج الصحيحة، تصغير للحقيقة، في صورة بسيطة متلاحمة تستمد أصولها من الحقيقة، تمثيل مبسط للظاهرة، وشامل لها في آن واحد.
стр. 282
ينطوي النموذج العلمي على:
١- الملامح العامة كما انطبعت في ذاكرة الباحث.
٢- الصورة التي يستحضرها الباحث في ذهنه، التفكير في النموذج أو الأصل.
٣- الكلمات التي تعبر عن المفهوم الذي يمثله النموذج.
٤- ما ينطوي عليه المفهوم من مسلمات ومبرهنات.
٥- ما يرافق البحث المفهوم أو عرضه من رسوم هندسية وأشكال.
٦- العلاقات الرياضية التي ينطوي عليها مفهوم النموذج.
٧- مجموع العناصر المادية والمركبات التي يتكون منها النموذج.
ولما كانت الغاية من النموذج هي فهم العالم الخارجي من أجل ربط الأسباب بالمسببات فإن ما يكفينا من النموذج هو إمكانية التنبؤ الدقيق، وعندها قد لا يبقى حاجة إلى الخوض فيما ينطوي عليه النموذج إلا من أجل تحسينه أو إنشاء نموذج أفضل.
تتيح النماذج للباحث فرضا يقابله بالواقع، وقد تنهض النماذج على أساس من النظريات أو القوانين أو المعادلات، والتي تمثل خطوة تتيح للإنسان اختبار مدى صحتها، واستنباط نظريات أو تعميمات أو مبادئ عامة.
ويتضح من هذا أن النموذج سابق للنظرية، يستخدم مقدمة للوصول إليها، للفرضية، ويساعد الباحث على الاستنتاج، على أن تفترض علاقة تمثيل أو ارتباط بين بعض المظاهر في الواقع، وبين النموذج الذي نطلق عليه في هذه الحال بالشبيه أو النظير.
هذا وتعمل الدراسات العلمية الحديثة في دراسة الظاهرات المختلفة على الاستعاضة عن الظاهرة المدروسة بما يسمى بـ "نموذج الظاهرة"، إذ أن استخدام النماذج يمثل صياغة سهلة للظاهرات، يسهل استعمالها ورصدها وضبطها والسيطرة عليها وعمل استنتاجات فيها، وهذه بدورها يمكن إعادة تطبيقها على الظاهرة الحقيقية لمعرفة مدى صدقها وانطباقها على الواقع والخروج بعد ذلك بقوانين وأحكام عامة.
стр. 283
المبحث الثاني: بناء النموذج
يتم بناء النموذج بطريقتين:
١- إن استقراء الحقائق لا يبني نموذجا، بل يساعد على إدراك أمور قائمة لم نكن ندركها أو نلتفت إليها، لهذا يتم بناء المنوذج بتحديد المشكلة وبافتراضه وتجري التجارب للتأكد من صحته، ومن مقدرته على التنبؤ فإذا نجحت التجارب كان للنموذج ما يؤيده، وإذا أخفقت فسرعان ما يطرح النموذج جانبا، أو نعدله ليصبح أقدر على التنبؤ، إذ أن النموذج العلمي عرضة للمراجعة والتعديل أو التبديل والتغيير. وهذه هي طبيعة العلم، وإذا كان وضع النموذج ليس له طريقة واضحة، فإن اختباره وقياس مقدرته على التنبؤ وتغيير المعرفة العلمية التي تتبع بخاصة، كلها أمور تسير على منهاج معين هو طريقة لاختبار نماذج تم إعدادها على أيدي عالم موهوب، هذا المنهاج هو نفسه ما نسميه بالمنهج العلمي، الذي بوساطته يتم التحقق من صحة النموذج، أي مقدرته على التنبؤ وذلك بالاستقراء والاستنتاج١.
٢- أما الطريقة الثانية: فإن النموذج فيها يبني من واقع الحياة نفسها، وذلك عبر مراحل تبدأ بالتصميم والتبسيط وتنتهي بالنموذج نفسه.
هذا ومن الطبيعي أن ليس كل النماذج التي يقوم الباحث ببنائها، ويستخدمها في معرفة معينة هي نتاج الملاحظة والمشاهدة، بل قد يقوم الباحث بالاستفادة من علوم أخرى لها صلة بتخصصه، قد تؤدي في بعضها إلى تطوير البحوث من بحوث أسلوبها وصفي إلى بحوث أسلوبها علمي منظم من مثال: استعانة الباحث الجغرافي خلال بحثه
стр. 284
عن الهجرة بقانون نيوتن للجاذبية الأرضية، وإنشاء مجموعة من نماذج الجاذبية "Gravity Models"، وكذلك من علم الاقتصاد نماذجه١.
نشير إلى نموذج النماذج الذي قام ريتشارد تشورلي في سنة "١٩٦٤" بعمله، وفيه يشرح الطرق التي يمكن بها استخدام النماذج في العلوم المختلفة بعامة والجغرافية بخاصة، وهذا النموذج على شكل رسم انسيابي "Flaw Diagram"، يتألف من عدة خطوات متتابعة، تتصل ببعضها بوساطة حلقات أو محولات ستة "Transformation" وكل خطوة من هذه الخطوات تحتوي على بعض مظاهر من الواقع "أو العالم الحقيقي" بدرجات متفاوتة من التجريد "Abstraction" "واقع، ونموذج، ورصد، وخاتمة" ويتم عدة أنواع متتابعة من المعالجة التحليلية في الحلقات أو المحولات الموصلة بين الخطوات السابقة "معالجة مثالية ومعالجة رياضية، تفسير إحصائي ... وهكذا" وبهذه المعالجة يمكن السيطرة على النموذج ورفع المستوى الاستنتاجي تدريجيا، فمثلا تكون المعالجة المثالية نظرية صرفة وافتراضية بحتة، تليها درجة من المعالجة وهي رياضية ويأتي بعدها التفسير الإحصائي وهكذا.
أما مراحل عمل النموذج: فإن أول مرحلة هي التجريد أي تحويل جزء من العالم الحقيقي "الواقع" للظاهرة التي يراد دراستها، إلى أولى مراحل النموذج، ويحتاج هذا إلى مجهود كبير، فهي أصعب خطوة في بناء النموذج وتكمن الصعوبة في عملية التبسيط بحيث يجب في هذه العملية المحافظة على جزء من الواقع، حتى يظل النموذج معبرا عنه، ويعني التبسيط التخلص من كثير من البيانات وفيض المعلومات المتشابكة، حتى تتلاءم البيانات مع بعضها وتشكل نمطا قائما بذاته، يسهل إخضاعها لمزيد من التحليل والتعليل، ويتم ذلك بوساطة أمور كثيرة تتوفر في الشخص: الحدس، الحظ، المعرفة، الخبرة، المهارة، القدرة الخلاقة.
стр. 285
يطلق على هذا النموذج اسم "النموذج المفهومي" أو "النظري"، ومن ميزات هذا النموذج احتواؤه على بعض الأسس والنظم التي أمكن رصدها ومشاهدتها، كما يحتوي على تصور عقلي للواقع، يأتي نتيجة معرفتنا التجريبية، وبوساطة الحدس أو التصور أحيانا، وأحيانا يسلك باني النموذج طريقا مختصرا دون أن يمر في المراحل الأخرى، فيصل بوساطة الاستنتاج المباشر إلى فروض أو نتائج عن الواقع، وإذا قومت هذه تقويما ناجحا على ضوء الحقيقة، فمن الممكن أن تكون أساسا لنظرية هامة.
إن النموذج السابق المفهومي أو النظري معقد ولا يصلح للعملن لذلك يبسط باستبعاد الكثير من البيانات التي يمكن الاستغناء عنها، حتى نصل إلى تجريد دقيق، ولا يبقى إلا من هو ضروري، يمثل المظاهر الجوهرية للموضوع أو المادة، وينتج عن ذلك نموذج مبسط، ونموذج إسحاق نيوتن في الجاذبية مثلا ناجحا، في هذا الصدد "إن الجذب بين جسمين يتناسب تناسبا طرديا مع كتلتيهما، وتناسبا عكسيا مع مربع المسافة بينهما" ولا بد من الإشارة إلى أنه كلما زدنا في تبسيط وتجريد النموذج بعدنا عن الواقع والصدق وبالتالي يصبح قليل الفائدة.
تظهر في النموذج المبسط خصائص هامة بوضوح، أهمها تركيب أو بنية الظاهرة أو المكان، والعلاقات بين عناصره المختلفة، وهذا يمكننا من استخدام النموذج في معرفة التوقعات والتنبؤات، ومتابعة هذا الاستخدام.
стр. 286
المبحث الثالث: أنواع النماذج واستخدامها
لعل "أكوف" "R. L. Ackoff" و"جوبتا" "S. K.Gupta" و"ميناس" "J. S. Minas"، خير من شرح للباحثين طرق استخدام النماذج١ وقد قسموا النماذج إلى ثلاثة أنواع: تتميز عن بعضها باستعمال المواد: ١- الأيقوني "Iconic", ويستخدم نفس المواد ولكن بمقياس متغير.
٢- النظير أو الشبيه "Analogue" ويتضمن تغييرا في المواد المستخدمة في بناء النموذج، ويمثل إحدى خصائصه البنائية.
٣- الرمزي "Symbolic" تمثيل للحقيقة بالرموز على نحو ما نفعل بالمعادلات الرياضية، وهو أعلى مراحل التجريد لأنه يمثل التركيب النموذجي بالرموز فقط٢.
ويلاحظ على أنواع النماذج السابقة، أن المعلومات تختفي تدريجيا في كل مرحلة ليصبح النموذج فيما بعد أكثر تجريدا وعمومية، هذا ويمكننا تصنيف النماذج بطرق شتى منها ما هو حسب البنية، أو من حيث الوظيفة، أو الاثنين معا، فالأولى "البنائية" هي نماذج ساكنة "Static" بينما الثانية "الوظيفية" متحركة "Dynamic" ويلاحظ أن النماذج التي استخدمها الجغرافيون بخاصة في دراسة الظاهرات البشرية كانت ساكنة من مثل كريستالر في سنة "١٩٣٣" وأوغست لوش في سنة "١٩٥٤".
إن التركيز على النماذج الساكنة يدل على قصر نظر الجغرافية في هذه المرحلة، وقد بدأ الجغرافيون مؤخرا يستخدمون النماذج المتحركة بمختلف أنواعها ويقودنا هذا إلى دراسة.
- استخدام النماذج:
حينما يستخدم العالم النموذج، فإنه يرمي إلى تجسيد بعض المعاني التي تعبر عن طبيعة شيء من الأشياء، وحينما يقام بعمل نموذج، فإنه يخلق أو ينشأ التمثيل الواقعي للحقيقة، من أجل عرض بعض خصائص النموذج البنائية، والنموذج في الواقع مزج من الحقيقة، لأنها دعامة هامة من دعائم المفاهيم، التي تمكننا من فهم ما تقوم به من بحوث، رغم أن النموذج لا يعبر عن الصدق الكامل ولكن يمثل التعبير العام له.
стр. 287
يستخدم النموذج من أجل مساعدة الباحث في الاستنتاج، بشرط افتراض علاقة تمثيل أو ارتباط بين بعض المظاهر او الظواهر موضوع اهتمام الباحث، وبين النموذج الذي يطلق عليه في مثل هذه الحالة بالشبيه أو النظير فلو افترضنا أن لدينا شيئين يشتركان في بعض خصائصهما البنائية "التركيب والشكل" فإن أحدهما يساعدنا على فهم الآخر، وكشف مكوناته وتوقعاته، وبناء عليه فإن النموذج الذي يقوم الباحث بعملية اختياره، يجب أن يكون مألوفا ومعروفا من قبله، بصرف النظر عن نظام تطبيقه، وبتعبير آخر: أن تترجم المشكلة أو الموضوع الذي يكون الباحث بصدد بحثه، أو أن يحول إلى مفاهيم واصطلاحات تعتبر مكونات النموذج وأساسه.
وهكذا فإن الاستخدام النافع لنماذج يتضمن تطويرا سريعا وصياغة سهلة لها، كي يسهل استعمالها ورصدها، وضبطها والسيطرة عليها، وعمل الاستنتاجات فيها، وفي نهاية المطاف يمكن إعادة تطبيقها على الواقع، لاختبار مدى صدقها وانطباقها على الحقيقة، والخروج بعد ذلك بقوانين، وأحكام عامة لها ارتباط بسير الظاهرة وشكلها وعملها.
إن أي شيئين يمكن أن يكونا نظيرين، إذا كان متشابهين في خصائصهما البنائية "properties" ومسلكهما العام، أو نمط وظيفتهما، لهذا فإن استخدام اصطلاح "نظير أو شبيه" لا يعبر عن الدقة العملية من الوجهة العلمية، لأن المدى الواسع من درجات التشابه، يمكن أن يجعل باني النموذج يستخدم النظائر "نماذج" متنوعة تنطبق إما على الوضع الماضي أو الحاضر بشكل نظري أو منطقي رياضي.
وهكذا فإن استخدام النماذج أو النظائر لغرض الاستنتاج هاما ومفيدا للغاية بشرط مطابقة التشابه بينها في الموضوع أو البحث المطلوب معالجته أو دراسته، ولقد استخدم علماء الفيزياء نماذج في الماضي لسهولة الحصول على النتائج واختبارها وإجراء التجارب عليها، وقد لعبت النماذج دورا هاما في ميدان الفضاء قبل إطلاق المركبات الفضائية، وكان من الصعب النماذج في ميدان العلوم الاجتماعية، لكن ظهور وتطور الفيزياء الاجتماعية ساعد على تطبيق القوانين الفيزيائية، فقد استخدمت النماذج لسلوك الإنسان ومسلكه في مجتمعه، بحيث استفادت المدن مثلا من حيث حجمها من تطبيق قانون "نيوتن" في الجاذبية.
стр. 288
المبحث الرابع: النماذج الرياضية والتجريبية والطبيعية
تظهر في النموذج المبسط الذي يمكن الاستفادة منه خصائص هامة من الواقع أهمها تركيب أو بنية الظاهرة أو المكان، والعلاقات بين عناصره المختلفة، وهذا يمكننا من استخدام النموذج في معرفة التوقعات والتنبؤات، ويمكن متابعة هذا الاستخدام بوساطة نماذج رياضية وتجريبية أو طبيعية.
١- النماذج الرياضية:
هي نماذج نظرية تحتوي على بعض التفاصيل باختلاف الظروف، أي أن الملامح الأساسية والضرورية للظاهرة تبقى، ولكن على شكل رموز مجردة مكونة من معادلات رياضية أو جبرية، يطلق عليها النموذج العامل "Working Model"، وبوساطته نستطيع استنتاج ملامح الشيء الحقيقي الذي هو قيد الدراسة والبحث، ولم يسبق كشفه أو تحليله أو رصده.
إن أول عمل يقوم به الباحث في بناء النماذج الرياضية هو لغة التحويل، من كلمات نموذج مبسط إلى رموز رياضية، حيث تستبعد العلاقات الوصفية واللفظية، أي أن عملية بناء النموذج الرياضي تقوم على ترميز المتغيرات، لكي يتيح لنا نظاما أو نموذجا رياضيا ثم عرض هذه الرموز في علاقة تتخذ صورة معينة تمثل النموذج، وقد يضم النموذج متغيرين أحدهما مستقل والآخر بينهما علاقة خطية، وقد يحتوي على متغيرين مستقلين أو أكثر، وفي هذه الحالة يطلق على العلاقة اسم الانحدار المستقيم المتعدد.
стр. 289
تقسيم النماذج الرياضية إلى نوعين هما:
١- حتمية "Deterministic": يقوم على النظرية الرياضية التقليدية القائمة على السبب والنتيجة "Cause and effect".
٢- احتمالية "Probabilistic"، ويطلق عليها نماذج الألعاب، فهي تستند على الاحتمال لذلك هي عكس الأولى، وتعتمد على الصدفة بدلا من التأكيد الرياضي، وقد اقترح جارسون "Garrison" مؤخرا استخدام "الكومبيوتر" من أجل تطوير نموذج رياضي احتمالي لمعرفة وقياس نمو المدن.
إن كلا من النموذجين يجب أن يكونا قابلين للجدل الرياضي المنطقي يمدنا بالنتائج الرياضية المنطقية، وعلى الرغم من أن هذه النتائج تكون قابلة للتفسير النظري على شكل ملخصات تمثل الواقع والحقيقة، إلا أن هذه النماذج الرياضية لا تعطي تفسيرات كاملة عن الواقع، وهي قاصرة على عمل اقتراحات رياضية تكون أساسا لمناقشات نظرية.
٢- النماذج التجريبية:
هناك أسلوب آخر يمكن به معالجة النموذج المبسط معالجة أخرى، وذلك من أجل فحص مراحل معينة من مراحل عمل النموذج، وكشف صدق توقعاته، ويتحقق هذا الأسلوب عن طريق التجسيد "Substantation" والإجراء المتبع هنا هو أن فكرة النموذج المبسط تظهر على شكل تركيب محسوس "أي إظهار الفكرة الأصلية للنموذج" وذلك بوساطة ترجمة هذه الأفكار.
ونميز في هذا الصدد نوعين من النماذج التجريبية:
١- النموذج المقياسي "Scale Model".
٢- نموذج النظير أو الشبه "Analogue Model".
стр. 290
١- فالأول عبارة عن تقليد قريب جدا لجزء من الواقع: ويشبهه كثيرا في بعض النواحي، ويتألف غالبا من نفس نوعية المواد، وإذا كان الشبه كبيرا جدا بين النموذج المقياسي والواقع، ففي هذه الحالة يعتبر النموذج جزءا مضبوطا من الواقع وتستخدم النماذج المقياسية في الجغرافية بكثرة وبخاصة في الميدان الطبيعي، والنماذج المستخدمة في هذا المجال على نوعين: الأول عبارة عن نسخة ثابتة ومطابقة للظاهرة الطبيعية ويطلق عليها "Static Replica"، وهو هام لأغراض التوضيح والشرح، لكن من عيوبه أن عنصر المشكلة فيه مفقود تقريبا، أما النوع الثاني فهو النموذج المقياسي العامل "Working Scale Model"، والذي يمكننا عمله بدرجات متفاوتة، بحيث تكون مطابقة للشبه الأصلي مختلفا.
أما النوع الثاني من النماذج المقياسية فهو الأهم، ونتائجه أوضح وبخاصة في الميدان الطبيعي كما أن السيطرة عليه سهل والتحكم فيه في الدراسة والتحليل، وعزل كل متغير على انفراد، هذا ويمكننا اعتبار الخريطة في حالات كثيرة نموذجا مقياسيا بسيطا جدا، لأنها تمثل مظاهر محدودة جدا لمظاهر السطح ويكون فيها التجريد على عدة مراحل بحسب ما هو مطلوب في الخريطة، وكلما صغرت الخريطة ازداد التجريد، وعلى كل حال فإن الخريطة نموذج هام جدا لأنه بوساطتها يمكن أخذ فكرة عامة عن المنطقة بكاملها وتحليلها وكل نوع من الخرائط يبرز مظهرا واحدا مع تجريد وإهمال المظاهر الأخرى.
٢- أما نموذج النظير أو الشبه هدفها محدود للغاية بالنسبة للنماذج القياسية، لأنها تهدف إلى إظهار بعض الظواهر، وعلى الرغم من أن نماذج "الشبه" هذه تخدم فقط الأساس الذي تستند عليه الفروض المقبولة، إلا أن استخدامها هام للغاية، فالكمبيوتر يمكن اعتباره نموذجا من هذا النوع لأنه اعتمد في صنعه على محاكاة للعقل البشري فهو بهذا نظير تجريبي. وقد استخدمت هذه النماذج في الجغرافية الطبيعية والجغرافية البشرية.
стр. 291
وسواء استخدمنا النموذج المقياسي أو النظير فإن المرحلة التالية لبنائهما تكون التجربة، والتي تؤدي بدورها إلى مجموعة من الملاحظات والاختبارات، وهذه تظل كما هي لتساعد على تفسير الحقيقة بأسلوب مشابه للتفسير النظري للنتائج التي حصلنا عليها من النموذج الرياضي، وهذه النتائج المأخوذة من النموذج الرياضي، تحول إلى مفاهيم تجريبية كخطوة أخرى من خطوات المطابقة على الواقع.
٣- النماذج الطبيعية:
هي الأسلوب الثالث الذي يمكن به الاستفادة من النماذج المبسطة، واستخدامها كأساس للتحليلات ومزيد من التوقعات، هو التحويل والنقل إلى ظروف طبيعية شبيهة، يعتقد أنها أبسط علاوة على كونها مألوفة وسهلة الملاحظة، ويكون النقل والتحويل على نوعين هما: تاريخي ونظيري أي أن النماذج تكون:
١- نماذج تاريخية.
٢- نماذج نظيرية.
يشمل استخدام النماذج التاريخية ترجمة النموذج المبسط إلى زمان أو مكان مخالف، على افتراض أن ما حدث في الماضي سيحدث مرة أخرى، أو أن ما سيحدث في مكان ما سيحدث في مكان أخر، وقد شاع استخدام هذه النماذج لدى كثير من المؤرخين مثل "أرنولدتويني" وعند المختصين في الجغرافية التاريخية، كما يعتمد المختصون في المناخ والأرصاد الجوية على سجلات سنوات قد تطول لأكثر من "ثلاثين عاما" لعمل نموذج عنه يمكن بوساطته التنبؤ بالأحوال الجوية والمناخية لمنطقة من المناطق، وفي الاقتصاد استطاع روستر "Rostow" أن يبني نموذجا في التنمية الاقتصادية معتمدا على مراحل التنمية التي مرت عليها أوروبا أثناء الانقلاب الصناعي. وحاول تطبيقه على كل بلد يريد الأخذ بالتنمية وبخاصة الدول النامية.
стр. 292
أما النماذج الطبيعية فهي عبارة عن ترجمة أو تحويل نموذج مبسط إلى وسط طبيعي مخالف، وهذا أمر ليس بالسهل، وقد طور جاريسون "Garrison" وعدل نموذج الغطاء الثلجي واستخدامه في تفسير النمو الحضري، وبذلك شبه بنمو المدن الغطاء الجليدي، من هذا نرى كيف يمكننا الاستفادة من مشاهداتنا للطبيعة واستخدام ظواهرها كنماذج سهلة التحليل، ولكن هذا لا يخلو من مشكلات تتعلق بكيفية تطويع الظروف الطبيعية والتحكم فيها، بحيث نجعل منها أمورا تصلح للتشبيه وتخضع للقياس والتجربة، ثم إعادة نصه لتطبيق دراستها على النظام الأصلي.
وأخيرا فإن التفسير النهائي للنتائج المشتقة من النماذج الرياضية والتجريبية والطبيعية شيء لا بد من عمله، حتى نصل إلى الخاتمة والتي ينبغي أن تتلاءم والواقع، وتخدم موضوع البحث والمشكلة. هذا ويمكن التوصل لهذه المرحلة الأخيرة مباشرة أي عن طريق محول مباشر دون حاجة للمرور في المراحل السابقة ويطلق على هذه الطريقة المباشرة النظرة السريعة "eyeball metohd".
وطبيعي أن التقويم الناجح يتضمن فحص النتائج النهائية، التي نحصل عليها من النموذج بعد مطابقته للواقع، ومن هذا التقويم يمكننا تطوير الفروض، وفي حالة إذا ما توفرت الفحوصات الكافية، مع تشابه النتائج فمن الممكن بناء نظرية عليها، إن هذا التقويم ضروري ولا غنى عنه إذ عليه يتوقف نجاح أو فشل جميع استنتاجاتنا التي نبني عليها أعمالنا وحلولنا للمشكلة.
стр. 293
المبحث الخامس: أهمية النماذج
يقول الفيلسوف "فرنسيس بيكون" "F. Bacon" بأن النظرية العلمية تعتمد على الحدس أو التوقع "Anticipation" وسلسلة متلاحقة من الأحداث في فترة قصيرة، ويبدو أن مثل هذا القول ينطبق إلى حد ما على النماذج، وجميعها أشبه بالمادة الخام تحتاج إلى التنقية والتكرار من الشوائب وتحتوى على بعض الاستثناءات، وكلها قابلة للرفض، ولكن هناك فروقا جوهرية بين النظريات العلمية والنماذج:
- إن للنظريات قدرة كبيرة من حيث الصياغة، وهي مبنية على أساس تجريبي، وتستخدم مفاهيم ذات تعاريف علمية، بينما النموذج يستخدم عبارات منطقية، وبذلك فهي في حد ذاتها غير مؤكدة.
- تسلك النظرية المنهج العلمي الذي يستفيد من الخبرة السابقة، وعلى ضوئها يمكن توقع المستقبل وشكله، والتوقع هام، والعلم في جوهره هو القدرة على عمل التوقعات الكلية السليمة عن أصالة أي نظام، إذا توافرت الخبرة السابقة عن هذا النظام أو أي نظام مشابه له، لكن التوقع ليس هو كل شيء إنما المهم هو أن نفهم النظام والقدرة التي تساعدنا على الضبط والسيطرة على الظاهرة التي نحن بصددها وهذه تعتمد على إمكاناتنا وقدراتنا على عمل توقعات من أي نوع، والمنهج العلمي يستند في أساسه على أسلوبين:
١- الأسلوب الاستقرائي "inductive": والذي يعتمد على معلوماتنا السابقة وقياساتنا للظروف والملابسات وتتبع خط سير الظاهرة واتجاهاتها.
٢- الأسلوب الاستنتاجي "deductive": وهو حدسي وعقلي ويستند على تصوراتنا للشيء ورؤيتا له ولكن ما دامت النماذج ليست مؤكدة في نتائجها فلماذا إذن نهتم بها ونشغل أنفسنا ببنائها؟ ولماذا لا نحاول دراسة الحقائق والظاهرات مباشرة دون وساطتها أو الاعتماد عليها؟ يعود ذلك للأسباب التالية:
١- إن بناء النموذج أمر محتوم: لأنه ليس هناك أي حد فاصل بين الحقائق والمعتقدات، والنماذج هي بمثابة النظريات وقوانين ومعادلات أو أشياء حدسية "Hunches" تبين وتوضح هذه المعتقدات عن العالم الذي يفكر فيه ونراه ونلمسه ونحسه وندركه.
٢- إن بناء النموذج أمر اقتصادي لأنه يساعدنا، بل يمكننا من تعميم ما لدينا من معلومات بشكل مكثف ومركز، ورغم ما فيها من شذوذ عن المألوف وعدم انطباق.
стр. 294
مضبوط على واقع الحال "في بعض الحالات" إلا أنها تظل نماذج صالحة للتطبيق، وبها يستنير الباحث في بحثه والعالم في ميدان علمه.
٣- إن بناء النماذج شيء مثير: وهذه الإثارة تنبعث من التصميمات التي بني عليها النموذج والتي توضح الأجزاء التي يلزمها التعديل والتحسين، هذا وإن بناء النموذج وفحصه شيء هام ومثير، ولكنه في نفس الوقت لا يخلو من خطورة فالباحث عليه أن يفحص نموذجه ويتفهمه ويتأكد من سلامة بنائه وإلا فشل بحثه، طبيعي أن التجربة تعطي للعالم أو الباحث الفرصة لمعرفة أوجه النقص أو الخلل في نموذجه، وهذا يقود إلى مزيد من الأبحاث وكثير من التعديلات، فالنماذج إذن هي كسائر المخترعات يصيبها التعديل والتطوير نتيجة الأبحاث المستمرة، وبهذا فإن دور النماذج يشمل جمع وتصنيف ما ظهر من نظريات، وفي نفس الوقت إثارة وطرح استفسارات وتحقيقات جديدة تعطي للعلم زادا جديدا وتدفعه لمواصلة مسيرته إلى الأمام.
أما ما يعاب على النماذج فهو: أن استحكامها يفرض مشكلتين من مشاكل طرق البحث هما:
١- كيفية بيان الوظيفة التي يؤديها النموذج من بين الوظائف الكثيرة والممكنة بجلاء ووضوح؟
٢- بيان ملاءمة نموذج ما لوظيفة معينة في أذهاننا؟
ورغم أن هاتين المشكلتين لم تحلا بعد، ولكن ينبغي ألا تكونا عقبة أو عذار يحول دون استخدامنا للنماذج فقد تستخدم النماذج كوسيلة لربط النظرية بالتجربة والتجربة بالتصوير والنظريات مع بعضها، والتصور بالنظرية التقليدية وهكذا، فلو أردنا أن نبين مثلا كيف نستخدم النماذج كوسيلة لعمل إضافات على النظريات، في هذه الحالة "الإضافة أو إكمال النظرية" ينبغي على النموذج أن يلبي متطلبات النظرية وأن يمتلك الخصائص البنائية للنظرية، أما في حالة إعادة بناء النظرية فإن النموذج ينبئ إذا لم يكن قادرا على تحقيق أي مطلب من مطالبها.
стр. 295
وهكذا ليست جميع النماذج ناجحة في التطبيق وإن نجاحها يتوقف على مقدار مطابقتها، للواقع، ومرحلة التجريد هي من أهم المراحل وأدقها، لأن التجريد يفقد النموذج أحيانا قيمته العلمية إذا أبعده كثيرا عن الواقع، ومهما كانت عيوب النماذج وأخطار الاعتماد عليها، إلا أنها على حد قول تشورلي كالنظريات أشبه بمشاعل ذات أنوار تشع في كافة الاتجاهات، وكل من النظرية والنموذج ينير بعض نواحي جديدة، أو تظهر علامات موجودة أصلا في دنيا الواقع، وعلى مساوئها تعتبر الوسيلة الناجحة والمريحة التي تستخدم في التحليل والتعليل، والتعبير عن آرائنا وأفكارنا عن الواقع، إن النماذج تساعدنا على إجراء تقويم أسس البحث وأصوله، وتطلعنا على خصائصه الضرورية ومدى حدوده واتصاله بالميادين الأخرى١.
стр. 296
الباب الرابع: أدوات البحث العلمي
الفصل الحادي عشر: العينة
مدخل
...
الباب الرابع: أدوات البحث العلمي
الفصل الحادي عشر: العينة "Sample"
تمهيد:
أداة البحث هي الوسيلة التي يجمع بها الباحث بياناته، وليس هناك تصنيف موحد لهذه الأدوات حيث تتحكم طبيعة فرضية البحث في اختيار الأدوات التي سوف يستعملها الباحث، لهذا كان عليه أن يلم بطرق عديدة، وأساليب مختلفة، وأدوات متباينة كي يستطيع أن يحل مشكلة البحث والتحقق من فرضه، وقد يستفيد الباحث من أكثر من أداة واحدة في بحثه، ولعل أول ما يجب على الباحث هو اختيار عينة يدرسها، ومن ثم يقرر إن كان يلجأ إلى الملاحظة أو المقابلة أو الاستبيان للتحقق من فرضه، أو الأساليب الإسقاطية، أو تحليل المضمون، أو أساليب قياس الاتجاهات أو ... فقد يلجأ إلى أكثر من أداة واحدة.
والعينة هي فئة تمثل مجتمع البحث١ "Population Research" أو جمهور البحث، أي جميع مفردات الظاهرة التي يدرسها الباحث، أو جميع الأفراد أو الأشخاص أو الأشياء الذين يكونون موضوع مشكلة البحث.
стр. 297
ولقد تطورت نظريات العينات، وممن كان لهم الفضل في ذلك "بيرنولي" و"بواسون" و"لابراس" وفي بداية القرن "العشرين في عام ١٩٠٨" صدرت أعمال "ستيودنت" التي لعبت دورا كبيرا في تطوير نظرية العينات، بخاصة ما أصبح يسمى بالعينات الصغيرة، وخلال الحرب العالمية الثانية، وبهدف ضبط اقتصاد الدول المتحاربة والإحاطة باتجاهات تطوره، تطورت نظرية العينات تطورا سريعا نظريا وعمليا، واستمر ذلك حتى الآن، حيث أصبحت هذه النظرية تستخدم على نطاق واسع لدراسة مختلف الجوانب السكانية والاقتصادية، هذا ويلجأ عادة إلى طريق العينات لعدة أسباب منها:
١- إنها أقل كلفة من طريقة الحصر الشامل.
٢- إن بعض الأجزاء تسهل الوصول إلى معلومات أكثر تفصيلا ودقة.
٣- في حال عدم توافر الوقت للقيام بدراسة شاملة.
٤- في حال عدم إمكانية إجراء حصر كامل لعناصر مجتمع الدراسة الأصلي، فهي جزء من كل، على أن تمثل الكل تمثيلا صحيحا وتحت شروط مضبوطة.
стр. 298
المبحث الأول: اختيار العينة
يتعرف الباحث على المجتمع الأصلي بدقة ويدرس مفرداته، ولكي يحصل على عينة ممثلة عليه أن يختار، وفق طريقة معينة، ومفردات معينة، وشروط منظمة ومضبوطة، وتتكون عملية الاختيار هذه من عدة خطوات نحددها فيما يلي، مع الإشارة إلى أن الطرق التقنية لاختيار العينة مهمة جدا١.
١- يحدد الباحث المجتمع الأصلي بدقة.
стр. 299
٢- يعد قائمة كاملة ودقيقة بمفردات هذا المجتمع وتسمى "إطارا" من خلال سجلات، ويجب أن تكون كاملة وحديثة.
٣- يأخذ مفردات ممثلة من القائمة التي أعدها.
٤- يحصل على عينة كافية ليتمثل المجتمع الأصلي بخصائصه التي يريد دراستها.
العينة الجيدة تمثل المجتمع الأصلي كله بقدر الإمكان، والمعروف أن العينة الصغيرة جدا لا تمثل خصائص المجتمع المدروس، إلا إذا كانت الظاهرات موضع الدراسة متجانسة، أما إذا كانت المفردات متباينة فلا بد من عينة كبيرة كافية، ولا يوجد عدد محدد، أو نسبة مئوية معينة من حجم المجتمع الأصلي يمكن تطبيقه على جميع الدراسات، ويفضل بشكل عام حجم العينة الكبير نسبيا على العينة الصغيرة.
أما العوامل المؤثرة في تحديد حجم العينة فهي:
١- مستوى درجة الدقة والثقة بالنتائج التي يسعى الباحث إلى تحقيقها، وكلما كان الباحث راغبا في الحصول على نتائج أكثر دقة وثقة، كما توجب عليه زيادة العينة المختارة، ويقصد بدرجة الدقة مدى دقة وقرب نتائج العينة من النتائج الفعلية، أما المقصود من درجة الثقة فهي مدى احتمالية عدم تطابق نتائج الدراسة مع النتائج الفعلية.
٢- درجة التعميم التى ينشدها الباحث من نتائج بحثه، إذ أنه كلما ازدادت حاجة الباحث ورغبته بأن تكون نتائج بحثه قابلة للتعميم بشكل كبير على مجتمع الدراسة الأصلي، كلما توجب عليه زيادة حجم العينة المختارة.
٣- مدى التجانس أو التباين في خصائص مجتمع الدراسة الأصلي: كلما كانت خصائص المجتمع الأصلي متجانسة كلما كان حجم العينة المطلوبة صغيرا نسبيا، وهناك ضرورة لزيادة حجم العينة حينما يوجد اختلافات جوهرية هامة وعديدة بين
стр. 300
أفراد أو مشاهدات مجتمع الدراسة الأصلي، وبذلك يضمن تمثيل البيئة لمختلف الأفراد والحوادث التي يتكون منها المجتمع الأصلي.
٤- حجم مجتمع الدراسة الأصلي: كلما زاد عدد عناصر أو مشاهدات مجتمع الدراسة الأصلي، زاد حجم العينة المطلوبة والعكس صحيح، مع ملاحظة أن نسبة العينة إلى مجتمع الدراسة الأصلي تقل كلما زاد حجم المجتمع الأصلي، هذا والنقاط التالية يمكن الاسترشاد بها من أجل تحديد حجم العينة المطلوب:
أ- إن حجم العينة الذي يتراوح بين "٣٠-٥٠٠" مفردة يعتبر ملائما لمعظم أنواع البحوث.
ب- عند استخدام العينة الطبقية، أي تقسيم المجتمع الأصلي إلى طبقات من مثل الذكور والإناث فإن حجم العينة لكل فئة يجب أن لا يقل عن "٣٠" مفردة.
جـ- في حالة استخدام الانحدار المتعدد أو الاختبارات المماثلة له، فإن حجم العينة يجب أن يكون أضعاف متغيرات الدراسة، ويفضل أن يكون حجم العينة هنا "١٠" أضعاف متغيرات الدراسة، فإذا احتوت الدراسة على "٦" متغيرات لإجراء التحليل عليها، فإنه يفضل أن لا يقل حجم العينة عن "٦٠" مفردة.
د- في بعض أنواع البحوث التجريبية، التي يكون فيها حجم الضبط والرقابة عاليا، فإن حجم عينة مقداره "١٠" إلى "٢٠" مفردة يكون مقبولا١.
٥- عامل آخر يؤثر في تحديد حجم العينة هو نوع التصميم التجريبي، هذا ويتم التأكد من تمثيل العينة للمجتمع الأصلي بطريقتين هما:
١- طريقة التوزيع الطبيعي: عديد من الخصائص والسمات تتخذ شكل التوزيع الطبيعي، مثل الطول والذكاء والعمر، بمعنى أن أغلبية الأفراد أو المشاهدات تتركز في
стр. 301
منطقة الوسط، ويتوزع أقلية من الأفراد على الطرفين من مثال: متوسط الأعمار يتراوح بين "٦٠-٧٥" سنة تقريبا لكننا نجد أقلية من الأفراد تعمر مدة تزيد عن الـ"٧٥ سنة" وأقلية أخرى لا تصل أعمارها إلى "٦٥سنة" كذلك مستوى الذكاء والأوزان تنطبق عليهما مثل هذه الحالات.
يتخذ التوزيع الطبيعي شكل الجرس، ويكون ما نسبته تقريبا "٦٨%" من المشاهدات تقع ضمن انحراف معياري واحد عن الوسط الحسابي للمشاهدات، وحوالي "٩٥%" من المشاهدات تقع ضمن انحرافين معيارين عن الوسط الحسابي، وحوالي "٩٩%" من المشاهدات تقع ضمن "٣" انحرافات معيارية عن الوسط الحسابي.
وللتأكد من تمثيل العينة للمجتمع الأصلي، باتباع طريقة التوزيع الطبيعي، يتم تحديد توزيع العينة المختارة، فإذا كان توزيع العينة طبيعيا، فإن ذلك يدل على أن العينة ممثلة لمجتمع الدراسة الأصلي، أما إذا كان التوزيع غير طبيعي، فإن هذا يعني وجود تحيز باختيار العينة، أي أن العينة غير ممثلة للمجتمع الأصلي.
٢- طريقة النزعة المركزية: وهي بديل لطريقة التوزيع الطبيعي، في حين يكون توزيع خصائص مجتمع الدراسة الأصلي موزعا توزيعا غير طبيعي، حيث تستخدم بعض مقاييس النزعة المركزية مثل الوسط الحسابي والانحراف المعياري، إذ يتم إيجاد قيم الوسط الحسابي والانحراف المعياري للعينة المختارة، ويقارن الناتج مع الوسط الحسابي، والانحراف المعياري لكل مجتمع الدراسة الأصلي، فإذا تقاربت النتائج كانت العينة ممثلة للمجتمع الأصلي، وفي حالة وجود اختلافات جوهرية، فإن ذلك يدل على تحيز بالعينة المختارة، وتكون النتائج بالتالي غير قابلة للتعميم، ويشترط لاستخدام هذه الطريقة توافر بيانات عن مقاييس النزعة المركزية للمجتمع الأصلي، حيث تكون تلك البيانات منشورة في العادة في بيانات إحصائية أو مجلات متخصصة١.
стр. 302
المبحث الثاني: أنواع العينات
تقسم العينات بشكل رئيسي إلى مجموعتين:
أ- العينات الاحتمالية "Probability Sample" ويتم فيها اختيار الأفراد بشكل عشوائي بحيث يعطي لكل عنصر من عناصر مجتمع الدراسة فرصة للظهور في العينة، وتكون هذه الفرصة معروفة ومحددة سابقا، ولا ضرورة لأن تكون هذه الفرصة متساوية لكل عنصر. هذا ويعزى النقص في قدرة التنبؤ إلى الخطأ في اختيار العينة العشوائية١.
ب- العينات غير الاحتمالية "No Probabilty Sample"، ويتم فيها اختيار العينة بشكل غير عشوائي، حيث تستثنى بعض عناصر الدراسة من الظهور في العينة لأسباب معينة: عدم توافر المعلومات المطلوبة، أو استحالة وصول هذه العناصر، أو كبر حجم مفردات مجتمع الدراسة ...
أ- أنواع العينات الاحتمالية "العشوائية" "Random Sample"
١- العينة العشوائية البسيطة "Sample Random Sample"
يتم في هذه الطريقة حصر ومعرفة كامل العناصر التي يتكون منها مجتمع الدراسة الأصلي، ومن ثم يتم الاختيار من هذه العناصر، ويعطي لكل عنصر من عناصر المجتمع الأصلي للدراسة نفس فرصة الظهور في العينة المختارة، وتكون فرصة الظهور لكل عنصر معروفة ومحددة سابقا كما أشرنا.
ولتحديد مفردات العينة المختارة هناك عدة وسائل، ومن أجل منع التحيز في النتائج تستعمل طرائق ميكانيكية في سحب العينة حيث تكتب أسماء الوحدات على بطاقات ويسحب من هذه البطاقات العدد المطلوب، أو أن يستخدم جدول الأعداد
стр. 303
العشوائية مثل جدول "فنشر" وهو جدول به أرقام عشوائية كثيرة يختار الباحث منها سلسلة من الأرقام العمودية أو الأفقية أو القطرية، ثم يختار من المجتمع الأصلي الأفراد الذين لهم نفس الأرقام التي أخذت من جدول الأرقام العشوائية، وهؤلاء الأفراد هم العينة المختارة، ورغم بساطة تطبيقها واستعمالها وإمكان نتائجها "تعميمها" على مجتمع الدراسة الأصلي، نشير إلى صعوبة تطبيقها في بعض أنواع البحوث التي لا يمكن حصر جميع عناصر مجتمع الدراسة الأصلي فيها، وأيضا ارتفاع تكلفة استخدامها لانتشار أفرادها في مناطق.
٢- العينة الطبقية البسيطة "Stratified sample":
وهي نوع من العينات يستعمل في الحالات التي يكون معروفا فيها أن في المجتمع اختلافات منتظمة، وفي هذا النوع من العينات، يضع الباحث شروطا معينة لاختيار أفراد العينة بحيث تمثل العينة جميع فئات المجتمع المدروس، وبنفس نسبة وجودها، وبعد تقسيم المجتمع إلى فئاته المختلفة، يعتمد الباحث الطريقة المتبعة في اختيار العينة العشوائية ضمن فئات طبقات المجتمع المدروس، ولكي يتم الاختيار، يحدد الباحث الفئات المختلفة في المجتمع الأصلي بناء على خاصية معينة وبطريقة تناسبه، أي أن الباحث يختار لكل طبقة وبطريقة عشوائية عددا من المفردات، يتناسب مع حجمها الحقيقي في المجتمع الأصلي.
٣- العينة المزدوجة "Double Sample"
يتم إجراؤها حينما لا يرد للباحث جوابا على الاستبيان الذي أرسله إلى المفحوصين، لأن نتائج الاستبيان تصبح متحيزة، لذلك يعمد الباحث إلى اشتقاق عينة ثانية بطريقة عشوائية من الذين لم يستجيبوا ويجري مع أفرادها مقابلات شخصية للحصول على البيانات المطلوبة.
٤- العينة المنتظمة "Systematic Sample":
وهي شكل من أشكال العينة العشوائية، يتم اختيارها في حالة تجانس المجتمع الأصلي وتوافر إطاره، وسميت منتظمة لأننا نختار فيها مسافة ثابتة منتظمة بين كل
стр. 304
رقم والرقم الذي يليه، وهكذا لو أراد الباحث أن يختار عينة مكونة من "٥٠" فردا من قائمة فيها "٥٠٠" اسم فإنه يقسم "٥٠٠" على "٥٠" لكي يحصل على المسافة "١٠" في هذا الحالة، ثم يحدد بطريقة عشوائية رقما فيما بين "١" و"١٠" "الرقم ٦ مثلا"، ويختار بعد ذلك الأفراد ذوي الرقم "٦، ١٦، ٢٦، ٣٦، إلخ ... " حتى يجمع أفراده الخمسين ويجب أن يكون الباحث على حذر لئلا تكون القائمة مرتبة وفق ترتيب معين يجعل الاختيار غير عشوائي تماما١.
٥- العينة العنقودية "Cluster Sample":
وهي من أنواع العينات الاحتمالية، يلجأ فيها الباحث إلى تحديد أو اختيار العينة ضمن عدة مراحل، ففي المرحلة الأولى، يتم تقسيم مجتمع الدراسة الأصلي إلى فئات حسب معيار معين، ومن ثم يتم اختيار شريحة أو أكثر بطريقة عشوائية، ويتم استبعاد الشرائح نهائيا، التي لم تقع ضمن الإطار نهائيا، وفي المرحلة الثانية يتم تقسيم الشرائح التي وقع عليها الاختيار في المرحلة السابقة إلى شرائح أو فئات جزئية أخرى، ثم يتم اختيار شريحة أو أكثر منها وبطريقة عشوائية أيضا، وهكذا يستمر الباحث حتى يتم الوصول إلى الشريحة النهائية، والتي يقوم بالاختيار منها بشكل عشوائي مفردات العينة المطلوبة، وتوفر هذه العينة على الباحث الكثير من الوقت والجهد والتكلفة، لكن يؤخذ عليها احتمالية عدم تمثيلها لمجتمع الدراسة الأصلي، بخاصة في حالة عدم تجانس مجتمع الدراسة الأصلي.
٦- العينة المساحية "Area Sample":
هي عينة متعددة المراحل "Multistage Sample" وذات أهمية كبيرة لإمكانية الحصول على عينات تمثل المناطق الجغرافية المختلفة كما لا يطلب في هذه الحالة إعداد قوائم كاملة بجميع الأفراد أو العناصر داخل منطقة جغرافية معينة، هذا وتختار المناطق
стр. 305
الجغرافية نفسها بطريقة عشوائية، لكن يجب أن تمثل في كل منطقة إقليمية مختارة كل الفئات الاجتماعية المتمايزة، إذا تطلب البحث ذلك.
والمنهج المتبع في إجرائها وأن يبدأ الباحث بتقسيم المجتمع إلى وحدات أولية "Primary units" يختار من بينها عينة بطريقة عشوائية، أو منتظمة، ثم تقسم الوحدات المختارة إلى وحدات ثانوية "Secondrry Units"، ثم يختار من بينها عينة جديدة وهكذا، إلى أن يقف الباحث عند مرحلة معينة هي وحدة المعاينة الأخيرة المختارة وتسمى الوحدة النهائية أي:
"محافظات، نواحي، قرى" أو محافظات، مدن، أحياء، مساكن" واختيار الأشخاص الذين يمكن أن تتم معهم المقابلة. ويجب أن يكون ذلك كله بطريقة عشوائية من بين وحدات المعاينة التي تمت١، يفضل استعمال هذه العينة في كثير من المسوح الاجتماعية والاقتصادية، مثل مسوح الدخل ونفقات الأسرة والمسوح الزراعية، حيث يمكن أن يقسم المجتمع إلى عدد من الأقاليم التي تزرع غلة أحد المحاصيل الزراعية لتشكل وحدات المرحلة الأولى، ومن ثم يمكن تقسيم كل إقليم إلى عدد من المناطق لتشكل وحدات المرحلة الثانية، وتقسم وحدات المرحلة الثانية إلى عدد من القرى لتشكل وحدات المرحلة الثالثة، وأخيرا تقسيم القرى إلى مزارع مزروعة بهذا المحصول لتشكل الوحدات النهائية في المرحلة الرابعة، وفي هذه المرحلة الأخيرة تتوفر قوائم لهذه المزارع ويفضل في أغلب الأحيان إعداد قوائم حديثة لوحدات المرحلة النهائية.
وهكذا فإن العينة متعددة المراحل يكتفي لاختيار الوحدة النهائية الاعتماد على تقسيم الوحدة ما قبل النهائية، وليس على وحدات جميع المراحل، مما يوفر وقتا وجهدا، وحتى من وجهة نظر اقتصادية، وبالمقارنة مع طريقة العينة العشوائية
стр. 306
البسيطة، حيث تتطلب هذه قوائما تضم جميع المزارع التي زرعت بهذا المحصول وفي جميع الأقاليم، لهذا فإن اختيار العينة متعددة المراحل يؤدي إلى توفير كبير في نفقات المسح، ومن هذا المنطلق فإن العينة متعددة المراحل أسهل وأكثر مرونة وتوفيرا لنفقات المسح من طرق العينات الأخرى، مع الإشارة إلى أن الأخطاء في العينات متعددة المراحل أكبر بشكل عام منها في العينات الأخرى حيث من المتوقع أن تحصل هذه الأخطاء في كل مرحلة من مراحل هذه العينة، رغم ذلك فقد استخدم أسلوبها في العديد من دول العالم.
ب- أنواع العينات غير الاحتمالية "غير العشوائية" "Non-Rondom Sample":
إذا كان أفراد المجتمع الأصلي الذي يقوم الباحث بتطبيق أسلوب العينات عليه معروفين تماما تستخدم العينة العشوائية، أما إذا صعب تحديد أفراد المجتمع الأصلي، بحث لا يتمكن الباحث من أخذ عينة عشوائية منهم تمثلهم بدقة، يعمد الباحث إلى أسلوب العينة غير العشوائية، أو غير الاحتمالية، ويختار عينة حسب معايير معينة يضعها الباحث، بحيث يتدخل الباحث في اختيار العينة، وأشكال العينة بهذا الأسلوب هي:
١- عينة الصدفة "Assidental Sample" أو العينة الملائمة "Conveniece sample" يعطي في هذا النوع من العينات لعناصر مجتمع الدراسة الأصلي حرية الاختيار في المشاركة في الدراسة، بحيث لا يكون هناك تحديد مسبق لمن تشملهم العينة، بل يتم اختيار أفراد العينة من بين أول مجموعة يقابلهم الباحث، بحيث يوافق هؤلاء على المشاركة في الدراسة، وذلك ضمن شروط تمثيلا معقولا لمجتمع الدراسة.
يتميز هذا النوع من العينات بالسهولة في اختيار عينة الدراسة وانخفاض التكلفة والوقت والجهد المبذول من الباحث، وبسرعة الوصول إلى أفراد الدراسة والحصول
стр. 307
على نتائج، ومما يؤخذ على هذا النوع من العينات، أنها لا يمكن أن تمثل المجتمع الأصلي بدقة ومن هنا يصعب تعميم نتائج البحث الذي يتناولها على المجتمع كله.
٢- العينة الحصصية "Quota Sample" أو عينة الفئات.
تشبه العينات الحصصية العينات الطبقية من حيث المراحل الأولى في التحديد، بحيث يتم تقسيم مجتمع الدراسة الأصلي إلى فئات أو شرائح ضمن معيار معين، ثم يتم بعد ذلك اختيار العدد المطلوب من كل شريحة، بشكل يتلائم وظروف الباحث، لكنها تختلف عنها في أن الباحث في العينة العشوائية لا يختار الأفراد كما يريد، بينما في العينة الحصصية يقوم الباحث بهذا الاختيار بنفسه، دون أن يلتزم بأية شروط.
٣- العينة الفرضية أو العقدية "Purposive sample" أو الهدفية
يختار الباحث هذا النوع من العينات لتحقيق غرضه، بحيث يقدر حاجته من المعلومات، ويقوم باختيار عينة الدراسة اختيارا حرا، على أساس أنها تحقق أغراض الدراسة من خلال توافر البيانات اللازمة للباحث في أفراد هذه العينة، أي أن هذا النوع من العينات لا يكون ممثلا لأحد بل توفر للباحث البيانات اللازمة لدراسته.
стр. 308
المبحث الثالث: مزايا العينة وعيوبها
تتميز دراسة العينة بأنها:
١- تمثل المجتمع الأصلي، أي أفراد مجتمع البحث، أو جميع مفردات الظاهرة.
٢- إن دراسة جميع مفردات الظاهرة أمر يتطلب وقتا وجهدا وتكاليف مادية، قد لا تمكن الباحث من إجراء بحثه، والعينة تغنيه عن ذلك.
٣- تحقق العينة أهداف الباحث، إذا تمت وفق شروط مضبوطة.
٤- تضعف إمكانية ضبط الرقابة والدقة، مع زيادة حجم البيانات والجهد المطلوب لجمعها، واستخدام العينة يجد من ذلك.
стр. 309
٥- إذا كان المجتمع المدروس متجانسا، فإنه يمكن تعميم النتائج على جميع أفراد هذا المجتمع. أما عيوب العينة فهي:
١- عدم إمكانية العينة حصر كامل عناصر مجتمع الدراسة الأصلي إذا كان متباينا.
٢- يتطلب اختيار العينة في المجتمع الأصلي المتباين زيادة في حجم العينة لتشمل أفراد جميع الفئات.
٣- بعض التصميمات التجريبية تتطلب وجود مجموعات تجريبية، ويعني هذا أن نختار حجما كبيرا للعينة تمثل أفراد المجتمع الأصلي.
٤- النتائج الدقيقة تتطلب عينة كبيرة الحجم، بهدف تعميم النتائج على المجتمع الأصلي الكبير.
٥- قد لا يكون أسلوب البحث مناسبا للاختيار.
٦- قد لا تتوافر الدقة اللازمة في الاختيار، وفي هذه الحالة لا تمثل العينة المجتمع الأصلي كما يجب.
стр. 310
الفصل الثاني عشر: الملاحظة
مدخل
...
الفصل الثاني عشر: الملاحظة "Observation"
تمهيد:
تعد من أقدم طرق جمع البيانات والمعلومات الخاصة بظاهرة ما، كما أنها الخطوة الأولى في البحث العلمي وأهم خطواته، تعني الملاحظة بمعناها البسيط: الانتباه العفوي إلى حادثة أو ظاهرة أو أمر ما، أما الملاحظة العلمية فهي: انتباه مقصود ومنظم ومضبوط للظاهرات أو الحوادث أو الأمور بغية اكتشاف أسبابها وقوانينها.
أو هي كل ملاحظة منهجية تؤدي إلى الكشف عن دقائق الظاهرات المدروسة وعن العلاقات بين عناصرها وبينها وبين الظاهرات الأخرى.
وتعريف آخر: عملية مراقبة أو مشاهدة لسلوك الظاهرات والمشكلات والأحداث ومكوناتها المادية والبيئة ومتابعة سيرها واتجاهاتها وعلاقاتها، بأسلوب علمي منظم ومخطط وهادف، بقصد التفسير وتحديد العلاقة بين المتغيرات، والتنبؤ بسلوك الظاهرة أو توجيهها لخدمة أغراض الإنسان وتلبية احتياجاته١.
ويعرفها البعض: بأنها وسيلة يستخدمها الإنسان العادي في اكتسابه لخبراته ومعلوماته على أن يتبع الباحث في ذلك منهجا معينا يجعل الباحث من ملاحظاته أساسا لمعرفة أو فهم دقيق لظاهرة معينة٢.
تتدرج الملاحظة من الملاحظة العفوية إلى الملاحظة المضبوطة الدقيقة الموجهة العلمية، وتتطلب هذه تخطيطا واعيا، واختبارا لجانب أو جوانب معينة، في موقف معين ووقت محدد وظروف دقيقة ومضبوطة، وفي معظم الأحيان تتطلب استخداما لوسائل وأدوات، وهذا ما دعا العلماء إلى تسميتها بالملاحظة المسلحة وتميزها، عن الملاحظة العزلاء التي تتم بوساطة الحواس.
стр. 311
المبحث الأول: الملاحظة الدقيقة
إن ما يميز الملاحظة الدقيقة هي:
١- الانتباه وهو شرط أساسي من شروط الملاحظة الصحيحة الناجحة والموضوعية وعدم التحيز.
٢- الإحساس ونقصد به الحواس السليمة أو الاستعانة بالأدوات إن احتاج، ولا بد من تفسير الإحساسات للوصول إلى الحقائق.
٣- الإدراك وهو تفسير الإحساس في ضوء أمور من بينها الخبرة السابقة والمقولات العقلية والمنطقية وما الملاحظة إلا خدمة للإدراك.
ومن معوقات الملاحظة الدقيقة احتمال حدوث أخطاء في الإدراك أكبر بكثير منه في الإحساس، فقد تعمل اهتمامات الباحث الشخصية على رؤية ما يريد رؤيته، ويقف هذا عقبة في سبيل الملاحظة الموضوعية، كما يتضح، أن الإدراك عرضة للتحريف والتشويه، لذلك كان لا بد من الحذر، وهذا هو السبب في أن يرى شخصان حادثا واحدا، فيفسرانه تفسيرا متباينا، لهذا يجب أن يتجنب الملاحظ كل الأسباب التي يمنع دقة ملاحظته، وأن يلجأ إلى كل الوسائل التي تعين على الانتباه ودقة الإحساس وضبط الإدراك وسلامته وأهم أسس الملاحظة الدقيقة:
١- أن يقوم الباحث بجميع معلومات أساسية مسبقة عن الشيء الذي سيقوم بملاحظته.
стр. 312
٢- أن يحدد أهداف الملاحظة والأمور الأساسية التي سيقوم بملاحظتها، ويساعده هذا على التركيز في جميع البيانات عن الأمور المراد دراستها، بخاصة، في الدراسات الوصفية واختبار الفرضية.
٣- أن يختار الوسيلة الملائمة لتسجيل الأحداث أو المشاهدات التي سيلاحظها مع التدريب على الوسيلة المختارة.
٤- القيام بالملاحظة بشكل ناقد وبعناية، لأن الكثير من الأمور تبدو بسيطة وغير هامة في تصرفات الأفراد، لكن يكون لها أهمية كبيرة وأثر في مجريات الحادثة أو الظاهرة.
أما شروط الملاحظة العلمية فهي:
١- أن تكون منظمة ومضبوطة، تقوم على أساس سؤال أو مشكلة وفرضية مبدئية توجه هذه الملاحظة وترتب خطوطها، وتحيط بنواحيها المختلفة وتضبط مجرياتها.
٢- أن تكون موضوعية بعيدة عن التحيز، يعف الباحث عن الأخذ بما يؤيد فرضيته وترك ما لا يؤيدها.
٣- أن تكون دقيقة كما وكيفا، بحيث يلجأ الباحث إلى القياس كلما أمكن ذلك، وهو غاية أساسية من أسس العلم.
٤- أن يكون الملاحظ مؤهلا للملاحظة: سليم الحواس، قادرا على الانتباه، في وضع جسمي ونفسي ومادي يمكنه من الملاحظة.
٥- أن يتم تسجيلها بسرعة، لأن الاعتماد على الذاكرة أمر غير مضمون.
٦- التخطيط للملاحظة واجب، فهو يشير إلى وضع خطة علمية يسير الملاحظ وفقها ويتبع خطواتها.
٧- يجب أن يستعين الملاحظ بكل وسيلة أو أداة تساعده على دقة الملاحظة وضبطها.
стр. 313
المبحث الثاني: أنواع الملاحظة وإجراءاتها
١- الملاحظة العفوية البسيطة "Direct"، أي غير المقصودة أو مضبوطة، وهي بداية للملاحظة العلمية، تنجم عنها فرضية، تحتاج إلى بحث وتدقيق، وتستخدم في الدراسات الاكتشافية، كملاحظة سلوك شخص بشكل مباشر، دون تخطيط مسبق.
٢- الملاحظة المقصودة والمضبوطة والمنظمة: أي غير المباشرة "Indirect"، وهي الملاحظة العلمية بالمعنى الصحيح، توجهها فرضية معينة أو نظرية محددة، وتتم في ظروف مخطط لها، وتتم حينما يحدد فيها الباحث المشاهدات التي يريد أن يجمع عنها بيانات.
٣- الملاحظة الفردية والملاحظة الجماعية: ولكل منهما موجبات واستعمال تفرضها طبيعة البحث.
٤- الملاحظة في الطبيعة: وتستعمل في العلوم الطبيعية والسلوكية.
٥- الملاحظة في المخبر هي التجريب، وفيه تضبط المتحولات الحرة جميعها وتثبت إلا واحدا يحول، ويلاحظ التغير مما يؤكد صحة الفرضية أو بطلانها.
٦- الملاحظة في العيادة: وهي جزء من دراسة الحالة، يلجأ إليها الأطباء النفسيون والموجهون التربويون.
وحسب أهداف الملاحظة تقسم الملاحظة إلى:
١- ملاحظة محددة "Structured"، إذا كان لدى الباحث تصور مسبق عن نوع المعلومات التي يلاحظها أو السلوك الذي يراقبه، وقد تكون الملاحظة:
стр. 314
٢- غير محددة "Un structured"، حين يقوم الباحث بدراسة مسحية للتعرف على واقع معين أو بجمع البيانات والمعلومات.
ووفق دور الباحث في الظاهرة موضوع البحث تقسم الملاحظة إلى:
١- ملاحظة بدون مشاركة "Non-participant"، حيث يقوم الملاحظ بدور المتفرج، وقد تكون.
٢- بالمشاركة "Participant"، حيث يعيش الباحث الحدث نفسه، ويكون عضوا في الجماعة التي يلاحظها، ومن مزايا الملاحظة بالمشاركة، أنها تعطي معلومات غزيرة للباحث وإلماما بالظاهرة ومصداقية أكبر في المعلومات، ولكن يعاب عليها، أن تميز الباحث فيها ممكن في استخلاصه وجمعه للبيانات.
هذا وتتم إجراءات الملاحظة على النحو الآتي:
١- تحديد مجال الملاحظة وبيان مكانها وزمانها وفقا لأهداف الدراسة.
٢- إعداد بطاقة الملاحظة لتسجيل المعلومات التي يلاحظها الباحث.
٣- أن يتأكد الملاحظ من صدق ملاحظاته، بوساطة إعادة الملاحظة أكثر من مرة وعلى فترات متباعدة أو مقارنة ما يلاحظه بملاحظة باحث آخر، وبهدف الدقة والصدق والتأكد من عدم تحيز الباحث أو اهتمامه بجانب دون آخر، فلا بد للباحث من أن يعيد الملاحظة ويكررها لضمان صحة ما يلاحظ.
٤- أن يتم تسجيل ما يلاحظه في أثناء الملاحظة، ويقوم بعض الباحثين بتسجيل ملاحظاتهم خلال إجرائها، بأدوات التسجيل، مما يجعل الباحث يحصل على صورة واقعية، ويقلل من إمكانية الوقوع في أخطاء الملاحظة أو النسيان، هذا ونشير إلى أنه يمكن للملاحظ أن يستعين بأفراد آخرين لمساعدته، بشرط تدريبهم بوساطة تحديد أهداف الدراسة والأمور التي يسعى الباحث لملاحظتها.
стр. 315
المبحث الثالث: مزايا الملاحظة وعيوبها
نشير إلى ضرورة استعمال الملاحظة كأداة في جمع البيانات والمعلومات بخاصة في دراسة الظاهرات الاجتماعية ودراسة تحليل المضمون والوثائق وأهم مزاياها:
١- دقة المعلومات بسبب ملاحظة الظاهرات في ظروفها الطبيعية.
٢- الملاحظة من أكثر وسائل جمع المعلومات فائدة للتعرف على الظاهرة أو الحادثة.
٣- دقة التسجيل بسبب إجرائه أثناء فترة الملاحظة.
٤- أسلوب الملاحظة، الأسلوب الأكثر أهمية في حال عدم التمكن من استخدام أسلوب المقابلة والاستبيان لجمع المعلومات، كدراسة الظاهرات الطبيعية.
٥- تسمح بالتعرف على بعض الظاهرات أو الحوادث التي قد لا يفكر الباحث أو المبحوث بأهميتها، إذا ما تم استخدام الاستبيان أو المقابلة.
٦- يمكن إجراء الملاحظة على عدد قليل من المفحوصين.
أما عيوب الملاحظة فهي:
١- يغير الملاحظون سلوكهم إذا شعروا بإجراء الملاحظة.
٢- قد تستغرق الملاحظة وقتا طويلا وجهدا وتكلفة مرتفعة من الباحث.
٣- قد يحدث تحيز من الباحث، إما بسبب تأثره بالأفراد أو عدم نجاحه في تفسير ظاهرة ما.
٤- هناك عوامل دقيقة تؤثر على السلوك في أثناء الملاحظة، مما يؤثر في دقة الملاحظة.
стр. 316
الفصل الثالث عشر: المقابلة
مدخل
...
الفصل الثالث عشر: المقابلة ١ "Interview"
تمهيد:
تعتبر المقابلة استبيانا شفويا، فهي "محادثة موجهة بين الباحث والشخص أو أشخاص آخرين بهدف الوصول إلى حقيقة أو موقف معين، يسعى الباحث للتعرف عليه من أجل تحقيق أهداف الدراسة" وإذا كانت المقابلة الشخصية واحدة من أكثر الوسائل الفعالة في الحصول على البيانات والمعلومات الضرورية، فقد تبدو هذه الوسيلة سهلة بالنسبة للشخص الذي لا خبرة له بهذا الأسلوب، في حين أن أسلوب المقابلة ليس مجرد الالتقاء بعدد الناس، وسؤالهم لبعض الأسئلة العرضية Casual Questions" إنما تقوم على أسس، ولها أنواع ومزايا وعيوب. وهي والاستبيان صنوان ولكن بعض الناس يفضلون تقديم المعلومات الشفوية على تقديم المعلومات كتابيا، وتجري لأغراض عدة منها البحث ومنها التوجيه والعلاج وأحيانا تتكرر على عدة فترات منظمة أو غير منظمة. فردية أو جماعية مقيدة أو حرة.
стр. 317
المبحث الأول: أسس المقابلة العلمية وطرقها
١- أن يعد الباحث للمقابلة مخططا مفصلا" "Detailed outline" يعين فيه الهدف والتركيز على النقاط التي يجب الكشف عنها والسؤال عن أسبابها ومجرياتها، وأن يكون موضوعيا في جميع ذلك.
٢- تحديد زمان ومكان المقابلة، كتحديد وقت إجراء المقابلة وإعطاء المبحوث فكرة عن البحث، وتحديد مكان إجراء المقابلة، ويفضل أن تجري في مكان بعيد عن العمل بهدف الهدوء.
٣- تكوين علاقة بين الباحث والمقابل، بحيث يكون الأول لطيفا مع الثاني صريحا متزنا، دون أي إسفاف أو تعال.
٤- أن يسعى الباحث إلى الحصول على ثقة وتعاون المقابل.
٥- تدريب الأشخاص المكلفين بإجراء المقابلة، والتأكد من كفاءتهم، ويلجأ إلى ذلك عادة إذا كانت المقابلة تستغرق زمنا طويلا، أو إجراء المقابلة مع عدد من الأشخاص.
٦- يجب أن تتم المقابلة في جو مريح للمقابل وأن يمهد له بحديث ودي قصير.
٧- يجب أن يحسن المقابل طرح الأسئلة الواضحة البسيطة، كما يحسن الاستماع إلى محدثه، وأن يسمح للمقابل بالكلام بحرية، ولكن بعدم التمويه وأن يجعل انفعالاته وردود أفعاله كلما أمكن.
٨- أن يقوم الباحث بتسجيل البيانات في بطاقة أو استمارة مقننة، وقد يستخدم وسيلة من وسائل التسجيل الآلي ويفضل تسجيل الملاحظات أثناء المقابلة.
٩- أن يكون الباحث موجها ومديرا لمجريات المقابلة.
١٠- أن يكون مظهره مناسبا مع المستجوبين، لهذا يجب أن يكون لديه فكرة عن الأفراد والجماعات التي ستجري المقابلة معهم.
стр. 318
المبحث الثاني: طرق إجراء المقابلة وأنواعها
تقسم هذه الطرق إلى:
١- المقابلة الشخصية: وتتم المقابلة فيها بين الباحث والشخص المبحوث، وهي الطريقة الأغلب شيوعا.
٢- المقابلة الهاتفية: وتتم فيها المقابلة بوساطة الاتصال الهاتفي.
٣- المقابلة بوساطة الحاسوب: ويستخدم فيها جهاز الحاسوب.
٤- المقابلة بوساطة استخدام التلفاز "الأقمار الصناعية" وأجهزة الاستقبال والإرسال.
يتوقف نجاح المقابلة على إمكانات الباحث والمبحوث، ومدى توفر الوسيلة المستخدمة لدى الطرفين، ومدى توفر الوقت لدى الباحث وإمكاناته المادية.
ولكل نوع من الأنواع المذكورة أعلاه مزاياه وعيوبه، فالمقابلة الشخصية تتميز بارتفاع نسبة الردود وغزارة المعلومات التي يحصل عليها الباحث، والتعرف على ردود وانفاعلات المبحوث، ولكن من عيوبها احتمالية التميز من قبل المبحوث للظهور. بمظهر لائق أمام الباحث، وارتفاع تكاليفها المادية، وحاجتها إلى وقت من البحث، بخاصة في حال تباعد أفراد الدراسة.
أما ميزات المقابلة الهاتفية فهي: سرعة الإنجاز وانخفاض التكاليف، وتجنب الباحث بعض المواقف من قبل المبحوثين، من الفئات الخطرة مثلا كأفراد العصابات، وأهم عيوبها عدم التمكن من إجرائها في حالة حاجتها إلى فترة زمنية طويلة، وأحيانا عدم توافر جهاز الهاتف لدى المبحوث. وإمكانية عدم استمرار المبحوث على الهاتف إلى
стр. 319
نهاية المقابلة، وأخيرا عدم التعرف على ملامح المبحوث أثناء إجابته على أسئلة المقابلة١.
أما أنواع المقابلة فهي:
١- قد تكون المقابلة فردية وقد تكون جماعية، وإن كان معظم المقابلات تتم في موقف خاص مع فرد واحد كما ذكرنا سابقا على أن ثمة مقابلات جماعية تثبت فائدتها.
٢- قد تكون المقابلة مفيدة وقد تكون حرة، ففي الأولى توجه أسئلة بطريقة مقننة، وترتيب معين لكل مسئول، وتقتصر الإجابة على اختيار من استجابات محددة سلفا، وواضح أن هذا النوع من المقابلة علمي دقيق، ولكنه جامد لا يفصح عن نفس المسئول واتجاهاته وميوله بوضوح. أما المقابلة الحرة فمرنة لا قيود عليها، ويمكن تعديل الأسئلة وتبديلها وزيادتها أو نقصانها بحسب الظروف وأوضاع المسئولين، وتشجيعهم على التعبير عن ذواتهم بحرية، وبطبيعة الحال فإن لكل نوع فائدته ومواضع استعماله، وقد يلجأ الباحث إلى المزج بين النوعين، وغالبا ما تستعمل المقابلة الحرة في حالة عدم وجود بيانات أو معلومات واضحة عن طبيعة المشكلة لدى الباحث، وبالتالي فإن عملية المقابلة تكون استطلاعية، ويمتاز هذا النوع من المقابلات بغزارة المعلومات التي يوفرها، ولكن يؤخذ عليها صعوبة تصنيف إجابات المبحوثين.
٣- المقابلات المبرمجة: وفيها تكون الأسئلة محددة مسبقا من قبل الباحث، وكذلك تسلسل الأسئلة، وغالبا ما يتقيد الباحث بهذه الأسئلة، ولا يمنع ذلك من طرح أسئلة غير محددة مسبقا، وقد يستدعي ذلك إشارة إجابة المبحوث لبعض التساؤلات الهامة.
قد تكون الأسئلة المطروحة في هذا النوع من المقابلات ذات إجابات أو متغيرات محددة، حيث يعطي الباحث للمبحوث الخيارات التي يود اختيار أحدها للإجابة عن السؤال، أو قد تصاغ الأسئلة بشكل مفتوح، بمعنى أنه يترك للمبحوث حرية استخدام العبارات والألفاظ والطريقة التي يقترحها للإجابة عن الأسئلة المطروحة، ويتميز هذا النوع من المقابلات بسرعة الإجراء وسهولة تصنيف الإجابات لغايات التحليل.
стр. 320
المبحث الثالث: مزايا المقابلة وعيوبها
تتميز المقابلة بما يلي:
١- تزودنا بمعلومات تكمل طرفا آخر لجميع المعلومات.
٢- ارتفاع الردود مقارنة بالاستبيان.
٣- إنها أفضل الطرق الملائمة لتقويم الصفات الشخصية.
٤- المرونة وقابلية توضيح الأسئلة للمستجيب أو المسئول.
٥- وسيلة لجمع البيانات عن ظاهرات أو انفعالات لا يمكن الحصول عليها بأسلوب آخر.
٦- إمكانية تطبيقها في فئات معينة كالأطفال مما لا يتمكن منه الاستبيان.
٧- يمكن استخدامها مع طريقة الملاحظة للتحقق من المعلومات التي يتم الحصول عليها بأساليب المراسلة.
أما عيوبها فهي:
١- تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين من الباحث.