الفصل الثالث عشر: المقابلة
مدخل
...
الفصل الثالث عشر: المقابلة ١ "Interview"
تمهيد:
تعتبر المقابلة استبيانا شفويا، فهي "محادثة موجهة بين الباحث والشخص أو أشخاص آخرين بهدف الوصول إلى حقيقة أو موقف معين، يسعى الباحث للتعرف عليه من أجل تحقيق أهداف الدراسة" وإذا كانت المقابلة الشخصية واحدة من أكثر الوسائل الفعالة في الحصول على البيانات والمعلومات الضرورية، فقد تبدو هذه الوسيلة سهلة بالنسبة للشخص الذي لا خبرة له بهذا الأسلوب، في حين أن أسلوب المقابلة ليس مجرد الالتقاء بعدد الناس، وسؤالهم لبعض الأسئلة العرضية Casual Questions" إنما تقوم على أسس، ولها أنواع ومزايا وعيوب. وهي والاستبيان صنوان ولكن بعض الناس يفضلون تقديم المعلومات الشفوية على تقديم المعلومات كتابيا، وتجري لأغراض عدة منها البحث ومنها التوجيه والعلاج وأحيانا تتكرر على عدة فترات منظمة أو غير منظمة. فردية أو جماعية مقيدة أو حرة.
стр. 317
المبحث الأول: أسس المقابلة العلمية وطرقها
١- أن يعد الباحث للمقابلة مخططا مفصلا" "Detailed outline" يعين فيه الهدف والتركيز على النقاط التي يجب الكشف عنها والسؤال عن أسبابها ومجرياتها، وأن يكون موضوعيا في جميع ذلك.
٢- تحديد زمان ومكان المقابلة، كتحديد وقت إجراء المقابلة وإعطاء المبحوث فكرة عن البحث، وتحديد مكان إجراء المقابلة، ويفضل أن تجري في مكان بعيد عن العمل بهدف الهدوء.
٣- تكوين علاقة بين الباحث والمقابل، بحيث يكون الأول لطيفا مع الثاني صريحا متزنا، دون أي إسفاف أو تعال.
٤- أن يسعى الباحث إلى الحصول على ثقة وتعاون المقابل.
٥- تدريب الأشخاص المكلفين بإجراء المقابلة، والتأكد من كفاءتهم، ويلجأ إلى ذلك عادة إذا كانت المقابلة تستغرق زمنا طويلا، أو إجراء المقابلة مع عدد من الأشخاص.
٦- يجب أن تتم المقابلة في جو مريح للمقابل وأن يمهد له بحديث ودي قصير.
٧- يجب أن يحسن المقابل طرح الأسئلة الواضحة البسيطة، كما يحسن الاستماع إلى محدثه، وأن يسمح للمقابل بالكلام بحرية، ولكن بعدم التمويه وأن يجعل انفعالاته وردود أفعاله كلما أمكن.
٨- أن يقوم الباحث بتسجيل البيانات في بطاقة أو استمارة مقننة، وقد يستخدم وسيلة من وسائل التسجيل الآلي ويفضل تسجيل الملاحظات أثناء المقابلة.
٩- أن يكون الباحث موجها ومديرا لمجريات المقابلة.
١٠- أن يكون مظهره مناسبا مع المستجوبين، لهذا يجب أن يكون لديه فكرة عن الأفراد والجماعات التي ستجري المقابلة معهم.
стр. 318
المبحث الثاني: طرق إجراء المقابلة وأنواعها
تقسم هذه الطرق إلى:
١- المقابلة الشخصية: وتتم المقابلة فيها بين الباحث والشخص المبحوث، وهي الطريقة الأغلب شيوعا.
٢- المقابلة الهاتفية: وتتم فيها المقابلة بوساطة الاتصال الهاتفي.
٣- المقابلة بوساطة الحاسوب: ويستخدم فيها جهاز الحاسوب.
٤- المقابلة بوساطة استخدام التلفاز "الأقمار الصناعية" وأجهزة الاستقبال والإرسال.
يتوقف نجاح المقابلة على إمكانات الباحث والمبحوث، ومدى توفر الوسيلة المستخدمة لدى الطرفين، ومدى توفر الوقت لدى الباحث وإمكاناته المادية.
ولكل نوع من الأنواع المذكورة أعلاه مزاياه وعيوبه، فالمقابلة الشخصية تتميز بارتفاع نسبة الردود وغزارة المعلومات التي يحصل عليها الباحث، والتعرف على ردود وانفاعلات المبحوث، ولكن من عيوبها احتمالية التميز من قبل المبحوث للظهور. بمظهر لائق أمام الباحث، وارتفاع تكاليفها المادية، وحاجتها إلى وقت من البحث، بخاصة في حال تباعد أفراد الدراسة.
أما ميزات المقابلة الهاتفية فهي: سرعة الإنجاز وانخفاض التكاليف، وتجنب الباحث بعض المواقف من قبل المبحوثين، من الفئات الخطرة مثلا كأفراد العصابات، وأهم عيوبها عدم التمكن من إجرائها في حالة حاجتها إلى فترة زمنية طويلة، وأحيانا عدم توافر جهاز الهاتف لدى المبحوث. وإمكانية عدم استمرار المبحوث على الهاتف إلى
стр. 319
نهاية المقابلة، وأخيرا عدم التعرف على ملامح المبحوث أثناء إجابته على أسئلة المقابلة١.
أما أنواع المقابلة فهي:
١- قد تكون المقابلة فردية وقد تكون جماعية، وإن كان معظم المقابلات تتم في موقف خاص مع فرد واحد كما ذكرنا سابقا على أن ثمة مقابلات جماعية تثبت فائدتها.
٢- قد تكون المقابلة مفيدة وقد تكون حرة، ففي الأولى توجه أسئلة بطريقة مقننة، وترتيب معين لكل مسئول، وتقتصر الإجابة على اختيار من استجابات محددة سلفا، وواضح أن هذا النوع من المقابلة علمي دقيق، ولكنه جامد لا يفصح عن نفس المسئول واتجاهاته وميوله بوضوح. أما المقابلة الحرة فمرنة لا قيود عليها، ويمكن تعديل الأسئلة وتبديلها وزيادتها أو نقصانها بحسب الظروف وأوضاع المسئولين، وتشجيعهم على التعبير عن ذواتهم بحرية، وبطبيعة الحال فإن لكل نوع فائدته ومواضع استعماله، وقد يلجأ الباحث إلى المزج بين النوعين، وغالبا ما تستعمل المقابلة الحرة في حالة عدم وجود بيانات أو معلومات واضحة عن طبيعة المشكلة لدى الباحث، وبالتالي فإن عملية المقابلة تكون استطلاعية، ويمتاز هذا النوع من المقابلات بغزارة المعلومات التي يوفرها، ولكن يؤخذ عليها صعوبة تصنيف إجابات المبحوثين.
٣- المقابلات المبرمجة: وفيها تكون الأسئلة محددة مسبقا من قبل الباحث، وكذلك تسلسل الأسئلة، وغالبا ما يتقيد الباحث بهذه الأسئلة، ولا يمنع ذلك من طرح أسئلة غير محددة مسبقا، وقد يستدعي ذلك إشارة إجابة المبحوث لبعض التساؤلات الهامة.
قد تكون الأسئلة المطروحة في هذا النوع من المقابلات ذات إجابات أو متغيرات محددة، حيث يعطي الباحث للمبحوث الخيارات التي يود اختيار أحدها للإجابة عن السؤال، أو قد تصاغ الأسئلة بشكل مفتوح، بمعنى أنه يترك للمبحوث حرية استخدام العبارات والألفاظ والطريقة التي يقترحها للإجابة عن الأسئلة المطروحة، ويتميز هذا النوع من المقابلات بسرعة الإجراء وسهولة تصنيف الإجابات لغايات التحليل.
стр. 320
المبحث الثالث: مزايا المقابلة وعيوبها
تتميز المقابلة بما يلي:
١- تزودنا بمعلومات تكمل طرفا آخر لجميع المعلومات.
٢- ارتفاع الردود مقارنة بالاستبيان.
٣- إنها أفضل الطرق الملائمة لتقويم الصفات الشخصية.
٤- المرونة وقابلية توضيح الأسئلة للمستجيب أو المسئول.
٥- وسيلة لجمع البيانات عن ظاهرات أو انفعالات لا يمكن الحصول عليها بأسلوب آخر.
٦- إمكانية تطبيقها في فئات معينة كالأطفال مما لا يتمكن منه الاستبيان.
٧- يمكن استخدامها مع طريقة الملاحظة للتحقق من المعلومات التي يتم الحصول عليها بأساليب المراسلة.
أما عيوبها فهي:
١- تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين من الباحث.
стр. 321
٢- صعوبة الوصول إلى بعض الأشخاص ذوي المركز أو بسبب التعرض للخطر.
٣- تأثر المقابلة أحيانا بالحالة النفسية للباحث والمبحوث.
٤- عدم مصداقية المبحوث أحيانا بهدف الظهور بشكل لائق أمام الباحث.
٥- نجاحها يعتمد على رغبة المستجوب بالحديث.
стр. 322
الفصل الرابع عشر: الاستبيان
مدخل
...
الفصل الرابع عشر: الاستبيان ١ "Questionnaire":
تمهيد:
إن اللجوء إلى الاستجواب في الدراسات الميدانية هو في حد ذاته محاولة لسد النقص في البيانات والتأكد من صحتها، ويتم الاستجواب بأسلوبين:
١- أسلوب الاستبيان أو الاستخبار "Questionnaire"
٢- أسلوب المحادثة الحرة غير المقيدة "Informal Discussion" وهو أقل أهمية من الاستبيان وإن كان مكملا له.
الاستبيان أداة مفيدة من أدوات البحث للحصول على الحقائق، والتوصل إلى الوقائع والتعرف على الظروف والأحوال ودراسة المواقف والاتجاهات والآراء، يساعد الملاحظة ويكملها، وهو في بعض الأحيان الوسيلة العملية الوحيدة للقيام بالدراسة العلمية.
هناك من يفرق بين الاستبيان وهو الذي يتم عند الرغبة في تجميع المعلومات الحقيقية، وبين التعرف على الآراء "Opinionnaire" أو قياس الاتجاه المدرج
стр. 323
"Attitude Scale" الذي يتم لمعرفة الآراء المختلفة بالنسبة لمشكلة يعالجها الباحث، والواقع ليس هناك من فرق علمي كبير بين كل من النوعين نظرا لصعوبة التمييز في كثير من الأحيان بين الحقيقة والآراء.
أما الاستبار "interview" فهو مقابلة شخصية مع أفراد قد يجيدون القراءة أو لا يجيدونها، وكذلك الكتابة، فينظر الباحث إلى صحيفة الاستبيان، التي يوجه أسئلتها الخاصة بكل منهم، وهناك تعبير ديواني هو "الاستمارة" ومعناه صحيفة مطبوعة، تتطلب بيانات خاصة لإجازة أمر من الأمور١.
يعتبر الاستبيان من أكثر الأدوات المستخدمة في جمع البيانات بخاصة في العلوم الاجتماعية، والتي تتطلب الحصول على ملعومات أو تصورات أو آراء الأفراد.
стр. 324
المبحث الأول: قواعد تصميم الاستبيان وخطواته
ليس من السهل تصميم الاستبيان، حيث يتطلب دربة وذكاء، وعلى الباحث أن يراعي في تصميم الاستبيان عددا من القواعد والمعايير أثناء صياغته تتعلق بمحتوى الاستبيان وبشكله وأهدافه.
١- القواعد العامة للصياغة: وتشمل محتوى الاستبيان "حجمه" بحيث يفترض أن لا يكون كبيرا حتى لا يتطلب جهدا من المفحوصين، "ومضمونه" كأن يتجنب الباحث وضع أسئلة لا مبرر لها وغير هامة، مما يؤدي إلى الحد من دافعية المفحوصين، كذلك الأسئلة المثيرة للتفكير الدقيق أو المعقد، وإذا كان بالإمكان الحصول على المعلومات من مصادر أخرى كالسجلات والوثائق فلا داعي لطلبها بوساطة الاستبيان، حتى لا يعطي المفحوص فرصة للشك في جدية البحث.
стр. 325
ومما يدفع المفحوص للإجابة بدقة وجدية، وجود عناصر حافزة تجذب انتباهه أو تسمح له بالتعبير عن آرائه، هذا ومن الضروري التأكد من ارتباط كل سؤال في الاستبيان بمشكلة البحث وبتحقيق هدف جزئي، يسهم في تحقيق أهداف البحث.
٢- قواعد تتعلق بصياغة الأسئلة: بحيث تصاغ بعبارات واضحة وكلمات سهلة محدودة المعاني، يسهل إدراك المطلوب من السؤال، ويفضل استعمال الكلمات العامة التي يتفق الناس على معانيها، وأن تكون الجمل المستخدمة في صياغة الأسئلة قصيرة مرتبطة بالمعنى، وأن يحوي السؤال فكرة واحدة فقط، لا تشعر المفحوص بالحرج، وأن توضح جميع الخيارات الممكنة للإجابة والتركيز على الخيارات الرئيسة، وترك بند مفتوح لاحتمالية وجود خيار آخر، وأن تصاغ الأسئلة ذات الطبع الكمي بشكل دقيق ومباشر.
٣- يراعي في صدق الإجابة على الأسئلة: وضع أسئلة خاصة توضح صدق المفحوص، ووضع أسئلة خاصة ترتبط إجابتها بإجابات أسئلة أخرى موجودة في الاستبيان لأن وجود أي خلل في إجابات الأسئلة يكشف عن عدم دقة المفحوص في الإجابة، وهناك وسيلة أخرى للتحقق من صدق الإجابة، هي المقارنة بين الإجابة، الواردة في الاستبيان، مع ما هو موجود في السجلات والوثائق، إلا أن ذلك يتطلب وقتا وجهدا إضافيين.
٤- ترتيب الأسئلة: يراعى فيها البدء بالأسئلة السهلة التي تتناول الحقائق الأولية الواضحة المتعلقة بالسن والعمل والحالة الاجتماعية والدخل الشهري وغير ذلك، وأن ترتب الأسئلة بشكل منطقي متسلسل، كأن يضع الباحث الأسئلة الخاصة بموضوع معين في وحدة واحدة متسلسلة في الاستبيان، وينتقل بعدها إلى أسئلة مرتبطة بموضوع آخر. على أن يبدأ الباحث بالأسئلة السهلة والعامة وأن يعالج كل سؤال مشكلة واحدة١.
стр. 326
أما خطوات تصميم الاستبيان فهي:
يتبع الباحث في تصميم الاستبيان خطوات نجملها في أربع رئيسة هي:
١- بيان هدف الاستبيان في ضوء تحديد موضوع الدراسة بشكل عام "صياغة المشكلة" وبيان أهداف الدراسة.
٢- إعداد الأسئلة الفرعية المتعلقة بالسؤال الرئيس "المشكلة" بحيث تتضمن هدف الاستبيان في ضوء مضمون مشكلة البحث، وذلك أن يصاغ سؤال أو أكثر حول كل موضوع فرعي، وأن يرتبط كل سؤال بجانب من جوانب المشكلة، مع التقليل من عدد الأسئلة، والاقتصار على الضروري منها وبذلك يتم وضع الضرورة الأولية للاستبيان.
٣- إجراء اختبار تجريبي مع الاستبيان، بوساطة عرضه على عدد من أفراد الدراسة قبل اعتماده بشكله النهائي، والطلب منهم التعليق عليه، وبيان الرأي فيما إذا كانت الأسئلة واضحة أو غامضة، ومدى تغطية الاستبيان لموضوع البحث، واقتراح أسئلة إضافية حول مشكلة البحث لم ترد في الاستبيان.
٤- تعديل الاستبيان بناء على الاقتراحات إن وجدت، وبذلك يأخذ الاستبيان الصورة النهائية وفي صورته هذه نميز محتواه.
هذا وإن حسن بناء الاستبيان ودقة صياغته وجودة تبويبه ووضوح المعلومات ومدى تشويقها، تمكن الباحث من أن يحصل على إجابات، لا يستطيع الحصول عليها بالملاحظة المباشرة، وهذا يتطلب تعاون المستخبر وحسن تفهمه وحماسه، وهي أمور ليس من السهل الحصول عليها دائما.
стр. 327
المبحث الثاني: محتويات الاستبيان وأشكاله
يحتوي الاستبيان في شكله النهائي على جزأين هامين:
١- مقدمة الاستبيان: وتتضمن التعريف بالباحث والدراسة، إذ يوضح الباحث فيها الغرض العلمي للاستبيان، ونوع المعلومات التي يحتاج إليها الباحث، من الذين يجيبون على الاستبيان، ويشجعهم على الإجابة الموضوعية والصريحة على فقراته، ويطمئنهم على سرية المعلومات، مما ينعكس إيجابيا على المفحوصين، كما يوضح مدى ما سيقدمه المفحوص من فائدة لاستكمال بحث الباحث: وتشمل المقدمة أيضا توضيحا لطريقة إجابة المفحوصين على فقرات الاستبيان، حيث أن بعض الأسئلة قد تتطلب طريقة إجابة المفحوصين على فقرات الاستبيان، حيث أن بعض الأسئلة قد تتطلب طريقة معينة في الإجابة، كما يتضمن هذا الجزء عنوان الباحث، ويأتي بعد ذلك ضمن صفحة مستقلة بعد الجزء السابق مباشرة.
٢- فقرات الاستبيان: وتشمل أسئلة الاستبيان كافة، مع الإجابة التي توضع أمام كل فقرة، ليقوم الباحث باختيار الإجابة التي يراها مناسبة١.
أما أشكال الاستبيان:
فهي أربعة:
١- الاستبيان المغلق: أو المقيد أو محدود الخيارات، حيث يطلب من المفحوص اختيار الإجابة الصحيحة من مجموعة من الإجابات مثل نعم، لا، قليل، نادر، ويساعد هذا الاستبيان في الحصول على معلومات وبيانات أكثر، مما يساعده على معرفة العوامل والدوافع والأسباب، ولهذا الشكل ميزة واضحة وهي سهولة الإجابة عن أسئلته، حيث لا يتطلب ذلك وقتا طويلا من المفحوصين، كما لا يتطلب من المفحوص أن يأتي بشيء من عنده، وميزة أخرى هي سهولة تصنيف البيانات المجمعة وارتفاع نسبة الردود، ويعاب عليه تقيد المبحوث في إجابات محدودة، وأن الباحث قد يفضل بعض الأمور ولذا من المستحسن أن يضع خيارا أخيرا هو "أمور أخرى".
стр. 328
٢- الاستبيان المفتوح: وفيه يترك للمفحوص حرية التعبير عن آرائه بالتفصيل، وهذا يساعد الباحث على التعرف على الأسباب والعوامل والدوافع التي تؤثر على الآراء والحقائق، ولكن من مآخذ هذا الشكل من الاستبيان أن المبحوث قد يجيب بطريقة تختلف عن قصد الباحث، كما يصعب تصنيف الإجابات وتحليلها من قبل الباحث، وتدني نسبة الردود على هذا النوع من الأسئلة، وإن المفحوصين لا يتحمسون عادة للكتابة عن آرائهم بشكل مفصل، ولا يمتلكون الوقت الكافي للإجابة عن أسئلة تتطلب منهم جهدا، كما أن الباحث يجد صعوبة في دراسة وتصنيف وتحليل إجابات المفحوصين، بشكل يساعده للإفادة منها، وأن تفريغ المعلومات من هذا النوع من الاستبيان أمر عسير إحصائيا إن لم يكن مستحيلا في بعض الأحيان.
٣- الاستبيان المغلق المفتوح: يتكون من أسئلة مغلقة، يطلب من المفحوصين اختيار الإجابة المناسبة لها، وأسئلة مفتوحة تعطيه الحرية في الإجابة، عن أمور لم يسأل الباحث عنها١.
٤- وثمة نوع من الاستبيان هو الاستبيان المصور، تقدم فيه الأسئلة على شكل رسوم وصور بدلا من عبارات مكتوبة، وهذا النوع مفيد مع الأطفال والأميين، وأيضا في حالة التحليل النفسي، وإن كان له عيبان أساسيان:
١- قصر استخدامه على المواقف التي تتضمن خصائص بصرية يمكن تمييزها وفهمها.
٢- من العسير تفنينه.
هذا ويتم توزيع الاستبيان إما بشكل مباشر بوساطة الاتصال بالمفحوصين، أو بوساطة البريد، ومن مميزات الاتصال المباشر: إتاحة الفرصة للباحث دراسة انفعالات المفحوصين وتعبيراتهم الحسية واللفظية، مما يجعله في وضع أفضل لفهم استجاباتهم
стр. 329
وتحليلها، كما أن الباحث يتمكن من الإجابة على بعض تساؤلات المفحوصين التي قد تثار على بعض الأسئلة، وبذا تتاح له الفرصة لتوضيح بعض جوانب الاستبيان، هذا وإن اتصال الباحث المباشر مع المفحوصين، عامل مشجع على الاستجابة، كذلك حال وجود الباحث المباشر مع المفحوصين، عامل مشجع على الاستجابة، كذلك حال وجود الباحث شخصيا مع المفحوصين، يقنع المفحوصين بجدية الموضوع ويتضمن استجابتهم للاستبيان.
أما توزيع الاستبيان بوساطة البريد، فإنه يمكن الاتصال بعدد كبير من المفحوصين، بخاصة من يعمل منهم في مناطق بعيدة عن مكان إجراء البحث، ورغم أن هذا الأسلوب يتطلب وقتا طويلا في وصول الاستبيانات ومن ثم إعادتها، وإن بعضا من الأفراد لا يجيبون على الاستبيان مما يؤدي إلى الحد من حجم العينة عن الحجم المطلوب، إلا أن كثيرا من الجهد والنفقات توفر على الباحث، حيث يسهل البريد الاتصال، ويقلل من الجهد والنفقات، وأحدث الطرق هي تعبئة الاستبيان بالكمبيوتر، بخاصة لدى وجود أجهزته لدى الأفراد المشمولين بالدراسة، وتكون هذه الأجهزة متصلة بما يسمى "Network"، حيث يقوم الباحث بإرسال نسخة من الاستبيان بوساطة الكومبيوتر، ويأتي الرد أيضا بوساطته.
стр. 330
المبحث الثالث: مزايا وعيوب الاستبيان
لا شك أن الاستبيان أداة رئيسة وهامة للعديد من الدراسات، ويمكن تلخيص أهم المزايا بالآتي:
١- توفير الكثير من الجهد والوقت في جميع البيانات، بخاصة إذا تم إرسال الاستبيان بالبريد، وبهذا يمكن تغطية أماكن متباعدة في أقصر وقت ممكن.
٢- تعطي للمبحوث الحرية في اختيار الوقت المناسب لتعبئة الاستبانة، وحرية التفكير، والرجوع إلى بعض المصادر التي يحتاجها.
стр. 331
٣- قد يقلل من التحيز سواء من قبل المبحوث، أو من قبل الباحث.
أما عيوب الاستبيان فهي:
١- انخفاض نسبة الردود، ويعني هذا احتمالية كون آراء أصحاب الاستبانة المردودة مختلفة عن بقية أفراد المجتمع الأصلي للدراسة، مما يؤدي بالتالي إلى الحد من إمكانية التعميم، ويستطيع الباحث لكي يتلافى نقص الردود، أن يجعل أسئلة الاستبيان سهلة واضحة، لأنها تعطي حافزا كبيرا للإجابة، كما أن طريقة طباعة الاستبيان تؤثر في زيادة نسبة المردود، ومما يؤثر أيضا وضع مقدمة تبين أهداف الدراسة من جهة وبيان أن الردود ستبقى سرية، وبيان أهمية هذه الردود في البحث، وأمر هام هو أن يكون الاستبيان مختصرا لا يستغرق وقتا طويلا من المبحوث، هذا ويجب إرسال مغلف مدفوع رسم بريده مع الاستبانة، وإرسال رسالة تذكيرية بعد فترة من تاريخ إرسال النسخة الأولى من الاستبيان.
٢- وجود أسئلة غير مجاب عليها من قبل المستجيبين لأسباب تتعلق بنوع الأسئلة، أو أسباب شخصية تتعلق بالمبحوث، ويمكن تلافي ذلك بصياغة الأسئلة بشكل جيد، وتجنب طرح أسئلة شخصية قدر لإمكان، ووضع ملاحظة في نهاية الاستبيان تطلب من المبحوث التأكد من الإجابة عن جميع الأسئلة.
٣- عدم فهم المستجيب لبعض الأسئلة، وبالتالي تكون إجاباته مختلفة أو مغايرة لقصد الباحث، ويمكن تلافي ذلك بوساطة العناية بصياغة الأسئلة بلغة مفهومة وسهلة تناسب مستوى المبحوثين.
٤- عدم قدرة الباحث على معرفة بعض الأمور الانفعالية أو العاطفية من قبل المبحوث أثناء الإجابة في١ وصول الاستبيانات ومن ثم إعادتها، وإن بعضا من الأفراد لا يجيبون على الاستبيان مما يؤدي إلى الحد من حجم العينة عن الحجم
стр. 332
المطلوب، إلا أن كثيرا من الجهد والنفقات توفر على الباحث، حيث يسهل البريد الاتصال ويقلل من الجهد والنفقات.
ورغم أن طريقة الاستبيان شائعة في البحث، إلا أنها كثيرا ما يساء استخدامها، ونذكر فيما يلي بعض الأخطاء الشائعة، التي ينبغي على الباحث تلافيها.
يأتي في مقدمة هذه الأخطاء معرفة معلومات الاستبيان من مصادر أخرى، وعدم تشجيع المفحوص على الرد، بحيث يشعر المفحوص بأن الأسئلة "أو بعضها" تافهة لا تستحق الرد، أو أن يشمل الاستبيان أسئلة تافهة أو غير مفهومة أو مبهمة، تحتمل إجابات متعارضة، وفي حال كون الإجابة "بنعم" أو "لا" تكون الإجابة دون شرح مناسب للمطلوب.
وفيما يتعلق بمضمون الاستبيان فإن استخدام الاستبيانات الطويلة تجلب الملل إلى المفحوص، كما أن تحيز القائم بالاستبيان لإجابة تثبت صحة فرض، أمر غير مقبول بالنسبة للبحث الموضوعين العلمي، وأن عدم تصميم الاستبيان بدقة، يؤدي إلى عدم الإجابة بدقة بخاصة إذا وجدت الثغرات في إيراد المعلومات.
نشير أخيرا إلى أن كثيرا من المستجيبين يكون لهم تفسيرات مختلفة للتعبير عن نفس الحقائق والأحداث وإن بعض المفحوصين تتأثر إجابتهم بطريقة وضع الأسئلة، إذا كانت هذه الأسئلة توحي بالإجابة، وإن اختلاف مؤهلات وخبرات وتفاعل المفحوصين يؤدي إلى وجود فروق واسعة، كما أن بعضهم يميل إلى تقديم معلومات غير دقيقة أو جزئية، أو إخفاء بعض الآراء والمواقف، وقد لا يتوفر مستوى الجدية المرتفع عند بعض المفحوصين فيجيبون على أسئلة الاستبيان بتسرع وعدم اهتمام، وقد تكون نسبة العائد من ردود الاستبيان قليلة ولا تمثل فئات المجتمع المطلوب استبيانها.
стр. 333
إنما ذكرناه آنفا لا يحول دون تلافيه إذا توافر في الاستبيان الصياغة الجيدة، والقواعد الأساسية لإعداده ويبقى الاستبيان أداة للحصول على الحقائق وتجميع البيانات١.
стр. 334
الفصل الخامس عشر: وسائل القياس
مدخل
...
الفصل الخامس عشر: وسائل القياس
تمهيد:
معنى القياس: هو تحويل الوقائع الكيفية "الصفات" إلى أخرى كمية "متغيرات" أو هو عملية تعيين أعداد ورموز للملاحظات أو للمعطيات المتوفرة حول موضوع من موضوعات الفكر، أي أن هذه العملية تعني تحديد معالم الشيء برموز وأعداد والقياس هو القيام بهذه العملية وفي هذا المعنى نلاحظ جانبين أو عنصرين: الأول وجود منظومة مجردة، تعتمد بخاصة على الثوابت والمتغيرات١ التي يمكن التعبير عنها بقيم عددية، ويعني هذا أن المنظومة رياضية السمة، وأما العنصر الثاني في مفهوم القياس هو المنظومة الواقعية أو الظاهرات والموضوعات المختلفة التي تؤلف بعلاقاتها وخصائصها الواقع الأمبريقي "التجريبي"، وحسب هذا المعنى يعتمد القياس على استبدال المنظومة الثانية بالمنظومة الأولى. وعملية الاستبدال هذه هي مسألة إبداع علمي من جانب الباحث تتطلب منه معرفة بشروط هذه العملية، وقابلية الموضوع المقاس للملاحظة الموضوعية وإمكانية التعبير عنه بخصائص عددية ورياضية، هذا ونميز بين نوعين: القياس "Measurement" والمقايسة "Scaling" حيث يشير الأول إلى
стр. 335
المعنى الخاص للقياس الذي يستخدم في العلوم الطبيعية ويعبر فيها عن خصائص الموضوع المقاس بقيم عددية، بينما يشير الثاني إلى قياس يعتمد الخصائص العددية استنادا إلى تحديد أنظمة الرتب، واستخدام درجة أقل من استعمال "الكم" ومن الإجراءات الرياضية التي يمكن ممارستها بعد ذلك، ومن المستحسن أن ينظر إلى الاستخدامين السابقين على أنهما مستويان للقياس أكثر منهما معنيين متميزين، لأنهما يتضمنان الخاصة الأساسية للقياس، هذا والقياس ليس بخاصة واقعية في الأشياء بل هو نتيجة فاعلية تصدر عن الذهن الإنساني، وهو ضرب من ضروب التحليل يرمي إلى وصف منظم أو مكمم للواقع.
ويتطلب القياس الناجح توافر عدة شروط يتصل أهمها بتعيين المتصل وتحديد قيمته وهذا يستنسخ من طبعة المفهوم الذي يفترض أن يقيسه، مما يتطلب خبرة ودراية بالرياضيات والمنطق وتحليل المفاهيم كما يتطلب دليلا تجريبيا، أما الشروط الأخرى فترتبط بالموضوعية "Objectivity" مستقلة عن أهواء الباحثين والمستجيبين، والثبات "Reliability" أي الحصول على قياسات متساوية في حال قياس نفس الموضوع مرات متعددة والصدق "Validity" أي المدى الذي تقيس فيه أداة معينة ما قصد أن تقيسه، هذا وللمقياس مستويات: المقياس الأسمى، المنظم جزئيا، والترتيبي، المتري المنظم والمسافة، والنسبة. وعلى الباحث أن يختار المناسب منها.
стр. 336
المبحث الأول: كيفية اختيار المقياس
حينما ندرس ظاهرة من الظاهرات علينا أن نختار مقياسا أو معيارا لقياس هذه الظاهرة، ومدى ارتباطها بغيرها من الظاهرات في المكان الوحد أو الأمكنة المتعددة، وكذلك بالنسبة للزمان، ويقودها هذا إلى البحث عن الكيفية التي نختار بها عناصر ومدة القياس. وهو أمر هام يستدعي التفكير والتأمل والتدريب على كيفية الاختيار والمقياس الملائم وطريقة تطبيقه والحصول بوساطته على النتائج المرضية.
إن التغلب على مشكلة اختيار المقياس يتطلب تحديد الهدف وتوضيح الغاية، مما يجعل الباحث أمام عدة مقاييس وما يسهل الاختيار هو توضيح الهدف، رغم ذلك قد يصطدم بصعوبة تتمثل بعدم توافر البيانات ليبني عليها المقياس الذي اختاره، هذا وليس هناك مقياس واحد يخلو من نقد أو نقص أو عيب، كما أن المقياس الواحد قد لا يعطي صورة صادقة وصحيحة عن خصائص الظاهرة ومقدار ارتباطها بغيرها، وشكل هذا الارتباط، إلا إذا كانت جميع المقاييس ترتبط ارتباطا وثيقا بمكان الظاهرة وشكل ونمط توزيعها، وفي هذه الحالة يحقق المقياس غرضه.
أما إذا كان الارتباط بين العناصر المتغيرة غير قوى فإن المقياس في هذه الحالة يكشف عن مظهر من مظاهر التباين أو التنوع المكاني "Areal Defferentiation" لتلك الظاهرة وعلى كل فإن اختيار المقاييس المناسبة والمستعملة في التحليلات العلمية مشكلة يعاني منها كل الباحثين حين يريدون انتقاء وحدة القياس التي تلزم قبل الشروع في اختيار الوسيلة، لهذا كان يفضل أن يحرص الباحث العلمي كل الحرص على اختيار الوحدة القياسية المناسبة التي تخدم غرضه وهدفه، وقد يختار الباحث أكثر من مقياس بهدف الكشف عن المزيد من حقيقة الظاهرة وجوانبها المتعددة، وإعطاء أبعاد أكثر للتحليلات وبالتالي يكون التعمق والموضوعية في الدراسة والبحث أكثر.
هذا وإن الأساس الذي يقوم عليه تصنيف المقاييس يعتمد على عاملين:
١- عدد المقاييس المستخدمة.
٢- عدد الظاهرات التي تدرس في آن واحد.
стр. 337
المبحث الثاني: طرق القياس
لدينا خمس طرق للقياس هي:
١- الطرق التي تستخدم وحدة قياس واحدة.
٢- الطرق التي تستخدم النسبة بين وحدتين قياسيتين لمنطقة واحدة.
٣- الطرق التي تستخدم النسبة بين وحدة قياس واحدة لظاهرتين مختلفتين.
٤- الطرق التي تستخدم النسبة بين وحدتين قياسيتين لظاهرتين.
٥- الطرق التي تستخدم الفرق بين القيمة المطلقة والقيمة النسبية.
وفيما يلي نوضح ما ذكرنا من واقع أمثلة في علم الجغرافية:
١- الطريقة الأولى أبسط الطرق، يختار فيها الباحث الوحدة القياسية قبل استعمالها، ففي ميدان الجغرافية الطبيعية، نستخدم كمية المطر الساقطة "بوصة، سنتم، مليم" عدد ساعات سطوح الشمس، درجة الحرارة، سرعة الرياح ...
٢- الطريقة الثانية: وفيها يلجأ الباحث إلى مقارنة قياس واحد بآخر حين دراسة منطقة معينة، على اعتبار أن هذا يعطيه نتيجة أوضح وصورة أشمل ورؤيا أبعد من الصورة التي يستخدمها فيها مقياسا واحدا، ففي مجال الجغرافية الطبيعية، الرطوبة النسبية، نسبة إشعاع الشمس، نسبة التصريف النهري.
٣- الطريقة الثالثة: لمعرفة مقدار تركز ظاهرة من الظاهرات في منطقة أو مكان ما ينبغي توضيح نسبة هذا التركيز، بوساطة المقارنة مع منطقة أخرى ضمن القطر الواحد أو خارجه فإذا أردنا معرفة النسبة بين التصريف النهري وسرعته يمكننا ذلك بوساطة مقارنته بنهر آخر مشابه وتكون الصورة أوضح إذا أخذنا بالاعتبار التتابع الزمني.
٤- الطريقة الرابعة: فهي متقدمة على سابقتها، وتختص بمقارنة النسبة بين مقياسين في وحدة مساحية "محافظة، مدينة، حي" إلى وحدة مساحية أكبر "قطر، إقليم، بحيث تكون الوحدة المساحية الصغرى جزءا من الوحدة الكبرى، والفرق في القيم بين المقياسين في هاتين الوحدتين يكون إما قيمة مطلقة أو قيمة نسبية.
стр. 338
٥- الطريقة الخامسة: نوضحها بالآتي:
إذا كانت كمية المطر الهاطلة في دولة ما "س" وفي منطقة إدارية من هذه الدولة "ع" فتكون نسبة الهطول في "ع" هي ع/ س × ١٠٠.
يبدو مما سبق أن كل المقاييس التي ذكرناها أعلاه تعتمد على الإحصائيات، وهذا يتطلب منا أن نشير إلى أن لهذه الإحصائيات عيوب في مقدمتها صعوبة التحليل من الناحية الموضوعية لبعض الإحصائيات، وعدم دقة بعضها الآخر، وعدم توافرها، وعدم انتظام صدورها، وقد يقتصر الإحصاء على جانب واحد أو فئة واحدة، وأبعد من هذا وذاك أن الإحصاء لا زال غير مطبق في بعض جهات العالم. ونقول أيضا: إن عملية الموازنة والمقارنة بين الإحصائيات للدولة الواحدة في سنوات متعاقبة أمر غير هين، كما أن المقارنة مع دول أخرى قد لا يتيسر أحيانا نظرا للمقاييس المختلفة التي تتبع في عمليات الإحصاء١، هذا ونشير إلى أنه على كل باحث أن يتعلم شيئا عن لغة الإحصاء لأنها تمده بوسيلة فعالة لوصف البيانات والمعلومات التي قام بتجميعها، فهي تصف سلوك الجماعة، وذلك بناء على دراسة عدد من الحالات الفردية، ويمكن الوصول إلى التعميمات عن طريق تجميع الملاحظات والقياسات بعدد من تلك الحالات٢.
ومن أغراض استخدام الإحصاء التعرف على درجة دقة البيانات والمعلومات والنتائج التي توصلت إليها الدراسة.
أشرنا في موضع آخر إلى أنه لا بد لكل باحث أن يحدد هدفه، وتحديد الهدف يفرض عليه أن يختار مقياسا يساعده على تحقيق هذا الهدف، لهذا يستخدم بالإضافة إلى أدوات البحث وسائل القياس متعددة، لكل منها طرائقها وتقنياتها الخاصة، وليس هناك مقياس يخلو من نقص أو عيب، واختيار أحدها مشكلة يعاني منها الباحثون، وقد يختار الباحث أكثر من مقياس واحد بهدف إعطاء البحث أبعادا أكثر للتحليل والكشف عن حقيقة الظاهرة وجوانبها المتعددة وبالتالي يكون البحث أكثر عمقا ودقة وموضوعية.
стр. 339
المبحث الثالث: الاختبارات
إن وسائل القياس١ متعددة تسعى إلى تحويل الصفات إلى متغيرات٢ نذكر منها:
الاختبارات:
نعنى بها مجموعة المثيرات "أسئلة شفوية أو كتابية أو رسوم" تعد لتقيس سلوكا ما بطريقة كمية، فهي من وسائل القياس التي يستخدمها الباحث للكشف عن الفروق بين الأفراد والجماعات، ومجالها واسع يشمل مختلف ميادين الحياة وأغراضها وهي:
١- المسح: أي جمع المعلومات والبيانات عن واقع معين.
٢- التنبؤ: أي معرفة مدى ما يمكن أن يحدث من تغير على ظاهرة ما أو سلوك ما.
٣- التشخيص: وهو تحديد نواحي القوة والضعف في مجال ما.
٤- العلاج: ونقصد به حل مشكلة ما.
ويراعى في إعداد الاختبارات ما يلي:
١- تحديد المجتمع الذي يضع الباحث الاختبار من أجله.
٢- تحديد مدى القدرة التي سيروزها الاختبار وعمقها.
٣- تحليل جميع العوامل التي تسهم في تلك القدرة تحليلا دقيقا.
стр. 340
٤- انتقاء بنود الاختبار بحيث تغطي العوامل كلها.
٥- المحافظة على نسبة ملائمة لإسهام كل عامل في هذه القدرة.
٦- الاعتناء بصياغة الأسئلة، والتأكد من مستوى صعوبتها بالنسبة للمفحوصين.
٧- وضع حدود زمنية للإجابة.
٨- إجراء تجربة محدودة، يطبق فيها الاختبار بعد إنجازه على عينة محدودة.
٩- في ضوء التطبيق يضع الباحث صيغة نهائية للاختبار.
وقد يعد الباحث معايير تساعد مستخدم الاختبار على تحديد مستوى القدرة المناسبة لدى المفحوصين "متوسط، فوق المتوسط، تحت الوسط ... ".
صفات الاختبار الجيد.
لا بد للباحث من أن يعنى بأمور أربعة:
١- الموضوعية "Objectivity".
٢- الصدق "Validity".
٣- ثبات الاختبار "Reliability".
٤- إمكانية استخدامه.
١- الموضوعية: وهي أولى صفات الاختبار الجيد، ويعتبر الاختبار موضوعيا، إذا كان يعطي الدرجات نفسها بغض النظر عن الشخص الذي يصممه، ودون تدخل أحكامه الذاتية، كما يكون الاختبار موضوعيا إذا كانت الأسئلة محددة وكذلك الإجابات، بحيث يكون للسؤال الواحد جواب واحد.
٢- الصدق: يكون الاختبار صادقا إذا كان يقيس ما وضع الاختبار له، ولتحقيق هذا الصدق أساليب تقنية عديدة، ونميز: صدق المضمون أو المحتوى "Content
стр. 341
Validity" والصدق التنبوئي "predivive validity" وفيه يطبق الباحث الاختبار ثم يتابع سلوك المفحوصين فيما بعد، فإذا اتفق مستوى أدائهم على الاختبار مع سلوك المفحوصين في مجال آخر، يتصل بما قاسه الاختبار فإن لهذا الاختبار قدرة تنبوئية، والصدق التنبؤي مفيد في كثير من المجالات العملية: التربية، الصناعة، الإدارة.
وهناك الصدق التلازمي "Concurent Vallidity"، يطبق فيها الاختبار على مجموعتين من المفحوصين مستواهما متفاوت، نعرفه جيدا قبل الاختبار، فإذا كانت النتيجة متفاوتة في الدرجات فإن الاختبار يكون صادقا، والصدق التلازمي يشبه التنبؤي، إلا أن التنبؤي يتطلب وقتا طويلا وكلاهما يعتمد على التجريب، لذلك يطلق عليهما الصدق التجريبي "Empirical Validity" هناك أيضا صدق المحكمين "Trustees validity" وهو عرض الاختبار على متخصصين وخبراء، وبه يثبت أن هذا الاختبار يقيس السلوك الذي رضع لقياسه أو العكس، أما الصدق الظاهري "Face Validity" فهو الاختبار الصادق ظاهريا، وليس حقيقيا، وأخيرا الصدق العاملي "Factov Validity" ويعتمد على استخدام منهج التحليل العاملي "Factor Analysis" وهو منهج إحصائي لقياس العلاقة بين مجموعة من الاختبارات على عدد من المفحوصين، ثم يحسب معامل الارتباط بين كل اختبار وسائر الاختبارات الأخرى، فإذا كان معامل الارتباط عاليا بين الاختبارين، فإن ذلك يعني وجود سمات مشتركة بين الاختبارين، ويمكن وصفهما تحت عامل مشترك واحد يشتملهما، ويمكن أيضا حساب الصدق العاملي بوساطة حساب معامل الارتباط بين فقرات الاختبار الواحد أو بين واحدة من فقراته وبين الاختبار ككل، وكلما كان معامل الارتباط عاليا، فإن ذلك دليل على صدق الفقرة.
٣- ثبات الاختبار: "Reliability" الاختبار الثابت هو الذي يعطي نفس النتائج أو نتائج متقاربة، إذا طبق أكثر من مرة في ظروف متماثلة، ويمكن حساب ثبات الاختبار:
стр. 342
١- بإعادة الاختبار "Test-retest Method" وبهدف الثبات يجب أن لا تطول الفترة بين إجراء الاختبارات بحيث يزداد المفحوصون نضجا، أو أن لا تكون قصيرة، حيث يتذكر المفحوصون بعض أجزاء الاختبار.
٢- كما يمكن حساب ثبات الاختبار بطريقة التجزئة النصفية "Split Halfmethod" أي أن يتم قسم الاختبار عشوائيا إلى نصفين ويحسب الارتباط بين درجات النصفين، ويكون الاختبار ثابتا إذا كان معامل الارتباط عاليا.
٣- إثبات الاختبار بوساطة الصور المتكافئة أي بعد أن يعد الباحث اختبارا مكافئا للاختبار الذي يريد أن يستخدمه على أن توافر فيه المواصفات نفسها والعدد من الأسئلة والصياغة والمحتوى ومستوى الصعوبة والأهداف، كما يضع تعليمات مشابهة للاختبارين تتضمن زمنا موحدا وأمثلة توضيحية، ثم يطبق الباحث الاختبار الأول ومن ثم الاختبار الثاني المكافئ للأول من بعد مرور فترة زمنية ثم يحسب معامل الارتباط بين درجات المفحوصين على الاختبارين وعلى الباحث، أن يتأكد من تكافؤ صورتي الاختبار، ويؤخذ على هذه الطريقة أنها تتطلب جهدا كبيرا من الباحث حين بعد اختبارين متكافئين.
يؤثر في ثبات الاختبار عدة عوامل:
١- طول الاختبار، ويتضمن ذلك طول مدة الاختبار وعدد الأسئلة، وطول الاختبار يعني أن قدرته على تمثيل السلوك المقاس كبيرة، لقياسه عينة واسعة.
٢- زمن الاختبار: إذا أنه كلما زاد الوقت الذي يستغرقه المفحوص في أداء الأخبار يزداد ثبات هذا الاختبار، والعكس بانخفاض مدة الاختبار.
٣- تجانس المفحوصين: بحيث يزداد ثبات الاختبار إذا كان المفحوصون أقل تجانسا ومن مستويات مختلفة.
٤- مستوى صعوبة الاختبار: لأن الاختبار الصعب يدفع المفحوصين إلى التخمين.
أما إمكانية استخدام الاختبار وملاءمته العملية فأمر هام وضروري، ذلك بأنه إذا وجد اختباران متساويان في الصدق والثبات يفضل عادة الاختبار الذي يكون أقل كلفة وأسهل في التصحيح وأسرع، وله معايير سهلة التطبيق. هذا وقد بحثنا في موضع آخر أقسام الاختبارات لدى بحثنا تمييز الفروض الجيدة.
стр. 343
المبحث الرابع: الأساليب الإسقاطية
هناك كثير من الأحاسيس والمشاعر الكامنة لدى الأفراد يصعب جمع البيانات عنها بطرق المقابلة والاستبيان والملاحظة. وذلك لعدم رغبة الأفراد بالتصريح عن مشاعرهم وعواطفهم واتجاهاتهم، أو أن المبحوث لا يعي هذه المشاعر والعواطف، لهذا كان لا بد من وسيلة يؤثر فيها الباحث على المبحوث بجعله يظهر تلك العواطف بطريقة ما، ويتم ذلك باستخدام الأساليب الإسقاطية، ويجري أغلبها في الدراسات النفسية.
يطلب من المفحوص في هذه الطريقة تفسير مثيرات غامضة، أو الاستجابة لها بحرية بدلا من أن يطلب منه معلومات محددة، وذلك بتعريضه إلى مواقف معينة، وعن طريق الاستجابات التلقائية، يكشف المفحوص دون وعي منه عن شخصيته وخصائصها، وتعتبر هذه الطريقة أو الوسيلة، أصعب الوسائل لجمع البيانات، لما تحتاج إلى مهارة كبيرة من قبل الباحث لتحليل ودراسة ردود الفعل الناتجة.
هذا وللأساليب الإسقاطية ثلاث وسائل رئيسة هي:
١- الأساليب الإسقاطية المصورة، وتستخدم فيها صورة، أو مجموعة من الصور الغامضة إما لتفهم موضوع "التعليق على الصورة" أو لتوضيح بعض الأشكال وما يعني كل شكل للمفحوص.
стр. 344
٢- مجموعة تعتمد على الكلمات والألفاظ: ويتم هناك استخدام تعبيرات أو جمل أو قصة "إعطاء مرادف لكلمات أصلية" أو إكمال العبارات، أو اختبار تكملة القصص.
٣- الأساليب السيكودرامية: يطلب من المبحوث القيام بدور معين أو تمثل شخصية معينة، ومن خلال ذلك تدرس بعض الجوانب الخفية في شخصية المبحوث، أو أخذ مجموعة من الأفراد وتقسيمهم إلى قسمين أو ثلاثة والطب من مجموعة الدفاع عن فكرة أو رأي معين.
هذه الأساليب تكشف عن وعي المفحوص وخصائصه وشخصيته وصفاته دون وعي منه، على أن تفسير هذه الاستجابات أمر لا يستطيعه إلا المتخصصون وتغيير هذا الاختبارات أمر عسير، رغم ذلك فإن للأساليب الإسقاطية مزايا أهمها: أنها تفيد في دراسة بعض جوانب الشخصية أو الانفعالات أو الاتجاهات بطريقة يصعب دراستها بالطرق الأخرى مثل الاستبانة والملاحظة والمقابلة.
أما عيوب هذه الأساليب فهي:
١- صعوبة تفسير المعلومات أحيانا.
٢- احتمال التحيز من قبل الباحث أو المبحوث فقد يتحيز الباحث في طريقة تفسير البيانات، كما قد يكون هناك تحيز من المبحوث أيضا، إذا أدرك دوافع أو غايات الأسلوب المستخدم وبالتالي يعطي انفعالات غير صحيحة.
٣- صعوبة تصنيف أو تبويب البيانات المجمعة.
٤- احتمالية عدم تعاون المبحوثين.
٥- اقتصار هذا النوع من الدراسات النفسية وصعوبة تطبيقها على الدراسات الأخرى.
стр. 345
المبحث الخامس: أساليب أخرى
- البيانات المفصلة:
وهي وسائل تحاول أن تستقصي جانبا أو أكثر من سلوك الفرد، أكثر من محاولتها قياس هذه الجوانب أو روزها بالمعنى المألوف للقياس والروز، والبيان المفصل هو بيان يقدم معلومات مفصلة عن الصفات الشخصية لفرد ما واهتماماته ومواقفه، إن ما تطلبه هذه البيانات من المفحوصين معلومات عن سلوكهم دون تقيدهم بوقت سريع، بحيث يقدم للمفحوص قائمة من البنود تصف العامل المقيس ويطلب إليه أن يبين أفضلياته، أو يؤشر على الصفة التي تصف سلوكه العادي، وبعد ذلك يقوم الباحث بتقييم تلك الاستجابات بهدف الحصول على صورة مفصلة لاستعدادات المفحوص الرئيسة واتجاهات وميوله ونشير هنا إلى أن هذه البيانات مقننة بطرائق علمية معروفة.
- روائز التقدير:
ليس لهذه الروائز دقة قصوى في الروز والقياس، ولهذه الروائز أربعة مستويات هي:
١- الروائز الاسمية.
٢- الروائز الترتيبية.
٣- رائز المسافات.
٤- رائز النسب. وأبسطها الروائز الاسمية. حيث تصنف فيها الأمور في فئتين مختلفتين أو أكثر، ولا تقوم بين الفئات علاقات منتظمة.
أما في الروائز الترتيبية، فإن الأشياء تصنف وفق ترتيب محدود بوضوح، ولكن المسافات بين الأشياء المتتابعة غير معروفة، وقد تكون غير متساوية أما في رائز المسافات فإنه لا يكتفي بترتيب الأمور ترتيبا محددا، أو تحديدا واضحا، ولكنه يستخدم وسائل أخرى لتحديد مسافات متساوية البعد تستخدم في عملية الروز أو
стр. 346
القياس، وأخيرا رائز النسب فهو أرقاها وتتوفر فيه جميع خصائص رائز المسافات بالإضافة إلى أن له صفرا مطلقا يوفر نقطة بداية ثابتة للروز والقياس.
- بطاقة تقدير:
تسمى أحيانا برائز التقدير الرقمي، وهي تيسر تقدير عدد كبير من العناصر التي تسهم في تحديد مكانة أمر ما معقد، وتتم عملية التقدير بإعطاء العامل المقدر علامة، وتجمع العلامات فنحصل على درجة كلية تدل على التقدير العام للأمر المدروس.
- المقياس المتدرج:
يحدد هذا المقياس درجة متغير ما أو شدته أو تكراره، وبهدف إعداد مقياس متدرج يحدد الباحث العامل المقيس ويحدد وحدات أو فئات متدرجة وذلك بغية التمييز أو المفاضلة بين درجات العامل المقيس، ومن ثم يصنف هذه الوحدات أو الفئات بطريقة ما، هذا ولا يوجد قاعدة تعين عدد الوحدات أو الفئات، التي توضع على المقياس، وإن كان وضع فئات قليلة جدا يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، كما أن وضع فئات كثيرة جدا يجعل من الصعوبة أن يميز الباحث بين الفئة والفئة التي تليها على المقياس، وقد تكون واحدات المقياس من أرقام أو عبارات وصفية توضع على امتداد بخط مستقيم من مثل: ١، ٢، ٣، ٤؛ أو دائما، كثيرا، أحيانا، نادرا، أبدا.
- مقياس الرتب:
وهو مقارنة صفات أو تقديرات المدروسين بعضهم ببعض، بحيث يعطي الذي تتوفر فيه أعلى مستوى من الصفات المحددة الرقم "١" والذي يليه "٢" وهكذا حتى يعطي أقلهم الرقم "١٢".
стр. 347
- مقياس المسافات المتساوية "قياس الاتجاهات":
تستخدم في المقارنة الزوجية لموضوعين من الموضوعات، للتعرف على تفضيل المفحوصين لأحدهما "أو مجموعة منهما" على البعض الآخر، ويمكن بهذه الطريقة مقارنة أي قدر من الموضوعات، إن أول من ابتكر هذا المقياس العالم الأمريكي "ثورستون" حيث يعطي لعدد كبير من الحكام عددا من العبارات المستقلة تعبر عن درجات مختلفة من الشعور نحو جماعة، أو مؤسسة أو فكرة أو موضوع، ويطلب من كل منهم أن يرتب هذه العبارات ترتيبا موضوعيا، وفي مجموعة تتراوح عادة بين "٧ و١١" وتبدو المسافات بينها متساوية سيكولوجيا، ويطلب إلى الحكم أن يرتب هذه العبارات بحيث تمثل عبارات المجموعة الأولى الاتجاه الأكثر تفضيلا، وتمثل تلك التي تقع في العبارات الأخيرة الاتجاه الأقل تفضيلا، وبعد ذلك يحسب الباحث عدد مرات دخول كل عبارة في كل مجموعة، ويعين لكل عبارة وزنا يبني على أساس وسيط المواضع التي أعطاها لها الحكام. ومتى تم وضع القياس، يطبق على المفحوصين وحينئذ يعلم المفحوص على العبارات التي يوافق عليها فقط، وتكون درجته هي وسيط أوزان العبارات، وهناك طرق أخرى لقياس الاتجاهات كطريقة ليكرت وجتمان وغيرهما.
-الطريقة السيسومترية "قياس العلاقات الاجتماعية":
ابتداع هذه الطريقة العالم "مورينو" حيث يقوم برسم السوسيوغرام الذي يوضح العلاقات في صورة رياضية كمية تجعلها قابلة للتحليل والتفسير العلمي، وتتضمن هذه الطريقة في أبسط صورها أن يطلب من كل عضو في الجماعة تحديد أي الأعضاء الآخرين يفضل أن يرتبط به بعلاقة ما أو يشاركه في نشاط معين، وأحيانا يطلب من المفحوصين كتابة اختيارين أو ثلاثة أو كتابة أسماء الأشخاص الذين يرفضونهم، ثم تمثل الاختيارات بمخطط بياني للعلاقات الاجتماعية "سوسيو غرام" حيث يوضع اسم
стр. 348
كل شخص في دائرة مثلا، وترسم خطوط توصل بينهم "خطوط متصلة للقبول ومتقطعة للرفض" كما ترسم أسهم تمثل اتجاه العلاقات بين الأشخاص، فتكون لدينا شبكة تصور علاقات القبول أو الرفض أو كليهما معا.
- طريقة بوجاردوس "لقياس البعد الاجتماعي":
وضع هذا العالم عدة عبارات لقياس البعد الاجتماعي، يعبر كل منهما عن موقف من مواقف الحياة الحقيقية، ثم يتعرف على مدى البعد الاجتماعي "التنافر، التعاون، المحبة، الكراهية ... " بين شخص أو جماعة وشخص أو جماعة أخرى ... وعيب هذا المقياس أنه لا توجد فيه قيمة صفر معروفة، وهو يفترض وجود مقادير متساوية من البعد الاجتماعي بين كل نقطة في المقياس والنقطة التالية لها، ولكن هذا التساوي أمر غير مثبت. كما يخلط بين الاستخدامين الأصلي والترتيبي للأعداد، ويصلح بصورة خاصة لقياس القيم المعطاة للأطفال ولدراسة الحجم المرغوب أو المثالي للعائلة.
стр. 349
الباب الخامس: مصادر البحث العلمي
الفصل السادس عشر: إعداد المصادر والمراجع وتقويمها
مدخل
...
الباب الخامس: مصادر البحث العلمي
الفصل السادس عشر: إعداد المصادر والمراجع وتقويمها
تمهيد:
جمع مصادر البحث هو الخطوة الثانية بعد طرح المشكلة، يعود إليها الباحث في دراسته، ويستقي منها مادة بحثه، ويقوم بإجرائه من خلال ما توفره من معطيات لذلك فهي أهم أسس تقويمه وتحديد قيمته وجودته، تبعا لمدى حداثتها وتوثيقها واعتمادها، وكلما تقدمنا مع الزمن وجدنا اهتمام الباحثين بالمصادر يزداد، توثيقا لما يؤلفون ويصنفون، ولا ريب أن القدماء من أسلافنا عنوا عناية واسعة بالتوثيق، ونعرض لمثل هو ياقوت الحموي في كتابيه "معجم الأدباء" "معجم البلدان".
عودة إلى كتابه الأول، نجده يسجل في مقدمته كثيرا من المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه، كما ذكر في ثناياه بعض مصادره، وبالمثل صنع في كتابه "معجم البلدان" بل أسهب إسهابا طويلا في بيان مصادره فيه، وهو يفصل القول على هذا النمط "قد صنف المتقدمون في أسماء الأماكن كتبا، وبهم اقتدينا وبهم اهتدينا".
يبدأ مصادره بالمصادر اليونانية المترجمة، ورجوع ياقوت إليها يشبه رجوعنا إلى المصادر الأجنبية في الموضوعات المتصلة بها، كذلك ذكر الجغرافيين الإسلاميين، بحيث لم يترك مصدرا لهم إلا اطلع عليه وأفاد منه إلا ذكره، ولم يقتصر على ذكر المصادر المخطوطة بل ذكر أيضا مصدرين آخرين هما سماعه من العلماء ثقات وقد سماهم الرواة، ثم ما وقف من خلال رحلاته في البلاد العربية وتطوافه فيها، ومشاهداته، وهي مصدر جغرافي حيث يحمل طابع الدراسات الميدانية، وهكذا جمع ياقوت بين ما يسمى اليوم بالمصدر الأولي أو المصدر الأصلي وبين ما نسميه بالمرجع، وهذا ما يرى لدى الباحثين اليوم، وهو الجمع بين الاقتباس والدراسات الميدانية.
стр. 350
المبحث الأول: المصدر والمرجع
وبهدف التوضيح وليس التكرار، إن علماء البحث العلمي والدراسات المنهجية اليوم يقسمون المصادر وفروعها إلى مصادر "أولى" وإلى مصادر "مشتقة" ويطلقون على الأولى اسم "مصادر أصلية" أو أصول أو مصادر فقط، وهي أول مادة مباشرة متصلة بالحقيقة المدروسة، أما المصادر المشتقة فهي تلك المقتبسة من المصادر الأولى، وقد تكون "مصادر ثانية" إذا كان الاقتباس مباشرا، وقد تكون من الدرجة الثالثة، إذا ما بنيت على مصادر ثانية، فتاريخ الطبري١ مثلا الممتد حتى سنة "٣٠٢هـ" هو مصدر ثان للعصر الراشدي والأموي والعباسي حتى بدء فترة حياته، وتاريخ ابن الأثير "الكامل" هو مصدر من الدرجة الثالثة بالنسبة لهذه العصور لاعتماده على الطبري٢ فيها.
وفي الحقيقة إن مثل هذا التقسيم لا يمكن أن يكون له صفة الإطلاق، إذ أن كثيرا من المصادر لا سيما المكتوبة ذات طبيعة مزدوجة، أي هي أصل ومشتق في آن واحد، فقليلون هم الذين يكتفون بتدوين ما شاهدوه مباشرة، ويقدمون مادة لمشاهداتهم المباشرة بدراسات معتمدة على الأصول السابقة، فتاريخ الطبري أصل بالنسبة للنصف الثاني من القرن "الثالث الهجري" الذي كان معاصرا له، لكنه مشتق
стр. 351
بالنسبة للعصر الراشدي والأموي، وكذلك ابن الأثير أصل بالنسبة للنصف الثاني من القرن "السادس الهجري وأوائل السابع".
وهكذا فإن ما يرجع الباحث إليه بقصد الحصول على معلومات أو حقائق أولية إما أن تكون:
١- مصادر أصلية: وهي أقدم ما يحوي مادة موضوع ما، وهي الوثائق والدراسات الأولى عنه، وتشمل المخطوطات القيمة التي لم يسبق نشرها والوثائق ومذكرات القادة والساسة وحيثيات الحكم المسببة للأحكام القضائية والخطابات الخاصة واليوميات والدراسات الشخصية للأمكنة واللوحات التاريخية والكتب التي يكون مؤلفوها شاهدوا الفترة التي هي موضوع البحث والإحصائيات ...
٢- مصادر ثانوية: وتسمى "المراجع" وتعتمد في مادتها العلمية على مصادر الأصلية الأولى وعلى كل فالمصدر مرجع دون العكس.
وهناك من يرى أن كلمة "المراجع" تعني كل شيء رجع إليه الباحث أثناء بحثه، فأفاد منه فائدة ثانوية، ولا يمانع البعض بإطلاق كلمة مصدر على كلا النوعين، وعدم الميل إلى تلك التفرقة، والمهم أن البحث الأصيل هو الذي يعتمد على المصادر الأصلية، ومن أجل إبراز الأهمية العلمية للمصدر الأصيل، فإنه لدى توافر مصادر متعددة عن نقطة واحدة في البحث، يثبت في الهامش المصدر الأقدم، لأنه هو الأصيل، وقد يثبت المصدر المتأخر إذا كان الأول المنقول عنه مفقودا، أو مخطوطا يصعب قراءته "ويفضل العودة إلى المطبوع أكثر منه إلى المخطوط" أو احتوى المصدر المتأخر جوانب في البحث لم يستوفها المصدر المتقدم، ويفصل بين المصدر والمصدر بفاصلة منقوطة.
إن ما يسمى بالمرجع هو ما يرجع للاطلاع المؤقت، والمعرفة معلومة أو أكثر من وقت لآخر، يقتبس منه نقطة محدودة، أو معلومات معينة بذاتها، والمراجع التي تتسم بالشمول في التغطية، والتركيز في العرض، والتنظيم المعين "هجائي، زمني، موضوعي، مكاني" تقدم المعرفة البشرية في صور وأشكال مختلفة بسهولة وسرعة، كما أنها تقود الباحث إلى معرفة مصادر البحث الأصلية، التي تحتوي المزيد من الحقائق والدقائق والمعلومات المفصلة، لهذا كانت معرفة المراجع بأنواعها المختلفة وطريقة استخدامها أمرا حيويا بالنسبة للباحثين العلميين على اختلاف تخصصاتهم، بخاصة إذا كانت هذه المراجع تتعلق ببحوث علمية حديثة، تعتبر آخر ما توصل إليه العلم١.
стр. 352
المبحث الثاني: إعداد المراجع وتقويمها
تعد المراجع على النحو التالي:
١- قراءة ما كتب عن موضوع البحث بدوائر المعارف العالمية، والموضوع الواحد يبحث في عدة مقالات غالبا، وتضع دوائر المعارف أيدي الباحثين على المصادر الأصلية، بما تذكره من مراجع لما تورده من معلومات.
٢- يستعان في هذه المرحلة بالكتب الحديثة القيمة التي تثبت مراجع ما احتوته.
٣- أن يتحدث الباحث مع من له خبرة بهذه الدراسة.
٤- أن يراجع الباحث فهارس المكتبات في المادة التي يبحث فيها.
٥- أن يقرأ الباحث الأبحاث الجديدة التي تنشر بمجلات تعنى بمثل دراسته.
وملاحظة هامة نشير إليها هي أن يثبت الباحث أمام كل مرجع مكان وجوده، والرمز الموضوع له إن كان في مكتبة عامة، أو اسم صاحبه إن كان في مكتبة خاصة، لأنه قد يحتاج إليها من حين لآخر.
طبيعي أن تختلف كثرة المصادر وقلتها باختلاف موضوعات البحث، ومسألة التعرف على المصادر وكيفيتها، هي مسألة لا تحل إلا عن طريق القراءة الواسعة.
стр. 353
المتصلة بالموضوع الذي يريد الباحث أن يدرسه، ولا تقفه هذه القراءة على كثير من المصادر فحسب، بل تقفه أيضا على من كتبوا في موضوعه، أو ما يمت إليه بصلة وقد ينفذ إلى معرفة حركات واتجاهات في حاجة إلى بحث جديد، وقد يجد في هذه الكتابات تنبيها إلى دراسة مشكلات لم يكن متنبها إليها، كما قد يتنبه إلى أكثر من المصادر الأساسية وغير الأساسية.
ومما ينبغي أن يتحاشاه الباحث أن يعني بموضوع يفتقر إلى لغة لا يتقنها إتقانا تاما، ومن هذا القبيل المصادر التاريخية المتأخرة في عصر المماليك، فإنها تحمل مصطلحات تركية كثيرة، على نحو ما يتضح في الجزأين "الثاني عشر والثالث عشر" من النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، ومما يتصل بذلك كثرة المصطلحات العلمية، فإذا لم يفهم الباحث المصطلحات فهما دقيقا اضطرب فهمه لما يبحثه، لهذا حري بالباحث أن يبتعد عن مثل هذه الموضوعات التي سيجد عثرات في مصادرها.
تشير إلى خطأ يرد لدى الباحثين، وهو أنهم يجدون في بحث سابق لهم إشارة إلى مصدر فيأخذون هذا المصدر عنه، ورقم صفحته دون الاطلاع عليه، أو مراجعة له، أو الوقوف على ما قد يقع فيه من تحريف في رقم الصفحة، وقد يعمد الباحث إلى كتاب مزود بكثير من النصوص والمصادر، يتنقل منها بما في ذلك ما يوجد فيها من استنباطات، مما يجعل سمة بحثه أنه ترداد وليس إبداعا وأصالة، فالغرض من البحث أن يستنبط الباحث من مجموع ما يقرأ قضايا وأفكارا جديدة، وليس الهدف منه أن يدل الباحث على كثرة ما قرأ من المصادر المتصلة مباشرة بالبحث وغير المتصلة، إن الغرض الحقيقي من البحث هو استنباط نظرية لم يسبق إلى استنباطها أحد، وليس حشد المصادر مما يخرج الباحث أحيانا عن غايته ومهمته.
لعل فيما قدمناه ما يوضح أهمية استخدام المصادر والانتفاع بها، فليس يكفي أن نجمعها بل لا بد من أن نحسن الإفادة منها أكبر فائدة، ولعل في تقويم الباحث للمرجع ما يعينه على الإفادة منه، ويشمل تقويم المرجع ما يلي:
стр. 354
١- مدى الثقة بالمؤلف أو "المؤلفين أو المحررين" وفي الناشر والهيئة المصدرة، وحداثة العمل فيما يتعلق بالبحوث الحديثة، هل هو جديد في عالم التأليف وما درجة ذلك؟ وأصالتها وقدمها فيما يتعلق ببحوث تعود في أصلها إلى عصور أخرى، عصر موضوع الدراسة.
٢- الشمول والتغطية: أي مقدار تمثيل المرجع للغرض المقصود منه، ومدى تغطية موضوع البحث، ومدى ما تعكس البيلوغرافيات الموجودة فيه قيمته البحثية والعلمية وتقود القارئ لمزيد من المعلومات.
٣- المنهاج: بخاصة الدقة والموضوعية والأسلوب.
٤- الشكل: ويشمل الإخراج المادي للمرجع بخاصة الأشكال والرسوم الموجودة ونوعيتها ودرجة ارتباطها بالمادة العلمية.
٥- التنظيم في العرض: ويشمل سلامة تتابع المحتويات، هل هي مرتبة هجائيا أم زمنيا، أم جدوليا، أم مكانيا أم موضوعيا، وهل يشمل التنظيم استكمال النص بالفهارس والإحالات؟
стр. 355
المبحث الثالث: مصادر ومراجع المعرفة العلمية
وهي متعددة ومتنوعة، ومعروف أنها أهم ما ينير الطريق أمامنا لمعرفة المصادر:
١- المراجع عن الكتب: أي المراجع التي تتناول الكتب والحديث عنها، والتعريف بها وتشمل أنواع هي:
١- فهارس المكتبات.
٢- مراجعات الكتب "Reviews": وهي عرض سريع وتقويم لمحتويات الكتاب يعدها المختصون في العلوم المختلفة.
٣- الببليوغرافيات١:
وتتخصص في تسجيل المواضيع والكتب التي تنشر عن بلد من البلدان إن كانت محلية