← Тафсир

Тафсир · id 836

المنتخب في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 821 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١٦٩ - وإنما يزين لكم الشيطان ما هو سيئ فى ذاته، ويضركم فى عافيتكم وما يقبح فعله، وتسيرون بسببه وراء الظنون والأوهام، فتنسبون إلى الله من التحريم والتحليل ما لم يأت دليل عليه من العلم اليقين.

стр. 177

١٧٠ - وقد اعتاد الضالون عن سبيل الهدى أن يتمسكوا بما توارثوا عن آبائهم فى العقيدة والعمل، وإذا دعوا إلى ما جاء من هدى الله قالوا: لا نعدل عما وجدنا عليه آباءنا، ومن أكبر الجهل ترجيح اتباع طاعة الآباء على إطاعة الله واتباع هداه، فكيف إذا كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يستنيرون بنور الهداية والإيمان؟

стр. 178

١٧١ - وإن مثل من يدعو أولئك الكافرين الجاحدين إلى الحق والهدى - فلا يستجيبون له ولا يفقهون ما يدعوهم إليه - كمثل راعى الغنم يناجيها، فلا تفقه منه شيئاً ولا يقرع سمعها إلا الصوت ولا تعى غيره، فهم كذلك عن الحق صُمّ الآذان، عُمْى البصائر، خُرْس الألسنة، لا ينطقون بخير، ولا يصدرون عن عقل.

стр. 179

١٧٢ - لقد أبحنا للناس كل حلال خلقناه لهم فى الأرض، ونهيناهم أن يتبعوا خطوات الشيطان، فإنْ فعلوا اهتدوا، وإن أبوا فإنا نخص المؤمنين بهدايتنا ونبيِّن الحلال والحرام، في أيها الذين آمنوا أبيح لكم أن تأكلوا من لذيذ الطعام الطيب غير الخبيث، فاشكروا الله على ما أولاكم من نعمة التمكين من الطيبات وإباحتها، ومن نعمة الطاعة والامتثال لأمره لتتم عبادتكم.

стр. 180

١٧٣ - وليس المحرم ما زعمه المشركون وما زعمه اليهود، وإنما المحرم عليكم - أيها المؤمنون - الميتة التى لم تذبح من الحيوان، ومن الدم المسفوح، ومثله فى التحريم لحم الخنزير، وما ذكر على ذبحه اسم غير الله من الوثن ونحوه، على أن من اضطر إلى تناول شئ من هذه المحظورات لجوعٍ لا يجد ما يدفعه غيرها أو لإكراه على أكله فلا بأس عليه، وليتجنب سبيل الجاهلية من طلب هذه المحرمات والرغبة فيها ولا يتجاوز ما يسد الجوع.

стр. 181

١٧٤ - هذا وقد كان من العالمِين بما أنزل الله فريقٌ يُخفى بَعْضَ الوحى لقاء عَرَضٍ من أعراض الدنيا، فإن اليهود كتموا كثيراً مما جاء فى التوراة من نعت الرسول خشيةَ أن يُسْلِم أهل ملتهم فيزول أمرهم وتضيع مكاسبهم ولذيذ مطاعمهم، وإن مطاعمهم من هذا السبيل لهى كالنار يأكلونها، لأنها ستقودهم إلى النار، وسيعرض الله عنهم يوم القيامة، ولا يطهرهم من دنسهم، وأمامهم عذاب شديد موجع.

стр. 182

١٧٥ - وأولئك هم الآثمون الذين اختاروا الضلالة على الهدى فاستحقوا العذاب فى الآخرة بدل الغفران، فكانوا كمن يشترى الباطل بالحق، وما فيه ضلال بما فيه هداية، وإن حالهم لتدعو إلى العجب، إذ يصبرون على موجبات العذاب ويستطيبون ما يؤدى بهم إليه.

стр. 183

١٧٦ - ولقد استوجبوا ما قدر لهم من الجزاء لكفرهم بكتاب الله الذى أنزله بالحق والصدق، ولقد اختلفوا فيه اختلافاً كبيراً، دفع إليه حب الجدل ومجانبة الحق والانقياد للهوى، فحرفوه وأفسدوه وفسروه بغير معانيه.

стр. 184

١٧٧ - لقد أكثر الناسُ الكلام فى أمر القبلة كأنها هى وحدها الخير، وليس هذا هو الحق، فليس استقبال جهة معينة فى المشرق أو المغرب هو قوام الدين وجماع الخير، ولكن ملاك الخير عدة أمور بعضها من أركان العقيدة الصحيحة، وبعضها من أمهات الفضائل والعبادات، فالأول هو: الإيمان بالله ويوم البعث والنشور والحساب وما يتبعه يوم القيامة، والإيمان بالملائكة وبالكتب المنزلة على الأنبياء وبالأنبياء أنفسهم. والثانى هو: بذل المال عن رغبة وطيب نفس للفقراء من الأقارب واليتامى، ولمن اشتدت حاجتهم وفاقتهم من الناس، وللمسافرين الذين انقطع بهم الطريق فلا يجدون ما يبلغهم مقصدهم، وللسائلين الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، ولغرض عتق الأرقاء وتحرير رقابهم من الرق. والثالث: المحافظة على الصلاة. والرابع: إخراج الزكاة المفروضة. والخامس: الوفاء بالعهد فى النفس والمال. والسادس: الصبر على الأذى ينزل بالنفس أو المال، أو وقت مجاهدة العدو فى مواطن الحروب فالذين يجمعون هذه العقائد والأعمال الخيرة هم الذين صَدَقوا فى إيمانهم، وهم الذين اتقوا الكفر والرذائل وتجنبوها.

стр. 185

١٧٨ - ومن الشرائع التى فرضناها على المؤمنين أحكام القتل العمد، فقد فرضنا عليكم القصاصَ بسبب القتل، ولا تأخذوا بظلم أهل الجاهلية الذين كانوا يقتلون الحر غير القاتل بالعبد، والذكر الذى لم يقتل بالأنثى، والرئيس غير القاتل بالمرءوس القاتل دون مجازاة القاتل نفسه، فالحر القاتل يقتل بالحر المقتول، وكذلك العبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فأساس القصاص هو دفع الاعتداء فى القتل بقتل القاتل للتشفى ومنع البغى، فإن سَمَت نفوس أهل الدم ودفعوا بالتى هى أحسن فآثروا العفو عن إخوانهم وجب لهم دية قتيلهم، وعلى أولياء الدم اتباع

стр. 186

هذا الحكم بالتسامح دون إجهاد للقاتل أو تعنيف، وعلى القاتل أداء الدين دون مماطلة أو بخس، وفى حكم القتل الذى فرضناه على هذا الوجه تخفيف على المؤمنين بالنسبة إلى حكم التوراة الذى يوجب فى القتل القصاص، كما فيه رحمة بهم بالنسبة إلى الذين يدعون إلى العفو من غير تعرض للقاتل، فمن جاوز هذا الحكم بعد ذلك فله عذاب أليم فى الدنيا والآخرة.

стр. 187

١٧٩ - وإن رحمة الله بكم لعظيمة فى فرض القصاص عليكم، فبفضل القصاص عليكم تتحقق للمجتمع حياة آمنة سليمة. وذلك أن من يهم بالقتل إذا علم أن فى ذلك هلاك نفسه لم ينفذ ما هَمَّ به، وفى ذلك حياته وحياة من هَمَّ بقتله، وإذا قتل الرئيس بالمرءوس وغير المذنب بالمذنب - كما هو شأن الجاهلية - كان ذلك مثاراً للفتن واختلال النظام والأمن. فلْيتدبر أولو العقول مزية القصاص فإن ذلك يحملهم على إدراك لطف الله بهم إلى سبيل التقوى وامتثال أوامر الله سبحانه.

стр. 188

١٨٠ - وكما شرع الله القصاص لصلاح الأمة وحفظ المجتمع، كذلك شرع الله شريعة فيها صلاح الأسرة وحفظ كيانها وهى شريعة الوصية، فعلى من ظهرت أمامه إمارات الموت وعلم أنه ميت لا محالة، وكان ذا مال يعتد به أن يجعل من ماله نصيباً لمن يدرك من والديه وأقاربه - الأقربين غير الوارثين - وليراع فى ذلك ما يحسن ويقبل فى عرف العقلاء فلا يعطى الغنى ويدع الفقير، بل يؤثر ذوى الحاجة ولا يسوى إلا بين المتساوين فى الفاقة، وكان ذلك الفرض حقاً واجباً على من آثر التقوى واتبع أوامر الدين.

стр. 189

١٨١ - وإذا صدرت الوصية عن الموصى كانت حقاً واجباً لا يجوز تغييره ولا تبديله، إلا إذا كانت الوصية مجافية للعدل، فمن بدّل هذا الحق فغيَّر الوصية العادلة القويمة بعد ما علم هذا الحكم وثبت عنده فقد ارتكب ذنباً عظيماً ينال عقابه، وقد برئ الموصى من تبعته، ولا يظن أحد أن يفعل ذلك ولا يجازى عليه، فإن الله سميع عليم لا تخفى عليه خافية.

стр. 190

١٨٢ - أما إذا كانت الوصية زائغة عن العدل وعن الصراط القويم الذى بَيَّنَّاه بأن حَرَم الموصِى الفقيرَ وأعطى الغنى، أو ترك الأقربين وراعى الفقراء غير الوارثين الأجانب، فسعى ساع فى سبيل الخير وأصلح بين الموصى إليهم ليرد الوصية إلى الصواب، فلا إثم عليه فيما يحدثه من تغيير الوصية وتبديلها على هذا الوجه، ولا يؤاخذه الله على ذلك، فإن الله غفور رحيم.

стр. 191

١٨٣ - وكما شرع الله لكم القصاص والوصية لصلاح مجتمعكم، والحفاظ على أسركم، شرع الله كذلك فريضة الصيام تهذيباً لنفوسكم، وتقويماً لشهواتكم، وتفضيلا لكم على الحيوان الأعجم الذى ينقاد لغرائزه وشهواته، وكان فرض الصيام عليكم مثل ما فرض على من سبقكم من الأمم فلا يشق عليكم أمره. لأنه فرض على الناس جميعاً، وكان وجوب الصيام والقيام به، لتتربى فيكم روح التقوى، ويقوى وجدانكم، وتتهذب نفوسكم.

стр. 192

١٨٤ - وفرض الله عليكم الصيام فى أيام معدودة قليلة لو شاء سبحانه لأطال مدته ولكنه لم يطلها، ولم يكلفكم فى الصوم ما لا تطيقون، فمن كان مريضاً مرضاً يضر معه الصوم، أو كان فى سفر، فله أن يفطر ويقضى الصوم بعد برئه من المرض أو رجوعه من السفر، أما غير المريض والمسافر ممن لا يستطيع الصوم إلا بمشقة لعذر دائم كشيخوخة ومرض لا يرجى برؤه فله الفطر حينئذٍ، وعليه أن يطعم مسكيناً لا يجد قوت يومه، ومن صام متطوعاً زيادة على الفرض فهو خير له، لأن الصيام خير دائماً لمن يعلم حقائق العبادات.

стр. 193

١٨٥ - وهذه الأيام هى شهر رمضان الجليل القدر عند الله، لقد أنزل فيه القرآن يهدى جميع الناس إلى الرشد ببيِّاناته الواضحة الموصلة إلى الخير، والفاصلة بين الحق والباطل على مَرِّ العصور والأجيال، فمن أدرك هذا الشهر سليماً غير مريض، مقيماً غير مسافر فعليه صومه، ومن كان مريضاً مرضاً يضر معه الصوم أو كان فى سفر فله أن يفطر وعليه قضاء صيام ما أفطره من أيام الصوم، فإن الله لا يريد أن يَشُقَّ عليكم فى التكاليف وإنما يريد لكم اليسر، وقد بين لكم شهر الصوم وهداكم إليه لتكملوا عدة الأيام التى تصومونها وتكبروا الله على هدايته إياكم وحسن توفيقه.

стр. 194

١٨٦ - وإنى مطلع على العباد، عليم بما يأتون وما يذرون، فإذا سألك - يا محمد - عبادى قائلين: هل الله قريب منا بحيث يعلم ما نخفى وما نعلن وما نترك؟ فقل لهم: إنى أقرب إليهم مما يظنون، ودليل ذلك أن دعوة الداعى تصل فى حينها، وأنا الذى أجيبها فى حينها كذلك، وإذا كنت استجبت لها فليستجيبوا هم لى بالإيمان والطاعة فإن ذلك سبيل إرشادهم وسدادهم.

стр. 195

١٨٧ - أحَلَّ الله لكم ليلة الصوم إتيان نسائكم لاختلاطكم بهن واختلاطهن بكم فى النهار والمبيت، ولعسر ابتعادكم عنهن وتخفيفاً عليكم. وقد علم الله أنكم كنتم تنقصون حظ نفوسكم وتظلمونها، فتحرمون عليها إتيان النساء فى ليل رمضان فتاب عليكم من الغلو وعفا عنكم، والآن وقد تبين لك حِلُّ ذلك فلا تتحرجوا من مباشرتهن، وتمتعوا بما أباحه الله لكم وكلوا واشربوا فى ليل رمضان حتى يظهر لكم نور الفجر، متميزاً من ظلام الليل، كما يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وإذا ظهر ذلك فصوموا وأتموا الصيام إلى غروب الشمس. وإذا كان الصيام من العبادات التى يجب التفرغ لها والتجرد فيها من شهوات النفس ومقاربة النساء فى نهار الصوم، فكذلك عبادة الاعتكاف فى المساجد وملازمتها توجب الخلوَّ لها وعدم التمتع بالنساء ما دام المرء ملتزماً بها. وما شرع الله لكم فى الصوم والاعتكاف حدود وضعها الله لكم فحافظوا عليها ولا تقربوها لتتجاوزوا أوامرها، وقد أوسع الله فى بيانها للناس على هذا النحو ليتقوها ويتجنبوا تبعاتها.

стр. 196

١٨٨ - وقد حرَّم الله عليكم أكل مال غيركم دون وجه من الحق دائماً، فلا يستحل أحدكم مال غيره إلا بوجه من الوجوه التى شرعها الله كالميراث والهبة والعقد الصحيح المبيح للملك، وقد ينازع أحدكم أخاه فى المال وهو مبطل، ويرفع أمره إلى الحاكم أو القاضى ليحكم له وينتزع من أخيه ماله بشهادة باطلة أو بينة كاذبة، أو رشوة خبيثة، فبئس ما يفعل وما يجرُّ على نفسه من سوء الجزاء.

стр. 197

١٨٩ - ويسألك قوم عن الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يكتمل ويستوى، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة كالشمس. فما وراء هذا التغير، حتى صار فى كل شهر هلال وصارت هناك أهلة؟ . فقل لهم: إن لتكرار هذه الأهلة واختلاف نموها حِكَماً ومصالح دينية ودنيوية، فهى أمارات تحدد أوقات المعاملات فى معاشكم، وتعيِّن أوقات الحج الذى هو من أركان دينكم، ولو استقر الهلال على حاله كالشمس ما استقام لكم توقيت معاشكم وحجكم، وليس جهلكم بحكمة اختلاف الهلال مدعاة للشك فى حكمة الخالق، وليس من البر أن تأتوا البيوت من ظهورها، متميزين بذلك عن الناس، ولكن البر هو تقوى القلوب وإخلاصها وأن تأتوا البيوت من أبوابها كما يأتى كل الناس، وأن تطلبوا الحق والدليل المستقيم، فاطلبوا رضا الله، واتقوا عذابه، وارجوا بذلك فَلاَحَكُمْ وفوزكم ونجاتكم من عذاب النار.

стр. 198

١٩٠ - ومن تقوى الله تحمل المشاق فى طاعته، وأشد المشاق على النفس هو قتال أعداء الله ولكن إذا اعتدى عليكم فقاتلوا المعتدين، وقد أذن لكم برد اعتداءاتهم، ولكن لا تعتدوا بمبادأتهم أو بقتل من لا يقاتل ولا رأى له فى القتال فإن الله لا يحب المعتدين.

стр. 199

١٩١ - واقتلوا أولئك الذين بدأوكم بالقتال حيث وجدتموهم، وأخرجوكم من مكة وطنكم الذى حملوكم على الخروج منه، ولا تتحرجوا من ذلك فقد فعلوا ما هو أشد من القتل فى المسجد الحرام إذ حاولوا فتنة المؤمنين عن دينهم بالتعذيب فى مكة حتى فروا بدينهم من وطنهم، ولكن للمسجد الحرام حرمته فلا تنتهكوها إلا إذا انتهكوها هم بقتالكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم وأنتم الغالبون بفضل الله، وكذلك جزاء الكافرين يفعل بهم ما يفعلونه بغيرهم.

стр. 200

١٩٢ - فإن رجعوا عن الكفر ودخلوا فى طاعة الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله، والله يغفر لهم ما سلف من كفرهم بفضل منه ورحمة.

стр. 201

١٩٣ - وقاتلوا هؤلاء الذين حاولوا قتلكم وصدكم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب، حتى تستأصل جذور الفتنة ويخلص الدين لله. فإن انتهوا عن كفرهم فقد نجوا أنفسهم وخلصوا من العقاب، فلا ينبغى الاعتداء عليهم حينئذٍ وإنما العدوان على من ظلم نفسه وأوبقها بالمعاصى وتجاوز العدل فى القول والفعل.

стр. 202

١٩٤ - فإذا اعتدوا عليكم فى الشهر الحرام فلا تقعدوا عن قتالهم فيه فإنه حرام عليهم، كما هو حرام عليكم، وإذا انتهكوا حرمته عندكم فقابلوا ذلك بالدفاع عن أنفسكم فيه، وفى الحرمات والمقدسات شرع القصاص والمعاملة بالمثل، فمن اعتدى عليكم فى مقدساتكم فادفعوا هذا العدوان بمثله، واتقوا الله فلا تسرفوا فى المجازاة والقصاص، واعلموا أن الله ناصر المتقين.

стр. 203

١٩٥ - جهاد الكفار يكون ببذل النفس كما يكون ببذل المال، فأنفقوا فى الإعداد للقتال، واعلموا أن قتال هؤلاء فى سبيل الله، فلا تقعدوا عنه، وابذلوا الأموال فيه فإنكم إن تقاعدتم وبخلتم ركبكم العدو وأذلكم فكأنما ألقيتم أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، فافعلوا ما يجب عليكم بإحسان وإتقان، فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يحسنه.

стр. 204

١٩٦ - وأدوا الحج والعمرة لله على وجه التمام والكمال قاصدين بهما وجه الله، ولا تقصدوا بهما إصابة عَرَض دنيوى من شهرة ونحوها. وإذا قصدتم الحج والعمرة وأحرمتم بهما فمنعكم عدو فى الطريق فلكم أن تتحللوا من إحرامكم بحلق رءوسكم، ولكن عليكم قبل ذلك ذبح ما تيسر لكم - من شاة أو بعير أو بقرة - والتصدق به على المساكين، ولا تحلقوا رءوسكم حتى تقوموا بهذه النسك، ومن كان مُحْرِماً وأذاه شعر رأسه لمرض أو هوام فى رأسه فلا بأس أن يحلق رأسه، وعليه حينئذٍ أن يفدى عن ذلك بصيام ثلاثة أيام، أو التصدق على ستة مساكين بقوت يوم، أو ذبح شاة والتصدق بها على الفقراء والمساكين. وإذا كنتم فى دار الأمان والسلم ولم يعترض طريقكم عدو، وقصدتم الحج والعمرة وتمتعتم أولا بالعمرة إلى أن يحين وقت الحج فتحرموا، فعليكم ذبح شاة لمساكين الحرم وفقرائه، فمن لم يجد شاة أو لم يقدر على ثمنها صام ثلاثة أيام فى مكة وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وهذا على من لم يكن من أهل مكة، فمن كان من أهلها فلا شئ عليه إذا تمتع.

стр. 205

١٩٧ - والحج يقع فى أشهر معلومة لكم، إذ كان أمره معروفاً عندكم من عهد إبراهيم ﵇ وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن فرض الحج على نفسه فى هذه الأشهر ودخل فيه فليراع آدابه، ومن آداب الحج أن يتنزه المحرم عن مباشرة النساء، وعن المعاصى من السباب وغيره، وعن الجدل والمراء مع غيره من الحجيج، وعن كل ما يجر إلى الشحناء والخصام حتى يخرج المحرم مهذب النفس، وليجتهد فى فعل الخير، وطلب الأجر من الله بالعمل الصالح فإن الله عليم بذلك ومجاز عليه، وتزودوا لآخرتكم بالتقوى والائتمار بأوامر الله واجتناب نواهيه، فإن ذلك خير الزاد، واستشعروا خشية الله فيما تأتون وما تذرون كما هو مقتضى العقل والحكمة، فلا تشوبوا أفعالكم بدواعى الهوى والغرض الدنيوى.

стр. 206

١٩٨ - ولقد كان منكم من يجد حرجاً فى مزاولة التجارة وابتغاء الرزق فى موسم الحج، فلا حرج عليكم فى ذلك، بل لكم أن تزاولوا التكسب بطرقه المشروعة وتبتغوا فضل الله ونعمته، وإذا صدر الحجاج راجعين من عرفات بعد الوقوف بها، ووصلوا المزدلفة ليلة عيد النحر فليذكروا الله عند المشعر الحرام - وهو جبل المزدلفة - بالتهليل والتلبية والتكبير، وليمجدوه وليحمدوه على هدايته إياهم إلى الدين الحق والعبادة القويمة فى الحج وغيره، وقد كانوا من قبل ذلك فى ضلال عن صراط الهدى والرشاد.

стр. 207

١٩٩ - وقد كان قوم من العرب - وهم قريش - لا يقفون مع الناس فى عرفات مع علمهم أنه موقف أبيهم إبراهيم، وذلك ترفعاً أن يساووا غيرهم وهم أهل بيت الله وقطان حرمه، وزعماً منهم أن ذلك تعظيم للحرم الذى لا يريدون الخروج منه إلى عرفات، وهى من الحلال لا من الحرام، فطالبهم الله بأن يقلعوا عن عادات الجاهلية ويقفوا بعرفات ويصدروا عنها كما يصدر جمهور الناس، فلا فضل لأحد على الآخر فى أداء العبادة، وعليهم أن يستغفروا الله فى هذه المواطن المباركة فذلك أدعى أن يغفر الله لهم ما فرط منهم من الذنوب والآثام ويرحمهم بفضله.

стр. 208

٢٠٠ - وإذا فرغتم من أعمال الحج وشعائره فدعوا ما كنتم عليه فى الجاهلية من التفاخر بالآباء وذكر مآثرهم، وليكن ذكركم وتمجيدكم لله فاذكروه كما كنتم تذكرون آباءكم، بل اذكروه أكثر من ذكر آبائكم لأنه ولى النعمة عليكم وعلى آبائكم، ومواطن الحج هى مواطن الدعاء وسؤال الفضل والخير والرحمة من عند الله، وقد كان فريق من الحجاج يقصر دعاءه على عرض الدنيا وخيراتها ولا يلقى بالاً للآخرة فهذا لا نصيب له فى الآخرة.

стр. 209

٢٠١ - ومن الناس من وفَّقه الله فاتجه بقلبه إلى طلب خيرى الدنيا والآخرة، ودعا الله أن يجنبه شر النار وعذابها.

стр. 210

٢٠٢ - فهؤلاء يعطون ما قُدِّر لهم مما كسبوه بالطلب والركون إلى الله. والله يجزى كلاً بما يستحق، وهو سريع الحساب والجزاء.

стр. 211

٢٠٣ - واذكروا الله بالتكبير والتهليل والتحميد فى أيام معدودات هى أيام رمى الجمار بمنى وهى: الحادى عشر. والثانى عشر. والثالث عشر. وليس بلازم لأن قوام الخير تقوى الله لا مقدار العدد، واتقوا الله دائماً واعلموا أنكم إليه تحشرون مسئولون عن أعمالكم.

стр. 212

٢٠٤ - وإذا كانت تقوى الله هى الأساس فالخسران لفريق من الناس يختلف الذى تضمره قلوبهم عن الذى تنطق به ألسنتهم، أوتوا حلاوة فى صوغ الكلام، يعجبك قولهم فيما يحتالون به على جلب المنفعة فى الحياة الدنيا، ويؤيدون لك بزعمهم بأن الله يعلم صدق قلوبهم فيما تقوله ألسنتهم، وإنهم لأشد الناس خصومة لك وأقساهم عليك.

стр. 213

٢٠٥ - وإذا تولى ولاية يكون له فيها سلطان لا يكون سعيه للإصلاح، بل للإفساد وإهلاك الزرع والنسل، والله لا يحبه، لأن الله تعالى لا يحب الفساد.

стр. 214

٢٠٦ - وإذا نصحت له حينئذٍ بالخوف من الله ثارت فى نفسه الحمية وظن ذلك هدماً لعزته، وحمله على ارتكاب الإثم فيما نهيته عنه لجاجة وعناداً، فحسبه على ذلك عذاب جهنم ولبئس المستقر.

стр. 215

٢٠٧ - فما أبعد الفرق بين هؤلاء المنافقين وبين المؤمنين الصادقين الذين يبيع أحدهم نفسه فى سبيل مرضاة الله، وإعلاء كلمة الحق، ويكون هذا النوع من الناس مقابلا للنوع الأول، ويكون تولية أمراً من أمور الناس من رأفة الله بعباده، والله تعالى يرحمهم بجعل الولاية لهؤلاء ليدفع بهم أذى الأشرار.
следующие страницы →