المحررات الرسمية والعرفية والمحررات الإلكترونية والكتابة بالكمبيوتر والفاكس والتلفون, ويشمل جميع أنواع الكتابة التي عرفها الفقهاء. (١)
القوة الثبوتية للكتابة الالكترونية
من المسلَّم به أن التعرف على طبيعة وماهية الكتابة الإلكترونية التي تتم في أي تعامل أو عقد أو اتفاقية يتم إبرامها أو تنفيذها بشكل كلي أو جزئي بواسطة الوسائل الإلكترونية لا تكتسب القوة الثبوتية إلا بشروط خمسة:
الشرط الأول: الكتابة: لاعتبار أن الكتابة هي الأسلوب المعبر عن الإرادة وسبق تعريف الكتابة الإلكترونية.
الشرط الثاني: التوقيع: باعتبار أن التوقيع هو الشرط الجوهري في جميع المحررات فهو يثبت إقرار الموقع على ما هو مدون وموجود في المحرر, فلا ينتج المحرر الإلكتروني آثاره القانونية دون توقيع يميز هوية الموقع ويعبر عن موافقته عليه ضمن الشروط والضوابط التي تشترطها القوانين, وارتباط التوقيع بالموقع وحده دون غيره.
الشرط الثالث: التوثيق: فتوثيق التصرف الذي يتم عبر الوسائل الإلكترونية فيه حفظ لحقوق المتعاملين من إي اعتداء أو غش وهو أمر يستوجب القيام بتوثيق المحرر لدى جهة يتفق عليها وتكون معتمدة من قبل الحكومة وتعنى هذه الجهة بالتحقق من صحة المحرر الذي تم إصداره وتتبع
стр. 107
أي تغييرات أو أخطاء تحدث, وفي حالة إتمام توثيق المحرر الإلكتروني يتم منح صاحب المحرر رمز التعريف الشخصي الخاص به, ويتم إصدار هذا الرمز من قبل الجهة المختصة المرخص لها بتوثيق التوقيع الإلكتروني, إذ أنه يهدف التحقق من أن القيد إلكترونياً لم يتعرض لأي تعديل, ... ويعتبر هذا القيد موثوقاً من تأريخ التحقق منه, وتكون شهادة التوثيق التي تبين رمز التعريف معتمدة. (١)
وتباينت وجهات نظر المقننين في تحديد جهة التوثيق فهو في القانون المصري مخول تحديد ذلك لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات وفقاً لقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني, وهو مناط في التشريع الأردني بمجلس الوزراء تحديد هذه الجهات, كما أسند قانون المعاملات والتجارة الإلكتروني لإمارة دبي التوثيق إلى رئيس الحكومة لإصدار قرار لتعيين مراقب لخدمات التصديق لغرض ترخيص وتصديق ومراقبة مزودي خدمات التصديق, وحدد المشرع التونسي الوكالة الوطنية للمصادقة الإلكترونية. (٢)
стр. 108
الشرط الرابع: إمكانية الاحتفاظ بالمحرر الإلكتروني في شكله الأصلي المتفق عليه, دون أن يلحقه أي تغيير: وهو ما أفصحت عنه التشريعات الخاصة بالمعاملات الإلكترونية. (١)
الشرط الخامس: إمكانية استرجاع المحررات الإلكترونية المحفوظة, بحيث لا تتعرض للمحو, والمحو في اللغة: تعفية الأثر حتى لا يرى.
ويروى عن الأصمعي: لِمَ سمت العرب الشمال محوة؟ قال: لأنها تمحو السحاب ولا يرى شخصه, واستدعى أبو نواس (٢) أن يكثر له المكاتب المحو في كتابه فقال:
كَثِّري المحوَ في الكِتابِ وَمُجّيـ ... ـهِ بِريقِ اللِسانِ لا بِالبَنانِ
وَأَمِرّي الحِزامَ بَينَ ثَنايا ... كِ العِذابِ المُفَلَّجاتِ الحِسانِ
إِنَّني كُلَّما مَرَرتُ بِسَطرٍ ... فيهِ مَحوٌ لَطَعتُهُ بِلِساني
فَأَرى ذاكَ قُبلَةً مِن بَعيدٍ ... أَسعَدَتني وَما بَرِحتُ مَكاني
стр. 109
ومحوت الكتاب أمحوه محواً بالواو, وهي في لغة: محيت أمحي محياً, وفي أمثال العرب: "ما أنت إلا ممحياً كاتبا", فإذا أمرت قلت: امحُ, والواو أفصح وبها نزل القرآن: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) .
تسمية ما يكتب فيه عند العرب
تسمي العرب ما يكتب فيه القرطاس أو الصحيفة أو السفر, ويجمع القرطاس على قراطيس, والصحيفة على صحائف, والسفر على أسفار (٢) , وقد نزل القرآن بجميعها, ففي سورة الأنعام يقول الحق : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (٣) , ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٤) .
وقد أكثر العرب من ذكر القراطيس في أخبارهم وأشعارهم ومن ذلك قول العباس بن الأحنف (٥) :
стр. 110
جاءَ الرَسولُ بِقُرطاسٍ فَشَوَّقَني ... مِنها فَأَحبَبتُ مِنهُ كُلَّ قُرطاسِ
فيهِ مُعاتَبَةٌ مِنها تُذَكِّرُني ... ما كانَ مِنها كَأَنّي غافِلٌ ناسِ
وقال آخر:
إن القراطيس من نفسي بمنزلة ... تكون كالسمع والعينين في الراسي
لولا القراطيس مات العاشقون معاً ... هذا بغم وهذكم بوسواسي
أما ابن مكنسة (١) فهو يقول:
أهلاً بها جنةً أَهْدَ ثمارَ نُهى ... وعرَّس الطَّرْفُ فيها أَيَّ تعريسِ
ما دار في خَلَدِي لولا كتابكُمُ ... أَنَّ البساتينَ تُهْدَى في القراطيس
وقال آخر:
وشق قرطاس من تهوى وكن حذرا ... يا رب ذي ضيعة من حفظ قرطاس
أما الأسفار فقد ورد ذكرها في كلام العزيز الجبار إخباراً عن أحوال من حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) , وفي ذلك عظة واعتبار, فمن ذا الذي يحب أن يكون مثل الحمار لا يعمل بما تحويه الأسفار؟!! فحظه من حملها مثل حظ الحمار.
стр. 111
وقد ورد ذكر الأسفار في أخبار العرب وأشعارهم, في إقامتهم وأسفارهم, وفي مديحهم وفي هجائهم, وقد أحسن ابن الصباغ حيث يقول في مدح الرسول ﵌:
أي الكتاب بفخره قد أنزلتِ ... وبمدحه قد نظمت أسفار
أما العلامة احمد بن حجر العسقلاني (١) فهو يقول:
سَلوا النجمَ يَشهَد أَنَّني بِتُّ ساهِداً ... وَإِلا الدُجى هَل طابَ لي فيهِ مضجعُ
أُطالِعُ أَسفارَ الحَديثِ تَشاغُلاً ... لأَقطَعَ أَسفاري بخُبرٍ يجمَّعُ
فليس للأسفار بعد الحفظ من فائدة غير دراستها والعمل بما فيها, ولقد كان ذلك دأب العلماء كما هو حال العلامة ابن حجر.
أما أحمد الكاشف (٢) فهو يرى أن العلم ما دارت به الأيام لا ما حوته الكتب والأسفار فيقول:
والعلم ما دارت به الأيام لا ... ما جاء في كتب وفي أسفار
стр. 112
والظاهر أن الأيام تعلّم وتفيد أن من لم يعمل بعلمه ويستفيد من الأسفار فإن الأسفار لا تفيده فهو كمثل الحمار, كما أعلم الحق بذلك.
أما الصحف فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في اخبار الله العلي العظيم الدالة على كمال حكمته وجليل قدرته وصدق نبوءة محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (١) , وفي سورة طه: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ (٢) , وفي سورة التكوير النبأ اليقين: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ (٣) .
ويغفر الله لابن الأحنف حيث يقول:
صَحائِفُ عِندي لِلعِتابِ طَوَيتُها ... سَتُنشَرُ يَوماً وَالعِتابُ يَطولُ
عِتابٌ لَعَمري لا بَنانٌ تَخُطُّهُ ... وَلَيسَ يُؤَدّيهِ إِلَيكِ رَسولُ
ولله در القائل:
يا حروفاً قد أضاءت في الصحف ... أخبرتني بأحاديث السلف
стр. 113
قدرها عندي لو تعلمه.........كل فضل وجلال وشرف (١)
أما أبو العلاء المعري فهو يقول:
وَجاءَت صَحائِفُ قَد ضُمِّنَت ... كَبائِرَ آثامِهِم وَاللِمَم
رَأَيتُ بَني الدَهرِ في غَفلَةٍ ... وَلَيسَت جَهالَتُهُم بِالأُمَم
فَنُسكُ أُناسٍ لِضَعفِ العُقولِ ... وَنُسكُ أُناسٍ لِبُعدِ الهِمَم
ويقول أبو فراس الحمداني (٢) :
وَما هَذِهِ الأَيّامُ إِلا صَحائِفٌ ... لأَحرُفِها مِن كَفِّ كاتِبِها بَشرُ
أما عماد الدين الأصبهاني (٣) فهو يقول:
وما هذه الأَيامُ إلاَّ صحائف ... يؤرَّخ فيها ثمَّ يُمحى ويُمحقُ
وعلى نفس المنوال سلك عمارة اليمني (٤) حيث يقول:
стр. 114
وما هذه الأعمار إلا صحائفٌ ... تؤرخ وقتاً ثم تُمحى وتُمحق
أما مطلق بن عبد الخالق (١) فهو يقول:
وما كنت أخشى الموت لولا صحيـ ... ـفة لو انقلبت بيضاء ساد سكون
وذهب كثير من الشعراء على اعتبار الحياة صحيفة يؤرخ فيها كل شيء, وهي كذلك, لا يدوم فيها نعيم, ولا تخلو من هم وغم, وإنما هي دار ابتلاء وامتحان, قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) , فالعاقل لا يثق بها بل يثق بالله الواحد القهار, فهو يأخذ من وجهها الكظيم ابتسامة عريضة يسير فيها سيرة الحكماء الأعزة الكرام لأنه يعلم أن اليوم الذي يراك الناس فيه مخبراً غداً ستكون فيه خبراً من الأخبارِ, ويرحم الله القائل:
حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري ... ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار
بَينا يَرى الإِنسان فيها مُخبِراً ... حَتّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ
طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها ... صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
لَيسَ الزَمانَ وَإِن حرصت مُسالِماً ... خُلُق الزَمانِ عَداوَة الأَحرارِ
стр. 115
فالعاقل لا يقتله اليأس فهو يستطيع أن ينهض بعد الكبوة وأن ينتصر بعد الإخفاق ويملأ صحيفته وأيامه وتأريخه بالأعمال الصالحة والخلق الكريم, فأصخ سمعك إلى التشجيع والحماسة التي يتحدث عنها الشابي (١) حيث يقول:
وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُ ... أيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ
أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِ ... ومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ
وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ ... ويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ
فضع نفسك في المحل الذي يحبه الله تعالى ويرضاه, وأهتم بنظافتك وعملك وتذكر أن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) , ويقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣) .
ابتعد عن الذين يحبطون عزيمتك, ويفترون إصرارك فهم أعداؤك, وتأمل معي قول الحق ﵎: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
стр. 116
إن كلمات مفعمة بالتشجيع مصبوغة بالإصرار والتحدي قد تصنع في النفس ما لا تصنعه الملايين ولا القصور, وقد تبعث فيها من الأمل ما لا يقدر عليه الأطباء والعقاقير, تدبر قول الحق ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١) , وتذكر أن كلما تحويه صحيفة أعمالك هو ما تسجله أنت بأعمالك وأفعالك, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٢) .
فالله حفيظ لا ينسى كل أعمالك, وكل أقوالك, وكل مواقفك, وكل عطاءتك, وكل منعك, وكل الصراعات التي في ذهنك, فأعمالك كلها مسجلة, قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٣) .
стр. 117
الكَتبُ إنشاؤه وزبره
الكَتبُ في اللغة: ضم بعضه إلى بعض, يقال: كتبت الشيء يريدون ضممت بعضه إلى بعض, ويقال: كتبت الشيء كتباً وكتاباً وكتابة, ويقال أيضاً: أكتب فهو مكتب, واكتبت الرجل ما أراد أكتبه اكتاباً جمعته له
وأمليته عليه, ويقال: زبرت الكتاب إذا كتبته أزبره زبراً, وزبرت الكتاب كتبته. وروي أن شبل البرجمي رأى إبراهيم بن العباس وهو يكتب فقال:
ينظم اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدر بالأقلام في الكتب (١)
أما إنشاء الكاتبُ الكتاب فهو ابتداء عمله, تقول العرب: أنشاء يفعل إنشاءً يقول كذا إذا ابتدأ, وإذا أمرت قلت: أنشئ الكتاب بإثبات الياء في الكلام والخط لأن هذه الياء هي همزة فذهبت للأمر منها الحركة (٢) , وفي الذكر الحكيم: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) , ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ (٤) .
فالكتاب كنز الإفادة, وعنوان السعادة, به يبلغ الإنسان الكمال, وقد أحسن من قال:
مللت كل جليس كنت آلفه ... إلا الكتاب فلا يعدله إنسانُ
عاشرته فأراني كل مكرمة ... له عليَّ رعاه الله إحسانُ (٥)
والكتاب إذا خان الصديق وفى, وإذا تكدر الزمان صفى, فجزاه الله أفضل الجزاء, فقد أغنانا الله به عن مجالسة الثقلاء والبخلاء, ولله در القائل:
أغلقت بيتي على نفسي ومكتبتي ... معي العلوم بها ذكر وآثار
جالست في البيت أهل العلم كلهمُ ... هم في الحقيقة إخوان وسمار
стр. 118
كن حلس بيتك مثل السيف في كرم..........في غمده وهو للأعناق بتار (١)
السطر
السطر في اللغة هو الأثر المستطير على استواء جمعه أسطار وأسطر وسطور, ويقال للذي يصلح بها الورق: سطوره في دفاتره حتى لا تعوج سطوره (مسطره) (٢) , وفي لسان العرب: السَّطْرُ والسَّطَرُ الصَّفُّ من الكتاب والشجر والنخل ونحوها (٣) , وفي الذكر الحكيم: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ (٤) أي مكتتب قد سطر, وتقول: كل شيء مستطر أي مكتتب, قال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٥) .
قال الشاعر:
مُستَطارٌ أَنا مِن خَوفِ الرِدى ... كُلُّ شَيءٍ في كِتابٍ مُستَطَر
غَفَرَ اللَهُ لِعَبدٍ غافِلٍ ... هُوَ في أَعظَمِ جَهلٍ وَخَطَر
تَرَكَ الآجِلُ لَم يَحفِل بِهِ ... وَمِنَ العاجِلِ لَم يَقضِ الوَطَر
حَكَمَ الرَبُّ لِبَدرٍ فَاِستَوى ... وَهِلالٍ مُستَجِدٍّ فانَأطَر
تُظهِرُ الدينَ وَتُخفي غَيرَهُ ... إِنَّما شَأنُكَ مَكرٌ وَبَطَر (٦)
стр. 119
الكتاب عرضه وحفظه
عرض الكتاب يعني إمراره وتصفحه يقال عرضت الكتاب أعرضه عرضاً إذا أمررته على طرفك بعد فراغك منه لألا يقع فيه خطأ. (١) وقد يكون العرض على العين وعلى القلب, ومن ذلك قول ابن الأحنف:
عَرَضتُ عَلى قَلبي الفِراقَ فَقالَ لي ... مِنَ الآنَ فَاِيأَس لا أَغُرُّكَ مِن صَبرِ
إِذا صَدَّ مَن أَهوى وَأَسلَمَني العَزا ... فَفُرقَةُ مَن أَهَوى أَحَرُّ مِنَ الجَمرِ
أما عرض الكتاب على الإنسان في يوم القيام الذي ينبأ فيه بما قدم وأخر فهو يعني إبرازه وإظهاره, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٢) .
فالله قد كتب الأعمال كلها وحفظها, فكل حركات الإنسان وسكناته مسجلة محفوظة مزبروة مرقومة, قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ (٣) أي مرقوم من الرقّم وهو الوشم, أو مرقوم من الرَقم, فكل مخالفة وصورتها, أو مرقّم يستحيل أن تنزع منه صفحة.
فكل شيء أحصاه الله وحفظه, فاعمل تجد حسناتك محفوظة, وسارع إلى الخير يبقى لك ذكره وأجره, فهو مسجل في كتاب حفظه الله لا يضيع ما فيه ولا يخطئ, وفي سورة يس الخبر اليقين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا
стр. 120
قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١) أي في كتاب مبين, وفي سورة النبأ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ (٢) , ويرحم الله شوقي حيث يقول:
إِنَّما الأَيّامُ وَالعَيشُ كِتاب ... كُلَّ يَومٍ فيهِ لِلعِبرَةِ باب
أما احمد بن علوان (٣) فهو يقول:
أبواب أعمال سعيت لكسبها ... وجهلت ما أحصى عليك كتاب
أعقل أفق أنفق أنب لا تكتسب ... إلا المحاسن يجزك الوهاب
الحفيظ والمحصي من أسماء الله الحسنى
الحفيظ من أسماء الله الحسنى ورد ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٤) , وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (٥) .
стр. 121
وقد ورد في السنة النبوية: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (١) , وجاء في رواية الترمذي تعداد أسماء الله الحسنى وعدَّ منها الحفيظ (٢) .
والحفيظ له معنيان: أحدهما أنه يحفظ للعباد ما عملوا من خير وشر, وطاعة ومعصية, بحيث لا يفوتهم من ذلك مثقال ذرة, وحفظه لهذه الأعمال بمعنى ضبطه لها وإحصائه إياها, فهو المحيط علماً بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها, فهو قد كتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يبرأها بل قبل أن يخلق السماوات والأرض, ووكل بها ملائكة حافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون, ويرحم الله ابن القيم حيث يقول:
وَهُوَ الحفِيظُ عَليهِمُ وَهُوَ الكَفِيـ ... ـلُ بِحِفظِهِم مِن كُلِّ أمرٍ عَانِ (٣)
والمعنى الثاني من معنيي الحفيظ: أنه الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون, وحفظه لخلقه عام وخاص: العام حفظه لجميع المخلوقات بتيسير لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها فهي تمشي إلى هدايته وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة التي قال عنها: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤) , أي هدى كل مخلوق لما قدر له وقضى له من ضروراته وحاجاته, كالهداية للمشرب والمأكل والمنكح والسعي في أسباب ذلك, والنوع الثاني حفظه الخاص
стр. 122
لأوليائه حفظاً زائداً على ما تقدم يحفظهم عمّا يضر إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من الفتن والشبهات والشهوات, ويحفظهم من أعدائهم وينصرهم عليهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) , وهذا عام لدفع جميع ما يضرهم في دينهم ودنياهم, فعلى حسب ما عند العبد من إيمان تكون مدافعة الله عنه بلطفه. (٢) وقد جاء في حديث ابن عباس: (يَا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ) (٣) .
وقال الحليمي: الحفيظ: معناه الموثوق به من ترك التضييع.
وقال أبو سليمان: -فيما أخبرت عنه- الحفيظ هو الحافظ فعيل بمعنى فاعل كالقدير والعليم يحفظ السماوات والأرض ومن فيها لتبقى مدة بقائها فلا تزول ولا تندثر قال تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ .
أما اسم الله الحافظ قال الحليمي: مَعْنَاهُ الصَّائِنُ عَبْدَهُ عَنْ أَسْبَابِ الْهَلَكَةِ فِي أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ قَالَ: وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) ، وَقَدْ قُرِئَ: (خَيْرٌ حِفْظًا) وَجَاءَ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَمَنْ حَفِظَ فَهُوَ حَافَظٌ وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . (٤)
стр. 123
وقال محمد راتب النابلسي: إن لاسم الله الحفيظ معنيان: الأول: حفيظ بمعنى عليم, فالله لا ينسى كل أعمالك وأقوالك وكل مواقفك, فكل ما أنت فيه محفوظ عند الله , المعنى الثاني: الحفيظ أي ضد التضييع أي الله لا يضيع المؤمن بل يحفظ له عمله ويكافؤه عليه في الدنيا والآخرة. (١)
أما اسم الله المحصي فقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ (٢) , أي أحصى الله كل شيء عدداً فهو المحصي لكل شيء, وفي سورة مريم يقول : ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ (٣) , وقال جل شأنه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ (٤) , وورد في السنة النبوية تعداد أسماء الله الحسنى وذكر منها المحصي كما في رواية الترمذي (٥) .
قال الحليمي: وَمَعْنَاهُ الْعَالِمُ بِمَقَادِيرِ الْحَوَادِثِ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْهَا عُلُومُ الْعِبَادِ، وَمَا لا يُحِيطُ بِهِ مِنْهَا عُلُومُهُمْ، كَالأَنْفَاسِ وَالأَرْزَاقِ وَالطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالْقُرَبِ، وَعَدَدِ الْقَطْرِ وَالرَّمْلِ وَالْحَصَا وَالنَّبَاتِ وَأَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَالْمَوَاتِ وَعَامَّةِ الْمَوْجُودَاتِ، وَمَا يَبْقَى مِنْهَا أَوْ يَضْمَحِلُّ وَيَفْنَى. (٦)
стр. 124
وقيل: المحصي هو المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء. وقال بعض العلماء: المحصي هو الذي بالظاهر يراقب أنفساك وبالباطن يراقب حواسك. وقيل: المحصي هو الحافظ لأعداد طاعتك العالم بجميع حالتك. (١)
قلتُ: الظاهر أن إحصاء الله يستغرق إحصاء كل شيء, فكل الكون وما فيه أحصاه الله وأحصى جميع أعمال الخلائق وأنفاسهم, فهو العليم بدقائق الأمور وبأسرار المقدور, وهو المحيط بكل شيء, العالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية, ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير, أما الإنسان فهو عاجز بعلمه أن يحصي بعض المعلومات فضلاً عن إحصاء نعم الله جل وعلا, قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (٢) .
ثمرة معرفة اسم الله الحفيظ الحافظ المحصي
إذا علم المكلف أن الله الحفيظ الحافظ لجميع الممكنات وأنه الذي يحفظ جميع الأشياء جملةً وتفصيلاً ويعلمها علماً لا زوال فيه ولا سهو ولا نسيان, وأنه الذي يحفظ الأرض والسماوات أن تزولا, ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
стр. 125
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١) , وأنه الذي يحفظ عباده ويكلأؤهم بالليل والنهار ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (٢) , وأنه على كل شيء حفيظ, وأنه يحفظ أعمال العباد ويجازيهم عليها ... إلخ وأنه المحصي الذي يحصي الأعمال ويهيؤها بتفاصيلها ليوم الجزاء أيقن أن الله تعالى يحصي عليه كل حركاته وكل أنفاسه وكل أفعاله وكل ما تنطوي عليه نفسه من أمنيات, وجب عليه أن يؤمن بأن الله هو الحفيظ الحافظ المحصي, وسيرى عند ذلك من حفظ الله تعالى لقلبه ولدينه ما ينفعه الله به في الدنيا والآخرة, فمن عرف أن الله الحفيظ الحافظ المحصي حفظ قلبه ودينه عن سطوة الغضب والشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان, وعمل صالحاً, لأن الله هو الحفيظ المحصي الذي يحفظ أعماله ويقوم بعناية الإنسان ورعايته وإثابته.
قال الشاعر:
خلقت فيهم عيوناً يبصرون بها ... وقد خلقت بهم للسمع أذانا
لو لم تكن أنت يا رباه حافظهم ... لم تشهد الأرض فوق الأرض إنسانا
وقال آخر:
غَدا ينادي المنادي ... وهم إليه وفود
كل عليه حَفيظ ... وَسائق وَشَهيد
وَحوله عَن يَمين ... وَعَن شمال قَعيد
стр. 126
يا منكر البعث هَذا...........ما كنت منه تحيد (١)
أما أبو مسلم العماني فهو يقول:
وكيف أخاف الحادثات وإنما ... أمانك لي يا خالقي كان معقلا
وحفظك حرزي يا حفيظ وممنعي ... فلم أختشِ من حادث الدهر موجلا
ومن علم أن الله عليم حافظ محصي حفظ أوامر الله بالامتثال ونواهيه بالاجتناب وحدوده بعدم تعديها, وبذلك يحفظ الله تعالى الإنسان في نفسه ودينه وماله وولده وفي جميع ما آتاه الله من فضله, ولا يعني الوقوع في الأمراض والأوصاب والبلايا التي قد يتبلي الله تعالى الإنسان بها في نفسه أو ماله أو ولده عدم الحفظ لأن الله قد علم ذلك وأحصاه, وسيحفظ له ثواب ذلك ويلطف به ويرزقه الصبر والرضا ويجزيه الجزاء الأوفى ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) . ولقد أحسن من قال:
في كل بلوى تصيب العبد عافيةً ... إلا البلاء الذي يؤدي إلى النارِ
ذاك البلاء الذي ما فيه عافية ... من البلاء ولا ستر من العارِ
ومن عرف هذه الأسماء حفظ الود, وأحسن العهد, وأنجز الوعد, وشعر برقابة الله عليه, وكان قوياً يقول الحق فهو يراقب الله ويخشاه, غير مغتر بعلمه ولا بسلطانه ولا بتلبيس إبليس على نفسه أو على قومه, فهو يعلم أن الله معه يسمع ويرى فهو الذي يحفظه ويحاسبه في كل الأحوال, ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ
стр. 127
اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (١) , فهو يدعو الله ويرجوه ويسأله أن يحفظ له دينه ودنياه, وفي الحديث أن النَّبِيُّ ﵌ قَالَ: (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ) (٢) .
دعاء الله باسمه الحفيظ الحافظ المحصي
نسألك اللهم يا حفيظ يا حافظ يا محصي كما أحصيت أنفاسنا وأقوالنا وأفعالنا أن ترحمنا وتحفظنا وتتفضل بالقبول لكل أعمالنا, واحفظ يا الله قلوبنا وديننا من الزيغ والزلل, واحفظ اللهم علينا ما أوليتنا من المال والأهل والولد, واحفظ اللهم أسماعنا وأبصارنا, وفي السنة النبوية ان النبي ﷺ كان يدعو بِهَؤُلَاءِ الدعوات (اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا) (٣) .
وصلَّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 128
الفصل الخامس
الإيمان
стр. 129
الإيمان
الإيمان بوجود الله فطرة في النفس الإنسانية, فمن تفكر بعقله في الكون آمن بالله ورأى من الآيات ما يبهر الألباب, وصدق بوجود الله الخالق الوهاب, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١) , فالقرآن يقرر بأن الدين فطرة في الإنسان فطر الناس عليها, أساسها الاعتقاد بخالق الكون, وأنه واحد لا شريك له, فإذا انفرد المرء بنفسه حكم بأنه مخلوق لإله قادر حكيم خلقه وأنعم عليه, قال الشاعر:
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة (٢)
وقال أبو نواس:
تأمل في خلال الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليكُ
عيون من لجين شاخصاتٌ ... بأحداق هي الذهب السبيكُ
على قضب الزبرجد شاهداتٌ ... بأن الله ليس له شريكُ
ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول:
أَلا إِنَّنا كُلَّنا بائِدُ ... وَأَيُّ بَني آدَمٍ خالِدُ
وَبَدؤُهُمُ كانَ مِن رَبِّهِم ... وَكُلٌّ إِلى رَبِّهِ عائِدُ
فَيا عَجَبا كَيفَ يُعصى الإِلَـ ... ـهُ أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ
стр. 130
وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍ..........عَلَينا وَتَسكينَةٍ شاهِدُ
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ
والإيمان في اللغة: التصديق, وفي الاصطلاح: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح, فهو التصديق بكل ما أخبر الله به في كتابه الكريم أو على لسان رسوله تصديقاً جازماً لا يخالطه شك ولا ريب, وفي الذكر الحكيم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١) , وقال سبحانه: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) .
وقال الشاعر:
إِيماننا باللَهِ بَينَ ثَلاثَةٍ ... عَمَلٍ وَقَولٍ واِعتِقادِ جَنانِ
وَيَزيدُ بِالتَقوى وَيَنقُصُ بِالرَدى ... وَكِلاهُما في القَلبِ يَعتَلِجانِ (٣)
وقال ابن القيم:
وَاشهد عَلَيهِم أنَّ إِيمَانَ الوَرَى ... قَولٌ وفِعلٌ ثُمَّ عَقدُ جَنَانِ
وَيزِيدُ بالطَّاعَاتِ قَطعاً هَكَذَا ... بِالضِّدِّ يُمسِي وَهوَ ذُو نُقصَانِ
وَاللهُ مَا إيمَانُ عَاصِينَا كايـ ... ـمَانِ الأمِينِ مُنَزِّلِ القُرآنِ
كَلاَّ وَلاَ إيمَانُ مُؤمِنِنَا كايـ ... ـمَانِ الرَّسُولِ مُعَلِّمِ الإِيمَانِ
стр. 131
وجاء في الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١) .
النجاة في الإيمان بالله
في الإيمان بالله النجاة من عذاب الله والفوز برضوان الله, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) , فمن آمن بالله سعد وطاب عيشه, وضاعف الله أجره وثوابه, وأمن العذاب, ونجى من الهلكة يوم الحساب, وكان في الناس حسن الأخلاق, قوي في إيمانه, مجتهد في عمله, محبوب في وطنه, يكرم الإنسان, ويألف الاخوان, وفي الحديث النبوي: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) (٣) .
الرفعة بالإيمان
إنما يتفاوت الناس في أقدارهم على مقدار إيمانهم وأعمالهم, وإنما الرفعة والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين, فقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) , فجدد أخي إيمانك بالله لترفع وتسعد فالإيمان إن لم يتجدّد يبلى ويخلق, ففي الحديث أن النبي ﵌ قال: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (٥) , وفي رواية: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) (٦) , فثق أخي بالله يرفع الله مقامك, ويخفض من أراد هوانك, فالله مولى كل خيرٍ وموليه, وخافض كل شيءٍ ومعليه, وهيهات أن يخفض المرء يتمه أو عدمه إذا رفعه الحق بإيمانه وعمله وعلمه, وفي الذكر الحكيم على ذلك دليل وبينات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٧) .
وقد جعل الله أمة محمد أمة مرحومة, يؤمنون بالله ويوحدونه, وأثنى عليهم الحق لإيمانهم بالله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر, فقال سبحانه:
стр. 132
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) , وفي الحديث النبوي: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ) (٢) .
الإيمان بالقضاء والقدر
القدر نظام سماوي يجري وفق قانون رباني, فهو من جملة أركان الإيمان التي أخبر عنها الرسول عليه وآله والصلاة والسلام حينما سئل عن الإيمان ذكره من جملة أركانه فقال: (الإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٣) . قال الشاعر:
تَجري الأَمور عَلى حُكم القَضاء وَفي ... طيّ الحَوادِث مَحبوبٌ وَمَكروهُ
فَرُبّما سَرَّني ما بِتّ أَحذَرهُ ... وَرُبَّما ساءَني ما بتُّ أَرجوهُ (٤)
وفي الأمثال السائرة: "لا ينفع حذر من قدر", وقيل: "إذا حل القدر بطل الحذر", ومعنى ذلك: أن الحذر لا يدفع المقدور عن صاحبه, فالمرء لا يملك أن يفر مما كتبه الله وقدره عليه, وهذا لا يعني ترك الأخذ بالأسباب,
стр. 133
فهذا يعقوب ﵇ يرشد أولاده: ﴿يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وفي الأمثال الشعبية: "انت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد", وقيل: "العاجز عن التدبير يحيل على المقادير", قال الشاعر:
وعاجز الرأي مصباح لفرحته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
وفي أمثال العامة: "اللي من نصيبك لازم يصيبك, واللي مكتب على الجبين لازم تشوفه العين, والمكتوب ما منوش مهرب". (٢)
فالإيمان بالقدر يجعل الحياة تعج بالأمل وتشرق بالأنوار وتهتف بالمعالي فيها معنى الحركة والإنجاز والأمل والتفاؤل الذي يجده الإنسان مبثوثاً في ثنايا القرآن حتى في لحظات انكسار المسلمين في غزوة أحد ووداع سبعين من أكابرهم وقادتهم ورجالهم في يوم رحيل الأبطال والشهداء يتنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣) , وفي لحظة صولة العدو وطيشه يأتي الأمل والتفاؤل ويتنزل قول الحق : ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) , وحتى في لحظة يأس الرسل وإحباطهم وفتور همتهم يأتي الأمل من جديد ليبدد هذا اليأس والإحباط فينجلي العمى ويأتي النصر الذي كتبه الله وقدره فيتنزل قول الحق ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥) , وفي لحظة انتفاخ أهل الباطل وتطاولهم يأتي القدر الإلهي ليرد عليهم فيتنزل قول الحق : ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾ (٦) , فسبحان الله المتفضل على عباده, فقد جاء في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) (٧) .
والحق أن الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ويقضي على التشاؤم والطيرة ويزيد الإنسان قوة وفتوة فيجعله كالجبل الذي لا تهزه ريح ولا يجحبه مطر, فالمؤمن بقدر الله يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطأه وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وفي الحديث الشريف: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (٨) , وفي الذكر الحكيم: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٩) , ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١٠) .
стр. 134
وقال الشاعر:
واصبر على القدر المحتوم وارضَ به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدرُ
فما صفا لمرئٍ عيشٌ يسر به ... إلا سيتبع يوماً صفوه كدرُ
وقال الإمام الشافعي ﵀:
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ... وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ... فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ... وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ
وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ... وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ
وفي الذكر الحكيم: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) , وفي الأدعية المأثورة في دبر كل صلاة مكتوبة: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) (٢) , فالعاقل يؤمن بالقدر فهو لا يكثر الهم ولا يتطير أو يتلبس بالكدر, قال طرفة بن العبد (٣) :
إذا ما أردت الأمر فامضِ لوجهه ... وخل الهوينا جانباً متأنيا
ذ
стр. 135
ولا يمنعنك الطير مما أردته...........فقد خط في الألواح ما كنت لاقيا (١)
وقال آخر:
طيرة الدهر لا ترد قضاءً ... فعذر الدهر لا تشبه بلوم (٢)
وقوله: "طيرة الدهر" مصدر طيّر يتطيّر طيرة, والطيرة: اسم مصدر من تطيّر طيرة كما يقال: تخيّر خيرة, ولم يجئ في المصادر على هذه الزنة غيرهما, وأصله: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما, وكان التطير يصدّ المتطير عن مقاصده فنفاه الشارع وأبطله وأخبر بأنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر, وقد قال بعض العلماء: الطيرة من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب, وهي من القاء الشيطان وتخويفه ووسوسته, وفي حديث أبي هريرة ﵁: (لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ) رواه البخاري (٣) , وزاد مسلم: (وَلاَ نَوْءَ وَلاَ غُولَ) (٤) , وفي حديث ابن مسعود: (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ثَلاثًا وَمَا مِنَّا إِلاَّ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ) رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول بن مسعود (٥) , ولأحمد من حديث الفضل بن العباس ﵁: (إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ) (٦) , وقال ضابئ بن الحارث (٧) :
وَما عاجِلاتُ الطَيرِ تُدني مِنَ الفَتى ... رَشاداً وَلا عَن رَيثِهِنَّ يَخيبُ
وَرُبَّ أُمورٍ لا تَضيرُكَ ضَيرَةً ... وَلِلقَلبِ مِن مَخشاتِهِنَّ وَجيبُ
стр. 136
وفي سورة الأنعام يقول الكريم المنان: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ (١) .
القدر في القرآن
عقيدة القدر في القرآن الحكيم تعلم المؤمنين أن لهذا الكون نظاماً محكماً, وسنناً مطردة, ارتبطت فيه الأسباب بالمسببات, وأن ليس في خلق الله خلل ولا مصادفات, ومن فائدة هذا الاعتقاد أن أهله يكونون أجدر الناس بالبحث في نظام الكائنات, وتعرف سنن الله في المخلوقات, وطلب الأشياء من أسبابها, والجري إليها في سننها, ودخول البيوت من أبوابها, قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) , وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣) , فلكل شيء من مخلوقات الله سنن ونواميس, ومقادير منتظمة, كسننه في حمل الإناث وعقمها, وزيادة الذرية ونقصها, قال تعالى: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٤) , والإنسان جزء من الوجود ينطبق عليه النظام الذي اقتضته حكمة بارئ الوجود
стр. 137
ومربي كل موجود, قال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ (١) . فالقرآن حث على التدبر في مخلوقات الله وآياته.
وإذا تأملنا في كلمة المقدار والتقدير في القرآن وجدنا أنها ترد بمعنى: جعل الشيء بمقياس مخصوص أو وزن محدود أو وجه معين يجري على سنة معلومة, قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٢) أي أنزلناه بمقدار معين.
قال الدكتور عفيف عبد الفتاح طبارة: إذا نظرنا إلى معنى لفظة القدر التي جاءت في القرآن في مواضع متعددة رأينا: القدر -بفتح الدال وسكونها- والمقدار والتقدير وردت بمعنى جعل الشيء بقياس مخصوص أو وزن محدود أو وجه معين يجري على سنة معلومة. (٣)
فالإيمان بالقدر في القرآن الكريم يسوق معتقده دائماً إلى السعي والعمل, ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) , وهذا الاعتقاد تتبعه صفة الشجاعة والبسالة والجود والسخاء, والأخذ بالأسباب في جميع الأشياء, كيف لا والحق يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
стр. 138
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) , إن هذا الاعتقاد والإيمان بالقدر يشجع المؤمن على الترقي في حياته الدينية والدنيوية, فـ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٢) .
فقانون القدر الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه يعلمنا أن من آمن وعمل صالحاً رفعه الله, ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (٣) , وقال جل شأنه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ (٤) .
قال أبو العلاء المعري:
اِنفَرَدَ اللَهُ بِسُلطانِهِ ... فَما لَهُ في كُلِّ حالٍ كِفاء
وله في إبداع الله وقدرته:
وَبَدائِعُ اللَهِ القَديرِ كَثيرَةٌ ... فَيَحورُ فيها لُبُّنا وَيَحارُ
وقال أيضاً في قدرة الله:
وَقُدرَةُ اللَهِ حَقٌّ لَيسَ يُعجِزُها ... حَشرٌ لِخَلقٍ وَلا بَعثٌ لأَمواتِ
ومن شعر الحكمة لأبي العلاء المعري في لزوم ما لا يلزم:
إِذا كُنتَ لا تَسطيعُ دَفعَ صَغيرَةٍ ... أَلَمَّت وَلا تَسطيعُ دَفعَ كَبيرِ
فَسَلِّم إِلى اللَهِ المَقاديرَ راضِياً ... وَلا تَسأَلَن بِالأَمرِ غَيرَ خَبيرِ
أما أبو نواس فإنه يقول في القضاء والقدر:
لَيسَ لِلإِنسانِ إِلاّ ... ما قَضى اللَهُ وَقَدَّر
لَيسَ لِلمَخلوقِ تَدبيـ ... ـرٌ بَلِ اللَهُ المُدَبِّر
стр. 139
وكلام أبي نواس وما ورد في الأدب العربي على هذا المنوال لا يعني نفي ما وهب الله للإنسان من اختيار ولكنه يحث على التسليم لقدر الله تعالى باعتباره قضاء رباني لا مناص من التسليم والإيمان به فهو قانون إلهي لا يجوز الكفر به, فتدبير أمور الكون وتقديرها كلها لله وحده لا شريك له.
فالإيمان بالقدر لا يعني تعطيل المدارك والقوى التي أرشد الله إلى إعمالها والتفكر بها, ولا يعني الإيمان بالقدر الميل إلى الكسل وترك العمل, فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة, كما جاء في بعض كلام عمر ﵁, ولكن الإيمان بالقدر يتطلب النظر في نظام الكائنات, والتعرف على سنن الله في المخلوقات, وطلب الأشياء من أسبابها, والعزيمة والتوكل على الله, قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١) , وقال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢) , فمن آمن بالله ظفر بهداية الله قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) , ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (٤) , وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٥) .
الرضا والتسليم دليل الإيمان
إن الرضا المطلق والقبول المحمود دليل صحة الإيمان, فالمؤمن يعلم أن من المنع عطاءً, ورب ضارة نافعة, أن الحياة المتدفقة بالآلام والمتاعب هي الحياة التي تفتق المواهب وتصنع الرجال, وأن ما من نازلة نزلت إلا ووراءها حكمة قد تدرك أو لا تدرك قدرها العليم الحكيم الذي قال في محكم الذكر الحكيم: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) , وهذا ابن عباس عندما فقد عينيه يقول:
إِن يأَخذِ اللَه مِن عَينيَّ نورهما ... فَفي لِساني وَقَلبي منهما نورُ
قَلبي ذَكي وَعَقلي غَيرُ ذي دَخَل ... وَفي فَمي صارِم كالسَيف مَسلولُ
فهو لم يتسخط ولم يفشل لأنه آمن بقول الحق : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٧) , وبحديث الرسول ﵌: (واعلم أن ما أصابك لم يكن
الإيمان بالله يزيل الهم
الإيمان بالله يزيل الهم والغم من حياة الإنسان, فالمؤمن لا ييأس إن منعه الناس, ولا يجزع إن خانوه, لأنه يعتمد على مسبب الأسباب ومدبر الأمور, لسان حاله يقول:
واشدُدْ يَدْيكَ بحَبلِ الدِّينِ مُعتَصِماً ... فإنَّهُ الرُّكْنُ إنْ خانَتْكَ أركانُ (١)
عندما تؤمن بالله تعلم أن الله لا يأتي لحياتك إلا بما يصلحها فكل ما يصيبك بغير اختيارٍ لك فيه هو إصلاح من حيث تدري أو لا تدري فأنت صنعة الله ومن ذا الذي يتلف صنعته, عندما تؤمن بالله تعالى تهون عليك المصائب وتفرج عنك الكروب, ويزيل أساك وحزنك لأنك عندئذٍ تترك الأمور لرب الأمور, فتسعى في رزقك وأنت على يقين أن من وراء هذا السعي رزاقاً كريماً يهيب بك في كل لحظة أن تبخل عليه.
جاء في تفسير ابن كثير: أنه قد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: "ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب, وتكفلت برزقك فلا تتعب, فاطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدت كل شيءٍ, وإن فتك فاتك كل شيءٍ, وأنا أحب إليك من كل شيءٍ" (٢) .
فعندما تؤمن بالله يخف حملك لأن هناك من يحمل عنك لأنه وليك وولي المؤمنين, قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) .
стр. 143
من يؤمن بالله يهدي قلبه
لا يخدعنك الثراء الفاحش, ولا القصر المرصع المنيف, ولا المال المكدس الوافر, فكل هذه المظاهر لا تنفع قلباً ضعيف الإيمان بل على العكس قد
تزيده طمعاً وجشعاً, وإن بدا لك أنيق المظهر تغشى فمه ابتسامة عريضة وهو يركب سيارته الفاخرة إنه الرجل التعيس.
إن سر سعادة الإنسان هو رصيد ما في قلبه من إيمان قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) .
واسمع إلى تلك الكلمة الخالدة التي خرجت من قلب معمور بالإيمان إنه قلب الرجل الصالح إبراهيم بن أدهم ﵀: "لو علم الملوك ما نحن عليه -أي من حلاوة الإيمان- لقاتلونا عليه بالسيوف". (٢)
الخلال الدنيئة ليست من صفات المؤمن
المؤمن لا يكون كاذباً, ولا حاقداً, ولا حاسداً, ولا شامتاً, ولا باغيا, ولا فاجراً, والمؤمن لا يغدر ولا يخون ولا يكذب, وقد جاء في الحديث النبوي: (يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ) (٣) .
النفاق يضاد الإيمان
النفاق آفة وخساسة ومرض وتعاسة, والمنافق ذو وجهين ينطق بالإيمان ولا يعمل بالقرآن, والمنافق ماكر مخادع, إن حدث كذب, وإن وعد أخلف, وإن اؤتُمن خان, لا يؤمن بالله العظيم ولا يتبع رسوله الكريم, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) .
والنفاق يدل على إخفاء الشيء وإغماضه, ومنه النفق, وهو السرب في الأرض, والنفاق يعني اختلاف السر والعلن واختلاف القول والعمل, وهو نوعان: اعتقادي: وهو إظهار الإيمان وابطان الكفر, وعملي: وهو إظهار الإنسان غير حقيقته في الصلاح والعمل.
وجاء في الموسوعة الضدية: المنافق: هو الذي يظهر الإيمان بلسانه ويستر الكفر بقلبه, وقيل: هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه, سواءً كان في باطنه ما يضاد ظاهر, أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره. (٥)
وفي القرآن الحكيم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (٦) , والمنافق يخادع ربه ويترك فرضه, يكره المؤمنين ويتبع الجاهلين, يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف, قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٧) , وقال
стр. 144
جل شأنه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) .
وما أكثر ضرر النفاق على المجتمعات الإنسانية وأخطره على الأمة الإسلامية, فكم ديار خربت ودماء سفكت وأعراض هتكت بسبب نفاق ذوي الألسنة الثرثارة, والقلوب الخوارة, والشهوات القاهرة, والنفوس الفاجرة, والأفكار الخيالية, فلا تعجب بأجسامهم ولا تصغ إلى أخبارهم فأنت لا تعرف ما تحويه قلوبهم من الأحقاد والمكائد الشداد وبغض العباد, وفي محكم التنزيل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢) , ويرحم الله يوسف الدجوي حيث يقول:
لقد ظهرت حوادث لا تطاقُ ... وقوم ما لأكثرهم خلاقُ
فأموال تبعثر في فسادٍ ... وكم وسط النهارِ دمٌ يراقُ
وكم ظلمٍ تسربل ثوب عدل ... وكم ضغنٍ يغطيه النفاقُ
стр. 145
وكم فضلٍ يداس ولا يراعى.....وكم جهلٍ يروجه الرفاقُ (١)
ويقول آخر:
حُكمٌ جرى سوقُ المنافقِ نافقٌ ... بنفاقهِ والبِرُّ أعظمُ كاسدِ
أما الشريف الرضي (٢) فهو يقول:
أقمْ واحداً فرداً ودعْ عنك مرّةً ... نفاقَ فلانٍ أوْ خِداعَ فلانِ
الإيمان بالغيب
إن التصديق بكل ما أنزله الله على رسله وأخبر الله به عباده في كتابه العزيز عن الجن والملائكة والجنة والنار ويوم المعاد والحساب وما يحصل فيه يدل على كمال الإيمان واليقين, والإيمان بما أوجب الله عن كل ما غاب عن نظر الإنسان وإدراكه واستأثر الله به مما أرشد إليه القرآن الكريم, فلا يكون الإنسان مهتدياً ومؤمناً ما لم يكن مؤمناً بالغيب, وفي القرآن العظيم على ذلك دليل وشاهد: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) .
ولعلماء اللغة والتفسير في وصف الغيب أقوال نشير إلى بعض منها:
قال الراغب: الغيب: مصدر غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (٤) .
وقيل: الغيب: ما غاب علمه عن جميع المخلوقات إلا ما علموه عن طريق الرسل، وقال الفيروزابادي: الغيب ما غاب عنك، وقيل: الغيب ما غاب عن الناس مما أخبرهم به النبي ﵌ من الملائكة والجنة والنار والحساب، وقال ابن الأعرابي: الغيب: ما كان غائباً عن العيون وإن كان محصلاً في القلوب، وأنشد بيت تميم بن أبي بن مقبل:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر (٥)
وقال صاحب المنار: الغيب قسمان: غيب حقيقي مطلق وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة، وفيه يقول الله : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ (٦) , وغيب إضافي وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلاً، وأما ما يعلمه بعض البشر بتمكنهم من أسبابه واستعمالهم