← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً * إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً * وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً *وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ (١) .

стр. 142

الإيمان بالله يزيل الهم الإيمان بالله يزيل الهم والغم من حياة الإنسان, فالمؤمن لا ييأس إن منعه الناس, ولا يجزع إن خانوه, لأنه يعتمد على مسبب الأسباب ومدبر الأمور, لسان حاله يقول: واشدُدْ يَدْيكَ بحَبلِ الدِّينِ مُعتَصِماً ... فإنَّهُ الرُّكْنُ إنْ خانَتْكَ أركانُ (١) عندما تؤمن بالله تعلم أن الله لا يأتي لحياتك إلا بما يصلحها فكل ما يصيبك بغير اختيارٍ لك فيه هو إصلاح من حيث تدري أو لا تدري فأنت صنعة الله ومن ذا الذي يتلف صنعته, عندما تؤمن بالله تعالى تهون عليك المصائب وتفرج عنك الكروب, ويزيل أساك وحزنك لأنك عندئذٍ تترك الأمور لرب الأمور, فتسعى في رزقك وأنت على يقين أن من وراء هذا السعي رزاقاً كريماً يهيب بك في كل لحظة أن تبخل عليه. جاء في تفسير ابن كثير: أنه قد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: "ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب, وتكفلت برزقك فلا تتعب, فاطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدت كل شيءٍ, وإن فتك فاتك كل شيءٍ, وأنا أحب إليك من كل شيءٍ" (٢) . فعندما تؤمن بالله يخف حملك لأن هناك من يحمل عنك لأنه وليك وولي المؤمنين, قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) .

стр. 143

من يؤمن بالله يهدي قلبه لا يخدعنك الثراء الفاحش, ولا القصر المرصع المنيف, ولا المال المكدس الوافر, فكل هذه المظاهر لا تنفع قلباً ضعيف الإيمان بل على العكس قد تزيده طمعاً وجشعاً, وإن بدا لك أنيق المظهر تغشى فمه ابتسامة عريضة وهو يركب سيارته الفاخرة إنه الرجل التعيس. إن سر سعادة الإنسان هو رصيد ما في قلبه من إيمان قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) . واسمع إلى تلك الكلمة الخالدة التي خرجت من قلب معمور بالإيمان إنه قلب الرجل الصالح إبراهيم بن أدهم ﵀: "لو علم الملوك ما نحن عليه -أي من حلاوة الإيمان- لقاتلونا عليه بالسيوف". (٢) الخلال الدنيئة ليست من صفات المؤمن المؤمن لا يكون كاذباً, ولا حاقداً, ولا حاسداً, ولا شامتاً, ولا باغيا, ولا فاجراً, والمؤمن لا يغدر ولا يخون ولا يكذب, وقد جاء في الحديث النبوي: (يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ) (٣) . النفاق يضاد الإيمان النفاق آفة وخساسة ومرض وتعاسة, والمنافق ذو وجهين ينطق بالإيمان ولا يعمل بالقرآن, والمنافق ماكر مخادع, إن حدث كذب, وإن وعد أخلف, وإن اؤتُمن خان, لا يؤمن بالله العظيم ولا يتبع رسوله الكريم, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) . والنفاق يدل على إخفاء الشيء وإغماضه, ومنه النفق, وهو السرب في الأرض, والنفاق يعني اختلاف السر والعلن واختلاف القول والعمل, وهو نوعان: اعتقادي: وهو إظهار الإيمان وابطان الكفر, وعملي: وهو إظهار الإنسان غير حقيقته في الصلاح والعمل. وجاء في الموسوعة الضدية: المنافق: هو الذي يظهر الإيمان بلسانه ويستر الكفر بقلبه, وقيل: هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه, سواءً كان في باطنه ما يضاد ظاهر, أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره. (٥) وفي القرآن الحكيم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (٦) , والمنافق يخادع ربه ويترك فرضه, يكره المؤمنين ويتبع الجاهلين, يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف, قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٧) , وقال

стр. 144

جل شأنه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) . وما أكثر ضرر النفاق على المجتمعات الإنسانية وأخطره على الأمة الإسلامية, فكم ديار خربت ودماء سفكت وأعراض هتكت بسبب نفاق ذوي الألسنة الثرثارة, والقلوب الخوارة, والشهوات القاهرة, والنفوس الفاجرة, والأفكار الخيالية, فلا تعجب بأجسامهم ولا تصغ إلى أخبارهم فأنت لا تعرف ما تحويه قلوبهم من الأحقاد والمكائد الشداد وبغض العباد, وفي محكم التنزيل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢) , ويرحم الله يوسف الدجوي حيث يقول: لقد ظهرت حوادث لا تطاقُ ... وقوم ما لأكثرهم خلاقُ فأموال تبعثر في فسادٍ ... وكم وسط النهارِ دمٌ يراقُ وكم ظلمٍ تسربل ثوب عدل ... وكم ضغنٍ يغطيه النفاقُ

стр. 145

وكم فضلٍ يداس ولا يراعى.....وكم جهلٍ يروجه الرفاقُ (١) ويقول آخر: حُكمٌ جرى سوقُ المنافقِ نافقٌ ... بنفاقهِ والبِرُّ أعظمُ كاسدِ أما الشريف الرضي (٢) فهو يقول: أقمْ واحداً فرداً ودعْ عنك مرّةً ... نفاقَ فلانٍ أوْ خِداعَ فلانِ الإيمان بالغيب إن التصديق بكل ما أنزله الله على رسله وأخبر الله به عباده في كتابه العزيز عن الجن والملائكة والجنة والنار ويوم المعاد والحساب وما يحصل فيه يدل على كمال الإيمان واليقين, والإيمان بما أوجب الله عن كل ما غاب عن نظر الإنسان وإدراكه واستأثر الله به مما أرشد إليه القرآن الكريم, فلا يكون الإنسان مهتدياً ومؤمناً ما لم يكن مؤمناً بالغيب, وفي القرآن العظيم على ذلك دليل وشاهد: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) . ولعلماء اللغة والتفسير في وصف الغيب أقوال نشير إلى بعض منها: قال الراغب: الغيب: مصدر غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (٤) . وقيل: الغيب: ما غاب علمه عن جميع المخلوقات إلا ما علموه عن طريق الرسل، وقال الفيروزابادي: الغيب ما غاب عنك، وقيل: الغيب ما غاب عن الناس مما أخبرهم به النبي ﵌ من الملائكة والجنة والنار والحساب، وقال ابن الأعرابي: الغيب: ما كان غائباً عن العيون وإن كان محصلاً في القلوب، وأنشد بيت تميم بن أبي بن مقبل: وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر (٥) وقال صاحب المنار: الغيب قسمان: غيب حقيقي مطلق وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة، وفيه يقول الله : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ (٦) , وغيب إضافي وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلاً، وأما ما يعلمه بعض البشر بتمكنهم من أسبابه واستعمالهم

стр. 146

لها ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب وعجزهم عن استعمالها، فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب منها ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية فإن بعض علماء الرياضيات وغيرها يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه. ومنها ما هو عملي كالتلغراف الهوائي أو اللاسلكي الذي يعلم به المرء بعض ما يقع في أقاصي البلاد وأجواف البحار التي بينه وبينها ألوف من الأميال (١) . وفي الذكر الحكيم: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) , وفي هذه الآية دليل على أن الرسول ﵊ وكذلك سائر الأنبياء لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم الكسبية، كما أنهم لم يعطوا قوة التصرف في خزائن ملك الله، لأن ذلك مما لم يمكن البشر من أسبابه ولا أعطاهم إياه على سبيل الخصوصية، كما أظهرهم على بعض الغيب الذي هو موضوع الرسالة، ونفي ادعاء الرسول لكل من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الألوهية، أو ادعاء شيء من صفات الإله، وهو أولى ويستلزم ذلك أن كلا منهما خاص بالإله الذي هو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.

стр. 147

قال النابغة الجعدي (١) : لَوى اللَهُ عِلمَ الغَيبِ عَمَّن سِواءَهُ ... وَيَعلَمُ مِنهُ ما مَضى وتأَخَّرا أما أبو الحسن الغزنوي فهو يقول: والله بالغيب والتقدير منفرد ... وما سوى حكمه غيِّ وتضليلُ ويرى محمد الحسيني أن الله انفرد بعلم الغيب وأنه لا أجهل ممن يدَّعي ثقةً بحدسه وهو يجهل ما في بيته, وذلك حيث يقول: لا يعلم الغيب إلا الله خالقنا ... لا غيره عالم عجماً ولا عربا إذ لا شيء أجهل ممن يدعي ثقةً ... بحدسه ويرى فيما يرى ريبا قد يجهل المرء ما في بيته نظراً ... فكيف عنه بما في غيبه احتجبا أما زهير بن أبي سلمى (٢) فهو يقول: وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ ... وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَمي إخبار المنجم عن علم الغيب كذب والتصديق به كفر

стр. 148

التنجيم كذب ووبال, وزيف وخيال, فلا تصدق المنجم تأثم, ومن الخير تحرم, فاحذر تصديق المنجم والكاهن والعراف, ففي الحديث النبوي الشريف: (مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ) (١) , وقال العزيز الحكيم: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٢) , وجاء في حديث آخر: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ آله وَسَلَّمَ) (٣) . قال الشاعر: دع المنجمَ يكبو في ضلالته ... إن ادعى علمَ ما يجري به الفلكُ تفرَّد اللهُ بالعلم القديم فلا ... الإنسان يشركهُ فيه ولا الملك (٤) وقال أبو العلاء المعري: يُنَجِّمونَ وَما يَدرونَ لَو سُئِلوا ... عَنِ البَعوضَةِ أَنّى مِنهُمُ تَقِفُ أما لبيد بن ربيعة فهو يقول: لَعَمرُكَ ما تَدري الضَوارِبُ بِالحَصى ... وَلا زاجِراتُ الطَيرِ ما اللَهُ صانِعُ

стр. 149

وقال آخر: كُن طالِباً لِلعِلمِ واِعمَل صالِحاً ... فَهُما إِلى سُبُلِ الهُدى سَبَبانِ لا تَتَّبِع عِلمَ النُجومِ فَإِنَّهُ ... مُتَعَلِّقٌ بِزَخارِفِ الكُهّانِ عِلمُ النُجومِ وَعِلمُ شَرعِ مُحمَّدٍ ... في قَلبِ عَبدٍ لَيسَ يَجتَمِعانِ (١) أما المتنبي فهو يقول: فَتَبّاً لِدينِ عَبيدِ النُجومِ ... وَمَن يَدَّعي أَنَّها تَعقِلُ وهذا أبو تمام الطائي يقول: السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ ... في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ ... في مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً ... بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما ... صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ تَخَرُّصاً وَأَحاديثاً مُلَفَّقَةً ... لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ وقال آخر: الفأل والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال (٢)

стр. 150

علم الفلك والنجوم علم النجوم علمان: علم يعرف به سير النجوم ومدارها ومنازلها وأبعادها وأحجامها, وهذا ما يسمى بعلم الفلك وهو ليس داخل في التنجيم وتعليمه والعمل به غير منهي عنه, وفي الذكر الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١) . وعلم يزعمون أنه يعني روحانية النجوم والكواكب وتأثيرها في الخلق والأرض ومن عليها بالأمراض وما يحصل من الحروب والضيق والسعة والموت والحياة والسعادة والشقاوة ... إلخ, وما يعملون فيه من الجداول بالحوادث في العالم كله وهذا هو الدجل والكذب وهو نوع من السحر واستخدام الشياطين والقول على الله بلا علم. قال الشاعر: تدبر بالنجوم ولست تدري ... ورب النجم يفعل ما يريد (٢) وقال ابن تيمية: "لا ريب أن النجوم نوعان: حساب وأحكام, فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب وصفاتها ومقادير حركتها وما يتبع ذلك فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصفتها. وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة". (٣) وقال الشاعر: إني بأحكام النجوم مكذب ... ولمدعيها لائم ومؤنب الغيب يعلمه المهيمن وحده ... وعن الخلائق أجمعين مغيب

стр. 151

الإيمان بأسماء الله وصفاته إن الإيمان بأسماء الله وصفاته هو أعظم المطالب وأهمها, وإذا كان الله قد جعل لكل مطلوب سبباً وطريقاً للوصول إليه فقد جعل للإيمان أسباباً تجلبه وتقويه كما كان له أسبابٌ تضعفه وتوهيه, ومن أعظم ما يقوي الإيمان ويجلبه معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم والحرص على تفهم معانيها والتعبد لله بها وفي الذكر الحكيم: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١) . وجاء في السنة النبوية أن النبي ﵌ قال: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (٢) , أي من حفظها, وفهم معانيها ومدلولها, وأثنى على الله بها, وسأله بها واعتقدها دخل الجنة, والجنة لا يدخلها إلا المؤمن, فاعلم أن ذلك أعظم ينبوع, ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته, ومعرفة الأسماء الحسنى -بمراتبها الثلاث: إحصاء ألفاظها وعددها, وفهم معانيها ومدلولها, ودعاء الله بها, دعاء الثناء والعبادة ودعاء المسألة- هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها, لأن معرفتها تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية, وتوحيد الألوهية, وتوحيد الأسماء والصفات, وهذه الأنواع هي روح الإيمان وأصله وغايته, فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه, فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله, من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف ولا تكييف. (٣) وعدم العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها قال تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ أي يميلون بها ويعدلون بها عن معانيها مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادة "لحد", فمنه اللحد: وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط, ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل. قال ابن السكيت: المُلْحِدُ العادِلُ عن الحق المُدْخِلُ فيه ما ليس فيه يقال قد أَلحَدَ في الدين ولحَدَ أَي حاد عنه وقرئ لسان الذي يَلْحَدون إِليه (٤) . وأسماء الله كلها حسنى وكلها تدل على الكمال المطلق والحمد المطلق, وهي توقيفية لا مجال للعقل فيها, وعلى هذا فيجب الوقوف على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد ولا ينقص, قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٥) , وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) , فتسميته جل وعلا بما لم يسمِّ نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه , فوجب سلوك الأدب في

стр. 152

ذلك والاقتصار على ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله, فهؤلاء ملائكة الرحمن يقولون: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (١) , فيجب الإيمان بالأسماء الحسنى الواردة في كتاب الله وسنة رسوله وتدل عليه من المعاني وتتعلق به من الآثار, فيؤمن المؤمن بأن الله رحيم: أي أنه ذو رحمة واسعة وسعة كل شيء فهو يرحم عباده, قدير: أي ذي قدرة على كل شيء أي لا يعجزه شيء, غفور: أي ذو مغفرة ويغفر لعباده, ... إلخ. الذكر يقوي الإيمان الذكر لله يقوي الإيمان, ويرفع من مكانة الإنسان, فهو شرف للذاكرين, وعدة للصابرين, وعون للمتقين, فمن ذكر الله ذكره, وأعانه ووفقه, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) . فاذكر أخي ربك في نفسك وبلسانك وقلبك تكن من الفائزين, فالذِكر غذاء الروح فهو الذي يمد النفس الإنسانية بالسكينة والاطمئنان وهذا ما صرح به القرآن, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٣) , فَذِكْرُ الله سبب لحصول السعادة في الدنيا والآخرة وقد جاء في السنة النبوية عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مثل الذي يذكر

стр. 153

ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت) (١) ، وفي مسند الإمام احمد وسنن الترمذي من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: (ما عمل آدمي عملاً أنجى من عذاب الله، من ذكر الله قال معاذ: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها لدرجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى) (٢) . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسير في طريق مكة فَمَرَّ على جبل يقال له جُمْدان، فقال: (سيروا، هذا جُمْدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) (٣) وزاد الترمذي: (المستهترون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً) (٤) . قال الشاعر: والذِّكرُ فيه حَيَاةٌ لِلقُلُوبِ كما ... يُحيِي البِلادَ إذا ما ماتَت المَطَرُ (٥)

стр. 154

وقال آخر: لو يعلم الناس ما في الذكر من شرف ... أمضوا الحياة بتسبيح وتهليلِ ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول: لو يعلم العبد ما في الذكر من شرف ... أمضوا الحياة بتسبيح وتمجيدِ أما الإمام علي بن أبي طالب فهو يعظ ولده الحسين ﵄ فيقول: أَحُسَينُ إِنّي واعِظٌ وَمؤَدِّبٌ ... فَاِفهَم فَأَنتَ العاقِلُ المُتَأَدِّبُ وَاِحفَظ وَصِيَّةَ وَالِدٍ مُتَحَنِّنٍ ... يَغذوكَ بالآدابِ كَيلا تُعطَبُ أَبُنَيَّ إِنَّ الذِكرَ فيهِ مَواعِظٌ ... فَمَنِ الَّذي بِعِظاتِهِ يَتَأَدَّبُ فَاِقرَأ كِتابَ اللَهِ جَهدَكَ واِتلُهُ ... فيمَن يَقومُ بِهِ هُناكَ وَيَنصَبُ بِتَفَكُّرٍ وَتَخَشُّعٍ وَتَقَرُّبٍ ... إِنَّ المُقَرَّبَ عِندَهُ المُتَقَرِّبُ وَاِعبُد إِلَهَكَ ذا المَعارِجِ مُخلِصاً ... وَاِنصِت إِلى الأَمثالِ فيما تُضرَبُ وَإِذا مَرَرتَ بِآيَةٍ وَعظِيَّةٍ ... تَصِفُ العَذابَ فَقِف وَدَمعُكَ يُسكَبُ يا مَن يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِعَدلِهِ ... لا تَجعَلَنّي في الَّذينَ تُعَذِبُ إِنّي أَبوءُ بِعَثرَتي وَخَطيئَتي ... هَرَباً إِلَيكَ وَلَيسَ دونَكَ مَهرَبُ وَإِذا مَرَرتَ بِآيَةٍ في ذِكرِها ... وَصفَ الوَسيلَةِ وَالنَعيمِ المُعجِبُ فَاِسأَل إِلَهَكَ بِالإِنابَةِ مُخلِصاً ... دارُ الخُلودِ سُؤالَ مَن يَتَقَرَّبُ وَاِجهَد لَعَلَّكَ أَن تَحِلَّ بِأَرضِها ... وَتَنالَ روحَ مَساكِنَ لا تَخرَبُ وَتَنالَ عَيشاً لا اِنقِطاعَ لِوَقتِهِ ... وَتَنالَ مُلكَ كَرامَةٍ لا تُسلَبُ

стр. 155

ذكر الله في جوف الليل إن الذكر في جوف الليل يقوي إيمان الإنسان ويعلي شأنه, فمن جد وجد, وقد جاء في الحديث النبوي: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ) (١) , ويرحم الله القائل: يا رجال الليل جدوا ... رب داع لا يردُ ما يقوم الليل إلا ... من له عزم وجدُ ليس شيء كصلاة ... الليل للقبر يعدُ ولأبي العتاهية: اِذكُر مَعادَكَ أَفضَلَ الذِكرِ ... لا تَنسَ يَومَ صَبيحَةِ الحَشرِ ذكر الله شرف ونعمة إن في ذكر الله شرف كبير, وخير وفير, وأمان من عذاب الله العلي الكبير, فالذِكر لله مظهر لمعرفة الإنسان ربه والثناء عليه، وبه يتقرب إلى الله, وبه يطلب رحمته وعفوه وفضله وإحسانه، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٢) , فالذي أمد الإنسان بمال وبنين والذي خلق الإنسان وأوجده والمتصرف في الكون كيف يشاء يأمر الإنسان بذكره كي يذكره ويعطيه ويتفضل عليه ويعافيه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (٣) , وقد بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الذكر يحط عن الذاكرين أثقالهم من الذنوب، ويكون لهم بذلك الأجر الكبير، وقد أخبر الله بذلك حيث قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٤) . الدعاء يقوي الإيمان الدعاء بأسماء الله الحسنى مخ العبادة, وبه تنال الحسنى وزيادة, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٥) , فلا يثنى على الحق إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا, ولا يسأل إلا بها, فهي أجل ما ينطق به اللسان, وأفضل ما يتجمل به من الكلام, وأنفع ما يفزع إليه الإنسان على الدوام؛ ففي دعائه بأسمائه وصفاته توحيد لله في صفاته وأسمائه وتذلل وتضرع واعتراف بأنه الضار النافع المعطي المانع.

стр. 156

فمن أراد خير الدنيا والآخرة فعليه بالدعاء, فبالدعاء يبلغ الإنسان آماله, وتصلح أحواله, وتزكو أعماله, والدعاء يرفع البلاء, ويقي من المصائب والأذى, ويجلب الخيرات والنعم, قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ (١) . من تقرب إلى الله بالدعاء ضمن الإجابة من أخلص لله في الدعاء ظفر بمراده, وانتصر على أعدائه, فلا تزدري الدعاء وتتكاسل لكي لا تزل وتفشل, ويرحم الله الشافعي حيث يقول: أَتَهزَأُ بِالدُعاءِ وَتَزدَريهِ ... وَما تَدري بِما صَنَعَ الدُّعاءُ سِهامُ اللَيلِ لا تُخطِي وَلَكِن ... لَها أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ اِنقِضاءُ فيمسكها إذا ما شأ ربي ... ويرسلها إذا نفذ القضاء وقال آخر: وإني لأدعو الله والأمر ضيق ... عليَّ فما ينفك أن يتفرجا ورب فتى سدت عليه وجوه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا (٢) وجاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي قول الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب (٣) وجاء في شعر الحكمة لامرؤ القيس (٤) :

стр. 157

وَاللَهُ أَنجَحُ ما طَلَبتَ بِهِ ... وَالبِرُّ خَيرُ حَقيبَةِ الرَحلِ وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) , فهيهات أن يرد الله من سأله مخلصاً وأيقن منه الإجابة فهو الكريم الذي يجيب من سأله. والدعاء نهاية التذلل ومصدر العطف من الرحيم ودليل الاخلاص للأحد الصمد العظيم, وفي الحديث النبوي الشريف: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ) (٢) . المؤمن من أسماء الله الحسنى المؤمن من أسماء الله الحسنى, هو من وحد نفسه سبحانه, وأثنى عليها بصفة الكمال, وبكمال الجلال والجمال, الذي أرسل رسله, وأنزل كتبه بالآيات والبراهين, وصدق رسله بكل آية وبرهان يدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به. (٣) قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ

стр. 158

الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) . وقال ابن عباس: المؤمن: هو من أمن خلقه من أن يظلمهم. وقال قتادة: أمن: بقوله أنه الحق. وقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم. وقال مجاهد: هو الذي وحد نفسه سبحانه. وقيل: هو المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب, ومصدق الكافرين ما وعدهم به من العقاب, وهو الذي أمن أولياءه من عذابه, وهو الذي أمن عباده من الخوف. (٣) وقال الحليمي: المؤمن معناه المصدق, لأنه إذا وعد صدق وعده, ويحتمل المؤمن عباده بما عرفهم من عدله ورحمته من أن يظلمهم ويجور عليهم. (٤) وقال محمد راتب النابلسي: فاسم الله المؤمن مأخوذ من التصديق أو من الأمن. (٥)

стр. 159

ثمرة التعرف على اسم الله المؤمن إذا عرف العاقل المسلم أن الله جل وعلا المؤمن المهيمن كان لله مصدقاً, وآمن بكل ما أنزل الله , وبذلك يتم إيمانه, ويتحقق الأمن والاطمئنان في قلبه بذكر الله سبحانه, ويحصل له الخوف والحياء من الله لإيمانه بشهادة الله عليه إن عصاه, ورجاء شهادة الله له إن أطاعه, وبذلك يكون قوّاماً بشهادة الله في كل ما نفع وضر وساء وسر, ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين, وفي ذلك نجاة المؤمن وفلاحه وصلاحه وإصلاحه لنفسه ومجتمعه. دعاء الله باسمه المؤمن يا الله يا رحمن يا رحيم يا مؤمن يا مهيمن أمّنًي والمؤمنين من عذابك, ومن مناقشة حسابك, ومن أليم عقابك, واجعل اللهم يا مؤمن يا مهيمن خوفك على قلبي وجوارحي مهيمناً, واجعل قلبي له محلاً ومسكناً, واجعلني من المتقين, وأسكني والمؤمنين غرف الفردوس الأعلى يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين, وصلى الله على محمد وآله وأصحابه المتقين المؤمنين وسلم تسليماً كثيراً يا رب العالمين.

стр. 160

الفصل السادس العمل

стр. 161

العمل العمل الصالح شرف وكرامة, وفضل واستقامة, فهو أساس الخير, وطريق الفلاح, وسبب النجاح, وثمرته الثواب في الدنيا والأخرى, وخير الناس من حسن عمله, وسلم من الشرور, وخير الأعمال ما رفع به صاحبه, ونفع اخوانه, ورضي عنه ربه, والعاقل يعتمد على عمله, والجاهل يعتمد على أمله, وفي الحديث الشريف أنه ﵌ سئل عن خير الناس فقال: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) (١) . وفي الامثال السائرة: "غبار العمل خير من زعفارن العطلة", وقيل: "قيمة كل امرء ما يحسنه, وخير الأعمال ما كان ديمة". وقال احمد شوقي يحث العمال على العمل: أَيُّها العُمّالُ أَفنوا الـ ... ـعُمرَ كَدّاً وَاِكتِسابا وَاِعمُروا الأَرضَ فَلَولا ... سَعيُكُم أَمسَت يَبابا إِنَّ لي نُصحاً إِلَيكُم ... إِن أَذِنتُم وَعِتابا في زَمانٍ غَبِيَ النا ... صِحُ فيهِ أَو تَغابى أَينَ أَنتُم مِن جُدودٍ ... خَلَّدوا هَذا التُرابا قَلَّدوهُ الأَثَرَ المُعـ ... ـجِزَ وَالفَنَّ العُجابا وَكَسَوهُ أَبَدَ الدَهـ ... ـرِ مِنَ الفَخرِ ثِيابا أَتقَنوا الصَنعَةَ حَتّى ... أَخَذوا الخُلدَ اِغتِصابا

стр. 162

إِنَّ لِلمُتقِنِ عِندَ ... اللَهِ وَالناسِ ثَوابا أَتقِنوا يُحبِبكُمُ اللَـ ... ـهُ وَيَرفَعكُم جَنابا وما ينال الإنسان الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة إلا بالعمل, والعمل دعامة الحياة وقوامها, وأساس بناء المجتمعات واستقرارها, ونماؤها وازدهارها, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (١) . العمل سبب الغنى إذا أردت السلامة من الفاقة, والبعد عما يوجب الندامة, فاسعَ لكسب المال بأسبابه, وعليك بالعمل, وتجنب الكسل؛ فإن من زرع حصد, ومن جد وجد, ومن أراد أن يستغني عن الناس اجتهد, وفوض الأمر إلى الله واستعد, قال ربيعة بن الورد: إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكى الفقر أو لام الصديق فأكثرا فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش في يسار أو تموت فتعذرا وقال الحريري: لا تقْعُدَنّ على ضُرٍّ ومسْغَبَةٍ ... لكيْ يُقالَ عزيزُ النّفسِ مُصطَبِرُ وانظُرْ بعينِكَ هل أرضٌ مُعطّلةٌ ... منَ النّباتِ كأرضٍ حفّها الشّجَرُ فعَدِّ عمّا تُشيرُ الأغْبِياءُ بهِ ... فأيُّ فضْلٍ لعودٍ ما لهُ ثمَرُ وارْحَلْ رِكابَكَ عن ربْعٍ ظمئتَ به ... إلى الجَنابِ الذي يَهمي بهِ المطَرُ واستَنزِلِ الرّيَّ من دَرّ السّحابِ فإنْ ... بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الظّفَرُ وإنْ رُدِدتَ فما في الرّدّ مَنقَصَةٌ ... عليكَ قد رُدّ موسى قبلُ والخَضِرُ وقال آخر: ولا تدع مقصداً حلالاً ... تكون منه على بيانِ أما علي بن الأزهر فهو يقول: وعليَّ ان أسعى وأطلب مكسباً ... والرزق ما قسم الإله وما قضى وفي الذكر الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢) , وظاهر النص يفيد أن الشريعة الإسلامية تحث على الانتاج والعمل واستثمار الموارد, وأهمية الحصول على الثروة والمال, وقد ورد في الحديث أن النبي ﵌ أمر بالاستعاذة من الكسل فعن أنس بن مالك قال: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ, فَقَالَ: (يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ) , قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: (أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ) , قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: (قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ) , قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي

стр. 163

وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي (١) , وقد ذكَّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله بما أسدى إليه من النعم وأكرمه من الغنى فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ (٢) . البكور في طلب الرزق البكور في طلب الخير خير, فالعاقل من الناس من يتنسم نسيم الصباح, ويبكر في عمله, فكل عمل يبتدأ به في البكور اتقن وتم, فإن التبكير يجلب الخير, ويكثر الربح, ويزيد في انجاز الأعمال واتمامها, والغفلة وقت الصبح تأخر الكسب, وتعطل السير في العمل, وتدعو إلى الكسل والفتور, وتضيع فرصة التقدم, والاتفاق على بدء العمل والسير فيه, فمن تأخر في النوم حتى تشرق الشمس جمد فكره, وخمدت قريحته, وضل تدبيره, وتأخر عمله, وحرم من نسيم الصبح العليل البليل, ومن سعة الرزق الوفير الغزير, وفي الحديث النبوي عن صخر الغامدي أن رسول الله ﵌ قال: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا) , وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ, وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. (٣) قال الشاعر: أَيُّها الغادونَ كَالنَحـ ... ـلِ اِرتِياداً وَطِلابا في بُكورِ الطَيرِ لِلرِز ... قِ مَجيئاً وَذَهابا

стр. 164

اِطلُبوا الحَقَّ بِرِفقٍ ... وَاِجعَلوا الواجِبَ دابا وَاِستَقيموا يَفتَحِ اللَـ ... ـهُ لَكُم باباً فَبابا إِنَّما العاقِلُ مَن يَجـ ... ـعَلُ لِلدَهرِ حِسابا فَاِذكُروا يَومَ مَشيبٍ ... فيهِ تَبكونَ الشَبابا إِنَّ لِلسِنِّ لَهَمّاً ... حينَ تَعلو وَعَذابا فَاِجعَلوا مِن مالِكُم ... لِلشَيبِ وَالضَعفِ نِصابا (١) فمن تدثر الخمول, ونام في البكور؛ فقد أحرم نفسه من بركة دعاء النبي ﵌, وضيع وقته وترك الحزم, وتجافى عن العزم. قال الشاعر: من ضيع الحزم في أوقاته ندم ... وظل مكتأباً والقلب قد سأمَ (٢) ولمهذب الدين (٣) : وإذا الكريمُ رأى الخُمُولَ نَزِيلَهُ ... في بَلدةٍ فالحَزْمُ أن يترحَّلا كَالبدرِ لَمّا أَنْ تَضاءَلَ جَدَّ في ... طَلَبِ الكَمالِ فَحازَهُ متَنقّلا سفَهَاً لحلْمِكَ إِنْ رَضِيتَ بمشْرَبٍ ... رَنِقٍ ورزقُ اللَّه قَد مَلأَ المَلا لا تَحْسَبَنَّ ذهابَ نفسكَ مِيتَةً ... ما الموتُ إلا أن تعيش مُذَلّلا

стр. 165

استقبل اليوم من أوله بثغرٍ باسم, وصدرٍ منشرح, وعزيمة قوية, ونفس ندية سخية, فالتبكير إلى العمل الصالح رزق تشهده, وخير تحصل عليه, وفي الحديث النبوي الشريف أن الرسول ﵌ قال لفاطمة ﵂: (يا بنية قومي اشهدي رزق ربك، ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) (١) , وفي ذلك ما يشعر بالنهي عن النوم في البكور كي لا يتعود الإنسان عليه وليتعود على العمل. وقد نسب إلى المأمون أنه قال: "الناس أربعة: عمارة, وتجارة, وصناعة, وزراعة, فمن لم يكن منهم صار عيالاً عليهم". (٢) قال صلاح الدين الصفدي: الجد في الجد والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل وللإمام علي ﵁: إِصبِر عَلى مَضَضِ الإِدلاجِ في السَحَرِ ... وَفي الرَواحِ إِلى الحاجاتِ وَالبُكرِ لا تَضجَرَنَّ وَلا يَحزُنكَ مَطلَبُها ... فَالنَجحُ يَتلَفُ بَينَ العَجزِ والضَجَرِ إِنّي رَأَيتُ وَفي الأَيّامِ تَجرِبَةٌ ... لِلصَبرِ عاقِبَةٌ مَحمودَةُ الأَثَرِ وَقَلَّ مَن جَدَّ في أَمرٍ يُطالِبُهُ ... وَاِستَصحَبَ الصَبرَ إِلا فازَ بِالظَفَرِ وفي الأمثال السائرة: "إذا أخذت عملاً فقع فيه فإنما خيبته توقيه".

стр. 166

وقديماً قيل: "إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة". وقال الشاعر: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر وفي الحديث النبوي: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (١) . الحرفة أو الصنعة ضرورة إن عمل الإنسان اليومي يعد ضرورةً لكسب الرزق, واستمرار الحياة, ومن المروءة أن يسعى الإنسان للتكسب على نفسه ومن يعول, واتخاذ حرفة أو صنعة أو وظيفية يعمل فيها المرء, فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحترفون العمل, فكان أبو بكر الصديق ﵁ يعمل قبل توليه الخلافة تاجراً، وكان خَبَّاب بن الأَرت حداداً، وعبد الله بن مسعود راعياً، وسعد بن أبي وقاص صانع نعال، وبلال ابن رباح خادماً، والزبير بن العوام خياطاً، وسلمان الفارسي حلاقاً، وروي أن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ سقى بالدلاء على تمرات، فالعمل شرف وعزة مهما رآه البعض وضيعاً, فقد روي عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره؛ خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه) (٢) , وقد روى الطبراني في الكبير والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن الله يُحِبُّ العَبْدَ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ) (٣) . وقال أبو العتاهية: وَلَيسَ عَلى عَبدٍ تَقِيٍّ نَقيصَةٌ ... إِذا صَحَّحَ التَقوى وَإِن حاكَ أَو حَجَم وقال آخر: يا بارئ القوس برياً ليس يحسنه ... لا تظلم القوس اعط القوس باريها فاحترام التخصص واتخاذ حرفة بعينها أو وظيفة بعينها سبب في اتقان العمل, واحكام الصنعة, قال الشاعر: وَكفّ فَتىً لم يَعرفِ السَّلخَ قَبلها ... تَجورُ يَداهُ في الإِهابِ وَتَخرُجُ وسأل معاوية رجلاً من عبد القيس: ما تعدون المروءة فيكم؟ قال: الحرفة والعفة, وكان عمر ﵁ إذا نظر إلى رجل سأله: أله حرفة؟ فإذا قال: لا, سقط من عينه, ونظر عمر ﵁ إلى أبي رافع وهو يقرأ ويصوغ, فقال: يا أبا رافع أنت خير مني تؤدي حق الله تعالى وحق مواليك, وقيل لأعرابي ينسج: ألا تستحيي أن تكون نساجاً؟ قال: إنما أستحيي أن أكون أخرق لا أنفع أهلي, وحرفة يقال فيها خير من مسألة الناس, وقيل: إن الله يحب التاجر الصدوق, والصانع الناصح لأنه حكيم. (٤) أصناف الصناعات إن التصنيع يعتبر حجر الزاوية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في شتى المجالات, ولهذا تتعدد أنواع الصناعات, فمن صناعة

стр. 167

السيارات والطائرات والبواخر والسفن وهي ضرورة لتواصل الناس وانتقالهم إلى أعمالهم وحمل أثقالهم وأمتعتهم في أسفارهم, إلى صناعة الدبابات والصواريخ والمدرعات وهي ضرورة في إعداد المؤمنين القوة لأعدائهم, إلى صناعة الملابس والحلي والمجوهرات والمقتنيات, إلى صناعة الأدوات الهندسية والطبية والرياضية وصناعة الأدوية, إلى غير ذلك من أنواع الصناعات الالكترونية, وغيرها مما لا يكاد يندرج تحت حصر مما يحتاجه الناس في هذه الحياة, وكم من الصناعات والحلي والمنسوجات والمصنوعات ما يستخرج من الذهب والحديد والفضة والنحاس والرصاص والخشب والمواد البترولية ومشتقاتها إلى غير ذلك من الموارد الطبيعية التي تستخدم في الصناعة لتلبي رغبات الناس وتسد حاجاتهم, وكل هذه الصناعات شريف كسبها, عظيم نفعها, رفيع العمل فيها, كيف وقد عني القرآن الكريم بتوجيه الناس في آيات كثيرة تحثهم على ممارسة الصناعات, واستخراج خيرات الأرض, وجعلها صالحة لتلبية حاجات الناس المتعددة كما يقول جل شأن: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١) , ... وأخبر سبحانه عن تعليمه وإرشاده لنبي من أنبيائه في تصنيع الحديد فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٢) .

стр. 168

وقد كان أنبياء الله يعملون ويحبون العمل, وقد أرشدهم الله إلى الصناعة لعظيم نفعها فهذا نبي الله داود ﵇ يأمره الله بقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) , وهذا نوح ﵇ يأمره الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (٢) , وهذا زكريا ﵇ يخبر عنه الرسول ﵌ أنه كان نجاراً إذا يقول ﵌: (كان زكريا نجاراً) (٣) , وقد كان ادريس ﵇ خياطاً وموسى ﵇ راعياً وتاجراً, وفي ذلك اعلاء لشأن العمل ودليل على شرف العاملين, وفي الحديث النبوي: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) (٤) . وقد كان النبي ﵌ يرعى الغنم لأهل مكة بالقراريط قال سويد: يعني كل شاة بقيراط (٥) .

стр. 169

إتقان العمل العاقل من يؤدي واجبه ويتقن عمله ويحسن صنعته حتى يكسب الناس ثقته, فمن أخلص في عمله نجح, وأحبه الله والناس, فما يكاد الناس يرون صنعة متقنة حتى يقبلون عليها ويثقون فيها, فمن غش في عمله ظلم نفسه, وأهدر ثقته, وكسدت بضاعته, وتجنب الناس التعامل معه, ومن أخلص في عمله ووظيفته أدى أمانته, وارتفعت مكانته, وأقبلت عليه الدنيا, وأمن من العذاب والإهانة, وساعده زمانه, وظفر بحب المجتمع واحترامه, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ (١) , فإتقان العمل يدل على كمال العامل. قال الشاعر: في ازديادِ العلمِ إرغامُ العِدى ... وجمالُ العلمِ يا صاحِ العملْ قيمةُ الإنسانِ ما يحسِنُهُ ... أكثرَ الإنسانُ منهُ أوْ أقلْ واكتمِ الأمرينِ فقراً وغنىً ... واكسبِ الفلسَ وحاسبْ مَنْ بَطَلْ وادّرعْ جداً وكداً واجتنبْ ... صحبةَ الحمقى وأربابِ البخلْ (٢) أما سليمان بن أبي الحفاظ الحجوري اليمني فإنه يقول: ألا إنما الإنسان أهل لفعله ... وكل لما يأتي من فعله أهل والإنسان مجزي بعمله إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً, ويرى الإمام علي بن أبي طالب ﵁ أن الإنسان يلقى عمله في قبره فيقول: يا مَن بِدُنياهُ اِشتَغَل ... وَغَرَّهُ طولُ الأَمَل المَوتُ يَأتي بَغتَةً ... والقبرُ صندوقُ العَمَل أما أبو العتاهية فهو يقول:

стр. 170

وَاِعلَم بِأَنَّكَ مَسؤولٌ وَمُفتَحَصٌ ... عَمّا عَمِلتَ وَمَعروضٌ عَلى العَمَلِ ولله در شوقي حيث يقول: كُن نَشيطاً عامِلاً جَمَّ الأَمَل ... إِنَّما الصِحَّةُ وَالرِزقُ العَمَل كُلُّ ما أَتقَنتَ مَحبوبٌ وَجيه ... مُتقَنُ الأَعمالِ سِرُّ اللَهِ فيه يُقبِلُ الناسُ عَلى الشَيءِ الحَسَن ... كُلُّ شَيءٍ بِجَزاءٍ وَثَمَن اِنظُرِ الآثارَ ما أَزيَنَها ... قَد حَباها الخُلدَ مَن أَتقَنَها تِلكَ آثارُ بَني مِصرَ الأُوَل ... أَتقَنوا الصَنعَةَ حَتّى في الجُعَل أَيُّها التاجِرُ بُلِّغتَ الأَرَب ... طالِعُ التاجِرِ في حُسنِ الأَدَب بابُ حانوتِكَ بابُ الرازِقِ ... لا تُفارِق بابَهُ أَو فارِقِ وَاِحتَرِم في بابِهِ مَن دَخَلا ... كُلُّهُم مِنهُ رَسولٌ وَصَلا تاجِرُ القَومِ صَدوقٌ وَأَمين ... لَفظَةٌ مِن فيهِ لِلقَومِ يَمين ويقول أيضاً: العِلمُ لا يُعلي المَراتِبَ وَحدَهُ ... كَم قَدَّمَ العَمَلُ الرِجالَ وَأَخَّرا فبالعمل يبلغ الأمل, ويلبس أبهى الحلل, ونعم الرجل الفاضل العامل, وقد أحسن القائل: ما دامَ رائِدَنا الإِخلاصُ في العَمَلِ ... لا بُدَّ نَبلغُ يَوماً غايَةَ الأَمَلِ أَمران مَن يَعتَصِم يَوماً بحَبلهما ... فَالنُجحُ رائِدهُ في أَيِّما عَملِ هُما الثَباتُ وَتَوحيدُ القُلوبِ لِذا ... إِلَيهِما قد دعانا خاتَمُ الرُسُلِ

стр. 171

البحث عن العمل الحر يبحث عن العمل, ويبتعد عن الكسل, ويعتمد على الله , ويتأسى بهدي محمد ﵌, ففي ذلك فلاح ونجاح, ورشدٌ وإصلاح, وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) . القصة أخرج البيهقي في السنن الكبرى من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشكو فاقته، فقال: يا رسول الله، لقد جئتك من أهل بيت ما أراني أرجع إليهم حتى يموت بعضهم، فقال: (انطلق هل تجد من شيء؟) فانطلق، فجاء بحلس بساطٍ يجعل على ظهر البعير وقدح، فقالَ: يا رسولَ الله هَذَا الحِلْسُ كانُوا يَفْتَرِشُونَ بَعْضَهُ ويَلْبَسُونَ بَعْضَهُ، وهَذَا القَدَحُ كانُوا يشربونَ فيهِ، فقالَ رسولُ الله: (مَنْ يَأْخُذُهُمَا مِنِّي بِدِرْهَمٍ) ، فقالَ رجلٌ: أَنَا يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله: (مَنْ يَزِيدُ على دِرْهَمٍ) ، فقالَ رجلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا

стр. 172

باثنينِ، فقالَ: (هُمَا لكَ) ، قالَ: فَدَعَا الرجلَ فقالَ لهُ: (اشْتَرِ بِدِرْهَمٍ فَأْساً وبِدِرْهَمٍ طعاماً لأَهْلِكَ) ، قالَ: فَفَعَلَ، ثم رجعَ إلى النبيِّ، فقالَ: (انْطَلِقْ إلى هَذَا الوَادِي فَلاَ تَدَعْ حَاجًا ولا شَوْكاً ولا حَطَباً، ولا تَأْتِنِي خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً) ، قالَ: فَانْطَلَقَ فأصابَ عَشَرَةً قالَ: (فانْطَلِقْ فاشْتَرِ بِخَمْسَةٍ طعاماً لأَهْلِكَ) ، فقالَ: يا رسولَ الله لقد بارَكَ الله لِي فيما أَمَرْتَنِي فقالَ: (هَذَا خيرٌ من أَنْ تَجِىءَ يومَ القيامةِ وفي وَجْهِكَ نُكْتَةُ المَسْئَلَةِ، إنَّ المَسْئَلَةَ لا تَصْلُحُ إلا لثلاثةٍ: لذِي دَمٍ مُوْجِعٍ أو غُرْمٍ مُفْظَعٍ أَو فَقْرٍ مُفْقِعٍ) (١) . إعطاء العامل أجره إعطاء العامل أجره وثمرة جهده فرض لازم, جاحده ظالم, والمتغافل عنه نادم, وفي الحديث النبوي الشريف: (اعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) (٢) , وفي الحديث القدسي: (قَالَ اللَّهُ ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ, وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ, وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) (٣) . إعطاء العامل حظه من الراحة إذا كانت طاقة الإنسان محدودة وساعات عمله معدودة فإن التكلف فوق الطاقة يفضي إلى المشقة والتعب الذي يوقع الإنسان في الضيق والنكد, وتكليف الإنسان نفسه أو غيره فوق الطاقة من العمل غير محمود ولا

стр. 173

مرغوب, وفي الذكر الحكيم: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) , وقد جاء في الحديث النبوي: (خذوا من الأعمال ما تطيقون) (٢) , وجاء في حديث آخر: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) (٣) , فالراحة والاستجمام خير وسيلة لاستئناف العمل, فمن أعطى نفسه حظها من الراحة فقد أعطى حق البدن في الاستراحة, وفي الحديث النبوي: (إن لجسدك عليك حقاً) (٤) , فمن أخذ بهدي محمد ﵌ ظفر, وفي القرآن الحكيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥) . بعث الهمم على العمل إن بعث الهمم على العمل الصالح وإتقانه طريق فلاح المؤمن ونجاحه, وهو دليلٌ على صدق إيمانه, وإنما يرث الإنسان الكرامة والسعادة والخلود في الجنة بالعمل الصالح, قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦) , فالإنسان المؤمن إذا أدرك في نفسه الوهن وأنه قد أصيب بالملل والضجر والسأم بعث في نفسه الهمم بالاستعانة بالله الواحد الأحد

стр. 174

الباعث للهمم, فهو الذي يقيه الضعف والوهن ويبعث في نفسه النشاط على العمل الحسن, فالإسلام دين يدعو إلى العمل الصالح الأتم, وفي الذكر الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (١) . الباعث في أسماء الله الحسنى اسم الله الباعث لم يرد في القرآن الكريم بصيغة الباعث ولكن بصيغة الفعل قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (٢) , وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ (٣) , وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٤) , وقال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ (٥) , وجاء في سورة الحج: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ (٦) . وقد ورد في السنة: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (٧) ، وقد روى الترمذي: (إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) وعد منها: (الباعث) .

стр. 175

فوجب على المكلف أن يعلم أن الله الباعث, باعث الموتى ومنشؤهم وخالقهم ومعيدهم, فهو سبحانه الباعث للأموات, والباعث للأرواح والأجساد والرسل والخواطر. وقال الرازي: والباعث في صفة الله تعالى يحتمل وجوهاً: الأول: أنه تعالى باعث الخلق يوم القيامة, كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ . والثاني: أنه تعالى باعث الرسل إلى الخلق: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ . والثالث: أنه تعالى يبعث عباده عند العجز بالمعونة والإغاثة وعند الذنب بقبول التوبة. (١) فلهذا الاسم معاني كثيرة منها: أن الله باعث الخلق يوم القيامة, ومنها: أن الله جل شأنه باعث الرسل, ومنها: أنه باعث عباده عند العجز بالمعونة. وقال الدكتور محمد النابلسي: إن الله يبعث عباده على الأفعال المخصوصة إما تحقيقاً لاختيارهم أو تأديباً لهم أو مكافأةً لهم, فالله يبعث بالمعنى الأول يحقق لك اختيارك وبالمعنى الثاني يكافئك على حسن اختيارك أو يؤدبك على سوء اختيارك, هذا التيسير الأول لتحقيق الاختيار أما الثاني فهو لدفع ثمن الاختيار. (٢)

стр. 176

ثمرة معرفة اسم الله الباعث إذا عرف المكلف أن الله تعالى هو الباعث للأموات والباعث على فعل الخيرات والباعث للرسل إلى عباده ليعبدوه ويوحدوه, وأنه الباعث للهمم للترقي في ساحة التوحيد بهدايته وتوفيقه, وأنه الذي يبعث الإنسان على عليات الأمور؛ وجب عليه أن يؤمن به , ويسعى إلى معرفته وطاعته والإقبال عليه, وأن يبعث نفسه كما يريد الله تعالى فلا يأتي من الأفعال إلا ما كان مطابقاً لكتاب الله وسنة رسوله, وأن يتأدب مع جلال الله الباعث, فهو الذي يبعث ويجازي بالثواب والعقاب, فيشغل وقته كله بطاعة الله الباعث الوهاب, فيبعث قلبه على اليقين ولسانه على الذكر وجوارحه على العمل, ويلزم نفسه قبول باعث الحق ورد باعث الباطل. قال الرازي: إن العبد إذا سعى إلى التعلم بعث روحه بعد الموت, وإذا سعى في تعليم الجهلاء فكأنه يبعث أرواحهم بعد موتها. (١) فالمؤمن باسم الله الباعث يحقق إيمانه بالعمل حتى يكون ممن أدرك الفلاح وتزود للدار الآخرة وتصفح أعماله وحاسب نفسه وجعل أعماله متوافقة مع منهج ربه. قال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق (٢) ﵁: وَكُلُّهُم لِلَّهِ في البَعثِ مُنشَرٌ ... مُجازىً مُوَفّىً حَقَّهُ لَيسَ يُبخَسُ

стр. 177

الدعاء باسم الله الباعث اللهم يا باعث يا شهيد ثبتني والمؤمنين في البعث بالقول الثابت والتوحيد وألهمني حمدك وذكرك يا مجيد, وسلمني والمؤمنين من العذاب الشديد, وتفضل عليَّ بما أوليت أولياءك من الكرامة والفردوس الأعلى من الجنة إنك حميد مجيد, وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 178

الفصل السابع السفر والسياحة

стр. 179

السفر والسياحة السفر يطيب الخواطر, ويجدد الأفكار, ويخرج الإنسان من سجن اليأس والإحباط إلى شمس الأمل والسرور, فجولة في أرض وارفة الظلال تتمايل على جنباتها أزهار بهية متنوعة قد تصفي ذهنك وتغير مجرى تفكيرك, وفي الأمثال السائرة: "الحركة ولود والسكون عاقر", وفي أمثال العامة: "الحركة بركة", وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) , وروي أن الخليفة العباسي المأمون كان يقول: "لا شيء ألذ من السفر فيه كفاية وعافية لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها وتعاشر قوماً لم تعرفهم", قال الشاعر: ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ ... مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ ... وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ ... إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ مااِفتَرَسَت ... وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً ... لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ ... وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ ... وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ (٢)

стр. 180

وفي الحديث النبوي: (لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر إن الله ينظر إلى الغريب كل يوم ألف مرة) (١) . وفي الأمثال السائرة: "الإغراب يعيد الجَدّة ويفيد الحِدّة", وقيل: "الغريب من لم يكن له حبيب", وقيل: "كل غريب للغريب نسيب". قال الشاعر: أعاذل حبي للغريب سجية ... وكل غريب للغريب حبيب وقال آخر: أجارتنا إنَّا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيبُ وفي الحديث النبوي: (سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا) (٢) , فدل على ما فيه سبب الغنى. حقيقة السفر السفر: هو قطع المسافة اسم مصدر سافر إذا خرج للارتحال أو لقصد مسافة فوق مسافة العدو, وفي المصباح: وسمي سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال لأن العرب لا يسمون مسافة العدو سفراً وقال بعض المصنفين: أقل السفر يوماً كأنه أخذ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٣) , فإن في التفسير كان أصل أسفارهم يوماً يقبلون في موضع ويبيتون في موضع ولا
следующие страницы →