← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كلمة تسعد بها وتفوز وهي افضل الدعاء وفي الحديث النبوي: (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (١) وهي افضل الذكر فقد ورد في الحديث النبوي أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢) وفي الذكر الحكيم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٣) فاذا علم الإنسان انه لااله الا الله استغفر لذنبه ووحد الله ووحد وجهته الى الله فاستقام في اخلاقه وسلوكه وعبادته فهي كلمة التوحيد ونهاية العلم التوحيد, ونهاية العمل التقوى, وفي القرآن الحكيم وردت قصص للانبياء والمرسلين, وكلهم يقول لقومه ان اعبدوا الله مالكم من اله غيره فمن قالها موقنا من قلبه ظفر بمراده وسعد في حياته ومماته فانت حين تقولها عقب صلاة الفجر عشر مرات كانما اعتقت رقابا واحييت انفسا وكانت لك حرزا وحصنا وهي من احب الكلام الى الله ففي صحيح مسلم أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ) (٤) .

стр. 72

دعاء الله باسمه الجامع للاسماء الحسنى ياالله يارحمن يارحيم ياسميع ياعليم يامن عُرف بالادله الداله من فطرة الارض والسماء وبالصفات الالهية والاسماء وبكتبه المنزلة ببديع الحكمة والوحدانية العظما يامن له الاسماء الحسنى والصفات العليا وقفت العقول بباب عظمتك فلم تحيط بك علما الا بماعلمتها من الصفات والاسماء فلك الحمد والمجد والثناء وقد قلت في محكم كتابك الله لااله الا هو له الاسماء الحسنى وقلتَ ولك العظمة والكبرياء قل ادعو الله او ادعو الرحمن اياما تدعدو فله الاسماء الحسنى وقلت وانت أهل المجد والثناء ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وقلت ولك الاخرة والاولى هو الله الخالق البارء المصور له الاسماء الحسنى فاسالك باسمائك الحسنى وصفاتك العليا بجلالك وعظمتك يامن هو الله الذي لااله الا هو عالم الغيب والشهادة ان تصلى على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد وعلى اصحابه واتباعه ومن تحب من الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين وصالح خلقك اجمعين واسألك يا الله يارحمن يارحيم باسمائك الحسنى ان تؤانسني بجلالك وتملأ قلبي من معرفتك واسمائك وان تصلح لي امور ديني ودنياي واخرتي وان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين واسألك الدرجات العلى من الجنة اللهم رحمتك ارجو فلاتكلني الى نفسي طرفة عين ياالله ياحي ياقيوم ياذى الجلال والاكرام استجب دعائي وحقق لي املي ورجائي ياكريم يارحيم وصلى اللهم على محمد النبي الامين وعلى اله وصحبه والتابعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 73

الفصل الثالث الإنسانية أصلها واحد

стр. 74

الإنسانية أصلها واحد الأمر الذي لا مرية فيه أن أصل بني الإنسان واحد, وأن الإنسانية كلها وحدة واحدة, وإن تباينت مظاهرها في ألوانها وأجسادها وأشكالها, واختلفت ألسنتها وآراؤها ومذاهبها ومواطنها؛ فتلك نتيجة طبيعية لاختلاف البيئات, أو هي اعتبارات ومصطلحات لاتفاقات تعرض لجوهر الإنسان عند تكوينه واستكمال خلقه, وآية دالة على إحكام الله لخلقه, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (١) , فالآية دالة على عظيم صنع الله وتصويره وتقديره وكبير إحسانه وإكرامه للإنسان بما ليس له مثيل, فتدبر قول الحق ﵎ مخاطباً ملائكته: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٢) , فالإنسان العاقل يجب ألا يقابل هذا التكريم بالجحود؛ فيتعالى على غيره من بني الإنسان, فلا يجوز لصاحب وطن من الأوطان أو بلد من البلدان أو إقليم من الأقاليم أن يتعالى على غيره من بني الإنسان, إذ لو جاز ذلك لجاز للابن أن يتنكر لوالده, والأب لابنه, والأخ لأخيه, وأنى له ذلك وقد خلق الله الناس جميعاً من نفس واحدة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ

стр. 75

وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١) , في هذه الآية خاطب الله جل وعلا الناس كافة بقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي أنشأكم ورباكم بنعمه فاتقوه في أنفسكم، ولا تتعدوا حدوده فيما شرعه من الحقوق والآداب، مما فيه صلاح شأنكم، فإنه خلقكم من نفس واحدة، فكنتم جنساً واحداً تقوم مصلحته بتعاون أفراده وإتحادهم وحفظ بعضهم حقوق بعض، فتقوى الله فيها الشكر لربوبيته، وفيها ترقية لوحدتكم الإنسانية، فاتقوا الله في أمره ونهيه في حقوق الرحم التي هي أخص من حقوق الإنسانية، بأن تصلوا الرحم التي أمركم الله بوصلها، واحذروا ما نهاكم عنه من قطعها، لما في تقواه من الخير لكم الذي يذكركم به تساؤلكم فيما بينكم باسمه الكريم وحقه على عباده, وسلطانه الأعلى على قلوبهم وبحقوق الرحم، وفي هذا التساؤل من الاستعطاف والإيلاف ما يكفي للتعاطف والتراحم، فلا تفرطوا في هاتين الرابطتين بينكم رابطة الإيمان بالله وتعظيمه، ورابطة وشيجة الرحم، فإنكم إذا فرَّطتم في ذلك أفسدتم فطرتكم، فتفسد حينئذ البيوت والعشائر والقبائل، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: مشرفاً على أعمالكم حفيظاً مطلعاً على جميع أحوالكم. وللإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه: الناسُ مِن جِهَةِ الأبَاءِ اَكفاءُ ... أَبوهُمُ آدَمُ وَالأُمُ حَوّاءُ نَفسٌ كَنَفسٍ وَأَرواحٌ مُشاكَلَةٌ ... وَأَعظُمٍ خُلِقَت فيها وَأَعضاءُ

стр. 76

وَإِنَّما أُمَّهاتُ الناسِ أَوعِيَةٌ.......مُستَودِعاتٌ وَلِلأَحسابِ آباءُ فَإِن يَكُن لَهُمُ مِن أَصلِهِم شَرَفٌ ... يُفاخِرونَ بِهِ فَالطينُ وَالماءُ ما الفَضلُ إِلا لأَهلِ العِلمِ إِنَّهُمُ ... عَلى الهُدى لِمَنِ اِستَهدى أَدِلاّءُ وَقَدرُ كُلِّ اِمرِئٍ ما كاَن يُحسِنُهُ ... وَلِلرِجالِ عَلى الأَفعالِ اسماءُ وَضِدُّ كُلِّ اِمرِئٍ ما كانَ يَجهَلُهُ ... وَالجاهِلونَ لأَهلِ العِلمِ أَعداءُ وقال أخر: لا تفخرن بأصلك ... ما الفخر إلا بفعلك أصل الأنام ترابٌ ... مما تطأه بنعلك فاعمل بجد وحزم ... ترقَ المعالي بسعيك وجاء في محكم الذكر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) , وجاء في السنة النبوية: (يا أَيُّها النَّاسُ، إنَّ ربَّكُمْ وَاحِدٌ وإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضلَ لعَرَبيٍّ على عَجَمِيٍّ، ولا لعَجَمِيٍّ على عَرَبيٍّ، ولا لأَحْمَرَ على أَسْوَدَ ولا لأَسْوَدَ على أَحْمَرَ إلاَّ بالتَّقْوى، أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بلّغَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم) (٢) , وهذا الحديث يستفاد منه تحقيق مبدء المساواة, وأن عز الإنسان ورفعته إنما هو بإيمانه بالله وخشيته له. وقد قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁:

стр. 77

لَعَمرُكَ ما الإِنسانُ إِلا بِدينِهِ ... فَلا تَترُكِ التَقوى اِتِّكالاً عَلى النَسَب فَقَد رَفَعَ الإِسلامُ سَلمانَ فارِسٍ ... وَقَد وَضَعَ الشِركُ الشَريفَ أَبا لَهَب وجاء في شعر المتوكل الليثي (١) : لَسنا وَإِن كَرُمَت أَوائِلُنا ... يَوماً عَلى الأَحسابِ نَتَّكِلُ نَبني كَما كانَت أَوائِلُنا ... تَبني وَنَفعَلُ مِثلَ ما فَعَلوا (٢) ويرحم الله ابن دريد حيث يقول: إِنَّما المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ ... فَكُن حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعى القصة قال عبد الرحمن بن عوف المهاجري القرشي ﵁ لما قدم المدينة قال: آخا الرسول ﵌ بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري ﵁ فقال سعد: إني من أكثر الأنصار مالاً, فأقسم لك نصف مالي, وأنظر أي زوجتي هويت, نزلت لك عنها, فإذا حلت تزوجتها أنت, وقابل عبد الرحمن هذا الإيثار الكريم بعفاف كريم منه فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك, دلني على السوق (٣) , وقد حكى الله عن حال الأنصار مع المهاجرين ما يدل على عظيم منزلتهم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) . الأمثال العربية في الأمثال السائرة: "الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية, ومن نهظ به أدبه لم يقعد به حسبه". وقال بعضهم: نفس عصامٍ سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما وجعلته ملكاً هماماً فصار مثلاً يضرب لمن شرف بنفسه, لا بآبائه وأسلافه, والعرب تقول لمن يفتخر بنفسه: (عصامي) , ولمن يفتخر بآبائه: (عظامي) نسبة إلى عظام الأموات من اجداده. قال الشاعر: إذا ما الحي عاش بذكر ميت ... فذاك الميت حي وهو ميت أما معروف الرصافي فهو يقول: وشر العالمين ذوو خمول ... إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا وقال آخر: قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلقٌ وجيب قميصه مرقوع ومن أمثال العرب: "رضا الناس غاية لا تدرك (٥) , ورضا الناس شيء لا ينال (٦) ", وفي الحديث النبوي: (تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لا يَجِدُ

стр. 78

الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً) (١) , فاللبيب من الناس من يتعامل مع الناس بحزم, فإنه إن قصد بمؤاخاته للناس حصول رضاهم تعذر ذلك عليه وهو لا يزال بحاجة إلى الناس وهم لا يزالون بحاجة إليه, قال الشاعر: وبالناس عاش الناس قدماً ولم يزل ... من الناس مرغوبٌ إليه وراغبُ (٢) أما بشار بن برد فهو يقول: مَن راقَبَ الناسَ لَم يَظفَر بِحاجَتِهِ ... وَفازَ بِالطَيِّباتِ الفاتِكُ اللَهِجُ وقال آخر: الناسُ أَخلاقُهُم شَتّى وَإِن جُبِلوا ... عَلى تَشابُهِ أَرواح وَأَجسادِ (٣) وفي الأمثال السائرة: "الناس أجناس, والناس اخوان وشتى في الشيم" (٤) . ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَالناسُ صِنفانِ مَوتى في حَياتِهُمُ ... وَآخَرونَ بِبَطنِ الأَرضِ أَحياءُ تَأبى المَواهِبُ فَالأَحياءُ بَينَهُمُ ... لا يَستَوونَ وَلا الأَمواتُ أَكفاءُ وقديماً قيل: "في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال" (٥) , وقيل: "الناس أتباع من غلب (٦) , والناس على دين ملوكهم", ويغفر الله لأبي العتاهية حيث يقول:

стр. 79

ما الناسُ إِلاَّ مَعَ الدُنيا وَصاحِبِها ... فَكَيفَ ما اِنقَلَبَت يَوماً بِهِ اِنقَلَبوا يُعَظِّمونَ أَخا الدُنيا وَإِن وَثَبَت ... يَوماً عَلَيهِ بِما لا يَشتَهي وَثَبوا أما أسامة بن المنقذ فهو يقول: والنّاسُ كالأشجار هَذي يُجتَنى ... منها الثِّمَارُ وذي وَقودُ النّارِ وفي الأمثال العامة: "الناس عبيد الإحسان" (١) . وفي الحديث النبوي: (جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا) (٢) . وفي السنة النبوية من الحكم التي جرت مجرى الأمثال السائرة: (الناس سواسية كأسنان المشط) , (الناس معادن كمعادن الفضة) . قال الشاعر: وَالأَصلُ يَنبُتُ فرعه مُتَناثِلاً ... وَالكَفُّ لَيسَ بَنانُها بِسواءِ وَالناسُ لَيسوا يَستَوونَ فَمِنهُم ... وَرِعٌ وَآخَرُ ذو نَدىً وَغِناءِ وَالناسُ أَشباهٌ وَبَينَ حُلومِهِم ... بَونٌ كَذاكَ تَفاضُلُ الأَشياءِ (٣) أما محمود سامي البارودي فهو يقول: والناسُ أَشْبَاهٌ ولَكِنْ فَرَّقَتْ ... ما بَيْنَهُمْ في الرُّتْبَةِ الآراءُ وقال آخر:

стр. 80

وَالناسُ بِالناسِ مِن حَضرٍ وَبادِيَةٍ ... بَعضٌ لِبَعضٍ وَإِن لَم يَشعُروا خَدَمُ وَكُلُّ عُضوٍ لأَمرٍ ما يُمارِسُهُ ... لا مَشيَ لِلكَفِّ بَل تَمشي بِكَ القَدَمُ فَاِذخَر لِنَفسِكَ خَيراً كَي تُسَرَّ بِهِ ... فَإِن فَعَلتَ وَإِلا عادَكَ النَدَمُ (١) أما بهاء الدين زهير فهو يقول: فَالناسُ بِالناسِ وَالدُنيا مُكافَأَةٌ ... وَالخَيرُ يُذكَرُ وَالأَخبارُ تَنتَقِلُ الإسلام يدعو إلى الأخوة والتعاون إن الدين الإسلامي هو الذي يدعو إلى الوحدة والمودة والإخاء، ويدعو المؤمنين جميعاً إلى التعاون على البر والتقوى وفي الذكر الحكيم: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) ، وجاء في الحديث النبوي ان الرسول ﵌ قال: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) (٣) ، وجاء في حديث أخر: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (٤) ، فلقد من الله على المؤمنين إذ جعلهم امة واحده فيما يقولون وما يفعلون، وما يأتون وما يذرون، فمعبودهم واحد، وعباداتهم

стр. 81

واحدة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١) ، ويقول جل شأنه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٢) . والمؤمن ينزع العداوة من قلبه فهو يألف المؤمنين ويحبهم، ليس في قلبه عصبية قبلية ولا حمية جاهلية، قد غرس في قلبه الاخوة في الإيمان، فهو لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا بين متقدم وأخير، وذكر وأنثى، وحر ومولى، فهو يعمل بكلام المولى : ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ، والمؤمن يدعو الله أن يذهب الغل من قلبه ويسأله المغفرة لإخوانه كما ورد ذلك في الذكر الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤) . ولقد كان أول عمل بدء به رسول الله عليه وآله وسلم بعد هجرته إلى المدينة ودعوته إلى توحيد الله، وبناء المسجد هو المؤاخاة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، بين الفقراء والأغنياء، بين الضعفاء والأقوياء، حتى صارت هذه الوحدة أية تدل على علو شرف الإسلام وسمو مكانته، ... كما أن الإسلام ينهى عن التنازع والتفرق والشقاق فيقول جل شأنه:

стр. 82

﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ، ولله در القائل: كونُوا جميعَاً يا بَنِيَّ إِذا اعتَرى ... خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحادَا تأبَى القِداحُ إِذا اجتمعْنَ تكسُّراً ... وإِذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا (٢) فالأخوة عزة وقوة, وهي تمثل امتزاج روح بروح وتصالح قلب مع قلب, والإخوة في الله رباط إيماني يقوم على منهج رباني, فالمؤمن من استجاب لنداء ربه، وعمل بأمره: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣) . وأول عمل عمله الرسول ﵌ بعد الهجرة هو بناء المسجد الذي يرمز إلى توحيد الله وتوحد المسلمين ثم آخا بين المهاجرين والأنصار بين الأغنياء والفقراء فكانت قوة ونعمة ووحدة وأخوة. وفي الأمثال السائرة: "رب أخٍ لك لم تلده أمك", وقال الشاعر: أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ من لا أَخاً لَه ... كساعٍ الى الهيجا بغير سلاحِ

стр. 83

وقال آخر: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن اخوان الثقات الذخائر وقيل: "القريب من قرب نفعه", وقيل: "يدك منك وإن كانت شلا", وإنما الناس جماعة واحدة خيرهم من جمعهم على البر والصدق والهدى". قال الشاعر: يُعرّفك الاخوان كل بنفسه ... وخير أخ ما عرفتك الشدائد مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية كان الإنسان موزعاً بين قبائل وأمم, وطبقات بعضها دون بعض, وقوميات ضيقة, وكان التفاوت بين هذه الطبقات تفاوتاً هائلاً, كتفاوت ما بين الإنسان والحيوان, وبين الحر والعبد, وبين العابد والمعبود, لم تكن هناك فكرة عن الوحدة والمساواة إطلاقاً, فأعلن النبي ﵌ بعد قرون طويلة من الصمت المطبق, والظلام السائد, وذلك الإعلان الثائر, المدهش للعقول, القالب للأوضاع: (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى) . وهذا الإعلان يتضمن إعلانين هما الدعامتان اللتان يقوم عليهما الأمن والسلام, وعليهما قام السلام في كل زمان ومكان وهما: وحدة الربوبية ووحدة البشرية, فالإنسان أخو الإنسان من جهتين: الجهة الأولى -وهي الأساس- أن الرب واحد, والجهة

стр. 84

الثانية أن الأب واحد (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) , ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣) . نجاح الأفراد والأمم وأثر الاتفاق والاختلاف على الأسرة الإنسانية من الأمور التي يتفق عليها العقلاء من الناس أن الناس يتفاوتون في أقدارهم ومكانتهم, فمن الأفراد من يتمتع باحترام الناس وتقديرهم وتوقيرهم, يتعامل الناس معه باحترام وأدب ووقار, ومن الناس من لا يتبوء هذه المكانة ولا يكون الناس سعداء بالتعامل معه, وكذلك الأمم حالها كالأفراد, فمن الأمم أمة في الذروة من الاحترام تقول الكلمة فتدوي لكلمتها الدنيا, وتنحني لها الرؤس, ويخطب ودها وصدقاتها, ومن الأمم من لا يصوغ لها مركزها أن تتكلم كلمة ولو تكلمت كان كلامها موضع ضحك وسخرية. ترى فما هو سر نجاح الأفراد والأمم مع أن أصل البشرية واحد والناس سواسية -وقد سبق بيان ذلك-؟

стр. 85

قلنا: هناك عوامل عدة لنجاح الأفراد ولنجاح الأمم, فالإنسان يعيش حياته بين دائرتين: دائرة هموم ودائرة تأثير, فدائرة الهموم: في الأمور التي تهمك لكنك قد لا تملك التأثير فيها, وأما دائرة التأثير: في الأشياء التي يمكنك أن تؤثر فيها إيجاباً أو سلباً, فإن الناجح من الناس تتسع دائرة تأثيره بصورة ملحوظة, فهو يسعى إلى التأثير في الأشياء بوجه حسن وهمة عالية, بتفكير سليم وخلق قويم وعمل مستديم. فالعاقل يعرف أن كل شيء يصنع مرتان, يصنع أولاً في الذهن, ثم يصنع بعد ذلك في أرض الواقع, فأنت الذي تصنع الأمل وتستشرف المستقبل بناءً على تطلعاتك قبل حدوثها. وهذا الرسول ﵌ كان ينوه في بداية الدعوة عن إيمان وعزيمة وثبات ويقول: (ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل يعز بعز الله في الإسلام ويذل به في الكفر) , وكان تميم الداري ﵁ يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان كافرا الذل والصغار والجزية (١) . وقد يقول أحدنا: أن الرسول ﵌ لا ينطق عن الهوى فهو يخبر عن أمر أخبره الله تعالى به فهو متحقق الوقوع, فمن أين لنا أن نرسم الحياة كما نريد؟

стр. 86

قلنا: هذا حق, وفي حديث الرسول ﵌ ما يعلمنا الثبات والعزيمة على استشرف المستقبل وصناعة الأمل, بعزيمة وإرادة, فقد وعد الله المؤمنين كافة بالاستخلاف والتمكين والنصر, ... قال جل شأنه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) , وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٢) , وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) . وحينما أخذ المؤمنون بعزيمة أمور دينهم تحقق لهم الوعد وحصل لهم النصر والتمكين والعز بعد الذل والوحدة بعد الافتراق والغنى بعد الفقر, فمن منا عمل على اعزاز هذا الدين ولم يحصل له التمكين؟ ومن الذي اقتدى بالنبي الأمين ﵌ في سلوكه وأخلاقه ولم يظفر بمراده؟ فأنت أخي بحاجة إلى زاد من التقوى والأخلاق, أنت بحاجة إلى القدوة الحسنة والإتباع لنبيك ﵌, أنت بحاجة إلى مواصلة العمل, بحاجة إلى العفو والتسامح حتى تكون قدوة في العفو والتسامح وتقديم الخير والإحسان إلى الناس, أنت بحاجة إلى الأخذ بسنن الله في هذا الكون الرحيب, فما أحوج الإنسان الذي يبحث عن الإحترام والنجاح والتقدير والسعادة والسيادة على الأرض إلى عون الله تعالى وتوفيقه. ولله در الشاعر حيث يقول: إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى ... فَأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ (٤) فإذا علمت وعملت عرفت أن الإنسان يجب عليه أن يرتب أولوياته ويسعى لتحقيق غاياته وأن يكون محسناً مع أهله وإخوانه, فهذا رسول الله ﵌ كان خير الناس في تعامله وسلوكه مع أهله وإخوانه وجيرانه ومجتمعه وأمته, وكان أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس, ومع ذلك فإن النبي ﵌ كان يقم البيت ويعقل البعير ويعلف ناضحه ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق. (٥) لم يكن مستبداً ولا غافلاً ولا فضاً غليظاً, وصدق الله حيث يقولل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٦) , وهو مع ذلك كله كان رؤوفاً رحيماً, لقد جاء في الحديث النبوي: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ, ثُمَّ خَرَجَ, فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ

стр. 87

الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ, فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي, فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ, فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا, فَقَالَ: نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) (١) , وفي الذكر الحكيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢) . فانظر أخي أين نحن من هدي محمد ﵌ والتأسي والاقتداء به؟ فكثير من الناس يرى غيره من بني الإنسان يتضور جوعاً أو يعتصر ألماً لمرض أو فقر أو جائحة نزلت به فهو يبحث عن وظيفة وعمل ويبحث عن من يساعده ويسعى لإنقاذه أو التعاون معه فلا يجد من ذلك الأخ نصرةً ولا عوناً, حتى وإن كان من جيرانه, فأين الأخوة الإيمانية والأخوة الإنسانية؟ فهل يستطيع عاقل أن يرى أخاً له من أمه وأبيه يتضور جوعاً ثم لا يعمل على مساعدته وإنقاذه وهو على ذلك قدير بل ربما كان متخماً ومنعماً يملك الثروة والسلطة فهو يملك الأموال الواسعة التي قد ينفقها ويصرفها في غير محلها وعلى غير مستحقها وربما بددها في أمور يسأله الله عنها, فكيف بك أخي إذا سعيت إلى تفريق إخوانك وتقطيع أرحامك مع أنك تقرأ في القرآن:

стр. 88

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) , ولا تتدبر ما ورد في الفرقان: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٢) . فإن كنت تريد السعادة في الدنيا والآخرة وتريد أن تنال الحسنى وزيادة فتأسى بالنبي ﵌, ولقد مثلت حياة النبي ﵌ أعمالاً كثيرة متنوعة بحيث تكون فيها الإسوة الصالحة والمنهج الأعلى للحياة الإنسانية, لأنها جمعت بين الأخلاق العالية والعادات الحسنة والعواطف النبيلة والنوازع العظيمة, فإذا أردت السعادة والإحترام فتأسى به, فإن كنت غنياً مثرياً فاقتدِ بالرسول ﵌ عندما كان تاجراً يسير بسلعته بين الحجاز والشام, وحين ملك خزائن البحرين, وإن كنت فقيراً معدماً فلتكن أسوتك به وهو محصور في شعب أبي طالب, وحين قدم إلى المدينة مهاجراً وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئاً, وإن كنت ملكاً فاقتدِ بسنته وأعماله حين ملك أمر العرب وغلب على آفاقهم, ودان لطاعته عظماؤهم وذووا أحلامهم, لتكون عزيزاً محترماً, وإن كنت رعية ضعيفاً فلك برسول الله أسوة حسنة حينما كان محكوماً بمكة في نظام المشركين, وإن كنت فاتحاً غالباً فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر وحنين ومكة, وإن كنت منهزماً -لا قدر الله- فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى ورفقائه المثخنين بالجراح, فلا تهن

стр. 89

ولا تحزن, وإن كنت مُعلّماً فانظر إليه وهو يعلم أصحابه في صحن المسجد متواضعاً, وإن كنت واعظاً ناصحاً ومرشداً أميناً فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النبوي, وإن أردت أن تقيم الحق وتصطع بالمعروف وأنت لا ناصر لك ولا معين فانظر إليه وهو ضعيف بمكة لا ناصر ينصره ولا معين يعينه إلا الله, ومع ذلك فهو يدعو إلى الحق ويعلن به, وإن هزمت عدوك وخضدت شوكته وقهرت عناده فظهر الحق على يديك وزهق الباطل واستتب لك الأمر فانظر إليه يوم فتح مكة وفتحها, وإن أردت أن تصلح أمور زراعتك وتقوم على ضياعك فانظر إليه ﵌ وقد ملك ضياع بني النظير وخيبر وفدك كيف دبر أمورها وأصلح شئونها وفوضها إلى من أحسن القيام عليها. (١) وانظر بعينيك إلى الأفراد والأمم التي تتفق وتتآخى وتتعاون؛ كيف علت كلمتها وعظمت هيبتها, وتدبر القرآن الذي جاء فيه: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) , وانظر بعينيك الأفراد والأمم الذين يختلفون ويتنافرون ويتنابزون ويتقاطعون ويستعلي بعضهم على بعض؛ كيف صار حالهم, وكيف تبدل عزهم إلى ذل, وغناهم إلى فقر, وجمعهم إلى شتات, وصدق الله حيث يقول: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) . فهل آنَ لنا أن نسعى إلى إعمار الحياة بالحب والعمل, حب الفضيلة, لأنها تنعكس سروراً وطمئنينة, فحب الناس, حب الخير للجميع, حب التعاون على البر والتقوى, حب التضحية والفداء والإيثار, حب الإخاء, ففي الحديث النبوي: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (٤) . أخي المحزون يا من مللت الحياة وسئمت العيش إن هناك فتحاً قريباً إن الله مقلب القلوب, ثق بالله, وانظر إلى الحياة بجمالها وجلالها, واعلم بأن وعد الله آتٍ قريب, أليس الصبح بقريب, وتدبر قول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٥) , وقوله جل شأنه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٦) , فلا يهولنك تبجح غير المؤمنين بثروتهم أو بسلطانهم الذي اتاهم الله وما خولهم به من النعم فإن العزة والكرامة للمؤمنين من بني آدم فقوة الإيمان أسٌ للنجاح والظفر, وبالإيمان والعمل الصالح تنال الدرجات

стр. 90

العلا وصدق الله حيث يقول: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللهِ وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ (١) . مراحل نمو خَلق الإنسان تدل على أن الله وحده الخالق المنان إن خلق الإنسان في أحسن تقويم وإحكام صنعته تدل على أن الله وحده لا شريك له الخالق العظيم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) , إن هذه الآيات تدل بوضوح على أن الإنسان خلق من طين, فالنظفة في كل من الذكر والأنثى التي يتكون منها الجنين هي وليدة عملية التغذية التي يتغذى بها الإنسان, والمراد بالنظفة في الآية هي مجموع الخلايا الحية, التي تصدر من الرجل وتعوم في السائل الموجود داخل رحم المرأة ثم تتسابق لتنال خلية الأنثى الواحدة. وأحد هذه الحيوانات المنوية الذي يصل أولاً, يخرق بيضة الأنثى ويدخل فيها ويمتزج بها, وهذه أول عملية تكوين الجنين, ثم يخبر الله

стр. 91

تعالى بأنه يصير علقة وهي مجموعة الخلايا التي تنقسم إليها البويضة بعد تلقيحها, لقد نتأت على سطحها نتوأت تصلها بحائط الرحم, وسميت علقة لنها تعلق بجدار الرحم, على أن الجنين يصير بعد ذلك مستديراً بغير انتظام ومكوراً ويبقى كذلك عدة أسابيع وقد سماه الله مضغة -لكثرة الشبة بينه وبين قطعة اللحم الممضوغة- وهي في الاصطلاح الطبي عبارة عن نمو العلقة وتنوع خلاياها وتميز بعض أجزائها عن البعض الآخر وهنا يبدأ طور التكوين وتظهر آثار العظام في المضغة, وبعد أن تتكون العظام يبدأ اللحم في التكون بظهور العظلات وذلك بتكون الخلايا التي تحيط بالعظام وبينما تظهر العظام والعظلات تتكون بقية أعضاء الجسم. (١) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . إن خلق الإنسان معجزة عظيمة وآية تدل على أنه الخالق الواحد سبحانه المستحق للعبادة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) , وهذا النص يقرر أن الله جل وعلا وحده الخالق للإنسان فكيف لا يكون وحده المعبود, فآية إثبات الخلق لله تعالى وحده تثب الألوهية لله . فقد نبه الحق بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم, وإنه لم يشركه أحد في خلق

стр. 92

من قبلكم, ولا في خلقكم, وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته, وذلك يستلزم لسائر صفات كماله, ونعوت جلاله فيتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله ووحدانيته في صفاته فلا شبيه له فيها ولا في أفعاله فلا شريك له فيها. (١) قال الشاعر: انظر إلى الكون وهو في عدمٍ ... واطلب له الخالق الذي خلقه تجد هناك الوجود منفرداً ... به تعالى مقال أهل ثقه وتعرف الكل لا وجود لهم ... إلا به والعقول متفقه (٢) فإذا ضاقت عليك نفسك, أو ضاقت عليك الأرض بما رحبت, أو جفاك النوم في مرقدك, وصاحبك الأرق, وبارت حيلك, فارفع أكف الضراعة وابتهل لخالقك فهو يراك ويسمع دعاك. قال الشاعر: مهما رسمنا في جلالك أحرفاً ... قدسية تشدو بها الأرواح فلأنت أعظم والمعاني كلها ... يا رب عند جلالكم تنداح (٣)

стр. 93

وستجد الجواب من ربك العزيز الوهاب فاطر السموات والأرض, فابشر برحمته وحصول فرجه, فربك يخلق ما يشاء ويختار. قال الشاعر: أقول لابني وقد قال الطبيب له ... لم يبق إلا رجاء الخالق الباري رضيت باللَه مرجوّاً إذا اعترضت ... وساوس اليأس في ظني وأفكاري (١) وقد جاء في محكم الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٢) . إن مما يطمئن الإنسان ويسعده أن يعلم أن الله هو الذي خلقه وأنه سبحانه الخالق لكل شيء, وأن الذي يخلقه الله يبقى رهن أمره فاطمئن, فكل من حولك وما حولك بيد الله له الخلق والأمر ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) , قال الشاعر: الحمد لله جلَّ الله من خالقٍ ... وهو العليم بنا ألفاتقُ الراتق قد ضمّ شملي به إذ كنت في عدم ... لا علم عندي بمخلوقٍ ولا خالقِ

стр. 94

حتى إذا برزتْ بالكون أعيننا.........علمت بالكونِ قطعاً أنه الخالق (١) الخالق في أسماء الله الحسنى الخالق لكل شيء وموجده من العدم هو الله وما سواه مخلوق مربوب له, لا خالق غيره, وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) . وقال القرطبي: الخالق نطق به التنزيل وتكرر في القرآن, وجاء في حديث أبي هريرة الذي خرجه الترمذي (الخالق) وعند غيره (الخلاق) عوضاً من الخالق, وكلاهما أجمعت عليه الأمة. (٣) وقال القحطاني: الخالق، البارئ، المصوِّر، الخلاق, الذي خلق جميع الموجودات وبرأها، وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل، ولا يزال على هذا الوصف العظيم. (٤) وقد يرد الخلق في كلام العرب بمعنى الكذب, قال زهير: فَلأَنتَ تَفري ما خَلَقتَ وَبَعضُ ... القَومِ يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفري

стр. 95

وقال الإقليشي: منع الشرع ما أطلقه العرب من هذا الاسم على المخلوق, وحجر أن يسمى موجود في الوجود خالقاً غير الله تعالى؛ لأنه مخترع الأعيان ومقدر الأشياء, فاتصاف العبد بالاختراع باطل قطعاً, واتصافه بالتقدير مجاز, لأن التقدير الذي يقدره العبد مخترع له في الوقت الذي يقدره فهو منسوب لله تعالى حقيقة وللعبد مجازاً. (١) والخلاصة: أن الخلق بمعنى الإيجاد من العدم مختص به , ... أما الخلق بمعنى التجميع من شيء أوجده الله وتركيبه أو توظيفه ضمن النواميس التي قدرها الله تعالى وأوجدها وعلمها الإنسان وأذن الحق بإستعمالها وتوظيفها وتركيبها فهذا قد ينسب إلى الإنسان لا على سبيل الحقيقة والإيجاد من العدم، وذلك كصناعة السيارات مثلاً أو غير ذلك من الإلكترونيات، فإن الله خالق المواد والإنسان أبدع في تركيب وتوظيف هذه المواد، وكتركيب الكلمات ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ (٢) . ثمرة معرفة اسم الله الخالق وحده لا شريك له إذا عرف المكلف أن الله جل وعلا وحده لا شريك له خالق كل شيء وحده لا شريك له, وعرف أن السموات والأرض ومن فيهن والكون بما فيه مخلوق له ؛ آمن به ووجب عليه أن يفرده بالعبادة, قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ

стр. 96

الْعَالَمِينَ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) , وأن يشكره على نعمة الخلق فهو الذي أعطى كل مخلوق خصائصه في التصوير, وقدر رزقه, فبيد الخالق البارئ المصور كل شئون الخلق, يمنعهم ويعطيهم ويتفضل عليهم ويرحمهم. ولهذا فإن المؤمن يعبد الله ويرجوه ويسأله الرحمه والفوز والفلاح, لأنه يعلم أن الله خالق كل شيء, فهو يعبد الله, ويرحم عباده, وإنما يرحم الله من عباده الرحماء, وفي الحديث النبوي: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ) (٣) . ولهذا فإن من عرف أن الله خالقه ورازقه, وأن مدار الدنيا, وكل نفع وضر, وإعطاء ومنع, وإحياء وإماته, ومجازات على الحسنات والسيئات؛ بيد الله؛ التزم طاعة خالقه وابتعد عن ظلم الناس, وعاش في سعادة, ومات على التوحيد, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ

стр. 97

تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) , وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ (٢) . دعاء الله باسمه الخالق يا الله يا خالق يا رحمن يا رحيم خلقتني سوياً وخلقتني خَلقاً رضياً, فكن لي ولياً, وكن بي حفياً, فأنت الذي خلقتني من العدم, فاسبغ علي وعلى جميع المؤمنين جزيل النعم, واصرف عنا النقم, واجعلني والمؤمنين من الشاكرين لآلائك, المحبين لأوليائك, المتبعين لنبيك محمد ﵌ خاتم أنبيائك ورسلك, ونسألك اللهم يا خالق كل شيء, يا خالق السماوات والأرض, رب كل شيء ومليكه؛ الدرجات العلا من الجنة, وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 98

الفصل الرابع القلم

стр. 99

القلم القلم صائغ الكلام, والمعبر عن أجمل البيان بما يخطه من أفصح الكلام, فيظهر ما في النفس من المعاني التي تشرق بها الآمال, وتتحقق بها الأعمال, فهو ترجمان القلب وبريد اللسان, وقد نسب إلى بعض ملوك اليونان أنه قال: "أمر الدنيا والدين تحت شيئين: قلم وسيف, والسيف تحت القلم" (١) , وبالقلم تحفظ العلوم وتعلّم, وتدون الأفكار وتنشر, ولولاه لما انتظم عقد البيان, ولما شاع العلم بين الأنام, فبه خطت المقادير, وأجريت التدابير, وهو أول ما خلق الله العزيز القدير, وفي الحديث الشريف: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ, قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) (٢) , وأول ما نزل من القرآن الكريم قول العزيز الحكيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) , وفي ذلك دليل وبرهان على عظيم تكريم الله تعالى للإنسان الذي علّمه بالقلم ما لم يكن يعلم, ألا ترى أن الحق أمر نبيه بالقراءة باسمه ﵎, ثم ذكر التفضيل على عباده بخلقه إياهم, وما ندبهم له بذلك من البقاء الدائم والنعيم المتصل, لمن آمن به ووحده وصدّق نبيه ﵌ ثم أتبع ذلك بذكر الإنعام عليهم بما

стр. 100

علمهم من الكتاب الذي به قوام أمر دينهم ودنياهم, واستقامة معائشهم وحفظها, ولولا أن من لا يحسن الكتابة يجد ممن يحسنها معونة وإبانة عنه, لما استقام له أمر, ولا تم له عزم, ولحل محل الصور الممثلة, والبهائم المهملة. ومعنى قوله (الذي علّم بالقلم) : الذي علّم الكتابة بالقلم. (١) القلم تحيا به الأمم وتتعلّم القلم به تحيا الأمم وتتعلّم فهو الذي يعبر به عمّا في الضمير, وهو طبيب المنطق وبريد القلب, قال عبد الحميد الكاتب: "القلم شجرة ثمرتها الألفاظ, والفكر بحر لؤلؤه الحكمة", وقال ابن المقفع: "القلم بريد القلب يخبر بالخبر وينظر بلا نظر", وقيل: "القلم سفير العقل, ورسوله الأنبل, ولسانه الأطول, وترجمانه الأفضل, والقلم أصم يسمع النجوى, وأخرس يفصح بالدعوى, وجاهل يعلم الفحوى", وقيل: "عقول الرجال تحت أقلامها, والقلم راقد في الأفئدة مستيقظ في الأفواه", وبمداد أقلام العلماء وسيوف الشجعان الحكماء من المجاهدين العظماء بنيت الممالك وأمن الناس من المهالك, ورحم الله من سجل بقلمه ما يدعو المسلمين إلى الاجتهاد والجهاد, فقال: يا أيها المغمدان السيف والقلم ... متى يسح مداد منكما ودم (٢)

стр. 101

وقال آخر: هَذا الزَمانُ تُناديكُم حَوادِثُهُ ... يا دَولَةَ السَيفِ كوني دَولَةَ القَلَمِ فَالسَيفُ يَهدِمُ فَجراً ما بَنى سَحَراً ... وَكُلُّ بُنيانِ عِلمٍ غَيرُ مُنهَدِمِ (١) دور القلم في سعادة الأمم وشقاؤها للقلم دور في سعادة الأمم وشقاؤها, وله نصيب في مدحها وهجائها, فبه يتعلّم الجاهل, ويظفر العاقل, وقديماً قيل: "القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع, إذا نسح حلله وأودعها حكمه", فهو أنف الضمير إذا رعف أعلن أسراره وأبان آثاره, وبنوء القلم تصوب الحكمة, وقال ابن أبي دؤاد: "القلم الدنيا والآخرة". (٢) وفي الأمثال السائرة: "عقول الرجال تحت أسنة أقلامها", وقيل:"الأقلام مطايا الفطن". ويرحم الله شوقي حيث يقول: سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ ... عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ ... وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا وقال ابن أبي حصينة (٣) : جَزى اللَهُ خَيراً ظُهورَ الرِكاب ... وَأَحسَنَ عَنِيّ جَزاءَ القَلَم

стр. 102

وقال أيضاً: ما أَقبَحَ العِرضَ مَدنُوساً بِفاحِشَةٍ ... يَخُطُّها اللَوحُ أَو يَجري بِها القَلَمُ وقال بعض الكتاب: " القلم الرديء كالولد العاق", وقالوا: "القلم أحد اللسانين, والعم أحد الأبوين, والتثبت أحد العفوين, والمطل أحد المنعين, وقلة العيال أحد اليسارين, والقناعة أحد الرزقين, والوعيد أحد الضربين, والرواية أحد الهاجيين, والهجر أحد الفراقين, واليأس أحد النجحين, والمزاح أحد السبابين", وقيل: "القلم لسان اليد", وقد فاخر صاحب سيف صاحب قلم, فقال صاحب القلم: انا أقتل بلا غرر وأنت تقتل على خطر, فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف فإن بلغ مراده وإلا فإلى السيف معاده, أما سمعت قول أبي تمام (١) : السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ ... في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ أما الصنوبري (٢) فهو يقول: ما كنتُ أحسَبُ أنَّ الخِنجَرَ القَلَمُ ... مِنْ قبلِ هذا ولا أنَّ المِدادَ دَمُ

стр. 103

حتَّى كتَبْتَ فما أبقَيْتَ جَارِحَةً........إِلاّ وَفيها عَلى مِقدارِاها أَلمُ يا كاتِباً جَرَحَتْ روحي كَتَابَتُهُ ... والجُرْحُ في الرُّوحِ جرحٌ ليسً يَلتَئِمُ اِذْهبْ فحَقُّ أميرٍ أنْتَ كاتِبُهُ ... أنْ لا يَقومَ لَهُ عُرْبٌ ولا عَجَمُ وقال بشر بن الحارث (١) : "لسان الإنسان قلم ملكه الموكل به, وريقه مداده, وقرطاسه جلده, يملي عليه كتاباً إلى ربه, فلينظر الإنسان قبل فوت النظر ماذا يملي", وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) , وفي سورة ق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣) , وفي سورة عبس يقول المولى جل وعلا: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٤) , فالسفرة الكتبة الواحد سافر والجمع سفرة مثل كافر وكفرة, ومعنى سافر كاتب يكتب في الأسفار واحدها سفرة وهي الصحف وسفر إذا كتب من سفر فهو سافر, ورحم الله القائل: ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبين وبالقلم كتب القرآن وجمع, وبه حفظت الألسن والآثار, ووكدت العهود, وسيقت التواريخ, وبقيت الصكوك, وأمن الإنسان النسيان,

стр. 104

وقيدت الشهادات والأحكام, وأنزل الله تعالى في ذلك آية المداينة وهي أطول آية في القرآن. ولله در القائل: إن الكتابة رأس كل صناعة ... وبها تتم جوامع الأعمال فاحرص أخي على تعلّم القراءة والكتابة تظفر بالحسنى وزيادة, ودع عنك المفاخرة بالقلم وتعلم الهجاء والذم, ولطالما تفاخر الشعراء بالقلم ووصفوه بما توصلت إليه أفهامهم في مدائحهم وهجائهم, ومن ذلك قول الشاعر: فلي قلم في رقمه سم أرقم ... تراه إذا أرسلته حيةً تسعى يزيد سناء الشمس بالمدح بهجةً ... ويلبسها من هجوه خطةً شنعا (١) وقال آخر: لا تُهاوِن بِصَغيرٍ مِن عِدىً ... فَقَديماً كَسَرَ الرُمحُ القَلَم وَتَرَقَّب مِن سَليلٍ صُنعَهُ ... فَمِنَ البَيعِ قِياضٌ وَسَلَم (٢) وقال أبو تمام: لَكَ القَلَمُ الأَعلى الَّذي بِشَباتِهِ ... تُصابُ مِنَ الأَمرِ الكُلى وَالمَفاصِلُ لُعابُ الأَفاعي القاتِلاتِ لُعابُهُ ... وَأَريُ الجَنى اِشتارَتهُ أَيدٍ عَواسِلُ فَصيحٌ إِذا اِستَنطَقتَهُ وَهوَ راكِبٌ ... وَأَعجَمُ إِن خاطَبتَهُ وَهوَ راجِلُ والعاقل إنما يكتب بقلمه ما ينفع ولا يضر, فهو لا يسجل لغو الحديث, ولا العمل الخسيس, ولا يكتسب به المآثم, ولا يستحل به المحارم, ولا يسجل به ما يوقع في المعاصي, ويحرض على الملاهي, ويرغب في الشقاء, ويجلب الفتنة, ويتسبب في الأذى, ويدعو إلى ظلم العباد, فما أحسن القلم الذي يقتصر في كتابته على الكلام الجميل, وما يدعو إلى طاعة الملك الجليل, ولله در القائل: وَما مِن كاتِبٍ إِلا سَيفني ... وَيَبقي الدَهر ما كَتَبتَ يَداه فَلا تَكتُب بِكفك غَير شَيءٍ ... يَسرك في القِيامة إِن تَراه (٣) وفي الذكر الحكيم: ﴿ن~ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٤) , القلم الالكتروني لقد كان القرآن الكريم سباقاً إلى الإرشاد بحفظ حقوق العباد وإثباتها كتابةً بالخط المعتاد سواءً كان ذلك بالقلم التقليدي العادي أو بالقلم الإلكتروني, فقد صرح في سورة البقرة بما يفيد التوجيه إلى التوثيق بالكتابة

стр. 105

والإشهاد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ... الآية﴾ (١) , والأمر بالكتابة دليل على مشروعيتها ويعم ذلك جميع أنواع الكتابة إذا استوفت شروطها وضوابطها؛ سواءً تمت بالقلم التقليدي بالكتابة المعروفة بخط اليد أو بالآلة الكاتبة أو أن هذه الكتابة تمت الكترونياً أو بأي وسيلة, فالنص يعمها جميعاً, فكلما يخط به ويسطر به معاني لأي لغة وبأي وسيلة فهو كتابة (٢) , ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٣) أي كتاب, وقوله : ﴿ن~ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤) . الكتابة الإلكترونية: ماهيتها وطبيعتها يمكننا في هذه العجالة تعريف ماهية الكتابة الإلكترونية التي تدور عليها رحى المعاملات الإلكترونية في شتى المجالات في العالم المعاصر بالأتي: ((الكتابة الإلكترونية: طبيعتها وماهيتها)) هي عبارة عن المعلومات أو البيانات التي يتم إنشاؤها ومعالجتها وإرسالها أو تخزينها واسترجاعها بوسائل إلكترونية أو ضوئية أو بوسائل مشابهة, فهي: كل حروف أو أرقام أو رموز أو أي علامات أخرى تثبت على دعامة إلكترونية أو ضوئية أو أي وسيلة أخرى مشابهة وتعطي دلالة قابلة للإدراك, وسواءً كانت هذه المعلومات المستخدمة لغوية أو غير لغوية مقروءة أو مسموعة أو منظورة اشتملت على عقد أو وعد أو عهد أو إعلام أو التزام أو اتفاق أو قصص أو خبر ... إلخ, وسواء تم إنشاؤها أو تبادلها على شكل رقمي أو تماثلي. لقد اخترنا في هذا التعريف لفظ (المعلومات أو البيانات التي يتم إنشاؤها ومعالجتها ... الخ) , ليشتمل اللفظ بعمومه كل المستندات والسجلات والرسائل ... إلخ التي يتم إنشاؤها ومعالجتها وتخزينها أو استرجاعها واستخراجها أو نقلها أو نسخها أو إبلاغها أو استلامها, وعلى مختلف الصور والأشكال التي تتم فيه بوسيلة إلكترونية على وسيط ملموس أو على أي وسيط آخر, وهذا التعريف هو ما تم استخلاصه من مجموع ما أفهمته طبيعة الكتابة الإلكترونية من خلال ما وقفنا عليه من المراجع العلمية, والتي لا تبدوا متباينة في معانيها كثيراً وإن اختلفت في بعض أشكالها في الجمل والألفاظ. (٥) أما فقهاء الشريعة الإسلامية فإن الكتابة في مصطلحهم: هي الخط الذي يعتمد عليه في توثيق الحقوق وما يتعلق بها للرجوع إليه عند الإثبات الممهور بتوقيع أو ختم أو بهما معاً (٦) , وهذا التعريف بعمومه يشمل: الصك والحجة والمحضر والسجل والوثيقة والبصيرة والكتاب, ويشمل أيضا

стр. 106

المحررات الرسمية والعرفية والمحررات الإلكترونية والكتابة بالكمبيوتر والفاكس والتلفون, ويشمل جميع أنواع الكتابة التي عرفها الفقهاء. (١) القوة الثبوتية للكتابة الالكترونية من المسلَّم به أن التعرف على طبيعة وماهية الكتابة الإلكترونية التي تتم في أي تعامل أو عقد أو اتفاقية يتم إبرامها أو تنفيذها بشكل كلي أو جزئي بواسطة الوسائل الإلكترونية لا تكتسب القوة الثبوتية إلا بشروط خمسة: الشرط الأول: الكتابة: لاعتبار أن الكتابة هي الأسلوب المعبر عن الإرادة وسبق تعريف الكتابة الإلكترونية. الشرط الثاني: التوقيع: باعتبار أن التوقيع هو الشرط الجوهري في جميع المحررات فهو يثبت إقرار الموقع على ما هو مدون وموجود في المحرر, فلا ينتج المحرر الإلكتروني آثاره القانونية دون توقيع يميز هوية الموقع ويعبر عن موافقته عليه ضمن الشروط والضوابط التي تشترطها القوانين, وارتباط التوقيع بالموقع وحده دون غيره. الشرط الثالث: التوثيق: فتوثيق التصرف الذي يتم عبر الوسائل الإلكترونية فيه حفظ لحقوق المتعاملين من إي اعتداء أو غش وهو أمر يستوجب القيام بتوثيق المحرر لدى جهة يتفق عليها وتكون معتمدة من قبل الحكومة وتعنى هذه الجهة بالتحقق من صحة المحرر الذي تم إصداره وتتبع

стр. 107

أي تغييرات أو أخطاء تحدث, وفي حالة إتمام توثيق المحرر الإلكتروني يتم منح صاحب المحرر رمز التعريف الشخصي الخاص به, ويتم إصدار هذا الرمز من قبل الجهة المختصة المرخص لها بتوثيق التوقيع الإلكتروني, إذ أنه يهدف التحقق من أن القيد إلكترونياً لم يتعرض لأي تعديل, ... ويعتبر هذا القيد موثوقاً من تأريخ التحقق منه, وتكون شهادة التوثيق التي تبين رمز التعريف معتمدة. (١) وتباينت وجهات نظر المقننين في تحديد جهة التوثيق فهو في القانون المصري مخول تحديد ذلك لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات وفقاً لقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني, وهو مناط في التشريع الأردني بمجلس الوزراء تحديد هذه الجهات, كما أسند قانون المعاملات والتجارة الإلكتروني لإمارة دبي التوثيق إلى رئيس الحكومة لإصدار قرار لتعيين مراقب لخدمات التصديق لغرض ترخيص وتصديق ومراقبة مزودي خدمات التصديق, وحدد المشرع التونسي الوكالة الوطنية للمصادقة الإلكترونية. (٢)

стр. 108

الشرط الرابع: إمكانية الاحتفاظ بالمحرر الإلكتروني في شكله الأصلي المتفق عليه, دون أن يلحقه أي تغيير: وهو ما أفصحت عنه التشريعات الخاصة بالمعاملات الإلكترونية. (١) الشرط الخامس: إمكانية استرجاع المحررات الإلكترونية المحفوظة, بحيث لا تتعرض للمحو, والمحو في اللغة: تعفية الأثر حتى لا يرى. ويروى عن الأصمعي: لِمَ سمت العرب الشمال محوة؟ قال: لأنها تمحو السحاب ولا يرى شخصه, واستدعى أبو نواس (٢) أن يكثر له المكاتب المحو في كتابه فقال: كَثِّري المحوَ في الكِتابِ وَمُجّيـ ... ـهِ بِريقِ اللِسانِ لا بِالبَنانِ وَأَمِرّي الحِزامَ بَينَ ثَنايا ... كِ العِذابِ المُفَلَّجاتِ الحِسانِ إِنَّني كُلَّما مَرَرتُ بِسَطرٍ ... فيهِ مَحوٌ لَطَعتُهُ بِلِساني فَأَرى ذاكَ قُبلَةً مِن بَعيدٍ ... أَسعَدَتني وَما بَرِحتُ مَكاني

стр. 109

ومحوت الكتاب أمحوه محواً بالواو, وهي في لغة: محيت أمحي محياً, وفي أمثال العرب: "ما أنت إلا ممحياً كاتبا", فإذا أمرت قلت: امحُ, والواو أفصح وبها نزل القرآن: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) . تسمية ما يكتب فيه عند العرب تسمي العرب ما يكتب فيه القرطاس أو الصحيفة أو السفر, ويجمع القرطاس على قراطيس, والصحيفة على صحائف, والسفر على أسفار (٢) , وقد نزل القرآن بجميعها, ففي سورة الأنعام يقول الحق : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (٣) , ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٤) . وقد أكثر العرب من ذكر القراطيس في أخبارهم وأشعارهم ومن ذلك قول العباس بن الأحنف (٥) :

стр. 110

جاءَ الرَسولُ بِقُرطاسٍ فَشَوَّقَني ... مِنها فَأَحبَبتُ مِنهُ كُلَّ قُرطاسِ فيهِ مُعاتَبَةٌ مِنها تُذَكِّرُني ... ما كانَ مِنها كَأَنّي غافِلٌ ناسِ وقال آخر: إن القراطيس من نفسي بمنزلة ... تكون كالسمع والعينين في الراسي لولا القراطيس مات العاشقون معاً ... هذا بغم وهذكم بوسواسي أما ابن مكنسة (١) فهو يقول: أهلاً بها جنةً أَهْدَ ثمارَ نُهى ... وعرَّس الطَّرْفُ فيها أَيَّ تعريسِ ما دار في خَلَدِي لولا كتابكُمُ ... أَنَّ البساتينَ تُهْدَى في القراطيس وقال آخر: وشق قرطاس من تهوى وكن حذرا ... يا رب ذي ضيعة من حفظ قرطاس أما الأسفار فقد ورد ذكرها في كلام العزيز الجبار إخباراً عن أحوال من حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) , وفي ذلك عظة واعتبار, فمن ذا الذي يحب أن يكون مثل الحمار لا يعمل بما تحويه الأسفار؟!! فحظه من حملها مثل حظ الحمار.
следующие страницы →