← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثمرة معرفة اسم الله الباعث إذا عرف المكلف أن الله تعالى هو الباعث للأموات والباعث على فعل الخيرات والباعث للرسل إلى عباده ليعبدوه ويوحدوه, وأنه الباعث للهمم للترقي في ساحة التوحيد بهدايته وتوفيقه, وأنه الذي يبعث الإنسان على عليات الأمور؛ وجب عليه أن يؤمن به , ويسعى إلى معرفته وطاعته والإقبال عليه, وأن يبعث نفسه كما يريد الله تعالى فلا يأتي من الأفعال إلا ما كان مطابقاً لكتاب الله وسنة رسوله, وأن يتأدب مع جلال الله الباعث, فهو الذي يبعث ويجازي بالثواب والعقاب, فيشغل وقته كله بطاعة الله الباعث الوهاب, فيبعث قلبه على اليقين ولسانه على الذكر وجوارحه على العمل, ويلزم نفسه قبول باعث الحق ورد باعث الباطل. قال الرازي: إن العبد إذا سعى إلى التعلم بعث روحه بعد الموت, وإذا سعى في تعليم الجهلاء فكأنه يبعث أرواحهم بعد موتها. (١) فالمؤمن باسم الله الباعث يحقق إيمانه بالعمل حتى يكون ممن أدرك الفلاح وتزود للدار الآخرة وتصفح أعماله وحاسب نفسه وجعل أعماله متوافقة مع منهج ربه. قال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق (٢) ﵁: وَكُلُّهُم لِلَّهِ في البَعثِ مُنشَرٌ ... مُجازىً مُوَفّىً حَقَّهُ لَيسَ يُبخَسُ

стр. 177

الدعاء باسم الله الباعث اللهم يا باعث يا شهيد ثبتني والمؤمنين في البعث بالقول الثابت والتوحيد وألهمني حمدك وذكرك يا مجيد, وسلمني والمؤمنين من العذاب الشديد, وتفضل عليَّ بما أوليت أولياءك من الكرامة والفردوس الأعلى من الجنة إنك حميد مجيد, وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 178

الفصل السابع السفر والسياحة

стр. 179

السفر والسياحة السفر يطيب الخواطر, ويجدد الأفكار, ويخرج الإنسان من سجن اليأس والإحباط إلى شمس الأمل والسرور, فجولة في أرض وارفة الظلال تتمايل على جنباتها أزهار بهية متنوعة قد تصفي ذهنك وتغير مجرى تفكيرك, وفي الأمثال السائرة: "الحركة ولود والسكون عاقر", وفي أمثال العامة: "الحركة بركة", وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) , وروي أن الخليفة العباسي المأمون كان يقول: "لا شيء ألذ من السفر فيه كفاية وعافية لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها وتعاشر قوماً لم تعرفهم", قال الشاعر: ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ ... مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ ... وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ ... إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ مااِفتَرَسَت ... وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً ... لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ ... وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ ... وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ (٢)

стр. 180

وفي الحديث النبوي: (لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر إن الله ينظر إلى الغريب كل يوم ألف مرة) (١) . وفي الأمثال السائرة: "الإغراب يعيد الجَدّة ويفيد الحِدّة", وقيل: "الغريب من لم يكن له حبيب", وقيل: "كل غريب للغريب نسيب". قال الشاعر: أعاذل حبي للغريب سجية ... وكل غريب للغريب حبيب وقال آخر: أجارتنا إنَّا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيبُ وفي الحديث النبوي: (سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا) (٢) , فدل على ما فيه سبب الغنى. حقيقة السفر السفر: هو قطع المسافة اسم مصدر سافر إذا خرج للارتحال أو لقصد مسافة فوق مسافة العدو, وفي المصباح: وسمي سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال لأن العرب لا يسمون مسافة العدو سفراً وقال بعض المصنفين: أقل السفر يوماً كأنه أخذ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٣) , فإن في التفسير كان أصل أسفارهم يوماً يقبلون في موضع ويبيتون في موضع ولا

стр. 181

يتزودون. (١) وفي الذكر الحكيم: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢) , وقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (٣) , وقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٤) , وقال عظمت حكمته: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (٥) . ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَجَدتُ الحَياةَ طَريقَ الزُمَر ... إِلى بَعثَةٍ وَشُؤونٍ أُخَر وَما باطِلاً يَنزِلُ النازِلون ... وَلا عَبَثاً يُزمِعونَ السَفَر فَلا تَحتَقِر عالَماً أَنتَ فيهِ ... وَلا تَجحَدِ الآخَرَ المُنتَظَر وَخُذ لَكَ زادَينِ مِن سيرَةٍ ... وَمِن عَمَلٍ صالِحٍ يُدَّخَر وَكُن في الطَريقِ عَفيفَ الخُطا ... شَريفَ السَماعِ كَريمَ النَظَر وَلا تَخلُ مِن عَمَلٍ فَوقَهُ ... تَعِش غَيرَ عَبدٍ وَلا مُحتَقَر وَكُن رَجُلاً إِن أَتَوا بَعدَهُ ... يَقولونَ مَرَّ وَهَذا الأَثَر

стр. 182

السفر فيه قضاء الحوائج السفر فيه قضاء الحوائج والحصول على الرغائب وصلة الأرحام والتفكر فيما خلق الله من النبات والأنعام, والاستمتاع بنعم الله الجليل المنان, والاستفادة من الراحة في غير سذاجة ولا غاغة, والاتعاظ والاعتبار بسنن الله القوي الجبار, قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) , وقال تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (٣) . آيات تدعوك إلى التنقل والتدبر وإلى الأسفار والسياحة والتفكر, لتكون كالماء السائح الطاهر لا كالماء الساكن الفاسد, قال شاعر: تغرب فالتغرب فيه نفعٌ ... وشرق إن بريقك قد شرقنا (٤) إن تفريغ الرئتين مما علق بهما من غبار الزحام وغبار المركبات وتلوث الهواء لا يمكن إلا بفسحة أو نزهة في طبيعة ذات نسيم عذب, وهدرة ماءٍ رقراق, وحلة ندية خضراء, بعيدٌ عن السفه والمجون, قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ

стр. 183

النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) . التغيير بالسفر يكسر (الروتين) وينقي الفكر كل منا يحتاج إلى التغيير والتنويع حتى يعيش حياته مفعماً بالآمال, طامحاًً إلى النجاح فيها والانتصار لا يريد أن يعيشها على نسق واحد مملوءة بالضجر والملل, يذهب إلى عمله في وقت محدد وتمضي ساعات العمل على وتيرة واحدة في كل يوم ثم يعود في وقت محدد وهكذا دواليك يكرر كل يوم ما فعل في الأمس حتى يمل عمله أو يكون عاطلاً فتقتله البطالة والفراغ ولا يستغل فراغه فيما يطور به إنتاجه ويجدد به حياته, أو يتنقل ليتعلّم مما يراه كيف يكون إنساناً مبدعاً يعتمد على الرحمن ويبتعد عن الأوهام, وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) (٢) . إن العمر الذي يسير على نسق واحد هو عمر ميت لا طائل منه يعيش, صاحبه مسجوناً في (روتينه) في زمانه ومكانه, فإما أن يقل إنتاجه أو يمل عمله ويشعر أخيراً بأنه معطل العقل والروح فهو كآلة يؤدي عمله من غير إحساس أو شعور دون أن يسعى إلى التجديد والتنويع بين الحين والحين فينظر في هذا الكون الرحيب ليزيل ما اعترى نفسه من أزمات وآهات

стр. 184

تكبت طاقته وتقتل مواهبه, فمن حبس عقله في نمط واحد من التفكير أصابته البلاهة وانقبض قلبه فقتل حينئذٍ نبضاته أو تتبلد مشاعره وتكثر آهاته فيغفل عن حياته الدينية والدنيوية. وفي الحديث النبوي الشريف الذي رواه مسلم: (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) (١) , وفي رواية: (روحوا القلوب ساعةً فساعة) (٢) . فالحياة جميلة بتنوعها مملة (بروتينها) لا تستبين معانيها إلا بوجود الأضداد وباختلاف الأزمنة والأمكنة, قال الشاعر: تجمعن من شتى ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا سليمى وسلمى والرباب وأختها ... وسعدى ولبنى والمنى وقطانيا فالسعادة التي ينشدها كل إنسان متوقفة على ما يدخل عقله من أفكار, فإذا استقبل ما صح وجمل من الأفكار واستبعد ما غلظ وقبح منها نال السعادة وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) . فسبحان من غاير بين المخلوقات لتتجدد حياة الإنسان في مختلف الأوقات فقال سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (٤) , ... وقال جل شأنه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ

стр. 185

يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) . فسلامة التفكير تجلب السعادة والسلامة, فأنت الذي تلون حياتك بمنظارك الخاص, فإذا استجلبت فكراً خبيثاً أسود لا بد أن يشقيك, وإذا استجلبت فكراً صالحاً نيراً فسيحولك إلى إنسان سعيد وديع, وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ, قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَالَ لَهُ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, قَالَ: قُلْتُ: طَهُورٌ كَلاَّ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: فَنَعَمْ إِذًا) (٢) أي فلتكن إذاً كما وصفتها طالما يلفك اليأس ويغذي فكرك السخط والتذمر, إنها حقيقة يؤكدها علماء النفس والتربية فهم يتفقون على أن معظم الأمراض النفسية الناجمة عن ضغوط الحياة وأحداثها إنما هي في الأصل ناتجة لأنماط خطأ في التفكير (٣) , وإن الفكر السليم يأتي في النظر والتفكر في خلق السماوات والأرض وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ

стр. 186

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) . علاج (الروتين) الممل لقد عالج الإسلام هذه الظاهرة التي تجتاح العالم فدعى إلى التنويع والتجديد فغاير بين الزمان والمكان وجعل الأيام دولاً بين بني الإنسان, قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) . وغاير بين العبادات والطاعات فقال جل شأنه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٣) , وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) , وقال جل شأنه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٥) . وغاير بين الألوان فقال جلت حكمته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (٦) .

стр. 187

وغاير بين الزروع والثمار فقال سبحانه: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) . وغاير في الحركات عند الذِكر بحسب الأحوال فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) . إذا عرفت هذا عرفت أن النفس الإنسانية بعد كل شوط تقطعه في حياتها تحتاج إلى أن يتعهدها صاحبها بالتجديد والتنويع بين الحين والحين, وما الذي يمنعه أن يتنقل في هذه الأرض ويتذكر نعم الله عليه وهو الذي وهبه الحياة وخلق له ما في الأرض جميعاً قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) . فكل ما تراه من جمال أودعه الله تعالى هذه الأرض وهذا الكون هو لبني الإنسان فتمتع بالحلال وإياك أن تقع في الآثام وإلا فما قيمة الحدائق البهيجة والأنهار النميرة إن لم تستمتع بها العيون, وتقرأ في صفحاتها كلام الحي القيوم, من غير ملل أو كلل, ما قيمتها إن لم تبتسم لها الشفاة وتردد بلابلها أنشودة الخطا والمسير.

стр. 188

فعش حياتك آملاً مستبشراً وتجشم صعود الجبال, فالموت على ظهر جبل وأنت تعاني الصعود خير من الحياة الخسيسة على حافة مستنقع نتن, واستمع إلى هذا الشاعر وهو يقول: إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍ ... رَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ ... يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ تأكد من قدرتك الصحية على السفر بعد ظهور وسائل المواصلات الحديثة كالطائرات والقطار والباخرة والسيارة أصبح غالب الناس إن لم يكن الكل بمقدورهم السفر لمسافات بعيدة سواءً كان شاباً أو شيخاً أو امرأة, ومن هنا نشأ طب السفر, وصار من الضرورة أن يتعرف الإنسان على الحالة الصحية لديه وعلى اللقاحات اللازمة أو الأدوية التي يعتمد عليها, فقياس عامل الخطر الصحي يستلزم استشارة الطبيب قبل السفر بوقت كاف لأخذ اللقاحات فهناك بلدان ينتشر فيها الملاريا أو التيفود أو حمى الضنك, وهذه البلدان عند ضرورة السفر إليها لا بد من أخذ اللقاحات التي ينتشر فيها هذه الأمراض وأخذ ارشادات الطبيب الذي ربما أعطى المسافر أدوية وقائية وقد ينصح بالوقاية من لسعات البعوض أو غير ذلك, فالأمر بالتداوي والاحتماء من من هدي النبي ﵌ ففي الحديث: (تداووا فإن الله لم ينزل داء إلاّ أنزل له شفاء، علِمَه من علِمَه وجهِلَه من جهِلَه) (١) .

стр. 189

ويفضل عدم السفر إلى البلدان التي تنتشر فيها الأوبئة المعدية فقد جاء في الحديث النبوي: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا) (١) ، وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا توردوا الممرض على المصح) (٢) , وذلك من أجل الاحتماء وعدم وقوع الضرر, فتأكد من أخذ جميع اللقاحات الروتينية مثل التيتانوس (الكزاز) حتى لا تتعرض بالاصابة بالمرض عند التعرض لجرح بسيط ملوث بالتيتانوس, وكذلك التطعيم ضد التهاب الكبد الوبائي, وتأكد من ضبط الجرعة الدوائية إن كنت مصاب بضغط الدم أو السكر أو غير ذلك, لتكن في سفرك وإقامتك سعيداً تؤدي واجبك وتستمتع بحياتك بهمة عالية بعيداً عن الهموم. آداب السفر إذا أردت أن تسافر فعليك بإعداد النفقة والزاد للسفر من الحلال الطيب, فقد أثر عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "من كرم الرجل طيب زاده في سفره", وفي الذكر الحكيم: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٣) , وقد ذكر بعض المفسرين بأنها نزلت في حق قوم كانوا يحجون ولا يتزودون, وفي سورة آل عمران: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ

стр. 190

اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) , ذكر المفسرون أن الاستطاعة هي الزاد والراحلة. ومن آداب السفر اخراج نفقة من تلزمك نفقته كالزوجة والولد حتى لا يكونوا عالة على غيرك ففي الحديث النبوي: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (٢) . ومن أدب السفر أن يودع المسافر أهله واخوانه وأصدقاءه وأن يشملهم بدعائه: (أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ) (٣) , وعند ذلك يرد المودعون على المسافر بما ورد في الحديث: (زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى, وَغَفَرَ ذَنْبَكَ, وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ) (٤) . وإن سأل المسافر من يودعه الدعاء كان خيراً له, ولقد كان من عادة العرب توديع أحبتهم وأصدقائهم ورد ذلك في أشعارهم وأخبارهم, قال ابن زريق: اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً ... بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي ... صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً ... وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ ويغفر الله للقائل:

стр. 191

لِلَّهوِ آوِنَةٌ تَمُرُّ كَأَنَّها ... قُبَلٌ يُزَوَّدُها حَبيبٌ راحِلُ جَمَحَ الزَمانُ فَما لَذيذٌ خالِصٌ ... مِمّا يَشوبُ وَلا سُرورٌ كامِلُ أما أبو العلاء المعري فهو يقول: كم بَلْدَةٍ فارَقْتُها ومَعاشِرٍ ... يُذْرُونَ من أسَفٍ علَيّ دُمُوعا وإذا أضاعَتْني الخُطوبُ فلنْ أرى ... لِوِدادِ إِخْوانِ الصَّفاءِ مُضِيعا خالَلْتُ تَوْديعَ الأصادِقِ للنّوى ... فمتى أُوَدّعُ خِلّيَ التّوْديعا وله أيضاً: أُوَدِّعُ يَومي عالَماً إِنَّ مِثلَهُ ... إِذا مَرَّ عَن مِثلي فَلَيسَ يَعودُ ومن آداب السفر اختيار الرفقة الصالحة وتأمير أحدهم, ليتولى قيادتهم بمشورتهم, ففي الحديث النبوي: (إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (١) . وفي الأمثال السائرة: "الرفيق قبل الطريق". قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (لا تصحب في سفرك من لا يرى لك من الفضل عليه كما ترى له عليك) . وقد جاء في الرحيق المختوم أن محمد النبي المعصوم ﵌: كان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدباً، وأبسط الناس خلقاً، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا لعاناً، ولا صخابا في

стр. 192

الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره, كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجلٌ: علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر علي طبخها، فقال ﵌: (وعلي جمع الحطب) ، فقالوا: نحن نكفيك, فقال: (قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه) , وقام وجمع الحطب. (١) قال الشاعر: وَما المَرء إِلا بِإخوانِهِ ... كَما يَقبض الكَفُّ بِالمعصمِ وَلا خَير في الكَفِّ مَقطوعَةً ... وَلا خَير في الساعد الأَجزمِ ومن آداب السفر الاستخارة قبل العزم ففي الحديث: (من سعادة ابن آدم رضاه بما يقضى الله واستخارة الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما يقضى الله وتركه استخارة الله ومن سعادة ابن آدم ثلاث ومن شقوته ثلاث فمن السعادة المرأة الصالحة والمركب الصالح والمسكن الصالح ومن شقوته المرأة السوء والمركب السوء والمسكن السوء) (٢) , ويا حبذا الاستشارة ففي الحديث: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار) (٣) .

стр. 193

ومن الخير الصلاة قبل الخروج من المنزل, ثم الدعاء بعد الصلاة بقوله: "اللهم إنى أتقرب بهن إليك فاجعلهن خليفتي في أهلي ومالي", ففي كنز العمال: (ما استخلف العبد في أهله من خليفة إذا هو شد عليه ثياب سفره خيراً من أربع ركعات يضعهن في بيته يقرأ في كل واحدة منهن بفاتحة الكتاب و ﴿قل هو الله أحد﴾ , ثم يقول: اللهم إني أتقرب بهن إليك فاجعلهن خليفتي في أهلي ومالي) (١) . ويستحب للمسافر حين عوده من السفر ووصوله أن يدخل أقرب مسجد ويصلي فيه ركعتين, ففي الحديث النبوي: (كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ) (٢) , وما أجمل محافظة الإنسان على صلاة الفريضة والنفل في الحضر والسفر, وملازمة الذكر والدعاء. ولعل قائل يقول: ولِمَ المحافظة على الصلاة والدعاء؟ وما الفائدة من ذلك؟ قلنا: لأن الإنسان بحاجة إلى قوة روحية ترفع من نفسيته على وجه الاستمرار إلى مثل عليا, فالإنسان إذا لم تتصل روحه بمبدعها ظهرت فيه مظاهر الوحشة والاكتئاب, وقد يظن أن وحشته واكتئابه حصلا لعدم أخذ الإنسان حظه من الملهيات, فيصاب باليأس والإحباط وربما ألقى نفسه في

стр. 194

هاوية, فالإنسان الذي يعتمد على الله لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً, فهو يملك من القوة النفسية ما يواجه بها أعظم المشاكل دقةً وخطراً, وبذلك يتبين لك أخي أن اتصال الروح الإنسانية بخالقها ولو لحظات في اليوم هي من الضروريات للإنسان, ولهذا كانت الصلاة أنجع علاج, وأفضل رباط بين الإنسان وربه في سفره وحضره, ولأن الدعاء مخ العبادة وباب يوصل إلى السعادة, فالله معك حاضر لا يغيب وأنت بحاجة إلى عونه وتسديده ورعايته وحفظه, وفي الذكر الحكيم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) . وإذا أمكن الخروج يوم الخميس ففي ذلك الاقتداء بهدي النبي محمد ﵌, ففي صحيح البخاري: (لقَلَّمَا كَانَ رسولُ الله ﵌ يَخْرُجُ إِلاَّ في يَوْمِ الخَمِيسِ) (٢) , وعن صخر بن وَداعَةَ الغامِدِيِّ الصحابيِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﵌، قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي في بُكُورِهَا) وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشَاً بَعَثَهُمْ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ, وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِراً، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أوَّلَ النَّهَار، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. (٣)

стр. 195

ويستحب للمسافر عند الخروج من الدار أن يقول: (بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ, اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) (١) . فإذا دخل المسافر السيارة أو القطار أو الطائرة أو الباخرة فإنه يستحب له أن يقول ما كان يقوله الرسول ﵌: ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ) , وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: (آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) (٢) . فإن فعلت ذلك فإنك ستكون في خير وعلى خير ويكون سفرك وسياحتك متعة وراحة تقتنص في أسفارك العلم والمعرفة وتحصد الأجر والثواب والتفكر في مخلوقات الله العزيز الوهاب.

стр. 196

الابتسامة والبهجة في السفر لن يحصد العابسون وهم يشمخون بأنوفهم على الناس غير بغض الناس وإزدرائهم لهم, فالعبوس والغلظة والفضاضة كلها مترادفات لا تجلب لصاحبها إلا الفرقة والنفور, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) , فاضفِ على حياتك في سفرك وإقامتك إبتسامة عريضة واغمر قلبك بالبهجة والفرحة وتأسَّ بخير الخلق الذي قال عنه الصحابي عبد الله بن الحارث: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ (٢) . وحاول أن تنعش قلبك بالأمل والسرور بعيداً عن منغصات الحياة وأكدارها حتى لا تكون ثقيلاً على أهلك ورفاقك في سفرك, ثم لتكون الابتسامة دليلاً على رضا قلبك وهناءته كما تكون حمرة الخد دليلاً على الخجل, قال الشاعر: كفاك منظره إيضاح مخبره ... في حمرة الخد ما يغني عن الخجل وقال آخر: بشاشة وجه المرء خير من القرى ... فكيف بمن يأتى به وهو ضاحك وقال فضيلة الشيخ/ د. عايض القرني: الضحك المعتدل بلسم للهموم ومرهم للأحزان وله قوة عجيبة في فرح الروح وجذل القلب، حتى قال أبو الدرداء ﵁: إني لأضحك حتى يكون إجماماً لقلبي، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يضحك أحياناً حتى تبدو نواجذه، وهذا ضحك العقلاء البصراء بداء النفس ودوائها. (٣)

стр. 197

والضحك المعتدل بلا شك دواء للنفس وراحة للخاطر المكدود بعد الجد والعمل، والمقتصد منه دليل على الأريحية وآية على اعتدال المزاج وعلامة على صفاء الطوية، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أهله إذا دخل عليهم ضاحكاً باسماً يمازح زوجاته ويلاطفهن ويؤنسهن ويحادثهن حديث الود والحنان والعطف لأنه بعث رحمة للعالمين، وأحق الناس بهذه الرحمة أهله وقرابته وأحبابه وأصحابه، وكانت تعلو محياه الطاهر البسمة المشرقة الموحية، فإذا قابل بها الناس أسر قلوبهم أسراً فمالت نفوسهم بالكلية إليه وتهافتت أرواحهم عليه. (١) وهذا نبي الله سليمان ﵇ يتبسم ضاحكاً حين سماعه مقال نملة ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) , فالابتسامة ترجمة لصدر رحب, وخلق سمح, بها تفتح أقفال القلوب, وبها تشق من الطرق ما لا تقدر عليه السهام والسيوف, غولب بها الإنسان حتى يألف جنسه من بني البشر, فالنفس البشرية تحتاج في بعض الحالات إلى المداراة والملاطفة, وإدخال السرور عليها بما يعدل المزاج, ويشعر بالبهجة

стр. 198

والأنس, ويزيح ما يطرأ عليها من هموم مذمومة, وخواطر موحشة مسمومة, ويميط ما يعلق بها من أدران تحجب عنها إدراك ما أنعم الله به على الإنسان في هذه الحياة من خير وفير وجمال منقطع النظير, أو يمنع عنها إدراك ما تشع به الحياة من جمال الأرض في جبالها وسهولها وهضابها ووديانها وأنهارها وبحارها إلى غير ذلك مما تزخر به الأرض, ويعم به النفع, ويفوح منه شذى الورود والرياحين الطيبة التي تتمايس بها الغصون والأشجار وتشرق به الأزهار والورود, ويفوح بها عبق المسك والعود والعنبر والكافور, مما تلتذ به النفس, ويتمتع به النظر, وتزهو بها أثواب الجمال التي يدثر بها الإنسان والنبات والأنعام في أشكال تسحر الألباب, وتدل على عظمة الله الخالق الوهاب. فأخذ النفس البشرية بالشدة وإدخال الهم والحزن والقنوط عليها غير مرغوب ولا محبوب, بخلاف الترويح عليها بما يفرح القلب, ويوصلها بالسلوى والسرور, فإنه محمود غير مذموم, ومألوف غير مبغوض, ومرغب فيه غير منفر عنه, لأنه يزيل عن النفس التشاؤم, ويستأصل شأفة الإكتئاب والإبتعاد, ويبعث في النفس النشاط, وذلك كله مما يدحض اليأس والقنوط, ويزيل الخمول والجمود, ويحث على العمل, وأنت بحاجة في سفرك وإقامتك إلى ما يروح عليك وعلى زملائك وأهلك واخوانك. وليس الشعر الذي يصف جمال الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم, ويصف جمال الطبيعة التي وهبها الله, مما يسمو بالنفس إلى آفاق تجمل الحياة, وتلطف الجفاف القاسي بحيث يصير للنفس البشرية المكدودة

стр. 199

واحةً تتفيئ ظلالها من هجير الحياة وقسوتها إلا واحداً من نفحات الكلمة التي تفيض بألوان من أشكال الفكر الإنساني التي تصور ألوان الجمال الذي وهبه الله وتعبر عنه في لواحات أدبية يجمعها اسم الشعر وبحره في الجزر وفي المد, ونبل المقصد, وهدف الإنشاد الذي يحاكي الطبيعة ويصفها, ويوقظ المشاعر ويحركها, ويؤنس الأطيار في أوكارها ويطربها, وينهض بالأفكار وينعشها, وينبه الضمائر ويشوقها, إلى عطاء بارئها, والعمل على ما يوصلها إلى كل ما فيه نفعها وسعادتها, فلا عليك إن استمعت إلى قوافيه وبحوره, ورددت بعض القصائد في سفرك وإقامتك. وهذا الرسول العظيم والنبي الكريم وختام الأنبياء والمرسلين محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والتسليم, الذي هديه دين مستقيم, كان يستمع إلى الشعر, ويقره ولا ينكره, إلا ما خرج عن الصواب. وقد قال رجل لمحمد بن سيرين: ما تقول في الغَزل الرقيق يُنشده الإنسان في المسجد، فسَكت عنه حتى أُقيمت الصلاة وتقدَم إلى المحراب فالتفت إليه، فقال: وتبرد بَرد رداء العرو ... س في الصَّيف رَقرقتَ فيه العَبيرا وَتسخن ليلةَ لا يَسْتطيع ... نُباحاً بها الكلبُ إلا هَريرا ثم قال: الله أكبر. وقال العجاّج: دخلتُ المدينة فقصدتُ إلى مسجد النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا بأبي هُريرة قد أكب الناس عليه يسألونه، فقلت: أفرجوا لي عن وجهه, فأفرج لي عنه, فقلت له: إني إنما أقول:

стр. 200

طاف الخَيالان فهاجَا سَقَما ... خيالُ أروى وخيِال تَكْتُما تُريك وجهاً ضاحكاً ومِعْصما ... وساعداً عَبْلاً وكَعْباً أَدْرما فما تقوله فيه؟ قال: قد كان رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُنشَد مثلَ هذا في المسجد فلا ينكره. ودخل كعب بن زهير على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل صلاة الصبح فمثل بين يديه، وأنشد: بانت سعاد فقَلبي اليوم مَتْبولُ ... مُتَيم إثْرها لم يُفْد مَكْبُولُ وما سُعاد غدَاة البَين إذ رَحلوا ... إلا أغنُّ غَضيض الطرف مَكحول هَيفاء مَقْبلة عَجْزاء مدْبرة ... لا يشتكي قِصَر منها ولا طُول ما إن تَدوم على حال تكون بها ... كما تلوّن في أثوابها الغُول ولا تَمسّك بالوعد الذي وَعدت ... إلا كما يُمسك الماءَ الغَرابيل كانت مواعيد عُرقوب لها مثلاً ... وما مواعيدُها إلا الأباطيل ولا يَغُرَّنك ما منت وما وَعدت ... إنّ الأمانيّ والأحلام تَضْليل ثم خرج من هذا إلى مَدح النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فكساه بُرداً، اشتراه منه معاويةُ بعشرين ألفاً. (١) وإن من أنفع القربات مراعاة ظروف الأطفال في الحضر والسفر, وإدخال السرور عليهم والاهتمام بهم, فالسفر ليس بكوابيس مرعبة تنسي الإنسان طفله الصغير, وإن من حسن سياسة الأمم في تربية أطفالها أن ترقص أطفالها

стр. 201

بما يلائم فطرتهم التي فطرهم الله عليها ويفيد بناءهم الجسمي, فالطفل اليوم صغيراً, وغداً سيصبح عضواً صالحاً في مجتمعه, والكلام المنغم بالأوزان المطربة في الشعر من خير ما يساعد في بناء هذا الطفل, إذ يربي فيه الإحساس القوي والذوق المرهف, فينشأ مستعداً للمشاركة الوجدانية مع أفراد مجتمعه ومع كل ما يتردد صداه في نفسه من أفراح الناس وآلامهم, فيستجيب لرعاة الخير والفضيلة ومكارم الأخلاق, ومما نعتز به في مجال إدراك العرب لقيمة بناء الطفل بناءً سليماً ما هو مأثور عنهم في سفرهم وإقامتهم ومحاورتهم من أشعار كانوا يتغنون بها وهم يرقصون أطفالهم فللصغار حقوق على الكبار. ولقد كان للأدب العربي قصب السبق على آداب العالم في الإهتمام بالطفولة المبكرة بل لقد كان للأدب الإسلامي فضيلة السبق في ذلك كله, وهذا نبي الإنسانية كلها النبي العربي محمد ﵌ كان يرقص الحسن والحسين رضوان الله عليهما ففي حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﵌ ويقول: (حُزَّقَة حُزَّقة ... تَرَقَّ عين بَقَّة) فيترقي الغلام حتى يضع قدميه على ظهره صلى الله عليه وعلى آله وسلم) . والحُزَّقة: هو الصغير الضعيف، وقيل القصير العظيم البطن، فذكرها له على سبيل المداعبة والتأنيس.

стр. 202

والمعنى أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يلاعب الحسن بيديه الشريفتين ويرفعه على صدره ويقول له الذي معناه: (اصعد يا صغير على صدري اصعد يا صغير العين مثل البقة) . وهذا الحديث قد أورده المناوي في فيض القدير وقال: أخرجه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما، ومن طريقهم أورده ابن عساكر مصرحاً، قال الهيثمي وأبو مزود: لم أجد من وثقه وبقية رجاله رجال الصحيح، ونص الحديث عن أبي هريرة قال: سمعت أذناي هاتان وأبصرت عيناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو آخذ بكفيه جميعاً حسناً أو حسيناً وقدماه على قدمي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقول: (حُزَّقَة حُزَّقة ... تَرَقَّ عين بَقَّة) فيرقى الغلام فيضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال: (افتح فاك) ثم قبله، ثم قال: (اللهم أحبه فإني أحبه) . (١) ولكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في ذات الوقت ينهى عن الألفاظ غير اللائقة عند ممازحة الطفل ومداعبته، فقد مر ﵊ بامرأة سوداء وهي ترقص صبياً وتقول: ذؤال يا ابن القرم يا ذؤالة ... هش الثطا ويجلس الهبنقعة

стр. 203

فقال لها: (لا تقولي: ذؤال، فإنه شر السباع) (١) , والمعنى أن تلك المرأة كانت تقول لصبيها: يا ذئب يا ابن سيد القوم مشيتك حمقاء وجلستك حمقاء. وبهذه الملاطفة النبوية يتعلم المربون كيف يبعدون الأبناء عن سماع فحش القول وذميمه, وكيف يلاطفون أطفالهم في سفرهم وإقامتهم. وهذا ابن سعد في الطبقات الكبرى يروي لنا أنه: بعد ولادة النبي ﵌ أخذه عبد المطلب -جد النبي ﵌ والمتكفل به- بعد وفاة والده عبد الله وحمله إلى البيت وأخذ يطوف به وأحاطه به بنوه وهو يقول: الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردانِ قد ساد في المهد على الغلمانِ ... أعيذه بالبيت ذي الأركانِ حتى أراه بالغ البنيانِ ... أعيذه من شر ذي شنأنِ من حاسد مضطرب العنانِ (٢) وهذه حليمة السعدية كانت ترقص النبي ﵌ وتقول: يا رب إذ أُعطيته فأبقهِ ... وأعله إلى العلا ورقهِ وادحض أباطيل العدا بحقه (٣)

стр. 204

وروي أيضاً أن الشيماء بنت الحارث أخت النبي ﵌ من الرضاعة وكانت أكبر منه سناً كانت ترقصه فتقول: هذا أخ لي لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي فأنمه اللهم فيما تنمي فقالت حليمة رضوان عليها لابنتها شيماء: في هذا الحر, فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حراً رأيت غمامة تظلل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع. (١) ولو ذهبنا نتتبع ما ورد في أخبار الصحابة والتابعين لوجدنا الكثير الكثير, فهذا أبو بكر الصديق ﵁ ومعه الإمام علي كرم الله وجهه يمشي إلى جانبه وذلك بعد وفاة النبي ﵌ حينما رأى الحسن ﵄ يلعب مع الأطفال فاحتمله الصديق ﵁ على رقبته وهو يقول: وإن بأبي شبه النبي ... غير شبيهٍ بعلي وقد كانت فاطمة الزهراء رضوان الله عنها ترقص ابنها الحسين بن علي ﵄ وتقول: إن بني شبه النبي ... ليس شبيه بعلي وهذه النماذج اليسيرة تدل على اهتمام الصحابة بالأدب الإسلامي بالطفل في السفر والإقامة.

стр. 205

ثلاث نصائح أسديها إليك فلا تنساها في سفرك وحضرك: الأولى: المحافظة على شكلك ومظهرك ونظافتك واصلاح هندامك, لا تترك ثوبك متسخاً, ولا شعرك ثائراً, ولا سلوكك شائناً, فجمال ظاهرك يدل على جمال باطنك, وفي الحديث: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) (١) ، قال الشافعي: أَجِدُ الثيابَ إِذا اكتَسَيتُ فَإِنَّها ... زينُ الرِجالِ بِها تَعزُّ وَتَكرُمُ وَدَعِ التَواضُعَ في الثيابِ تَخَشُّعاً ... فَاللَهُ يَعلَمُ ما تَجِنُّ وَتَكتُمُ فَرَثاثُ ثَوبِكَ لا يَزيدُكَ زُلفَةً ... عِندَ الإِلَهِ وَأَنتَ عَبدٌ مُجرِمُ وَبهاءُ ثَوبِكَ لا يَضُرُكَ بَعدَ أَن ... تَخشى الإِلَهَ وَتَتَّقي ما يَحرُمُ وقد روي عن النبي ﵌ إنكاره على من أتاه يسأله عن خبر السماء وهو لا يحافظ على طهارة بدنه ونقاء أظفاره من الخبث والتفث, أخرج الإمام احمد في المسند من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأله عن خبر السماء فقال: أتسألني عن خبر السماء وتدع أظفارك كأظفار الطير فيها الخباثة والتفث) (٢) , وهذا الحديث دليل على مشروعية النظافة والمحافظة على الصحة, وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنكر على من أتاه يسأل خبر السماء وهو لا يحافظ على طهارة بدنه ونقاء أظفاره من الخبث والتفث -أي الوسخ الذي خلف أصابعه- , وجاء

стр. 206

في حديث جابر: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا ثائر الرأس فقال: أما يجد هذا ما يسكن به شعره, ورأى رجلاً وسخ الثياب فقال: أما يجد هذا ما ينقي به ثيابه؟) (١) . ثم عليك أخي أن تتذكر أن النبي ﵌ قد استعاذ بالله من وعثاء السفر, وكان من هديه ﵌ أنه إذا رأى بلداً يريد دخوله قال: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبَّ الأَرَضِينِ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا) (٢) , وكان يقول: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلا قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ, لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ) (٣) . الثانية: لا تترك الرياضة غير المبتذلة, لأنها تبعث على النشاط والصحة, حيث أن السفر لم يعد على الأقدام, فلا عليك إن سبحت ومارست شيأ من الرياضة. وقد جاء في هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يدل على مشروعية رياضة المشي والسباق, فهذه عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (خرجت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في بعض أسفاره وأنا

стр. 207

جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك، وهو يقول: هذه بتلك) (١) . وقد كان من هدي النبي ﵌ الإرشاد إلى تعليم الأبناء: السباحة والرماية وركوب الخيل, وكل ذلك مما يمرن البدن على الحركة والخفة ويدفع المرض وينشط من الكسل. الثالثة: المحافظة على السكينة والوقار بتجنب المزاح المذموم الضار, وتوقَ مخالطة الأشرار, فما سعد من أشقى اخوانه, واضاع أخلاقه, وأكثر من المزاح المذموم, فإن من أعظم الفجائع إضاعة الصنائع, وعدم شكر الصانع, فأشرف الخُلق لطف النطق, وكرم السجية, فمن غاضك بقبح الشتم منه فغضه بحسن الحلم عنه, وكم تفرق من اخوان بسبب المزاح, قال الشاعر: بُليتُ وَكانَ المَزحُ بَدءَ بَلِيَّتي ... فَأَحبَبتُ حَقّاً وَالبَلاءُ لَهُ بَدوُ رَأَيتُ الهَوى جَمرَ الغَضا غَيرَ أَنَّهُ ... عَلى كُلِّ حالٍ عِندَ صاحِبِهِ حُلوُ أَذابَ الهَوى جِسمي وَلَحمي وَقُوَّتي ... فَلَم يَبقَ إِلا الروحُ وَالجَسَدُ النَضوُ (٢)

стр. 208

وقال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: وَدَعِ المُزاحَ فَرُبَّ لَفظَةِ مازِحٍ ... جَلَبَت إَلَيكَ مساوئاً لا تُدفَعُ قال أبو حاتم ﵁ -وقد أفاد وأجاد-: "المزاح على ضربين: مزاح محمود ومزاح مذموم, فأما المزاح المحمود: فهو الذي لا يشوبه ما كره الله ولا يكون به إثم ولا قطيعة رحم, وأما المزاح المذموم: فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء ويقطع الصداقة ويجرأ الدنيء ويحقد الشريف به". وعن ربيعة قال: "إياك والمزاح فإنه يفسد المودة ويغل الصدور". وعن عبد الله بن حبيق قال: كان يقال: "لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الوضيع فيجترأ عليك". قال الشاعر: اكرم جليسك لا تمازح بالأذى ... إن المزاح ترابه الأضغان كم من مزاح جذَّ حبل قرينه ... فتجذمت من أجله الأقران (١) وقال أبو حاتم ﵁: المزاح إذا كان فيه إثم فهو يسود الوجه, ويدمي القلب, ويورث البغضاء, ويحيي الضغينة, وإذا كان من غير معصية فهو يسلّي الهم ويوقع الخلة, ويحيي النفوس, ويذهب الحشمة, فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما ينسب بفعله إلى الحلاوة, ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد. (٢)

стр. 209

قلتُ: ولا شك أن المزاح في غير طاعة الله مسلبة لبهاء الإنسان ووقاره, وحقل ينبت الغل والضغينة في صدور الرجال والنساء على حد سوى, ويجرّ إلى المراء, ويحول الأصدقاء إلى أعداء, أما إذا كان بقصد استمالة القلوب, وإدخال السرور عليها, والابتعاد عن تعبس الوجه وتقطبه وبما لا إثم فيه ولا قطيعة فهو حسن, وقد روى أَبُو قِلابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ فِي سَفَرٍ وَكَانَ غُلامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ قَالَ أَبُو قِلابَةَ: يَعْنِي النِّسَاءَ) (١) , شبه النساء بالقوارير التي يسرع إليها الكسر. ومن آداب الرجوع من السفر أن لا يطرق المسافر أهله ليلاً, إلا لضرورة, فالعاقل هو الذي يعلم أهله بوقت وصوله, ففي الحديث النبوي: (كَانَ النَّبِيُّ ﵌ لا يَطْرُقُ أَهْلَهُ, كَانَ لا يَدْخُلُ إِلاَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً) (٢) .

стр. 210

الاستمتاع بالسفر والسياحة لا يعني السقوط في الوحل الهمة سلاح القلب للمعالي, فهي قد تدفع بالإنسان إلى اكتساب المعارف والعلوم والاستمتاع بالحياة, وهي تتفاوت من إنسان لآخر فمن الناس من يبحث في سفره وسياحته وغربته عن المعالي ويستمتع بحياته, وهذا (تاكيو أوساهيرا) الياباني عاش ثمانية عشر سنة خارج بلاده اليابان يبحث عن سر تفوق أوربا الميكانيكي ولم يرى أرض اليابان طول تلك السنين ثم عاد بعد أن حفظ الدرس وأتقن الصنعة ليطبقها واقعاً عملياً على أرض بلاده.. يقول: بعد أن رأى رئيس الدولة اليابانية المحركات وهي تشتغل بأرض اليابان ذهبت إلى بيتي ونمت عشر ساعات وهي أول مرة أنام فيها عشر ساعات كاملة منذ خمسة عشر عاماً. (١) ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي ... وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ ... إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) . ولكن همم الناس ورؤيتهم للحياة تتفاوت, فمن الناس من يعشق السفر والترفيه بهمة عالية ولكنه يقع في حبائل الشيطان وينخرط في مصائده, فهو لا يعي معنى كلمة سياحة وسفر ويعتبر سياحة الترفيه ضرباً خالصاً من المجون الذي لا يربطه رابط ولا يضبطه ضابط وما أن يغادر بلده ويهبط في البلد التي عزم السفر إليه حتى يعتبر نفسه خارج المراقبة الربانية بل خارج حدود الرصانة والعقل واللياقة والأدب, فيبدد الأموال على موائد المتعة التي ضلت طريق الصواب, فكثيراً ما ينثر بعضهم النقود على الراقصات أو تحت

стр. 211

أقدام المومسات ويتنافسون في نوادي القمار بقدراتهم الخرافية على تبديد الأموال, حالات نفسية يضحى فيها بالأموال على رؤس العاهرات, وربما أصيب بعضهم بـ (الإيدز) أو غير ذلك من الأمراض الخطيرة, فعاد وقد سود وجه بلاده وخسر صحته وسعادته وإيمانه. فالترفيه لا يعني السقوط في الوحل, ولا يعني الذلة والخمول ونبذ الأخلاق الفاضلة وتبديد الأموال والإفراط في القيل والقال. وإذا انتقلنا إلى ميدان الأخلاق العالية والقيم الإنسانية البانية نجد أن للأدب الاسلامي سهماً ضارباً في هذا المقام تغوص أعماقه في نفوس الفطرة الإنسانية, بله النفوس المسلمة, وتأمل معي أبيات معن بن أوس المزني وهو يفتخر ببعده عن مواطن الريب واجتنابه الفواحش والمنكرات وتلبسه بمعاني المكرمات حيث يقول: لَعَمرُكَ ما أَهوَيتُ كَفّي لِرِيبَةٍ ... وَلا حَمَلَتني نَحوَ فاحِشَةٍ رِجلي وَلا قادَني سَمعي وَلا بَصَري لَها ... وَلا دَلَّني رَأيي عَلَيها وَلا عَقلي وَإِنّيَ حَقا لم تُصِبني مُصيبَةٌ ... مِنَ الدَهرِ إِلا قَد أَصابَت فَتىً قَبلي وَلَستُ بِماشٍ ما حَيِيت لِمُنكَرٍ ... مِنَ الأَمرِ لا يَمشي إِلى مِثلِهِ مِثلي وَلا مُؤَثِراً نَفسي عَلى ذي قرابَةٍ ... وَأَوثِرُ ضَيفي ما أَقامَ عَلى أَهلي وهذا يذكرنا بقول الحسن البصري ﵀: "ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى

стр. 212

طاعة أو على معصية؟ فإذا كانت طاعة تقدمت وإن كانت معصية تأخرت". (١) وإذا كان إذاعة مثل هذه الأخلاق وتمجيد مثل هذه الآداب يعين على فعلها والالتزام بهديها فكم كنا نتمنى على البلدان الإسلامية في اتفاقياتها للتعاون السياحي أن تكون قد انبرت لتشيجع الفنون التي تهدي لمثلها فإن ذلك السمت الإنساني الراقي والتصوير الفني العالي مما يطرب له كل مسلم ويعجبه, وقد سبق أن أشرنا إلى مكانة الشعر ومواضع التأثر به وهو ينطق بالحكمة والحكمة فيه مطلوبة مرغوبة وقد أثنى النبي ﵌ على الشعر الناطق بها وقال: (إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً) (٢) . وغالباً ما تكون الحِكم عامرة بالمواعظ, حافلة بالعبر والأمثال, فتكون حقلاً تربوياً خصباً يزكي النفوس ويحدوها نحو الفضائل حدواً. أما إذا انتقلنا إلى الطبيعة الغناء فسنجدها حقلاً بديعاً يغري الشعراء ذوي الإحساس المرهف فيرسمون بأشعارهم لوحات بديعة ينبهون العقول على مبدعها وباعث نضرتها في صور مبهجة ومناظر مهيجة, قال الثعالبي: الغيمُ بينَ مُمَسَّكٍ ومُعَصْفَرِ ... والماءُ بينَ مُصَنْدَلٍ ومُعَنْبَرِ والروضُ بينَ مُدَمْلَجٍ ومُتوَّجِ ... والوردُ بينَ مدرهَمٍ ومدنَّرِ والأرضُ قَدْ لَبِسَتْ قميصاً أخضراً ... تختالُ فيه بطيلسانٍ أحمرِ لتروقَنا بظرائفٍ ولطائفٍ ... من حسنِ منظرِها وطيبِ المخبرِ

стр. 213

سبحانَ مُحْيِي الأرض بعد مماتِها.....وكذاكَ يحيي الخلقَ يومَ المحشرِ وإذا كان الكون المنظور وسائر مجالات الحياة تعتبر صفحات فنية فإنه مما ينبغي على الأدباء المسلمين أن يحسنوا قراءتها وأن يقلبوا صفحاتها في سفرهم وإقامتهم, وأن يقدموا لأمة الإجابة ما يهز ويؤثر, ولأمة الدعوة ما يقنع ويبهر, وهم في ذلك محتسبون ومحسنون ومبدعون ولربهم راغبون ومنقلبون. (١) حاجة المسافر إلى قراءة شيء من القرآن في أسفاره إن القرآن الكريم بما اشتمل عليه من الفصاحة والبلاغة والبيان يغذي النفوس ويحيي القلوب, فهو عجيب نظمه بديع تأليفه, فيه آيات بينات أرشَدت إلى علوم وحِكمة وموعظة وآداب وأخلاق وفضائل وأحكام في العقيدة والفقه والمعاملات وما تحدثت به عن الله وعظمته وقدرته والدعوة إلى عبادته وتنزيهه عما لا يليق به وما حوته من أنباء وعبر ومواعظ وحثٍ على مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وبيان الحلال والحرام واشتمل على قواعد وضوابط في أصول التقنين وأسس التشريع في المال والحكم والأسرة, وصدق الله جل وعلا حيث يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٢) , وفيه أخبار الأمم الماضية, وبيان أسس

стр. 214

التشريع التي ترشد إلى العدل والحق والصدق والإيمان والتوحيد والحكمة والطهارة والوفاء وحسن المعاملة والابتعاد عن الحرام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة..الخ ما ورد في تلك الأحكام من الهدى والنور والأخلاق والآداب والحكم والمواعظ وما ينظم شئون الحياة ويقع بلسماً لجروحها وأدوائها في الجانب المدني والشخصي والجنائي وفي مختلف الجوانب الثقافية والاقتصادية وغيرها, ولا ريب إن في القرآن ما يبعث في الأمم الحياة والعزة والكرامة ويجلب السعادة للبشرية في الدنيا والآخرة، وصدق الله حيث يقول مخاطباً لرسوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) , فكيف لا يأخذ الإنسان من المصحف كل يوم آيات في سفره وإقامته, يتعلم منها ويكتسب منها أدب الدنيا والدين. حبذا مصحفي الذي اجتمعت لي ... فيه كل الشرائط المعجباتِ غرر من محاسن النظم فيه ... باعتدال إلى جمال الذاتِ فبه مفخر العنايات خط ... ونقوش ومعجز الآياتِ وبه حلت المشائخ والقُرّاء ... وأهل الخلاف في الحركاتِ مثل قالون وأبي عمر البصري ... وحفص وحمزة الزياتِ وبه الوقف والإمالة والفتح ... وحكم التسهيل للهمزاتِ وعشور منبثة كزهور ... في رياض أنيقة غدقاتِ

стр. 215

فيه للسمع والقلوب واللحظ ... ضروب شتى من الشهواتِ فهو مما اصطنعت حقاً لنفسي ... ابتغي به أقرب القرباتِ وهو لا شك روضتي وعداتي ... فيه حقاً تكاملت لذاتي وهو أُنسي إذا عدمت أنيسي ... وسميري الشهي في الخلواتِ وإمامي يوم المعاد وذخري ... في حياتي الدنيا وعند المماتِ وكيف لا يكون القرآن الكريم أنيس المسافر, ومحاسنه لا تحصى, فهو يفيدك ويهديك ويثيبك ويغنيك, فإنك إن تلوت منه حرفاً كتبت لك به حسنة ففي الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا, لا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْف) (١) , ولو أن واحداً قرأ سورة الأنعام التي يقول عنها الفيروزآبادي: عدد آياتها مائة وخمس وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر أَلفاً ومائتان وأَربعون (٢) , لكان قد حصل قارؤها على (مائة واثنين وعشرين ألفاً وأربعمائة) حسنة خلال وقت يقرب من نصف ساعة, فكيف يترك الإنسان هذا الفضل الكبير والخير العظيم في سفره وإقامته, وقد جعل الله القرآن روحاً تحيا به نفوس الخلق فله فضل الأرواح في الأجساد وجعله نوراً يضيء ضياء الشمس في الآفاق, وقد رأيت كيف فعل القرآن بالعرب في فجر الإسلام حيث كانوا بالأمس مشتتين لا تجمعهم رابطة سياسية أو قومية أو دينية وبعد مجيء القرآن صاروا أمة موحدة تحمل الفضيلة وتحكم العالم, قال الشاعر: والعلمُ مهما صادفَ التقوى يكنْ ... كالريحِ إذْ مرَّتْ على الأزهارِ يا قارئَ القرآنِ إنْ لمْ تتبعْ ... ما جاء فيه فأينَ فضلُ القاري وسبيلُ منْ لم يعلموا أنْ يحسنوا ... ظنّاً بأهلِ العلمِ دونَ نفارِ (٣) وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) , والموعظة هي ما جاء في القرآن من الزواجر عن الفواحش والأعمال الموجبة لسخط الله أو هي الأمر والنهي باسلوب الترغيب والترهيب, وفي القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشبه والشكوك والشبهات وإزالة ما فيها من رجز ودنس, وفيه الشفاء من الأسقام البدنية والأسقام القلبية, فهو الذي يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال ويحث على التوبة, وفيه هدىً ورحمةً للمؤمنين كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ (٥) , وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٦) , فالهدى هو العلم بالحق والعمل به, والرحمة ما يحصل من الخير والإحسان والثواب العاجل والآجل لمن اهتدى بالقرآن العظيم, وإذا حصل
следующие страницы →