← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أقدام المومسات ويتنافسون في نوادي القمار بقدراتهم الخرافية على تبديد الأموال, حالات نفسية يضحى فيها بالأموال على رؤس العاهرات, وربما أصيب بعضهم بـ (الإيدز) أو غير ذلك من الأمراض الخطيرة, فعاد وقد سود وجه بلاده وخسر صحته وسعادته وإيمانه. فالترفيه لا يعني السقوط في الوحل, ولا يعني الذلة والخمول ونبذ الأخلاق الفاضلة وتبديد الأموال والإفراط في القيل والقال. وإذا انتقلنا إلى ميدان الأخلاق العالية والقيم الإنسانية البانية نجد أن للأدب الاسلامي سهماً ضارباً في هذا المقام تغوص أعماقه في نفوس الفطرة الإنسانية, بله النفوس المسلمة, وتأمل معي أبيات معن بن أوس المزني وهو يفتخر ببعده عن مواطن الريب واجتنابه الفواحش والمنكرات وتلبسه بمعاني المكرمات حيث يقول: لَعَمرُكَ ما أَهوَيتُ كَفّي لِرِيبَةٍ ... وَلا حَمَلَتني نَحوَ فاحِشَةٍ رِجلي وَلا قادَني سَمعي وَلا بَصَري لَها ... وَلا دَلَّني رَأيي عَلَيها وَلا عَقلي وَإِنّيَ حَقا لم تُصِبني مُصيبَةٌ ... مِنَ الدَهرِ إِلا قَد أَصابَت فَتىً قَبلي وَلَستُ بِماشٍ ما حَيِيت لِمُنكَرٍ ... مِنَ الأَمرِ لا يَمشي إِلى مِثلِهِ مِثلي وَلا مُؤَثِراً نَفسي عَلى ذي قرابَةٍ ... وَأَوثِرُ ضَيفي ما أَقامَ عَلى أَهلي وهذا يذكرنا بقول الحسن البصري ﵀: "ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى

стр. 212

طاعة أو على معصية؟ فإذا كانت طاعة تقدمت وإن كانت معصية تأخرت". (١) وإذا كان إذاعة مثل هذه الأخلاق وتمجيد مثل هذه الآداب يعين على فعلها والالتزام بهديها فكم كنا نتمنى على البلدان الإسلامية في اتفاقياتها للتعاون السياحي أن تكون قد انبرت لتشيجع الفنون التي تهدي لمثلها فإن ذلك السمت الإنساني الراقي والتصوير الفني العالي مما يطرب له كل مسلم ويعجبه, وقد سبق أن أشرنا إلى مكانة الشعر ومواضع التأثر به وهو ينطق بالحكمة والحكمة فيه مطلوبة مرغوبة وقد أثنى النبي ﵌ على الشعر الناطق بها وقال: (إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً) (٢) . وغالباً ما تكون الحِكم عامرة بالمواعظ, حافلة بالعبر والأمثال, فتكون حقلاً تربوياً خصباً يزكي النفوس ويحدوها نحو الفضائل حدواً. أما إذا انتقلنا إلى الطبيعة الغناء فسنجدها حقلاً بديعاً يغري الشعراء ذوي الإحساس المرهف فيرسمون بأشعارهم لوحات بديعة ينبهون العقول على مبدعها وباعث نضرتها في صور مبهجة ومناظر مهيجة, قال الثعالبي: الغيمُ بينَ مُمَسَّكٍ ومُعَصْفَرِ ... والماءُ بينَ مُصَنْدَلٍ ومُعَنْبَرِ والروضُ بينَ مُدَمْلَجٍ ومُتوَّجِ ... والوردُ بينَ مدرهَمٍ ومدنَّرِ والأرضُ قَدْ لَبِسَتْ قميصاً أخضراً ... تختالُ فيه بطيلسانٍ أحمرِ لتروقَنا بظرائفٍ ولطائفٍ ... من حسنِ منظرِها وطيبِ المخبرِ

стр. 213

سبحانَ مُحْيِي الأرض بعد مماتِها.....وكذاكَ يحيي الخلقَ يومَ المحشرِ وإذا كان الكون المنظور وسائر مجالات الحياة تعتبر صفحات فنية فإنه مما ينبغي على الأدباء المسلمين أن يحسنوا قراءتها وأن يقلبوا صفحاتها في سفرهم وإقامتهم, وأن يقدموا لأمة الإجابة ما يهز ويؤثر, ولأمة الدعوة ما يقنع ويبهر, وهم في ذلك محتسبون ومحسنون ومبدعون ولربهم راغبون ومنقلبون. (١) حاجة المسافر إلى قراءة شيء من القرآن في أسفاره إن القرآن الكريم بما اشتمل عليه من الفصاحة والبلاغة والبيان يغذي النفوس ويحيي القلوب, فهو عجيب نظمه بديع تأليفه, فيه آيات بينات أرشَدت إلى علوم وحِكمة وموعظة وآداب وأخلاق وفضائل وأحكام في العقيدة والفقه والمعاملات وما تحدثت به عن الله وعظمته وقدرته والدعوة إلى عبادته وتنزيهه عما لا يليق به وما حوته من أنباء وعبر ومواعظ وحثٍ على مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وبيان الحلال والحرام واشتمل على قواعد وضوابط في أصول التقنين وأسس التشريع في المال والحكم والأسرة, وصدق الله جل وعلا حيث يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٢) , وفيه أخبار الأمم الماضية, وبيان أسس

стр. 214

التشريع التي ترشد إلى العدل والحق والصدق والإيمان والتوحيد والحكمة والطهارة والوفاء وحسن المعاملة والابتعاد عن الحرام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة..الخ ما ورد في تلك الأحكام من الهدى والنور والأخلاق والآداب والحكم والمواعظ وما ينظم شئون الحياة ويقع بلسماً لجروحها وأدوائها في الجانب المدني والشخصي والجنائي وفي مختلف الجوانب الثقافية والاقتصادية وغيرها, ولا ريب إن في القرآن ما يبعث في الأمم الحياة والعزة والكرامة ويجلب السعادة للبشرية في الدنيا والآخرة، وصدق الله حيث يقول مخاطباً لرسوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) , فكيف لا يأخذ الإنسان من المصحف كل يوم آيات في سفره وإقامته, يتعلم منها ويكتسب منها أدب الدنيا والدين. حبذا مصحفي الذي اجتمعت لي ... فيه كل الشرائط المعجباتِ غرر من محاسن النظم فيه ... باعتدال إلى جمال الذاتِ فبه مفخر العنايات خط ... ونقوش ومعجز الآياتِ وبه حلت المشائخ والقُرّاء ... وأهل الخلاف في الحركاتِ مثل قالون وأبي عمر البصري ... وحفص وحمزة الزياتِ وبه الوقف والإمالة والفتح ... وحكم التسهيل للهمزاتِ وعشور منبثة كزهور ... في رياض أنيقة غدقاتِ

стр. 215

فيه للسمع والقلوب واللحظ ... ضروب شتى من الشهواتِ فهو مما اصطنعت حقاً لنفسي ... ابتغي به أقرب القرباتِ وهو لا شك روضتي وعداتي ... فيه حقاً تكاملت لذاتي وهو أُنسي إذا عدمت أنيسي ... وسميري الشهي في الخلواتِ وإمامي يوم المعاد وذخري ... في حياتي الدنيا وعند المماتِ وكيف لا يكون القرآن الكريم أنيس المسافر, ومحاسنه لا تحصى, فهو يفيدك ويهديك ويثيبك ويغنيك, فإنك إن تلوت منه حرفاً كتبت لك به حسنة ففي الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا, لا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْف) (١) , ولو أن واحداً قرأ سورة الأنعام التي يقول عنها الفيروزآبادي: عدد آياتها مائة وخمس وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر أَلفاً ومائتان وأَربعون (٢) , لكان قد حصل قارؤها على (مائة واثنين وعشرين ألفاً وأربعمائة) حسنة خلال وقت يقرب من نصف ساعة, فكيف يترك الإنسان هذا الفضل الكبير والخير العظيم في سفره وإقامته, وقد جعل الله القرآن روحاً تحيا به نفوس الخلق فله فضل الأرواح في الأجساد وجعله نوراً يضيء ضياء الشمس في الآفاق, وقد رأيت كيف فعل القرآن بالعرب في فجر الإسلام حيث كانوا بالأمس مشتتين لا تجمعهم رابطة سياسية أو قومية أو دينية وبعد مجيء القرآن صاروا أمة موحدة تحمل الفضيلة وتحكم العالم, قال الشاعر: والعلمُ مهما صادفَ التقوى يكنْ ... كالريحِ إذْ مرَّتْ على الأزهارِ يا قارئَ القرآنِ إنْ لمْ تتبعْ ... ما جاء فيه فأينَ فضلُ القاري وسبيلُ منْ لم يعلموا أنْ يحسنوا ... ظنّاً بأهلِ العلمِ دونَ نفارِ (٣) وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) , والموعظة هي ما جاء في القرآن من الزواجر عن الفواحش والأعمال الموجبة لسخط الله أو هي الأمر والنهي باسلوب الترغيب والترهيب, وفي القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشبه والشكوك والشبهات وإزالة ما فيها من رجز ودنس, وفيه الشفاء من الأسقام البدنية والأسقام القلبية, فهو الذي يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال ويحث على التوبة, وفيه هدىً ورحمةً للمؤمنين كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ (٥) , وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٦) , فالهدى هو العلم بالحق والعمل به, والرحمة ما يحصل من الخير والإحسان والثواب العاجل والآجل لمن اهتدى بالقرآن العظيم, وإذا حصل

стр. 216

الهدى وحصلت الرحمة الناشئة عن الهدى حصلت السعادة والربح والنجاح والفرح والسرور ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) . المشي يعين على الطاعة ويجلب السعادة إن التنقل والمشي يعين على طلب الرزق, ويكسب الصحة, ويجدد للإنسان النشاط, ويغرس فيه الأمل, ويبعده عن الكسل, وأي قيمة لإنسان فارغ كسول في حياة مفعمة بالجد والعمل وحب الإنتاج, فمن رضي الخمول كان فارغاً كسولا, تموت آماله وهو يرمقها بعين الندامة لا غاية له يسعى إلى تحقيقها ولا طريق واضحة يسير فيها, إن حياته كلها شقاء, قال الرافعي واصفاً حال الكسول: غير أن الكسول في كل يومٍ ... يجد اليوم كله أهوالا من يقيم الأمور في الجد يهنا ... والشقا للذين قاموا كسالا وفي الحديث النبوي: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ, فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ, قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ, قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي) (٢) . وقال الشاعر: وَإِذا رَأَيتَ الرِزقَ ضاقَ بِبَلدَةٍ ... وَخَشيتَ فيها أَن يَضيقَ المَكسَبُ فَاِرحَل فَأَرضُ اللَهِ واسِعَةُ الفَضا ... طُولاً وَعَرضاً شَرقُها وَالمَغرِبُ (٣) وقال آخر: وعليَّ أنْ أسْعى وليْـ ... ـسَ عليّ إدْراكُ النًّجَاحِ (٤) وفي الحديث النبوي الشريف: (إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّيْنُ إلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) (٥) , وفي رواية: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا) , قوله: (الدِّينُ) : هُوَ مرفوع عَلَى مَا لَمْ يسم فاعله, وروي منصوباً وروي, (لن يشادَّ الدينَ أحدٌ) , وقوله ﵌: (إلا غَلَبَهُ) : أي غَلَبَهُ الدِّينُ وَعَجَزَ ذلِكَ المُشَادُّ عَنْ مُقَاوَمَةِ الدِّينِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ, وَ (الغَدْوَةُ) : سير أولِ النهارِ, وَ (الرَّوْحَةُ) : آخِرُ النهارِ, وَ (الدُّلْجَةُ) : آخِرُ اللَّيلِ, وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ بِالأَعْمَالِ في وَقْتِ نَشَاطِكُمْ وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ بِحَيثُ تَسْتَلِذُّونَ العِبَادَةَ

стр. 217

ولا تَسْأَمُونَ وتبلُغُونَ مَقْصُودَكُمْ، كَمَا أنَّ المُسَافِرَ الحَاذِقَ يَسيرُ في هذِهِ الأوْقَاتِ ويستريح هُوَ وَدَابَّتُهُ في غَيرِهَا فَيَصِلُ المَقْصُودَ بِغَيْرِ تَعَب، واللهُ أعلم. (١) أما عروة بن الورد (٢) فإنه يرى استحباب السفر والاغتراب فيقول: فَسِر في بِلادِ اللَهِ وَاِلتَمِسِ الغِنى ... تَعِش ذا يَسارٍ أَو تَموتَ فَتُعذَرا وَما طالِبُ الحاجاتِ مِن كُلِّ وِجهَةٍ ... مِنَ الناسِ إِلاّ مَن أَجَدَّ وَشَمَّرا وقال آخر: ليس الفتى بفتىً لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار أما البحتري (٣) فهو يرى أن الإنسان إذا كان معدماً فعليه أن يتغرب وذلك حيث يقول: وَإِذا الزَمانُ كَساكَ حُلَّةَ مُعدِمٍ ... فَاِلبَس لَهُ حُلَلَ النَوى وَتَغَرَّبِ وَلَقَد أَبيتُ مَعِ الكَواكِبِ راكِباً ... أَعجازَها بِعَزيمَةٍ كَالكَوكَبِ وقد يكون السفر واجباً أو مستحباً فيجب للجهاد والحج ... إلخ والهجرة قد تكون واجبة بالنقلة عن البلد التي لا يستطيع الإنسان فيها أن يحفظ كرامته ودينه, وقيل غير ذلك, وفي الحديث: (لا هجرة بعد الفتح

стр. 218

ولكن جهاد ونية) (١) , وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (٢) . العز والشرف في التنقل إذا كان في الأسفار بعض المشاق فإن فيها بلوغ ما يتطلبه المشتاق, واكتساب الحِكم والأخلاق, والبحث عن الأرزاق, والحصول على المكاسب التجارية والثقافية, وإرضاء الخالق وأداء الواجب, وإن كان قد ورد في الحديث النبوي: (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ) (٣) , فذلك إخبار عمّا كان عليه الحال أو باعتبار المشقة التي تقع على المسافر في بعض الأحوال فالمسافر قد يلاقي الكثير من الأهوال والأخطار والمشقة حتى قال بعضهم: "العذاب قطعة من السفر", فأخذه بعض الشعراء فقال: كل العذاب قطعة من السفر ... يا رب فارددنا على خير الحضر (٤) وليس في الحديث نهي عن السفر وإنما فيه إخبار عمّا يلاقي الإنسان من المشقة والتعب الذي عبر عنه بالعذاب فالرسول ﵌ قد سافر إلى الشام بقصد التجارة وسافر بقصد الجهاد وبقصد الحج الذي يعد ركناً من أركان الإسلام بل أن السفر والتنقل لقضاء الحوائج والعظة والاعتبار ولغرض طلب الحلال والتمتع بنعم الله وزيارة الأرحام ... إلخ من أكبر النعم التي تفضل الله بها على الإنسان, وفي الذكر الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٥) , ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) , ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧) . وفي ذلك فضل وخير كثير, وشرف وعز كبير, وتعلّم الصناعة والحرف قال الشاعر: إن العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ ... في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً ... لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ (٨) أما أبو تمام فهو يقول: وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ ... لِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ زيدَت مَحَبَّةً ... إِلى الناسِ أَن لَيسَت عَلَيهِم بِسَرمَدِ

стр. 219

وفي الذكر الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١) . أخطار السفر في هذا الزمن قليلة فتمتع بنعمته الكبيرة أخي أنت خبير بأن السفر في هذه الأزمنة قد تلاشت صعابه وقلة أخطاره وأصبح الواحد يذهب براحة ويسر وأمان وهذه من نعم الله الكريم المنان على عباده في هذا الزمان ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢) , فهذه الطائرة النفاثة تمخر أمواج الجو وتقطع المسافات الشاسعة في لحظات وساعات يسيرة وأنت على كرسيك في متعة وراحة. جَلَّ شَأنُ اللَهِ هادي خَلقِهِ ... بِهُدى العِلمِ وَنورِ العُلَماء زَفَّ مِن آياتِهِ الكُبرى لَنا ... طِلبَةً طالَ بِها عَهدُ الرَجاء مَركَبٌ لَو سَلَفَ الدَهرُ بِهِ ... كانَ إِحدى مُعجِزاتِ القُدَماء نِصفُهُ طَيرٌ وَنِصفٌ بَشَرٌ ... يا لَها إِحدى أَعاجيبِ القَضاء رائِعٌ مُرتَفِعاً أَو واقِعاً ... أَنفُسَ الشُجعانِ قَبلَ الجُبَناء مُسرَجٌ في كُلِّ حينٍ مُلجَمٌ ... كامِلُ العُدَّةِ مَرموقُ الرُواء كَبِساطِ الريحِ في القُدرَةِ أَو ... هُدهُدِ السيرَةِ في صِدقِ البَلاء أَو كَحوتٍ يَرتَمي المَوجُ بِهِ ... سابِحٌ بَينَ ظُهورٍ وَخَفاء أَرسَلَتهُ الأَرضُ عَنها خَبَراً ... طَنَّ في آذانِ سُكّانِ السَماء

стр. 220

يا شَبابَ الغَدِ وَاِبنايَ الفِدى ... لَكُمُ أَكرِم وَأَعزِز بِالفِداء هَل يَمُدُّ اللَهُ لِيَ العَيشَ عَسى ... أَن أَراكُم في الفَريقِ السُعَداء أُمَّةٌ لِلخُلدِ ما تَبني إِذا ... ما بَنى الناسُ جَميعاً لِلعَفاء عَصرُكُم حُرٌّ وَمُستَقبَلُكُم ... في يَمينِ اللَهِ خَيرِ الأُمَناء لا تَقولوا حَطَّنا الدَهرُ فَما ... هُوَ إِلاّ مِن خَيالِ الشُعَراء هَل عَلِمتُم أُمَّةً في جَهلِها ... ظَهَرَت في المَجدِ حَسناءَ الرِداء فَخُذوا العِلمَ عَلى أَعلامِهِ ... وَاِطلُبوا الحِكمَةَ عِندَ الحُكَماء وَاِقرَأوا تاريخَكُم وَاِحتَفِظوا ... بِفَصيحٍ جاءَكُم مِن فُصَحاء وَاِحكُموا الدُنيا بِسُلطانٍ فَما ... خُلِقَت نَضرَتُها لِلضُعَفاء وَاِطلُبوا المَجدَ عَلى الأَرضِ فَإِن ... هِيَ ضاقَت فَاِطلُبوهُ في السَماء (١) فالمسافر والسائح يتمتع بركوب الطائرات والقاطرات والسيارات في أسفاره ويستمتع بالركوب على ظهر السفن والبواخر التي تجوب البحار وتحمل الأثقال, فبصناعة الطائرات وتلك السيارات والبواخر والقاطرات تقاربت البلدان وأصبح في مقدور الإنسان الاستمتاع بهذه النعمة وحث الهمم وتشجيعها على صناعة الطائرات والتسابق إلى الإبداع في تلك الصناعات التي بها قوام الدين والدنيا, ويقود إلى تدبر الآيات البينات والتفكر في جميع المخلوقات والعمل على تصنيع الطائرات والقاطرات والسيارات ... إلخ وقد جاء في الذكر الحكيم إخباراً عن ما هدى الله إليه

стр. 221

عبده ونبيه داود الحكيم: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١) ولا تزال صناعة الحديد تشكل أساساً في صناعة آلة الحرب منذ علَّم الله داود ﵇ صناعة الدروع حتى يومنا هذا, قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) , ومن الحديد تصنع معظم الأسلحة الخفيفة والثقيلة من البندقية إلى المدفع إلى الصاروخ إلى السيارات ويدخل الحديد في صناعة القاطرات وناقلات الجند والدبابات والطائرات, وللحديد في مجال التصنيع العسكري والمدني منافع أكثر من أن تحصى, ولقد كان فيما تفضل الله به وأنعم على داود ﵇ آية ومعجزة عظيمة ترشد إلى الثناء على الله وتوقظ الهمم في مجال التصنيع, ولهذا فإن الحق بعد أن ذكر ما أنعم الله به على داود ﵇ أرشد إلى الشكر وعمل الصالحات فقال جل شأنه: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ويشمل الصلاح المأمور به صلاح الأعمال والأفعال من العبادات والصناعات لأن ذلك أدعى لدوام النعمة ونمائها. وفي سورة سبأ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٣) أي: جعلناه ليناً أو وفقناه لإلانته بواسطة الصهر, وإلانة الحديد بغير تليين ومعالجة معجزة ظاهرة واضحة,

стр. 222

وفي ذلك إشارة إلى ضرورة صهر الحديد عند صنعته, وفي الحديد وصناعته خير كبير, فمنه تصنع آلة الحرب ومنه تصنع القطارات والطائرات والدبابات والمدافع و......الخ. الطائرات السابحات في الجو الطائرات السابحات في الجو هي أقوى سلاح يرهب, وهي أسرع وسيلة لنقل الإنسان وما يحتاج إليه من المنافع, وهي رسل لأهل الشوق يطوفون بها البلدان ويصلون الإخوان ويتذكرون نِعم الرحمن, ويغفر الله لشوقي حيث يقول: اِجعَلوها رُسلَكُم أَهلَ الهَوى ... تَحمِلُ الأَشواقَ عَنكُم وَالغَراما وَاِستَعيروها جَناحاً طالَما ... شَغَفَ الصَبَّ وَشاقَ المُستَهاما يَحمِلُ المُضنى إِلى أَرضِ الهَوى ... يَمَناً حَلَّ هَواهُ أَم شَآما أما ابن الطيب الشرقي الفاسي (١) فهو يقول: سافر إلى نَيلِ المَعَزَّ ... ةِ إنَّ في السفَرِ الظفَر وانفِر لنَيلِ المجدِ فيمَن ... للمعالي قَد نَفَر فالناسُ إِلفُكَ كلهم ... والأرضُ أجمَعُها مَقَر فمتَى وجدتَ العزّ ... والعيشَ الهنيَّ أقِم تُبَر السفر يهدي إلى التعرف على عظمة الصانع جلت قدرته إن الإنسان حينما يتنقل بين البلدان يرى الأرض الجميلة والجبال الشامخة والبحار الهائجة والطيور السابحة في السماء والحيوانات المختلفة, والثمار اليانعة يهتدى إليه عن طريق مخلوقاته في هذا الكون ويعَلم أن الله قوي في مخلوقاته حكيم في صناعته ففي هذا الكون في الأرض وفي السماء مظاهر قوته, وأن الله جل وعلا عليم خبير لان في هذا الكون مظاهر علمه وخبرته, فإذا أردت أن تفكر في الكون وصلت إلى الله لأنه صنعته وعند ذلك تصل إلى معرفة الصانع الخالق للكون وتعرف تنظيمه وإحكامه, فترى الحكمة, وترى القدرة, وترى اللطف, وترى العطف, وترى الجمال, وترى الرحمة, فكل مظهر في الكون يدل على اسم من أسماءه أو على كل أسماءه, فكيف هدانا الله؟ الله قال: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) , وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (٣) ,

стр. 223

وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (١) . وإذا كان الحق هدانا بخلقه فالهادي اسم من أسماء أفعاله, وهدانا بكلامه, فالأرض التي خلقها الله والسماء التي رفعها الله وإحكام الصنعة في الخلق تضعك أمام قدرة الله وأمام رحمته وأمام علمه وأمام خبرته, قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢) , وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (٣) , وقال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) . إذاً فالهادي اسم من أسماء ذاته فالله متكلم والقرآن كلامه, فالكتاب هدىً بياني والكون هدىً استدلالي, غير أن الكون يدل على وجود الله وعظمته وأسماءه ولا يدل على الصلاة والفرائض والواجبات فلا بد أن تهتدي بالكون جزئياً وتهتدي بالقرآن كلياً فهو الذي يعلمك ما افترض الله عليك. (٥) ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٦) .

стр. 224

الهادي من أسماء الله الحسنى الهادي من أسماء الله الحسنى ورد ذكره في القرآن الكريم: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢) . وفي الموطأ عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول: (إن الله هو الهادي) (٣) , وورد عند الترمذي: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) , وعدَّ منها الهادي (٤) . فالهادي هو الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع, وإلى دفع المضار, ويعلمهم ما لم يعلموا, ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد, ويلهمهم التقوى, ويجعل قلوبهم منيبة إليه ومنقادة إلى أمره. والهداية: هي دلالة بلطف وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأول: الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعم منها كل شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٥) . الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٦) . الثالث: التوفيق الذي يختص به من اهتدى وهو المعني بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (٧) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٨) ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (٩) ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١٠) . الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعنيُّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (١١) , وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (١٢) , وهذه الهدايات الأربع مترتبة فإنَّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن

стр. 225

لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها, ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله, ثم ينعكس فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث والإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات وإلى الثانية أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١) , ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٢) ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٣) , أي داع. وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (٤) ﴾ . (٥) وقال د. محمد راتب النابلسي: كلمة الهادي مأخوذة من فعل هدى والهادي اسم فاعل والله خلق ثم هدى, وأول بند من بنود الهدى: خلقه ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ (٦) , والبند الثاني: اسم من أسماء ذاته لأنه متكلم فالله يهدي بكلامه, إذاً الهادي اسم من أسماء ذاته. (٧) قلتُ: كلام النابلسي فيه تحقيق, فالله جل وعلا هدى الإنسان بخلقه, قال جل شانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي

стр. 226

أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ (١) , وقال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (٢) , وقال جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ (٣) . ففي هذه الآيات دلالة واضحة أن الله هداك بالكون الذي خلقه وأودع فيه من الآيات ما يدلك على وجود الله وعلى أسمائه, فإذا أردت أن تؤمن ففكر في الكون فإذا فكرت في الكون عرفت صانعه, وفي قصة إيمان الفتية الذين آووا إلى الكهف التي يؤكد القرآن الكريم حقيقة إيمانهم بوصف يدل على رجحان عقولهم وصحة معتقدهم وإكرام الله لهم بزيادة هدايتهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ (٤) . إذا تبين لك ذلك عرفت أن الهادي اسم من أسماء أفعاله, وأنه يهدي من يشاء إلى التفكر في خلق السماوات والأرض وأن الله وحده هو الصانع لهذا الكون الخالق المبدع وحده لا شريك له, وأنه يهدي من يشاء بالقرآن قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٥) , وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٦) .

стр. 227

وهذا يدل أن الهادي اسم من أسماء ذاته, فالله جل وعلا هدى بكلامه, فهو يهدي بكلامه من يشاء إلى صراط مستقيم, وبهذا يتضح أن الهادي اسم من أسماء ذاته فهو يهدي من يشاء بكلامه وبأفعاله وبالإلهام وبالفطرة, هداك لطعامك ولشرابك وللعمل وللتعلم وللتفكر, وهداك للإيمان به وإلى كل خير فهو الذي أعطى الإنسان كل شيء خلقه ثم هدى, وهو الذي هدى بالوحي, وهدى إلى التوفيق, وهدى إلى الجنة, وبين طرق الخير والشر فقال : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (٢) , وبالتقوى تتحقق كل مفاهيم الهداية ومقوماتها للإنسان فيهتدي إلى ربه ويسعد إلى الأبد. ثمرة معرفة اسم الله الهادي إذا عرف المكلف أن الله تعالى وحده الذي خلقه, وانه الذي رزقه, وخلق له ما في الأرض من خير وبر, قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ (٣) , وأنه سبحانه الذي يهديه لعمل الخير ويثيبه ويوفقه ويرشده ويثبته على الإيمان ويسدده, وإن قُتِل في سبيل الله أو مات على الإيمان ممتثلاً لأوامر الرحمن فسيحرسه الله ويحفظه ويثيبه ولن

стр. 228

يضله ويبعده, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (١) . فإذا عرف الإنسان المكلف ذلك وجب عليه أن يؤمن بأن الله هو الهادي الذي خلقه وهداه, ورزقه وأعطاه, وأنه يهدي من يشاء برحمته وفضله, ويضل من يشاء بحكمته وعدله, فهو الذي يحول بين المرء وقلبه, وفي سورة الأنفال يقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢) , ومن مِثل هذا يخاف الرجل العليم والمؤمن الكريم الذي علم أن الله هو الهادي, فإذا آمن بالله وأنه الهادي وحده لا شريك له عند ذلك يكون المؤمن محباً لله الذي أكرمه وهداه وعافاه وجنبه الشقاء والضلال فهو يدعو كما كان يدعو رسول الله ﵌ ربه: (يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ) (٣) , ويدعو الله في كل صلواته بعد حمد الله والثناء عليه وإفراده سبحانه بالعبادة وطلب العون فهو يقرأ في سورة الفاتحة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ (٤) . ومعلوم أن من عرف بأن الله هو الهادي لخلقه المضل لمن كذب وأسرف واختار سبيل المفسدين الضالين من عباده, فإنه يخاف بطش الله وعقابه وخسفه وعذابه وإضلاله المسرفين المكذبين ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ

стр. 229

عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً﴾ (٢) . ولبعض الشعراء: بروق الحما أبرقي يا بروق ... عسى اللَه يسقي بك المجدبين إذا لم تجد يا وسيع العطا ... فمن ذا لأهل الخطا المذنبين فلا مانع لك على ما تشا ... في الكون يا أقدر القادرين فلي قلب حائر قليل الهدى ... فبصره يا هادي الحائرين تفضل بغفران كلّ الذنوب ... نكون جميعاً من الفائزين (٣) دعاء الله باسمه الهادي يا الله يا هادي نسألك بأسمائك الحسنى وبصفاتك العلا أن تهديني والمؤمنين إلى صراطك المستقيم, وأن تهدي قلوبنا إلى ماتحب وترضاه من فكر وقول وفعل وعمل وأن تجعلنا من عبادك المخلصين, اهدنا يا الله إلى صراط من أنعمت عليهم من النبيين والملائكة والصالحين واصرف عنا الضلال والمضلين واجمعنا والمؤمنين على الهدى والتقى يا أرحم الراحمين, وصلى الله وسلم على محمد الأمين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الراشدين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 230

وفي الدعاء المأثور عن النبي ﵌: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ وَرَحْمَةً أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْعَطَاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُنْزِلُ بِكَ حَاجَتِي وَإِنْ قَصُرَ رَأْيِي وَضَعُفَ عَمَلِي افْتَقَرْتُ إِلَى رَحْمَتِكَ فَأَسْأَلُكَ يَا قَاضِيَ الأُمُورِ وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ الْبُحُورِ أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبُورِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ اللَّهُمَّ مَا قَصُرَ عَنْهُ رَأْيِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَّتِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيهِ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ وَأَسْأَلُكَهُ بِرَحْمَتِكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ وَالأَمْرِ الرَّشِيدِ أَسْأَلُكَ الأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ سِلْمًا لأَوْلِيَائِكَ وَعَدُوًّا لأَعْدَائِكَ نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ اللَّهُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الإِجَابَةُ وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التُّكْلانُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي وَنُورًا فِي قَبْرِي وَنُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَنُورًا مِنْ خَلْفِي وَنُورًا عَنْ يَمِينِي وَنُورًا عَنْ شِمَالِي وَنُورًا مِنْ فَوْقِي وَنُورًا مِنْ تَحْتِي وَنُورًا فِي سَمْعِي وَنُورًا فِي

стр. 231

بَصَرِي وَنُورًا فِي شَعْرِي وَنُورًا فِي بَشَرِي وَنُورًا فِي لَحْمِي وَنُورًا فِي دَمِي وَنُورًا فِي عِظَامِي اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ الْعِزَّ وَقَالَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ الْمَجْدَ وَتَكَرَّمَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلاَّ لَهُ سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ سُبْحَانَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) (١) .

стр. 232

الفصل الثامن الحرية والإباء

стр. 233

الحرية والإباء إن مما يتفق عليه العقلاء أنه لا سبيل للسعادة في الحياة إلا إذا عاش فيها الإنسان حراً طليقاً يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره, وقد قال بعض الأدباء: إن الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس, فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة, يتصل أولها بظلمة الرحم وأخرها بظلمة القبر. (١) وطالما تغنا بالحرية العرب الفصحاء في أشعارهم, ويرحم الله أبا القاسم الشابي حيث يقول: خُلقتَ طَليقاً كَطَيفِ النَّسيمِ ... وحُرًّا كَنُورِ الضُّحى في سَمَاهْ تُغَرِّدُ كالطَّيرِ أَيْنَ اندفعتَ ... وتشدو بما شاءَ وَحْيُ الإِلهْ وتَمْرَحُ بَيْنَ وُرودِ الصَّباحِ ... وتنعَمُ بالنُّورِ أَنَّى تَرَاهْ وتَمْشي كما شِئْتَ بَيْنَ المروجِ ... وتَقْطُفُ وَرْدَ الرُّبى في رُبَاهْ وقال سحيم الحساس: إِن كُنتُ عَبداً فَنفسي حُرَّةٌ كَرَماً ... أَو أَسوَدَ اللَونِ إِنّي أَبيَضُ الخُلُقِ وقال: وترانا يوم الكريهة أحراراً ... وفي السلم للغواني عبيدا وعليه بنا الصوفية في اصطلاحهم في إطلاق اسم الحر على من خلع عن نفسه إمارة الشهوات ومزق سلطانها, قال الشاعر: أتمنى على الزمان محالاً ... أن ترى مقلتاي طلعة حر أما شيخ الإسلام ابن تيمية فهو يرى بأن الحرية: العبودية الخالصة لله تعالى تجمع بين كمال الحب وكمال الذل (٢) . ومقتضى هذا أن الناس جميعاً خلقوا أحراراً لا فرق بين أسود أو أبيض أو أحمر أو أصفر, فيجب أن لا يدينوا بالعبودية إلا لله الواحد الأحد, ولا قيد على حرية الإنسان إلا ما قيده القرآن والسنة النبوية لأمر أو نهي يستلزم قيد هذه الحرية, بعدم استحلال الخبائث, واستنهاض الرذائل, واستباحة الفواحش والتطاول على الحرمات، والعدوان على الحقوق واستغلال الناس وأكل أموالهم بالباطل أو استباحة أعراضهم، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفقهون ذلك بالفطرة ويأخذونه من الكتاب والسنة فهذا عمر بن الخطاب (٣) رضوان الله عليه يقول- في قصة مشهورة-: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟. وهذا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع شدة رغبته في دخول الناس في الإسلام، حتى كاد أن يهلك نفسه؛ لم يُكره أحداً على الدخول

стр. 234

في الدين, وقد قص الله ذلك بقوله: (١) ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ . (٢) فالإكراه على الدخول في الدين منعه الإسلام احتراماً لحرية الإنسان, وقد جاء القرآن: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) . الحرية التي ليس عليها ضوابط الحرية التي ليس عليها ضوابط ولا تقيد بحدود وتمس مشاعر الناس وتؤذيهم في أخلاقهم وأعراضهم في دينهم ودنياهم؛ ما هي إلا وسيلة من وسائل الذل والانحطاط, تنفر منها الطباع السليمة, وتأباها الأخلاق القويمة, ورحم الله الأستاذ العلامة الشيخ يوسف الدجوي حيث يقول: لقد ظهرت حوادث لا تطاقُ ... وقوم ما لأكثرهم خلاقُ فأموال تبعثر في فسادٍ ... وكم وسط النهارِ دمٌ يراقُ وكم ظلمٍ تسربل ثوب عدل ... وكم ضغنٍ يغطيه النفاقُ وكم فضلٍ يداس ولا يراعى ... وكم جهلٍ يروجه الرفاقُ وكم أدبٍ أضيع وكم فتاةٍ ... لها شرفٌ إلى عارٍ تساقُ فهل حرية الحيوان نبغي ... ففي كل الأمورِ لنا انطلاقُ (٤)

стр. 235

الحرية جميلة, ولكن يجب أن تصان عن الابتذال بالخروج عن قيود الشرعية وضوابطها. الحرية ليس لها ثمن الحرية في الموطن والمسكن والرسائل والتفكير والطريق والعمل؛ هي حق لصيق بالإنسان, فاحترام حرية الإنسان في عقله وتفكيره وتعليمه وتصرفه؛ هو احترام لآدميته وتكريم الله له, وهو أمر محبب للنفس ليس له ثمن, وفي شعر رفعت بن سعيد (١) إنشاد الحرية والبحث عنها: لأنشد حريتي في الوجود ... وأحفظ ديني بين الملا أما جميل صدقي الزهاوي (٢) فهو يجعل من حريته ثمناً غالياً فيصفها بأنها رجاء نفسه وهي من العين كالسواد الذي لا تستضيء إلا به فيقول: حرَّيتي يا رجاء نفسي ... أَنت من العين كالسواد إليك تخفي النفوس حباً ... كأَنه النار في الرماد شخصك قد غابَ عَن عيوني ... وَلَم يغب قطُّ عن فؤادي أما احمد الكاشف فهو يقول:

стр. 236

حريتي ولو اغتديت ودونها ... ملقى صِفاحٍ واشتباكَ صعاد وقال أبو شبكة (١) : كم رَدَّدت في مَسمَعَيكِ مَراشِفي ... حريتي يا ميُّ أَثمنُ ما مَعي ولله در ابن الرومي (٢) حيث يقول: هاض حريتي وأوثق بالمنْـ ... ـزُور من نيله لسانيَ عَقْدا فإلى الله أشتكي ما أُلاقي ... من زمانٍ يجشِّم الحرَّ جَهدا حُرِمَتْ لذةَ الشكاية نفسي ... وَجَدَا صاحبي وأصبحتُ عبدا ولقد قلتُ عند ذاك وأضمر ... تُ على باخسي حقوقي حقدا شكر الله ماجداً جاد أو وغـ ... ـداً كفى الناس نائلاً منه وَغْدا ولَحَا الله بين هذين من غَر ... رَ عفيفاً من نفسه ثم أكدى يبذل التافه الذي يُلبس الحُر ... رَ خشوعاً ولا يَسُدُّ مَسَدَّا باخلٌ حين يبذل القومُ رِفْداً ... ماطلٌ حين يُنْجز القومُ وَعْدا أما أبو مسلم العماني (٣) فهو يرى بأنه سيدافع عن حريته فيقول: أذود عن حريتي بحقها ... واجهد النصر لحر مبتلى

стр. 237

أما نيقولاوس الصائغ (١) فهو يرى أن المنون شرف إذا وضعت على حريته الأغلال والقيود وذلك حيث يقول: شرفي المَنُونُ وقد غدت حُرّيَّتي ... أَسراً بذي الأَغلالِ والاقيادِ لوم الحر نجاة له إن الإنسان الحر لا يأتي شيئاً يندم على فعله, وإذا وقع في أمر مشين كانت الإشارة إليه والإرشاد له أكبر معين له على الرجوع إلى الحق, فهو لا يحتاج إلى تقريع ولا إلى ترويع, وقد جاء في شعر يزيد بن مفرع الحميري: لَهفي عَلى الأَمرِ الَّذي ... كانَت عَواقبُهُ نَدامَه العَبدُ يُقرَعُ بَالعَصا ... وَالحُرُّ تَكفيهِ المَلامَه (٢) وإلى مثل ذلك ذهب ابن دريد حيث يقول: وَاللَومُ لِلحُرِّ مُقيمٌ رادِعٌ ... وَالعَبدُ لا تَردَعُهُ إِلّا العَصا أما عبد يغوث بن وقاص فهو يرى غير ذلك فيقول: أَلا لا تَلوماني كَفى اللَومَ ما بِيا ... وَما لَكُما في اللَومِ خَيرٌ وَلا لِيا أَلَم تَعلَما أَنَّ المَلامَةَ نَفعُها ... قَليل وَما لَومي أَخي مِن شمالِيا (٣)

стр. 238

والحق أن إرشاد الحر أو لومه ليس فيه غضاضة عليه, وأن أحذق الناس من يلوم نفسه قبل أن يلومه الناس, وقد أقسم الله في القرآن بالنفس التي تلوم صاحبها على عصيانه وعلى تقصيره في جنب الله تعالى وتستغفره بعد ذلك وتتوب إليه قال تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (١) , أما امرأة عزيز مصر فإنها حين لامتها النساء في مراودتها ليوسف ﵇ دعت يوسف ﵇ وقالت: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ كما حكا ذلك في القرآن: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (٢) , فإذا نُصحَ الحر وأبى فقد هلك, وقد خاطب الله جل وعلا رسوله بعد أن بلغ الرسالة واعرض عنها من أعرض بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) . الحر لا يريق ماء وجهه إن الحر لا يريق ماء وجهه بل يحفظه, وفي حفظ ماء الوجه صون النفس عن الابتذال والسرف, ويرحم الله علي بن الجهم حيث يقول: أقلي فإن اللوم أشكل واضحه ... وكم من نصيح لا تمل نصائحه متى هان حر لم يرق ماء وجهه ... ولم تجتبر يوماً بردٍ صَفَائحهُ (٤)

стр. 239

الحر يأبى الذل والهوان الحر بفطرته وسجيته يأبى الذل والهوان, قال المتلمس الضبعي (١) : إِنَّ الهَوانَ حِمارُ القَومِ يَعرِفُهُ ... والحُرُّ يُنكِرُهُ والرَّسلَةُ الأُجُدُ وَلا يُقيمَ عَلى خَسفٍ يُرادُ بِهِ ... إِلاّ الأَذَلاّنِ عَيرُ الأَهلِ وَالوَتِدُ هَذا عَلى الخَسفِ مَنقولٌ بِرُمَّتهِ ... وَذا يُشَجُّ فما يَبكي لَهُ أَحَدُ (٢) وقال الشنفرى (٣) : وَفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى ... وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ ... سَرى راغِباً أَو راهِباً وَهوَ يَعقِلُ وقال آخر: وإذا الديار تنكرت عن حالها ... فدع الديار وسارع التحويلا

стр. 240

ليس المقام عليك فرضاً واجباً....في بلدة تدعي العزيز ذليلا وإذا بكيت على زمان قد مضى ... حتى يعود لتبكين طويلا ولبعض الشعراء: إذا لم تكن أرضي لنفسي معزة ... فلست وإن نادت إليَّ أجيبها وسرت إلى أرض سواها تعزني ... وإن كان لا يعوي من الجدب ذيبها وقال آخر: إن الضرورة تخرج الأحرار من ... أوطانها والطير من أوكارها وإذا الفتى ضاقت عليه جهاته ... طلب التنقل طائعاً أو كارها وهذا التحول عن الأرض لا يكون مرغوباً فيه إلا حينما يكون الإنسان قد سلبت حريته فهو لا يستطيع أن يقيم حقاً ولا يخذل باطلاً, ولا يستطيع أن يمارس شعائر دينه ولا يصرف أمور دنياه على مقتضى أحكام الشرع, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (١) . الحر يقاوم الطغيان

стр. 241

إن السعادة والأمان في مقاومة الطغيان, فالحرية والأمان لولاهما لكان الإنسان أشبه بالحيوان المفترس, وليست الحرية في تأريخ الإنسان حادثاً جديداً, أو طارئاً غريباً وإنما هي فطرة الله التي فطر الناس عليها, فالإنسان الذي يمد يديه لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد؛ وإنما هو يطلب حقاً من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية, فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه, ولا يد لأحد عنده, فلطالما تغول الإنسان القوي على الضعيف فروّعه, فجعل من نفسه حارساً يتابع أعمال غيره فيراقب حركات يديه, وخطوات رجليه, وحركات لسانه, وخطرات وهمه وخياله, لا لمنفعة أو مصلحة يقرها الشرع ويرضى بها الحق, ولكن ليسلب من الإنسان حريته, ويجعل من الآخرين أسرى لاستبداده, والجناية التي تنتج عن فقدان تلك الحرية كبرى, والحر من الناس من يدافع عن حريته, ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَمِنَ العُقولِ جَداوِلٌ وَجَلامِدٌ ... وَمِنَ النُفوسِ حَرائِرٌ وَإِماءُ وله أيضاً: وَلَقَد صَدَقتُم هَذِهِ الأَرضَ الهَوى ... وَالحُرُّ يَصدُقُ في هَوى أَوطانِهِ وفي الأمثال السائرة: "الحر عبد إذا طمع والعبد حر إذا قنع" (١) , وقيل: "الحر حرٌ وإن مسه الضر" (٢) , أي لا يطأطأ رأسه فهو يأبى الضيم.

стр. 242

وكثيراً ما انبرى علماء وسياسيون وعسكريون لمقارعة من يعتدي على حرية الشعوب, وهذا الشاعر والعالم والأديب محمد العبيدي مفتي الموصل في عصره يزأر بشعره ليبعث الهمم فيقول: فتن الشرق بمن قد فتنا ... فعسى الله يقينا الفتنا ما خلت أرض لنا من وثن ... ضل قوم يعبدون الوثنا عبد الأحجار أباء مضوا ... وعبدنا بشراً أمثالنا كانت العزى خلي جوفها ... من طعام وشراب يقتنا لم تكلف عابديها مطعما ... لم تكن تشرب حتى اللبنا بل ولا أن تملك النفع فما ... تملك الضر ولا قول الخنا وابتلينا بغرانيق غوت ... وغوينا في هواها عَلَنا كلفتنا شططا من أمرها ... طاعة عميا وظلما بيِّنا تأكل الدنيا وتشكو سغباً ... تشرب البحر وترجو المزنا تكثر المال الذي نجمعه ... بشقاء ولغوب وعنا وإذا ما فرقته سرفاً ... أحرمت حرا واعطت خائنا وإذا الشعب شكا من فاقة ... سرها ما في يديها من عنا لا تبالي باليتامى إن بكوا ... تحتسي من دمعهم كأس الهنا يسعد الفرد وتشقى أمة ... حسبنا هذا ضلالاً حسبنا يا ابن عبد الله ادرك أمةً ... عضها الدهر وضاقت عطنا عبدت أشباح غي وعصت ... بعدك الله وقاست محنا

стр. 243

وطواغيت تولوا أمرها.....لم نجد أمراً لديهم حسنا نقضوا عهداً وخانوا أمةً ... وشروا عاراً وباعوا الوطنا يا نبي الله يا نور الهدى ... وأمين الوحي والمؤتمنا قم إلى قومك جدد دعوة ... أذن الله لها أن تعلنا هبل الأعلى الذي حطمته ... قم ترى أمثاله ما بيننا طعنوا دينك في أحشائه ... وتراهم باسمه نالوا المنى قم لملك قوضوا أركانه ... ولقد أسسته فوق القنا قم لنور أطفؤه جهرةً ... ولنار أوقدوها إحنا وعقول عقلوها ظلة ... وجفون اشبعوها وسنا ونفوس ملؤها حسرة ... وقلوب ملؤها حزنا قم لحي ألبسوه ذلةً ... ولميت سلبوه الكفنا وكتاب نزل الوحي به ... هجروه وأضاعوا السننا قادة الأمة أو أوثانها ... قد أضلوها وضلوا ألسنا ثمن المجد دم جدنا به ... فانظروا كيف استغلوا الثمنا يا شباب الضاد هل فيكم فتىً ... يحقر الموت إذا ما امتحنا يوقض الأفكار عن غفوتها ... يكشف الأستار عما مسنا إنما الأفكار في مرقدها ... كشرار في زناد كمنا يبعث الرأي دماغ واحد ... ثم يفسق فهنا ثم هنا ويد الله مع الجمع إذا ... صدع الجمع بحق معلنا

стр. 244

يا شباب الضاد هل من مرشد.....قد غوينا وغوى قادتنا ما علينا وعليهم لو مشوا ... ومشينا وجمعنا شملنا علّنا نبعث مجداً دارساً ... وعسى نخرج كنزاً دفنا كل قوم حطموا أوثانهم ... كل شعب عاد حرا غيرنا عللوها بالأماني أنفساً ... ضعفة عزماً وشان قطنا ما ذرت إلا هواناً في هوى ... من رأت غير المنايا من منا أيها الاخوان مهلاً حسبكم ... قد شقينا وشقيتم معنا لا تغرنكم قصورٌ شمخت ... إن كوخ الحر خير مسكنا إن حر الطير في أقفاصها ... تعشق الروض وتهوى الفننا وترى البلبل في تغريده ... ناح كالثكالا إذا ما امتحنا ويرحم الله محمد العبيدي فلعل الباعث له على نظم هذه القصيدة الغراء غيرته على دينه ووطنه وعشيرته وأهله, وما كان يشاهده في ذلك الزمن, فكيف لو رأى ما حل بالعراق اليوم؟!! , وما حل بالأمة الإسلامية من شتات وتمزق, وليس هذا النقد الذي تضمنته القصيدة موجه لولاة الأمور آنذاك فحسب بل هو لوم لجميع الأمة حكاماً ومحكومين, ومع ذلك فإنه ربما وجد بين قادة هذه الأمة وولاة أمورها وعلمائها من يرجى منهم نصرة هذه الأمة وكبح جماح أعدائها والذب عن بيضة المسلمين, فلا يزال الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة حتى وإن أصابها الوهن في بعض الأحوال فإن الأمل في أحرارها وساستها وقادتها وعلمائها أن يكونوا أسوداً تغضب

стр. 245

لغضب الله, ويسعون لإزاحة الظلم عن أفراد هذه الأمة, وإلا فإن البلاء سيحيق بالجميع, وقصيدة مفتي الموصل تذكرنا بما قاله الأستاذ العالم الأديب علي عبد العظيم عضو الجامعة الليبية ونشرته مجلة الوعي الإسلامي آنذاك وذلك في قصيدته التي يقول فيها: سوانا بآثار الحضارة ينعمُ ... ونحن بأشتات الأماني نحلمُ نعيش على الماضي ونهتف باسمه ... وحاضرنا بالبؤس والذل مفعمُ نرتل أمجاد الذين تقدموا ... ولم نتبع نهج الذين تقدموا كسلنا وجد الباحثون إلى العلا ... فما نحن أيقاظ ولا نحن نوّمُ وكنا مع الفرقان شملاً موحداً ... جميعاً ونحن الآن نهب مقسمُ تحكم الاستعمار فينا وبعضنا ... على البعض منا صايل متقحمُ يعادي أخ منا أخاه وينحني ... لمن هو فينا غاشم متحكمُ وما دولة إلا تكيد لاختها ... وتعرب في حوك الشباك وتعجمُ وما أسرة إلا تبدد شملها ... سواءٌ أب في غيه وابنمُ فلا عروة الإسلام ضمت شتاتنا ... ولا أدنت الفصحى ولا قرب الدمُ ولا جمعتنا للوئام حضارة ... أشع بها التأريخ والكون مظلمُ بني الشرق ضيعتم على الشرق مجده ... ولم تحفظوا حق الجدود عليكمُ تعود بي الذكرى إليهم فأنتشي ... وإن كنت من أوضاعكم أتألمُ تذكرت روحانية الشرق حينما ... أضاء به موسى وعيسى ومريمُ تذكرت في البيت العتيق محمداً ... ومن حوله الشرك العتي مخيمُ

стр. 246

تذكرت لما ضاق بالشرك فانحنى.....بدار حراء باحثاً يتوسمُ يقلب عينا في الوجود بصيرة ... تشق حجاب الغيب والغيب معتمُ يناجي ويستهدي ويرجو ويتقي ... وينشد كشف السر والسر مبهمُ إلى أن تجلى الله بالوحي فانجلى ... لفطنته السر العتيق المكتمُ وعانقه الروح الأمين محييا ... وأهدى إليه فوق ما يتوهمُ وقال: له اقرأ قال: ما انا بقارئ ... فقال: بفضل الله تتلو وتفهمُ ستحمل بسم الله أسمى رسالة ... وحسبك أن الله نعم المعلمُ فأشرقت الدنيا بأنوار ربها ... وحفت بها من رحمة الله أنعمُ تذكرت عهد المصطفى فتألقت ... أشعته وانجاب عنها التلثمُ وللملأ الأعلى ابتهال مقدس ... وللدرة العظمى شأو منعمُ وللحرم المكي رانة واجد ... يرددها عند الحطيم وزمزمُ وكل بحمد الله داع ومؤمن ... وكل بذكر الله صب متيمُ تذكرت أصحاب الرسول وكلهم ... حفي بآيات النبوة مغرمُ وكل فتى فيهم كريم مكرم ... وكل فتى منهم حكيم محكمُ ففي باحة المحراب داع مسبح ... وفي ساحة الهيجاء ليث مصممُ إذا حل وقت السلم فهو حمامة ... وإن سعرت نار الوغى فهو قشعمُ وما هو إلا دارس أو مجاهد ... وما هو إلا قيم أو مقومُ لقد أقسموا أن ينشروا دين أحمد ... فبروا بما آلوا عليه وأقسموا وليس لهم إلا العزيمة مسعف ... وليس لهم إلا البصيرة ملهمُ

стр. 247

تذكرتهم أيام صالوا وجاهدوا......وسادوا وشادوا واستفادوا وعلموا فما بطروا عند السيادة أو بغوا ... ولكنهم فيها أبر وأرحمُ لهم تحت أستار الظلام تهجد ... يقربهم لله والناس نوّمُ إذا رتلوا القرآن سالت عيونهم ... وكادت بافلاذ الحشاشة تسجمُ وإن ثارت الهيجاء هبوا إلى الوغا ... فلا خصم إلا مسلم أو مسلِّمُ فيا قوم هذا ما رآه جدودكم ... ففيما عدلتم عن هداه وحلتمُ رضيتم باحكام الطغاة وبغيهم ... وياطالما قلتم فماذا فعلتمُ؟ لقد فرض الله الجهاد فمالكم؟ ... نكصتم على أعقابكم وارتددتمُ وكم نبهتكم للإله مواعظ ... وآيات تحذير فهلا اتعظتمُ عصيتم كتاب الله أما عدوكم ... فكم ذا سمعتم قوله واطعتمُ تركتم ذرى العليا قسراً لزحفه ... وأنتم من المجد المأثل أنتمُ لقد نالكم بالقهر والبغي والأذى ... فهلا ذكرتم كيف كان وكنتمُ ألم تتحرك نخوة العز فيكم ... ألم ينقشع سر الغشاوة عنكمُ أفيكم حماة للشريعة يُقَّظٌ ... أفيكم أباة مخلصون أفيكمُ فإن لم تصون دينكم حان حينكم ... وقام عليكم مأتم ثم مأتمُ كأني بصوت المصطفى في سموه ... يصيح بكم طال النكوص فاقدموا كأني به في ساحة الخلد عاتباً ... يسائلكم يا قوم ماذا صنعتم؟ أحقاً تركتم سنتي وهجرتمُ ... كتابي وحدتم عن طريقي وملتمُ أحقاً سخوتم بالألوف على الهوى ... وأعوزكم في نصرة الدين درهمُ

стр. 248

أحقاً غفلتم عن تعاليم دينكم......فلم يجد نصاح ولم يغن لومُ حرام عليكم أن تنام عيونكم ... وللدين طرف لا يفارقه الدمُ حرام عليكم أن تقر جنوبكم ... وللدين قلب واهن متألمُ أما صان حق الله فيكم معلم ... أما جد في إدراكه متعلمُ إذا لم تحيطوا بالجهاد شريعتي ... فما أنتم مني ولا أنا منكمُ فيا شيعة المختار إن لم تحافظوا ... على دينكم ضيعتموه وضعتمُ خصومكم في الكيد للدين يُقَّظٌ ... وأنتم على تلك المكايد نوّمُ لقد ظلموا الدين القويم بإفكهم ... وأنتم إذا لم تنصروا الدين أظلمُ أتلهون عنه والعداة تنوشه ... فلله ما يلقاه منكم ومنهمُ وإني لأخشى أن تلم ملمةٌ ... يطالعكم فيها القضاء المحتمُ فيدهمكم ليل من الرجز أليلٌ ... ويصحبكم يومٌ من الشر أيومُ وقد يأخذ الله العصاة بظلمهم ... وإن كان يعفو عن كثير ويرحمُ (١) والحق أن شاعرنا الأستاذ العلامة الأديب الكبير علي عبد العظيم نصر عضو الجامعة الليبية صاحب عزيمة وهمة ولسان طليق فصيح, بهر ببلاغته البلغاء, وأمتع بفصاحته قلوب النصحاء, فياترى أين يذهب البلغاء إذ كسد سوق الأدب واعتل لسان العرب؟ وماذا يقول النصحاء من فصحاء العرب؟ وفي الأرض منائ للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزلُ (٢)

стр. 249

ولعل الباحث المتتبع يجد في أباة الضيم من يرى ما ذهب إليه عروة بن الورد حيث يقول: فلا أترك الاخوان ما عشت للردى ... كما أنه لا يترك الماء شاربه ولا يستضام الدهر جاري ولا أرى ... لمن بات تسري للصديق عقاربه والظاهر أن الأحرار أهل الوفاء بالعهود طالما قطعوا على أنفسهم عهداً أن لا يتركوا إخوانهم, ولا يضام جيرانهم, ولا تهتك حرمات لإخوانهم وبنيهم ولهم عين تطرف أبداً ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) . وفي الأمثال السائرة: "الحزم حفظ ما وليت وترك ما كفيت", وقيل: "عند النطاح يُغلب الكبش الأجم". (٢) قال الشاعر: رَأَيٌ سَرى وَعُيونُ الناسِ هاجِعَةٌ ... ما أَخَّرَ الحَزمَ رَأيٌ قَدَّمَ الحَذَرا (٣) أما أبو الطيب المتنبي فهو يقول: عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ... وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ ويقول: إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ ... فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ ... كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ

стр. 250

فلا بد للحر من أن يكون حريصاً على أهله وبلاده طامحاً في تحريرها والحفاظ عليها, ويرحم الله شوقي حيث يقول: شَبابٌ قُنَّعٌ لا خَيرَ فيهِم ... وَبورِكَ في الشَبابِ الطامِحينا أما ايليا أبو ماضي فهو يقول: الأرض للحشرات تزحف فوقها ... والجو للبازي وللشاهين ويغفر الله لأبي قاسم الشابي حيث يقول: إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ ... فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي ... ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ ... يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ أما احمد مطر في شعره الحر فإنه في لافتاته تحت عنوان: "الحرية رائعة" يقول: أخبرنا أستاذي يوماً ... عن شيءٍ يدعى الحرية فسألت الأستاذ بلطف ... أن يتكلم بالعربية ما هذا اللفظ وما تعني ... وأية شيء حرية هل هي مصطلح يوناني ... عن بعض الحقب الزمنية أم أشياء نستوردها ... أو مصنوعات وطنية فأجاب معلمنا حزناً ... وانساب الدمع بعفوية قد أنسوكم كل التأريخ ... وكل القيم العلوية أسفي أن تخرج أجيال ... لا تفهم معنى الحرية
следующие страницы →