← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تذكرت لما ضاق بالشرك فانحنى.....بدار حراء باحثاً يتوسمُ يقلب عينا في الوجود بصيرة ... تشق حجاب الغيب والغيب معتمُ يناجي ويستهدي ويرجو ويتقي ... وينشد كشف السر والسر مبهمُ إلى أن تجلى الله بالوحي فانجلى ... لفطنته السر العتيق المكتمُ وعانقه الروح الأمين محييا ... وأهدى إليه فوق ما يتوهمُ وقال: له اقرأ قال: ما انا بقارئ ... فقال: بفضل الله تتلو وتفهمُ ستحمل بسم الله أسمى رسالة ... وحسبك أن الله نعم المعلمُ فأشرقت الدنيا بأنوار ربها ... وحفت بها من رحمة الله أنعمُ تذكرت عهد المصطفى فتألقت ... أشعته وانجاب عنها التلثمُ وللملأ الأعلى ابتهال مقدس ... وللدرة العظمى شأو منعمُ وللحرم المكي رانة واجد ... يرددها عند الحطيم وزمزمُ وكل بحمد الله داع ومؤمن ... وكل بذكر الله صب متيمُ تذكرت أصحاب الرسول وكلهم ... حفي بآيات النبوة مغرمُ وكل فتى فيهم كريم مكرم ... وكل فتى منهم حكيم محكمُ ففي باحة المحراب داع مسبح ... وفي ساحة الهيجاء ليث مصممُ إذا حل وقت السلم فهو حمامة ... وإن سعرت نار الوغى فهو قشعمُ وما هو إلا دارس أو مجاهد ... وما هو إلا قيم أو مقومُ لقد أقسموا أن ينشروا دين أحمد ... فبروا بما آلوا عليه وأقسموا وليس لهم إلا العزيمة مسعف ... وليس لهم إلا البصيرة ملهمُ

стр. 247

تذكرتهم أيام صالوا وجاهدوا......وسادوا وشادوا واستفادوا وعلموا فما بطروا عند السيادة أو بغوا ... ولكنهم فيها أبر وأرحمُ لهم تحت أستار الظلام تهجد ... يقربهم لله والناس نوّمُ إذا رتلوا القرآن سالت عيونهم ... وكادت بافلاذ الحشاشة تسجمُ وإن ثارت الهيجاء هبوا إلى الوغا ... فلا خصم إلا مسلم أو مسلِّمُ فيا قوم هذا ما رآه جدودكم ... ففيما عدلتم عن هداه وحلتمُ رضيتم باحكام الطغاة وبغيهم ... وياطالما قلتم فماذا فعلتمُ؟ لقد فرض الله الجهاد فمالكم؟ ... نكصتم على أعقابكم وارتددتمُ وكم نبهتكم للإله مواعظ ... وآيات تحذير فهلا اتعظتمُ عصيتم كتاب الله أما عدوكم ... فكم ذا سمعتم قوله واطعتمُ تركتم ذرى العليا قسراً لزحفه ... وأنتم من المجد المأثل أنتمُ لقد نالكم بالقهر والبغي والأذى ... فهلا ذكرتم كيف كان وكنتمُ ألم تتحرك نخوة العز فيكم ... ألم ينقشع سر الغشاوة عنكمُ أفيكم حماة للشريعة يُقَّظٌ ... أفيكم أباة مخلصون أفيكمُ فإن لم تصون دينكم حان حينكم ... وقام عليكم مأتم ثم مأتمُ كأني بصوت المصطفى في سموه ... يصيح بكم طال النكوص فاقدموا كأني به في ساحة الخلد عاتباً ... يسائلكم يا قوم ماذا صنعتم؟ أحقاً تركتم سنتي وهجرتمُ ... كتابي وحدتم عن طريقي وملتمُ أحقاً سخوتم بالألوف على الهوى ... وأعوزكم في نصرة الدين درهمُ

стр. 248

أحقاً غفلتم عن تعاليم دينكم......فلم يجد نصاح ولم يغن لومُ حرام عليكم أن تنام عيونكم ... وللدين طرف لا يفارقه الدمُ حرام عليكم أن تقر جنوبكم ... وللدين قلب واهن متألمُ أما صان حق الله فيكم معلم ... أما جد في إدراكه متعلمُ إذا لم تحيطوا بالجهاد شريعتي ... فما أنتم مني ولا أنا منكمُ فيا شيعة المختار إن لم تحافظوا ... على دينكم ضيعتموه وضعتمُ خصومكم في الكيد للدين يُقَّظٌ ... وأنتم على تلك المكايد نوّمُ لقد ظلموا الدين القويم بإفكهم ... وأنتم إذا لم تنصروا الدين أظلمُ أتلهون عنه والعداة تنوشه ... فلله ما يلقاه منكم ومنهمُ وإني لأخشى أن تلم ملمةٌ ... يطالعكم فيها القضاء المحتمُ فيدهمكم ليل من الرجز أليلٌ ... ويصحبكم يومٌ من الشر أيومُ وقد يأخذ الله العصاة بظلمهم ... وإن كان يعفو عن كثير ويرحمُ (١) والحق أن شاعرنا الأستاذ العلامة الأديب الكبير علي عبد العظيم نصر عضو الجامعة الليبية صاحب عزيمة وهمة ولسان طليق فصيح, بهر ببلاغته البلغاء, وأمتع بفصاحته قلوب النصحاء, فياترى أين يذهب البلغاء إذ كسد سوق الأدب واعتل لسان العرب؟ وماذا يقول النصحاء من فصحاء العرب؟ وفي الأرض منائ للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزلُ (٢)

стр. 249

ولعل الباحث المتتبع يجد في أباة الضيم من يرى ما ذهب إليه عروة بن الورد حيث يقول: فلا أترك الاخوان ما عشت للردى ... كما أنه لا يترك الماء شاربه ولا يستضام الدهر جاري ولا أرى ... لمن بات تسري للصديق عقاربه والظاهر أن الأحرار أهل الوفاء بالعهود طالما قطعوا على أنفسهم عهداً أن لا يتركوا إخوانهم, ولا يضام جيرانهم, ولا تهتك حرمات لإخوانهم وبنيهم ولهم عين تطرف أبداً ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) . وفي الأمثال السائرة: "الحزم حفظ ما وليت وترك ما كفيت", وقيل: "عند النطاح يُغلب الكبش الأجم". (٢) قال الشاعر: رَأَيٌ سَرى وَعُيونُ الناسِ هاجِعَةٌ ... ما أَخَّرَ الحَزمَ رَأيٌ قَدَّمَ الحَذَرا (٣) أما أبو الطيب المتنبي فهو يقول: عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ... وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ ويقول: إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ ... فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ ... كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ

стр. 250

فلا بد للحر من أن يكون حريصاً على أهله وبلاده طامحاً في تحريرها والحفاظ عليها, ويرحم الله شوقي حيث يقول: شَبابٌ قُنَّعٌ لا خَيرَ فيهِم ... وَبورِكَ في الشَبابِ الطامِحينا أما ايليا أبو ماضي فهو يقول: الأرض للحشرات تزحف فوقها ... والجو للبازي وللشاهين ويغفر الله لأبي قاسم الشابي حيث يقول: إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ ... فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي ... ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ ... يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ أما احمد مطر في شعره الحر فإنه في لافتاته تحت عنوان: "الحرية رائعة" يقول: أخبرنا أستاذي يوماً ... عن شيءٍ يدعى الحرية فسألت الأستاذ بلطف ... أن يتكلم بالعربية ما هذا اللفظ وما تعني ... وأية شيء حرية هل هي مصطلح يوناني ... عن بعض الحقب الزمنية أم أشياء نستوردها ... أو مصنوعات وطنية فأجاب معلمنا حزناً ... وانساب الدمع بعفوية قد أنسوكم كل التأريخ ... وكل القيم العلوية أسفي أن تخرج أجيال ... لا تفهم معنى الحرية

стр. 251

لا تملك سيفاً أو قلماً ... لا تحمل فكراً وهوية وعلمت بموت مدرسنا ... في الزنزانات الفردية فنذرت لئن أحياني الله ... وكانت بالعمر بقية لأجوب الأرض بأكملها ... بحثاً عن معنى الحرية وقصدت نوادي أمتنا ... أسألهم أين الحرية فتواروا عن بصري هلعاً ... وكأن قنابل ذرية تنفجر فوق رؤوسهم ... وتبيد جميع البشرية وأتى رجل يسعى وجلا ... وحكى همساً وبسرية لا تسأل عن هذا أبداً ... أحرف كلماتك شوكية هذا رجس هذا شرك ... في دين دعاة الوطنية إرحل فتراب مدينتنا ... يحوي أذاناً مخفية تسمع ما لا يحكى أبداً ... وترى قصصاً بوليسية ويكون المجرم حضرتكم ... والخائن حامي الشرعية ويلفق حولك تدبير ... لإطاحة نظم ثورية وببيع روابي بلدتنا ... يوم الحرب التحريرية وبأشياء لا تعرفها ... وخيانات للقومية وتساق إلى ساحات الموت ... عميلاً للصهيونية واختتم النصح بقولته ... وبلهجته التحذيرية لم أسمع شيئاً لم أركم ... ما كنا نذكر حرية

стр. 252

هل تفهم؟ عندي أطفال ... كفراخ الطير البرية وذهبت إلى شيخ الإفتاء ... لأسأله ما الحرية فتنحنح يصلح جبته ... وأدار أداة مخفية وتأمل في نظارته ... ورمى بلحاظ نارية واعتدل الشيخ بجلسته ... وهذى باللغة الغجرية اسمع يا ولدي معناها ... وافهم أشكال الحرية ما يمنح مولانا يوماً ... بقرارات جمهورية أو تأتي مكرمة عليا ... في خطب العرش الملكية والسير بضوء فتاوانا ... والأحكام القانونية ليست حقاً ليست ملكاً ... فأصول الأمر عبودية وكلامك فيه مغالطة ... وبه رائحة كفرية هل تحمل فكر أزارقة؟ ... أم تنحو نحو حرورية يبدو لي أنك موتور ... لا تفهم معنى الشرعية واحذر من أن تعمل عقلاً ... بالأفكار الشيطانية واسمع إذ يلقي مولانا ... خطبا كبرى تأريخية هي نور الدرب ومنهجه ... وهي الأهداف الشعبية ما عرف الباطل في قولٍ ... أو في فعل أو نظرية من خالف مولانا سفهاً ... فنهايته مأساوية لو يأخذ مالك أجمعه ... أو يسبي كل الذرية

стр. 253

أو يجلد ظهرك تسلية ... وهوايات ترفيهية أو يصلبنا ويقدمنا ... قربانا للماسونية فله ما أبقى أو أعطى ... لا يسأل عن أي قضية ذات السلطان مقدسة ... فيها نفحات علوية قد قرر هذا يا ولدي ... في فقرات دستورية لا تصغي يوما يا ولدي ... لجماعات إرهابية لا علم لديهم لا فهماً ... لقضايا العصر الفقهية يفتون كما أفتى قوم ... من سبع قرون زمنية تبعوا أقوال أئمتهم ... من احمد لابن الجوزية أغرى فيهم بل ضللهم ... سيدهم وابن التيمية ونسوا أن الدنيا تجري ... لا تبقى فيها الرجعية والفقه يدور مع الأزمان ... كمجموعتنا الشمسية وزمان القوم مليكهم ... فله منا ألف تحية وكلامك معنا يا ولدي ... أسمى درجات الحرية فخرجت وعندي غثيان ... وصداع الحمى التيفية وسألت النفس أشيخ هو؟ ... أم من أتباع البوذية؟ أو سيخي أو وثني ... من بعض الملل الهندية أو قس يلبس صلباناً ... أم من أبناء يهودية ونظرت ورائي كي أقرأ ... لافتة الدار المحمية

стр. 254

كتبت بحروف بارزة.... وبألوان فسفورية هيئات الفتوى والعلماء ... وشيوخ النظم الأرضية من مملكة ودويلات ... وحكومات جمهورية هل نحن نعيش زمان ... التيه وذل نكوص ودنية تهنا لما ما جاهدنا ... ونسينا طعم الحرية وتركنا طريق رسول الله ... لسنن الأمم السبئية قلنا لما أن نادونا ... لجهاد النظم الكفرية روحوا أنتم سنظل هنا ... مع كل المتع الأرضية فأتانا عقاب تخلفنا ... وفقاً للسنن الكونية ووصلت إلى بلد السكسون ... لأسألهم عن حرية فأجابوني: "سوري سوري ... نو حرية نو حرية" من أدراهم أني سوري ... ألأني أطلب حرية؟! وسألت المغتربين وقد ... أفزغني فقد الحرية هل منكم أحد يعرفها ... أو يعرف وصفاً ومزية فأجاب القوم بآهات ... أيقظت هموماً منسية لو رزقناها ما هاجرنا ... وتركنا الشمس الشرقية بل طالعنا معلومات ... في المخطوطات الأثرية إن الحرية أزهار ... ولها رائحة عطرية كانت تنمو بمدينتنا ... وتفوح على الإنسانية

стр. 255

ترك الحراس رعايتها.....فرعتها الحمر الوحشية وسألت أديباً من بلدي ... هل تعرف معنى الحرية فأجاب بآهات حرى ... لا تسألنا نحن رعية وذهبت إلى صناع الرأي ... وأهل الصحف الدورية ووكالات وإذاعات ... ومحطات تلفازية وظننت بأني لن أعدم ... من يفهم معنى الحرية فإذا بالهرج قد استعلى ... وأقيمت سوق الحرية وخطيب طالب في شمم ... أن تلغى القيم الدينية وبمنع تداول أسماء ... ومفاهيم إسلامية وإباحة فجر وقمار ... وفعال الأمم اللوطية وتلاه امرأة مفزغة ... كسنام الإبل البختية وبصوت يقصف هدّاراً ... بقنابلها العنقودية إن الحرية أن تشبع ... نار الرغبات الجنسية الحرية فعل سحاق ... ترعاه النظم الدولية هي حق الإجهاض عموماً ... وإبادة قيم خلقية كي لا ينمو الإسلام ولا ... تأتي قنبلة بشرية هي خمر يجري وسفاح ... ونواد الرقص الليلية وأتى سيدهم مختتماً ... نادي أبطال الحرية وتلى ما جاء الأمر به ... من دار الحكم المحمية

стр. 256

أمر السلطان ومجلسه ... بقرارات تشريعية تقضي أن يقتل مليون ... وإبادة مدن الرجعية فليحفظ ربي مولانا ... ويديم ظلال الحرية فبمولانا وبحكمته ... ستصان حياض الحرية وهنالك أمر ملكي ... وبضوء الفتوى الشرعية يحمي الحرية من قوم ... راموا قتلا للحرية ويوجه أن يبنى سجن ... في الصحراء الإقليمية وبأن يستورد خبراء ... في ضبط خصوم الحرية يلغى في الدين سياسته ... وسياستنا لا دينية وليسجن من كان يعادي ... قيم الدنيا العلمانية أو قتلا يقطع دابرهم ... ويبيد الزمر السلفية حتى لا تبقى أطياف ... جماعات إسلامية وكلام السيد راعينا ... هو عمدتنا الدستورية فوق القانون وفوق الحكم ... وفوق الفتوى الشرعية لا حرية لا حرية ... لجميع دعاة الرجعية لا حرية لا حرية ... أبداً لعدو الحرية ناديت: أيا أهل الإعلام ... أهذا معنى الحرية؟ فأجابوني باستهزاء ... وبصيحات هستيرية الظن بأنك رجعي ... أو من أعداء الحرية

стр. 257

وانشق الباب وداهمني ... رهط بثياب الجندية هذا لكماً هذا ركلاً ... ذياك بأخمص روسية اخرج خبر من تعرفهم ... من اعداء للحرية وذهبت بحالة إسعاف ... للمستشفى التنصيرية وأتت نحوي تمشي دلعاً ... كطير الحجل البرية تسأل في صوت مغناج ... هل أنت جريح الحرية أن تطلبها فالبس هذا ... واسعد بنعيم الحرية الويل لك ما تعطيني ... أصليب يمنح حرية يا وكر الشرك ومصنعه ... في أمتنا الإسلامية فخرجت وجرحي مفتوح ... لأتابع أمر الحرية وقصدت منظمة الأمم ... ولجان العمل الدولية وسألت مجالس أمتهم ... والهيئات الإنسانية ميثاقكم يعني شيئاً ... بحقوق البشر الفطرية أو أن هناك قرارات ... عن حد وشكل الحرية قالوا: الحرية أشكال ... ولها أسس تفصيلية حسب البلدان وحسب الدين ... وحسب أساس الجنسية والتعديلات بأكملها ... والمعتقدات الحالية ديني الإسلام وذا وطني ... وولدت بأرض عربية حريتكم حددناها ... بثلاث بنود أصلية

стр. 258

فوق الخازوق لكم علم ... والحفل بيوم الحرية ونشيد يظهر أنكم ... انهيتم شكل التبعية ووقفت بمحراب التأريخ ... لأسأله ما الحرية فأجاب بصوت مهدود ... يشكو أشكال الهمجية إن الحرية أن تحيا ... عبداً لله بكلية وفق القرآن وفق الشرع ... ووفق السنن النبوية لا حسب قوانين طغاة ... أو تشريعات أرضية وضعت كي تحمي ظلماً ... وتعيد القيم الوثنية الحرية ليست وثناً ... يغسل في الذكرى المئوية ليست فحشاً ليست فجراً ... أو أزياء باريسية الحرية لا تستجدى ... من سوق النقد الدولية والحرية لا تمنحها ... هيئات البر الخيرية الحرية نبت ينمو ... بدماء حرة وزكية تؤخذ قسراً تبني صرحاً ... يرعى بجهاد وحمية يعلو بسهام ورماح ... ورجال عشقوا الحرية اسمع ما أملي يا ولدي ... وارويه لكل البشرية أن تغفل عن سيفك يوماً ... فانس موضوع الحرية فغيابك عن يوم لقاء ... هو نصر للطاغوتية والخوف لضية أموال ... أو أملاك أو ذرية

стр. 259

طعن يفري كبداً حرة ... ويمزق قلب الحرية إلا إن خانوا أو لانوا ... وأحبوا المتع الأرضية يرضون بمكس الذل ولم ... يعطوا مهراً للحرية لن يرفع فرعون رأساً ... إن كانت بالشعب بقية فجيوش الطاغوت الكبرى ... في وأد وقتل الحرية من صنع شعوب غافلة ... سمحت ببروز الهمجية حادت عن منهج خالقها ... لمناهج حكم وضعية واتبعت شرعة إبليس ... فكساها ذلاً ودنية فقوى الطاغوت يساويها ... وجل تحيى فيه رعية لن يجمع في قلب أبداً ... إيمان مع جبن طوية الحر يحفظ الود من اصطنع حراً استفاد شكراً, فالحر يحفظ الود والعهد, فهو لا يترك عهده لفقد النصرة, وعدم القدرة, أو الشعور بقوة الخصم, ولهذا قيل: "خير الأموال ما استرق حراً, وخير الأعمال ما استحق شكراً", فالإحسان إلى الأحرار يحفظ في قلوبهم, ويظهر في سلوكهم, وما أحسن ما قاله العلامة علي بن احمد خريصة اليماني: ليس بحر ولا كريم ... من غيرت وده الدهورُ الحر حرٌ وإن جفاه ... دهرٌ وحالت به الأمورُ ليس الفتى من إذا ألمت ... أزمة دهرٍ به يخورُ ولا الذي إن به تراخت ... حال رأى أنه الخطيرُ

стр. 260

وإنما الحر عند هذا ... مصطبرٌ أو فتىً شكورُ أما أبو الطيب المتنبي فهو يقول: وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ ... وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا فقد الحر رزيئة رأس الفضائل اصطناع الأفاضل, ورأس الرذائل اصطناع الأراذل, ومن أعظم الفجائع أضاعت الصنائع, وهي لا تضيع إلا بإضاعتهم أو فقدهم, ويرحم الله الإمام الشافعي حيث يقول: لعمرك ما الرزيئة فقد دار ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزئية فقد حر ... يموت بموته خلق كثير (١)

стр. 261

الفصل التاسع الوطن

стр. 262

الوطن إن محبة الأوطان, ومؤانسة الإخوان, والتمتع بنعم الله الوهاب المنان, من أمور الفطرة التي جُبِل عليها الإنسان, وتتوق إليها أفئدة الشيوخ والكهول والشباب والولدان, فالحنين إلى الأوطان والشوق إليها في سائر الأزمان ومختلف البلدان, أمر طالما تحدث عنه الفصحاء, ونطق به البلغاء, ونظمه الشعراء, ويرحم الله يحيى بن إبراهيم جحاف حيث يقول: إنما المقصد الحسن ... أبدا رؤية الوطن واجتماعي بمن به ... وبقلبي الشجي سكن وطني حيث لم يكن ... لي في غيره شجن إنه برؤ ساعة ... من أذى البث والحزن وهو قوت القلوب إن ... عافت الزبد واللبن كلما عنَّ ذكره ... سنح الشوق لي وعن وإذا حن طائر ... حن قلبي هوى وأن يا نزول بسفحه ... أنتم من ذوي الفطن هـ إلى أن قال: أصبح الروح في حبور ... وفي ريمة البدن كم وكم فيه من رشا ... يشبه الشادي الأغن قلت والروح في يديه ... مني الروح مرتهن أبرزوا وجهه المليـ ... ـح ولاموا من افتتن

стр. 263

لو أرادوا صلاحنا.... ستروا وجهه الحسن والوطن:هو الأقليم من الأرض الذي أتخذته مجموعة من الناس موضع للاقامة والسكن والعيش المشترك فهو موضع الأقامة،ومنه كلمة مواطن الذي جاء بها القران الكريم قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ التوبة٢٥ وفي المنار المواطن جمع موطن والأصل فيه مقر الإنسان ومحل أقامته كالوطن،وهذه المواطن كانت محل للنصرة والعلو وتجد مصطلح الإرض بمعنى الوطن قد جاء في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ النور٥٥، وفي الأمثال السائرة يحن اللبيب الى وطنه كما يحن النجيب إلى عطنه (١) وقال الشاعر: أحن حنين النيب للموطن الذي ... مغاني غوانيه إليه جواذبي ومن سار عن أرض ثواى قلبه بها ... تمنا له بالجسم أوبت آيب (٢)

стр. 264

وقيل الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة (١) ، وفي محضرات الأدبا: عسرك في وطنك أطيب من يسرك في غربتك، وإذا أخلقك الوطن جددك الظعن (٢) ، قال الشاعر: إذا نبا بكريم موطن فله ... ورأه في بسيط الأرض أوطان (٣) حب الوطن ووصفه لقد أكثر الأدباء والشعراء وصف رياض الأوطان النضرة, وأجواءها العطرة, وأشجارها المثمرة, وأنهارها العذبة المتكاثرة, ووصف ديارها العامرة, وبحارها المتوهجة الهادرة, ووصف جمال أهلها, وتحسين أخبارها, وتزيين آثارها, بما يشنف الأسماع, ويهيج النفس ويبعثها على السماع, ولعل في ذلك من العظة والاعتبار ما يرشد إلى الإدكار, ويساعد على الخروج بالنفس من همومها, أو يرشد إلى النجاح والفلاح, وقد كان يسمع رسول الله ﵌ من يحن إلى الوطن ولا ينكره, وهذا بلال بن أبي رباح ﵁ يسمع عنه الرسول ﵌ حيث يقول: أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) (٤) . وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن النبي ﵌ وأصحابه كانوا يحبون وطنهم الأصلي مكة حباً جماً, فدعاء رسول الله ﵌ لربه بأن يحبب المدينة إليهم كما حبب إليهم مكة نص صريح، وقد روى النسائي وأبن حبان والترمذي أن الرسول ﵌ قال: (والله أنك لخير أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) ، وفي الفتح الكبير (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) . وقد أُثِرَ عنه ﵊ بعد أن استوطن المدينة أنه كان يقول في أحد: (هذا جبل يحبنا ونحبه) (٥) , وقد كان النبي ﵌ يحب وطنه, وهو ما جزم به الإمام الذهبي ﵀ حين عدّد بعض محاب النبي ﵌ وذكر منها الوطن فقال: "ويحب وطنه" (٦) , فالإسلام يحتاج إلى ملاذ آمن ينمو في كنفه, ويربو في أحشائه, وينطلق منه, ويأوي إليه, وهذا الملاذ هو ما يمكن الاصطلاح على تسميته بالوطن, ألا ترى

стр. 265

أنه ورد في الحديث النبوي الشريف: (إِنَّ الإِسْلامَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) (١) , فالانتماء إلى الوطن في الإسلام يمثل شكلاً من أشكال الجماعة التي جاءت تعاليمه تشد من أزرها وتؤكد عليها وفق ضوابط شرعية وحدود مرعية, وقد استثمر المسلمون الأوائل ذلك في تحقيق مصالح الجماعة في عدد من المناسبات والظروف المختلفة في إعداد الجيوش وترتيبها في المعارك, وفي تنظيم الناس في العطاء, وفي تخطيط المدن, وفي حفظ الأمن, وفي تنظيم علاقة الراعي بالرعية, إلى غير ذلك من الأمور الهامة. والمواطنة في الإسلام حق مكتسب لسائر الناس بما يرتب عليها من حقوق وواجبات إلا في جزيرة العرب فلا يسكنها على سبيل الإقامة الدائمة إلا المسلمون دون غيرهم, ومن نعم الله أن القرآن لم يكبح غريزة حب الأوطان, ولكنه يمنع أن تكون تلك المحبة مساوية لحب الله ورسوله أو مؤثرة عليهما ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢) . ومن رحمة الله تعالى أنه لم يذم حب الأهل والأقارب والأزواج ولا حب المال والمكاسب والاتجار ولا حب الأوطان، ولم ينه عنها، وإنما جعل من

стр. 266

مقتضى الإيمان إيثار حُب الله ورسوله ﵌ على حُب ما ذكر وكذلك الجهاد في سبيله، وفي الحديث الذي رواه الشيخان في صحيحيهما والترمذي والنسائي من حديث أنس مرفوعاً: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحب المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) (١) , وروى البخاري ومسلم من حديث أنس أيضاً: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (٢) . فمحبة الأوطان من أمور الفطرة التي تتوق إليها نفوس الكرام, فكم شهدنا من صغار الناس وكبارهم شريفهم ووضيعهم ينعتون أوطانهم, ويحنون إليها, ويبكون على أطلالها, ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ ... نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي وَهَفا بِالفُؤادِ في سَلسَبيلٍ ... ظَمَأٌ لِلسَوادِ مِن عَينِ شَمسِ شَهِدَ اللَهُ لَم يَغِب عَن جُفوني ... شَخصُهُ ساعَةً وَلَم يَخلُ حِسّي ولشدة حب الأوطان التي جُبِلَ عليه بنو الإنسان حكى الله عن قومٍ لم يذعنوا لله ويمتثلوا أمره ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ (٣) ،عبر عن الوطن بالديار كما هو الاستخدام الشائع في القرآن ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤) ،وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥) وقد يعبر عن الوطن بالدار وإلى ذلك يشير قول الحق ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦) ،فكل أرض يلقا الأنسان فيها رغائبه فهي محببة إليه قال الشاعر: خير المواطن ما للنفس فيه هوى ... سم الخياط مع الاحباب ميدان كل الديار إذا فكرت واحدة ... مع الحبيب وكل الناس أخوان (٧) دعائم المواطنه المواطنة مستمده من الوطن وهو الأقليم من الأرض الذي أتخذته مجموعة من الناس موضع للإقامة والسكن والعيش المشترك في ظل الإنتماء والولاء لهذا الإقليم، وأحقيت كل فرد في التمتع بالحقوق والحريات الإنسانية في

стр. 267

مقابل القيام بالواجبات المستحقة عليه للعيش في هذا الوطن ويمكن أن يأخذ المرء من الصحيفة المدنية التي تعد وثيقة دستورية أهم الدعائم التي تقوم عليها المواطنة في ظل نظام إسلامي إنساني فقد جاء في هذه الوثيقة ما يفيد أن الدعائم الأساسية للمواطنة حق التمتع بالجنسية والمساواة وحصول التكافل والتضامن بين ابناء الوطن الواحد والحماية والنصرة والتناصح في الشؤن المدنية والدفاعية والإلتزام على الوطن ورعايته وتحريم موالات الأعدا وتقرير الكرامة الإنسانية والاعتراف بحق الخصوصية ٠٠٠الخ، وتضمنت صحيفة المدينة: ١. هذا كتاب محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم أنهم أمه واحدة من دون الناس (١) ،وفي هذا بيان لكيان الدولة الناشئة على وطن واحد تم دمج أفراده ومجتمعة في كيان واحد يتمتعون بجنسية الدولة الناشئة فهم أمة واحدة وفي الأمثال السائرة لولا الوئام لهلك الأنام أي لولا موافقة الناس بعضهم لبعض لهلكوا قال الميداني:ويروى لولا اللئام لهلك الأنام من قولهم لائمت بينهما أي اصلحت من اللأم وهو الاصلاح ويروى اللَّوامْ بمعنى الملاومة (٢) قال الشاعر:

стр. 268

لولا التعاون بين الناس ماشرفت ... نفس ولا أزدهرة أرض بعمران (١) وقال حافظ إبراهيم: لا تَعجَبَنَّ لِمُلكٍ عَزَّ جانِبُهُ ... لَولا التَعاوُنُ لَم تَنظُر لَهُ أَثَرا ٢. التكافل والتضامن بين أفراد وجماعات الوطن تمثل دعامة هامة ولهذا فقد جاء في صحيفة المدينة أن المؤمنين لا يتركون مفرحا أن يعطوه في فداء أو عقل (٢) (الدية) ،ومفرحا بضم الميم وفتح الراء هو المثقل بالدين،ومما لا ريب فيه أن المجتمع الذي يشيد بنيانه على التكافل والتضامن بين أفراده يكون مترابطا قويا ويرحم الله شوقي حيث يقول: إِنَّ التَعاوُنَ قُوَّةٌ عُلوِيَّةٌ ... تَبني الرِجالَ وَتُبدِعُ الأَشياءَ وقال أخر: إذا العِبْءُ الثقيلُ توزَّعَتْه ... رقابُ القومِ خفَّ على الرِّقابِ ٣. الحمايه والنصرة بين أفراد المجتمع أساس للحفاظ على الإنسان والوطن وقد أرست الوثيقة الولاء بين أفراد المجتمع في الوطن الواحد في ظل الهوية الإسلامية ونصرة بعضهم البعض فنص فيها (لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثما أو عدوانا أو ٤.

стр. 269

٥. فسادا بين المؤمنين وأن ايديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم وان المؤمنين موالى بعضهم دون الناس) ،فاين المسلمون من هذه المبادء التي جاء بها الإسلام حتى يكونوا كالجسد الواحد كُلَما أَنَّ بِالعِراقِ جَريحٌ ... لَمَسَ الشَرقُ جَنبَهُ في عُمانِه (١) أما المساواة القائمة على العدل فإن صحيفة المدينة كفلت ذلك لنظام مجتمع الدولة الناشئة فهو آية العدل والإنصاف وقد تضمنت صحيفة المدينة (فأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم،وأن سلم المؤمنين واحده لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواء وعدل بينهم،وأن المؤمنين يبيئ بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله،وأنه من أعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به الا أن يرضى ولي المؤمنين ﴿بالعقل﴾ ولا يحل لهم الا قيام عليه) ،وهذه المبادئ تترجم تكافل الكل وتساويهم في الحقوق والواجبات وما أختلفوا فيه من شيئ فمرده الله ورسوله وقد ذهبت الصحيفة المدنية لتعدد القبائل واليهود الذين تحالفوا مع الرسول ﵌ وانضواء الكل في وطن واحد تحت لواء واحد فلا تحول الأختلافات الطبيعية أوالمكتسبة أو الفروق البشرية دون تماسك هذا المجتمع واتحاده،ويرحم الله ابا فراس

стр. 270

وَإِنّي وَإِيّاهُ لَعَينٌ وَأُختُها ... وَإِنّي وَإِيّاهُ لَكَفٌّ وَمِعصَمُ الحمداني حيث يقول: وقال أخر: تَداعَوا لِلسَلامِ وَأَمرِ نُجحٍ وَمَدّوا بَينَهُم بِحِبالِ مَجدٍ ... أ َلَم تَرَ أَنَّ جَمعَ القَومِ يُخشى وَأَنَّ القِدحَ حينَ يَكونُ فَرداً وَأَنَّكَ إِن قَبَضتَ بِها جَميعاً ... وَخَيرُ الأَمرِ ما فيهِ النَجاحُ ... وَثَديٍ لا أَجَدُّ وَلا ضَياحُ ... وَأَنَّ حَريمَ واحِدِهِم مُباحُ فَيُهصَرُلا يَكونَ لَهُ اِقتِداحُ ... أَبَت ما سُمتَ واحِدَها القِداحُ (١) ٦. أحترام حق الخصوصية الدينية أساس ذلك أنه لا اكراه في الدين ووجوب أحترام مشاعر المؤمنين فوثيقة المدينة تعتبر الوطن معلما للعلاقة القائمة على العدالة والاعتراف بحق الأمن والامان على نفس المواطن وعرضه وارضة ودينه يظهر ذلك ما جاء في الصحيفة (أن يهود بني عوف أمة مع المؤمين،لليهود دينهم وللمسلمين دينهم،مواليهم وانفسهم الا من ظلم وأثم،فإنه لا يوتغ (يهلك) الا نفسه وأهل بيته.

стр. 271

وأن على اليهود نفقتهم،وعلى المسلمين نفقتهم،وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذا الصحيفة،وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم. وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه،وأن النصر للمظلوم . وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين) (١) ، وهذه النصوص واضحة الدلالة في أحترام حق الخصوصية بأستثناء ما ورد فيما يخص جزيرة العرب التي لم يبق فيها الا ديانة واحدة وهو الدين الإسلامي ويعتبر ما ورد في الصحيفة أساس لأحترام حق الخصوصية طالما أعترف غير المسلم بحق المسلم في الامن والامان على النفس والمال والدين وممارسة شعائر الاسلام ولم يحدث ايذاء للمسلمين في أعمالهم وحرياتهم أو محاولة فتنهم في دينهم أو طردهم من أوطانهم أو الأفتئات على حقوقهم فقد جاء في محكم الذكر: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) ،وفي ذلك بيان أن الاسلام دين سلام للفرد والجماعة والامم والشعوب وانه يقر الألفة بين المختلفين في الاديان والاوطان والاجناس والالوان واللغات،ومما يؤيد ذلك ماورد في الصحيفة ... (واذا دعو الى صلح يصالحونه ويلبسونه فأنهم يصالحونه ويلبسونه، وانهم اذا دعو

стр. 272

الى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين الا من حارب في الدين) (١) وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) قال قيس ابن زهير: فيا ابني بغيض راجعا السلم تسلما وان سبيل الحرب وعرٌ مضلة ... ولا تشمتا الاعداء يفترق الشمل وان سبيل السلم آمنةٌ سهل وأما أحمد شوقي فهو يقول: ما زِلتَ تَطرُقُ بابَ الصُلحِ بَينَهُما ... حَتّى تَفَتَّحَتِ الأَبوابُ وَالسُدَدُ ويغفر الله للقائل: وَلَو تابَعوا قَولَ الإِلَهِ وَأَمرَهُ ... لَقالوا بِأَنَّ الصُلحَ لِلخَلقِ أَصلَحُ خيانة الأوطان جناية إن مما ينبغي أن يتحلى به المرء الوفاء للأوطان, والحفاظ فيها على الأهل والإخوان, وعدم التفريط بها والتخلي عنها, والمحافظة على دين الله الحق فيها, وإماطة الأذى عن سكانها في طرقهم وأسواقهم وحدائقهم ومتنزهاتهم, والحرص على ديمومة أمنهم واستقرارهم, وعمارة مساجدهم, ونظافة أسواقهم, وإقامة شعائر دينهم, واستقامة أخلاقهم, وقال بعض الأدباء: أن "من لا خير فيه لدينه لا خير فيه لوطنه" لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادراً فاجراً, فهو بنقض عهد الله أغدر وأفجر,

стр. 273

وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان, فمن لم يحرص عليها فأحرى به أن لا يحرص على وطن السقوف والجدران. (١) وطالما تغنى الشعراء بحب الأوطان وحذروا من بيع الأهل والاخوان, وقد جاء في زهر الأدب لأبي إسحاق القيرواني من شعر ابن الرومي قوله: ولي وطنٌ آليت ألا أبيعَهُ ... وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ ... مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهمُ ... عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا (٢) قلتُ: الظاهر أن من طبيعة الإنسان حب الوطن والحنين إليه وإن لم يكن تضاريسه ومناخه حسن, قال الشاعر: بلاد ألفناها على كل حالةٍ وقد ... يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن وتستعذب الأرض التي لا هوا بها ... ولا ماؤها عذب ولكنها وطن وكلما فارق الإنسان وطنه ازداد شوقه إليه, وحنينه عليه, ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَيا وَطَني لَقَيتُكَ بَعدَ يَأسٍ ... كَأَنّي قَد لَقيتُ بِكَ الشَبابا وَكُلُّ مُسافِرٍ سَيَئوبُ يَوماً ... إِذا رُزِقَ السَلامَةَ وَالإِيابا وَلَو أَنّي دُعيتُ لَكُنتَ ديني ... عَلَيهِ أُقابِلُ الحَتمَ المُجابا أُديرُ إِلَيكَ قَبلَ البَيتِ وَجهي ... إِذا فُهتُ الشَهادَةَ وَالمَتابا وَقَد سَبَقَت رَكائِبِيَ القَوافي ... مُقَلَّدَةً أَزِمَّتَها طِرابا

стр. 274

تَجوبُ الدَهرَ نَحوَكَ وَالفَيافي.... وَتَقتَحِمُ اللَيالِيَ لا العُبابا وَتُهديكَ الثَناءَ الحُرَّ تاجاً ... عَلى تاجَيكَ مُؤتَلِقاً عُجابا مرارة الغربة عن الأوطان إن الأنكى للقلب أن تتحكم يد النوى في المطرود عن بلاده فيبارحها بجسده ويبقى فؤاده مقيماً فيها, في ظل موت الأماني والآمال بالعودة إلى بلاده, وذلك كاغتراب شعراء فلسطين الذين طردتهم وشردتهم إسرائيل عن بلادهم وديارهم وأهلهم, وأغلقت دونهم كل أبواب الأمل في العود إلى مساكنهم ومراتع الصبا في بلدانهم, فترن في الأذان أصوات حنينهم, ونشيج ضلوعهم, بما يمزق النفس, ويقضي على صفو الحياة: ما يهب النسيم إلا وجدنا ... طيه زفرة من الأوطانِ تحمل الطلَّ للرياض وتذكي ... في الحشا لفحة من النيرانِ آه ويح الغريب ماذا يقاسي ... من عذاب النوى وماذا يعاني (١) أما الشاعر والأديب مطهر بن علي الإرياني في قصيدة المجد والألم فإنه يرى حب الوطن الذي عبّر عنه بالهوى ديناً فيقول: أيا وطني جعلت هواك دينا ... وعشت على شعائره أمينا إليك أزف من شعري صلاة ... ترتل في خشوع القانتينا وفي الإيمان بالأوطان بر ... وتقديس لرب العالمينا ومن يفخر بمثلك يا بلادي ... لا يعنيه لوم اللائمينا

стр. 275

أما الشاعر والأديب الكبير الأستاذ عبد الولي الشميري فإنه يرى أن الوطن موطن للحب وذلك حيث يقول: نور عيني وترانيم فمي ... نبظ قلبي وبلازيما دمي تاج مجد في أعالي جبهتي ... وسوار خالد في معصمي وطني للحب دار ووطن ... شامخ الهام على مر الزمن أنجب السمح وسيف بن يزن ... زرع اليمن فسموه اليمن يا ربى مسقط رأس الأدب ... ومناراً لأصول العرب موطن المستبسل الحر الأبي ... دم حصيناً في بروج الشهب وله أيضاً: يا موطن الحب يا نبعاً تدفقه ... يمنى الإله على جرحي فتشفيني ويا أريج نسيمات يمانية ... شذاك ينشرني طوراً ويرويني (١) وطن العرب والمسلمين واحد إن الكثير من عقلاء العرب والمسلمين, من الفصحاء المتقين الموحدين يرون في وحدة العقيدة ووحدة الأرض وطناً لهم لا يفرقون بين البلدان وإن تباينت, وفي ذلك يقول شاعرهم: ولست أعرف سوى الإسلام لي بلداً ... أرض الحجاز وأرض الشام سيانِ أما الدكتور عايض بن عبد الله القرني فهو يقول: فاينما ذكر اسم الله في بلد ... عددت ذاك الحمى من صلب اوطاني (٢)

стр. 276

والأرض قد وضعها الله للأنام وجعلها موطناً لبني الإنسان وقد جاء في سورة الرحمن: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ (١) ، وفي سورة الملك يقول الكريم المنان: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢) . فالوطن في الإسلام ليس معتقلاً لا يجوز الخروج عنه بل أنه أجاز الخروج لتبليغ الدعوة وتعليم الناس والجهاد وكسب الرزق وطلب العلم وقضاء الحوائج والسعي إلى تحقيق المصالح المختلفة بحرية كاملة, وإن كانت نظرة الناس تتباين في الحنين إلى أوطانهم. وفي حنين بعض الشعراء إلى أوطانهم نجد من بين هؤلاء الشعراء من يرى في وحدة الدين وحدة الأوطان ومن ذلك ما قاله الشاعر والأديب الكبير أحمد الشامي: عجبي كيف لم يصخ لنداء الـ ... ـعقل حر يدعوه من "بغدانِ" كيف لم ينسَ عرقه ويرى في ... وحدة الدين وحدة الأوطانِ وطن المسلمين ليس بحاراً ... وجبالاً بل ملة ومعاني وطن المسلمين ليس تراباً ... يقتنى عن قحطان أو عدنانِ وطن لا يقال: هذا عراقي ... وهذا كردي وهذا يماني وطن فيه الحب والخير للناس ... وصدق الخضوع للديانِ والمساواة في الحقوق وألا ... يعتدي إنسان على إنسانِ (٣)

стр. 277

وقال آخر: وأي بلاد الله حلت بها فما ... أراها وفي عيني حلت غير مكةِ وأي مكان ضمها حرم كذا ... أرى كل دار أوطنت دار هجرةِ (١) وجاء في شعر محمد المجذوب الوطن بمفهومه الواسع وذلك حيث يقول: في الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ... بالرقمتين وفي الفسطاط إخواني ولي بطيبة أوطار مجنحة ... تسمو بروحي فوق العالم الفاني وفي كراتشي وجاكرتا وأنقرة ... هوى عليه فؤادي خافق حاني وليس طرطوس مهما لج بي دمها ... أدنى إلى القلب من فاس وتطوانِ في كل قطر من الإسلام لي وطن ... هامت به النفس من قاص ومن دانِ توزَّع القلب حب بين أربعة ... فكل دار بها قومي وخلاني دنيا بناها لنا الهادي فأحكمها ... أعظم باحمد من هاد ومن بانِ وقال أبو إسحاق الألبيري (٢) : لله أكياس جفوا أوطانهم ... فالأرض أجمعها لهم أوطان جالت عقولهم مجال تفكر ... وجلالة فبدا لها الكتمان ركبت بحار الفهم في فلك النهى ... وجرى بها الإخلاص والإيمان فرست بهم لما انتهوا بجفونهم ... مرسى لهم فيه غنى وأمان (٣)

стр. 278

خصوصية الوطن الأول طالما حن الإنسان إلى منزله الأول ومسقط رأسه حيث ما حل وارتحل, وفي الأمثال الشعبية: "مسقط الرأس غالي". قال الشاعر: كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى ... وَحَنينُهُ أَبَداً لأَوَّلِ مَنزِلِ نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ... ما الحُبُّ إِلا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ وللوطن على أهله حقوق يجب أن تراعى قال الشاعر: وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ ... يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ (١) في الانتقال عن الأوطان إن الانتقال عن الوطن لطلب العلم والمعرفة والتجارة وصلة الرحم للقيام بواجب أو أداء فريضة أو زيارة أخ أو بحث عن عمل مشروع أو غير ذلك من الأمور المشروعة التي تتوق إليها النفس ويسمو بها الإنسان ويرضى بها الرحمن محبب غير مذموم, بل أن بعض الشعراء قد رأى أن في التنقل عن الأوطان عز وذخر, فهذا الطغرائي يقول:

стр. 279

إن العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ ... في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً ... لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ (١) أما الإمام الشافعي ﵁ فإنه يحث على التغرب عن الأوطان في طلب العلا ويبين مناقب السفر وفوائده حيث يقول: تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا ... وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ ... وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ (٢) وله أيضاً: ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ ... مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ ... وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ ... إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً ... لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ (٣) غير أن بعض الشعراء يرى أن هناك أموراً لم يرها الإمام الشافعي فيقول: إذا قيل: في الأسفار خمس فوائد ... أقول: وخمس لا تقاس بها البلوى فتضييع أموال وحمل مشقة ... وهَم وأنكال وفرقة من أهوى (٤) والظاهر أن مخاطر الأسفار في هذه الأزمنة قد تلاشت وتبددت وأصبح الإنسان يذهب ويجيء براحة ويسر وأمان, وفي ذلك عظة واعتبار, وتفضل

стр. 280

ونعمة من الرحيم الرحمن, وفي الذكر الحكيم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) .

стр. 281

الفصل العاشر المال

стр. 282

المال المال نعمته عظيمة, وزينته كبيرة, وخيراته واسعة كثيرة, وحليته جذابة جميلة, ومنافعه عذبة وفيرة, وقد جعله الحق وسيطاً لنيل المآرب والجاه في هذه الحياة, فبالمال تشترى المآكل اللذيذة, والمشارب العذبة, والقصور الفخمة, والملابس الثمينة, وتنكح الغانيات من النساء, وتشترى الأنعام, وتصنع السيارات والطائرات الفائقة, وبالمال تستخدم الرجال, وتبنى المدارس, وتشق الطرقات, ويدنو البعيد من المقاصد, ويسهل الصعب من الأعمال, ويرتفع الوضيع, ويعز الذليل, ويقوى الضعيف, وبه تشيد الممالك, قال الشاعر: قِف بِالمَمالِكِ وَاِنظُر دَولَةَ المالِ ... وَاِذكُر رِجالاً أَدالوها بِإِجمالِ وَاِنقُل رُكابَ القَوافي في جَوانِبِها ... لا في جَوانِبِ رَسمِ المَنزِلِ البالي ما هَيكَلُ الهَرَمِ الجيزِيِّ مِن ذَهَبٍ ... في العَينِ أَزيَنَ مِن بُنيانِها الحالي عَلا بِها الحِرصُ أَركاناً وَأَخرَجَها ... عَلى مِثالٍ مِنَ الدُنيا وَمِنوالِ فيها الشَقاءُ لِقَومٍ وَالنَعيمُ لَهُم ... وَبُؤسُ ساعٍ وَنُعمى قاعِدٍ سالي وَالمالُ مُذ كانَ تِمثالٌ يُطافُ بِهِ ... وَالناسُ مُذ خُلِقوا عُبّادُ تِمثالِ إِذا جَفا الدورَ فَاِنعَ النازِلينَ بِها ... أَوِ المَمالِكَ فَاِندُبها كَأَطلالِ يا طالِباً لِمَعالي المُلكِ مُجتَهِداً ... خُذها مِنَ العِلمِ أَو خُذها مِنَ المالِ بِالعِلمِ وَالمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُمُ ... لمَ يُبنَ مُلكٌ عَلى جَهلٍ وَإِقلالِ (١) وله أيضاً: لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد ... نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه ... وَمَضى يَقصُرُ خَطواً وَيَمُد يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه ... وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ ... أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ ... مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها ... ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها ... حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد ولو ذهبنا نتتبع فوائد المال ومنافعه لما استطعنا إحصاءها لأن الحق جعله وسيطاً لبناء الحياة, ووسيلة لعمارتها, وقد يكون وسيطاً للوصول إلى الدرجات العلا من الجنة إذا ما راعى الإنسان في طرق كسبه وصرفه ضوابط الشريعة ومقاصدها, فبالمال تبنى دور العلم التي يتعلم فيها الناس أمور دينهم ودنياهم, وبالمال تبنى المنازل للزمنى والمكفوفين والمحتاجين من الفقراء والمساكين, وبالمال يمول الدعاة والمرشدون, وبالمال يؤاسى الضعفاء والمحتاجون, وبالمال تبنى المساجد والجوامع, وبالمال توصل الأرحام, وينشر الإسلام, وتقام دور العبادة في كل مكان, وترتفع راية الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام, فهو زينة الحياة كما أخبر عنه الحق : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) , ولمّا كان المال بهذه المكانة نهى عن إيتائه السفهاء فقال جل شأنه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً

стр. 283

مَّعْرُوفاً﴾ (١) , وأرشد الحق جل شأنه إلى التوسط في الإنفاق فقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ (٢) . حب المال المال نعمة محببه وفضل مدخر وخادم أمين يعين صاحبه على قضا حاجاته وهو خير إن استعمل وسيلة للخير ومنا فعه أكثر من أن تحصى ولمّا عرف الناس قيمة المال أحبوه حباً جمّا فحرصوا على جمعه فكأنهم جبلوا على ذلك كما أخبر الحق عن حال بني الإنسان بقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (٣) , فالإنسان صار من الشدة عليه بمكان, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٤) ،وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه:ياحبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي،وقال سفيان الثوري ﵀:المال سلاح المؤمن في هذا الزمان. وقد أثنى الحق على من أنفق المال في وجوه البر مع شدة حبه له فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٥) , ومن رحمة الله أن الحق لم يمنع من حبه بل أرشد إلى أخذه من حله وصرفه في محله, وإنما الممنوع مؤاثرة حب المال على حب الله ورسوله, أو حبه كحب الله ورسوله وحب شريعته ونبيه, ورحم الله شوقي حيث يقول: وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً ... كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا فأسعَ أخي لجمع المال من الحلال فإن ذلك يقيك ذل السؤال, واصرفه فيما ينفع, فإن ذلك يشفع ويرفع, ولا تحرص على بقائه فإنك مسئول عن خيره وشره ونفاده ونمائه, ولله در علي بن الجهم حيث يقول: أَيا جامِعَ المالِ وَفَّرتَهُ ... لِغَيرِكَ إِذ لَم تَكُن خالِدا فَإِن قُلتَ أَجمَعُهُ لِلبَنينَ ... فَقَد يَسبِقُ الوَلَدُ الوالِدا وَإِن قُلتَ أَخشى صُروفَ الزَمانِ ... فَكُن في تَصاريفِهِ واحِدا وقال الشريف الرضي: أَبُثُّكَ أَنَّ المالَ عارٌ عَلى الفَتى ... وَما المالُ إِلاّ عِفَّةٌ وَقُنوعُ وله أيضاً: إِذا المالُ أَصبَحَ في الباخِلينَ ... فَإِنَّ مُرَجّي الغِنى في تَعَب السعي في طلب المال وإصلاحه السعي في طلب المال من الحلال فريضة, وإصلاحه نعمة, والتكاسل عن انفاقه في وجوه الخير فتنة ومحنة, ولله در القائل:

стр. 284

لَمالُ المَرءِ يُصلِحُهُ فَيُغني ... مَفاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ القُنوعِ (١) وقال آخر: أَرى كُلَّ ذي مالٍ يبر بِمالِهِ ... وَإِن كانَ لا أَصلٌ هُناكَ وَلا فَضلُ (٢) فالمال يذهب بالفقر, ويعين على الخير, ويرغب الناس في صاحبه, ولله در القائل: الفَقرُ يُزري بِأَقوامٍ ذَوي حسبٍ ... وَقد يُسوّدُ غَيرَ السيِّدِ المالُ وأما الشريف الرضي ﵁ فهو يقول: لا أَطلُبُ المالَ إِلاّ مِن مَطالِبِهِ ... وَلا يَفي لِيَ بَذلُ المالِ بِالمِنَنِ وله أيضاً: رأيت حلال المال خير مغبة ... وأجدر أن يقى على الحدثان وإياك والمال الحرام فإنه ... وبال إذا ما قدم الكفنان وقال آخر: الفقر يزري بأقوام ذوي حسبٍ ... وربما ساد جبس القوم بالمال ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً ... وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها ... كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً ... وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا

стр. 285

أما المتلمس فهو يرى أن قليل المال الذي تصلحه خير من الكثير مع الفساد وذلك حيث يقول: وَأَعلَمُ عِلمَ حَقٍّ غَيرَ ظَنٍّ ... وَتَقوى اللَهِ مِن خَيرِ العَتادِ لَحِفظُ المالِ أيسَرُ مِن بُغاهُ ... وَسَيرٍ في البِلادِ بِغَيرِ زادِ وَإِصلاحُ القَليلِ يَزيدُ فيهِ ... وَلا يَبقَى الكَثيرُ مَعَ الفَسادِ (١) وقال ابن قتيبة: حدثني الخفعني قال: أحسن بيت قيل في حفظ المال بيت منجنوف بن مرة السلمي: وادفع عن مال الحقوق وإنه ... لجم فإن الدهر لجم مصائبه (٢) وقال آخر: وكان المال يأتينا فكنا ... نبذره وليس لنا عقول فلما أن تولى المال عنا ... عقلنا حين ليس لنا فضول (٣) وفي الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال: ﴿طلب الحلال فريضة بعد الفريضة﴾ (٤) ،قال ابن الرومي: سعيُ السُّعاةِ لفضل المال بعد غِنىً ... حِرمٌ كما طلبُ الأقواتِ مُفترض وقديما قيل لا خير فيمن لا يجمع المال يصون به عرضه ويحمي به مروئته،ويصل به رحمه،وقال عمر بن الخطاب ﵁:حسب الرجل ماله وكرمه دينه ومروئته خلقه.
следующие страницы →