← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الفصل العاشر المال

стр. 282

المال المال نعمته عظيمة, وزينته كبيرة, وخيراته واسعة كثيرة, وحليته جذابة جميلة, ومنافعه عذبة وفيرة, وقد جعله الحق وسيطاً لنيل المآرب والجاه في هذه الحياة, فبالمال تشترى المآكل اللذيذة, والمشارب العذبة, والقصور الفخمة, والملابس الثمينة, وتنكح الغانيات من النساء, وتشترى الأنعام, وتصنع السيارات والطائرات الفائقة, وبالمال تستخدم الرجال, وتبنى المدارس, وتشق الطرقات, ويدنو البعيد من المقاصد, ويسهل الصعب من الأعمال, ويرتفع الوضيع, ويعز الذليل, ويقوى الضعيف, وبه تشيد الممالك, قال الشاعر: قِف بِالمَمالِكِ وَاِنظُر دَولَةَ المالِ ... وَاِذكُر رِجالاً أَدالوها بِإِجمالِ وَاِنقُل رُكابَ القَوافي في جَوانِبِها ... لا في جَوانِبِ رَسمِ المَنزِلِ البالي ما هَيكَلُ الهَرَمِ الجيزِيِّ مِن ذَهَبٍ ... في العَينِ أَزيَنَ مِن بُنيانِها الحالي عَلا بِها الحِرصُ أَركاناً وَأَخرَجَها ... عَلى مِثالٍ مِنَ الدُنيا وَمِنوالِ فيها الشَقاءُ لِقَومٍ وَالنَعيمُ لَهُم ... وَبُؤسُ ساعٍ وَنُعمى قاعِدٍ سالي وَالمالُ مُذ كانَ تِمثالٌ يُطافُ بِهِ ... وَالناسُ مُذ خُلِقوا عُبّادُ تِمثالِ إِذا جَفا الدورَ فَاِنعَ النازِلينَ بِها ... أَوِ المَمالِكَ فَاِندُبها كَأَطلالِ يا طالِباً لِمَعالي المُلكِ مُجتَهِداً ... خُذها مِنَ العِلمِ أَو خُذها مِنَ المالِ بِالعِلمِ وَالمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُمُ ... لمَ يُبنَ مُلكٌ عَلى جَهلٍ وَإِقلالِ (١) وله أيضاً: لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد ... نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه ... وَمَضى يَقصُرُ خَطواً وَيَمُد يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه ... وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ ... أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ ... مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها ... ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها ... حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد ولو ذهبنا نتتبع فوائد المال ومنافعه لما استطعنا إحصاءها لأن الحق جعله وسيطاً لبناء الحياة, ووسيلة لعمارتها, وقد يكون وسيطاً للوصول إلى الدرجات العلا من الجنة إذا ما راعى الإنسان في طرق كسبه وصرفه ضوابط الشريعة ومقاصدها, فبالمال تبنى دور العلم التي يتعلم فيها الناس أمور دينهم ودنياهم, وبالمال تبنى المنازل للزمنى والمكفوفين والمحتاجين من الفقراء والمساكين, وبالمال يمول الدعاة والمرشدون, وبالمال يؤاسى الضعفاء والمحتاجون, وبالمال تبنى المساجد والجوامع, وبالمال توصل الأرحام, وينشر الإسلام, وتقام دور العبادة في كل مكان, وترتفع راية الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام, فهو زينة الحياة كما أخبر عنه الحق : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) , ولمّا كان المال بهذه المكانة نهى عن إيتائه السفهاء فقال جل شأنه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً

стр. 283

مَّعْرُوفاً﴾ (١) , وأرشد الحق جل شأنه إلى التوسط في الإنفاق فقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ (٢) . حب المال المال نعمة محببه وفضل مدخر وخادم أمين يعين صاحبه على قضا حاجاته وهو خير إن استعمل وسيلة للخير ومنا فعه أكثر من أن تحصى ولمّا عرف الناس قيمة المال أحبوه حباً جمّا فحرصوا على جمعه فكأنهم جبلوا على ذلك كما أخبر الحق عن حال بني الإنسان بقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (٣) , فالإنسان صار من الشدة عليه بمكان, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٤) ،وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه:ياحبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي،وقال سفيان الثوري ﵀:المال سلاح المؤمن في هذا الزمان. وقد أثنى الحق على من أنفق المال في وجوه البر مع شدة حبه له فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٥) , ومن رحمة الله أن الحق لم يمنع من حبه بل أرشد إلى أخذه من حله وصرفه في محله, وإنما الممنوع مؤاثرة حب المال على حب الله ورسوله, أو حبه كحب الله ورسوله وحب شريعته ونبيه, ورحم الله شوقي حيث يقول: وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً ... كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا فأسعَ أخي لجمع المال من الحلال فإن ذلك يقيك ذل السؤال, واصرفه فيما ينفع, فإن ذلك يشفع ويرفع, ولا تحرص على بقائه فإنك مسئول عن خيره وشره ونفاده ونمائه, ولله در علي بن الجهم حيث يقول: أَيا جامِعَ المالِ وَفَّرتَهُ ... لِغَيرِكَ إِذ لَم تَكُن خالِدا فَإِن قُلتَ أَجمَعُهُ لِلبَنينَ ... فَقَد يَسبِقُ الوَلَدُ الوالِدا وَإِن قُلتَ أَخشى صُروفَ الزَمانِ ... فَكُن في تَصاريفِهِ واحِدا وقال الشريف الرضي: أَبُثُّكَ أَنَّ المالَ عارٌ عَلى الفَتى ... وَما المالُ إِلاّ عِفَّةٌ وَقُنوعُ وله أيضاً: إِذا المالُ أَصبَحَ في الباخِلينَ ... فَإِنَّ مُرَجّي الغِنى في تَعَب السعي في طلب المال وإصلاحه السعي في طلب المال من الحلال فريضة, وإصلاحه نعمة, والتكاسل عن انفاقه في وجوه الخير فتنة ومحنة, ولله در القائل:

стр. 284

لَمالُ المَرءِ يُصلِحُهُ فَيُغني ... مَفاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ القُنوعِ (١) وقال آخر: أَرى كُلَّ ذي مالٍ يبر بِمالِهِ ... وَإِن كانَ لا أَصلٌ هُناكَ وَلا فَضلُ (٢) فالمال يذهب بالفقر, ويعين على الخير, ويرغب الناس في صاحبه, ولله در القائل: الفَقرُ يُزري بِأَقوامٍ ذَوي حسبٍ ... وَقد يُسوّدُ غَيرَ السيِّدِ المالُ وأما الشريف الرضي ﵁ فهو يقول: لا أَطلُبُ المالَ إِلاّ مِن مَطالِبِهِ ... وَلا يَفي لِيَ بَذلُ المالِ بِالمِنَنِ وله أيضاً: رأيت حلال المال خير مغبة ... وأجدر أن يقى على الحدثان وإياك والمال الحرام فإنه ... وبال إذا ما قدم الكفنان وقال آخر: الفقر يزري بأقوام ذوي حسبٍ ... وربما ساد جبس القوم بالمال ويرحم الله شوقي حيث يقول: وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً ... وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها ... كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً ... وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا

стр. 285

أما المتلمس فهو يرى أن قليل المال الذي تصلحه خير من الكثير مع الفساد وذلك حيث يقول: وَأَعلَمُ عِلمَ حَقٍّ غَيرَ ظَنٍّ ... وَتَقوى اللَهِ مِن خَيرِ العَتادِ لَحِفظُ المالِ أيسَرُ مِن بُغاهُ ... وَسَيرٍ في البِلادِ بِغَيرِ زادِ وَإِصلاحُ القَليلِ يَزيدُ فيهِ ... وَلا يَبقَى الكَثيرُ مَعَ الفَسادِ (١) وقال ابن قتيبة: حدثني الخفعني قال: أحسن بيت قيل في حفظ المال بيت منجنوف بن مرة السلمي: وادفع عن مال الحقوق وإنه ... لجم فإن الدهر لجم مصائبه (٢) وقال آخر: وكان المال يأتينا فكنا ... نبذره وليس لنا عقول فلما أن تولى المال عنا ... عقلنا حين ليس لنا فضول (٣) وفي الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال: ﴿طلب الحلال فريضة بعد الفريضة﴾ (٤) ،قال ابن الرومي: سعيُ السُّعاةِ لفضل المال بعد غِنىً ... حِرمٌ كما طلبُ الأقواتِ مُفترض وقديما قيل لا خير فيمن لا يجمع المال يصون به عرضه ويحمي به مروئته،ويصل به رحمه،وقال عمر بن الخطاب ﵁:حسب الرجل ماله وكرمه دينه ومروئته خلقه.

стр. 286

إنفاق المال في وجوه البر إن إنفاق المال في وجوه البر يطيل العمر, ويكسب المودة, ويحصن المال من الجوائح, ويسعد الخلق, ويرضي الخالق, فتمتع به في غير إسراف ولا تبذير, وسارع إلى إنفاقه في وجوه الخير والبر كله, ولله در القائل: اِسعَد بِمالِكَ في الحَياةِ فَإِنَّما ... يَبقى خِلافكَ مُصلِحٌ أَو مُفسِدُ فَإِذا جمعت لِمُفسِدٍ لَم يُبقِهِ ... وَأَخو الصَلاحِ قَليلُهُ يَتَزَيَّدُ (١) أما ابن الرومي فهو يقول: أنْفِق المالَ قبل إنفاقكَ العمـ ... ـرَ ففي الدهر ريبُهُ ومَنونه قلَّ ما ينفع الثراءُ بخيلاً ... عَلِقَتْ في الثَّرَى المهيلِ رُهونه ولأبي العتاهية: المالُ ما كانَ قُدّامي لآخِرَتي ... ما لَم أُقَدِّمهُ مِن مالي فَلَيسَ لِيَه وله أيضاً: يا جامِعَ المالِ في الدُنيا لِوارِثِهِ ... هَل أَنتَ بِالمالِ بَعدَ المَوتِ تَنتَفِعُ وينهى أبو العتاهية عن إمساك المال, فحسب الإنسان أن يحصل على الري والشبع فيقول: لا تُمسِكِ المالَ وَاِستَرضِ الإِلَهَ بِهِ ... فَإِنَّ حَسبَكَ مِنهُ الرَيُّ وَالشَبَعُ وقال أيضاً: الحَمدُ لِلَّهِ كُلٌّ زائِلٌ بالِ ... لا شَيءَ يَبقى مِنَ الدُنيا عَلى حالِ

стр. 287

يا ذا الَّذي يَشتَهي ما لا ثَوابَ لَهُ ... تَبغي الثَوابَ فَكُن حَمّالَ أَثقالِ لا خَيرَ في المالِ إِلاّ أَن تُقَدِّمَهُ ... إِن لَم تُقَدِّمَهُ ما تَرجو مِنَ المالِ فاعط السائل من مالك تكن من المحسنين, ولا تكن عليه متطاولاً تنال ثواب رب العالمين, وقد جاء في محكم التنزيل الثناء على من يعطي السائلين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١) . لا تبخل عن بذل المال لا تبخل عن بذل المال لمستحقه ولا تعطه لغير مستحقه, ويرحم الله طاهر بن الحسين حيث يقول: لا تَبخَلَنَّ بدنيا وَهيَ مُقبِلَةٌ ... فَلَن يَنقِّصَها التَبذيرِ وَالسَرَفُ وَإِن تَوَلَّت فَأَحرى أَن تَجودَ بِها ... فَالجُودُ فيها إِذا ما أَدبَرَت خَلَفُ (٢) وفي الأمثال: "خير مالك ما نفعك, ولم يضع من مالك ما وعظك". ونظر ابن عباس إلى درهم بيد رجل فقال: "إنه ليس لك حتى يخرج من يدك". وقولهم: "تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره", قال الشاعر: أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك (٣) أما الشريف الرضي فهو يقول: وَاِجعَل يَدَيكَ مَجازَ المالِ تَحظَ بِهِ ... إِنَّ الأَشِحّاءَ لِلوُرّاثِ خُزّانُ

стр. 288

وقال الحسن: ابن آدم، أنتَ أسيرٌ في الدنيا، رَضيتَ من لذّتها بما يَنْقضي، ومن نَعِيمها بما يَمْضي، ومن مُلْكها بما يَنْفد، فلا تَجمْع الأوزار لِنَفْسك ولأهلك الأمْوال، فإذا مِتّ حملتَ الأوزار إلى قَبْرك، وتركتَ أموالَك لأهلك. أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال: أبْقَيْتَ مالَك مِيراثاً لوارِثه ... فليتَ شِعْرِيَ ما أبقى لك المالُ القومُ بَعدك في حالٍ تَسرُّهم ... فكيفَ بَعدهم دارت بك الحال مَلُّوا البُكاء فما يَبْكيك من أحد ... واستَحْكَم القِيلُ في الميراث والقَال وفي الحديث المرفوع: أشدّ الناس حَسْرَةً يوم القيامة رجلٌ كَسب مالاً من غير حِلِّه فدخلَ به النارَ، وورَّثه مَن عَمِل فيه بطاعة اللهّ فَدَخل به الجنة. فتنة المال وميل الناس إلى صاحبه الناس يفتتنون بالمال, ويميلون إلى صاحبه, والعاقل لا يغتر بهذه الشهوة, ولا يسعى إلى هذه الفتنة في كل الأحوال, ومن أراد السلامة من ذلك فإنه لا يسعى لجمع المال إلا من الحلال, ولا يشبع رغبته وشهوته في جميع الأحوال لأنه يعلم أن مصير ذلك إلى الزوال, وفي محكم التنزيل: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١) , وفي سورة التغابن: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) .

стр. 289

وفي كلام بعض الشعراء التمقت من محاربة من لا مال له ونعت صاحب المال بالشرف: أرى الناس للصعلوك (١) حرباً ولا أرى ... لذي نشب إلا خليلاً مصافياً أرى المال يغشى ذا الوصومِ (٢) فلا ترى ... ويدعى من الأشراف من كان غانياً (٣) ولعقيل بن علفة: إني ليحمدني الخليل إذا اجتد مالي ... ويكرهني ذوي الأضغانِ وأبيت تخلجني (٤) الهموم كأنني ... دلو السقاة تمد بالأشطانِ (٥) وأعيش بالبلل (٦) القليل وقد أرى ... أن الرموس مصارع الفتيانِ ولقد علمت لئن هلكت ليذكرن ... قومي إذا عكف النجي مكاني (٧)

стр. 290

ذهاب المال إن المال يذهب ولا يبقى إلا ما أنفق منه في وجوه البر فاحرص على إنفاقه في وجوه البر ينمو المال ويكثر, قال الشاعر: المال يذهب حله وحرامه ... يوماً وتبقى في غدٍ آثامه ليس التقي بمتقٍ لإلهه ... حتى يطيب طعامه وشرابه (١) أما لبيد بن أبي ربيعة (٢) فهو يقول: وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوماً أن ترد ودائعه ولعل حاتم الطائي (٣) نظر إلى غدو المال ورواحه فرأى أنه لا يبقى إلا ذكره فقال: أَماوِيُّ إِنَّ المالَ غادٍ وَرائِحٍ ... وَيَبقى مِنَ المالِ الأَحاديثُ وَالذِكرُ أما الإمام علي بن أبي طالب ﵁ فقد حكم بأن المال إنما يجمع لذوي الميراث فقال: أَموالُنا لِذَوي الميراثِ نَجمَعُها ... وَدورُنا لِخرابِ الدَهرِ نَبنيها (٤) ويؤثر عن الإمام علي ﵁ أيضاً أنه قال: أبني إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصرِ فطنٌ بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعرِ

стр. 291

وله أيضاً: إِذا شِئتَ أَن تَستَقرِضِ المالَ مُنفِقاً ... عَلى شَهَواتِ النَفسِ في زَمَنِ العُسرِ فَسَل نَفسَكَ الإِنفاقَ مِن كَنزِ صَبرِها ... عَلَيكَ وَإِنظاراً إِلى زَمَنِ اليُسرِ فَإِن سَمَحَت كُنتَ الغَنيَّ وَإِن أَبَت ... فَكُلُّ مَنوعٍ بَعدَها واسِعُ العُذرِ (١) ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول: قُل لأَهلِ الإِكثارِ وَالإِقلالِ ... كُلُّكُم مَيِّتٌ عَلى كُلِّ حالِ ما أَرى خالِداً عَلى قِلَّةِ الما ... لِ وَلا باقِياً لِكَثرَةِ مالِ وفي أمثال العرب من أهان ماله أكرم نفسه،وقيل المال الحرام لا يدوم،ومال تجلبه الرياح تأخذه الزوابع،وقيل لم يذهب من مالك ما وعظك ويروى لم يضع من مالك ما وعظك،قال الشاعر: ذهاب المال في حمد وأجر ... ذهاب لا يقال له ذهاب وقال أخر وَما ضاعَ مالٌ أَورَثَ الحَمدَ أَهلَهُ ... وَلَكِنَّ أَموالَ البَخيلِ تَضيعُ أما أبو الفتح البستي فهو يقول: مَنْ جادَ بالمالِ مالَ النَّاسُ قاطِبَةٌ ... إلَيهِ والمالُ للإنسان فتّانُ سَحْبانُ من غَيرِ مالٍ باقِلٌ حَصراً ... وباقِلٌ في ثَراءِ المالِ سَحْبانُ

стр. 292

وفي الحديث النبوي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي مَالِي إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ﴾ (١) الغنى والفقر الغنى الأكتفاء واليسار وما يغتنى به،والغنى هو كثرة المال من الذهب والفضة والنقود والعروض والبنيان وغير ذلك،قال أبن عطا الغني الشاكر القائم بحقه خير من الفقير الصابر قال الشاعر: إِذا كُنتَ ذا ثَروَةٍ مِن غِنىً ... فَأَنتَ المُسَوَّدُ في العالَمِ وَحَسبُكَ مِن نَسَبٍ صورَةٌ ... تُخَبِّرُ أَنَّكَ مِن آدَمِ والغني إذا لم يكن كريما جوادا فليس ينفعه غناه , واغنى الناس أكثرهم إحسانا, وقيل لا يصلح العقل بغير ورع, ولا يصلح الغنى بغير جود , ولا المروئة بغير تواضع , وقال ابن المقفع:سوء حمل الغنى ان يكون عند الفرح مرحا , وسوء حمل الفاقة ان يكون عند الطلب شرها، وعار الفقر اهون من عار الغنى، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة (٢) ، وقيل الغنى غنى النفس قال الامام علي ﵁: النَفسُ تَجزَع أَن تَكونَ فَقيرَةً ... وَالفَقرُ خَيرٌ مِن غِنىً يُطغيها

стр. 293

وَغِنى النَفوسِ هُوَ الكَفافُ وَإِن أَبَت ... فَجَميعُ ما في الأَرضِ لا يَكفيها وفي الحديث النبوي أن النَّبِيِّ ﵌ قَالَ ﴿لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ﴾ (١) ، فكن غني النفس تعش في راحة وسعادة ولا تسعى إلى الغنى بطريق غير مشروعة فإنك لن تحصل إلا على ما كتب الله لك فقلت المال في السلامة أفضل من كثرته مع الاخطار ورحم الله الشافعي حيث يقول: لَو كانَ بِالحِيَلِ الغِنى لَوَجَدتَني ... بِنُجومِ أَقطارِ السَماءِ تَعَلُّقي لَكِنَّ مَن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ... ضِدّانِ مُفتَرِقانِ أَيَّ تَفَرُّقِ فرزقك سياتي إليك فكن واثقا بالله وفي أمثال العامة اللي خلق النملة يرزقها وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢) ،وجاء في أمثال العرب خير الغنى القنوع،وشر الفقر الخضوع،والعفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، وقيل:الغنى الأكبر الياس بما في أيدي الناس،فتلمس إصلاح أمرك بنفسك فإنك مازلت غنيا ما دمت سويا فإذا أجتهدت وجدت فمن جد وجد ولا تبطر إذا أغتنيت فإن الغنى الطارئ مدعاة للبطر وخليق إلى أن ينتهي بصاحبه إلى الهلاك،وفي أمثال العرب الغنى يورث البطر (٣) ،قال الشاعر: وللفقر خير من غنى في دناءة ... ولا الموت خير من حياة على صغر

стр. 294

وقال الإمام علي ﵁: دَليلُكَ أَنَّ الفَقرَ خَيرٌ مِنَ الغِنى ... وَأَنَّ القَليلَ المالِ خَيرٌ مِنَ المُثري لِقاؤُكَ مَخلوقاً عَصى اللَهَ لِلغِنى ... وَلَم تَرَ مَخلوقاً عَصى اللَهَ لِلفَقرِ وفي الذكر الحكيم: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ (١) , ومع ذلك فإن كثيرا من الناس يكرمون الغني ويهينون الفقير, وتلك نظرة غير انسانية, فالعاقل لا يتبعها , وقد قال ابن عباس ﵄: ملعون من اكرم بالغناء واهان بالفقر. والمؤمن لايكرم الامن اكرمة الله فلا تتلفت الى من يجردون الانسان من قيمه واخلاقه ويعظمونه لكثرة ماله اخذا بالاعراف الفاسدة والثقافة المادية الهابطة , قال الشاعر: ارى الناس للصعلوك حربا ولا ارى ... لذي نشب الا خليلا مصافيا ارى المال يغشى ذا الوصوم فلا تُرى ... ويدعى من الاشرار من كان غانيا قال الشريف المرتضى: الصعلوك الفقير , وهو القرصوم والسبروت (٢) .قلت والفقر ضد الغنى فاذا اصبح الإنسان محتاجا وليس له ما يكفيه كان فقيرا وليس الفقر محببا لدى الإنسان فإذا ابتليت به فاصبر واسع الى كسب المال من الحلال فإن الذي اعطى الاغنياء سيغنيك وقد قيل ان اقرب الناس الى

стр. 295

الكفر ذو فاقة لاصبر له, وقيل ان الغني الشاكر القائم بحقه افضل من الفقير الصابر وقيل العكس فإذا افتقرت فلا تكن جزوعا هلوعا , قال الشاعر: واذا افتقرت فلا تكن متخشعا ... ترجو الفواضل عند غير المفضل واستغن مااغناك ربك بالغنى ... واذا تكون خصاصة فتجمل واذا كان كثير من الناس اخلاقهم تميل الى اهل الغنى والثروة فالغني هو الذي يستصاغ كلامه ونكاته توصف بالظريفة ويتغاضون عن هفواته وسقطاتة اما الفقراء فيسخر بهم وتضخم اخطاؤهم عند سماعها وذلك ليس من الخلق الاسلامي في شئ وتأمل هذه القصة التي رواها البيهقي عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرَ بْنَ حِزَامٍ أَوْ حَرَامٍ قَالَ وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُحِبُّهُ وَكَانَ دَمِيمًا فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لاَ يُبْصِرُهُ فَقَالَ أَرْسِلْنِى مَنْ هَذَا فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِىَّ فَجَعَلَ لاَ يَأْلُو مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِىِّ ﷺ حِينَ عَرَفَهُ وَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَشْتَرِى الْعَبْدَ؟» . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِى كَاسِدًا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ» . ومن هذه القصة يتبين لك ان الرسول صلى الله علية واله وسلم كان يتعامل مع الفقراء بأدب جم يمازحهم ويضاحكهم ويتعامل معهم بلطف , وان الرجل الفقير حينما قال تجدني كاسدا قال ولكنك عند الله غالٍ , وهناك - أيضاً- الكثير من

стр. 296

القصص والأحاديث التي تدل على تواضع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وانه كان يلاطف الفقراء ويضحك معهم وانه كان يأخذ الناس باللطف وعدم التقنيط والتشاؤم، ومن ذلك ما روي في حق رجل وقع على امرأته في نهار رمضان، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هلكت, فقال ما شأنك, قال: وقعت على امرأتي في رمضان, قال: فهل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا, قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا, قال: اجلس, فأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعرق فيه تمر, فقال: تصدق به, فقال: يا رسول الله ما بين لا بتيها أهل بيت أفقر منا, فضحك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى بدت ثناياه, قال: فأطعمه إياهم) (١) فتبسم اخي في وجه الفقير والغني ولا تكن متجهما. وكم من فقير تتبسم في وجهه وتشعره بقيمته واعتباره يرفع في ظلمة الليل يداه داعيا يستنزل لك الرحمات من السماء ففي الحديث الشريف (رب اشعث اغبر ذي طمرين مدفوع بالابواب لا يؤبه له لو اقسم على الله لأبره) فكن دائما البشر مع هؤلاا الضعفاء فلعل ابتسامة في وجه فقير ترفعك عند الله درجات, وقد قال يحيى بن معاذ ﵀: حبك الفقراء من اخلاق المرسلين , وايثارك مجالستهم من علامات الصالحين , وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين فعود نفسك اخي مجالسة الفقراء واكرامهم والانفاق عليهم لتظفر بمرادك وتستمتع بحياتك , وفي الذكر الحكيم للفقراء ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢) , ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣) , فلاتنس اخي ان الله افترض للفقراء في اموال الاغنياء زكاة فهي تزكي النفس وتحفظ المال وهي احد اركان الاسلام , وفي الحديث النبوي الذي رواه البيهقي (إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه) (٤) فتجنب الاساءه الى الفقراء المؤمنيين وتلمس دعاءهم فأنهم يدخلون الجنة قبل الفقراء بخمسمائه عام كما جاء في الحديث النبوي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ) (٥) واعلم اخي ان القناعة رأس الغنى واساس التقى, والحرص رأس الفقر واساس الشر, وان من قنع بالميسور من الرزق استغنى عن الخلق , وعلم ان من المنع

стр. 297

عطاء , ورب ضارة نافعة , وان الحياة المتدفقة بالالام والمتاعب هي التي تفتق المواهب وتصنع الرجال , وان الابتلاء بالفقر كالابتلاء بالغنى , وانه ما من نازلة تنزل بالانسان الا ووراءها حكمة قدّرها العليم الحكيم , وقد جاء في الذكر الحكيم ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وتذكر اخي ان الانسان خلق فقيرا ضعيفا فهو محتاج الى ربه وان محمد صلى الله علية واله وسلم قد ابتلي بالفقر فاغناه الله قال تعالى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (٢) فاطلب الرزق والغنى من وجوه البر ولا تعجز , وقد قيل اربعة تجلب الرزق قيام الليل , وكثرة الاستغفار بالاسحار , وتعاهد الاصدقاء , والذكر اول النهار واخره , وقيل اربعة تمنع الرزق نوم الصبحة , وقلة الصلاة , والكسل , والخيانة , فابتعد عن هذه الاربعة تظفر بمرادك وشكر الله على ما اعطى يخلفه ولا تتمنى مافي ايدي الناس فإن الذي اعطاهم سوف يعطيك , وقد جاء في سورة النساء ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣) . قال الشاعر:

стр. 298

لاترهبن الفقر ما عشت في غدٍ ... لكل غدٍ رزق من الله واردُ وقال اخر: ان المقاسم ارزاق مقدرة ... بين العباد فمحروم ومدخرُ فما رزقت فإن الله جالبه ... وما حرمت فما يجري به القدرُ فإن كنت غنيا فلا تسع الى قطع ارزاق الناس فإن قطع الارزاق من قطع الاعناق , ولاتكن حريصا فإن الارزاق قد قسمت , قال ابن زريق البغدادي: والحرص في الرزق والارزاق قد قسمت ... بغي الا ان بغي المرء يصرعه ولا يخيفنك الفقر فإن بعد الفقر غنى , وبعد الشدة فرج , وفي امثال العرب: لكل صباح صبوح , ولكل عشاء غبوق , ولكل غدٍ طعام , فلا تحرص ولا تيأس , ولا تطمع فيما ايدي الناس , فإن الحرص ذل عاجل , والطمع فقر حاضر , وقيل: الطمع الكاذب فقر حاضر , وقيل: في الطمع المذله للرقاب , ورب طمع ادنى الى عطب , واكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع , ورب اكلة تمنع اكلات , وفي الحديث (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) (١) , ورحم الله ابا العتاهية حيث يقول: واذا طمعت لبست ثوب مذلة ... إن المطامع معدن الاذلال وقال اخر لاخير في طمع يدني الى طبع ... وغفة من قوام العيش تكفينيِ كم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكينِ فتجنب الطمع وخذ ما طف لك واستطف , وفي امثال العرب: خير الغنى القنوع والقناعة كنز لايفنى والقناعة مال لاينفد , وقيل من لم يقنع باليسير لم يكتف بالكثير , ويكفيك من الزاد مابلغك المحل (٢) وقال الشاعر: حسب الفتى من عيشه ... زاد يبلغه المحلا خبز وماء بارد ... والظل حين يريد ظلا وقال اخر: هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لولم يكن لك منها الاراحة البدن ونظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن اما عمرو بن مالك الحارثي فهو يقول: الحرص للنفس فقر والقنوع غنى ... والقوت إن قنعت بالقوت يكفيها والنفس لو ان مافي الارض حيز لها ... ما كان إن هي لم تقنع بكافيها الغني المغني الرزاق من اسماء الله الحسنى اسم الله الغني ورد ذكره في القران ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (٣) , وقال جل شانه مثبتا كونه مغنيا ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ (٤) , وقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 299

النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١) , فالله الغني بنفسه عن كل ماسواه , والمغني لجميع خلقه وكل ماسواه فقير اليه , فهو (الغني) الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه لكماله وكمال صفاته التي لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنياً فإن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا محسناً، جواداً، براً، رحيماً كريماً، والمخلوقات بأسرها لا تستغني عنه في حال من أحوالها، فهي مفتقرة إليه في إيجادها، وفي بقائها، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه، ومن سعة غناه أن خزائن السماوات والأرض والرحمة بيده، وأن جوده على خلقه متواصل في جميع اللحظات والأوقات، وأنَّ يده سحاء الليل والنهار، وخيره على الخلق مدرار. والخلاصة أن الله الغني الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه وهو المغني جميع خلقه، غنىً عاماً، المغني لخواص خلقه، بما أفاض على قلوبهم، من المعارف الربانية، والحقائق الإيمانية (٢) . اما اسم الله الرزاق فقد ورد ذكره في القران الكريم ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) , وقال سبحانه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا

стр. 300

وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١) , وقال جل شانه ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) , وقال عظمت حكمته ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) , والرزاق صفة مبالغة للدلالة على الكثرة , فإذا جاء اسم الله بصيغة المبالغة فمعنى ذلك انه يرزق العباد مهما كثر عددهم, ويرزق الواحد منهم رزقا وفيرا اذا شاء وبلا حدود , اما على مستوى مجموع المرزوقين ,واما على مستوى الرزق , فهو يرزق كل العباد كما يرزق العبد الواحد واذا اعطى ادهش (٤) , وقال الحليمي هو الرزاق رزقا بعد رزق والمكثر الموسع له , وقال الخطابي الرزاق هو المتكفل بالرزق , والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها (٥) اما رزق الله لعباده فإنه يقع على نوعين عام وخاص فالعام إيصاله لجميع الخليقة جميع ما تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والملائكة والحيوانات كلها. وعام أيضاً من وجه آخر في حق المكلفين، فإنه قد يكون من الحلال

стр. 301

الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقاً ونعمة بهذا الاعتبار. وأما الرزق المطلق فهو النوع الثاني، وهو الرزق الخاص، وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد رسول الله وهو نوعان: رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألهة لله متعبدة، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها. ورزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه، فإن الرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى ((اللهم ارزقني)) أي ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهنيّ الذي لا صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه (١) . وقال بعض العلماء: رزق الابدان بالاطعمة ورزق الأرواح بالمعرفة , والمعرفة اشرف الرزقين , فإذا خصك الله بدخل وفير اكلت به اطيب الطعام وخص عبدا أخر برزق المعرفه فاعلم علم اليقين ان العبد الاخر اكثر

стр. 302

حظوة منك , لانه منحه رزق النفوس رزق الارواح وهي المعارف (١) , قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) . ثمرة معرفة اسم الله الغني المغني الرزاق اذا عرف المكلف ان الله جل وعلى هو الغني المغني الرزاق أمن به وتعبد لله خاضعا خاشعا متذللا لربه لإنه قد علم ان فقر العباد الى الله لاينفك عنهم فهم بحاجة الى خالقهم في كل الاحوال قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٣) , فالغني من الناس لم يزل عبدا فقيرا بذاته الى بارئه وفاطره ورازقه , ولما كان الفقر الى الله سبحانه هو عين الغنى به فأفقر الناس الى الله اغناهم به واذلهم له واعزهم , واضعفهم بين يديه اقواهم , فالغنى على الحقيقة لايكون إلا لله الغني بذاته عما سواه , فهو الاحد الصمد الغني الحميد , ومن اداب العبودية ان يرجع العبد الى ربه في طلب كلما يريده , ولذلك فإنه يجب على كل مسلم ان يعلم ان الله وحده هو الغني الحميد وان لا رازق ولا -رزاق الا الله تعالى على الاطلاق وحده , وغيره ان رزق واعطى فإنما يرزق من رزق الذي اعطى.

стр. 303

فارزق مما رزقك الله يأتيك الخلف من الله قال تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (١) , ومهما در عليك من الرزق الظاهر فوق القوت , فلا تدخره في مخادع البيوت , واخزنه في سرادق الملكوت يزدد نماءً (٢) . فإنك ان سلكت هذا المسلك كنت متعلقا بالغني المغني الرزاق من كل جانب وانتفعت بالرزق , وانتفع بك غيرك حيث لم ينقبض عنهم خيرك , وضوعف لك الرزق الظاهر والباطن في المنزل الطاهر في المقعد الصدق عند الملك القادر. دعاء الله بأسمه الغني المغني الرزاق يالله ياغني يامغني يارزاق اسألك ياكريم يارحمن يارحيم ان ترزقني رضاك وان تغنني وعبادك المؤمنيين بغناك فأنت الغني ونحن الفقراء فصن وجهي يالله عن مد يدي الى سواك فإنك يالله ياغني يامغني تغني من تشاء بغير حساب فاغن فقري بغناك وجميع الاحباب ورزقنا من خزائنك التي لاتنقص ولا تنفد وبارك لي فيما رزقتني ووسع علي فيه ياواسع ياجواد ياصمد وصلى على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد وبارك على محمد وال محمد كما باركت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد.

стр. 304

الفصل الحادي عشر المُلك والسياسة

стр. 305

المُلك والسياسة بالراعي تصلح الرعية, وتساس البرية, ومن عدل في سياسته ظفر بحاجته, ومن أثر الإحسان لم يقع في الخذلان, ومن حسنت سيرته اكتسب الثناء, ولم يقع في الكدر والعناء, فمن أحسن فلنفسه أحسن, ومن أساء فعلى نفسه اعتدى, ومن مال إلى الحق ما إليه الخلق, والعاقل لا يوغل في حب الرئاسة, لأن ذلك يطغي ويؤذي, قال أبو العتاهية: حُبُّ الرِئاسَةِ أَطغى مَن عَلى الأَرضِ ... حَتّى بَغى بَعضُهُم فيها عَلى بَعضِ (١) وقال ابن المبارك: حب الرئاسة داء لا دواء له ... وقل ما تجد الراضين بالقسم (٢) وقديماً قيل: "آفة الملك سوء السيرة, وآفة الوزراء خبث السريرة, وآفة الجند مخالفة القادة, وآفة العلماء حب الرئاسة, وآفة العدل ميل الولاة, وآفة الزعماء ضعف السياسة", قال أبو الحسن علي بن عبد الكافي: إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل حكم بحق أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل وقال آخر: رئاسة الرجال بغير دين ... ولا تقوى الإله هي الخساسة وكل رئاسة من غير تقوى ... أذل من الجلوس على الكناسة (٣)

стр. 306

أما زكي قنصل فهو يقول: بئس الزعامة إن تكن أهدافها ... حب الظهور وبئس من يتزعم قلتُ: الظاهر أن السلطان إذا نصر المظلوم ولم يتعدَ في سلطانه, وأقام دعائم العدل وبنيانه, وأحسن إلى رعيته وإخوانه, فإنه يكون مأجوراً غير مأزور, ويرحم الله عبد الله بن المبارك حيث يقول: لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهباً لأقوانا فالسلطان يجب عليه الورع والصبر والعدل, فإنه لا يرجو السلامة من لم تسلم البرية منه, وقد قيل: أن الدولة التي يحوطها الدين لا تغلب, والنعمة التي يحرسها الشكر لا تسلب, فإذا تمسك ولي الأمر بالملة, وعمل بالسنة, وحافظ على الشريعة, لزم إجلاله واحترامه, فالرشيد لا يستخف بالعلماء, ولا يعرض عن الحكماء, ولا يسيء الاختيار, ولا يغضب ويأخذ بالثأر إلا ما كان حقاً لله الواحد القهار, فاستخفافه بالعلماء, واعراضه عنهم يثبت جهله, وينفي عقله, وإن مَن أحسن الاختيار لوزرائه, وعدل في سيرته, وأحسن النية في سريرته, وأجرى أمره على الخاص والعام بالسواء؛ استقام أمره, ومن أعرض عن ذلك ضاعت رعيته, وضعفت سياسيته, وبطلت رئاسته, وهاجت عليه العامة, فاستباحت الحرمات, وقطعت الطرقات, ولم ينل منها طيب الوفاء, ولا حسن الثناء, ويرحم الله شوقي حيث يقول: نجد وأيامنا هازلة ... ونهلك حرصاً على الزائلة

стр. 307

ونذهب في الحقد أو في الهوى ... مذاهب بعد غدٍ باطلة يغيرها دوران الزمان ... ونقلة حالته الحائلة وكم في هوى النفس من آفة ... وفي غضب النفس من غائلة ولولا النظام وسلطانه ... قطعنا الطريق على السابلة ولم ينفع الخلق عند الزحام ... ولم تدفع الشيمة الفاضلة وما أحوج الركب ركب الحياة ... إلى ما تلهى به القافلة فراح تقل عليه الهموم ... وتقصر ساعاتها القاتلة وتغنمه راحة في الفراغ ... على تعب العيشة الشاغلة الملك هبة الله الواحد المنان إن الملك هبة الله ونعمته, وفضله ورحمته, فتاج الملك عفافه, وحسن سياسته, وعدله وإنصافه, وسلاحه كفايته, فمن شكر لله النعمة ظفر بمراده, وبلغ كنه رجائه, فمن حق السائس النبيل أن يسوس نفسه قبل رعيته, ويقهر هواه قبل أن يقهر أضداده, وأن لا يستغش النصيح, كي لا يستحسن القبيح, وأن يستشير النصحاء, ولا يستنكف عن أخذ أراء الصلحاء, فإن من يسأل ويسلم؛ خير ممن يستبد ويندم, فحسن السياسة يورث الاستمرار في الرئاسة, ومن قلد ذوي الفضائل والخبرة استقامت أحواله, ومن قلد ذوي الرذائل اضطربت أعماله. وقد قيل: إن الاستقامة علة للفلاح والاستدامة, وحسن السيرة حسن القدرة, وحسن السياسة نور الرئاسة, وسوء التدبير سبب التدمير, فالجهل يزل القدم, والبغي يزيل النعم, ومن أعرض عن الحزم والاحتراس وبنى على

стр. 308

غير أساس زال عنه العز, واستولى عليه العجز, ومن استشار الجاهل ضل وجهل, ومن جهل موضع قدمه زل. فالعاقل من الملوك والرؤساء من استعان على سياسته بالعلماء وأهل الرأي, وتذكر أن نعمة الملك والمال يهبها الله لمن يشاء, وينزعها ممن يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) . فاذا نال العاقل ملكا في مختلف البلدان ورفرفت اعلام السعادة في البر والبحر تذكر هبة المنان وكرم الرحمن واقام شرع الله في تلك الاوطان وادرك ان ذلك فضل الله عليه وشكر المنعم على انعامه واحسانه واحسن الى رعيته واخوانه, ولله در احمد شوقي حيث يقول: ما فَوقَ راحاتِكُم يَومَ السَماحِ يَدٌ ... وَلا كَأَوطانِكُم في البِشرِ أَوطانُ خَميلَةُ اللَهِ وَشَّتها (٢) يَداهُ لَكُم ... فَهَل لَها قَيِّمٌ مِنكُم وَجَنّانُ (٣) شيدوا لَها المُلكَ وَاِبنوا رُكنَ دَولَتِها ... فَالمُلكُ غَرسٌ وَتَجديدٌ وَبُنيانُ لَو يُرجَعُ الدَهرُ مَفقوداً لَهُ خَطَرٌ ... لَآبَ بِالواحِدِ المَبكِيِّ ثَكلانُ المُلكُ أَن تَعمَلوا ما اِستَطَعتُمو عَمَلاً ... وَأَن يَبينَ عَلى الأَعمالِ إِتقانُ المُلكُ أَن تُخرَجَ الأَموالُ ناشِطَةً ... لِمَطلَبٍ فيهِ إِصلاحٌ وَعُمرانُ

стр. 309

المُلكُ تَحتَ لِسانٍ حَولَهُ أَدَبٌ ... وَتَحتَ عَقلٍ عَلى جَنبَيهِ عِرفانُ المُلكُ أَن تَتَلافَوا في هَوى وَطَنٍ ... تَفَرَّقَت فيهِ أَجناسٌ وَأَديانُ نَصيحَةٌ مِلؤُها الإِخلاصُ صادِقَةٌ ... وَالنُصحُ خالِصُهُ دينٌ وَإيمانُ وَالشِعرُ ما لَم يَكُن ذِكرى وَعاطِفَةً ... أَو حِكمَةً فَهوَ تَقطيعٌ وَأَوزانُ وَنَحنُ في الشَرقِ وَالفُصحى بَنو رَحِمٍ ... وَنَحنُ في الجُرحِ وَالآلامِ إِخوانُ ولله در القائل: إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكره فإين الأول (١) وقال آخر: ألا ليتني لم أغن في الملك ساعة ... ولم أكُ في اللذات أغشى النواظرِ وكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... ليالي حتى زار ضنك المقابرِ (٢) فكل ملك يزول إلا ملك الله, ولله در القائل: ليس ملكٌ يزيله الموت ملكاً ... إنما الملك ملك من لا يموت عدل السلطان إذا وليتَ أمراً فاجعل العدل خلقك فيه فعمّا قليل أنت ماضٍ ومسئول عنه, قال الشاعر: إذا كنت في أمر فكن فيه محسناً ... فعمّا قليل أنت ماضٍ وتاركه

стр. 310

وقال أبو الفتح البُستي (١) : عليكَ بالعَدلِ إنْ وُلِّيتَ مملكَةً ... واحذَر مِنَ الجَورِ فيها غايَةَ الحَذَرِ فالعدلُ يُبقيهِ أنَّى احتَلَّ من بَلَدٍ ... والجَورُ يَفنيهِ في بَدْوٍ وفي حَضَرِ فمن عدل في سلطانه انتفى الظلم عن أعوانه, فالظلم فساد الممالك وخرابها, ولله در القائل: ثلاثة فيهن للملك التلف ... الظلم والإهمال فيه والسرف أما ابن خفاجه فهو يقول: فَما يَستَقيمُ الأَمرُ وَالمَلكُ جائِرٌ ... وَهَل يَستَقيمُ الظِلُّ وَالعودُ مُعوَجُّ (٢) فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق, وأطاعه الخلق, وصفت له النعمى, وأقبلت عليه الدنيا, فتهنَّا بالعيش, واستغنى عن الجيش, وملك القلوب, وأمن الحروب, وصارت طاعته فرضاً, وأضحت رعيته جنداً, وإن أول العدل أن يبدأ المرء بنفسه, فيلزمها كل خلة زكية, وخصلة رضية, ومذهب سديد, ومكسب حميد, ليسلم عاجلاً, ويسعد آجلاً, وأول الجور أن يعمد إليها فيجنبها الخير, ويعودها الشر, ويكسبها الآثام, ويعقبها المذام, فيعظم وزرها, ويقبح ذكرها.

стр. 311

وقد نسب إلى بعض الحكماء: من بدأ بنفسه فساسها أدرك سياسة الناس, فمن أصلح نفسه صلح أمره وكان الناس تبعاً له. وفي الحديث النبوي: (من أصلح ما بينه وبين الله كفاه الناس, ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته) (١) . الرفق والكرم في السياسة إن سياسة الناس بالرفق والحزم والبذل والسخاء دليلٌ على الكياسة والذكاء, وفي محاضرات الأدباء لأبي معاذ قال: قال أنو شروان: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف, والشدة في غير عنف, ودخل أبو معاذ على المتوكل حين استخلف فأنشده: إذا كنت مول الناس أهل سياسة ... فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل وفي الحديث: (إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ) (٢) , وفي رواية لمسلم: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ) (٣) .

стр. 312

اختيار الوزراء إن حسن اختيار الوزراء دليل توفيق الولاة, لأن بهم يدير ولاة الأمر دولتهم, وتستقيم أمورهم, ففي اختيار أهل القوة والأمانة, والمعرفة والاستقامة, صلاح الأحوال واستقامتها. ألا ترى أن موسى ﵇ سأل ربه أن يجعل له وزيراً من أهله, قال تعالى حكايةً عن موسى ﵇: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (١) , وهذا يوسف ﵇ حكا الله عنه قوله لملك مصر بعد ان قال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) . وقديماً قيل: "من استوزر غير كفءٍ خاطر بملكه, ومن استشار غير أمين أعان على هلكه", فلا يغرنك كبير الجسم من صغيره في المعرفة والعلم, ولا طول القامة فيمن قصر في الكفاية والاستقامة, فإن الدرة في صغرها أنفع من الصخرة في كبرها, واعلم أن الأيدي بأصابعها, والملوك بصنائعها, فإن وزير الملك عينه, وأمينه أذنه, وكاتبه نطقه, وحاجبه خلقه, ورسوله عقله, فإذا ولى الكفؤ الذي يحسن, ويعلم بواطن الأمور وظواهرها, ويعرف موارد الأعمال ومصادرها؛ ظفر بالمراد, فالوزراء أركان الملك وحصون الدولة, فبهم تجمع الأموال, ويقوى السلطان, وتعمر البلدان, فإن استقاموا استقامت الأمور, وإن اضطربوا اضطربت الأمور, وصار الملك بتسويد أهل الجهل مذموماً, حاله حال من حكى الله عنهم على لسان ملكة اليمن: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣) .

стр. 313

فلا يغرك اختلاف المسميات, فالملك هو من ملك إدارة شئون الأمة, وملك إصدار قرار تعيين الوزراء والولاة وعزلهم, سواءً كان شكل النظام ملكياً أو جمهورياً, فالمسئولية ملقاة على عاتق من يملكون القرار, فإن سودوا أهل الفضل والمعرفة والكفاءة سادوا ودامت رئاستهم, واستقامت ممالكهم, وإن فسد وزراؤهم فسدت ممالكهم, وذهب ملكهم, واضطرب أمرهم, وسادت الفوضى بلدانهم, وعم الفساد ممالكهم, وقد جاء في شعر الأفوه الأودي (١) : البيت لا يبتني إلا على عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتادُ فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا إذا تولى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم وازدادوا تلقى الأمور بأهل الرأي قدصلحت ... وإن تولت فبالأشرار تنقادُ كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر ... لهم عن الرشد أغلال وأقيادُ (٢) وفي الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه, وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه) (٣) .

стр. 314

ولله در القائل: فكلكم راعٍ ونحن رعية ... وكل سيلقى ربه فيحاسبه (١) فولي الأمر يجب عليه أن يتحرى العدل في اختيار الوزراء والولاة, قال الأخطل (٢) : تسمو العيون إلى إمام عادل ... معطي المهابة نافع ضرارِ وترى عليه إذا العيون لمحنه ... سيم الحليم وهيبة الجبار (٣) ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول: يا مَن تَرَفَّعَ باِلدُنيا وَطينَتِها ... لَيسَ التَرَفُّعُ رَفعَ الطينِ بِالطينِ إذا أردت شريف القوم كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكينِ ذاك الذي عظمت في الناس حرمته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين أما الحسن بن هاني فهو يقول: إِمامٌ عَلَيهِ هَيبَةٌ وَمَحَبَّةٌ ... أَلا حَبَّذا ذاكَ المُهيبُ المُحَبَّبُ وقد قيل: من صحب السلطان فلا يجب أن يكتمه نصيحته, لأن من كتم السلطان نصيحته, والأطباء مرضه, والاخوان بثه؛ فقد خان نفسه, فمن يصحب السلطان لا ينحو من الآثام, كما أن راكب العجل لا يأمن

стр. 315

العثار, وخير الوزراء من إذا غفل الأمير ذكره, وإن سولت له نفسه سيئة صده, وإن أراد طاعةً نشطه, فهو المحبب له إلى الناس, والمستجلب له دعاؤهم. قال علي بن محمد البسامي: إذا نسي الأمير قضاء حقٍ ... فإن الذنب فيه على الوزيرِ لأن على الوزير إذا تولى ... أمور الناس تذكير الأميرِ مما يستعان به على السياسة في أمثال الحكماء: "أربعة لا يزول معها مُلك: حفظ الدين, واستكفاء الأمين, وتقديم الحزم, وإمضاء العزم, وأربعة لا يثبت معها ملك: غش الوزير, وسوء التدبير, وخبث النية, وظلم الرعية, وأربعة لا بقاء لها: مال يجمع من الحرام, وحال تعقد من الأثام, ودولة تعرت من العقل, وملك يخلو من العدل, وأربعة لا يطمع فيها عاقل: غلبة القضاء, ونصيحة الأعداء, وتغير الخُلق, وإرضاء الخَلق, وأربعة لا يخلو منها جاهل: قول بلا معنى, وفعل بلا جدوى, وخصومة بلا طائل, ومناظرة بلا حاصل, وأربعة تؤكد المحبة: حسن البشر, وبذل البر, وقصد الوفاق, وترك النفاق, وأربعة من علامات الكريم: بذل الندى, وكف الأذى, وتعجيل المثوبة, وتأخير العقوبة, وأربعة يستدل بها على أربعة: العفة على الديانة, والنصيحة على الأمانة, والصمت على العقل, والعدل على الفضل, وأربعة يقضى بها على أربعة: السعاية على الدناءة, والإساءة على الرداءة, والحلف على البخل, والسخف على الجهل, وأربعة تدل على العقل: حب العلم, وحسن السلم, وصحة الجواب, وكثرة الصواب". (١)

стр. 316

وقال أبو حاتم: "إن الواجب على الملك أن يتفقد أمور عماله حتى لا يخفى عليه إحسان محسن أو إساءة مسيء, لأنه إذا جنى عليه أعمال عماله لم يكن قائماً بالعدل", قال علي بن محمد البساني: إذا سست قوماً فاجعل العدل بينهم ... شعارك تأمن كل ما تتخوف وإن خفت من أهواء قوم تشتتاً ... فبالجود فاجمع بينهم يتألفوا (١) فالسلطة إنما هي قول الحق والعمل بالعدل, لا التفاخر بالدنيا, واستعمال البذل, فمن أوتي السلطة وجب عليه لزوم المشورة, فإن في المشورة صلاح الرعية, ومادة الرأي, قال الشاعر: إِذا نِلتَ الإِمارَةَ فاسمُ فيها ... إِلى العَلياءِ بِالأَمرِ الوَثيقِ بمحظ خليقة لا عيب فيها ... وليس المحظ كاللبن المذيقِ وَلا تَكُ عِندَها حُلواً فَتُحسى ... وَلا مُرّاً فَتَنشَب في الحُلوقِ فَكُلُّ إِمارَةٍ إِلا قَليلاً ... مُغَيِّرَةَ الصَديقِ عَلى الصَديقِ وقد قال رجل لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أحفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك, قال: هاتهن, قال: لا تعدن عِدَة لا تثق من نفسك بإنجازها, ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلاً إن كان المنحدر وعراً, واعلم أن للأعمال جزاءً فاتقِ العواقب, وأن للأمور بغتات فكن على حذر, قال الشاعر: بلاء الناس مذ كانوا ... إلى أن تأتي الساعة بحب الأمر والنهي ... وحب السمع والطاعة

стр. 317

قال أبو حاتم ﵁: لا يستحق أحدٌ اسم الرئاسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل, والعلم, والمنطق, ثم يتعرى عن ستة أشياء: عن الحدة, والعجلة, والحسد, والهوى, والكذب, وترك المشاورة, ثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء: الرفق في الأمور, والصبر على الأشياء, وطول الصمت, فمن تعرى عن هذه الأشياء وهو ذو سلطان: عمي عليه قلبه, وتشتت عليه أموره, ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال: نقص من ضوء بصر قلبه مثلها, ودخل الخلل في أموره نحوها, وإنما مثل الرئيس والرعية كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد؟ فإن لم يكن ذلك القائد أحدَّ الناس بصراً, وألطفهم نظراً كان خليقاً أن يوقعهم وإياهُ في وهدةٍ تندق أعناقهم وعنقه معهم. (١) وملاك الأمر في هذا كله تقوى الله والرجوع إليه . فمن حظي من الملوك والرؤساء بتفهم مثل هذه الأمور ترقى في الرئاسة, وأحسن في السياسة, وأصاب في التقدير, وسلم عقاب العلي القدير. فساد بطانة السلطان إذا فسدت بطانة السلطان حل محل عدله جوره, واحتاج إلى من يحرسه من حارسه, قال الشاعر: وساع مع السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس وقال آخر:

стр. 318

إن الأمير إذا استعان بخائن ... كان الأمير شريكه في المأثم (١) السياسة الرعناء السياسة الرعناء شدة وبلاء، وتعب وشقاء، وسفك للدماء، مازحها الحجاج فخلعت أضراسه، وداعبها أبو مسلم فأحرقت لباسه، وزارها مصعب بن الزبير فقتلته وحراسه، وأحبها يزيد فقطعت أنفاسه، وصافحها المختار فمزقت أحلاسه، وأحبها المهلب فابتلعت أساسه، وعشقها المتوكل فسلطت عليه جلاسه، وشربها القاهر فكسرت عليه كأسه، وعانقها بن الزيات فأحرقت قرطاسه، وجالسها بن المقفع فأبطلت قياسه، وبقنابل سياسة العميان دُمرت اليابان، واحتل الروس الأفغان، ودمروا الشيشان، وجلد المستضعفون شاه إيران، واعتدى الألمان على الجيران (٢) ، واحتلت أمريكا العراق وأفغانستان، وقتلت الشيوخ والنساء والصبيان، وسار صدام وحزب البعث في خبر كان، وشردت إسرائيل الشعب العربي المسلم في فلسطين، وقتلت الآلاف من المؤمنين تحت سمع وبصر المسلمين، وكثير من الساسة العرب في لهو وطرب، ينثرون على الراقصات والمغنيات الذهب، ويتنازلون عن الحق بلا سبب، والمنافقون يصفقون لساستهم، ويمدحونهم على سماجتهم، ويغنون لهم بالأمجاد، وتحرسهم الأجناد، فيالها من سياسة تعبانه، تكرم الزنديق وأعوانه، ويتولى الأمور فيها العربيد، ويكرم فيها أمثال الوليد بن يزيد، فكم من ذكي ضيعت مراسه، وكم من غبي أخرجت

стр. 319

وسواسه، السياسة بالنفاق نجاسة، وبالغباء تياسه، وبالغدر تعاسة، ... وبالجور خساسة، وبالظلم شراسة، اجتنبها أهل الكياسة، ومات في حبها أهل الرياسة، بذلوا في حبها الدين والحماسة، وما حصلوا إلى على التعاسة، تقاتلوا عليها حسداً ونفاسه، وقديماً قُتِل البرامكه لأجلها بحجة عباسة، فأصبحوا بعد الموت خبراً في كراسة، فكم من شجاع أذهبت بأسه، وأسقطت حواسه، وجعلته من أهل الخساسة، وأهلها يسمونهم ساسه، وقد قال بعض الصالحين: سعيد النورسي بالسياسة نسي، ولينين وإستالين قتلوا بالسياسة الملايين، فكتبوا في تاريخ الملاعين، هولاكو الغازي، وهتلر النازي، قتلوا باسم السياسة الإنسانية، فأصبحوا في الخانة المنسية. الكرب أكرم عشرة ... وهو النهاية في الخساسة من معشر طلبوا الرئاسة ... قبل تحقيق الرئاسة (١) خساسة السياسة السياسة الخسيسة تفسد النفوس، وتقطع الرؤس، وتضيع الفلوس، وتحمل الناس على اليمين الغموس، فمالك في ديار السياسة تجوس، فالعاقل من هرب من ساس يسوس، لان وجهها منحوس، ورأسها منكوس، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة، والله جل وعلا يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ، ولله در القائل:

стр. 320

من مخبر القوم شطت دارهم ونأت ... إني رجعت إلى كتبي وأوراقي عفت السياسة حتى ما الم بها ... وقد رددت إليها كل ميثاقي لأنها جشمتني كل نائبة ... وإنها كلفتني غير أخلاقي السياسة الرشيدة والملك المحبوب إن السلطان وان كثر ماله، وعرض جاهه، وكبر عقله، واتسعت معلوماته، لا يستطيع القيام بتدبير شؤون الأمة بنفسه منفردا، ولا يباشر أعمال مملكته كلها بيده، ولا يستطيع رعاية كل إنسان بعينه، وإنما يساعده الأعوان من أهل الصلاح والإيمان على تحقيق ما يريد، ويعاونوه على قضاء حوائجه، وإقامة دعائم ملكه على العدل، ويشيرون عليه بالأمر الرشيد، وما دام الأمر كذلك فانه لن يبلغ السلطان قصده وينال إربه وأكثر ما يريد من إدارة شؤون دولته، إلا إذا تحبب إلى الناس ووادّهم، وأعانوه وأعانهم، وألِفهم وألِفوه، ولم يستعل عليهم ويتتبع عثراتهم، ويحاول القضاء على أخلاقهم وملكاتهم، فهو يبذل لهم من نفسه مثل ما يريد منهم لنفسه، فيسعى إلى إصلاح ما بينه وبين رعيته، يتألف الشارد، ويغضي عن الناقد، ويقيل العثرة، ويعاون ويساعد على الخروج من المحنه، حتى يبني له منزلة رفيعة في صدورهم، وعند ذلك يرفع عرشه على أكتافهم، ويحفر حبه في قلوبهم، وربما قالوا له ما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم (١) ﵀:
следующие страницы →