وقال أبو حاتم: "إن الواجب على الملك أن يتفقد أمور عماله حتى لا يخفى عليه إحسان محسن أو إساءة مسيء, لأنه إذا جنى عليه أعمال عماله لم يكن قائماً بالعدل", قال علي بن محمد البساني:
إذا سست قوماً فاجعل العدل بينهم ... شعارك تأمن كل ما تتخوف
وإن خفت من أهواء قوم تشتتاً ... فبالجود فاجمع بينهم يتألفوا (١)
فالسلطة إنما هي قول الحق والعمل بالعدل, لا التفاخر بالدنيا, واستعمال البذل, فمن أوتي السلطة وجب عليه لزوم المشورة, فإن في المشورة صلاح الرعية, ومادة الرأي, قال الشاعر:
إِذا نِلتَ الإِمارَةَ فاسمُ فيها ... إِلى العَلياءِ بِالأَمرِ الوَثيقِ
بمحظ خليقة لا عيب فيها ... وليس المحظ كاللبن المذيقِ
وَلا تَكُ عِندَها حُلواً فَتُحسى ... وَلا مُرّاً فَتَنشَب في الحُلوقِ
فَكُلُّ إِمارَةٍ إِلا قَليلاً ... مُغَيِّرَةَ الصَديقِ عَلى الصَديقِ
وقد قال رجل لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أحفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك, قال: هاتهن, قال: لا تعدن عِدَة لا تثق من نفسك بإنجازها, ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلاً إن كان المنحدر وعراً, واعلم أن للأعمال جزاءً فاتقِ العواقب, وأن للأمور بغتات فكن على حذر, قال الشاعر:
بلاء الناس مذ كانوا ... إلى أن تأتي الساعة
بحب الأمر والنهي ... وحب السمع والطاعة
стр. 317
قال أبو حاتم ﵁: لا يستحق أحدٌ اسم الرئاسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل, والعلم, والمنطق, ثم يتعرى عن ستة أشياء: عن الحدة, والعجلة, والحسد, والهوى, والكذب, وترك المشاورة, ثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء: الرفق في الأمور, والصبر على الأشياء, وطول الصمت, فمن تعرى عن هذه الأشياء وهو ذو سلطان: عمي عليه قلبه, وتشتت عليه أموره, ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال: نقص من ضوء بصر قلبه مثلها, ودخل الخلل في أموره نحوها, وإنما مثل الرئيس والرعية كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد؟ فإن لم يكن ذلك القائد أحدَّ الناس بصراً, وألطفهم نظراً كان خليقاً أن يوقعهم وإياهُ في وهدةٍ تندق أعناقهم وعنقه معهم. (١)
وملاك الأمر في هذا كله تقوى الله والرجوع إليه .
فمن حظي من الملوك والرؤساء بتفهم مثل هذه الأمور ترقى في الرئاسة, وأحسن في السياسة, وأصاب في التقدير, وسلم عقاب العلي القدير.
فساد بطانة السلطان
إذا فسدت بطانة السلطان حل محل عدله جوره, واحتاج إلى من يحرسه من حارسه, قال الشاعر:
وساع مع السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس
وقال آخر:
стр. 318
إن الأمير إذا استعان بخائن ... كان الأمير شريكه في المأثم (١)
السياسة الرعناء
السياسة الرعناء شدة وبلاء، وتعب وشقاء، وسفك للدماء، مازحها الحجاج فخلعت أضراسه، وداعبها أبو مسلم فأحرقت لباسه، وزارها مصعب بن الزبير فقتلته وحراسه، وأحبها يزيد فقطعت أنفاسه، وصافحها المختار فمزقت أحلاسه، وأحبها المهلب فابتلعت أساسه، وعشقها المتوكل فسلطت عليه جلاسه، وشربها القاهر فكسرت عليه كأسه، وعانقها بن الزيات فأحرقت قرطاسه، وجالسها بن المقفع فأبطلت قياسه، وبقنابل سياسة العميان دُمرت اليابان، واحتل الروس الأفغان، ودمروا الشيشان، وجلد المستضعفون شاه إيران، واعتدى الألمان على الجيران (٢) ، واحتلت أمريكا العراق وأفغانستان، وقتلت الشيوخ والنساء والصبيان، وسار صدام وحزب البعث في خبر كان، وشردت إسرائيل الشعب العربي المسلم في فلسطين، وقتلت الآلاف من المؤمنين تحت سمع وبصر المسلمين، وكثير من الساسة العرب في لهو وطرب، ينثرون على الراقصات والمغنيات الذهب، ويتنازلون عن الحق بلا سبب، والمنافقون يصفقون لساستهم، ويمدحونهم على سماجتهم، ويغنون لهم بالأمجاد، وتحرسهم الأجناد، فيالها من سياسة تعبانه، تكرم الزنديق وأعوانه، ويتولى الأمور فيها العربيد، ويكرم فيها أمثال الوليد بن يزيد، فكم من ذكي ضيعت مراسه، وكم من غبي أخرجت
стр. 319
وسواسه، السياسة بالنفاق نجاسة، وبالغباء تياسه، وبالغدر تعاسة، ... وبالجور خساسة، وبالظلم شراسة، اجتنبها أهل الكياسة، ومات في حبها أهل الرياسة، بذلوا في حبها الدين والحماسة، وما حصلوا إلى على التعاسة، تقاتلوا عليها حسداً ونفاسه، وقديماً قُتِل البرامكه لأجلها بحجة عباسة، فأصبحوا بعد الموت خبراً في كراسة، فكم من شجاع أذهبت بأسه، وأسقطت حواسه، وجعلته من أهل الخساسة، وأهلها يسمونهم ساسه، وقد قال بعض الصالحين: سعيد النورسي بالسياسة نسي، ولينين وإستالين قتلوا بالسياسة الملايين، فكتبوا في تاريخ الملاعين، هولاكو الغازي، وهتلر النازي، قتلوا باسم السياسة الإنسانية، فأصبحوا في الخانة المنسية.
الكرب أكرم عشرة ... وهو النهاية في الخساسة
من معشر طلبوا الرئاسة ... قبل تحقيق الرئاسة (١)
خساسة السياسة
السياسة الخسيسة تفسد النفوس، وتقطع الرؤس، وتضيع الفلوس، وتحمل الناس على اليمين الغموس، فمالك في ديار السياسة تجوس، فالعاقل من هرب من ساس يسوس، لان وجهها منحوس، ورأسها منكوس، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة، والله جل وعلا يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ، ولله در القائل:
стр. 320
من مخبر القوم شطت دارهم ونأت ... إني رجعت إلى كتبي وأوراقي
عفت السياسة حتى ما الم بها ... وقد رددت إليها كل ميثاقي
لأنها جشمتني كل نائبة ... وإنها كلفتني غير أخلاقي
السياسة الرشيدة والملك المحبوب
إن السلطان وان كثر ماله، وعرض جاهه، وكبر عقله، واتسعت معلوماته، لا يستطيع القيام بتدبير شؤون الأمة بنفسه منفردا، ولا يباشر أعمال مملكته كلها بيده، ولا يستطيع رعاية كل إنسان بعينه، وإنما يساعده الأعوان من أهل الصلاح والإيمان على تحقيق ما يريد، ويعاونوه على قضاء حوائجه، وإقامة دعائم ملكه على العدل، ويشيرون عليه بالأمر الرشيد، وما دام الأمر كذلك فانه لن يبلغ السلطان قصده وينال إربه وأكثر ما يريد من إدارة شؤون دولته، إلا إذا تحبب إلى الناس ووادّهم، وأعانوه وأعانهم، وألِفهم وألِفوه، ولم يستعل عليهم ويتتبع عثراتهم، ويحاول القضاء على أخلاقهم وملكاتهم، فهو يبذل لهم من نفسه مثل ما يريد منهم لنفسه، فيسعى إلى إصلاح ما بينه وبين رعيته، يتألف الشارد، ويغضي عن الناقد، ويقيل العثرة، ويعاون ويساعد على الخروج من المحنه، حتى يبني له منزلة رفيعة في صدورهم، وعند ذلك يرفع عرشه على أكتافهم، ويحفر حبه في قلوبهم، وربما قالوا له ما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم (١) ﵀:
стр. 321
لَكَ العَرشانِ هَذا عَرشُ مِصرٍ ... وَهَذا في القُلوبِ لَهُ مَحَلُّ
فَأَلِّف ذاتَ بَينِهِما بِرَأيٍ ... وَعَزمٍ لا يَكِلُّ وَلا يَمَلُّ
فَعَرشٌ لا تَحُفُّ بِهِ قُلوبٌ ... تَحُفُّ بِهِ الخُطوبُ وَيَضمَحِلُّ
والملك المحبوب يجد من شعبه معاونة ظاهرة، ومشاركة له في المسئولية الملقاة على أكتاف الحكومات والشعوب، وما ينفذ أمره، ولا ينتصر جيشه، ولا تمتلؤ بالأموال خزائنه، ولا تقوم المصانع في بلاده، إلا إذا تحبب إلى رعيته وأحبوه، وشعر انه واحد منهم، وليس له فضل عليهم، إلا بمنصبه الذي أهله الله له، فلا يستبد بهم، ولا يتعظم عليهم، ولا يستأثر بالمصالح دونهم، وإذا رأوا منه رفقه ورأفة بهم، وتفقد أحوالهم، قالوا له مثل ما قال (الهرمزان) لما رأى عمر نائماً في ظل الجدار (أمّنه عدله فنام) والملك المحبوب يصدق الناس في الدعاء له، وفي مناصرته ومؤازرته، وإذا ظهر عليهم حيته قلوبهم، وهتفت له ألسنتهم، وأشارت له بالسلام أيديهم، وإذا شغل عن مقابلتهم والبروز لهم عذروه، واعتقدوا انه في خدمتهم، وإذا مات ترحموا عليه، وانشدوا في رثائه القصائد، ولم يطمئنوا إلى من يأتي بعده، حتى يعلموا منه التأسي بسيرة من قبله، وكلما تحبب إليهم أعجبهم الحق منه، وغضوا أبصارهم عن هفواته، وأصموا أسماعهم عن غلطاته، قال الشاعر:
وإذا المليك بعدله وبفضله ... والى الرعية فالجميع موالي
стр. 322
وارى المليك إذا استبد مُهدداً ... بالموت أو بتغير الأحوال (١)
طاعة السلطان
إن طاعة السلطان الذي يلي أمور الأمة ويسوسها بالعدل ويرعى مصالحها سواءً كان ملكاً أو رئيساً أو أميراً أو إماماً, لا تستقيم شئون الناس وتنصلح أحوالهم إلا بها, وإلا تطيع الأمة أمراءها وولاة أمورها فسدت أحوالها, واضطربت أمورها, واختل أمنها, وتغول القوي على الضعيف, ولهذا أرشد الحق إلى طاعة أولي الأمر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (٢) .
فطاعة الأمراء في المعروف مما تستقيم به أحوال الناس, وتتوحد به كلمتهم, وتعمر به ديارهم, وترفرف به السعادة على بلدانهم, وهي مع ذلك طاعة لله ولرسوله, ففي الحديث النبوي: (مَنْ يُطِعْ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) (٣) , ورحم عبد الله بن المبارك حيث يقول:
أطاع اللَه قومٌ فاستراحوا ... ولم يتجرّعوا غُصَصَ المعاصي (٤)
стр. 323
المَلِك مالك المُلك والمليك في الأسماء الحسنى
ان مما يجب على المكلف العاقل ان يعلم ان الله الملك
الحق المبين وحده لا شريك له، فهو الملك الآمر الناهي المعز المذل الذي يُصرّف أمور عباده، وانه وحده لا شريك له ملكنا ومالكنا ومليكنا وإلاهنا واليه نلجأ كما يرشدنا إلى ذلك ويأمرنا جل شأنه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ*مَلِكِ النَّاسِ*إِلَهِ النَّاسِ﴾ (١) ، فهو الملك الأعظم المطلع على السر والعلانية المحيط بكل شيء، فهو الموصوف بصفة الملك وهو مالك الملك ﷻ وتقدست أسماؤه، فقد ورد هذا الاسم في التنزيل وفي السنة النبوية وأجمعت عليه الأمة المحمدية، ففي سورة الفاتحة يقول جل شأنه: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) ، وفي قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) ، ... وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله عليه وآله وسلم يقول: (الحمد لله رب العالمين) ثم يقف (الرحمن الرحيم) ثم يقف وكان يقرؤها (ملك يوم الدين) (٤) .
стр. 324
وروي انه كان يقرؤ (مالك) والقراءتان متواترتان، وثمرة اعمال القراءتين هو وجوب الإيمان بان الله جل وعلا يوصف بالملك والمالك، قال القرطبي: فأما ملك ومالك فقد جاء في القران قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١) ، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ (٢) ، وعند الترمذي (ملك) و (مالك) وقرأ القراء بهما ورويت القراءتان عن النبي ﵌، وأما مليك فجاء أيضا في القران: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٣) ، وهو كثير في أشعار العرب من ذلك:
فارضِ بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلاق بيننا علامها
وقال آخر:
تتبع خبايا الارض ودع مليكها ... لعلك ان تجاب يوماً فترزقا
وهذا الاسم من أمهات الأسماء لان باب التعديل والتجوير يدور عليه، ووصف التنزيه والكمال في الإثبات معنى يسند إليه (٤) ، فهو سبحانه الموصوف بصفة الملك، وهي صفة العظمة والكبرياء والقهر والتدبير، الذي له التصرف المطلق في الخلق والأمر والجزاء، وله جميع العالم العلوي والسفلي كلهم عبيد ومماليك (٥) ومضطرون إليه، ومعنى الملك الحقيقي ثابت له
стр. 325
سبحانه بكل وجه، وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال، فهو سبحانه الرب الحق، الملك الحق، الإله الحق، خلقهم بربوبيته وبهرهم بملكه واستعبدهم بالاهيته، فتأمل هذه العظمة التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام, وأحسن سياق (رب الناس - ملك الناس- إله الناس) وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، أما تضمنها لمعاني الأسماء الحسنى:
فان الرب: هو القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، الحسن، المنعم، الجواد، المعطى المناع، الضار النافع، المقدم المؤخر، الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحق من الأسماء الحسنى.
وأما الملك: فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحق من الأسماء الحسنى، كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكم، العدل، الخافض، الرافع، المعز المذل، العظيم، الجليل، الكبير الحسيب، المجيد، الولي، المتعال، مالك الملك، المقسط الجامع إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك.
وأما (الإله) : فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في الاسم جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، فقد تضمنت هذه الأسماء
стр. 326
الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى، فكان المستعيذ بها جديراً بان يُعاذ، ويُحفظ، ويُمنع من الوسواس الخناس، ولا يسلط عليه (١) .
ويتضح من هذا العرض ان ملك الله جل وعلا تفرد فيه بالقوة والعظمة والقدرة المطلقة، والضر والنفع، والأفضال والإحسان، والإحياء والإماتة كما قال جل شأنه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢) ، وتفرده بالإحاطة بكل شيء، ونفاذ تصرفه في كل شيء، وحسن تدبيره وحكمته بوضع الأمور في مواضعها، فهو الملك الحق المقدس المنزه، وهو الملك القدوس العزيز الحكيم، وهو المقدم المؤخر، المعطي النافع، الذي يأتي الملك ممن يشاء وينزع الملك ممن يشاء كما يقول جل شأنه ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) .
قال القرطبي: وهذا الاسم من أمهات الأسماء وهو يحتوي على معاني أكثرها، أو على كلها، فليس في الأسماء ما يعارضه، ولهذا انفرد سبحانه اسماً واستحق التسمية به لعشرة أمور لا توجد لغيره:
أحدها: وجود افتقار الملك إليه.
стр. 327
والثانية: ان ملك كل الملك منه.
والثالث: انه يقول للشيء كن فيكون.
والرابعة: ثبوت الملك له قبل وجود الملك والمملوك.
والخامسة: استغناؤه عن الأعوان.
والسادسة: عموم الملك في الدنيا والآخرة.
والسابعة: ان جنده لا يحصون كثرة وقوة.
والثامنة: ان ملكه لا يبيد.
والتاسعة: ان العقول تحيل الشركة عليه.
والعاشرة: إحاطته سبحانه بملكه إحاطة لا يغيب عنه منها دقيق ولا جليل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) .
وقال القاضي أبو بكر العربي: واختص سبحانه بنعوت- اقتضاها كونه ملكاً - جماعها احد عشر حكماً:
احدها: انه يعز من يشاء ويذل من يشاء ويستحيل عليه الإذلال.
الثانية: انه المملك لغيره السالب له.
الثالث: انه الممكن لسواه المانع له.
الرابع: انه يولي ويعزل ولا يتوجه عليه بالعزل.
الخامس: انه المنفرد بالعز والسلطان لا يشارك فيه احد.
السادس: انه يقضي ولا يقضى عليه.
السابع: ان الإنفاق إليه، يرزُق ولا يرزَق، ويطعِم ولا يطعَم.
الثامن: انه يؤلم ولا يتألم.
стр. 328
التاسع: انه يضر وينفع، ولا يتوجه عليه الضر والنفع.
العاشر: انه يَحرس ولا يُحرس.
الحادي عشر: ان العرض عليه، والثواب والعقاب إليه، والعفو لا يرجى إلا لديه، وفي كل نعت منها أية وحديث يدل عليه (١) .
وقد أحسن من قال:
ملك تدين له المُلوك وَيلتجى ... يَومَ القيامة فقرهم بِغناه
هُوَ أوّل هُوَ آخر هو ظاهر ... هُوَ باطِن لَيسَ العيون تَراه
حجبته أَسرار الجَلال فَدونه ... تَقِف الظنون وَتخرس الافواه
صمد بِلا كفء وَلا كَيفية ... أَبدا فَما النظراء والاشباه
شهدت غَرائب صنعه بوجوده ... لَولاه ما شهدت به لَولاه
واليه أذعنت العُقول فآمنت ... با لغيب تؤثر حبها اياه
سُبحان من عنت الوجوه لوجهه ... وَله سجود أَوجه وَجباه
طوعا وَكرها خاضعين لعزه ... فَله عليها الطوع والإكراه
سل عنه ذرات الوجود فانها ... تدعوه معبودا لها رباه
ما كانَ يعبد من اله غيره ... وَالكل تحت القهر وَهواله
أَبدى بمحكم صنعه من نطفة ... بشرا سويا جل من سواه
وَبَني السَموات العَلي وَالعَرش ... وَالكرسيّ ثم عَلى الجَميع علاه
وَدحا ببسط الأَرض فَرشا مثبتا ... بالراسيات وَبالنبات حلاه
стр. 329
عَن اذنه وَالفلك والامواه (١)
ثمرة معرفة اسمه جل وعلا الملك
من عرف ان الله جل وعلا هو الملك الحق وانه ملك الملوك وانه إلهنا وخالقنا ورازقنا والمتصرف في جميع أمورنا، استغنى عن الخضوع لغيره, وأفرده سبحانه بالعبادة وابتعد عن الحرص والهوى وقد أحسن بعض الشعراء حين قال:
ملكت نفسي وكنت عبداً ... فزال رقي وطاب عيشي
أصبحت أرضى بحكم ربي ... ان لم أكن راضياً فأيشي (٢)
فإذا علم العبد ما لله من الملُك والملِك فحقه ان لا يشح بما ملكه على طريق الوديعة, وان يكون سمح السجية والطبيعة، لأنه إنما استخلف على ما ملك أياماً قليله، فان ردها إلى مالكها أحسن رد، عاد عليه اشرف ملك، ونال عوضاً عنها ارفع ملك، فهو وان كان ملكاً علم انه مملوك لله الذي بيده ملك الدنيا والآخرة، فهو محتاج إلى ربه، فعليه ان يحسن فيما استخلف فيه، فمالكه ملك السماوات والأرض بيده العز والقهر والعظمة، فهو الذي
стр. 330
يعطي الملك وينزعه، ويبيد الدول ويقيمها، وإذا كان الله بهذه القدرة يسامح ويعفو ويعين ويصدق الوعد، فان من ملكه الله شيئاً وجب عليه أن يعين ويعفو وان يعدل وان يحسن السياسة ويصدق الوعد، ويبتعد عن الظلم فقد جاء في الحديث النبوي: (ثَلاثة لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (١) ، وذكر منهم ملكاً كذاباً، وهذا الوعيد يأتي لأنه ليس من شيم الملك الذي يتصرف بقدرة وحنكة الكذب وإنما هو خصلة قبيحة، لذلك فان المؤمن يجب عليه ان يتنزه عن ذلك، وأن لا يكون كما قيل:
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ ... وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا ... شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ (٢)
ومن عرف ان الله ربه ومالكه ومعبوده وجب عليه ان لا يخاف إلا ربه ولا يرجو إلا مالكه، وان يفرده بالعبادة والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والخضوع له والصدق معه ومع إخوانه المؤمنين، فهو وحده سبحانه بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع.
стр. 331
دعاء الله باسمه الملك والمَالِك ملك الملُك
إن الله جل وعلا مالك ملك السماوات والأرض، ومالك الكون بمن فيه يسمع ويجيب من يناديه، وكفاني فخراً يا مالك الملك العظيم يا رب العرش الكريم يا ذا الجلال والإكرام إني لك عبد في العبيد، فوفقني والمؤمنين لطاعتك لننال رضاك ونحظى منك بما نريد، فانك أنت الله الملك الكريم الجواد المجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، وقد أحسن القائل:
أَغيب وَذو اللطائف لا يَغيب ... وَأَرجوه رجاء لا يخيب
واسأله السَلامة من زَمان ... بليت به نوائبه تشيب
وأنزل حاجَتي في كل حال ... إلى من تطمئن به القلوب
وَلا أَرجو سواه إذا دهاني ... زَمان الجور وَالجار المريب
فَكَم لِلَّه من تَدبير أَمر ... طوته عَن المشاهدة الغيوب
وَكَم في الغَيب مِن تَيسير عسر ... وَمن تفريج نائبة تنوب
وَمن كرم ومن لطف خفي ... وَمن فرج تزول به الكروب
وَمالي غير باب اللَه باب ... وَلا مولى سواه وَلا حَبيب
كَريم منعم برّ لَطيف ... جَميل الستر للداعي مجيب
حَليم لا يعاجل بالخَطايا ... رَحيم غيم رحمته يصوب
فَيا مَلِك المُلوك أَقل عثارى ... فانى عنك أنأتني الذنوب (١)
وجاء في الذكر الحكيم: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ (٢) .
стр. 332
الفصل الثاني عشر
الشُكر
стр. 333
الشُكر
الشكر يديم النعمة, ويزيل المحنة, فتجارته رابحة, ومكاسبه فاضلة, وقد عرّف العلماء شكر الله بأنه: ظهور نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً, وعلى قلبه شهوداً ومحبة, وعلى جوارحه انقياداً وطاعة وقيل الشكر صرف النعم فيما خلقت له , واستعمالها فيما شرعت لأجله.
فلسان الشاكر مشغولٌ بالثناء على ربه, معترف بنعمه, وقلبه مملوء بحب الله, وجوارحه مشغولة بطاعة الله, لهذا كان الشكر من مظاهر العبادة التي دعا إليها القرآن, قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) , ويرحم الله علي بن الجهم حيث يقول:
إِذا جَدَّدَ اللَهُ لي نِعمَةً ... شَكَرتُ وَلَم يَرَني جاحِداً
وَلَم يَزَلِ اللَهُ بِالعائِداتِ ... عَلى مَن يَجودُ بِها عائِداً
فكلمة الشكر من الكلم الجوامع, لأنها تنتظم كل خير, وتشمل كل ما يصلح به قلب الإنسان ولسانه وجوارحه, فالذي لا يحب الله ولا يشهد قلبه بأن ما فيه من النعم إنما هو من الله فضلاً وإحساناً ليس بشاكر, وقد جاء في شعر محمود الوراق (٢) :
إِذا كانَ شُكري نِعمَةَ اللَهِ نِعمَةً ... عَلَيَّ لَهُ في مِثلِها يَجِبُ الشُكرُ
فَكَيفَ بلوغُ الشُكرِ إِلا بِفَضلِهِ ... وَإِن طالَتِ الأَيّامُ وَاِتَّصَلَ العُمرُ
стр. 334
إِذا مُسَّ بِالسَرّاءِ عَمَّ سُرورُها.... وَإِن مُسَّ بِالضَرّاءِ أَعقَبَها الأَجرُ
وَما مِنهُما إِلا لَهُ فيهِ نِعمَةٌ ... تَضيقُ بِها الأَوهامُ وَالبرُّ وَالبَحرُ (١)
فمن لا يثني على ربه, ولا يحمده بلسانه؛ لم يكن شاكراً, ومن يخض في الباطل, ويشغل لسانه بلغو القول, وسمعه بلهو الحديث؛ ليس بشاكر, ومن أعطي من العلم شيئاً فكتمه ليس بشاكر, ومن بخل عن صرف المال في وجوه الخير والبر؛ ليس بشاكر, ومن لم يحافظ على النعمة بالشكر عرضها للزوال والانتقال, قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁:
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها ... فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم
وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ ... فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم
فَإِن تَعطِ نَفسَكَ آمالَها ... فَعِندَ مُناها يَحِلُّ النَدَم
فَأَينَ القُرونَ وَمَن حَولَهُم ... تَفانوا جَميعاً وَرَبّي الحَكَم
وَكُن مُوسِراً شِئتَ أُو مُعسِراً ... فَلا بُدَّ تَلقى بِدُنياكَ غَمّ
وَدُنياكَ بِالغَمِّ مَقرونَةٌ ... فَلا يُقطَع العُمرُ إِلا بِهَمّ
حَلاوَةُ دُنياكَ مَسمومَةٌ ... فَلا تَأَكُلِ الشَهدَ إِلا بِسُمّ
مُحامِدُ دُنياكَ مَذمومَةٌ ... فَلا تَكسَب الحَمدَ إِلا بِذَم
إِذا تَمَّ أَمرٌ بَدا نَقصُهُ ... تَوَقَّ زَوالاً إِذا قيلَ تَمّ
فَكَم آمِنٍ عاشَ في نِعمَةٍ ... فما حَسَّ بِالفَقرِ حَتّى هَجَم
وَكَم قَدَرٍ دَبَّ في غَفلَةٍ ... فَلَم يَشعُرِ الناسَ حَتّى هَجَم
стр. 335
استدامة النعمة بالشكر
نعم الله على الإنسان كثيرة, وخيراته وفيرة, ولا بقاء للنعمة إلا بالشكر, وقد أُثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قوله: "قيد النعم بالشكر, والعلم بالكتابة", وقال الحسن البصري: "نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه, وذنوب ابن آدم أكثر من يسلم منها إلا ما عفا عنها".
وقد قال محمد بن عبد الملك (١) : "أنه لو لم يكن في فضل الشكر إلا أنه لا يرى إلا بين نعمتين حاضرةٍ ومنتظرة", وقد سؤل ابن الأعرابي (٢) : كيف تراهما يا أبا عبد الله قال: أحسن من قرطي درٍ وياقوت بينهما وجه حسن". (٣)
وجاء في شعر الحكمة المنسوب للإمام علي بن أبي طالب ﵁:
ما أَحسَنَ الدُنيا وَإِقبالَها ... إِذا أَطاعَ اللَّهَ مَن نالَها
مَن لَم يواسِ النَّاسَ مِن فَضلِهِ ... عَرَّضَ لِلإِدبارِ إِقبالَها
فَاِحذَر زَوالَ الفَضلِ يا جابِرُ ... وَأعطِ مِن دُنياكَ مَن سالَها
فَإِنَّ ذا العَرشِ جَزيلُ العَطا ... ءِ يُضَعِفُ بِالحَبَةِ أَمثالَها
وَكَم رَأَينا مِن ذَوي ثَروَةٍ ... لَم يَقبَلوا بِالشُّكرِ إِقبالَها
стр. 336
تاهوا عَلى الدُنيا بِأَموالِهِم ... وَقَيَّدوا بِالبُخلِ أَقفالَها
لَو شَكَروا النِعمَةَ زادَتُهُمُ ... مَقالَةً لِلّهِ قَد قالَها
لَئِن شَكَرتُم لأَزيدَنَّكُم ... لَكِّنَما كُفرَهُم غالَها
مَن جاوَرَ النِعمَةَ بِالشُكرِ لَم ... يِخشَ عَلى النِعمَةِ مُغتالَها
وَالكُفرُ بِالنِعمَةِ يَدعو إِلى ... زَوالِها وَالشُكرُ أَبقى لَها (١)
وقيل: "من أعطي أربعاً لم يعدم أربعاً: من أعطي الشكر لم يعدم المزيد, ومن أعطي التوبة لم يعدم القبول, ومن أعطي الاستخارة لم يعدم الخيرة, ومن أعطي المشورة لم يعدم الصواب", فلا زوال لنعمة إذا شُكرِت, ولا دوام لها إذا كُفرِت.
قال المأمون لثمامة (٢) : أيهما أفضل الشاكر أم المنعم؟ فقال: المنعم, أمنُّ فعلاً, وأعلى في فعله فضلاً, لأن الإنعام لقاح الشكر, وبه يستهل سبيل الشاكر إلى جميل الشكر, فجالب الشكر أوكد سبباً من الشكر, فقال المأمون: ما علمتَ شيئاً, بل الشكر أفضل, والقول بتقديمه أعدل, لأن الشكر يمتري المزيد, ويحكم عقد النعمة بالتوطيد, وموجب النعمة أفضل من النعمة, فالنعمة إلى نفاذ, ويسير الشكر باقٍ إلى المعاد, ومن فضله ندب الله عباده إليه, وحظهم عليه, وأوجب لهم المزيد بإدامته, قال الشاعر:
فَلَو كانَ يَستَغني عَنِ الشُكرِ ماجِدٌ ... لِعِزَّةِ نَفسٍ أَو عُلُوِّ مَكانِ
لَما أَمَرَ اللَهُ الحَكيم بِشُكرِه ... فَقالَ اِشكُروا لي أَيُّها الثَقلانِ
стр. 337
وقيل: من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى, ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليثق بالله تعالى, ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه, ومن أحب بقاء جميع ذلك فليشكر الله تعالى دائماً. (١)
وقد جاء في محكم الذكر الحكيم: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) .
شكر الخالق واجب
إن من أنفع القربات, وأهم الواجبات؛ شكر الخالق على نعمه, فإن من غفل عن ذلك, وتجاهل نعم الله عليه فإنه يكون مقترفاً لأشد أنواع الجحود, فشكر النعمة مما تألفه النفوس, فالناس ينكرون على الشخص الذي لا يسدي الشكر لمن أحسن إليه, ويسمونه بالجحود والكفران, فكيف بالله الذي أسدى من النعم ما لا تحصى, وخَلقُ الإنسان أفضل النعم, وفي محكم التنزيل: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) , وفي سورة يس يذكرنا بالنعم العزيز الحكيم حيث يقول: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ* وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ* لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٤) .
وفي نعمة إجراء الأنهار, وتسخير البحار, والاستمتاع بالنعم الغزار؛ من الفضل ما لا يحصيه إلا العزيز الغفار, وفي سورة الجاثية: ﴿اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥) آية واضحة تدل على عظم نعمة التسخير.
وفي اختلاف الليل والنهار من النعم الكبيرة, والخيرات الوفيرة؛ ما يدعو إلى الشكر والثناء على القوي القدير, وفي سورة القصص آيات واعتبار, تدل على نعم العزيز الجبار, قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) .
فأحسن كل حسن نعمة مشكورة, وحق الله في العسر الرضى والصبر, وفي اليسر البر والشكر, وقال بعض الصالحين: إني لأصاب بالمصيبة فأشكر الله عليها أربع مرارٍ: شكراً إذ لم تكن أعظم مما هي, وشكراً إذ رزقني الصبر عليها, وشكراً لما أرجوه من زوالها, وشكراً إذ لم تكن في ديني, وقال أبو الفرج الببغاء (٧) :
стр. 338
صَبَرتُ وَلَم أُحمَد عَلى الصَبرِشيمَتي ... لأَنَّ مَآلي لَو جَزَعتُ إِلى الصَبرِ
وَلِلَّهِ في أَثناءِ كُلِّ مُلِمَّة ... وَإِن آلَمَت لُطفٌ يَحُضُّ عَلى الشُكرِ
والشكر وإن قل فهو ثمن لكل نوال وإن جل, وقيل: ثلاث يبلغ بها الإنسان ما يحب: حسن الظن بالله تعالى, والمكافئة على القبيح بالجميل, وشكر الله على الشدة.
وقد نسب إلى الحسن البصري أنه قال: "الخير الذي لا شر فيه: الصبر مع النازلة, والشكر مع النعمة", قال الإمام علي ﵁:
لَئِن ساءَني دَهرٌ لَقَد سَرَّني دَهرُ ... وَإِن مَسَّني عُسرٌ فَقَد مَسَّني يُسرُ
لِكُلٍّ مِنَ الأَيّامِ عِندي عادَةٌ ... فَإِن ساءَني صَبرٌ وَإِن سَرَّني شُكرُ
وقيل: "من تلقى أوائل النعم بالشكر ثم أمضاها في سبل البر فقد حرسها من الزوال وحصنها من الانتقال". قال الشاعر:
يدُ المعروف غُنمٌ حيثُ كانت ... تحمّلَها شكورٌ أو كفورُ
ففي شكرِ الشكور لها جزاءٌ ... وعندَ اللَهِ ما كفرَ الكفورُ
ومما ينسب إلى عمر بن الخطاب ﵁: "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت".
стр. 339
من شكر الله شكر الناس
إن نفوس الأبرار تأبى إلا أن تشكر من أحسن إليها وأوصل معروفاً إليها, وفي الحديث: أن النبي ﵌ قال: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) (١) .
ويرحم الله صالح بن عبد القدوس (٢) حيث يقول:
لأَشكُرَنَّ هماماً فَضل نِعمَتِه ... لا يشكر اللَهَ من لَم يَشكُر الناسا (٣)
وقال آخر:
إذا الشافع استقصى لك الجهد كله ... وإن لم تنل نجحاً فقد وجب الشكر
وفي امثال العرب اذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر, وقيل: الشكر ترجمان النية ولسان الطوية, وشكر المولى هو الأولى, قال الشاعر (٤)
لَهُ عَلَيَّ أَيادٍ لَستُ أَكفُرُها ... وَإِنَّما الكُفرُ أَلا تُشكَرَ النِعَمُ
وفي الامثال السائرة النعم اذا شكرت قرت, واذا كفرت فرت (٥) , ولله در القائل:
стр. 340
شكرت فإن الشكر حظ من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي (١)
وقد رأى بعض الشعراء أن محاولة الزيادة عند الله والناس لا تكون إلا بالشكر, لأن الناس لا يحمدون من لا يحسن إليهم فقال:
الناس أكيس من أن يحمدوا أحداً ... حتى يروا عنده أثار إحسان (٢)
غير أن هناك من يرى أن من الناس من لا يحمدُ الفضل فزهده ذلك في فعل الخير فقال:
يُزَهِّدُني في كلِّ خيرٍ فَعَلتُه ... إلى الناس ما جَرَّبتُ من قِلَّةِ الشُّكرِ (٣)
وقال احمد شوقي:
لا تَمنَحِ المَحبوبَ شُكرَكَ كُلَّهُ ... وَاِقرِن بِهِ شُكرَ الأَجيرِ المُجهَدِ
أما المتنبي فهو يقول:
إِذا الفَضلُ لَم يَرفَعكَ عَن شُكرِناقِصٍ ... عَلى هِبَةٍ فَالفَضلُ فيمَن لَهُ الشُكرُ
وفي الحديث النبوي: أن النبي ﵌ قال: (لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إذا أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) (٤) .
стр. 341
الشكر فيه الزيادة
من أعطي وشكر؛ زاده الله وشكر, وإن من أفاضل الناس من إذا أعطوا آثروا, وإن أنعموا شكروا, وقيل: إن الشكر من الله بأحسن المواضع؛ فازدد منه تزدد به, وحافظ عليه تحفظ به, وفي محكم التنزيل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١) .
وقد اقتبس بعض الشعراء هذا المعنى وضمنه في قوله:
اشكر ولا تكفر تزد نعمة ... واتلُ مقالاً من حكيم حميد
لئن شكرتم لأزيدنكم ... وإن كفرتم فعذابي شديد
وأوصى عبد الله بن شداد بن الهاد (٢) ولده فقال: "يا بني إني أرى الموت لا يقلع, وما مضى فليس يرجع, ومن بقي فإليه يسرع, وإني أوصيك بوصية فاحفظها: اتق الله وليكن أولى الأمور بك الشكر لله, وحسن النية في السر والعلانية, فإن الشكر مزاد والتقوى خير زاد", وقال عمر بن الخطاب ﵁: "أهل الشكر في مزيد من الله". قال الشاعر:
الشكر أفضل ما حاولت ملتمساً ... به الزيادة عند الله والناسِ (٣)
الثناء على أهل الشكر
стр. 342
لقد أثنى الله على أنبيائه الشاكرين لآلائه ووصف نبياً من أنبيائه بأنه كان أُمَةً شاكراً لأنعم الله فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١) , فالله جل وعلا يشكر من شكره, ويرفع من ذكره.
ومن الشكر الذي يشكره الله فعل الطاعات واجتناب المقبحات, والمسارعة إلى فعل الخيرات, وتعظيم شعائر الله المقدسات, ... وفي محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) .
وأثنى الله تعالى على نبيه نوح ﵇ لحميد فعاله وكثير ثنائه على الله تعالى فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (٣) , وقد روي عن النبي ﵌ أنه قال: (كان نوح لا يحمل شيئاً صغيراً أو كبيراً إلا قال: بسم الله والحمدلله فسماه الله عبداً شكوراً) (٤) وفي رواية: (كان نوح إذا طعم طعاما أو لبس ثوباً حمد الله فسمي عبداً شكوراً) (٥) .
قصة من قصص الشاكرين لرب العالمين:
стр. 343
وروت عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵌ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه, فقلت له: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟) (١) .
الشكر أمان من العذاب
إن منفعة الشكر لا تعود على الخالق فهو الغني ولكنها تعود على الشاكر من عباده, فهو يطهر النفس, ويقربها من بارئها, ويوجه إرادتها إلى الوجهة الصالحة في وجوه البر, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢) , فالله جل وعلا لا يضل من أمن به وذكره وطلب هدايته, ولا يعذب من شكره, قال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (٣) , ولكن الناس مع عظيم نعم الله عليهم قليلٌ شكرهم, قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٤) , وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥) .
سؤال الشكر من الله نعمة
إذا كان الشكر صفة الأبرار وسمة الأحرار يوفي الله الشاكر جزاءه ويرفع جنابه ويضاعف ثوابه ويحفظ عليه نعمته ويديم الله عليه نعمته
стр. 344
ويصرف عنه نقمته وعذابه, فإنه حري بالإنسان المؤمن أن يسأل الله أن يجعله من الشاكرين لنعمائه, وقد كان من دعاء النبي ﵌: (اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (١) .
والشكر يكون بالجنان: القلب واللسان والأركان, فهو أخص من الحمد من جهة وأعم من جهة أخرى, لأنه يكون بالقول والفعل والنية, فبينهما عموم وخصوص.
وقد كان من أدعية النبي ﵌: (تم نورك فهديت فلك الحمد, عظم حلمك فعفوت فلك الحمد, بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد, ربنا وجهك أكرم الوجوه, وجاهك أعظم الجاه, وعطيتك أفضل العطية وأهنؤها, تطاع ربنا فتشكر, وتعصى ربنا فتغفر, وتجيب المضطر, وتكشف الضر, وتشفي السقيم وتغفر الذنب, وتقبل التوبة, ولا يجزئ بآلائك أحد, ولا يبلغ مدحتك قول قائل) (٢) , وفي الذكر الحكيم: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) .
وجاء في أدعية بعض الصالحين: (كم من نعمة أنعمتها علي قل لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك عندها صبري، فيا من قل شكري عند نعمه فلم يحرمني، ويا من قل صبري عند بلائه فلم يخذلني، ويا من رآني على المعاصي والذنوب العظام فلم يهتك ستري، ويا ذا المعروف
стр. 345
الذي لا ينقضي، ويا ذا النعم التي لا تحول ولا تزول صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لنا وارحمنا) (١) .
جحود النعمة والإعراض عن الشكر سبب في الهلاك
إن جحود النعم وكفرانها سبب لزوالها وانتقالها, فمن كفر بالنعمة فقد عرض نفسه للهلكة والنقمة, وعرَّض النعمة للزوال, فمن أضاع الشكر فقد خاطر بالنعمة, وقد قال الإمام علي ﵁: "الشكر أمنة من الزوال, وجنة من الانتقال", وفي إخبار الأمم الماضية عظة واعتبار: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ (٢) , وفي سورة سبأ النبأ اليقين, والعظة للمتقين, والتحذير من سلوك سبيل الجاحدين, قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ (٣) .
فالشكر من دعائم سعادة الأمم, والتنكر عنه لا يجلب غير الخراب والدمار والندم, فمن شكر وتفكر أفلح, ومن تكبر وأعرض هلك ولم ينجح.
стр. 346
الحمد لله حمداً لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلم (١)
الشكور الشاكر من أسماء الله الحسنى
الشكور هو الذي يدوم شكره ويعم كل مطيع وكل صغير من الطاعة أو كبير فضله وإحسانه، والشاكر قال الحليمي: معناه المادح لمن يطيعه والمثني عليه، والمثيب له بطاعته فضلاً من نعمته (٢) ، وقد جاء هذا الاسم في محكم التنزيل قال تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٤) .
فالشاكر والشكور لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافا مضاعفة، فان الله لا يضيع اجر من أحسن عملاً (٥) ، ومع انه سبحانه هو الذي وفق المؤمنين لمرضاته، فانه شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقاً واجباً عليه وإنما هو الذي اوجب على نفسه جوداً منه وكرما (٦) ، واسمه الشكور, ورد في عداد الأسماء الحسنى ونطق به الذكر الحكيم, ولا خلاف في جواز إجرائه على العبد ان كان وصفاً منكراً، يدل
стр. 347
على ذلك قول الحق ﵎: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (١) ، وأما قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) ، فليس بوصف لواحد بعينه وإنما المراد الجنس (٣) . وقد تكلم الناس في الحمد والشكر، هل هما بمعنى واحد أو هما بمعنيين، فذهب الطبري والمبرد إنهما بمعنى سوى.
والصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق أحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، هذا قول علماء اللغة، فالله سبحانه يُحمد على ما وجب له من صفات الجلال الكمال ونزاهة ذاته المقدسة عن كل نقص، ويُشكر على ما أسداه من معروف، فالشكر مقابلة المنعم على فعله بثناء عليه، وقبول لنعمه واعتراف بها، فيكون شكوراً على هذا بمعنى مشكوراً، وقيل الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على سبيل الخضوع، وقيل ان حقيقة الشكر الاعتراف بالتقصير في الشكر للمنعم ولهذا قال تعالى: ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) ، أي طلباً للمزيد، فقال داود: الهي كيف أشكرك وشكري نعمة منك؟ فقال الآن عرفتني يا داود إذ عرفت ان الشكر مني نعمة (٥) .
стр. 348
ثمرة معرفة هذا الاسم
المكلف إذا علم ان الله هو الشاكر والشكور على الإطلاق، وجب عليه ان يشكر الله تعالى، لأنه المنعم المتفضل والمعطي للمزيد على الشكر، واعلم أخي ان على كل جارحة في بدنك تستعملها شكراً، وهو امتثال ما يخصها من الطاعات واجتناب ما يخصها من العصيان، واستعمال جميع الجوارح في طاعة الله، فتحب بقلبك الله وتثني عليه بلسانك، وتؤدي جميع الفرائض البدنية كما أمرك الله، أما شكر المال فإنفاقه في وجوه البر وفيما يحل ويباح الإنفاق فيه من غير سرف ولا تبذير، وعدم انفاقه في غير مرضات الله ومحابه، وان تشكر من أمرك الله بشكره، فتشكر والديك وتشكر من أسدى إليك معروفاً، وتطيع من أمرك الله بطاعته، وقد أمر الله الإنسان بالشكر لوالديه فقال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١) ، كما ان الرسول ﵌ قال: (مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ) (٢) .
وقديماً قيل: "لا انقطاع للنعم مع الشكر, ولا دوام لها مع الكفر".
قال الشاعر:
لا يغلون عليك الشكر في ثمن ... فليس شكر وإن قصرت بالغالي
الشكر يبقى على الأيام ما بقيت ... ويذهب الدهر والأيام بالمال (٣)
فناد ربك الشكور في السحر والبكور يا الله يا شكور, منك النعم والحمد, اجعلني يا الله مشغولاً بشكرك والحمد، وألهمني يا الله حسن الثناء
стр. 349
عليك والحمد، ولا تسلبني يا الله ما خولتني من النعم فلك الحمد ولك الثناء الحسن، وزدني من خيرك وبرّك في الدارين ما تنفعني به وتنفع المؤمنين فإنك الشكور الغفور المنان الكريم، وصلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 350
الفصل الثالث عشر
الكِبر
стр. 351
الكِبر
الكِبر خلق ذميم, وسلوك مشين, يوصل إلى الجحيم, ألا ترى أن في سلوك المتكبرين خراب الدنيا والدين, فهو رذيلة اجتماعية تؤدي إلى الفرقة, وتقضي على المودة, وتقع بين الأفراد والجماعات فتقضي على التعاون والمحبة, والكبرياء لا يقتصر على صرف محبة الناس عن بعضهم البعض, وإنما يجعل الإصلاح الأدبي عسيرا, فالمتكبر يتعامى عن نقائصه وعيوبه؛ لأنه يضع لنفسه قدراً فوق قدره, ويصم أذنيه عن سماع كل حديث ينفع عدى حديث يختص بمدحه, وينمق في عينه التملق من مادحيه, فهو يأبى أن يسمع النصيحة من غيره؛ فيكون ذلك حائلاً بينه وبين الاستفادة من علماء عصره, وأهل مصره, أو الاقتباس من فضيلة غيره, فينزل إلى هوة من الجهل والظلام, ولهذا كان من سنة الله في خلقه أن صرف قلوب المتكبرين عن سماع آياته فقال جل شأنه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١) , فالمتكبر ينتظر من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق المطلق, وإن أحس منهم شكاً فيما يقول رغى وزبد وأبرق وأرعد, أما لو سمع من يكذِّبه فلا تستبعد أن يصنع ما لا يحمد, ولذلك فإن الكِبر تبغضه الكرام, وينهى عنه الكريم المنان, وقد جاء في شعر فتيان الشاغوري:
стр. 352
الكِبر يبغضه الكرام وكل من ... يبدي تواضعه يُحَبُ ويُحمدُ (١)
أما أبو تمام فهو يرى بغض المتكبر فريضة واجبة عليه حيث يقول:
إثنان بغضهما عليَّ فريضة ... متكبر في نفسه وبخيلُ (٢)
الكِبر يغضب الجبار, ويكون سبباً في دخول النار
الكبر: هو احتقار المرء غيره وزدراؤه له. الكِبر خُلق الجبابرة الظالمين, والفسدة الجاحدين من الخلق أجمعين, فالمتكبر من الناس ملوم, وهو بين الخلق مذموم, وفي سلوكه منحوس مشؤم, يستنكف من قول الحق وينكر ذلك على الخلق, ويجحد قول الحق, ويستكبر عن عبادة الله الواحد الأحد, ويتسبب في غضب الجبار, ويكون سبباً في دخول النار, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣) , وفي الحديث النبوي: (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ) (٤) . ومن ذلك يتبين ان الكبر نوعان:
الكبر على الله وهو كفر لان المتكبر لايطيع الله ولا يقبل امره, فمن ترك امر الله او وقع في منهيه استخفافا به تعالى فهو كافر واما من تركه لغلبه
стр. 353
الشهوه او الغفله فهو عاص, اما التكبر على خلق الله فهو عصيان ان لم يكن فيه استخفاف بالشرع قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) ﴾ من سورة الاعراف
المتكبرون شرار الناس
إن معصية الكِبر من الكبائر, التي يتحلى بها الأشرار, ويبتعد عنها الأخيار, وفي الحديث النبوي: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ عِبَادِ اللَّهِ؟ الْفَظُّ الْمُسْتَكْبِرُ, أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ الضَّعِيفُ الْمُسْتَضْعَفُ ذُو الطِّمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ) (١) , فلا تحتقر من لا ناصر له إلا الله ولا تستضعفه تهلك, فربما كان الأشعث الأغبر عند الله أعلى وأشرف, قال علي بن احمد بن أبي حريصة اليماني:
ألا رب ذي طمرين أشعث أغبرا ... خفي عن النظار لم يبغ منظرا
ولو أقسم الحافي الضئيل رداءه ... على الله ذي النعماء أعطى فأكثرا
ولكن زوى الدنيا الدنية دونه ... ليوفيه الحظ الجزيل الموفرا
الكِبر بطر الحق
الكبرياء أداة العطب وعلة البلاء, والظلم سيْما المتكبرين, وخلق الجبارين من الخلق أجمعين, ألا ترى أن الله حين أمر ملائكته بالسجود لآدم سجدوا خاضعين ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) , فكان التواضع والعدل سلوك المتقين, والكبرياء من أخلاق الجاحدين, فمن ظلم الناس, وغمطهم حقهم, واعتدى عليهم, وعصى ربه؛ فهو متكبر لئيم.
وفي الامثال السائرة: الكبر قائد البغض أي ان المتكبر مكروه من الناس, أما من يحب الجمال, ويسعى إلى تحسين مظهره؛ فليس بمتكبر, وفي حديث ابن مسعود: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ, قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) (٣) ، وبطر الحق: رده, وغمط الناس: احتقارهم, وفي الناس من يسعى إلى تقويم إعوجاج المتكبرين ليرضي الخالق والخلق أجمعين, قال المتلمس:
وَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّما
والمعنى: إذا أمال المتكبر خده أذللناه حتى يقوم ميله, فالعاقل يخلع رداء الكبر عنه ليفوز ويظفر, قال عبد الله الأندلسي القحطاني (٤) في نونيته:
واخلَع رِداءَ الكِبرِ عَنكَ فَإِنَّهُ ... لا يَستَقِلُّ بِحَملِهِ الكَتِفانِ
стр. 354
أسباب الكبر
إذا كان العجب والغرور من أسباب الكبر فإن العاقل من لا يغتر بجاهه ولا ماله, ولا بحسبه ولا بنسبه, ولا برئاسته ولا بملكه, ولا بقوته ولا بشدة بطشه, ولا بأتباعه ولا بأنصاره, ولا بتلاميذه ولا بغلمانه, ولا بعشيرته ولا بقرابته, ولا بجماله ولا بكماله, ولا بزهده ولا بعبادته, فكيف يغتر العاقل بنعم ليس له في تكوينها يد, وإنما الفضل في ذلك كله لمستحق الكبرياء الواحد الأحد, ومع ذلك فإنه لا يخلو عن رذيلة الكبر, واستمالة قلوب الناس؛ شريف ولا وضيع, إلا من وفقه الله فسلك طريق المتقين, فمن احتقر الناس فهو خبيث الدخلة, رديء النفس, سيء الخلق, ومن تكبر على العباد واستصغرهم وأنف من مساواتهم فقد نازع الله في صفة لا تليق إلا بجلاله, وفي الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي فمن نازعني ردائي قصمته) (١) أي أنه خاص بالله لا يليق منازعته فيه, وإذا كان الكبر على عباد الله لا يليق إلا بالله, فمن تكبر على عباده فقد نازع الله في حقه.
ومما تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله في أمره ونهيه؛ لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف عن قبوله, وشمر لجحده, واحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس, وذلك داء إبليس الذي تكبر على آدم وقال:
стр. 355
﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (١) , ورحم الله أبا مصطفى الحمامي حيث يقول:
قالوا: تكبر قلت: أفـ ... ـتوني لماذا ذا تكبر
قالوا: قوي قلت: قوّ ... ته لدى بغل تصغَّر
قالوا: وجيه قلت: فر ... عون المؤلَّهُ منه أجدر
قالوا: غني قلت: أغـ ... ـنى منه قارون المدمر
قالوا: جميل قلت: أجـ ... ـمل منه مومسة وأنضر
قالوا: عليم قلت: أعـ ... ـلم منه إبليس وأشهر
قالوا: تقي قلت: هل ... يدري التقي علام يقبر
أولى له شكر الذي ... أولاه ذا الفضل المؤزر
قالوا: له جسم كبيـ ... ـر قلت: جسم الفيل أكبر
قالوا: له عصبية ... تذر العدو وقد تقهقر
فأجبت يوشك أن يذلـ ... ـل بموتهم جمعاً ليزجر
قالوا: إذن ولم التكبـ ... ـر قلت: ذا معنى ميسر
ظن الغبي بأن فضـ ... ـل الله فضل عنه يؤثر
فبه سما وإذا صحا ... لمح الحقيقة فيه تزأر
تلك الحقيقة فاعرفو ... ها يا ذوي القلب المطهر
وعليكمو مني سلا ... م عَرْفه في الكون ينشر (٢)