← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الكِبر الكِبر خلق ذميم, وسلوك مشين, يوصل إلى الجحيم, ألا ترى أن في سلوك المتكبرين خراب الدنيا والدين, فهو رذيلة اجتماعية تؤدي إلى الفرقة, وتقضي على المودة, وتقع بين الأفراد والجماعات فتقضي على التعاون والمحبة, والكبرياء لا يقتصر على صرف محبة الناس عن بعضهم البعض, وإنما يجعل الإصلاح الأدبي عسيرا, فالمتكبر يتعامى عن نقائصه وعيوبه؛ لأنه يضع لنفسه قدراً فوق قدره, ويصم أذنيه عن سماع كل حديث ينفع عدى حديث يختص بمدحه, وينمق في عينه التملق من مادحيه, فهو يأبى أن يسمع النصيحة من غيره؛ فيكون ذلك حائلاً بينه وبين الاستفادة من علماء عصره, وأهل مصره, أو الاقتباس من فضيلة غيره, فينزل إلى هوة من الجهل والظلام, ولهذا كان من سنة الله في خلقه أن صرف قلوب المتكبرين عن سماع آياته فقال جل شأنه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١) , فالمتكبر ينتظر من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق المطلق, وإن أحس منهم شكاً فيما يقول رغى وزبد وأبرق وأرعد, أما لو سمع من يكذِّبه فلا تستبعد أن يصنع ما لا يحمد, ولذلك فإن الكِبر تبغضه الكرام, وينهى عنه الكريم المنان, وقد جاء في شعر فتيان الشاغوري:

стр. 352

الكِبر يبغضه الكرام وكل من ... يبدي تواضعه يُحَبُ ويُحمدُ (١) أما أبو تمام فهو يرى بغض المتكبر فريضة واجبة عليه حيث يقول: إثنان بغضهما عليَّ فريضة ... متكبر في نفسه وبخيلُ (٢) الكِبر يغضب الجبار, ويكون سبباً في دخول النار الكبر: هو احتقار المرء غيره وزدراؤه له. الكِبر خُلق الجبابرة الظالمين, والفسدة الجاحدين من الخلق أجمعين, فالمتكبر من الناس ملوم, وهو بين الخلق مذموم, وفي سلوكه منحوس مشؤم, يستنكف من قول الحق وينكر ذلك على الخلق, ويجحد قول الحق, ويستكبر عن عبادة الله الواحد الأحد, ويتسبب في غضب الجبار, ويكون سبباً في دخول النار, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣) , وفي الحديث النبوي: (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ) (٤) . ومن ذلك يتبين ان الكبر نوعان: الكبر على الله وهو كفر لان المتكبر لايطيع الله ولا يقبل امره, فمن ترك امر الله او وقع في منهيه استخفافا به تعالى فهو كافر واما من تركه لغلبه

стр. 353

الشهوه او الغفله فهو عاص, اما التكبر على خلق الله فهو عصيان ان لم يكن فيه استخفاف بالشرع قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) ﴾ من سورة الاعراف المتكبرون شرار الناس إن معصية الكِبر من الكبائر, التي يتحلى بها الأشرار, ويبتعد عنها الأخيار, وفي الحديث النبوي: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ عِبَادِ اللَّهِ؟ الْفَظُّ الْمُسْتَكْبِرُ, أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ الضَّعِيفُ الْمُسْتَضْعَفُ ذُو الطِّمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ) (١) , فلا تحتقر من لا ناصر له إلا الله ولا تستضعفه تهلك, فربما كان الأشعث الأغبر عند الله أعلى وأشرف, قال علي بن احمد بن أبي حريصة اليماني: ألا رب ذي طمرين أشعث أغبرا ... خفي عن النظار لم يبغ منظرا ولو أقسم الحافي الضئيل رداءه ... على الله ذي النعماء أعطى فأكثرا ولكن زوى الدنيا الدنية دونه ... ليوفيه الحظ الجزيل الموفرا الكِبر بطر الحق الكبرياء أداة العطب وعلة البلاء, والظلم سيْما المتكبرين, وخلق الجبارين من الخلق أجمعين, ألا ترى أن الله حين أمر ملائكته بالسجود لآدم سجدوا خاضعين ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) , فكان التواضع والعدل سلوك المتقين, والكبرياء من أخلاق الجاحدين, فمن ظلم الناس, وغمطهم حقهم, واعتدى عليهم, وعصى ربه؛ فهو متكبر لئيم. وفي الامثال السائرة: الكبر قائد البغض أي ان المتكبر مكروه من الناس, أما من يحب الجمال, ويسعى إلى تحسين مظهره؛ فليس بمتكبر, وفي حديث ابن مسعود: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ, قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) (٣) ، وبطر الحق: رده, وغمط الناس: احتقارهم, وفي الناس من يسعى إلى تقويم إعوجاج المتكبرين ليرضي الخالق والخلق أجمعين, قال المتلمس: وَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّما والمعنى: إذا أمال المتكبر خده أذللناه حتى يقوم ميله, فالعاقل يخلع رداء الكبر عنه ليفوز ويظفر, قال عبد الله الأندلسي القحطاني (٤) في نونيته: واخلَع رِداءَ الكِبرِ عَنكَ فَإِنَّهُ ... لا يَستَقِلُّ بِحَملِهِ الكَتِفانِ

стр. 354

أسباب الكبر إذا كان العجب والغرور من أسباب الكبر فإن العاقل من لا يغتر بجاهه ولا ماله, ولا بحسبه ولا بنسبه, ولا برئاسته ولا بملكه, ولا بقوته ولا بشدة بطشه, ولا بأتباعه ولا بأنصاره, ولا بتلاميذه ولا بغلمانه, ولا بعشيرته ولا بقرابته, ولا بجماله ولا بكماله, ولا بزهده ولا بعبادته, فكيف يغتر العاقل بنعم ليس له في تكوينها يد, وإنما الفضل في ذلك كله لمستحق الكبرياء الواحد الأحد, ومع ذلك فإنه لا يخلو عن رذيلة الكبر, واستمالة قلوب الناس؛ شريف ولا وضيع, إلا من وفقه الله فسلك طريق المتقين, فمن احتقر الناس فهو خبيث الدخلة, رديء النفس, سيء الخلق, ومن تكبر على العباد واستصغرهم وأنف من مساواتهم فقد نازع الله في صفة لا تليق إلا بجلاله, وفي الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي فمن نازعني ردائي قصمته) (١) أي أنه خاص بالله لا يليق منازعته فيه, وإذا كان الكبر على عباد الله لا يليق إلا بالله, فمن تكبر على عباده فقد نازع الله في حقه. ومما تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله في أمره ونهيه؛ لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف عن قبوله, وشمر لجحده, واحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس, وذلك داء إبليس الذي تكبر على آدم وقال:

стр. 355

﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (١) , ورحم الله أبا مصطفى الحمامي حيث يقول: قالوا: تكبر قلت: أفـ ... ـتوني لماذا ذا تكبر قالوا: قوي قلت: قوّ ... ته لدى بغل تصغَّر قالوا: وجيه قلت: فر ... عون المؤلَّهُ منه أجدر قالوا: غني قلت: أغـ ... ـنى منه قارون المدمر قالوا: جميل قلت: أجـ ... ـمل منه مومسة وأنضر قالوا: عليم قلت: أعـ ... ـلم منه إبليس وأشهر قالوا: تقي قلت: هل ... يدري التقي علام يقبر أولى له شكر الذي ... أولاه ذا الفضل المؤزر قالوا: له جسم كبيـ ... ـر قلت: جسم الفيل أكبر قالوا: له عصبية ... تذر العدو وقد تقهقر فأجبت يوشك أن يذلـ ... ـل بموتهم جمعاً ليزجر قالوا: إذن ولم التكبـ ... ـر قلت: ذا معنى ميسر ظن الغبي بأن فضـ ... ـل الله فضل عنه يؤثر فبه سما وإذا صحا ... لمح الحقيقة فيه تزأر تلك الحقيقة فاعرفو ... ها يا ذوي القلب المطهر وعليكمو مني سلا ... م عَرْفه في الكون ينشر (٢)

стр. 356

أما منصور الفقيه فهو يقول في ذم الكبر والعجب: تتيه وجسمك من نظفة ... وأنت وعاء لما تعلم وقال ابوبكر ﵁: لايحقرن احدٌ احداً من المسلمين, فإن صغير المسلمين عند الله كبير. وقال محمد بن الحسين بن على رضوان الله عليهم اجمعين: ما دخل قلب امرء شئ من الكبر قط الانقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل او كثر. وقال الاحنف بن قيس ﵀: ما تكبر احد الا من ذله يجدها في نفسه. وقال حكيم ﵀: العجب والكبر حمق يغطي به صاحبه عيوب نفسه. وقال الشاعر: يا مظهر الكبر اعجابا بصورته ... انظر خلاك فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة ... وهو بخمس من الأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرفظة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غداً ... أقصر فإنك مأكول ومشروب وقال القرطبي: قال ابن العربي: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكيمة التي جمعت هذه الأوصاف العلمية, ونقل هذه الأبيات: كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه

стр. 357

وهو يدعوه إلى الحـ ... ـش بصغر فيطيعه (١) قصه للأحنف بن قيس كان الأحنف بن قيس يجلس مع مصعب ابن الزبير على سريره, فجاء يوما ومصعب مادٌّ رجليه فلم يقبضهما, وقعد الأحنف فزحمه بعض الزحمة, فرأى ذلك في وجهه فقال: عجبا لابن ادم يتكبر وقد خرج من مجراء البول مرتين! (٢) الكبير والمتكبر في أسماء الله الحسنى الكبير هو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال الذي هو اكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، واجل وأعلى، وقال أبو سليمان الخطابي: الكبير هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن وصغر دون جلاله كل كبير (٣) ، وقد جاء في القرآن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٤) ، وقوله جل شأنه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٥) ، وأما المتكبر فهو المتعالي عن صفات الخلق والمنزه عن السوء والنقص لعظمته وكبريائه، فهو الذي يتكبر على عتاة خلقه.

стр. 358

قال القرطبي: المتكبر ﷻ وتقدست أسماؤه جاء في سورة الحشر، وفي حديث أبي هريرة وأجمعت عليه الأمة ولا يجوز ان يوصف لغير الله باتفاق (١) . وهذا الاسم يدل على قدرة الله سبحانه المستحق له وكماله كمالاً لا يتناهى، ولهذا دخلت فيه (التاء) وسماها من فهم معناه (تاء الاختصاص) ، لان هذا المعنى يختص بالله تعالى وحده، وهي في حق غيره تكلف، وتكسب ما لا يمكن كسبه، فإذا دل هذا الاسم على استحقاق العلو من غير تكلف، فهو يتضمن جميع صفات الكمال والجلال التي تنال مع بُعْدِ الغاية وعدم النهاية، قاله ابن الحصار وهو معنى قوله ابن العربي. قال الخطابي: (المتكبر) هو المتعالي عن صفات الخلق، ويقال هو الذي يتكبر على خلقه إذا نازعوه العظمة، فيقصمهم قصماً، وفي التكبر تاء التفرُد والتخصيص بالكبر لا تاء التعاطي والتكليف، والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين وإنما سِمة العبد الخشوع والتذلل، وقد روي: (الكبرياء رداء الله فمن نازعه رداءه قصمه) (٢) .

стр. 359

ثمرة معرفة اسم الله الكبير المتكبر إذا علم العاقل ان ربه وخالقه متفرد بالكبرياء والعظمة والكمال، وان كبرياءه سبحانه أزلي ابدي لا شيء مثله، وجب عليه ان يعتقد ان العظمة والكبرياء لله وحده، وان يتواضع لعظمة الله لأنه مفتقر لله المتكبر الكبير المتعال، ويبتعد عن الخيلاء والاستصغار للناس، لان المتكبرين كما جاء في الحديث النبوي: (يحشرون أمثال الذر يوم القيامة تطأهم الناس بأقدامهم) (١) ،وإذا كان أصل الكبرياء الامتناع وقلة الانقياد فان التكبر المحمود في حق العبد هو التكبر عن كل النقائص والدنايا (٢) ، وعن عبادة غير الله، وعن النظر إلى الخلق بعين الاستصغار، والعاقل هو من يشعر نفسه بكبرياء الله وربوبيته، وان الله لاشيء مثله، فهو المتكبر عن كل سوءٍ، المتعظم عما لا يليق به . ولله در القائل: الله أكبر ذو القدر العلي رفيـ ... ـع المجد لا مجد إلا وهو لله الله أكبر أهل الكبرياء عظيـ ... ـم الملك حقيقة الاكبار لله الله أكبر ذو العرش المجيد منيـ ... ـع العز لا عز إلا وهو لله الله أكبر ذو البطش الشديد عزيـ ... ـز الانتقام من العاصين لله الله أكبر عدل قائم ملك ... حق كما يجب التكبير لله الله أكبر حقاً ذو الجلال وذو الـ ... ـإكرام تكبير ذات الله لله الله أكبر تكبيراً لعزته ... كما يحب ويرضى الله لله الله أكبر تكبيراً بما جمعت ... صفاته من سمات الكبر لله

стр. 360

الله أكبر تكبيراً بما سفرت ... أسماؤه من عظيم القدر لله الله أكبر تكبيراً بما نطقت ... أفعاله من كمال الكبر لله الله أكبر ما أولى مراحمه ... بحل عقدة مضطر إلى الله الله أكبر ما أسنى جوائزه ... لمادح الله لا يرجو سوى الله الله أكبر ما أجدى عوارفه ... لباسط القول بالتمجيد لله الله أكبر ما أوفى مكارمه ... لتارك الخلق معطي الحق لله الله أكبر ما أحرى عنايته ... لمن تمسك في الأطوار بالله الله أكبر ما أعلى أياديه ... تبارك الله تمت نعمة الله الله أكبر أصلحني وصل على ... محمد وأجزني الحب بالله (١) دعاء الله باسمه الكبير المتكبر اللهم يا كبير يا اكبر يا جليل يا متكبر يا من له الكبرياء في السماء والأرض ويا من جلاله وكبرياؤه ملئ الارض والسماء وملئ الكون كله، أجرني وأعذني من الكبرياء والخُيلاء والعجب والرياء، وجملني والمؤمنين بالتواضع والتقى، واهدنا إلى أحسن الأخلاق واصرف عنا سيئها، والبسنا والمؤمنين ثوب عزك وشرفك واحسانك وكرمك وامتنانك، وجعلنا رحماء مع اخواننا المؤمنين أعزة على الكافرين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين يا جليل يا متكبر يا ارحم الراحمين، وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين.

стр. 361

الفصل الرابع عشر التواضع

стр. 362

التواضع التواضع: من الخلال الحميدة, والصفات الحسنة, فالتواضع شعار الإيمان, ونور الإسلام, ومنبع الرضى, ودلائل قبول الله جل وعلا, والمتواضع يمده الله بعنايته, ويحيطه برعايته, ويستره ويظله برضوانه, والمتواضع حبيب الله تعالى وحبيب رسوله ﵌, قريب من الله ورسوله, فهو بتواضعه ينال صفات الأخيار ويحظى بدرجات عظيمة من الله الواحد القهار, والمتواضع ينجو من ظلم الناس فيفوز بالسعادة والسيادة والعز, وفي محكم التنزيل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) , فخلق المؤمنين التواضع, والابتعاد عن الكبرياء والترفع عن الخيلاء, والإحسان إلى الفقراء, وإكرام الأتقياء, لذلك يبارك الله في أموالهم, فترتفع المضرة عنهم بلطف الله الخفي, والمتواضع يسود ويعظم في القلوب ويكرم, ويرفعه الله في الدنيا, ويبلغه في الآخرة الدرجات العلا, فيثبّت له بتواضعه في القلوب منزلة محبوبة, ومكانة مكينة مرموقة في الدنيا والآخرة, فالاختيال على الناس حماقة, والتواضع عز وريادة, وقد أوحى الله إلى نبيه من الحكمة ما فيه الخير والنعمة والريادة, فقال جل شأنه: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً* ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (٢) ، أي لا تكن في مشيك ذا

стр. 363

مرح وهو الاختيال, فلن تجعل في الأرض خرقاً بشدة وطأتك (طُولاً) أي بتطاولك, وهو تهكم بالمختال وتعليل للنهي؛ بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى, وجاء في كلام بعض الشعراء: ملء السنابل تنحني بتواضع ... والفارغات رؤسهن شوامخ فالإنسان العاقل لا يكون كحمار السوء إن شبع جمح ورمح, وإن جاع رفع صوته بالنهيق, وقد وصف الشاعر من حاله هكذا بقوله: كحمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق وفي محكم التنزيل: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١) . حقيقة التواضع وفضيلته للتواضع مكانه جليلة وفضيلة كبيرة وقد قيل: التواضع هو اظهار الذل لمن يراد تعظيمه, وقيل: هو تعظيم لمن فوقه لفضله. وقال ابن عطاء: التواضع قبول الحق من كل من قاله. وخفض الجناح للمؤمنين وفي الذكر الحكيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) . وقال عمر بن الخطاب ﵁: ان العبد اذا تواضع لله رفع الله حكمته, وقال: انتعش رفعك الله. وقال علي بن ابي طالب ﵁: سمو المرء في التواضع. وقالت عائشة ﵂: انكم تغفلون عن افضل العبادات التواضع. وقال الفضيل ﵀ حينما سئل عن التواضع ماهو: ان تخضع للحق وتنقاد له , ولو سمعته من صبي قبلته, ولو سمعته من اجهل الناس قبلته. وقال ابن المبارك ﵀ راس التواضع ان تضع نفسك عند من دونك في نعمة لدنيا حتى تعلمه انه ليس لك بدنياك عليه فضل. وان ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا حتى تعلمه انه ليس له بدنياه عليك فضل (٣) . وفي الذكر الحكيم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) . وفي الامثال السائره: تاج المروءة التواضع وقيل: التواضع اوله تودد واخره سؤدد , وتواضع الرجل في مرتبته ذب للشماتة عند سقطته, وقيل: رحم الله امرأ عرف قدره , وقيل لن يهلك امرأ عرف قدر نفسه , وقد خاطب الله رسوله بقوله ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) , ووصف الله عباده المخلصين بقوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ

стр. 364

الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (١) , واخبر جل شأنه عن حال من حكم لهم بالرضوان في الدار الاخره بقوله ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) التواضع فريضة, والعُجب رذيلة التواضع فضيلة, والغرور والعُجب رذيلة, فتواضع يرفعك الله, المتواضع يحترمه الناس ويعظمونه ويجلونه, وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) (٣) , وفي لفظ: (وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) (٤) , وفي رواية للطبراني: (مَنْ تَوَاضَعَ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ارْتَفَعَ عَلَيْهِ وَضَعَهُ اللَّهُ) (٥) , فالمؤمن المتواضع يحبه الله ويحبه الناس. قال الشاعر: تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع فالتواضع يزيد الإنسان قوة ورفعه, وخيراً وسعة, قال الشاعر: إذا شئت أن تزداد قدراً ورفعةً ... فلن وتواضع واترك العجب والكبرا

стр. 365

وجاء في جواهر الأدب: تواضع إذا ما نلت في الناس رفعةً ... فإن رفيع القوم من يتواضع (١) وقال آخر: تواضع إذا ما كان قدرك عالياً ... فإن اتضاع المرء من شيم العقلِ أما يوسف بن أسباط فإنه يرى أنه يكفي لعلو شأن الإنسان ورفعته التماسه للتواضع, وذلك حيث يقول: وكفى بملتمس التواضع رفعةً ... وكفى بملتمس العلو سفالى (٢) أما الكريزي فهو يقول: ولا تمشي فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم تحتها قوم هم منك أرفعُ فإن كنت في عزٍ وحرزٍ ومنعةٍ ... فكم مات من قوم هم منك أمنعُ أما أحمد بن محمد الواسطي فهو يرى أن التواضع يستر الجاهل, وذلك حيث يقول: كم جاهل متواضع ... ستر التواضع جهله (٣) فإذا كان التواضع للناس فضيلة, فإن التواضع لرب الناس فريضة, بها الرفعة والأمان, والخلود في الجنان, قال الشاعر: تواضع لرب العرش علّك ترفع ... فما خاب عبد للمهين يخضع

стр. 366

والتواضع خلق حسن, يدفع الله به الشرور والمحن, وتحصل به الألفة والمحبة, وفيه تعوّد النفس على البشاشة والخشوع, وتعويدها على المحامد, وتذليلها على المكارم, قال الشاعر: إن شئت أن تبني بناءً شامخاً ... يلزم لذا البنيان أس راسخُ إن البناء هو الكمال وأسه الصـ ... ـخري فهو الاتضاع الباذخُ وقد خاطب الله رسوله وهو على خلق عظيم بقوله وهو العزيز الحكيم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وأولى الناس بخفض الجناح, والتواضع لهما في الغدو الرواح هما الوالدان والأقربون, قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ (٢) . وأما العجب والغرور فهما من السلوك المحظور, فالافتخار بالنفس وشعورها بالكمال, والتقصير في تشييد الصالحات, عاهة مهلكة, ألا ترى أن الناس يتمقتون لمن يروق نفسه ويقولون: فلان معجب بنفسه ورأيه, وفي الحديث: (لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب) (٣) . ولابن دريد: وَآفَةُ العَقلِ الهَوى فَمَن عَلا ... عَلى هَواهُ عَقلُهُ فَقَد نَجا كَم مِن أَخٍ مَسخوطَةٍ أَخلاقُهُ ... أَصفَيتُهُ الوُدَّ لِخُلقٍ مُرتَضى

стр. 367

وَعَطِّفِ النَفسَ عَلى سُبلِ الأَسا.... إِن اِستَفَزَّ القَلبَ تَبريحُ الجَوى وفي الحديث النبوي: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ) (١) . قال أبو حاتم ﵀: الواجب على العاقل لزوم التواضع ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة لكان الواجب عليه أن لا يتزيا بغيره, فالتواضع تواضعان أحدهما محمود, والآخر مذموم, والمحمود ترك التطاول على عباد الله, والازدراء بهم, والتواضع المذموم هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبةً في دنياه, فالعاقل يلزم مفارقة المذموم في الأحوال كلها, ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها. (٢) فأفضل الناس من تواضع عن رفعه, وزهد عن قدره, وأنصف عن قوة, ولا يترك المرء التواضع إلا عن استحكام التكبر, ولا يتكبر على الناس أحد إلا بإعجابه بنفسه, وإعجاب المرء بنفسه أحد حساد عقله, وما رأيت أحداً تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه, وقال أبو حاتم ﵁: ما استجلبت البغضة بمثل التكبر, ولا اكتسبت المحبة بمثل التواضع. (٣) وقيل: التواضع يكسب السلامة, ويورث الألفة, ويرفع الحقد, ويذهب الصد, وثمرة التواضع المحبة, كما أن ثمرة القناعة الراحة, وإن تواضع

стр. 368

الشريف في شرفه يزيده شرفاً, وتكبر الوضيع يزيد في ضعته, ويعجل في هلكته. فالعاقل من الناس من إذا رأى من هو أكبر منه سناً تواضع له, وقال: سبقني إلى الإسلام, وإذا رأى من هو أصغر منه سناً تواضع له, وقال: سبقته في الذنوب والآثام, أما إذا رأى من هو مثله عدّه أخاه فتواضع له وأدى حقه. والعاقل من الناس لا يحتقر أحداً, فإن الله لم يخلق الناس عبثاً, قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ (١) , فلا تحتقر الناس وتقول: هذا منبوذ وهذا غير مرغوب, فلعلك تجد غير المرغوب في يومك مألوفاً محبوباً في غدك, أو لا ترى أن العود المنبوذ ربما انتفع به فحك به الرجل أذنه لمسيس الحاجة إلى ذلك, فلا تكن تائهاً: التيهُ مَفسَدَةٌ لِلدينِ مَنقَصَةٌ ... لِلعَقلِ مَنهكة للعِرضِ فَانْتَبِه قصة لهارون الرشيد مع اللأمام مالك بلغ هارون الرشيد ان الامام مالك يعطي دروسا في مسجد النبي ﷺ فبعث الى الامام مالك يقول له اننا نزلنا في ضاحية من ضواحي المدينه , فتعال الى قصرنا نستمع اليك. فرد الامام مالك على هارون الرشيد وقال له: العلم لاياتي انما يؤتى اليه. ثم قال له: وان جئتنا متأخرا , فلن نسمح لك ان تتخطى رقاب العباد. فذهب هارون بنفسه الى

стр. 369

المسجد ليسمع العلم من مالك بن انس فوجد المسجد ملان, فتذكر قول مالك , فأراد ان يجلس , فجلس حيث كان واقفا على كرسي وضعه له احد حراسه. فلاحض ذلك الامام مالك فلم يسره ذلك, فغير موضع حلقته من فرائض الصلاه الى التواضع الى الله , فقال: ان الرسول ﷺ قال: (من تواضع لله رفعه , ومن تكبر وضعه الله) فرما هارون الكرسي خارج المسجد وجلس على الارض كسائر المسلمين (١) قال الشاعر: ليس التطاول رافعا من جاهل ... وكذا التواضع لايضر بعاقل لكن يزاد اذا تواضع رفعة ... ثم التطاول ماله من حاصل

стр. 370

الفصل الخامس عشر الحُب

стр. 371

الحُب الحُب نعمة جليلة, يسعد بها المحبون, ويظفر بها المتقون, ويتمتع بها الراشدون, ويضل بها المنافقون, فنعمة الحب كبيرة وجليلة, وهي من أفضل النعم, والحب ضروب وأنواع أفضله: محبة الله, ثم محبة أنبيائه ورسله, ومحبة المتحابين فيه, ومحبة شرعه ودينه, ومحبة خيره وكرمه, ومحبة خلقه, ومحبة ما يحبه الله, وفي الحديث النبوي: (أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه, وأحبوني لحب الله, وأحبوا أهل بيتي لحبي) (١) . الحب أنواع تتجلى في واقع الحياة أنواع من الحب عديدة, ودرجات رفيعة, وصفات متعددة, فهناك: حب الله ورسله ومحبة شريعته وكتبه, وهناك: الحب الأخلاقي عند العذريين, وحب الأسرة والأبناء والأباء والأقرباء والإخوة والأزواج, وحب الأوطان والمواطنين والأصدقاء والزملاء, وحب الثقافة والعلوم والفنون والآداب والرياضة والطبيعة والجمال والبحار والأنهار والسباحة والسياحة والتنقل والرحلات والمُلك والرئاسة والجاه والشجاعة والسياسة والشهرة والذات والمال والعمل والأخلاق, إلى غير ذلك من الأمور التي يحبها الإنسان فتستولي على جوارحه ومشاعره, ... وربما جعلت المحبة من المحب بصيراً يدرك الأشياء على حقيقتها فتملئ قلبه

стр. 372

حباً يبعث على الرحمة والرأفة والإخاء والمودة والصداقة والصدق والطاعة والشجاعة والبر, وربما جعلت المحبة المفرطة من المحب أعمى لا يدرك إلا ما يحب, وربما تابع المحبوب على غير بصر ولا هدى, وفي الحديث النبوي: (حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ) (١) , وهو في الأمثال السائرة: "حبك الشيء يعمي ويصم" أي يخفي عليك مساويه ويصمّك عن سماع العذل فيه (٢) , فللمحبة في سلوك الإنسان, وفي عبادته, وفي غدوه ورواحه, وفي إقامته وانتقاله, وفي أعماله وآماله, الأثر الكبير. فإذا غمر الحب قلب المحب ترك آثاره كبيرة في كلام الإنسان, وملامح وجهه وتصرفاته, ومواقفه من الآخرين, بل ومن الكون كله, قل ما يفارق الإنسان ذلك في صباه وشبابه وشيخوخته, ومن نعم الحب أنه يجرد الإنسان من الغربة والوحشة, فيشعر المحب بأن كل ما في الوجود معجب محبوب, فهو مصدر الشعر والفنون الجميلة, وهو الذي يولد القوة, ويطرد الاكتئاب, ويحث على العمل, ويحفز على الإبداع والانتصار على الشدائد والصعاب, المرغب في طاعة الله الملك الوهاب.

стр. 373

مفردات الحب يتميز المحبون من الناس لخالقهم, ولما أودعه الله في هذا الكون من نعم؛ بالعواطف النبيلة, وحسن التعبير, وللعرب في العواطف الإنسانية قصب السبق. وقد تحدث الكثير من الباحثين: بأن للمحبة في لسان العرب ستين اسماً, نذكر منها على سبيل المثال ما أورده الإمام ابن القيم في روضة المحبين ونزهة المشتاقين: "المحبة, والعلاقة, والهوى, والصبوة, والصبابة, والشغف, والمقة, والوجد, والكلف, والتتيم, والعشق, والجوى, والدنف, والشجو, والشوق, والخلابة, والبلابل, والتباريح, والسدم, والغمرات, والوهل, والشجن, والاعلاج, والاكتئاب, والوصب, والحزن, والكمد, واللذع, والحرق, والسهد, والأرق, واللهف, والحنين, والاستكانة, والتبالة, واللوعة, والجنون, والفتون, واللمم, والخبل, والرسيس, والداء المخامر, والود, والخلة, والحِلم, والغرام, والهيام, والتدليه, والوله, والتعبد". (١) ضرورة الحب وحاجة الناس إليه يمثل الحب عاطفة إنسانية نبيلة, ونعمة ربانية جليلة؛ تلبي متطلبات الإنسان في حياته, وتسعده في أغلب أوقاته, فعاطفة الإنسان وحبه تلبي رغبته الفطرية والضرورية, فينتشر التعاطف والتلاطف؛ الذي يحصل به التآلف, والمشاركة في بناء الحياة, ألا ترى أن الحق يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) , والتعارف يؤدي إلى التآلف الذي يعلمنا أدب القول وحسن التصرف, فما الحضارات التي تشهدها البشرية إلا ثمرة من

стр. 374

ثمار الحب والتآلف, فحب الله الواحد يدعو إلى التوحد, وبناء الأوطان, وطاعة الرحمن, والتمتع بجمال الحياة, فالحياة فنٌ والحب يجعلها أعظم الفنون, فهو الذي يسهم في اكتساب التآلف بعد مرحلة التعارف التي أرشد إليها القرآن, وقد وصف الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: المؤمن بأنه مؤلفٌ أي يحب الألفة والتآلف, فتأليف القلوب على الطاعة والبر والخير من خُلق المؤمنين ففي الحديث النبوي: (الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ) (١) , وليس هناك أقوى من الحب في إيجاد التآلف بين الخلق أجمعين, وفي تحقيق رغبة المحبين في بناء الحياة على النحو الذي يحبه الله ويرضاه, وقد قيل: أن الحب يسهم في تهذيب الإنسان ورقيه, والسمو بعواطفه الإنسانية وميوله الحياتية, والتمسك بالعفة, والفضيلة والمؤازرة والقيم الإنسانية والأخلاقية, وهو الذي يحرر الإنسان من عزلته وكآبته, ويخفف عنه ألامه ومعاناته المختلفة, ويشجعه على العمل في سبيل تحقيق أحلامه وأمنياته وتطلعاته, وهو الذي يدفعه إلى حب خالقه وعبادته, وشكره على آلائه ونعمه. وقد قيل: ان الحب على المحبين فرض، وبه قامت السماوات والأرض، ومن لم يدخل جنة الحب، لن ينال القرب، فبالحب عبد الرب، وترك الذنب، وهان الخطب، واحتمل الكرب.

стр. 375

وقيل: عقل بلا حب لا يفكر، وعين بلا حب لا تبصر، وسماء بلا حب لا تمطر، وروض بلا حب لا يزهر، وسفينة بلا حب لا تبحر، بالحب تتألف المجرة، وبالحب تدور المسرة، بالحب ترتسم على الثغر البسمة، وتنطلق من الفجر النسمة، وتشدو الطيور بالنغمة، ارض بلا حب صحراء، وحديقة بلا حب جرداء، ومقلة بلا حب عمياء، واذن بلا حب صماء. بالحب ترضع الأم وليدها، وتروم الناقة وحيدها، بالحب يقع الوفاق، والضم والعناق، وبالحب يعم السلام، والمودة والوئام. الحب هو بساط القربى بين الأحباب، وهو سياج المودة بين الأصحاب، بالحب يفهم الطلاب كلام المعلم، وبالحب يسير الجيش وراء القائد ويتقدم، وبالحب تذعن الرعية، ويعمل بالأحكام الشرعية، وتصان الحرمات، وتقدس القربات. بيت لا يقوم على الحب مهدوم، وجيش لا يحمل الحب مهزوم، لكن أعظم الحب واجله، ما جاءت به الملة، أجمل كلمة في الحب قول الرب: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) ، فلا تطلب حباً دونه. ليس حبا قطعة معزوفة ... من يراع الشاعر المنتحب ليس حبا غزل يمطرنا ... في سطور الكاتب الحر الابي أو خطاب بارع نمقه ... واله يروي صنوف العتب ما قفا نبكي هو الحب ولا ... ظبية البان وذكرى زينب ما درى مجنون ليلى سره ... عبث ذاك هيام الصخب إنما الحب دم تنزفه ... في سبيل الله خير القرب أو دموع ثرّة تبعثها ... سحراً اصدق من قلب الصبي

стр. 376

أو سجود خاشع ترسمهى ... فوق خد الطين فاسجد واقرُب (١) امنح الثقات محبتك من منح الثقات محبته على الخير أعانوه, وصفت له أيامه, وتحققت له أحلامه, ويرحم الله دعبل الخزاعي حيث يقول: وَلا تُعطِ وُدَّكَ غَيرَ الثِقاتِ ... وَصَفوِ المَوَدَّةِ إِلّا لَبيبا إِذا ما الفَتى كانَ ذا مُسكَةٍ (٢) ... فَإِنَّ لِحالَيهِ مِنهُ طَبيبا فَبَعضَ المَوَدَّةِ عِندَ الاِخاءِ ... وَبَعضَ العَداوَةِ كَي تَستَنيبا (٣) فَاِنَّ المُحِبَّ يَكونُ البَغيضَ ... وَإِنَّ البَغيضَ يَكونُ الحَبيبا (٤) وقال آخر: وَلا تُصفَين بِالوُدِّ مَن لَيسَ أَهلَهُ ... وَلا تُبعِدَنْ بِالوُدِّ مِمَّن تَوَدَّدا (٥) أما الإمام الشافعي ﵀ فهو يرى أن في محبة الصالحين نيل شفاعتهم فيقول: أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم ... لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شَفاعَه وَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصي ... وَلَو كُنّا سَواءً في البِضاعَه أما نُصيّب فهو يرى أنه لا خير في محبة المتكاره ولا في صحبة من لا يوافق الصاحب فيقول:

стр. 377

وَلا خَير في وُدِّ امرىء مُتَكارِه ... عَلَيكَ وَلا في صاحِبِ لا تُوافِقُه (١) قلتُ: الظاهر أن العاقل من الناس من يحول الأعداء إلى أصدقاء بتحببه إليهم وإكرامه لهم, وقد فرض الله للمؤلفة قلوبهم من أعداء المسلمين سهماً في زكاة الموحدين, فالمحبة والمودة أقرب الأسباب وأنفع الأخلاق, وقد نسب إلى العتابي قوله: ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم ... وخبرت ما وصفوا من الأسبابِ فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأسبابِ (٢) والمودة لا تنال بالقتال وإنما تنال بحميد الفعال, وفي الحديث: (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها) (٣) . فأقلل عتاب من استربت بوده, وأحسن إليه بقربه, وقد جاء في شعر منصور النمري (٤) : أَقلِل عِتابَ مَنِ اِستَرَبتَ بِودِّهِ ... لَيسَت تُنالُ مَودَّةٌ بِقِتالِ فكل امرء يولي الجميل إلى الناس محبب, وعن الشر يستبعد قال الشاعر: وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ ... وَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ

стр. 378

وإذا كان الود مع العتاب يبقى فإن العاقل لا يضجر منه ولا يتأذى, قال الشاعر: إذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... ويبقى الود ما بقي العتاب فالقرب بالمحبة والود من أعظم العلائق وأنفع الفوائد, وللمبرد: ما القرب إلا لمن صحت مودته ... ولم يخنك وليس القرب للنسب كم من قريب دوي الصدر مضطغن ... ومن بعيد سليم غير مقترب (١) فمن أراد بقاء الحب تواضع لمن يحبه وتغافل عن شيء من ذنبه, فتواضعك لمحبوبك شرف قال الشاعر: ذل الفتى في الحب مكرمة ... وخضوعه لحبيبه شرفُ (٢) وقال آخر: اخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد (٣) بل أن بعض الشعراء قد ذهب إلى التصريح بحب الديار نظراً لكبير حبه لأهلها فقال: وَمِن مَذهَبي حُبُّ الدِيارِ لأَهلِها ... وَلِلناسِ فيما يَعشَقونَ مَذاهِبُ ولكن شاعراً آخر يرى حب الديار لحب أهلها فيقول: وَما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفنَ قَلبي ... وَلكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيارا

стр. 379

وفي الأمثال السائرة: من صحت مودته احتملت جفوته, وقيل مودة الأباء قرابه بين الأبناء, فاعمل على صلة اصدقاء ابائك , قال الشاعر وكل محبة في الله تبقا ... على الحالين من فرج وضيق وكل محبة فيما سواه ... فكالحلفاء في لهب الحريق (١) الإفراط في الحب لغير الله غير مرغوب إن الحب المتوازن يدل على العقل الكامل, فالعدو ربما انقلب إلى صديق, والصديق ربما انقلب إلى عدو, فلا يوجد عدو دائم إلا الشيطان, ولا يوجد من يجب دوام محبته إلا الرحمن وكتبه ورسله وشريعته, ومن شرع لنا محبته وأوجب علينا مودته, وقليل من الناس من تدوم محبته وتصفى مودته, وقد جاء في كلام بعض الشعراء: فهون في حب وبغض فربما ... بدا صاحب من جانب بعد صاحب ومما نسب للإمام علي ﵁ قوله: وَأَحبِب إِذا أَحبَبتَ حُبّاً مقارِباً ... فَإِنَّكَ لا تَدري مَتى أنتَ نازِعُ وَأَبغِض إِذا أَبغَضتُ بَغضاً مُقارِباً ... فإِنَكَ لا تَدري مَتى أَنتَ راجِعُ (٢) وقد أقتبس ذلك من الهدي النبوي ففي الحديث النبوي: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا) (٣) , وفي الأمثال السائرة: "لا يكن حبك كلفاً ولا

стр. 380

بغضك تلفاً", ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: "لا تكن في الإخاء مكثراً ثم تكن فيه مدبراً فيعرف سرفك في الإكثار بجفائك في الإدبار" (١) . الحب وآدابه للحب علامات ودلالات لا بد من التحلي بها والحرص عليها, فهناك: الإخلاص والوفاء والتألف والتضحية والإيثار والمناصحة والاشتياق إلى لقاء المحبوب, والغيرة عليه, والطاعة من لوازم الحب, والذكر له, قال الشاعر: ولي فؤادٌ إِذا لج الغرامُ بِهِ ... هام اشتياقاً إِلى لُقْيا معذِّبِهِ يفديكَ بالنفس صَبٌّ لو يكونُ لهُ ... أَعزُّ من نفسه شيءٌ فداك بِهِ (٢) آفات الحب من أعظم الآفات والعيوب التي تقضي على الحب وتفصم عراه؛ كثرة العتاب ودوامه, قال الشاعر: لا تكثر العتابا تنفر الأصحاب ... فكثرة المعاتبة تدعو إلى المجانبة وقال آخر: إذا كنت في كل الإمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وكذلك سوء الظن بالمحبوب, وتعنيفه ولومه, والغيرة المذمومة, والانفعال المشؤم, وهناك أعداء للحب والمحبين مثل الحاقدين, والحاسدين, والفاسدين, والمغرضين, والطائشين, والنمامين, والدساسين, وشياطين الجن والإنس أجمعين.

стр. 381

الحب زينة الحياة ليس في هذه الحياة من شيءٍ يزين الحياة ويسعدها مثل الحب, فبالحب يواجه الإنسان متاعب الحياة, وبالحب تتجدد الحياة وتصفو, وبالحب يتجدد الإبداع ويعلو, ويشرق الجمال ويزهو, فهو نشيد الحياة السعيدة, وقد قيل: أن الحب يجسد المناجاة الإلهية, ويعلم الدروس العلمية, فهو عذب كأنغام الطيور, وهو من أعظم مصادر الإبداع التي تميز ذكريات المحب بالخلود, وقيل: أن الحب كالهواء يتعذر على الإنسان العيش بدونه, فهو يبدأ يوم ميلاد حياة الإنسان, وقد كان للحب دور كبير في إثارة سرور النفس وانشراحها, وتحررها من كآبتها ومعاناتها. حب الجمال نعمة كثيراً ما هام الشعراء في وصف جمال الطبيعة, وجمال المحبوب, وجمال الإنسان, فالجمال نعمة يحبها الله ويحبها الناس, قال الشاعر: خلقتَ الجمال لنا فتنةً ... وقلتَ لنا يا عبادي اتقون وأنت جميل تحب الجمال ... فكيف عبادك لا يعشقون؟ وعقب على هذا الشاعر شاعر آخر بما هو ألطف فقال: خلقتَ الجمال لنا نعمةً ... وقلتَ لنا يا عبادي اتقون وأنت جميل تحب الجمال ... فكيف عبادك لا يتقون؟

стр. 382

وقال العلامة/ عبد الحميد بن محمد المهدي (١) ﵁: دعني أُمتع مقلتي وجَناني ... فلقد نزلت-كما ترى- بِجنانِ المرء يعجبه الجمال بطبعه ... حب الجمال غريزة الإنسان (٢) حب الله لمحبة الله حلاوة في النفس توجب إتباع الحق, ومحبة الخلق, قال الشاعر: إن المحب إذا أحب إلهه ... طار الفؤاد وألهم التفكيرا فاسأل هدايتك الإله بنية ... فكفى بربك هادياً ونصيرا وفي الحديث النبوي: (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (٣) . فحب الله يقتضي طاعته ومحبة خلقه, ومحبة أعمال البر, والنفور عن المعصية, فإذا كنت تحب الله فلا تعصه, وإذا كنت ترجو الله فلا تؤذه, فإن عصيانك لله يتنافى مع ادعاء حبه, وقد جاء في شعر محمود الوراق:

стр. 383

تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ ... هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لأَطَعتَهُ ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ (١) فلا تجعل محبتك كلها إلا لله ثم محبة من يحب؛ يكمل إيمانك, ويزدهر بالخير عرفانك, وتكن في عداد المتقين, ولا تحب شيئاً محبةً تساوي محبته لكي لا تكون من الظالمين الذي اتخذوا من دون الله أنداداً وجعلوا له من خلقه أضداداً, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (٢) . فالقلوب المحبة لله تمتلئ نوراً, وتزداد سروراً, ويجلس أصحابها على منابر من نور يوم القيامة, لأنهم أحبوا الله وأحبوا من أحب, ففي الحديث النبوي: (قَالَ اللَّهُ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ) (٣) . وما أجمل قول الشاعر: قلوب براها الحب حتى تعلقت ... مذاهبها في كل غرب وشارق تهيم بحب الله والله ربها ... معلقة بالله دون الخلائق

стр. 384

ولله در احمد شوقي حيث يقول: وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً ... كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا وقال آخر: أُحِبُّكِ أَصنافاً مِنَ الحُبِّ لَم أَجِد ... لَها مَثَلاً في سائِرِ الناسِ يوصَفُ فَمِنهُنَّ حُبٌّ لِلحَبيبِ وَرَحمَةٌ ... بِمَعرِفَتي مِنهُ بِما يَتَكَلَّفُ وَمِنهُنَّ أَلّا يَعرِضَ الدَهرُ ذُكرَها ... عَلى القَلبِ إِلا كادَتِ النَفسُ تَتلَفُ وَحُبٌّ بَدا بِالجِسمِ وَاللَونِ ظاهِرٌ ... وَحُبٌّ لَدى نَفسي مِنَ الرَوحِ أَلطَفُ ويرحم الله الإمام علي بن أبي طالب ﵁ حيث يقول: قَريحُ القَلبِ مِن وَجَعِ الذُنوبِ ... نَحيلُ الجِسمِ يَشهَقُ بِالنَحيبِ أَضرَّ بِجِسمِهِ سَهَرُ اللَيالي ... فَصارَ الجِسمُ مِنهُ كَالقَضيبِ وَغَيَّرَ لَونَهُ خَوفٌ شَديدٌ ... لِما يَلقاهُ مِن طَولِ الكَروبِ يُنادي بِالتَضَرُّعِ يا إِلَهي ... أَقِلني عَثرَتي وَاِستُر عُيوبي فَزِعتُ إِلى الخَلائِقِ مُستَغيثاً ... فَلَم أَرَ في الخَلائِقِ مِن مُجيبِ وَأَنتَ تُجيبُ مَن يَدعوكَ رَبّي ... وَتَكشِفُ ضُرَّ عَبدِكَ يا حَبيبي وَدائي باطِنٌ وَلَدَيكَ طِبُّ ... وَمِن لي مِثلَ طِبِّكَ يا طَبيبي والإمام علي ﵁ في هذه المقطوعة الشعرية يصف نفسه بأنه جريح القلب من وجع الذنوب وانه ضعيف الجسم يشهق بالبكاء، غير لونه خوف شديد مما يلقاه، وانه التجأ إلى الله يناديه بالتضرع ليقيل عثرته وينهضه مما هو فيه، وانه فزع إلى الناس فلم يجد منهم نجدة، وان الله هو

стр. 385

الذي يجيب من يناديه، ويكشف مكان الداء والضر، فهو يناديه بيا حبيبي ويا طبيبي، وله في مناجاة الله ووصفه بالحبيب والذي ياسر بحبه القلوب، وانه ليس في قلبه مكان لسواه، فهو وان كان غائباً عن عينه وجسمه ولكنه حاضر أبداً في قلبه قوله: حبيب بات يأسرني الحبيب ... وما لسواه في قلبي نصيب حبيب غاب عن عيني وجسمي ... وعن قلبي حبيبي لا يغيب وهكذا المؤمن في حبه لربه تجده شديد الحب لله، ملأ الله قلبه حباً له ولرسوله ولشريعته ولمن يحبه الله من خلقه, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْأَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ (١) ، ومن يرتدد عن دينه ويترك حب الله ودينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وفي محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) . محبة رسول الله ﵌ إذا كان الحب أصناف عديدة فإن حب الله ورسوله أغلاه وأعلاه, ومن علامة محبة الرسول ﵌؛ التخلق بأخلاقه, وإتباع سنته, والسير على طريقته, فلا يكمل إيمان المرء دون محبته وإتباع طريقته, وفي محكم التنزيل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ

стр. 386

رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (١) , وفي الحديث النبوي: قال رسول الله ﵌: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (٢) . من تمام محبة النبي ﵌ محبة آله وما يحب إن من تمام محبته النبي ﵌ محبة ما يحب ومحبة صحابته ومحبة آل بيته وأزواجه وذريته, وفي محبة آل بيت رسول الله ﵌ يقول الإمام الشافعي رضوان الله عليه: يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ ... فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ ... مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ وله أيضاً: يا راكِباً قِف بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً ... وَاِهتِف بِقاعِدِ خَيفِها وَالناهِضِ سَحَراً إِذا فاضَ الحَجيجُ إِلى مِنىً ... فَيضاً كَمُلتَطِمِ الفُراتِ الفائِضِ إِن كانَ رَفضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَليَشهَدِ الثَقَلانِ أَنّي رافِضي أصحاب النبي ﵌ أكثر محبةً له ولأهل بيته لقد كان أصحاب النبي ﵌ أكثر الناس محبة للنبي ﵌ وآل بيته حتى انه اثر عن الصديق ﵁ انه قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي) (٣) . وعلى ذلك النهج سار الخلفاء الراشدون حتى أثر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ انه كان يعطي الحسن بن علي ﵄ أكثر مما يعطي ولده عبد الله بن عمر رضي عنهما. وجاء في الحديث النبوي في حق الإمام علي بن أبي طالب ﵁: (لا يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلا يَبْغَضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ) (٤) . محبة الصحابة من تمام محبة النبي ﵌ إن محبة أصحاب رسول الله عليه وآله وسلم لإيمانهم بالله ورسوله، وحبهم لله ورسوله، وجهادهم في سبيل الله، هي بلا شك من محبة ما يحبه الله ورسوله، وهي علامة الإيمان وقد جاء في حب الأنصار رضوان الله عليهم قوله ﵊: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) متفق عليه (٥) ، وجاء في الذكر الحكيم في بيان صدق المهاجرين في إيمانهم وابتغائهم رضوان الله، ونصر الله ورسوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ

стр. 387

اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١) ، وقال جل شأنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ، فمكانة الصحابة رفيعة، وخلاقهم حسنة جليلة، وصدق إيمانهم شهد به القران، ورضي عنهم الرحمن، فهم خيار الناس وقدوتهم في توحدهم واتحادهم ومعاملتهم وجهادهم واجتهادهم، وفي الذكر الحكيم النبؤ اليقين عن النبي الكريم وصحابته الأكرمين من الأنصار والمهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان بعد الفتح المبين: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٣) .

стр. 388

محبة المؤمنين إن من علامة حب الله وحب رسوله وشريعته حب عباده المؤمنين, فحب المؤمنين سعادة وريادة, وفي الإيمان زيادة, فمن لا يحب المؤمنين لا يدخل جنة رب العالمين, وفي الحديث النبوي: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ) (١) . محبة الله لعبده أعظم نعمة من حببه الله إلى الناس فقد أسبغ عليه النعمة, وضاعف له الكرامة والمنة, فإذا أحب الله عبداً أحبه الناس, وإنما يكون المرء محبوباً عند الناس حينما يكون محباً لهم الخير معيناً لهم على البر, تكسوه المهابة والجلال قال الشاعر: وَجهٌ عليهِ مِنَ الحياءِ سَكينَةٌ ... وَمَحَبَّةٌ تجري مَعَ الأنفاسِ وإِذا أَحَبَّ اللَّهُ يوماً عَبْدَهُ ... أَلقَى عَليهِ مَحَبَّةً لِلنَّاسِ (٢) وفي الحديث: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ, قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ, ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ, قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ, وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ, قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ, ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ, قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ) (٣) . والله ﷻ في محكم آياته أخبرنا بأنه يحب المتقين الصادقين في إيمانهم ذوي البر والوفاء قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) , ويحب المقسطين مع أهلهم وأنفسهم وإخوانهم, ويحب المقسطين في أعمالهم قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥) ، ويحب المتوكلين على ربهم الذين يفوضون الأمر إليه ويعتمدون عليه قال جل شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٦) , ويحب المحسنين الذين تخلقوا بالعفو عن الناس قال سبحانه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧) , ويحب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس قال تعالى: ﴿وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٨) , ويحب التوابين المستغفرين من آثامهم, ويحب المتطهرين من أدرانهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٩) . فاحرص أخي أن تكون ممن يتصفون بهذه الصفات التي يحبها الله لتكون ممن يحبهم الله لتظفر بالسعادة, وتنال الحسنى وزيادة, ولا تكن من أصحاب التعاسة والشقاء, فتتصف بصفات أهل الهوى فتؤذي الناس بسلوكك وتفسد في قيامك وقعودك, فالله قد أنبأنا في القرآن وفصل لنا في الفرقان فأوضح وأبان بأنه لا يحب المفسدين ففي الذكر الحكيم: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي

стр. 389

الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١) . فالزم الأعمال الصالحة لتفوز بالتجارة الرابحة، ولا تكن من الظالمين فانه سبحانه لا يحب الظالمين وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) ، والتزم الاعتدال في أكلك وشربك، ولا تكن من المسرفين والمبذرين قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣) , وإياك والهزأ بشرع الله فان ذلك سيجعلك في عداد الكافرين، والله لا يحب الكافرين كما يقول جل شأنه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) ، وإياك والخيلاء والكبرياء فان الله لا يحب المستكبرين قال تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (٥) ، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ (٦) . فتخلق أخي بالوفاء تكن من أهل الصفاء, فالله لا يحب الخائنين وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (٧) , وابتعد عن الظلم والإيذاء والاعتداء؛ فإن الله لا يحب المعتدين قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٨) , وكن محباً للناس يرفع جنابك, ومحباً لأهل التقوى يعظم ثوابك: بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذ الناس ناس والزمان زمان وقال آخر: لا عار في الحب إن الحب مكرمة ... لكنه ربما أزرى بذي الخطر واذا كنت اخي قد عرفت الخلال التي يحبها الله من ايات الذكرالحكيم فالزمها تفز بالخير العظيم, وتجنب الخلال التي لايحبها الله تكن من أهل اليقين الذين يحبهم الله, فمحبة الله للمؤمن تعني حفظه, وتاييده, ونصره, واكرامه, وانزال الرحمة على قلبه. والانسان اذا احب الله مال الى محابه, وخلد الى ظله والى انواره والى تجلياته والى سكينته, والى الشعور بان الله يحميه ويحفظه, فاذا جفاك ربك وابعدك عن انواره شعرت بالم لايطاق. فما حبنا سهل ولكن من ادعى ... سهولته قلنا له قد جهلتنا فايسر مافي الحب لصب قتله ... واصعب من قتل الفتى يوم هجرنا

стр. 390

الفرق بين الحب والود قد يرد في اللغة اسمان مختلفان لمسمى واحد ولكن مع فرق في المعنى فالاختلاف في المبنى دليل اختلاف المعنى, وقد سبق وان اشرنا الى ان بعض الباحثين ذكر ان للمحبة في لسان العرب ستين اسما واوردنا ما ذكره الامام ابن القيم في روضة المحبين من اسماء المحبة ومع ان بينها اختلاف في الالفاظ فهي تطلق على مسمى واحد ولكن يوجد بينها فروق دقيقة, فان قلت ماهو الفرق بين الود والحب قلنا الحب ماستقر في القلب, والود ماظهر في السلوك, فاذا كنت تحب فلانا فمشاعر الميل نحوه هي الحب, وابتسامك في وجهه هي الود, واذا قدمت اليه هدية فهي ود, او اعنته في مشكلة فهي ود, او عدته في مرض فهي ود, او اعطيته هدية في زواجه فهي ود, او نصحته فهي ود, فالمشاعر الداخليه هي الحب, والظواهر المادية هي الود, فكل ودود محب وليس كل محب ودودا, فكل ودود من البشر مودته اساسها مشاعر الحب في قلبه (١) , والله هو الذي خلق الكون وسخر مافيه للانسان وانعم عليه بنعم لاتحصى, وجعل نعمه تظهر حبه ووده لعباده فاذا صحت محبتك لله استيقظ قلبك وتفتحت بصيرتك ورايت ان كلما في الكون ماهو الا تودد من الله لعباده فهو الذي يتودد الى عباده بالنعم فتودد اليه بالايمان به, وبعبادته وطاعته, وامتثال امره وترك مانهى عنه, وبالتخلق باخلاق نبيه وبالبذل والعطاء, وبالاحسان الى خلقه, وبالشكر لنعمه, تظفر بحبه وحفظه وتاييده ونصره ورحمته واكرامه والامن من عذابه, وتعرف على اسمه الودود فهو الغفور الودود الذي خلق المودة
следующие страницы →