← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (١) , وفي الحديث النبوي: قال رسول الله ﵌: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (٢) . من تمام محبة النبي ﵌ محبة آله وما يحب إن من تمام محبته النبي ﵌ محبة ما يحب ومحبة صحابته ومحبة آل بيته وأزواجه وذريته, وفي محبة آل بيت رسول الله ﵌ يقول الإمام الشافعي رضوان الله عليه: يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ ... فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ ... مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ وله أيضاً: يا راكِباً قِف بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً ... وَاِهتِف بِقاعِدِ خَيفِها وَالناهِضِ سَحَراً إِذا فاضَ الحَجيجُ إِلى مِنىً ... فَيضاً كَمُلتَطِمِ الفُراتِ الفائِضِ إِن كانَ رَفضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَليَشهَدِ الثَقَلانِ أَنّي رافِضي أصحاب النبي ﵌ أكثر محبةً له ولأهل بيته لقد كان أصحاب النبي ﵌ أكثر الناس محبة للنبي ﵌ وآل بيته حتى انه اثر عن الصديق ﵁ انه قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي) (٣) . وعلى ذلك النهج سار الخلفاء الراشدون حتى أثر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ انه كان يعطي الحسن بن علي ﵄ أكثر مما يعطي ولده عبد الله بن عمر رضي عنهما. وجاء في الحديث النبوي في حق الإمام علي بن أبي طالب ﵁: (لا يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلا يَبْغَضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ) (٤) . محبة الصحابة من تمام محبة النبي ﵌ إن محبة أصحاب رسول الله عليه وآله وسلم لإيمانهم بالله ورسوله، وحبهم لله ورسوله، وجهادهم في سبيل الله، هي بلا شك من محبة ما يحبه الله ورسوله، وهي علامة الإيمان وقد جاء في حب الأنصار رضوان الله عليهم قوله ﵊: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) متفق عليه (٥) ، وجاء في الذكر الحكيم في بيان صدق المهاجرين في إيمانهم وابتغائهم رضوان الله، ونصر الله ورسوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ

стр. 387

اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١) ، وقال جل شأنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ، فمكانة الصحابة رفيعة، وخلاقهم حسنة جليلة، وصدق إيمانهم شهد به القران، ورضي عنهم الرحمن، فهم خيار الناس وقدوتهم في توحدهم واتحادهم ومعاملتهم وجهادهم واجتهادهم، وفي الذكر الحكيم النبؤ اليقين عن النبي الكريم وصحابته الأكرمين من الأنصار والمهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان بعد الفتح المبين: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٣) .

стр. 388

محبة المؤمنين إن من علامة حب الله وحب رسوله وشريعته حب عباده المؤمنين, فحب المؤمنين سعادة وريادة, وفي الإيمان زيادة, فمن لا يحب المؤمنين لا يدخل جنة رب العالمين, وفي الحديث النبوي: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ) (١) . محبة الله لعبده أعظم نعمة من حببه الله إلى الناس فقد أسبغ عليه النعمة, وضاعف له الكرامة والمنة, فإذا أحب الله عبداً أحبه الناس, وإنما يكون المرء محبوباً عند الناس حينما يكون محباً لهم الخير معيناً لهم على البر, تكسوه المهابة والجلال قال الشاعر: وَجهٌ عليهِ مِنَ الحياءِ سَكينَةٌ ... وَمَحَبَّةٌ تجري مَعَ الأنفاسِ وإِذا أَحَبَّ اللَّهُ يوماً عَبْدَهُ ... أَلقَى عَليهِ مَحَبَّةً لِلنَّاسِ (٢) وفي الحديث: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ, قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ, ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ, قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ, وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ, قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ, ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ, قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ) (٣) . والله ﷻ في محكم آياته أخبرنا بأنه يحب المتقين الصادقين في إيمانهم ذوي البر والوفاء قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) , ويحب المقسطين مع أهلهم وأنفسهم وإخوانهم, ويحب المقسطين في أعمالهم قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥) ، ويحب المتوكلين على ربهم الذين يفوضون الأمر إليه ويعتمدون عليه قال جل شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٦) , ويحب المحسنين الذين تخلقوا بالعفو عن الناس قال سبحانه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧) , ويحب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس قال تعالى: ﴿وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٨) , ويحب التوابين المستغفرين من آثامهم, ويحب المتطهرين من أدرانهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٩) . فاحرص أخي أن تكون ممن يتصفون بهذه الصفات التي يحبها الله لتكون ممن يحبهم الله لتظفر بالسعادة, وتنال الحسنى وزيادة, ولا تكن من أصحاب التعاسة والشقاء, فتتصف بصفات أهل الهوى فتؤذي الناس بسلوكك وتفسد في قيامك وقعودك, فالله قد أنبأنا في القرآن وفصل لنا في الفرقان فأوضح وأبان بأنه لا يحب المفسدين ففي الذكر الحكيم: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي

стр. 389

الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١) . فالزم الأعمال الصالحة لتفوز بالتجارة الرابحة، ولا تكن من الظالمين فانه سبحانه لا يحب الظالمين وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) ، والتزم الاعتدال في أكلك وشربك، ولا تكن من المسرفين والمبذرين قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣) , وإياك والهزأ بشرع الله فان ذلك سيجعلك في عداد الكافرين، والله لا يحب الكافرين كما يقول جل شأنه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) ، وإياك والخيلاء والكبرياء فان الله لا يحب المستكبرين قال تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (٥) ، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ (٦) . فتخلق أخي بالوفاء تكن من أهل الصفاء, فالله لا يحب الخائنين وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (٧) , وابتعد عن الظلم والإيذاء والاعتداء؛ فإن الله لا يحب المعتدين قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٨) , وكن محباً للناس يرفع جنابك, ومحباً لأهل التقوى يعظم ثوابك: بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذ الناس ناس والزمان زمان وقال آخر: لا عار في الحب إن الحب مكرمة ... لكنه ربما أزرى بذي الخطر واذا كنت اخي قد عرفت الخلال التي يحبها الله من ايات الذكرالحكيم فالزمها تفز بالخير العظيم, وتجنب الخلال التي لايحبها الله تكن من أهل اليقين الذين يحبهم الله, فمحبة الله للمؤمن تعني حفظه, وتاييده, ونصره, واكرامه, وانزال الرحمة على قلبه. والانسان اذا احب الله مال الى محابه, وخلد الى ظله والى انواره والى تجلياته والى سكينته, والى الشعور بان الله يحميه ويحفظه, فاذا جفاك ربك وابعدك عن انواره شعرت بالم لايطاق. فما حبنا سهل ولكن من ادعى ... سهولته قلنا له قد جهلتنا فايسر مافي الحب لصب قتله ... واصعب من قتل الفتى يوم هجرنا

стр. 390

الفرق بين الحب والود قد يرد في اللغة اسمان مختلفان لمسمى واحد ولكن مع فرق في المعنى فالاختلاف في المبنى دليل اختلاف المعنى, وقد سبق وان اشرنا الى ان بعض الباحثين ذكر ان للمحبة في لسان العرب ستين اسما واوردنا ما ذكره الامام ابن القيم في روضة المحبين من اسماء المحبة ومع ان بينها اختلاف في الالفاظ فهي تطلق على مسمى واحد ولكن يوجد بينها فروق دقيقة, فان قلت ماهو الفرق بين الود والحب قلنا الحب ماستقر في القلب, والود ماظهر في السلوك, فاذا كنت تحب فلانا فمشاعر الميل نحوه هي الحب, وابتسامك في وجهه هي الود, واذا قدمت اليه هدية فهي ود, او اعنته في مشكلة فهي ود, او عدته في مرض فهي ود, او اعطيته هدية في زواجه فهي ود, او نصحته فهي ود, فالمشاعر الداخليه هي الحب, والظواهر المادية هي الود, فكل ودود محب وليس كل محب ودودا, فكل ودود من البشر مودته اساسها مشاعر الحب في قلبه (١) , والله هو الذي خلق الكون وسخر مافيه للانسان وانعم عليه بنعم لاتحصى, وجعل نعمه تظهر حبه ووده لعباده فاذا صحت محبتك لله استيقظ قلبك وتفتحت بصيرتك ورايت ان كلما في الكون ماهو الا تودد من الله لعباده فهو الذي يتودد الى عباده بالنعم فتودد اليه بالايمان به, وبعبادته وطاعته, وامتثال امره وترك مانهى عنه, وبالتخلق باخلاق نبيه وبالبذل والعطاء, وبالاحسان الى خلقه, وبالشكر لنعمه, تظفر بحبه وحفظه وتاييده ونصره ورحمته واكرامه والامن من عذابه, وتعرف على اسمه الودود فهو الغفور الودود الذي خلق المودة

стр. 391

بين خلقه وبين المرء وزوجه قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) . الودود من اسماء الله الحسنى ورد اسم الله الودود في القرآن الحكيم مقترنا باسم الله الرحيم وباسم الله الودود قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٣) وورد في السنة النبوية ان لله تسعة وتسعين اسما وعد منها (الودود) كما في رواية الترمذي من حديث ابي هريرة فهو الودود الذي وصل احسانه الى عباده وجميع خلقه والمتحبب الى خلقه بنعمه والى اوليائه بمعرفته, والى المذنبين بعفوه ورحمته والى المؤمنين المتقين بمحبته, فالودود ماخوذ من الود بضم الواو بمعنى خالص المحبة فالودود هو المحب المحبوب بمعنى واد مودود, وقال ابن القيم ﵀: الودود من صفات الله أصله من المودة واختلف فيه على قولين فقيل هو ودود بمعنى واد كضروب بمعنى ضارب وقتول بمعنى قاتل ونؤوم بمعنى نائم ويشهد لهذا

стр. 392

القول أن فعولا في صفات الله فاعل كغفور بمعنى غافر وشكور بمعنى شاكر وصبور بمعنى صابر وقيل بل هو بمعنى مودود وهو الحبيب وبذلك فسره البخاري في صحيحه فقال الودود الحبيب والأول أظهر لاقترانه بالغفور في قوله وهو الغفور الودود وبالرحيم في قوله إن ربي رحيم ودود وفيه سر لطيف وهو أنه يحب التوابين وأنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه كما قال إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فالتائب حبيب الله فالود أصفى الحب وألطفه (١) . ثمرة معرفة اسم الله الودود اذا عرف المكلف ان الله الودود الذي يكرم عباده ويحسن الى جميع خلقه وانه الذي يخلق المودة بين خلقه وانه لاودود على الاطلاق الا الله وجب عليه ان يؤمن به وان يخلص في محبته له, وان تكون محبته في قلبه غالبة لكل محبة وان يكون شاكرا لنعمه وفضله مخلصا في عابدته لربه وكيف لاتكون محبة الله في قلب عبده المؤمن سابقة لكل محبة وغالبة عليها وهو يعلم ان مامن نعمة كانت عليه او على غيره في السماوات او في الارض او هي كائنة الا وهي من فضل ربه تودد بها الى خلقه فله الحب وله الحمد وله الشكر وله الثناء كله, فسبحان من اودع محبته في قلوب المؤمنين المتقين من عباده فاثمرت الثناء عليه والاكثار من ذكره والتقرب اليه بالفرئض والنوافل والفوز برضاه والانس بقربه وتحقيق

стр. 393

الاخلاص له وحسن معاملة خلقه, فنعم الله عليك تترى فهو يتودد لعباده بنعم لاتحصى ويخلق المودة في قلوب بعضهم لبعض فافضل عمل, واحكم عمل يفعله الإنسان بعد ان يؤمن بالله ان يتودد اليه بالطاعات واجتناب المعاصي وان يتودد الى الناس بالاحسان اليهم فحظ العبد من هذا الاسم ان يتود الى العباد, فتودد اخي الى الطفل الصغير بالرحمة والى الشيخ الكبير بالاحترام والتقدير وتودد الى الناس كافة بالاحسان اليهم واكرامهم واظهار الشفقة والرحمة عليهم تكن من الفائزين بمحبة الله ورضاه والانس بقربه, وفي الحديث النبوي افضل الاعمال بعد الايمان بالله (التودد الى الناس) (١) . وهنا تطالعنا حقيقة ملموسة وهي ان الإنسان اذا احب يميل فاذا ابتعد المحبوب الم بالمحب الم, وهذا الم الفراق شكا الم الفراق الناس قبلي ... وروع بالجوى حي وميت واما مثل ما ضمت ضلوعي ... فاني ما سمعت ولا رأيت فهل يصح معنى الميل بالنسبة الى الله ؟! ان علماء التوحيد قالوا: " لا, فالميل الذي من شأنه الضعف والتحسر والالم, هذا لايصدق على الله , ولكن الإنسان اذا احب احسن, واذا احب خضع , واذا احب تذلل" فالانسان هكذا يفعل, ولكن الله اذا احب احسن ورحم واكرم (٢) . دعاء الله باسمه الودود

стр. 394

يا الله ياودود يارحيم ياغفور ياكريم صلي على محمد وال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم واسئلك يا الله ياودود ان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين جميع الذنوب فكل شفيق دونك كنود فارحم ياالله ياودود خاطأ لم يوف لك بالعهود وجمله بسترك في اليوم الموعود ياالله ياغفور ياودود اغفرلي كل شيء ولاتسألني عن اي شيء انك غفور ودود وادخلني الجنة بغير حساب واسكني الفردوس الأعلى من الحنة ياالله ياودود يارحيم ياكريم ياجواد وارزقني حبك وودك وحب من يحبك وكل عمل تحبه وحببني الى خلقك وتفضل علي بمحبتك ياكريم يارحيم ياودود وصل اللهم وسلم على محمد عبدك ورسولك وعلى اله والاصحاب ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ونودع فصل الحب بالحالة التي حكى عنها دعبل الخزاعي في وداع الحبيب حيث يقول: وَداعُكَ مِثلُ وَداعِ الرَبيعِ ... وَفَقدُكَ مِثلُ اِفتِقادِ الدِيَمِ عَلَيكَ السَلامُ فَكَم مِن وَفاءٍ ... نُفارِقُهُ مِنكَ أَو مِن كَرَمِ (١)

стр. 395

الفصل السادس عشر الجمال

стр. 396

الجمال الجمال نعمة وزينة، وحلية عظيمة، والجمال يزين النفوس ويذهب العبوس، ويرفع الرؤس، الجمال هبة من الله وإفضال، أكرم به الإنسان، وهو زيادة في الحسن بين الرجال والنساء والولدان يدل على إتقان صنع الله وعظيم فضله, من أكرمه الله به وجب عليه شكر الواهب، والجمال في النساء حسن وزيادة، وفي الرجال فضل وسعادة، وفي الكلام حكمة وبيان، وفي الصفات تمام وكمال، وفي الصناعة إتقان وإحكام، وفي الاحكام عدل وإحسان، وفي التعامل بر ووفاء، وفي الدين تقوى ويقين، وفي الدنيا خلق مستقيم، وفي السياسة حسن تدبير واحترام الصغير والكبير، وفي السماء زينة للناظرين، وفي العقل تدبر وتفكّر في آلاء الله العلي الكبير، وفي خلق السماء والأرض على أحسن نظام وأكمل تقدير وقد جاء في التنزيل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ* الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ* وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (١) ، فسبحان من جعل الجمال في النجوم اللامعة، والكواكب الصادعة، ورفع سمك السماء، وانزل منها الماء، فانبت به حدائق ذات بهجة، واخرج به الثمرات اليانعة،

стр. 397

وأحيا به الارض الواسعة قال جل شأنه: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢) . جمال الإنسان لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وفضله على كثير من الخلق أجمعين، وزينه بالجمال فتبارك الله أحسن الخالقين، واسجد له الملائكة أجمعين فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٣) ، وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (٤) ، فسبحان من خلق الجمال في العيون بلونها الأسود وجفنها المقعد، وجعل في روعة خطرتها سحر تكاد له النفس تذوب، وفي طرفها حور يجرح القلوب قال الشاعر: في عيون المحب أحرف ود ... صدرت بالدموع عند الفراق قتلت أنفساً بنظرة عين ... وقلوباً مشتاقة للتلاقي فسبحان من جعل الجمال في الفم وهو بالحسن محبوك، وبالأسنان مسبوك، يرسل الكلمات ويبعث النغمات بلسان فصيح، وصوت مليح، لا

стр. 398

ينطق حتى يؤمر، ولا يسكت حتى يزجر، فياله من خلق ما أبدعه، ومن صنع ما أروعه، ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ (١) . وسبحان من جعل الجمال في الوجه بطلعته البهية، وإشراقاته الرضية، قسمات ترسم، وقبلات عليه من البهاء تبسم، خد بماء البشاشة يسيل، وطرف بإيحاء الحسن كحيل، وسبحان من جعل الجمال في قامة الإنسان، وروعة هذا البنيان، أذنان وصماخان، وعينان نضاختان، ويدان منافحتان، ورجلان كادحتان، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ* لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ* فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ* أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٢) . أما عن جمال المعاني والمعالي فكن معنا ولا تذهب وتدعنا ولله در القائل: أنتم جمال المعالي وهي ذخركم ... أخبارها صرحت فيكم وغيركم (٣) ويرحم الله ابن الرومي حث يقول: إذا كنتَ لم تلبس لَبوسَ تَجمُّلٍ ... بعرفٍ فلم تلبسْ لبوسَ جمالِ

стр. 399

ويرى بن الفارض في جمال محيا المصون لثامه عن اللثم ما أعاد فيه الحياة كالموت حيث يقول: جَمالُ مُحيّاكِ المَصُونُ لثامُهُ ... عن اللّثْمِ فيه عُدْتُ حيّاً كميّتِ ويرحم الله ابن الوردي حيث يقول: للهِ درُّ أُناسٍ قدْ مَضَوا لهمُ ... نشرٌ يفوحُ كنشرِ المندلِ العَطِرِ جمالَ ذي الدارِ كانوا في الحياةِ وهمْ ... بعدَ المماتِ جمالُ الكتبِ والسيَرِ أما أبو القاسم الشابي فهو يقول: غيرُ باقٍ في الكونِ إلاَّ جمالُ ... الرُّوح غضًّا على الزَّمانِ الأبيدِ ويدعو احمد شوقي إلى اغتنام ما سخره الله لبني الإنسان من الجمال وطلب العلم فيقول: وَاِغنَموا ما سَخَّرَ اللَهُ لَكُم ... مِن جَمالٍ في المَعاني وَالصُوَر وَاِطلُبوا العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا ... لِشَهاداتٍ وَآرابٍ أُخَر كَم غُلامٍ خامِلٍ في دَرسِهِ ... صارَ بَحرَ العِلمِ أُستاذَ العُصُر وله أيضا: يَصلُحُ المُلكُ عَلى طائِفَةٍ ... هُم جَمالُ الأَرضِ حيناً بَعدَ حين مَلَؤوا الدُنيا عَلى قِلَّتِهِم ... وَقَديماً مُلِئَت بِالمُرسَلين يَحسُنُ الدَهرُ بِهِم ما طَلَعوا ... وَبِهِم يَزدادُ حُسناً آفِلين قَد أَقاموا قُدوَةً صالِحَةً ... وَمَضَوا أَمثِلَةً لِلمُحتَذين أما إيليا أبو ماضي فهو يقول: والذي نفسه بغير جمال ... لن يرى في الوجود شيئاً جميلاً

стр. 400

في الامثال السائره: ليس الجمال بالثياب أي ان جمال النفس اساس قال الامام على بن ابي طالب ﵁: ليس الجمال بأثواب تزيننا ... ان الجمال جمال العقل والادب وقال اخر ليس الجميل جميل الوجه والحلل ... بل من ثنى العزم نحو الجد والعمل ويغفر الله للقائل اذا شئت ان تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن جمال الأنعام لقد خلق الله الأنعام إكراما للإنسان فأتقن صنعها، واخرج من ضرعها لبناً خالصاً سائغاً للشاربين فقال وهو العزيز الحكيم: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ* وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) . قوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ هي: ذات القوائم الأربع كالإبل والبقر والغنم، وفي المصباح: الأنعام: ذوات الخف والظلف وهي

стр. 401

الإبل والبقر والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة فإذا انفردت الإبل فهي نعم وإن انفردت البقر والغنم لم تسمَّ نعماً (١) . والدفء: ما يتدفئ به فيقي البرد, قال القرطبي: الدفء: السخانة وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس ولحف وقطف جمع قطيفة كساء له خمل أي وبر, وروي عن ابن عباس: دفؤها نسلها, قال الجوهري في الصحاح: الدفء: نتاج الإبل وألبانها وما تنتفع به منها (٢) , وفي القاموس: الدفء بالكسر ويحرك نقيض حدة البرد كالدفاءة (٣) , وقال الدرويش: السخونة: اسم من دفئ الرجل من باب طرب وسلم، فالذَّكر دَفآن والأنثى دَفأى؛ مثل غضبان وغضبى ورجل دفئ بالقصر ورجل دفيء بالمد (٤) . قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ الجمال: كل ما يتجمل ويتزين به، والجمال: الحسن, قال الراغب: الجمال: الحسن الكثير وذلك ضربان: أحدهما: جمال يختص الإنسان به في نفسه أو بدنه أو فعله، والثاني: ما يوصل منه إلى غيره، وعلى هذا الوجه ما روي عنه ﵌: (إن الله جميل يحب الجمال) (٥) تنبيهاً أنه منه تفيض الخيرات الكثيرة فيحب من يختص بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ ويقال: جميل وجُمال وجُمّال على التكثير (٦) , وفي القاموس: الجمال الحسن في الخُلق والخَلق (٧) , وقد ذكر القرطبي الوجهين فقال: الجمال: ما يتجمل به، والجمال الحسن، وقد جُمل الرجل -بالضم- جملاً فهو جميل، والمرأة جميلة وجَملاء أيضاً عن الكسائي وأنشد: فهي جملاء كبدر طالع ... بذّت الخلق جميعاً بالجمال وقول أبي ذؤيب: ستلقى من تحب فتستريح ... جمالك أيها القلب القريح يريد الزم تجملك ولا تجزع جزعاً قبيحاً، قال علماؤناً: فالجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة ويكون في الأفعال، فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائماً, فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لأحد من البشر، وأما جمال الأخلاق فكونها على الصفات المحمودة من العلم والحكمة والعدل والعفة وكظم الغيظ وإرادة الخير لكل أحد، وأما جمال الأفعال فهو

стр. 402

وجودها ملائمة لمصالح الخلق القاضية بجلب المنافع منهم وصرف الشر عنهم (١) . قلتُ: والقول بأن الجمال يأتي في الخَلق والخُلق قول راجح، وهو الذي تدل عليه لغة العرب، ومن الأدعية المأثورة: (اللهم جملني بالتقوى وزيني بالحلم وأكرمني بالعافية) قال عمرو بن معد يكرب: ليس الجمالُ بمئزرٍ ... فاعلم وإن رُدِّيتَ بُرداً إِنّ الجمالَ معادنٌ ... وَمَنَاقبٌ أَورَثنَ مَجداً وقال آخر: أقبل أرضاً سار فيها جمالها ... فكيف بدار دار فيها جمالها على كل حال أم عمرو جميلة ... إذا لبست خلقانها أو جديدها أما جمال الأنعام والدواب فهو من جمال الخلقة وهو مرئي بالأبصار موافق للبصائر، ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها: هذه نعم, قاله السدي، ولأنها إذا راحت توفَّرَ حسنها وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسمنة وضروعاً, قاله قتادة. (٢) قوله تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تريحون: الرواح: رجوع المواشي بالعشي من المرعى (٣) , وتسرحون: تخرجونها إلى المراعي بالغداة، فالسراح يكون بالغداة.

стр. 403

وفي المصباح: سرحت الإبل سرحاً من باب نفع, وسروحاً رعت بنفسها، وسرحتها يتعدى ولا يتعدى وسرَّحتها -بالتثقيل- مبالغة وتكثير (١) . والمراد: ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خلقها لكم جمال حين تردونها من مسارحها إلى مراحها ومنازلها التي تؤوي إليها، ولذا يسمى المكان المراح لأنها تراح إليه عشياً فتأوي إليه، يقال منه: أراح فلان ماشيته فهو يريحها إراحة، وقوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ قال الطبري: أي في وقت إخراجكموها غدوة من مراحها إلى مسارحها، يقال: سرح فلان ماشيته يسرحها تسريحاً إذا أخرجها للرعي غدوة، وٍسرحت الماشية إذا أخرجت للرعي تسرح سرحاً وسروحاً، فالسرح بالغداة والإراحة بالعشي. (٢) وقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أي ما يثقل الإنسان حمله من الأمتعة والطعام وغيره، فالأثقال جمع ثقيل, سميت أثقالاً لأنها تثقل الإنسان وتتعبه؛ أو لأنها ثقيلة الحمل، قال الراغب: الثقل والخفة متقابلان فكل ما يترجح على ما يوزن به أو يقدر به يقال له ثقيل وأصله في الأجسام ثم يقال في المعاني نحو أثقله الغرم والوزر، قال: وقوله: ﴿أَثْقَالَكُمْ﴾ أي أحمالكم الثقيلة (٣) . قوله تعالى: ﴿بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ أي: بجهدها -بكسر الشين وفتحها- وهما لغتان بمعنى المشقة وبينهما فرق وهو أن المكسور بمعنى النصف كأنه يذهب نصف قوته

стр. 404

لما ناله من الجهد، وأما المفتوح فهو مصدر شق عليه الأمر شقاً وحقيقة راجعة إلى الشق وهو الصدع، وفي المختار: الشق بالكسر نصف الشيء (١) . قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ﴾ الخيل: في الأصل اسم للأفراس, ويرد للفرسان, ويستعمل في كل واحد منهما مفرداً، وفي المصباح: الخيل: معروفة وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها والجمع خيول، قال: وقال بعضهم: وتطلق الخيل على العراب، وعلى البراذين، وعلى الفرسان، وسميت خيلاً لاختيالها واعجابها بنفسها (٢) , وفي المفردات: والخيل في الأصل إسم للأفراس والفرسان جميعاً، على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ ويستعمل في كل واحد منهما مفرداً نحو ما روي (يا خيل الله اركبي) (٣) فهذا للفرسان، وقوله ﵌: (عفوت لكم عن صدقة الخيل) (٤) يعني الأفراس, وذكر نحوه الفيروزأبادي (٥) . وقوله تعالى: ﴿وَالْبِغَالَ﴾ البغل: حيوان متولد من حيوانين مختلفي النوع، ومعروف أنه يطلق على الحيوان الأهلي المتولد بين الحمار والفرس، والبغال هنا في الآية جمع بغل حيث يجمع على بغال وأبغال, وتسمى الأنثى بغلة وتجمع على بغلات وبغال أيضاً، وفي المصباح: البغل: معروف، وجمع القلة أبغال، وجمع الكثرة بغال، والأنثى بغلة بالهاء، والجمع بغلات مثل سيدة

стр. 405

وسيدات (١) , وقال الراغب: البغل: المتولد من بين الحمار والفرس (٢) , وفي المختار: البغل: واحد البغال، والبَغّال بالتشديد صاحب البغل (٣) . وقوله تعالى: ﴿وَالْحَمِيرَ﴾ الحمار: حيوان معروف ويطلق على الذكر حمار وعلى الأنثى أتان، وفي المصباح: الحمار الذكر والأنثى أتان، وحمارة بالهاء نادر؛ والجمع حمير وحُمُرٌ بضمتين وأحمرة، وحمار أهلي بالتنوين, وجعل أهلي وصفاً وبالإضافة (٤) , وقال الراغب: الحمار الحيوان المعروف وجمعه أحمرة وحمير وحمر، ويعبر عن الجاهل بذلك لقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ . (٥) وفي المنجد: الحمار حيوان معروف منه أهلي ومنه وحشي، ويقال لهذا حمار وحش وحمار الوحش والحمار الوحشي وحمار الزرد جنس من الحمر الوحشية أبيض اللون مخطط بخطوط سود، والحمار البري حيوان من فصيلة الخيليات هيكله ما بين الحمار والحصان وهو يعيش في السهول الكبرى المعشبة وفي الجبال (٦) . وقوله تعالى: ﴿وَزِينَةً﴾ الزينة: ما يتزين به في الحياة من متع الدنيا مما لا حظر فيه ولا تحريم، قال الراغب: الزينة الحقيقة: ما لا يشين الإنسان في

стр. 406

أحواله لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما ما يزينه من حالة دون حالة فهو من وجه شَينٌ (١) . قلتُ: وهذه الزينة هي المدركة بالبصر في الخيل والبغال والحمير ويعرفها العامة والخاصة وينتفع بها. قال القرطبي: المعنى وجعلها زينة، قال: والزينة ما يتزين به وهذا الجمال والتزين وإن كان من متع الدنيا فقد أذن الله تعالى لعباده فيه، قال النبي ﵌: (الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخيل في نواصيها الخير (٢)) . (٣) جمال الكون إن الجمال الذي أودعه الله الكون يجذب الإنسان إلى حبه، ويدعوه إلى شكر ربه الذي أحسن كل شيء خلقه. الم تر هذا الكون في صنعه عبر ... وفي كل شيء وفي طلعته خبر كأن الثريا علقت بجبينه ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر وجاء في شعر سلامه العباسي: يخلق الله كل شيء جميلاً ... كل حسن من خالق ديان

стр. 407

فالجمال الرائع من حسن تدبير الصانع، ولضياء الدجيلي: هو الله في الوجود تجلى ... ببديع الآثار للرواد الله جميل يحب الحمال، موصوف بالهيبة والجلال، فانظر نهجه وخلقه، وقد انبت حدائق ذات بهجة، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وأبدع الكائنات في تصوير مستقيم، جمال في كواكب السماء، وحسن يكسو الأشياء، نجوم زاهرة، وبحار زاخرة، وارض مكسوة بأحسن نسيج، وحدائق فيها من كل زوج بهيج، رسم الجمال في الكائنات، وخط الحسن في المخلوقات، وفطر القلوب على محبتها، وإمتاع النفوس إلى النظر إليها، ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) . فسبحان من جعل الجمال في الروض الجذاب بجماله الخلاب محبوب، وجعل الطيور تلقي قصائد الحنان على منابر الأغصان، فماء يسكب ونسيم يكتب، وانهار تتدفق، ومسك من الروض يفوح حتى ينضب، حصن باهي، وإبداع ألاهي، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى* سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى* إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (٢) ، قال الشاعر:

стр. 408

انظر إلى الروض واشهد ان مبدعه ... رب الوجود عظيم القدر والشانِ وسرح الطرف فبما شئت من حسن ... ما بين زهر وأطيار وأغصان وسبحان من جعل الجمال في الصبح إذا تنفس، وصوره وتقدس، وجعل الجمال في الشمس وهي على الكون تتبرج، ليتمتع بضوئها وحسنها كل حي ويتفرج، وجعل الجمال في القمر حين يبدو علينا بوجه صبيح، ومنظر مليح قال الشاعر: من لم ير هذا الوجود بقلبه ... خسر الجمال ولم تر عيناه فافتح كتاب الكون تقرأ قصة ... هل في الوجود حقيقة إلا هو (١) أما الشابي فهو يقول: وقلتُ هوَ الكونُ مَهْدُ الجمالِ ... ولكِنْ لكلِّ جمالٍ خَريفْ الجميل في أسماء الله الحسنى قد ورد هذا الاسم في السنة النبوية ولم يرد في القران الكريم، والله هو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه بل لو كان جمال الخلق كلهم على رجل واحد منهم وكان جميعهم بذلك الجمال، لما كان جمالهم قط نسبه إلى جمال الله، فسبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقد روي في السنة النبوية ان الرسول ﵌ قال: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) (٢) ، ومن أحق بالجمال ممن كل جمال في الوجود هو من أثار

стр. 409

صنعه، فله جمال الذات، وجمال الأوصاف، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها كمال، وأفعاله كلها جميلة، فكلها حكمة ومصلحه وعدل ورحمة. وقال الخطابي: الجميل هو المجمل المحسن، فعيل بمعنى مفعل، وقال البشيري: وقد يكون الجميل معناه ذو النور والبهجة (١) أي مالكها. وقال القشيري أيضا: معناه معنى الجليل. وقيل: المعنى جميل الأفعال بكم، والنظر لكم يكلفكم اليسر ويعين عليه، ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه، فيحب الجمال منكم، أي التجمل في قِلّة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله أبو بكر الصوفي. قال القرطبي قلت: فهذا الاسم من أسماء الذات ومن أسماء الأفعال، قال: ولا خلاف في إجرائه على العبد وصفاً وفعلاً، يقال منه جمل الشيء يجمل فهو جميل (٢) . ثمرة معرفة اسم الله الجميل إذا عرف المكلف ان الله جل وعلا جميل يحب الجمال وجب عليه ان يعتقد ان الجمال كله لله ، وان كل جمال منه وبه, ثم ان عليه ان يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة ويجمل باطنه كما يجمل ظاهره وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة والبدع الضالة المضلة، فيكون قلبه موافق ظاهره فيجمل به أهله وولده ومن عاشره وخالطه، ثم ان تفضل الله على

стр. 410

عبد بجمال في خلقه وخُلقه ليتم عليه نعمته وفضله، فالواجب إذاً شكر ذلك للمنعم المتفضل (١) ، ولا يغتر بما وهبه الله من جمال أو يتكبر وفي السنة النبوية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ) (٢) ، وعن الأحوص الجشمي قال: راني النبي ﵌ وعلي اطمار (٣) فقال: (هل لك من مال؟) قلت: نعم. قال (من أي المال) قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال: (فَلْتُرَ نِعْمَةُ اللَّهِ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْكَ) (٤) ، فهو سبحانه يحب ظهور اثر نعمته على عبده، فانه من الجمال الذي يحبه. وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن, فيجب ان يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة, والجمال الباطن بالشكر عليه. ولمحبته سبحانه للجمال انزل على عباده لباساً وزينة تجمل ظاهرهم وتقوى تجمل بواطنهم فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٥) ، وقال في أهل الجنة: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً*وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (٦) ، فجمل وجوههم بالنضرة وباطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير. وهو سبحانه

стр. 411

كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال ويحب الجمال وأهله (١) . والمؤمن يعرف الله بالجمال الذي لا يماثله في شيء، ويعبد الله بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، أو التطهير من النجاسة والأحداث، فيعرف الله بصفة الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه. قال الإمام ابن القيم: وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد, ومنه ما يذم, ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه: ما كان لله, وأعان على طاعة الله, وتنفيذ أوامره والاستجابه له, كما كان النبي ﵌ يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه. فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه. والمذموم منه: ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه, فإن كثيراً من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.

стр. 412

وأما ما لا يحمد ولا يذم: هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين. والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة وأخره سلوك, فيعرف الله بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء, ويعبده من الجمال الذي يحبه من الأقول والأفعال والأخلاق فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق, وقلبه بالاخلاص والمحبة والإنابة والتوكل, وجوارحه بالطاعة, وبدنه باظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار, فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة, فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه, ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه, فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة والسلوك. (١) دعاء الله باسمه الجميل الجليل نسألك اللهم يا جميل يا جليل يا من جماله وجلاله ملؤ الارض والسماء، أن توفقنا والمؤمنين إلى ما تحب وترضى من القول والفعل الجميل، وأن تجملنا بالتقوى وتزيننا بالحلم وان تكرمنا بالعافية، وان تصلنا ببرك وإحسانك الجميل، وأن ترزقنا والمؤمنين محبتك ومحبة شريعتك ومحبة عبادك الصالحين، واتباع هدي نبيك خاتم المرسلين انك على كل شيء قدير،

стр. 413

وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته أجمعين كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد. وقد أحسن القائل: رب رَحيم مشفق متعطف ... لا يَنتَهي بالحصر ما أَعطاه كَم نعمة أَولى وَكَم من كربة ... أَجلى وَكَم من مُبتَلى عافاه فإذا بليت بغربة أَو كربة ... فادع الإله وَقل سَريعا ياهو لا محسن الظن الجَميل به يَرى ... سوأ وَلا راجيه خاب رجاه وَلحلمه سبحانه يعصى فَلَم ... يعجل عَلى عبد عصى مَولاه يأتيه معتذرا فيقبل عذره ... كَرَما وَيَغفر عمده وَخطاه ياذا الجَلال وَذا الجَمال وَذا الكَرم ... يا منعما عم الانام نداه يا من هوالمعروف بالمَعروف يا ... غوثاه يا رباه يا مولاه ثم الصَلاة عَلى النَبي تخصه ... وَتعم بالخَيرات من والاه ما صاح في عذب العَذيب مغرد ... أَو لاح برق الابرقين سناه (١)

стр. 414

الفصل السابع عشر الحَسَدُ

стр. 415

الحسد الحسد يفسد القلب, ويسخط الرب, ويحرق الكبد, ويذيب الجسد, ويبعث البغضاء, من تخلق به أضر دينه ودنياه, وأضعف يقينه واتبع هواه, فمن طال حسده دام كمده, وكثر تعبه, وضعف بصره, وزلت به إلى الحضيض قدمه, والحسد يفسد على أهل الدين دينهم, وعلى الملوك وأصحاب المال دنياهم, لأنه يحمل على البغي, وجحود النعمة, والتطاول على الخلق, فهو داء عيٌّ قلّما تجد له دواء, إلا من تاب وعاد إلى الحق, وأحب الخلق, فإن الله تواب رحيم, والحسد داء القلوب, ورأس العيوب, من تخلق به ركب المعاصي, واقترف المخازي, وفارق الرشد, ووقع في النكد, ذنب الحاسد لا يبلى, وجرحه لا يؤسى, من تحلى به زل قدمه, وطال ندمه, وساء خلقه, وضل عقله, لا يأمن صاحبه المكائد, ولا تفارقه الشدائد, لإفساد شهوة الحسد لدينه, وإضعافها ليقينه, وقد قيل: "الحسد أشد غرض, والطمع اضر عرض", وأفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه, ولم تزل الشبهة يقينه, وخير الناس من أخرج الحرص من قلبه, وعصى هواه في طاعة ربه, وقد أمر الله بالاستعاذة من شر الحاسد, لأن ضرر الحسد عظيم, وخطره جسيم, وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (١) . الحاسد جاحد الحسد من الرذائل الخلقية, وهو من أقبح الخصال التي تصيب الإنسان وتنكد له عيشه, والحسود يتمنى الشقاء والنحس لغيره فيشقي نفسه, فهو بدلاً من أن يستمد السرور مما أوتي من خير يراه يستمد الخير من الخير الذي أوتيه سواه, ولله در القائل: اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتله كالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله وقال آخر: يا حاسداً لي على نعمتي ... أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب فأخزاك ربي بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب أما الشريف الرضي فهو يقول: وَلا تُؤاخِ منَ الأقوامِ مُنطَوياً ... على الضّغينةِ مملوءاً من الحسدِ ليس المؤمن بحسود

стр. 416

المؤمن لا يكره نعم الله ولا يحب زوالها على من أنعم الله عليه, بخلاف الحاسد فإنه يحب زوال نعم الله ويكره دوامها وبقاءها, والمؤمن قد يغبط ولكنه لا يفسق ويحسد, ولهذا أثنى الله تعالى على رهط من المؤمنين من أهل اليمن استوطنوا المدينة وذاقوا حلاوة الإيمان بسلامة ونقاء صدورهم وذهاب الحسد والغيظ من قلوبهم حينما قدَّموا المهاجرين على أنفسهم وانشرحت للإسلام صدورهم فقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) , وقد حكى الله تعالى حسد اخوة يوسف ﵇ وصنيعهم وعبّر عمّا في قلوبهم وكشف ضميرهم, فقال: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ (٢) , وفي ذلك من البيان لمضار الحسد, وحمله على الظلم وفساد المعتقد, واقتراف الذنوب التي تغضب الواحد الأحد, وقد حمل الحسد بعض أهل الكتاب على مودة رد المؤمنين عن إيمانهم حسداً وبغياً من عند أنفسهم, فقال جل شأنه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ

стр. 417

كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . الحسد خطير وعلاجه عسير الحسد: تمني زوال النعمة عن صاحبها فهو يلعب دوراً خطيراً, فيمزق أواصر المجتمع, فربما حسد الفقير الغني فأفسد دينه, وحسد النساء الرجال, وحسدت القبيحة من النساء الجميلة, وقديماً قيل: حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ ... فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ كَضَرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها ... حَسداً وَبَغياً إِنَّهُ لَدَميمُ (٢) أما الوأواء الدمشقي (٣) فهو يقول: هُمْ يَحْسُدُوني عَلَى مَوْتِي فَوا أَسَفِي ... حَتَّى عَلَى المَوْتِ لا أَخْلوُ مِنَ الحَسَدِ فإذا شاع الحسد بين الناس وحسد بعضهم بعضا زال الخير عنهم, وحل الجفاء, واشتعلت نار الفتنة, وعمتهم المصيبة والمحنة, وفي الحديث النبوي: (لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا) (٤) أي أنهم إذا تحاسدوا زال الخير

стр. 418

عنهم, وجاء في حديث آخر: (دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء) (١) . فالحاسد خلقه اللؤم, ولذته الوشاية, والوقيعة بين الناس, فهو لا ينفك في الدس على المحسود الناجح لأنه يريد تشويه سمعته أو زحزحته من مكانته, والحسود إنسان فاقد الثقة بنفسه, مستشعر العجز عن تحقيق غايته, لذلك نهى القرآن عن الحسد فقال: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢) , وقد نهى الله في هذه الآية عن تمني ما أوتي الغير وهو التعرض له بالقلب حسداً, فكيف إذا حاول إزالة هذه النعمة واستنكر على ربه تلك المنة إنه يكون بذلك في عداد المستكبرين, وقد حكى الله قصته في محكم الذكر الحكيم, ولقد أخبر الله في الآية السالفة البيان المؤمنين بأن ما يكتسبه الإنسان هو نتيجة عمله وسعيه وما تفضل به عليه ربه فليسأل الله المؤمن أن يعطيه من فضله وبره.

стр. 419

الحاسد لا يرد قدر الرازق . في الأمثال السائرة: "ماذا يصنع الحاسد مع الرازق" أي أن الحسد لا يرد قدر الرازق وهو الله , فليس له إلا الحسد وعناؤه. وفي مجمع الأمثال للميداني: "ليس للحاسد إلا ما حسد" أي لا يحصل على شيء إلا على الحسد فقط و (ما) مع الفعل مصدر كأنه قيل: ليس للحاسد إلا حسده. (١) فالحاسد يستحق الرثاء على نفسه والشفقة عليه مما ألم به, والأحرى بالمحسودين أن يعفوا عن الحاسدين, كما أمر بذلك رب العالمين حيث يقول: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢) . وقال معن بن زائدة: إِنّي حُسِدتُ فَزادَ اللَهُ في حَسَدي ... لا عاشَ مَن عاشَ يَوماً غَيرَ مَحسودِ ما يُحسَدُ المَرءُ إِلاَّ مِن فَضائِلِهِ ... بِالعِلمِ وَالظَرفِ أَو بِالبَأسِ وَالجودِ (٣) وفي امثال العرب الحسد داء الجسد, والحسد داء لايبرء, والحسد داعية النكد, والحسد مطية التعب, وقيل الحسود فقير وعند الله حقير, والحسود لايسود, وقيل لاراحة لحسود, وصحة الجسد من قلة الحسد, وفي الذكر الحكيم ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْءَاتَيْنَآءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٤) , ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥) ,

стр. 420

الحسد ذميم فلا تتخلق به جاء في أدب الجاحظ في ذم الحسد والحاسد: "الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد, علاجه عسير, وصاحبه ضجر, وهو باب غامض, وما ظهر منه فلا يداوى, وما بطن منه فمداويه في عناء, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء) (١) , والحسد عقيدة الكفر, وحليف الباطل, وضد الحق, منه تتولد العداوة, وهو سبب كل قطيعة, ومفرق كل جماعة, وقاطع كل رحم من الأقرباء, ومحدث التفرق بين القرناء, وملقح الشر بين الخلفاء". (٢) ولابن سعيد المغربي: ولا تجادل أبداً حاسداً ... فإنه أدعى إلى هيبتك وامشي الهوينى مظهراً عفةً ... وابغ رضا الأعين عن هيبتك أفش التحيات إلى أهلها ... ونبه الناس إلى رتبتك ولأبي حسن التهامي: إِنّي لأَرحَم حاسِديَّ لِحَرِ ما ... ضَمَّت صُدورُهُم مِنَ الأَوغارِ نَظَروا صَنيعَ اللَهِ بي فَعُيونُهُم ... في جَنَّةٍ وَقُلوبهم في نارِ أما الطغرائي فهو يحذر من عداوة الحاسد فيقول: جاملْ عدوَّكَ ما استطعتَ فإنهُ ... بالرِفْقِ يُطْمَعُ في صلاح الفاسدِ واحذرْ حسودَك ما استطعتَ فإنه ... إن نِمْتَ عنه فليسَ عنك براقدِ إن الحسودَ وإن أراكَ توَدُّداً ... منه أضرُّ من العدوِّ الحاقدِ

стр. 421

ولَربَّما رَضِيَ العدوُّ إِذا رأى....منك الجميلَ فصار غيرَ معاندِ ورِضا الحسودِ زوالُ نعمتِكَ التي ... أُوتِيتَها من طَارفٍ أو تالدِ فاصْبِرْ على غَيظِ الحسودِ فنارُهُ ... ترمي حشاهُ بالعذابِ الخالدِ أوما رأيتَ النارَ تأكلُ نفسها ... حتى تعودَ إِلى الرَّمادِ الهامدِ تضفو على المحسود نعمة ربِّهِ ... ويذوبُ من كَمَدٍ فُؤادُ الحاسدِ (١) الكرام من الناس تُحسد الكرام تُحسد, والفضيلة بين اللئام تُجحد, فإن شئت أن تكون من أهل الفلاح فلا تحسد لتُرشد, وقد جاء في شعر عمر بن لجأ التيمي: إِنَّ العَرانينَ تَلقاها مُحَسَّدَةً ... وَلا تَرى لِلِئام الناسِ حُسّادا كَم حاسِدٍ لَهمُ يَعيَ بِفَضلِهُمُ ... ما نالَ مِثلَ مَساعيهِم وَلا كادا وقال عمر بن الخطاب ﵁: ما من احد له نعمة الاوجدت له حاسدا, ولو كان المرء اقوم من القدح لوجدت له غامزا, وما ضرت كلمة لم يكن لها خواطب. وقال علي ﵁: لاراحة لحسود, ولا اخاء لملول, ولا محب لسيء الخلق. ... أما الكميت بن زيد الأسدي فهو يقول: إن يحسدوني فإني لا ألومهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام بي وبهم مالي ومالهمُ ... ودامَ أكثرُنا غيظاً بما يَجِدُ أنا الذي يجِدوني في حلوقهِم ... لا أرتقي صُعداً فيها ولا أردُ وفي ديوان بشار بن برد: إِن يَحسُدوني فَإِنّي غَيرُ لائِمِهِم ... قَبلي مِنَ الناسِ أَهلُ الفَضلِ قَد حُسِدوا

стр. 422

فَدامَ لي وَلَهُم ما بي وَما بِهِمُ....وَماتَ أَكثَرُنا غَيظاً بِما يَجِدُ أما حبيب الطائي فهو يقول: وَإِذا أَرادَ اللَهُ نَشرَ فَضيلَةٍ ... طُوِيَت أَتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ لَولا اِشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَت ... ما كانَ يُعرَفُ طيبُ عَرفِ العودِ (١) وكان العرب يرون أن الرجل النبيل محسود, وأن من لا يحسد ولا يعادى لا يعتد به, قال الشاعر: ولست بحي ولا ميت ... إذا لم تعادَ ولم تحسدِ وقال عروة ابن أذينة في وصف الحسدة والدعاء لهم: لا يُبعِدُ اللَهُ حُسّادي وَزادَهُمُ ... حَتّى يَموتوا بِداءٍ فِيَّ مَكنونِ إِنّي رَأَيتُهُمُ في كُلِّ مَنزِلَةٍ ... أَجَلَّ قَدراً مِن اللاّئي يُحِبّوني (٢) ورحم الله دعبل الخزاعي حيث يقول: وَذي حَسَدٍ يَغتابُني حينَ لا يَرى ... مَكاني وَيُثني صالِحاً حينَ أَسَمعُ وَيَضحَكُ في وَجهي إِذا ما لَقيتُهُ ... وَيَهمِزُني بِالغَيبِ سِرّاً وَيَلسَعُ (٣) أما عبد الرحيم البرعي فهو يقول: ما زالَ يحسدني دَهري عَلى نعم ... وَالحر ما عاشَ لا يَخلو عَن الحسد ويقول الإمام الشوكاني: فلَرُبّما نَشَرَ الإلَهُ فَضِيلَةً ... لِلْمَرْءِ قَدْ جُهِلَتْ بِقَوْلِ الحُسَّدِ

стр. 423

قصة لقيس بن زهير: قال معمر بن المثنى: مر قيس بن زهير ببلاد غطفان, فرى ثورة وعددا, فكره ذلك, فقيل له: ايسوؤك مايسر الناس؟ قال: انك لاتدري ان مع النعمة والثروة التحاسد والتخاذل, وان مع القلة التحاشد والتناصر. علاج الحسد إن التوقي من الحسد لا يكون إلا بالالتجاء إلى الله الواحد الأحد, والاستعاذة من شر الشيطان الرجيم, والاعتراف بنعمة الله العزيز الحكيم, واجتناب تعاطي الحسد وأسبابه, فالله يهب من الفضل ما يشاء لمن يشاء وليتذكر الحاسد أن الحسد يمحو الحسنات وانه لا فائدة ترجى من الحسد, وأن من تخلق به لم يكن كامل الإيمان, وأن الحسد فيه التعرض لنعمة الخالق وسخطه, وأنه يجلب المصائب, ويزيل النعم, ويفتك بصاحبه, ويمحو الذكر الحسن لحامله, وإن ترك الحسد فيه الاستقامة, وعنوان العقل والكرامة, وأن الله جل وعلا يعطي الخير من يشاء ويمنع الشر عمّن يشاء, وأن الرضاء بالقضاء والقدر والإيمان به من الإيمان, وأن في سؤال الله العافية الشفاء من هذا الداء, والاسترشاد بما أرشد الله عباده إليه فيه النجاة والهدى. وقد لخص الغزالي في إحياء علوم الدين أضرار الحسد في الدنيا والدين وأرشد إلى الدواء الذي ينفيه وهو العلم والعمل, فارجع إن شئت التوسع إليه. وسارع أخي إلى التخلص من الحسد ودائه, وتب إلى الله قبل ذهاب العمر وفنائه, ورحم الله الشريف المرتضى حيث يقول: وَمِنَ السَّعادةِ أَن تَموتَ وَقَد مَضى ... مِن قبلكَ الحُسّادُ والأعداءُ (١)

стр. 424

وقد أحسن المتنبي حيث يقول: وَأَظلَمُ أَهلِ الظُلمِ مَن باتَ حاسِداً ... لِمَن باتَ في نَعمائِهِ يَتَقَلَّبُ (١)

стр. 425

الفصل الثامن عشر الغيبة
следующие страницы →