← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ولَربَّما رَضِيَ العدوُّ إِذا رأى....منك الجميلَ فصار غيرَ معاندِ ورِضا الحسودِ زوالُ نعمتِكَ التي ... أُوتِيتَها من طَارفٍ أو تالدِ فاصْبِرْ على غَيظِ الحسودِ فنارُهُ ... ترمي حشاهُ بالعذابِ الخالدِ أوما رأيتَ النارَ تأكلُ نفسها ... حتى تعودَ إِلى الرَّمادِ الهامدِ تضفو على المحسود نعمة ربِّهِ ... ويذوبُ من كَمَدٍ فُؤادُ الحاسدِ (١) الكرام من الناس تُحسد الكرام تُحسد, والفضيلة بين اللئام تُجحد, فإن شئت أن تكون من أهل الفلاح فلا تحسد لتُرشد, وقد جاء في شعر عمر بن لجأ التيمي: إِنَّ العَرانينَ تَلقاها مُحَسَّدَةً ... وَلا تَرى لِلِئام الناسِ حُسّادا كَم حاسِدٍ لَهمُ يَعيَ بِفَضلِهُمُ ... ما نالَ مِثلَ مَساعيهِم وَلا كادا وقال عمر بن الخطاب ﵁: ما من احد له نعمة الاوجدت له حاسدا, ولو كان المرء اقوم من القدح لوجدت له غامزا, وما ضرت كلمة لم يكن لها خواطب. وقال علي ﵁: لاراحة لحسود, ولا اخاء لملول, ولا محب لسيء الخلق. ... أما الكميت بن زيد الأسدي فهو يقول: إن يحسدوني فإني لا ألومهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام بي وبهم مالي ومالهمُ ... ودامَ أكثرُنا غيظاً بما يَجِدُ أنا الذي يجِدوني في حلوقهِم ... لا أرتقي صُعداً فيها ولا أردُ وفي ديوان بشار بن برد: إِن يَحسُدوني فَإِنّي غَيرُ لائِمِهِم ... قَبلي مِنَ الناسِ أَهلُ الفَضلِ قَد حُسِدوا

стр. 422

فَدامَ لي وَلَهُم ما بي وَما بِهِمُ....وَماتَ أَكثَرُنا غَيظاً بِما يَجِدُ أما حبيب الطائي فهو يقول: وَإِذا أَرادَ اللَهُ نَشرَ فَضيلَةٍ ... طُوِيَت أَتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ لَولا اِشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَت ... ما كانَ يُعرَفُ طيبُ عَرفِ العودِ (١) وكان العرب يرون أن الرجل النبيل محسود, وأن من لا يحسد ولا يعادى لا يعتد به, قال الشاعر: ولست بحي ولا ميت ... إذا لم تعادَ ولم تحسدِ وقال عروة ابن أذينة في وصف الحسدة والدعاء لهم: لا يُبعِدُ اللَهُ حُسّادي وَزادَهُمُ ... حَتّى يَموتوا بِداءٍ فِيَّ مَكنونِ إِنّي رَأَيتُهُمُ في كُلِّ مَنزِلَةٍ ... أَجَلَّ قَدراً مِن اللاّئي يُحِبّوني (٢) ورحم الله دعبل الخزاعي حيث يقول: وَذي حَسَدٍ يَغتابُني حينَ لا يَرى ... مَكاني وَيُثني صالِحاً حينَ أَسَمعُ وَيَضحَكُ في وَجهي إِذا ما لَقيتُهُ ... وَيَهمِزُني بِالغَيبِ سِرّاً وَيَلسَعُ (٣) أما عبد الرحيم البرعي فهو يقول: ما زالَ يحسدني دَهري عَلى نعم ... وَالحر ما عاشَ لا يَخلو عَن الحسد ويقول الإمام الشوكاني: فلَرُبّما نَشَرَ الإلَهُ فَضِيلَةً ... لِلْمَرْءِ قَدْ جُهِلَتْ بِقَوْلِ الحُسَّدِ

стр. 423

قصة لقيس بن زهير: قال معمر بن المثنى: مر قيس بن زهير ببلاد غطفان, فرى ثورة وعددا, فكره ذلك, فقيل له: ايسوؤك مايسر الناس؟ قال: انك لاتدري ان مع النعمة والثروة التحاسد والتخاذل, وان مع القلة التحاشد والتناصر. علاج الحسد إن التوقي من الحسد لا يكون إلا بالالتجاء إلى الله الواحد الأحد, والاستعاذة من شر الشيطان الرجيم, والاعتراف بنعمة الله العزيز الحكيم, واجتناب تعاطي الحسد وأسبابه, فالله يهب من الفضل ما يشاء لمن يشاء وليتذكر الحاسد أن الحسد يمحو الحسنات وانه لا فائدة ترجى من الحسد, وأن من تخلق به لم يكن كامل الإيمان, وأن الحسد فيه التعرض لنعمة الخالق وسخطه, وأنه يجلب المصائب, ويزيل النعم, ويفتك بصاحبه, ويمحو الذكر الحسن لحامله, وإن ترك الحسد فيه الاستقامة, وعنوان العقل والكرامة, وأن الله جل وعلا يعطي الخير من يشاء ويمنع الشر عمّن يشاء, وأن الرضاء بالقضاء والقدر والإيمان به من الإيمان, وأن في سؤال الله العافية الشفاء من هذا الداء, والاسترشاد بما أرشد الله عباده إليه فيه النجاة والهدى. وقد لخص الغزالي في إحياء علوم الدين أضرار الحسد في الدنيا والدين وأرشد إلى الدواء الذي ينفيه وهو العلم والعمل, فارجع إن شئت التوسع إليه. وسارع أخي إلى التخلص من الحسد ودائه, وتب إلى الله قبل ذهاب العمر وفنائه, ورحم الله الشريف المرتضى حيث يقول: وَمِنَ السَّعادةِ أَن تَموتَ وَقَد مَضى ... مِن قبلكَ الحُسّادُ والأعداءُ (١)

стр. 424

وقد أحسن المتنبي حيث يقول: وَأَظلَمُ أَهلِ الظُلمِ مَن باتَ حاسِداً ... لِمَن باتَ في نَعمائِهِ يَتَقَلَّبُ (١)

стр. 425

الفصل الثامن عشر الغيبة

стр. 426

الغيبة الغيبة دأب اللئام, وهي من آفات اللسان, فمن نطق بالغيبة كثر غلطه, وحوسب على كلامه, وتضاعفت آثامه, وكثر عتابه, وفقد أصحابه؛ لقوله ما لا ينبغي, ووصفه للناس بما يؤذي, واتباعه للهوى, فمن غلبت عليه شهوة الكلام تطاول في أعراض الكرام, والغيبة رذيلة اجتماعية تولد الكراهية, وتضر بالعلاقات الإنسانية, وتسبب القطيعة والجفا, ولذا ورد النهي عنها في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) , ومن ذا الذي يحب أكل لحم أخيه؟ إلا من ذكر غيره بما فيه من عيب ولم يحذر سموم الاغتياب إلى أن يقع في العذاب, فالمرء مؤاخذ بعزمه على المعصية, قال الشاعر: أنى يكون أخي أو ذا محافظة ... من كنت في غيبه مستشعراً وجلا إذا تغيب لم تبرح تظن به ... سوءاً وتسأل عمّا قال أو فعلا وقال آخر: وَاِحذَر سُموم الإِغتياب فَلَن تَرى ... في الخَلق مُغتاباً صَحيح أَديم ولبعضهم: وإذا استغاب أخو الجهالة عالماً ... كان الدليل على غزارة جهله أهل المظالم لا تكن تبلى بهم ... فالمرء يحصد زرعه من حقله

стр. 427

حد الغيبة حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه, أو نسبه, أو خلقه, أو في فعله, أو في قوله, أو دينه, أو دنياه, حتى ثوبه وداره ودابته, أما البدن فكذكرك وصف مما يكره أخوك وذلك كالطول والقصر والسواد والصفرة وكل ما يتصور أن يتأذى منه, وأما الخلق فكأن تقول: هو سيء الخلق أو بخيل أو متكبر أو عاجز أو ضعيف أو متهور أو سارق أو كذاب أو خائن أو ظالم أو متهاون أو فاسق أو خسيس إلى غير ذلك مما لا يندرج تحت حصر, وضابط الأمر أنه كلما يكره أخوك أن تذكره به فهو غيبة, ومما نسب إلى عمر ﵁ أنه قال: (عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء, وإياكم وذكر الناس فإنه داء) . ولا ينبغي للمسلم أن يصغي لسماع الغيبة بل إنه يدفع عن أخيه, فإن بالدفاع بالكلام الحسن خير الدنيا والآخرة, ومن رذائل الغيبة أن من أصغى إلى سماعها حوسب, وقد روي أن النبي ﵌ ذكرت له امرأة وكثرة صلاحها وصومها ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: (هي في النار) (١) . وقال الحسن ذكر الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفك, وكل في كتاب الله , فالغيبة أن تقول ما فيه, والبهتان أن تقول ما ليس فيه, والإفك أن تقول ما بلغك.

стр. 428

وقد حكى بعض العلماء أن من الأسباب الداعية إلى الغيبة: اشفاء الغيظ, ومن اتقى الله لم يشف غيظه, ومن أسباب الغيبة حب موافقة الأقران, ومجاملة الرفقاء والخلان, وذلك خلق غير محمود, ومن الأسباب الداعية إلى الغيبة إرادة التصنع, والمباهاة, والتمثيل, والاستهزاء, والسخرية, والحسد, واللعب, وكل ذلك مذموم. ويرحم الله محمد بن اسماعيل الأمير الصنعاني حيث يقول: إياك إياك أعراض الرجال وإن ... راقت بفيك فإن السم في الدسم (١) أما أبو العتاهية فهو يقول: إياك والغيبة والنميمة ... فإنها منزلة ذميمة (٢) ولبعض الشعراء: لا تهتكن من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله ستراً من مساويك واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيك (٣) وإنما يجترئ على اغتياب الناس كثير الخطايا والذنوب والعيوب, وكفى بالمرء شراً أن لا يكون صالحاً وهو يقع في الصالحين, قال المتنبي: وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ ... فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ

стр. 429

واغتياب المرء غيره دليل على عيبه واستمراره في غيه, وقديماً قيل: "من وجدتموه غياباً وجدتموه معيباً لأنه يعيب الناس بفضل عيبه", وفي ذلك يقول الشاعر: ويأخذ عيب المرء من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب قال ابن عبد البر: سمع إعرابي رجل يقع في الناس فقال: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس, لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها. قال الشاعر: وأجرؤ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال أخو العيوب (١) أما المقنع الكندي فإنه يرى التعفف والترفع عن حال من يأكل لحوم الناس محل مجده وفخره فيقول: وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي ... وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جِدّا أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هُمُ ... دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم ... وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم ... وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا من اغتاب أغتيب إن من يتعرض لأعراض الناس يتعرضون لعرضه, وقديماً قيل: "من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه", وقيل: "بحثك عن عيوب الناس يدعو إلى بحثهم عن عيوبك", قال الشاعر: ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل (٢)

стр. 430

قصة للحسن البصري ﵀ روي عن الحسن البصري قال: ان رجلا قال: ان فلانا اغتابك فبعث اليه طبقة من الرطب , وقال: بلغني انك اهديت الي حسناتك, فأردت ان اكافئك عليها, فاعذرني, فإني لااقدر ان اكافئك بها على التمام (١) . وفي الأمثال السائره: الغيبة جهد العاجز, ومن اغتاب خرق, ومن استغفر رقع (٢) . علاج الغيبة لسانك حصانك, وخيرك يعلم من محبتك لاخوانك, فمن رضي لنفسه بالإساءة شهد على نفسه بالرداءة والدناءة, ومن زال معهود إحسانه استحال موجود إمكانه, ومن عف عن الريبة كف عن الغيبة, وإن من أعظم الفجائع إضاعة الصنائع, ومن حسن الصنيعة الكف عن الأذى والقطيعة, وقديماً قيل: "التوبة تسقط العقوبة, وإحسان النية يوجب المثوبة", وإن من يتملق لك بذكر معائب الناس اليوم يقع في عرضك غداً. قال الشاعر: إِنَّ شَرَّ الناسِ مَن يَضحكُ لي ... حينَ يَلقاني وَإِن غِبتُ شَتَم وَكلامٍ سَيِّئٍ قَد وَقَرَت ... عَنهُ أُذُنايَ وَما بي مِن صَمَم وَلَبَعضُ الصَفحِ وَالإِعراضِ عَن ... ذي الخَنا أَبقى وَإِن كانَ ظَلَم (٣)

стр. 431

إن علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه سلامة المسلمين من يده ولسانه, حسن معاملته لإخوانه, وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أنه قال: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) (١) . فحفظ اللسان إلا فيما ينفع من علامات الإيمان, فاللسان أملك شيء للإنسان, فإذا حفظ الإنسان لسانه وصان نطقه وكلامه عن اغتياب الناس نجا, وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) (٢) , وجاء في كلام بعض الشعراء: لِسانُ الفَتى نِصفٌ وَنِصفٌ فُؤادُهُ ... فَلَم يَبقَ إِلا صورَةُ اللَحمِ وَالدَمِ وفي الأمثال السائرة: "من أساء فعلى نفسه اعتدى, ومن طال تعديه كثرت أعاديه", وقيل: "من ساء كلامه لم يأمن أبداً, ومن حسن كلامه لم يخف أحداً, ومن طال عدوانه زال سلطانه, ومن ظلم نفسه ظلم غيره, ومن أساء اجتلب البلاء, ومن أحسن اكتسب الثناء, وشر الأقوال ما أجلب الملام, وشر الآراء ما خالف الشريعة, وأقبح الكلام ما كان غيبة أو نميمة".

стр. 432

وجاء في شعر الإمام الشافعي ﵁: إِذا رُمتَ أَن تَحيا سَليماً مِنَ الرَدى ... وَدينُكَ مَوفورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ فَلا يَنطِقَن مِنكَ اللِسانُ بِسَوأَةٍ ... فَكُلُّكَ سَوءاتٌ وَلِلناسِ أَلسُنُ وَعَيناكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعائِباً ... فَدَعها وَقُل يا عَينُ لِلناسِ أَعيُنُ وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى ... وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ الصمت وأدب اللسان إن من لزم الصمت غدا في عقله فاضلاً, وفي جهله عاقلاً, وفي قدرته حليماً, وفي عجزه حكيماً, وقد قيل: "إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من عيوبك ما بطن ويحرك من عدوك ما سكن, فكلام المرء بيان فضله وترجمان عقله, فالعاقل من اقتصر على الجميل, واقتصر من الكلام على القليل", فخير الناس من حفظ لسانه, وكف عن عرض أخيه واعرض عمّا لا يعنيه, وفي الحديث النبوي حكمة ومثل: (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (١) . وقال أبو حاتم ﵁: الصمت يكسب المحبة والوقار, ومن حفظ لسانه أراح نفسه, والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام, والصمت منام العقل والمنطق يقظته, وعن أنس أن لقمان قال: "من الحكم الصمت وقليل فاعله", وأنشد للكريزي: أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون واحفظ لسان واحتفظ من غييه ... حتى يكون كأنه مسجون (٢) وقال مالك بن أنس: كل شيء ينتفع بفضله إلا الكلام فإن فضله يضر.

стр. 433

وقال أبو الدرداء: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين منصت واعٍ أو متكلم عالم. (١) , ولقد أحسن من قال: إِن كانَ يُعجِبُكَ السُكوتُ فَإِنَّهُ ... قَد كانَ يُعجِبُ قَبلَكَ الأَخيارا وَلَئِن نَدِمتَ عَلى سُكوتِكَ مَرَّةً ... فَلَقَد نَدِمتَ عَلى الكَلامِ مِرارا وفي الامثال السائرة: عي الصمت أحسن من عي المنطق، العِيُّ-بالكسر المصدر-,والعَيُّ-بالفتح-الفاعل، يعني عِيٌ مع صمت خير من عي مع منطق، وهذا كما يقال السكوت ستر ممدود على العي، وفدام (٢) على الفدامة. قال الشاعر: خَلِّ جَنبَيكَ لِرامِ ... وَاِمضِ عَنهُ بِسَلامِ مُت بِداءِ الصَمتِ خَيرٌ ... لَكَ مِن داءِ الكَلامِ عِش مِن النَاسِ إنْ اسطعـ ... ـت سَلاماً بِسَلامِ (٣) وقديماً قيل: عثرة القدم اسلم من عثرة اللسان، وليس من العدل سرعة العذل, أي لا تعجل فيما تقول أو فيما تأتي قبل ان تعرف العذر لأنك ربما وقعت في الخطأ. وقد قال بعض الصالحين: "الزم الصمت يُكسبك صفو المحبة, ويأمنك سوء المغبة, ويلبسك ثوب الوقار, ويكفك مؤنة الاعتذار", وقيل: "الصمت آية الفضل, وثمرة العقل, وزين العلم, وعون الحلم؛ فالزمه تلزمك السلامة",

стр. 434

فكم من دم سفكه فم, وإنسان أهلكه لسان, فمن قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي, فقصر كلامك تسلم, وأطل احتشامك تكرم. (١) الإصغاء إلى الغيبة من أصغى إلى الغيبة فقد وقع في الإثم والريبة, فصن سمعك عن الغيبة والأذى, فإنك مسئول عن سمعك وبصرك ولسانك, فلا تكن من الغافلين, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٢) . فأحسن استخدام سمعك قبل فوات وقتك وحلول سؤالك, وتب عمّا سمعته من القبيح؛ تستقم وتسترح, وقد جاء في شعر محمود الوراق: وَسَمعَكَ صُن عَن سَماعِ القَبيحِ ... كَصَونِ اللِسانِ عَنِ النُطقِ بِه فَإِنَّكَ عِندَ اِستِماعِ القَبيحِ ... شَريكٌ لِقائِلِهِ فَاِنتَبِه (٣) الأعذار المرخصة في الغيبة إذا كان الأصل هو حفظ اللسان وعدم جواز الخوض في الإعراض فان العاقل يحافظ على لسانه, أما إذا دعت الضرورة لاستماع شيء مما رخص فيه كأن تريد أن تتظلم مما وقع عليك من سلطان غشوم أو جبار نهوم أو أردت تغيير منكر, أو تغيير المعاصي التي تذكر, أو تستفتي عن حال رجل شحيح, أو تحذر من حال منافق أو مبتدع فاسق, أو كان هناك من يجاهر بالمعاصي, فإنه في مثل هذه الحالة قد ورد الترخيص في السماع والجهر بالظلامة التي اقتضت التعريف, وفي ذلك يقول الخبير اللطيف: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ

стр. 435

الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (١) , وقد جاء في الحديث الصحيح أن هند بنت عتبة قالت للنبي ﵌: إن أبا سفيان رجل شحيح فقال ﵊: (خذي ما يكفيك) (٢) . وجاء في كلام بعض الشعراء: القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقاً ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر والعاقل لا يكون حاله كحال من وصفهم الشاعر بقوله: صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنُ (٣)

стр. 436

الفصل التاسع عشر النميمة

стр. 437

النميمة النميمة خصلة ذميمة, فاحفظ لسانك عن الشتيمة والنميمة, والزم الصمت تغد في عقلك فاضلاً, وفي جهلك عاقلاً, وفي قدرتك حليماً, وفي عجزك حكيماً, واقصر كلامك على الجميل, واقتصر منه إلا في الثناء على الله الملك الجليل, وإياك والكلام الذي يوحش الاخوان, ويسخط الرحمن, ورحم الله القائل: من نمَّ في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه كالسيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء؟ ولا من أين يأتيه (١) أما الشريف الرضي فهو يقول: وَهُم نَقَلوا عَنّي الَّذي لَم أُفُه بِهِ ... وَما آفَةُ الأَخبارِ إِلا رُواتُها وكيف يكون للنمام أمانة, وسعيه بها بين الناس خيانة, وإذا كانت النميمة تعني نقل الكلام بين الناس لإيقاع الأذى وإلحاق الضرر بهم فإنها بلا شك من الكبائر, ويكفي لإثبات ذلك قول العزيز الحكيم: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ (٢) , وجاء في معرض الذم للمكذبين قول العزيز الحكيم: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (٣) , كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي الكريم ﵌: (لا يدخل الجنة نمام) وفي لفظ: (قتات) (٤) .

стр. 438

وقال الشاعر: إن النميمة نار ويك محرقة ... ففر عنها وجانب من تعاطاها (١) فالنميمة مضارها جسيمة, وآفتها عظيمة, فهي تقطع علائق المودة, وتبعث العداوة والبغضاء والشدة, فمن جعل النمام خليله هلك, ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول: مَن جَعَلَ النَمّامَ عَيناً هَلَكا ... مُبلِغُكَ الشَرَّ كَباغيهِ لَكا أما الأعشى الكبير فهو يقول: وَمَن يُطِعِ الواشينَ لم يَترُكوا لَهُ ... صَديقاً وَإِن كانَ الحَبيبَ المُقَرَّبا (٢) أما صالح بن عبد القدوس فهو يرى أن من يخبرك بشتم أخ فهو الشاتم وذلك حيث يقول: من يُخبرك بِشَتمِ عَن أَخ ... فَهوَ الشاتِم لا من شَتَمَك ذاكَ شَيءٌ لم يُواجِهك بِهِ ... إِنَّما اللَومُ عَلى مَن أَعلَمَك كَيفَ لَم يَنصُركَ إِن كانَ أَخاً ... ذا حِفاظ عِندَ من قد ظَلَمَك قال الامام علي ﵁: يعمل النمام من ساعة فتنة اشهر. وقال الأمام الشافعي ﵀: من نمّ لك نم بك ومن اذا ارضيته قال فيك ما ليس فيك, واذا اغضبته قال فيك ما ليس فيك, وقال وهب ابن منبه ﵀: من مدحك بما ليس فيك فلا تأمن ان يذمك بما ليس فيك, وقال

стр. 439

الحسن البصري ﵀, من نقل اليك حديثا, فاعلم انه ينقل الى غيرك حديثك. ولله در النابغة الذيباني حيث يقول: لَئِن كُنتَ قَد بُلِّغتَ عَنّي خِيانَةً ... لَمُبلِغُكَ الواشي أَغَشُّ وَأَكذَبُ (١) أما أبو الأسود الدؤلي فهو يقول: لا تُبدِيَنَّ نَميمَةً حُدِّثتَها ... وَتَحَفَّظَنَّ مِن الَّذي أَنباكَها إن الذي أهدى إليك نميمة ... سينم عنك بمثلها قد حاكها وقال آخر: تمشيت فينا بالنميمة وإنما ... تفرق بين الأصفياء النمائم ومما نسب إلى سليمان بن داود ﵉ أنه قال لابنه: "يا بني إياك والنميمة فإنها أحد من السيف". وقال أبو حاتم ﵀: "الواجب على الناس كافة مجانبة الأفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس, والسعي فيما يفرق جمعهم ويشتت شملهم, ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى بفعله". (٢)

стр. 440

فالواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه. قصة لعمر بن عبد العزيز رحمة الله: روي ان عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل, فذكر عنده وشاية في رجل اخر, فقال له عمر: إن شئت حققنا هذا الامر الذي تقول فيه وننظر فيما نسبته اليه, فإن كنت كاذبا فأنت من اهل هذه الاية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) , وإن كنت صادقا فأنت من اهل هذه الاية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (٢) , وإن شئت عفونا عنك فقال: العفو ياامير المؤمنين , لاأعود الى مثل ذلك ابدا. سوء الظن سوء الظن يقود إلى التجسس وإفساد ما بين الراعي والرعية, ولهذا ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﵌: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) (٣) . وقد قيل: التجسس من شعب النفاق كما أن حسن الظن من شعب الإيمان, والعاقل يحسن الظن باخوانه وينفرد بغمومه وأحزانه, كما أن

стр. 441

الجاهل يسيء الظن باخوانه ولا يفكر في جنايته وأشجانه, ولقد أحسن الذي يقول: ما يستريح المسيء ظناً ... من طول غم وما يريح وقل وجه يضيق إلا ... ودونه مذهب فسيح من خفف الله عنه هبت ... من كل وجه إليه ريح والجسم حيث استقر هاد ... والروح جوالة تسيح كم تذبح الأم من بنيها ... كل بنيها لها ذبيح لن يهلك المرء من سماح ... وقل ما يفلح الشحيح قال أبو حاتم ﵁: "سوء الظن على ضربين: أحدهما منهي عنه بحكم النبي ﵌, والآخر مستحب, فأما الذي نهى عنه فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة, وأما الذي يستحب من سوء الظن فهو كمن بينه وبين آخر عداوة أو شحناء في دين أو دنيا يخاف على نفسه مكره فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره كي لا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه", قال الشاعر: وحسن الظن يحسن في أمور ... ويمكن في عواقبه ندامة وسوء الظن يسمج في وجوه ... وفيه من سماجته حزامه (١)

стр. 442

ثمرة النميمة العاقل يجانب النميمة لأنها تثمر هتك الأستار, وتدفع إلى إفشاء الأسرار, وتورث الضغائن, وترفع المودة, وتجدد العداوة, وتبدد الجماعة, وتهيج الحقد, وتزيد الصد, فمن وشيء إليه عن أخ كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت, وقبول العذر إذا اعتذر, وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ, وعلى الصبر عند الضياع, وعلى المعاتبة عند الإساءة, قال الشاعر: أعتاب اخواني وابقي عليهم ... ولست لهم بعد العتاب بقاطع واغفر ذنب المرءِ إن زل زلة ... إذا ما أتاها كارها غير طائع وأجزع من لوم الحليم وعذله ... وما أنا من جهل الجهول بجازع وقد قيل أن ابن الزبير ﵄ عاتب معاوية في شيء فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين اسمع أبيات اعتبتك فيها, قال: هات, فأنشده: لَعَمرُكَ ما أَدري وَإِنّي لأَوجَلُ ... عَلى أَيِّنا تَغدو المَنِيَةِ أَوَّلُ وَإِنّي عَلى أِشياءَ مِنكَ تريبُني ... قَديماً لَذو صَفحٍ عَلى ذاكَ مُجمِلُ إِذا أَنتَ لَم تُنصِف أَخاكَ وَجَدتَهُ ... عَلى طَرَفِ الهِجرانِ إِن كانَ يَعقِلُ (١) وروي أن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لا تكثر العتاب فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة وكثرته من سوء الأدب", قال الشاعر: إذا كنت في كل الإمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القدى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

стр. 443

ذو الوجهين يذم الناس ذا الوجهين ويلومونه, ويبغضونه, ويمقتونه, قال الشاعر: ومن كان ذا وجهين بين صحابه ... فذلك عند الله غير وجيه ويرحم الله صالح بن عبد القدوس حيث يقول: قُل لِلَّذي لَست أَدري مِن تَلونه ... أَناصح أَم علي غش يُداجيني إِنّي لاَكثر مِمّا سَمتني عَجباً ... يَد تشح وَاِخرى مِنك تَأسوني تَغتابَني عِندَ اِقوام وَتَمدحني ... في آخَرينَ وَكل عَنكَ يَأتيني (١) فمن خلّص سجيته وأنفت أخلاقه عن التلون فقد خلص ونجى, قال ابن عبدل: ولستُ بِذي وَجْهَيْنِ في مَنْ عَرَفْته ... ولا البخلُ فَاعْلَمْ منْ سمائي ولا أرضي (٢) أما عبد الله بن محمد القحطاني (٣) فهو يرى أن ذا الوجهين شر البرية حيث يقول: لا تَمشِ ذا وَجهَينِ مِن بَينِ الوَرى ... شَرُّ البَريَّةِ مَن لَهُ وَجهانِ فالعاقل من يحفظ لسانه وعينه فرب عين أنم من لسان وطرف اشد من سيف وأوجع من حتف, وقال هارون الرشيد لأبي عمرو الشفلفي: فلان نم

стр. 444

بك, فقال: يا أمير المؤمنين إن فلان لو كان بينك وبين الله واسطه لسعى بك إليه, قال العباس بن الأحنف: أناسٌ أمِنّاهُم فنَّموا حديثَنا ... فلما كَتَمنا السرَّ عنهم تقَوَّلوا ومن قول أبي دهبل: أَمِنّا أُناساً كُنتِ تَأتَمِنينَهُم ... فَزادوا عَلَينا في الحَديثِ وَأَوهَموا وَقالوا لَنا ما لَم نَقُل ثُمَّ كَثَّروا ... عَلَينا وَباحوا بِالَّذي كُنتُ أَكتُمُ وفي الأمثال السائرة: "فلان أنم من الزهر", قال ابن الرومي: أَنَمُّ بما اسْتَوْدَعْتُهُ من زُجاجَةٍ ... تَرَى الشئَ فيها ظاهِراً وهو باطنُ وقال آخر: قد كانَ صدرُك للأسرارِ جَندلَةً ... ضَنِينةً بالذي تُخفِي نَواحِيها فصارَ مِن بَثِّ ما اسُتودِعْتَ جَوهرةً ... رقيقةً تَسْتَشِفُّ العَينُ ما فِيها (١)

стр. 445

الفصل العشرون الأمانة

стр. 446

الأمانة الأمانة: هي كل مايؤمن عليه المرء من امر ونهي, وشأن من دين ودنيا, وهي خلق من اخلاق المسلم الاصلية التي تنبع من عقيدته, وتدل على صدق اتجاهه وشرف غايته. وبمعناها الحقيقي في نظر المسلم صفة نفسية تملي على صاحبهاسلوكا لايتبدل ازاء ما يعهد اليه القيام به, وكل ما يلتزمه ويتحمل مسؤليته, وتشمل حياة الانسان كلها (١) . وفي الذكر الحكيم ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٢) , ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣) فالأمانة من الفضائل الإنسانية, والخلال التي تستقيم بها أحوال البشرية, فالإنسان ملزم بالتحلي بها, فهي من الفضائل الخلقية التي تدعو إليها الفطرة السليمة, وهي من جملة الالتزامات التي يطالب بها الإنسان لاشتمالها على التكليف الشرعي والالتزام الأخلاقي والقانوني, فالشرائع السماوية والنظم الوضعية تتفق على اعتبارها من الالتزامات الخلقية التي يسأل المكلف عنها ويحاسب على تضييعها, وتأتي في رأس جدول الأعمال الحسنة والأخلاق الفاضلة في جميع المجتمعات ذات الديانات السماوية وغيرها, وحتى في العصر الجاهلي الذي كان يحوي دنايا ورذائل, فإنه رغم ذلك كان يحوي بعض خلال مكارم الأخلاق التي جاء الرسول ﵌ ليؤكدها ويتممها كما روي عنه ﵌ قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وفي لفظ: (صالح الأخلاق) (٤) , ولا يزال أهل الفضل من الناس يثنون عليها في مختلف البلدان في كل زمان ومكان, وقد أشاد المجتمع العربي بالأمانة ورفع مكانة الأمين والأمناء في الجاهلية والإسلام, وجعلها من الصفات الرئيسة التي يسوّد بها, وأكبر شاهدٍ على ذلك ما ورد في آثار العرب وقصصهم وأخبارهم وأمثالهم, ومن ذلك قول لبيد: وَإِذا الأَمانَةُ قُسِّمَت في مَعشَرٍ ... أَوفى بِأَوفَرِ حَظِّنا قَسّامُها (٥) وقول زهير: وَحِفظي لِلأَمانَةِ وَاِصطِباري ... عَلى ما كانَ مِن رَيبِ الزَمانِ أما النابغة فهو يقول: سأرعى كلما استودعت جهدي ... وقد يرعى أمانته الأمين (٦) وقد ضرب العرب بوفاء السموأل (٧) الأمثال ما ذلك إلا لأنه ضحى بابنه من أجل الوفاء بحفظ الأمانة, فقيل: "أوفى من السموأل". قصة السموأل ذكر الميداني: أن امرئ القيس لما أراد الخروج إلى قيصر استودع السموأل دروعاً فلما مات امرئ القيس غزى ملك من ملوك الشام فتحرز

стр. 447

منه السموأل فأخذ الملك ابناً له وكان خارجاً من الحصن فصاح الملك بالسموأل, فأشرف عليه فقال: هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرئ القيس ابن عمي ومن عشيرتي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إليَّ الدروع وإلا ذبحت ابنك, فقال: أجّلني, فأجله فجمع أهل بيته ونساءه وشاورهم فكل أشاره أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه فلما أصبح أشرف عليه, وقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع, فذبح الملك ابنه وهو مشرف ينظر إليه, ثم انصرف الملك بالخيبة, فوافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرئ القيس وقال في ذلك: وَفَيتُ بِأَدرُعِ الكِندِيِّ إِنّي ... إِذا ما خانَ أَقوامٌ وَفَيتُ وَقالوا: إِنَّهُ كَنزٌ رَغيبٌ ... فَلا وَاللَهِ أَغدِرُ ما مَشَيتُ (١) وإلى ذلك يشير الأعشى حيث يقول: كُن كَالسَمَوأَلِ إِذ سارَ الهُمامُ لَهُ ... في جَحفَلٍ كَسَوادِ اللَيلِ جَرّارِ إلى أن قال: وَقالَ: لا أَشتَري عاراً بِمَكرُمَةٍ ... فَاِختارَ مَكرُمَةَ الدُنيا عَلى العارِ وَالصَبرُ مِنهُ قَديماً شيمَةٌ خُلُقٌ ... وَزَندُهُ في الوَفاءِ الثاقِبُ الواري ولقد كان العرب في الجاهلية يفاخرون بالأمانة وينتصرون لها, ولقد انتصر العرب في حربهم ضد الفرس في يوم ذي قار في القصة المشهورة حينما رفض هاني بن مسعود الشيباني تسليم ما استودع من الدروع فاجتمع العرب وقاتلوا الفرس وانتصروا وكان ذلك مفخرة لهم, والقصة

стр. 448

مبسوطة في كتب التأريخ, لا داعي لذكر تفاصيلها نظراً لشهرتها, ومن أراد التوسع فليرجع إلى مظانها من كتب التأريخ (١) . وقد كان النبي محمد ﵌ في قومه من أول نشأته متحليياً بالأمانة, واشتهر بها, وفي ذلك يقول عمه أبو طالب موضحاً لأمانة الرسول ﵌ ومصدقاً وشاهداً له بها: إن الأمين محمداً في قومه ... عندي يفوق منازل الأولاد (٢) ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (٣) أما أحمد شوقي فهو يقول واصفاً لأمانة محمدٍ ﵌ ومنكراً على من أنكروا نبوئته بقوله: لَقَّبتُموهُ أَمينَ القَومِ في صِغَرٍ ... وَما الأَمينُ عَلى قَولٍ بِمُتَّهَمِ فالأمانة والثقة أساس المعاملات, والأمانة خلق قويم ودين مستقيم؛ دعا الإسلام إليها, وحث عليها, وكيف تستقيم أحوال البشرية بدون أدائها والحفاظ عليها؟

стр. 449

قال الشاعر: وإنني لأرى من لا حياء له ولا ... أمانة وسط القوم عريانا (١) وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحث على الأمانة بمفهومها الواسع؛ فهي تشمل الدين كله عبادات ومعاملات, وفضائل خلقية واجتماعية, وهذا المفهوم تميز به الدين الإسلامي الحنيف, وجاء في الذكر الحكيم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (٢) . فمن حافظ على الأمانة سلم, ومن أدّاها غنم, فإذا طلبت الخير فاطلبه في أداء الأمانة, وإذا عملت البر فتحر فيه أداء الأمانة, وإذا أردت العز فالزم في سلوكك الأمانة, وأدِّ في مسئوليتك الأمانة, وتعامل مع أهل الصدق والأمانة تفز بفضل الله ورضوانه, فمن لزم الأمانة صلحت أعماله, واستقامت أحواله, واحتاط لنفسه, ومن أدى الأمانة أطاع ربه وصلح أمره, وكان بعيبه بصيراً, ولم تفسد الشهوة دينه, ولم تزل الشبهة يقينه, وفي الأمانة حفظ للكرامة, وأساس للتقوى, وحرز يقي الانزلاق في المعاصي, ويبعد الإنسان عن المخازي, فالزم الأمانة تلزمك الاستقامة, فمن ضيع الأمانة ضاع, وسقط في وحل الخيانة, فلا تتضجر من حفظها وأدائها, ولا تفرط فيها تفرط في حق نفسك, فإن من زرع خيراً حصد أجراً, واستفاد شكراً, ومن وقع في الخيانة عرض نفسه للمهانة, ومن ضيع ذمة اكتسب مذمة.

стр. 450

تقدير الناس للأمانة الأمانة من الأخلاق العملية التي يتفق الناس على أهميتها في الحياة لأنها تعني أن يكون الإنسان أميناً في عبادته, أميناً في عمله, أميناً في حديثه, أميناً في مجتمعه, أميناً في سلوكه, أميناً مع نفسه, فالنفوس بفطرتها التي فطرها الله عليها تميل إلى تقدير الأمانة والأمناء, فإنهم وإن قصروا في المحافظة عليها إلا أنهم يقدرون الأمانة كأحسن سياسة. فالقاعدة العامة المشتركة في تقدير الأمناء أن الإنسان بفطرته يحب أن يعامله الآخرون بتقدير واحترام, فإذا أحب أن يكونوا معه أمناء فليكن معهم أميناً, وكفى بالمرء فخراً وعزاً أن يوصف بالأمانة, قال الأعشى: وَإِنَّ اِمرُؤٌ أَسدى إِلَيكَ أَمانَةً ... فَأَوفِ بِها إِن مِتَّ سُمّيتَ وافِيا فللأمانة أهمية كبرى في التعامل مع الناس, وللأمانة أهمية كبرى في أداء الفرائض والواجبات, وفي السلوك والمعاملات, فيجب أن تكون أميناً في رأيك, وفي مشورتك ونصحك, فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (المستشار مؤتمن) (١) , والأمانة مطلوبٌ أداؤها في الحكم, وفي السلوك, وحتى مع المخالفين في الدين, فقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ (٢) , فمنزلة الأمانة رفيعة يقدرها العقلاء, ويلتزمها الفضلاء, فالتاجر يجب أن يكون أميناً, والزارع فيما يزرع ويحصد يجب أن يكون أميناً, والصانع فيما يصنع ويبدع يجب أن يكون أميناً, والعالم فيما يعلم وينتج يجب أن يكون أميناً, والموظف فيما يعمله ويؤديه يجب أن يكون أميناً, والمؤذن أمين مؤتمن, والصلاة أمانة, والزكاة أمانة, والحج أمانة, والسر أمانة, والعمل أمانة, والوديع أمين, ولا يؤدي الأمانة إلا كريم, ولا يخون فيما ائتمن عليه إلا ذميم, وقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ قال: (تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب, وإذا وعد فلا يخلف, وإذا ائتمن فلا يخن) (٣) وفي رواية: (اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثم, وأوفوا إذا وعدتم, وأدوا إذا ائتمنتم) (٤) . قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: أَدِّ الأَمانَةَ وَالخيانَةَ فَاِجتَنِب ... وَاِعدِل وَلا تَظلِم يَطيبُ المَكسَبُ الأمانة في الإيمان بالله وعبادته لقد أنزل الله الأمانة في جذور قلوب المؤمنين من عباده, فطرهم عليها, وأرشدهم إليها, وحمّلهم إياها, فالمؤمن مفطور على الأمانة وسلامة الخلق, ومأمورٌ بأداء الأمانة والحفاظ عليها, فلا يجتمع الإيمان والخيانة أبداً, ولا يجتمع الإيمان والكفر أبداً, ولهذا جاء في الحديث النبوي الشريف أن النبي ﵌ قال: (لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ, ولا يجتمع الصدق والكذب جميعا, ولا تجتمع الأمانة والخيانة جميعاً) (٥) , وجاء في رواية أخرى أن النبي ﵌ قال: (يطبع المؤمن على

стр. 451

كل خلة إلا الخيانة والكذب) (١) , فلا يستقيم إيمان عبد دون المحافظة على الأمانة فقد جاء في الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) (٢) , وقد أمر الله جل وعلا بالمحافظة على الصلوات وأداء الفرائض والواجبات وجعل ذلك أمانة يسأل عنها المرء يوم القيامة, فلا بد للمؤمن من أن يتصف بالأمانة, فقد وصف الحق المؤمنين بأنهم يراعون أمانتهم وجعل الأمانة مظهراً من مظاهر وحدتهم فقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٣) , قال سيد قطب: "ذلك أن الأمانة صفة دائمة لهم في كل حين, وما تستقيم حياة المجتمع إلا أن تؤدى فيه الأمانات, وتراعى فيه العهود, ويطمئن كل ما فيها على هذه القاعدة الأساسية للحياة المشتركة الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان" (٤) . قلتُ: الأمانة داخلة في كل شيء: في الصلاة والزكاة والحج والوضوء والطهارة وغير ذلك, ففي الحديث النبوي: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) (٥) , وقد جاء في حديث أخر: (لا يؤم رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم) (٦) , وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً

стр. 452

جَهُولاً﴾ (١) يعم جميع الأمانات من حقوق الله على عباده ومن حقوق العباد بعضهم على بعض ومما يؤتمنون به, ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) . ترك الأمانة نفاق إن لكل شيء علامة, وعلامة النفاق الخيانة, جاء في الحديث النبوي الشريف: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ, وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ, وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (٣) . الأمانة في الولايات الأمانات في الولايات من أكبر الأمانات التي تطوق صاحبها, فمن استعمل العدل وشكر الحق, وتباعد عن ظلم الخلق؛ فقد أدى الأمانة, ومن أسعد اخوانه, وحسن مقاله, وصان نعمته, وأدى فرائضه؛ فقد أدى الأمانة, ومن غش رعيته, واتبع هواه؛ فقد خان أمانته, وفرط في ديانته, جاء في الحديث النبوي الشريف تحذير الولاة من الغش في واجباتهم: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (٤) , وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يستشعر مسئولية أمانة الخلافة في البحث عن الأمناء والنصحاء فيقول: (أنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه, ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله, لا أكله إلى أحد ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة, ولست أجعل امامي أحداً سواهم إن شاء الله) (٥) , وجاء في الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال: (من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين) (٦) وفي رواية: (من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخل جهنم) (٧) , وجاء في رسالة الإمام علي بن أبي طالب ﵁ إلى الأشتر ﵁: (أنظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنها جماع من شعب الجور والخيانة, وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً، وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إشراقاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، ثم أَسْبِغ عليهم الرزق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح

стр. 453

أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك وثلموا أمانتك) , قال أبو مسلم العماني: أمانة الله تسطيع الأداء لها ... إذا علمت بعون الله ما شرعا وله أيضاً: أحسن أمانتك التي قلدتها ... طوق الحمامة ما تسر وما ظهر لقد اتجرت على الذين تؤمهم ... فاختر على الخسران ربح المتجر قد قلدوك أمانة مضمونة ... فاحذر ضمان مضيع كل الحذر واعرف لهاتيك الأمانة قدرها ... ليس الضمان بها ضماناً يغتفر وقال المؤيد في الدين (١) : أمَّةٌ ضَيَّعَ الأمانَةَ فِيهَا ... شَيْخُها الخَامِل الظَّلومُ الجَهولُ أما الشريف الرضي فهو يقول: وَما كُلُّ مَن لَم يُعطِ نَهضاً بِعاجِزٍ ... وَلا كُلُّ لَيثٍ خادِرٍ بِجَبانِ وَإِنَّكَ ما اِستَرعَيتَ مِنّي سِوى فَتىً ... ضَمومٍ عَلى رَعيِ الأَمانَةِ حانِ حَفيظٍ إِذا ما ضَيَّعَ المَرءَ قَومُهُ ... وَفِيٍّ إِذا ما خُوِّنَ العَضُدانِ فتولية القوي الأمين هو مطلب أهل التقى من الصالحين, وكأنها شرط في صحة الولاية وطلبها, ولهذا حكى الله تعالى عن يوسف ﵇

стр. 454

قوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١) , وقد شهدت ابنة شعيب لموسى ﵇ بالأمانة والقوة قبل أن يكون نبياً وحكى المولى جل وعلا ذلك في كتابه فقال: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (٢) , وقد قال ابن عباس في تأويل (القوي الأمين) : "قوي فيما ولي وأمين فيما استودع". قال الشاعر: حاملُ النارِ والحديدِ قويٌّ ... والذي يحمل الأمانة أقوى (٣) ومما لا شك فيه أن الأمانة والقوة هما الركنان المقصودان في القدرة على العمل وإدارته, والحفاظ عليه وأدائه بدون تفريط أو خلل, فالبيعة والاستفتاء والانتخاب كلها أمانة فإياك أن تضيعها فتضعها في غير أهلها, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم

стр. 455

بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (١) . فالواجب على من ولي أمانة الأمة أن ينظر في أحوال الرعية وأن لا تلهيه جلبة الملك عن أداء الأمانة, قال الشاعر: لا يَستَوي ملك تلهيه مملكة ... وَذو ضَرائر لا يَنتابه الوسن عار عليك عمارات مشيدة ... وَللرعية دور كلها دِمَن فانظر إِلَيهم فعين اللَه ناظرة ... هم الأَمانة وَالسلطان مؤتمن (٢) أما احمد شوقي فيقول: إِن أَنتَ أَطلَعتَ المُمَثِّلَ ناقِصاً ... لَم تَلقَ عِندَ كَمالِهِ التَمثيلا فَاِدعوا لَها أَهلَ الأَمانَةِ وَاِجعَلوا ... لأولى البَصائِرِ مِنهُمُ التَفضيلا وقد نسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في خطبة له: (ألا وإني وجدت صلاح ما ولاني الله بالأمانة والأخذ بالقوة) (٣) . قلت: وفي ذلك الوصول إلى الغاية وأداء أمانة الولاية, ولا تعني القوة في الولاية العنف وعدم مراعاة الرفق, فإن الله يحب الرفق في الأمر كله, فمن تولى أمانات المسلمين فرفق بهم استحق دعاء النبي ﵌: (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) (٤) .

стр. 456

فالراعي يجب عليه الرفق برعيته والإحسان في تدبير سياسته, فقد جاء في الحديث النبوي: (ألا كلكم راعٍ وكل راعٍ مسئول عن رعيته, فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته) (١) . فالعاقل لا يأتمن ذا سلوك وضيع ولا يصطنع من فاته العقل, لأن من غش نفسه في سلوكه لا يحترز من غش غيره فلا يأمن أن يغش من حيث ينصح, أما من لا عقل له فربما أفسد من حيث يظن أنه يصلح وذلك مما يعيي توقيه ويفوت تداركه وتلافيه, وإنما يؤتمن المؤمن القوي صاحب الخلق الرضي والسلوك المرضي. وما ضياع الأمانة في الولايات كافة إلا في تولية من لا أمانة له, وقد عد ذلك النبي الكريم ﵌ من علامات الساعة حيث يقول: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة, قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (٢) , وقد ذكر بعض شراح الحديث أنه ينبغي تولية أهل الأمانة والإيمان والصلاح في أمور المسلمين عموماً كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك فإذا ولي غيرهم فقد ضيعت الأمانة. (٣)

стр. 457

الأمانة في الأسرة الأسرة نواة المجتمع واللبنة الأساسية فيه فمن رعى فيها فريضة الأمانة أداها, ووفى فيها ما عليه من الرعاية والديانة, حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر, فقيام الرجل بحق زوجته أمانة, وتربية الأولاد على البر والتقوى وحسن التعامل أمانة, وفي الحديث النبوي: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (١) , والرعاية بمعنى الحفظ والأمانة, فالحديث دل على أن كل هؤلاء المذكورين فيه على اختلاف مراتبهم مؤتمنون يجب عليهم الوفاء بأمانتهم, وقد قال النووي في شرحه للحديث: "الراعي: هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وهو ما تحت نظره, ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته" (٢) , وذلك مأخوذ من ظاهر الحديث. فالنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية تدل على أنه يتساوى كل من الرجل والمرأة في المسئولية على حفظ الأمانة وأدائها مع مراعاة خصوصية كل منهما في القوامة والحفظ والتربية وتدبير شئون الأسرة وحفظ الأسرار, وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ

стр. 458

ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) (١) , وفي رواية: (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) (٢) , فالحديث صريح في وجوب المحافظة على الأمانة وحفظ الأسرار بين الزوجين, وان الأزواج الذين ينشرون أسرار أزواجهم شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة. أمانة الزوج تقتضي عدم جواز تخوين أهله إن الزوج الأمين يرعى زوجته ويكرمها ويحافظ على أمانته فيها ويرحمها, ويشعرها بالأمان ولا يتخونها, فالغيرة المذمومة في الأزواج هي تلك التي تدعوهم إلى طلب التماس عثرات زوجاتهم أو التجسس عليهن وتخوينهن ومقتهن في أخلاقهن, فقد جاء في الحديث: (أن رَسُولُ اللَّهِ ﵌ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ) (٣) . أمانة الزوجة تقتضي حفظ أسرار زوجها الزوجة مؤتمنه على حفظ أسرار زوجها, وحفظ أمواله, وتربية أولاده, ومراعاة عدم الخروج من منزله إلا بإذنه, وعدم إيطاء فراش الزوج من يكره, فلا تدخل أحداً منزله وهو يكره دخوله, فالزوجة مؤتمنة وملزمة بإطاعة زوجها في غير معصية, والمرأة الصالحة الأمينة هي التي تحفظ معروف زوجها وتطيعه فيه, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا

стр. 459

حَفِظَ اللهُ﴾ (١) , فالمرأة مؤتمنة على حفظ نفسها وعرضها فلا تتبرج ولا تتبذل, وقد روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: (من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها) , وقال جرير (٢) يرثي امرأته في عفافها: كانَت إِذا هَجَرَ الحَليلُ فِراشَها ... خُزِنَ الحَديثُ وَعَفَّتِ الأَسرارُ تربية الأولاد وتعليمهم أمانة إن تربية الأولاد وتهذيبهم وتعليمهم أمور الدنيا والدين أمانة يجب أداؤها, فتوجيه الأولاد للمعالي وتربيتهم على الفضيلة وتعويدهم على البر والأخلاق الحميدة وطلب الرزق من وجوه الحلال وتعليمهم الصلاة والصيام والزكاة أمانة, فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣) , وقد أوضح النبي ﵌ أمانة تربية الأولاد في قوله: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ... الخ) الحديث السالف بيانه, فالزوجان مؤتمنان على تربية أولادهما على الفضيلة وإبعادهم عن الرذيلة وتعليمهم ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم, وقد قال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعلم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة, وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الأباء وإهمالهم لهم, وترك

стр. 460

تعليمهم فرائض الدين وسننه, فأضاعوها صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا أباءهم كباراً. (١) , قال ابن قم الزبيدي: خير ما ورث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن ثناء ويرحم الله شوقي حيث يقول: فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ ... سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً ... وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا أما الإمام علي بن أبي طالب فهو يقول: حَرِّض بنيكَ عَلى الآدابِ في الصِغَرِ ... كَيما تَقَرَّ بِهِم عَيناكَ في الكِبَرِ فَإِنَّما مَثَلُ الآدابِ تَجمَعُها ... في عِنفُوانِ الصِبا كَالنَقشِ في الحَجَرِ الأمانة في الأخلاق والمعاملات تعد الأمانة خاصية إنسانية في العلاقات الاجتماعية من حيث تعامل الفرد مع الآخرين, سواءً كان مع جاره أو مع مجتمعه أو مع أسرته أو مع قبيلته, ألا ترى أن النبي ﵌ أوصى برعاية أمانة الجار وحفظ حقوقه فقال: (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ, قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) (٢) , فالعاقل حري به أن يبني علاقته مع الآخرين من الأباعد والأقارب من الأفراد والجماعات والدول على أساس الأمانة, ومن ثم يكون أميناً في علاقته معهم, حافظاً لعهده وسره, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ (٣) . ومن أشد الخيانة أن يجلس الرجل فيطمئن إلى أخيه فيفشي سره وينقل عنه ما لا يحب, وقد جاء في الحديث النبوي: (إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة) (٤) , ويرحم الله حسان بن ثابت حيث يقول: وَأَمينٍ حَديثُهُ سِرُّ نَفسي ... فَوَعاهُ حِفظَ الأَمينِ الأَمينا وقد جاء في الأمثال السائرة: "قلوب العقلاء حصون الأسرار", وإنما تتعزز الثقة بالناس وتزدهر حياتهم وتنمو تجارتهم بالأمانة, وفي الحديث (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) (٥) , فالأمناء هم الذين يرعون واجبات العبادات والمعاملات, فلا يمكن أن ينهض مجتمع لا تؤدى فيه الأمانة. فأداء الأمانات من الأمور الأساسية التي تقوم عليها نهضة المجتمعات في كافة المجالات, ألا ترى أن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦) , ولا بد للحياة من ضوابط ترتب علاقة الفرد مع نفسه ومع الناس, وهي تتمثل في الغالب الأعم في الوفاء بعقود المعاوضات وعقود التبرعات
следующие страницы →