← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فالراعي يجب عليه الرفق برعيته والإحسان في تدبير سياسته, فقد جاء في الحديث النبوي: (ألا كلكم راعٍ وكل راعٍ مسئول عن رعيته, فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته) (١) . فالعاقل لا يأتمن ذا سلوك وضيع ولا يصطنع من فاته العقل, لأن من غش نفسه في سلوكه لا يحترز من غش غيره فلا يأمن أن يغش من حيث ينصح, أما من لا عقل له فربما أفسد من حيث يظن أنه يصلح وذلك مما يعيي توقيه ويفوت تداركه وتلافيه, وإنما يؤتمن المؤمن القوي صاحب الخلق الرضي والسلوك المرضي. وما ضياع الأمانة في الولايات كافة إلا في تولية من لا أمانة له, وقد عد ذلك النبي الكريم ﵌ من علامات الساعة حيث يقول: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة, قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (٢) , وقد ذكر بعض شراح الحديث أنه ينبغي تولية أهل الأمانة والإيمان والصلاح في أمور المسلمين عموماً كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك فإذا ولي غيرهم فقد ضيعت الأمانة. (٣)

стр. 457

الأمانة في الأسرة الأسرة نواة المجتمع واللبنة الأساسية فيه فمن رعى فيها فريضة الأمانة أداها, ووفى فيها ما عليه من الرعاية والديانة, حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر, فقيام الرجل بحق زوجته أمانة, وتربية الأولاد على البر والتقوى وحسن التعامل أمانة, وفي الحديث النبوي: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (١) , والرعاية بمعنى الحفظ والأمانة, فالحديث دل على أن كل هؤلاء المذكورين فيه على اختلاف مراتبهم مؤتمنون يجب عليهم الوفاء بأمانتهم, وقد قال النووي في شرحه للحديث: "الراعي: هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وهو ما تحت نظره, ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته" (٢) , وذلك مأخوذ من ظاهر الحديث. فالنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية تدل على أنه يتساوى كل من الرجل والمرأة في المسئولية على حفظ الأمانة وأدائها مع مراعاة خصوصية كل منهما في القوامة والحفظ والتربية وتدبير شئون الأسرة وحفظ الأسرار, وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ

стр. 458

ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) (١) , وفي رواية: (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) (٢) , فالحديث صريح في وجوب المحافظة على الأمانة وحفظ الأسرار بين الزوجين, وان الأزواج الذين ينشرون أسرار أزواجهم شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة. أمانة الزوج تقتضي عدم جواز تخوين أهله إن الزوج الأمين يرعى زوجته ويكرمها ويحافظ على أمانته فيها ويرحمها, ويشعرها بالأمان ولا يتخونها, فالغيرة المذمومة في الأزواج هي تلك التي تدعوهم إلى طلب التماس عثرات زوجاتهم أو التجسس عليهن وتخوينهن ومقتهن في أخلاقهن, فقد جاء في الحديث: (أن رَسُولُ اللَّهِ ﵌ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ) (٣) . أمانة الزوجة تقتضي حفظ أسرار زوجها الزوجة مؤتمنه على حفظ أسرار زوجها, وحفظ أمواله, وتربية أولاده, ومراعاة عدم الخروج من منزله إلا بإذنه, وعدم إيطاء فراش الزوج من يكره, فلا تدخل أحداً منزله وهو يكره دخوله, فالزوجة مؤتمنة وملزمة بإطاعة زوجها في غير معصية, والمرأة الصالحة الأمينة هي التي تحفظ معروف زوجها وتطيعه فيه, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا

стр. 459

حَفِظَ اللهُ﴾ (١) , فالمرأة مؤتمنة على حفظ نفسها وعرضها فلا تتبرج ولا تتبذل, وقد روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: (من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها) , وقال جرير (٢) يرثي امرأته في عفافها: كانَت إِذا هَجَرَ الحَليلُ فِراشَها ... خُزِنَ الحَديثُ وَعَفَّتِ الأَسرارُ تربية الأولاد وتعليمهم أمانة إن تربية الأولاد وتهذيبهم وتعليمهم أمور الدنيا والدين أمانة يجب أداؤها, فتوجيه الأولاد للمعالي وتربيتهم على الفضيلة وتعويدهم على البر والأخلاق الحميدة وطلب الرزق من وجوه الحلال وتعليمهم الصلاة والصيام والزكاة أمانة, فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣) , وقد أوضح النبي ﵌ أمانة تربية الأولاد في قوله: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ... الخ) الحديث السالف بيانه, فالزوجان مؤتمنان على تربية أولادهما على الفضيلة وإبعادهم عن الرذيلة وتعليمهم ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم, وقد قال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعلم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة, وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الأباء وإهمالهم لهم, وترك

стр. 460

تعليمهم فرائض الدين وسننه, فأضاعوها صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا أباءهم كباراً. (١) , قال ابن قم الزبيدي: خير ما ورث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن ثناء ويرحم الله شوقي حيث يقول: فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ ... سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً ... وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا أما الإمام علي بن أبي طالب فهو يقول: حَرِّض بنيكَ عَلى الآدابِ في الصِغَرِ ... كَيما تَقَرَّ بِهِم عَيناكَ في الكِبَرِ فَإِنَّما مَثَلُ الآدابِ تَجمَعُها ... في عِنفُوانِ الصِبا كَالنَقشِ في الحَجَرِ الأمانة في الأخلاق والمعاملات تعد الأمانة خاصية إنسانية في العلاقات الاجتماعية من حيث تعامل الفرد مع الآخرين, سواءً كان مع جاره أو مع مجتمعه أو مع أسرته أو مع قبيلته, ألا ترى أن النبي ﵌ أوصى برعاية أمانة الجار وحفظ حقوقه فقال: (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ, قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) (٢) , فالعاقل حري به أن يبني علاقته مع الآخرين من الأباعد والأقارب من الأفراد والجماعات والدول على أساس الأمانة, ومن ثم يكون أميناً في علاقته معهم, حافظاً لعهده وسره, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ (٣) . ومن أشد الخيانة أن يجلس الرجل فيطمئن إلى أخيه فيفشي سره وينقل عنه ما لا يحب, وقد جاء في الحديث النبوي: (إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة) (٤) , ويرحم الله حسان بن ثابت حيث يقول: وَأَمينٍ حَديثُهُ سِرُّ نَفسي ... فَوَعاهُ حِفظَ الأَمينِ الأَمينا وقد جاء في الأمثال السائرة: "قلوب العقلاء حصون الأسرار", وإنما تتعزز الثقة بالناس وتزدهر حياتهم وتنمو تجارتهم بالأمانة, وفي الحديث (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) (٥) , فالأمناء هم الذين يرعون واجبات العبادات والمعاملات, فلا يمكن أن ينهض مجتمع لا تؤدى فيه الأمانة. فأداء الأمانات من الأمور الأساسية التي تقوم عليها نهضة المجتمعات في كافة المجالات, ألا ترى أن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦) , ولا بد للحياة من ضوابط ترتب علاقة الفرد مع نفسه ومع الناس, وهي تتمثل في الغالب الأعم في الوفاء بعقود المعاوضات وعقود التبرعات

стр. 461

ونحوها, فمن أدى في ذلك الأمانة فقد أدى ما يجب عليه. وإنما تشرف الأمة ويعلو بنيانها ويسعد أبناؤها بالمحافظة على الأمانة وأداؤها, قال كعب بن زهير: أَرعى الأَمانَةَ لا أَخونُ أَمانَتي ... إِنَّ الخَؤونَ عَلى الطَريقِ الأَنكَبِ (١) الخيانة مذمة وندامة الخيانة من الصفات المشئومة والخلال المذمومة, وقد عدها بعض العلماء من الكبائر, وعرفها الجاحظ بأنها: الاستبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم, وتملك ما يستودع, ومجاحدة مودعه, وفيها أيضاً: طي الأخبار إذا ندب لتأديتها, وتحريف الرسائل إذا تحملها فصرفها عن وجوهها (٢) . وهي في اللغة: مشتقة من مادة (خ ون) , قال ابن فارس: الخاء والواو والنون أصل واحد يقال: خانه يخونه خوناً وخيانة (٣) . والخيانة ضد الأمانة (٤) . وعند فقهاء القانون جريمة موضوعها: استيلاء شخص أو تبديده بسوء قصد أو بغير وجه حق لمال كان أميناً أو واضع يد عليه (٥) .

стр. 462

وقد تضافرت النصوص الربانية والأحاديث النبوية على تحريمها والتحذير منها, وتكرر لفظ الخيانة ومشتقاتها في القرآن الكريم أكثر من ثلاثين موضعاً (١) , منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) . وجاء في الحديث النبوي: (أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) (٣) أي لا تقابل خيانة من خان بخيانة مثلها, فالخيانة لا تباح فيها العقوبة بالمثل, وإنما جعلت عقوبة خائن الأمانة في الدنيا التعزير والضمان. والخيانة شر كلها لما فيها من مخالفة الحق وخيانة الخلق والضرر بهم, والخائن لا تقبل شهادته ولا تصح روايته, وقد قضى النبي ﵌ بذلك حيث يقول: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة) (٤) أي لا تقبل, وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن النبي ﵌ رد شهادة الخائن والخائنة) (٥) . والخيانة شؤم في الدنيا عذاب في الآخرة, ففي الحديث أن النبي ﵌ قال: (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ:) ذكر منهم: (وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ) (٦) . والخيانة صفة المنافقين والمشركين والكفار والجاحدين من لا يحبهم الله رب العالمين, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (٧) , وفي سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (٨) . الخيانة أسوأ ما يبطنه الإنسان الخيانة مبغوضة عند الله في جميع صورها ومظاهرها, فلا وسيلة لحفظ الإيمان إلا بتجنبها واتقاء ضررها والمسارعة إلى التوبة منها والبعد عنها, فالخيانة أسوء ما يبطنه الإنسان, وقد كان الرسول ﵌ يستعيذ منها فقد جاء في الأدعية المأثورة: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة) (٩) . قال الأعور الشمي:

стр. 463

لا تأمنن امرءاً خان امرءاً أبداً ... إنّ من الناسِ ذا وجهين خوانا (١) ولله در القائل: ألا رب من تغتشه لك ناصحٌ ... ومؤتمن بالغيب غير أمين (٢) فمن حنث في أيمانه اخل بأمانته وإيمانه, وتمادى في غروره وعنفوانه؛ ومن نكث فإنما ينكث على نفسه, وما يخون الأمانة لبيب, ولا يفرط فيها حبيب, قال صالح بن عبد القدوس: لا أَخونُ الخَليلَ في السِرِّ حَتّى ... يَنقُل البَحر في الغَرابيل نَقلا اِو تُمورُ الجِبالِ مور سَحاب ... مُثقِلاتِ وَعت من الماءِ حَملا (٣) أما جميل العذري فهو يقول: لَحا اللَهُ مَن لا يَنفَعُ الوَعدُ عِندَهُ ... وَمَن حَبلَهُ إِن مُدَّ غَيرُ مَتينِ وَمَن هُوَ ذو وَجهَينِ لَيسَ بِدائِمٍ ... عَلى العَهدِ حَلافٌ بِكُلِّ يَمينِ (٤)

стр. 464

الفصل الحادي والعشرون الحِلم

стр. 465

الحِلم الحِلمُ: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب, ويشتمل على الصبر والاناءه والرفق والسكون مع القدرة والقوة. وفي المصباح: حلم حلما: صفح وستر, وهو صفة من صفة الله الحليم. وفي الذكر الحكيم ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) ﴾ من سورة البقرة, وفي سورة ال عمران يقول الحليم المنان ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) ﴾ , والحلم من الخلال الحميدة, والصفات الرشيدة, وهو حلية المتقين، وسمة أولي العزم من النبيئين والمرسلين، ولارتفاع قدر الحلم فان الله جل وعلا تسمى به وسمى خليله إبراهيم ﵇ ووصفه به فقال جل شأنه ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (١) . وبشر الحق إبراهيم ﵇ بغلام يتصف بالحلم فقال سبحانه ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (٢) . فالحليم من الناس عظيم الشأن، رفيع المكان، محمود السيرة، رضي الفعل، والحليم ما أغناك جده، وألهاك هزله، والحليم من يستلهم في كل أمر خاتمته، ويتدبر من كل شي عاقبته والحليم من يتمعن النظر في السؤال ويتحلم عن الجهال، واللئيم يسرع إلى السؤال ويعرض عن النوال وقديم

стр. 466

قيل: (الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة وعدم القدرة، والجواد من لم يكن جوده لدفع الأعداء، وطلب الجزاء، والصموت من لم يكن صمته لكلّة لسانه وقلة بيانه, والمنصف من لم يكن إنصافه لضعف يده، وقوة خصمه) (١) . من غرس شجرة الحلم اقتنى ثمرة السلم، ومن صحة ديانته تمت مروءته، لان الديانة تصد عن المحارم، وقديم قيل: (أربعة تترقى إلى أربعة: العاقل إلى الرئاسة، والرائي إلى السياسة، والعِلم إلى التصدير، والحِلم إلى التوقير) ، وإنما يعرف الحليم باحتماله، والحليم من يتحلم عن سهو الذنوب، ويترك البحث عن مستور العيوب والحِلم: الأناءة وضبط النفس, وفي مفردات الراغب: الحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٢) . وفي لسان العرب والقاموس: الحِلْمُ بالكسر الأَناةُ والعقل وجمعه أَحْلام وحُلُومٌ (٣) , وفي التنزيل العزيز (أمْ تَأْمُرُهُم أَحْلامُهم) بهذا قال جرير: هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقوامٍ فَتُنْذِرَهُم ... ما جَرَّبَ الناسُ من عَضِّي وتَضْرِيسي؟ وقال أبو حاتم: الحلم: (اسم يقع على زم النفس عن الخروج عند الورد عليها ضد ما تحب إلى ما نهي عنه وقال. الحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثبت، ولم يقرن شي إلى شي أحسن من عفو إلى مقدره (٤) , والحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام، والحلم خلق حميد فتحل به يحبك الله ويحبك الناس, وفي الحديث النبوي أن الرسول ﵌ قال للأشج حين قدم عليه في وفد عبد القيس: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ) (٥) ، وفي رواية: (الْحِلْمَ وَالتُّؤَدَةَ) (٦) ، قال الشاعر: وما الحلم إلا ردك الغيض في الحشا ... وصفحك بالمعروف والصدر واغر (٧) وقال أخر: وليس يتم الحلم للمرء راضياً ... إذا هو عند السخط لم يتحلم كما لا يتم الجود للمرء موسراً ... إذا هو عند العسر لم يتجشم (٨) أما الأحنف بن قيس فهو يرى أن الحليم يكظم غيظه ويضحك عند سماع الأذى وفؤاده يتقد من حر ما يجد حذراً في الأمر وذلك مستفاد من قوله: ولربما ضحك الحليم من الأذى ... وفؤاده من حره يتأوْه ولربما شكل الحليم لسانه ... حذر الجواب وانه لمفوهُ (٩) أما صلاح الدين الصفدي فهو يرشد إلى ضرورة استشعار الحلم في كل الأمور وعدم التسرع وذلك حيث يقول: واستشعر الحلم في كل الأمور ولا ... تسرع ببادرة يوماً إلى رجل وان بليت بشخص لا خلاق له ... فكن كأنك لم تسمع ولم يقل

стр. 467

ولله در بشار حيث يقول: قُل ما بَدا لَكَ مِن زورٍ وَمِن كَذِبٍ ... حِلمي أَصَمُّ وَأُذني غَيرُ صَمّاءِ (١) قال الاكثم بن صيفي ﵀ دعامة العقل الحلم, وجماع الامر الصبر وقال على بن ابي طالب ﵁: حلمك على السفيه يكثر انصارك عليه. وقال الاحنف بن قيس: أفة الحلم الذل. قال الشاعر: وَلا خَيرَ فِي جَهلٍ إِذَا لَم يَكُن لَهُ ... حَلِيمٌ إِذَا ما أَورَدَ الأَمرَ أَصدَرا وَلا خيرَ فِي حِلمٍ إِذَا لَم تَكُن لَهُ ... بَوَادِرُ تَحمي صَفوَهُ أَن يُكَدَّرا فَفِي الحِلمِ خَيرٌ مِن أُمورٍ كَثيرةٍ ... وفِي الجَهلِ أَحياناً إِذا ما تَعَذَّرا (٢) الحلم حلية العلم الحلم حلية العلم وعلة السلم، والسلم علة السلامة وسبب الاستقامة، والحليم لا يجاري السفيه ولا يماريه, قال عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم. قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: وَذي سَفهٍ يُخاطِبُني بِجَهلٍ ... فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا يَزيدُ سَفاهَةً وَأَزيدُ حُلماً ... كَعودٍ زادَ بِالإِحراقِ طِيبا

стр. 468

الحليم حاذق لبيب الحليم حاذق يحترس من نفسه كما يحترس من غيره ويصون نفسه عن الدناءة والوقوع في المعاصي فهو كما قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: وَمُحتَرِسٍ مِن نَفسِهِ خَوف ذِلَّةٍ ... تَكونُ عَلَيهِ حُجَّةً هِيَ ما هِيَا فَقَلَّصَ بردَيهِ وَأَفضى بِقلبِهِ ... إِلى البِرِّ وَالتَقوى فَنالَ الأَمانيا وَجانِبَ أَسبابَ السَفاهَةِ وَالخَنا ... عَفافاً وَتَنزيهاً فَأَصبِح عاليا وَصانَ عِن الفَحشاءِ نَفساً كَريمَةً ... أَبَت هِمَّةً إِلا العُلى وَالمَعالِيَا تَراهُ إِذا ما طاشَ ذو الجَهلِ وَالصِبى ... حَليماً وَقوراً صائِنَ النَفسِ هاديا لَهُ حِلمُ كَهلٍ في صَرامَةِ حازِمٍ ... وَفي العَينِ إِن أَبصَرَت أَبصَرَت ساهيا يَروقُ صَفاءَ الماءِ مِنهُ بِوَجهِهِ ... فَأَصبَحَ مِنهُ الماءُ في الوَجهِ صافيا وَمِن فَضلِهِ يَرعى ذِماماً لِجارِهِ ... وَيَحفَظُ مِنهُ العَهدَ إِذ ظَلَّ راعيا صَبوراً عَلى صَرفِ اللَيالي وَرُزئِها ... كَتوماً لأَسرارِ الضَميرِ مُداريا لَهُ هِمَّةٌ تَعلو عَلى كُلِّ هِمَّةٍ ... كَما قَد عَلا البَدر النُجوم الدَراريا الحلم ثبات ورفعة الحلم ثبات ورفعة فمن أراد أن يسود في قومه ويوقر في أهله فليكن حليما. قال أبو حاتم ﵁: العاقل يلزم الحلم عن الناس كافه، فان صعب ذلك عليه فليتحالم، وأول الحلم: المعرفة ثم التثبت، ثم العزم، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضى، ثم الصمت والغضاء، وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء فأما من

стр. 469

أحسن إلى المحسن، وحلم عمن لم يؤذه فليس ذلك بحلم ولا إحسان (١) ، قال شاعر: إذا أنا كافيت الجهول بفعله ... فهل أنا إلا مثله إذ أحاوره؟ ولكن إذا ما طاش بالجهل طائش ... علي فاني بالتحلم قاهره وقال أخر: إذا المرء لم يصرف عذاباً من الأذى ... حياء، ولم يغفر لأخرق مذنب فلم يصطنع إلا قليلاً صديقه ... ومن يدفع العوراء بالحلم يغلب قال الأمام علي ﵁: ليس الخير ان يكثر مالك وولدك, ولكن الخير ان يكثر علمك ويعظم حلمك, والا تباهي الناس بعبادة الله وحده, اذا احسنت حمدت الله تعالى واذا اسأت استغفرت الله تعالى. وقال الحسن ﵁: اطلبوا العلم وزينوه بالوقالوقار والحلم. وقال أبو العتاهية: أَلَم تَرَ أَنَّ الحِلمَ لِلجَهلِ قاطِعٌ ... وَأَنَّ لِسانَ الرُشدِ لِلغَيِّ مُسِكتُ وله أيضاً: ذو الحِلمِ في جَنَّةٍ تَرُدُّ سِها ... مَ الجَهلِ عَنهُ إِن جاهِلٌ جَهِلا وقد روي عن أبي الدرداء ﵁ قال: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتوخ الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) (٢) ، فمن أراد أن يسود قومه تحلى بالحلم قال الشاعر.

стр. 470

الم تر أن الحلم زين مسوّد ... لصاحبه والجهل للمرء شائن لصاحبه فكن دافناً للشر بالخير تسترح ... من الهم إن الخير للشر دافن ولأبي العتاهية: ما أَزيَنَ الحِلمَ لأَربابِهِ ... وَغايَةُ الحِلمِ تَمامُ التُقى وله أيضاً: وَقارُ الحِلمِ يَقرَعُ كُلَّ جَهلٍ ... وَعَزمُ الصَبرِ يَنهَضُ بِالجَليلِ ويقول ابن شيخان السالمي: ومن ترقى بمرقى الحلم ما عرضت ... في قصده حاجة إلا وحصَّلَها الحليم ذو عزة الحلم حلية رفيعة يحسن أن يتحلى به الملوك والعبد المملوك, فقد وورد في حدث أبي سعيد أن النبي ﵌ قال: (لا حَلِيمَ إِلاَّ ذُو عِزَّةٍ وَلا حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ) (١) . وفي رواية: (لا حَلِيمَ إِلاَّ ذُو عَثْرَةٍ وَلا حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ) (٢) , أي انه لا يحصل له الحلم ويوصف به حتى يركب وتنخرق عليه ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطاء ويتجنبها, وقال أبو حاتم: العرب تضيف الاسم إلى الشيء للقرب إلى التمام وتنفي الاسم عن الشيء للنقص من الكمال، فلما كان الغالب

стр. 471

على المرء إلا يكون حليماً حتى يكون ذا عثرة نفى النبي ﵌ اسم الحليم عمن لم يكن بذي عثرة، لنقصه عن الكمال (١) . والحليم شأنه رفيع لا يهين نفسه ولا يسيء إلى أهله, والعاقل لا يفارق الحلم ما وجد لاستعماله سبيلا, والحلم لا يكون إلا عن قدره. قال الشاعر: كُلُّ حِلمٍ أَتى بِغَيرِ اِقتِدارٍ ... حُجَّةٌ لاجِئٌ إِلَيها اللِئامُ (٢) وقال سالم ابن واضبه: ان من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم (٣) وقال المتنبي: إِذا قيلَ رِفقاً قالَ لِلحِلمِ مَوضِعٌ ... وَحِلمُ الفَتى في غَيرِ مَوضِعِهِ جَهلُ ويقول ابن زيدون (٤) : حَليمٌ تَلافى الجاهِلينَ أَناتُهُ ... إِذِ الحِلمُ عَن بَعضِ الذُنوبِ عِقابُ أما صالح ابن جناح فهو يقول: لَئِن كُنتُ مُحتاجاً إِلى الحِلمِ إِنَّني ... إِلى الجَهلِ في بَعضِ الأَحايِينِ أَحوَجُ

стр. 472

وَلي فَرَسٌ لِلحِلمِ بِالحِلمِ مُلجَمٌ..... وَلي فَرَسٌ لِلجَهلِ بِالجَهلِ مُسرَجُ فَمَن شاءَ تَقويمي فَإِنّي مُقَوَّمٌ ... وَمن شاءَ تَعويجي فَإِنّي مُعَوَّجُ وَما كُنتُ أَرضى الجَهلَ خَدناًوَصاحِباً ... وَلَكِنَّني أَرضى بِهِ حينَ أُحرَجُ (١) وله من قصيده أخرى يقول فيها: إذا كنت بين الحلم والجهل مائلا ... وخيرت أنا شئت فالحلم أفضل ولكن إذا أنصفت من ليس منصفا ... ولم ير فضلاً منك فالجهل أفضل (٢) أما الفرزدق فهو يقول: أَحلامُنا تَزِنُ الجِبالَ رَزانَةً ... وَتَخالُنا جِنّاً إِذا ما نَجهَلُ (٣) ويقول ابن مجير الأندلسي: ليت الشبابَ الذي ولت نضارتُهُ ... أعطانِي الحِلمَ فيما كان أعطاني فلم تكن مِنةٌ للشيبِ أحملُها ... ولم يكن من سروري بعضُ أحزاني قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحلم: "إذا نزا بك الشر فابعد -أي فاحلم ولا تسارع إليه-", ومنه قول الآخر: "الحليم مطية الجهول -أي يحتمل جهله ولا يؤاخذه به, يضُرب في وجوب الإغضاء عن الجاهل-", وقولهم: "لا ينتصف حليم من جاهل", وقولهم أيضاً: "أخِّر الشر فإن شئت تعجلته", وقولهم في الحليم: إنه لواقع الطير ولساكن الريح", وقولهم في الحلماء: "كأنما على رؤسهم الطير", ومنه قولهم: "إنما أسمع فأذر", وقولهم: "حلمي أصم وأذني غير صماء -يضرب به الحليم للجهول أي أعرض عن الخنا بحلمي وإن سمعته بأذني-". (٤) قصة للرشيد اختار الرشيد رجلا صالحا يوليه القضاء. فجاء اليه الرجل وقال: يا أمير المؤمنين , إني لا احسن القضاء ولست بفقيه. قال له الرشيد: إنما فيك ثلاث خلال: لك الشرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءه, وفيك الحلم والحلم يمنع صاحبه من العجلة, ومن لم يعجل قل خطأه, وانت تشاور في امرك ومن شاور كثر صوابه. واما الفقه فنحضر لك من تتفقه على يديه, وولاه الرشيد القضاء فما وجد فيه مطعنة (٥) . ولله در أبي العتاهية حيث يقول: فَيا رَبِّ هَب لي مِنكَ حِلماً فَإِنَّني ... أَرى الحِلمَ لَم يَندَم عَلَيهِ حَليمُ وَيا رَبِّ هَب لي مِنكَ عَزماً عَلى التُقى ... أُقيمُ بِهِ ما عِشتُ حَيثُ أُقيمُ أَلا إِنَّ تَقوى اللَهِ أَكرَمُ نِسبَةٍ ... تَسامى بِها عِندَ الفَخارِ كَريمُ إِذا ما اجتَنَبتَ الناسَ إِلا عَلى التُقى ... خَرَجتَ مِنَ الدُنيا وَأَنتَ سَليمُ الحليم اسم من أسماء الله تعالى الحليم اسم من أسماء الله الحسنى فقد ورد في الحديث النبوي: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (٦) ، وقد عُد منها

стр. 473

(الحليم) في رواية الترمذي, ونقل أبو حاتم عن ضمرة قال: الحلم ارفع من العقل لان الله تبارك وتعلى تسمى به (١) . وقال الاقليشي أن اتصاف الله سبحانه بمعنى الحلم يعني البراءة عن الطيش, فمعلوم بالبرهان المودي إلى معرفة كمال الله تعالى، أما اتصافه بالحلم بمعنى تأخير العقوبة أو رفعها، فاحدهما: معلوم بالمشاهدة والثاني بالموارد النقلية وإجماع أهل الملة الحنيفة. وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم:هو ذو الصفح والأناءة الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحليم، إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقيل في معنى الحليم: أنه الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة والباطنة مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم. ويستعتبهم كي يتوبوا ويمهلهم كي ينوبوا. (٢) قال الحليمي: في معنى الحليم: انه الذي لا يحبس إنعامة وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه كما يبقي البر التقي، وقد يقيه الآفات والبلايا، وهو غافل لا يذكر فضلا عن أن يدعوه كما يقيه الناسك الذي يسأله (٣) ، وفي الذكر

стр. 474

الحكيم ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١) ، وفي سورة الحج يقول الحق: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٢) . ثمرة معرفة اسم الله الحليم من عرف أن ربه حليم على من عصاه وجب عليه هو أن يحلم على من خالف أمره فذاك به أولى حتى يكون حليماً فينال من هذا الوصف قدراً يكسر سورة غضبه ويرفع الانتقام عمن أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية، وكما تحب أن يحلم عنك مالكك، فاحلم أنت عمن تملك الإساءة إليه، لأنك متعبد بالحلم, والصبر قد يكون داخلاً تحت الحلم، إذ كل حليم صابر وقد وُصف الله بالصبر كما فيٍ حديث أبي موسى عن النبي ﵌ قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ, إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (٣) ، وبناءً على هذا فوصف الله تعلى بالصبر يأتي بمعنى الحلم, ومعنى وصفه بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها فمن عرف هذا الاسم حفظ الود، وأحسن العهد، وأنجز الوعد وستر العيوب التي راءها، ولم يستفزه الخلق بطغيانهم وعصيانهم (٤) ، قال الشاعر: وَفي الحِلمِ وَالإِسلامِ لِلمَرءِ وازِعٌ ... وَفي تَركِ طاعاتِ الفُؤادِ المُتَيَّمِ

стр. 475

بَصائِرُ رُشدٍ لِلفَتى مُستَبينَةٌ.... وَأَخلاقُ صِدقٍ عِلمُها بِالتَعَلُّمِ (١) وقال زهير بن أبي سلمى: وَفي الحِلمِ إِدهانٌ وَفي العَفوِ دُربَةٌ ... وَفي الصِدقِ مَنجاةٌ مِنَ الشَرِّ فَاِصدُقِ (٢) وفي محكم التنزيل: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) . دعاء الله باسمه الحليم نسألك اللهم يا حليم يا عظيم يا من تعاليت عن الشبه والنظير، أن ترزقنا من الحلم ما تزين به أخلاقنا وترضى به عنا في أقوالنا وأفعالنا وأعمالنا، إنك حليم رحيم كريم وصلى الله على محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. ويرحم الله أبا مسلم العماني حيث يقول: أتيت ذنوباً يا غفور فكن لها ... وقد تبت منها يا حليم مبدلا وله أيضاً: الله بسم الله عبدك مسرف ... وعظيم حلمك يا حليم هو الأمل ومن قصيدة أخرى له: سيدي يا غفور قد تبت فاغفر ... وتجاوز عن قبح سوءة فعلي سيدي يا حليم عادتك الحلـ ... ـم ومن عادتي اقترافي وبطلي أما عبد الرحيم البرعي فهو يقول:

стр. 476

كَريم منعم برّ لَطيف ... جَميل الستر للداعي مجيب حَليم لا يعاجل بالخَطايا ... رَحيم غيم رحمته يصوب

стр. 477

الفصل الثاني والعشرون الرفق

стр. 478

الرفق الرفق: لين الجانب بالقول والفعل والاخذ بالاسهل مالم يكن مكروها او حراما, وهو خلاف العنف وسبب كل خير, والرفق من سمات المؤمن التي زين الأسلام بها حياته. والرفق من الخلال الجميلة، والصفات الحميدة، والفضائل الجليلة، فمن استعمل الرفق في أموره غنم، ومن ركب العنف ندم، ومن اقتحم اللجة اتلف المهجة، ومن أعجبته آراؤه غلبته أعداءه، ومن اقتحم الأمور لقي المحذور، ومن جعل الرفق دليله كان الإحسان رفيقه، والأناه نصيبه، وتجنب في أموره العجل، ولم يقع في مستنقع الزلل، والرفق مفتاح الرزق، صنيعه يصل إلى القلوب، ويرضى عن صاحبه علام الغيوب، وصاحب الرفق أليف محبوب، فمن جعل الرفق حليته حسنت سيرته، وتالّف الأضداد، ووصل إلى المراد، ومن جانب الرفق جانب السلامة، ووقع فيما يوجب الندامة والملامة، وعجل في أموره، وزال سروره، فالعجول مخطئ وان ملك، والمتأني مصيب وان هلك، فمن أعطي الرفق فقد أعطي حظه من الخير، وأحبه الله والناس، وفي الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال (مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ) (١) ، قال الذهبي ﵀: وعن نصر بن على قال دخلت على المتوكل، فإذا هو يمدح الرفق فأكثر، فقلت يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:

стр. 479

لم أرَ مثل الرفق في لينه ... اخرج للعذراء من خدرها من يستعن بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من جُحرها (١) وفي الأمثال السائرة: من لانت كلمته وجبت محبته وقيل: الكلمة الينة تخرج الحية من جحرها, والأناة نجاة قال الشاعر: والرِفقُ يُمنٌ وَالأَناةُ سَعادَةٌ ... فَتَأَنَّ في أَمرٍ تُلاقِ نَجاحا (٢) أما سابق البربري فهو يقول: إِذا زَجَرتَ لَجُوجا زِدتَه عُلَقا ... ولجَّتِ النَّفسُ منهُ في تَمَادِيها فَعُد عليه إذا ما نَفسُه جَمَحت ... باللينِ مِنكَ فإنَّ اللِّينَ يَثنيِها الرفق يحبه الله الرفق يحبه الله فكن رفيقاً بالناس تغنم وتسلم، وتظفر بما تحلم، وتبتعد عن الذم، وتتألف القلوب، وتكون عند الله وعند الناس محبوبا. قال أبو حاتم ﵁: الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها، إذ الله تعالى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن منع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شي من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارفة الرفق ومفارقة العجلة (٣) .

стр. 480

وما ذكره أبو حاتم صحيح خليق الأخذ به، ففي الحديث النبوي أن النبي ﵌ قال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) (١) . فمن تحلى بالرفق أقال العثرات، وأغضى عن الهفوات وفي الهدي النبوي أن النبي ﵌ قال: (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ) (٢) أي أهل المروءة والصلاح, والعثرات هي الزلات. فالمحظوظ من أخذ بالمنهاج السوي وتبع الهدي النبوي، واجتنب التعالي والخرق، ولم يظلم من الناس احداً، وابتعد عن التعالي والخرق، ففي الحديث النبوي الشريف: (لا يكون الخرق في شي إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق) (٣) ، وفي صحيح مسلم: (إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ) (٤) ، والعاقل يحب ما يحبه الله، ولا يرضى لنفسه إلا بما يرضى به الله، والرفق يمن، والعنف زلل وفشل. قال الشاعر: الرفق يمن سيلقى اليمن صاحبه ... والخرق منه يكون العنف والزلل والحزم أن يتأنى المرء فرصته ... والكف عنها إذا ما أمكنت فشل والبر لله خير الأمر عاقبة ... والله للبر عون ماله مثل

стр. 481

خير البرية قول خيرهم عملا.....لا يصلح القول حتى يصلح العمل (١) وروي انه كتب عمر ﵁ إلى معاوية يعاتبه في التأني: أما بعد فان التفهم في الخير زيادة ورشد، وانه من لا ينفعه الرفق يضره الخرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعاني- أو قال: المعالي-, ولا يبلغ الرجل مبلغ الري حتى يغلب حلمه جهله وتصبره شهوته، ولا يدرك ذلك إلا بالقوة والحلم (٢) ، وفي الحديث: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ) (٣) ، قال الشاعر: بني إذا مسك الضر فاتئد ... فالرفق أولى بالأريب وأحرز فلا تحمين عند الأمور تعززاً ... فقد يورث الذل الطويل التعزز (٤) التزام الرفق ومباينة العنف قال أبو حاتم ﵁: العاقل يلزم الرفق في الأوقات، والاعتدال في الحالات، لان الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان في ما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل امهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، والرفق أوثق من العقل، ومن الرفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز ترجى السلامة، وفي ترك الرفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة (٥) .

стр. 482

ومن صحب العنف في أعماله تضعضعت أحواله، وانتقضت عليه رجاله، وأدبر بعد الإقبال، ووقع في البوار والوبال، قال الشاعر: إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... تصعب حتى لا ترى فيه مرتقى وان الذي يصطاده الفخ أن أتى ... على الفخ كان الفخ اعتى واضيقا وفي الذكر الحكيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) . قصة لعمر بن الخطاب ﵁: خرج عمر بن الخطاب من المدينة قاصدا بيت المقدس ومعه راحلة وغلام, فلما صار في ظاهر المدينة قال لغلامه: نحن اثنان والراحلة واحدة, فإن ركبت انا ومشيت انت ظلمتك, وان ركبت انت ومشيت انا ظلمتني, وإن ركبنا الاثنان, قصمنا ظهرها فالنقسم الطريق مثالثة, واخذ عمر ﵁ يركب مرحلة, ويقود مرحلة, وتمشي الراحلة امامهما. الرفيق من الأسماء الحسنى عد بعض العلماء الرفيق في أسماء الله الحسنى، ولم يرد في القران اسماً ولا فعلاً, ولكن ورد في صحيح مسلم: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ) ، أي متصف بصفة الرفق.

стр. 483

رفيق فعيل بمعنى فاعل. وقال المازري: رفيق: صفة فعل، وهي ما يخلقه الله من الرفق بعباده، وقال النووي: فيه تصريح بتسميته ووصفه برفيق، وفيه فضل الرفق, والحث على التخلق به، وذم العنف (١) . وفي النهاية: الرفق لين الجانب وهو خلاف العنف (٢) ، وهو سبب كل خير، والرفيق أيضا ضد الأخرق وهو مشترك، وقيل أصل الرفق الاحتيال لإصلاح الأمور وإتمامها، والله تعالى عن ذلك ما يليق بجلاله سبحانه فهو الرفيق أي: الكثير الرفق، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق وهو الإعطاء إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير مُحِلها والمعطي لها، وقد يجيء الرفق بمعنى التمهل في الأمور والتأني فيها (٣) . فالله تعالى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئاً فشيئا بحسب حكمته ورفقه، مع انه قادر على خلقها دفعة واحده (٤) ، وقال الخطابي قوله: إن لله رفيق معناه ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الفوت، فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس يعجل فيها (٥) .

стр. 484

ثمرة معرفة اسمه تعالى الرفيق إذا عرف الإنسان أن الله جل وعلى رفيق يحب الرفق ويثيب عليه ما لا يثيب على غيره، ويسهل من المطالب ما لا يتأتى لغيره تحلى بالرفق في أقواله وأفعاله، فكان لين الجناب بالقول والفعل واخذ بالأسهل والأيسر من الأمور، فمن تدبر المخلوقات كلها وعرف أن الله خلقها شيئاً فشيئاً بحسب حكمته ورفقه مع قدرته على خلقها دفعة واحدة، وجب عليه أن يكون رفيقاً في أقواله وأفعاله وترك العجلة في أموره وجميع أحواله لأن العجلة من الشيطان، فمن تعجّل في أموره وأحواله قل ما تفارقه الخيبة والخسران، ومن تدبر الشرائع كيف أتى بها الله شيئاً بعد شيء شهد من ذلك العجب العجيب. فالمتأني الذي يأتي الأمور بسكينه ووقار إتباعاً لسنن الله في الكون وإتّباعاً لهدي نبيه محمد ﵌ سيجد أن بهديه وطريقه تتيسر له الأمور، وبالأخص الذي يحتاج إلى أمر الناس ونهيهم وإرشادهم فانه مضطر إلى الرفق واللين (١) ، وفي الذكر الحكيم ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢) . ومن أذاه الخلق بالأقوال البشعة وصان لسانه عن مشاتمتهم، ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الرحمة والطمأنينة والرزانة والحلم (٣) ، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ

стр. 485

حَمِيمٌ﴾ (١) ، فالمؤمن رفيق في أخلاقه، رفيق في أعماله وتعامله، رفيق مع أهله وإخوانه، رفيق في رعيته، رفيق في شجاعته وسياسته، رفيق في وصيته وجميع أحواله، ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول: الرِفقُ يَبلُغُ ما لا يَبلُغُ الخَرَقُ ... وَقَلَّ في الناسِ مَن يَصفو لَهُ خُلُقُ وفي الأمثال السائرة: "الرفق يمن والخرق شؤم"، قال الميداني: اليمن: البركة، والرفق الاسم من رفق به يرفق، وهو ضد العنف، والذي في المثل من قولهم (رفق الرجل فهو رفيق) وهو ضد الخُرق من الأخرق، والمثل يضرب في الأمر بالرفق والنهي عن سوء التدبير (٢) ، لان الرفق مطلوب في كل الأحوال حتى عند النصر والظفر. قال شوقي: إن تكن ظافراً فكُنْه برفقِ ... فشجاعٌ بغيرِ رفقٍ جبانُ إن عندي لكل شيءٍ تماما ... وتمامُ الشجاعةِ الإِحسانُ ويرى المتنبي أن الرفق بالجاني عتاب فيقول: تَرَفَّق أَيُّها المَولى عَلَيهِم ... فَإِنَّ الرِفقَ بِالجاني عِتابُ أما ابن زريق البغدادي (٣) فهو يرى أن الرفق خير من التأنيب والعذل فيقول: لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ ... قَد قلت حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ جاوَزتِ فِي لَومهُ حَداً أَضَرَّبِهِ ... مِن حَيثَ قَدّرتِ أَنَّ اللَومَ يَنفَعُهُ فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً ... مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ ُموجعُهُ ويرى ابن الهباريه (٤) لزوم الرفق بالرعية وذلك في أرجوزته التي يقول فيها: حفظ الحُقوق الضائِعه ... وَضع الندى مواضعه إِزالة المناكر ... خطابة المنابر الرفق بِالرعايا ... إِزالة الشكايا ويقول أيضا: الرفق بالرعيه ... مِن كَرَم السجيه ويرشد ابن الهباريه إلى سلوك سبيل الرفق والتاني فيقول: فَكُن كَثير الحفظ وَالتوقى ... وَسالِكاً فيهِ سَبيل الرفق ويقول: نعم الرَّفيق الرفق ... بئس القرين الخرق أما بن معصوم فهو يرى أن من لوازم وشروط الصداقة والصحبة الرفق والمحبة فيقول:

стр. 486

صَداقَةُ الإخوانِ ... الخلَّصِ الأَعوانِ لها شُروطٌ عِدَّة ... على الرَخا والشِدَّه الرِفقُ والتلطُّفُ ... والودُّ والتعطُّفُ ويرحم الله أبا الفتح البستي حيث يقول: ورافِقِ الرَّفْقَ في كُلَّ الأمورِ فلَمْ ... يندّمْ رَفيقٌ ولم يذمُمْهُ إنسانُ دعاء الله باسمه الرفيق اللهم يا رفيق يا قدير يا علي يا كبير يا من هو على كل شيء قدير نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن ترزقنا والمؤمنين الرفق وحسن التدبير في كل قول وعمل انك على كل شيء قدير، وان تجنبنا الخرق والحمق وسوء الأخلاق، وان تحبب إلينا الإيمان، وترزقنا التسامح والتعاون مع جميع المؤمنين، والرفق بالآباء والاخوان والخلق أجمعين، وان تجعل ذلك كله محل رضوانك يا رفيقاً بالخلق أجمعين وصلى الله على محمد النبي الأمين وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 487

الفصل الثالث والعشرون الصبر

стр. 488

الصبر الصبر: مشتق من صبر اذا حبس ومنع, وهو حبس النفس عن الجزع وحملها على مايقتضيه الشرع والعقل, وحبس اللسان عن التشكي والتسخظ, والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها. وانواع الصبر ثلاثة: صبر على ماامر الله به, وصبر عما نها الله عنه, وصبر على ماقدره الله من المصائب, وفي الذكر الحكيم ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١) , وفي سورة الزمر يقول الحق جل وعلى ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) والصبر من الفضائل الخُلقية الذي تعود الإنسان السكينة والاطمئنان، وتكون بلسماً لجراحه، ودواءً لمرضه وبلائه، فالصابر يتلقى المكاره بالقبول فيحبس نفسه عن السخط فيتحلى بالسكينة والوقار، والصبر سبب لحصول الضياء في القلب، والهدوء في الطبع، لأن الصابر يعلم أن حبس النفس في الطاعة، وحبسها عن المعصية شجاعة، فالصابر يرى في الشدة حكمه فعليه أن يتلقاها بالرضا ليظفر بالثواب والأجر، والجاهل يضجر ويحزن ويكتئب، ولولا الصبر لانهار الإنسان من البلاء الذي ينزل عليه، ولأصبح عاجزاً عن السير في ركب الحياة على النحو الذي يحبه الله، وقد عني القران بالصبر ومدحه، ورفع قدره وأعلى منزلته، وأثنى على المتحلين به ثناء لا مزيد عليه، وذكره في القران نحو سبعين مرة مما يدل على عظم أمره وعلو شأنه، فهو أساس لكثير من الفضائل بل هو أمها، لأنه يربي ملكات الخير في النفس. وقد قال بعض العلماء: "الشجاعة هي الصبر على مكاره الجهاد، والعفاف هو الصبر على الشهوات، والحلم هو الصبر على المثيرات، والكتمان هو الصبر على إذاعة الأسرار". (٣) والصابرون مؤيدون بمعونة الله، وصاحب الصبر مهتدٍ مستضيء بنور الله, وفي الحديث النبوي الشريف: (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) (٤) ، والصبر خير كله، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يتحمل المكاره والمصائب يعنه الله ويساعده، وفي الحديث النبوي أن رسول ﵌ قال: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) (٥) ، وما رزق الله أحداً خيراً من الصبر، والصابر يحبه الله ويكرمه ويثيبه ويقدمه، كما قال جل شأنه ﴿وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٦) ، والصبر عزيمة ورشد، وثبات ونجاح، وفي الذكر الحكيم ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٧) ، وقال علي بن أبي طاب ﵁: (عليكم بالصبر، فانه

стр. 489

لا إيمان لمن لا صبر له) ، وقد قيل الكمال في ثلاث الثبات في الدين، وإصلاح المال، والصبر على النوائب. الصبر مفتاح النجاح الصبر مفتاح النجاح، وسبب الفلاح، وقديماً قيل: من علامة حسن النية الصبر على الرزية، ويرحم الله علي بن الجهم حيث يقول: سهِّل على نفسك الأمورا ... وكن على مرها صبورا وان ألمَّت صروف دهر ... فاستعن الواحد القديرا فكم رأينا أخا هموم ... أعقب من بعدها سرورا ورب عسر أتى بيسر ... فصار معسوره يسيرا ويقول الإمام علي بن أبي طالب ﵁: إِصبِر قَليلاً فَبَعدَ العُسرِ تَيسيرُ ... وَكُلُّ أَمرٍ لَهُ وَقتٌ وَتَدبيرُ وَلِلمُهَيمِنِ في حالاتِنا نَظَرٌ ... وَفَوقَ تَقديرِنا لِلّهِ تَقديرُ وإذا كان المؤمن يعلم أن الله مصدر كل خير، وهو أولى بعرفان الجميل، وهو الذي يعين على الصبر، ويثيب عليه صبر صبراً جميلا، وليعقوب ﵇ في الصبر الجميل مخاطباً أولاده الذي سولت لهم أنفسهم إلقاء يوسف ﵇ في غيابة الجب ما حكاه الله في التنزيل ﴿وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١) .

стр. 490

وقد أمر الله تعالى رسوله ﵌ أن يصبر، وان يهجر أهل الأذى هجرا جميلا أولئك الذين كانوا يقلون الرسول ﵌، ولا يقابل إساءتهم بمثلها بل يعفو عنهم فقال جل شأنه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (١) . قال الشاعر: صبراً جميلاً على ما ناب من حدث ... والصبر ينفع أحياناً إذا صبروا الصبر أفضل شيء تستعين به ... على الزمان إذا ما مسك الضرر وقد قال الإمام علي ﵁: أَلا فَاصبِر عَلى الحَدَثِ الجَليلِ ... وَداوِ جَواكَ بِالصَبرِ الجَميلِ وَلا تَجزَع وَإِن أُعسِرتَ يَوماً ... فَقَد أَيسَرَت في الزَمَنِ الطَّويلِ وَلا تَيأَس فَإِنَّ اليَأسَ كُفرٌ ... لَعَلَّ اللَهَ يَغني مِن قَليلِ وَلا تَظُننْ بِرَبِّكَ غَيرَ خَيرٍ ... فَإِنَّ اللَهَ أَولى بِالجَميلِ وَإِنَّ العُسرَ يَتبَعُهُ يَسارٌ ... وَقَولُ اللَهِ أَصدَقُ كُلَّ قيلِ فَلَو أَنَّ العُقولَ تَجُرُّ رِزقاً ... لَكانَ الرِزقُ عِندَ ذَوي العُقولِ وَكَم مِن مُؤمِنٍ قَد جاعَ يَوماً ... سَيُروى مِن رَحيقٍ سَلسَبيلِ وفي الأمثال السائرة: "الصبر مفتاح الفرج" (٢) ، وقيل: إن العاقل يتعزى فيما ينزل به من مكروه بأمرين: الأول: بما يبقى له من الأجر، والأخر: رجآء الفرج، والجاهل يجزع فيما ينزل به لأمرين: خوف الشماتة, وضيق الحال، ويخاف التقي لما ينزل به بأمرين: الأول منهما: في مصيبته استكبارُهُ ما أتى به، والأخر: خوف ما هو اشد منه (٣) ، ولهذا فان التقي لا يكون إلا صابرا، وقديم قيل: صبرك عن محام الله أيسر من صبرك على عذاب الله، وفي الأمثال السائرة: صبر ساعة أطول للراحة (٤) ، ويقال لا تلقى العاقل إلا نافياً للهم عن قلبه بأحد أمرين منها: إن كان لما آتى من مكروه مدفعا فاحتال له بعقل، وان لم يكن لما أتاه مدفع كان الحيلة فيه الصبر، وقد نسب إلى بعض الرهبان انه قال: من احتمل المحنه وصبر رضي بتدبير الله وشكر، كشف الله له عن منفعتها حتى يقف على المستور عنه من مصلحتها (٥) ، وقيل للمحن أوقات ولأوقاتها غايات، قال علي بن الجهم: هِيَ النَفسُ ما حَمَّلتَها تَتَحَمَّلُ ... وَلِلدَّهرِ أَيّامٌ تَجورُ وَتَعدِلُ وَعاقِبَةُ الصَبرِ الجَميلِ جَميلَةٌ ... وَأَفضَلُ أَخلاقِ الرِجالِ التَفَضُّلُ وَلا عارَ أَن زالَت عَن الحُرِّ نِعمَةٌ ... وَلكِنَّ عاراً أَن يَزولَ التَجَمُّلُ ويرحم الله عبد الله بن ثابت حيث يقول: الصبر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعة والحر امنع جانباً ... من ذروة الجبل المنيعة (٦) وللإمام علي ﵁:

стр. 491

الصَبرُ مِفتاحُ ما يُرجّى ... وَكُلُّ خَيرٍ بِهِ يَكونُ فَاِصبِر وَإِن طالَتِ اللَيالي ... فَرُبَّما طاوَعَ الحُزُونُ وَرُبما نِيلَ بِاِصطِبارٍ ... ما قيلَ هَيهاتَ ما يَكونُ وله أيضا: لا تَكرَهِ المَكروهَ عِندَ نُزولِهِ ... إِنَّ المَكارِهَ لَم تَزَل مُتَبايِنَه كَم نِعمَةٍ لَم تَستَقِلّ بِشُكرِها ... لِلّهِ في طَيِّ المَكارِهِ كامِنَه أما الفرزدق فهو يقول: الدَهرُ يَومانِ ذا ثَبتٌ وَذا زَلَلُ ... وَالعَيشُ طَعمانِ ذا صابٌ وَذا عَسَلُ كَذا الزَمانُ فَما في نِعمَةٍ بَطَرٌ ... لِلعارِفينَ وَلا في نِقمَةٍ فَشَلُ سَعادَةُ المَرءِ في السَرّاءِ إِن رَجَحَت ... وَالعَدلُ أَن يَتَساوى الهَمُّ وَالجَذَلُ وَما الهُمومُ وَإِن حاذَرتَ ثابِتَةً ... وَلا السُرورُ وَإِن أَمَّلتَ يَتَّصِلُ فَما الأَسى لِهُمومٍ لابَقاءَ لَها ... وَما السُرورُ بِنُعمى سَوفَ تَنتَقِلُ لَكِنَّ في الناسِ مَغروراً بِنِعمَتِهِ ... ما جاءَهُ اليَأسُ حَتّى جاءَهُ الأَجَلُ الصبر يعقبه الفرج بالصبر يرتفع البلاء، وتحل السكينة، ويأتي الفرج، وقد قيل: إنكم لا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، فلا يبلغ المرء ما يؤمل إلا بالصبر على ما يكره، وقد قيل: انتظار الفرج بالصبر عباده، وقال الإمام على بن أبي طالب ﵁: إِنّي أَقولُ لِنَفسي وَهيَ ضَيِّقَةٌ ... وَقَد أَناخَ عَلَيها الدَهرُ بِالعَجَبِ صَبراً عَلى شِدَّةِ الأَيامِ إِنَّ لَها ... عُقبى وَما الصَبرُ إِلاّ عِندَ ذي الحَسَبِ سَيفتَحُ اللَهُ عَن قُربٍ بِنافِعَةٍ ... فيها لِمِثلِكِ راحاتٌ مِن التَعَبِ

стр. 492

ويرحم الله إسماعيل بن صلاح الأمير حيث يقول: لا تضق بالأمر صدرا ... واعتمد صبرا وشكرا إن في القران حرفا ... جاء للمكروه بشرا ان بعد العسر يسرا ... ان بعد العسر يسرا ان يسرا مع يسر ... يطردان العسر قسرا رب يسر كامن قد ... ظنه الإنسان ضرا ان في تدبير أمر العـ ... ـالم الكلي سرا حكمة دقت وجلت ... عند رب العرش قدرا انه لابد يحلو ... ما تجرعناه مرا وإذا الشدة زادت ... وتناهت فهي بشرا (١) وقال أخر: إِنَّ الأُمُورَ إِذا انْسدَّتْ مَسالِكُها ... فالصَّبْرُ يَفْتَحُ منها كُلَّ ما ارْتَتَجَا لا تَيْأَسَنَّ وإِن طالَتْ مُطالَبَةٌ ... إِذا اسْتَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ تَرَى فَرَجا أَخْلِقْ بذِى الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بحاجَتِهِ ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأَبْوابِ أَنْ يَلِجَا (٢) وجاء في شعر جميل صدقي الزهاوي: تمسك بحبل الصبر في كل كربة ... فلا عسر إلا سوف يعقبه يسر أما الخنساء فهي ترى أن الصبر يعقبه السرور فهي تقول: فَإِن تَصبِرِ النَفسُ تُلقَ السُرورَ ... وَإِن تَجزَعِ النَفسُ أَشقى لَها وفي الذكر الحكيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٣) . الصبر والرضا به الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم، ودعامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له. قال أبو حاتم ﵁: يجب على العاقل إذا كان مبتدئاً أن يلزم عند ورود الشدة سلوك الصبر، فإذا تمكن حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا، فليلزم التصبر لأنه أول مراتب الرضا ولو كان الصبر من الرجال لكان كريما، إذ هو بذل الخير وأساس الطاعات، وقيل: أول درجة الاهتمام ثم التيقظ، ثم التثبت، ثم التصبر، ثم الرضا، وهو النهاية في الحالات, وقيل: ما نال عبد شيئاً من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر (٤) ، ولهذا أمر الله عباده المؤمنين بالصبر ووعدهم بعظيم الأجر فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) ، وقال جل

стр. 493

شأنه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١) ، فمن تأزر بالصبر ورضي بما قدره الله استحق الأجر، والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن يخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه. كما ورد ذلك في حديث ابن عباس ووصية النبي ﵌ له: (يَا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ على اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلائِقَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، أَوْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئًا أَرَادَ أَنْ يُصِيبَكَ بِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ) (٢) . الصبر عواقبه محمودة، وما قدَّره الله كائن, فالعاقل يقابل الشدائد والمحن بالرضا والتسليم لينال ثواب الصبر، ويظفر بتدبير الأمر، قال الشاعر: إِذا عَقَدَ القَضاءُ عَلَيكَ أَمراً ... فَلَيسَ يَحُلُّهُ إِلا القَضاءُ (٣) وقال الإمام الشافعي ﵁: دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ... وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ... فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً ... وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا ... وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ ... يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلاً ... فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ... فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ... وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ... وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ ... فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ والصبر من التقوى قال جل شأنه ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) ، فبالصبر على ما تكره تنال ما تحب، وبالصبر عن ما تحب تنجو مما تكره، وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وثمرة الصبر الظفر، وقد حكى الله عن امة صبروا استخلافهم في الأرض وجعلهم أئمة فقال جل شأنه ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٥) ، ونسب إلى الفضل بن سهل أنه قال: إن في العلل نعماً لا ينبغي للعقلاء أن

стр. 494

يجهلوها منها: تمحيص للذنب، وتعرض للثواب -ثواب الصبر-, وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره يعد الخيار (١) . وجاء في شعر أميه بن أبي الصلت: تَجري الأَمور عَلى حُكم القَضاء وَفي ... طيّ الحَوادِث مَحبوبٌ وَمَكروهُ فَرُبّما سَرَّني ما بِتّ أَحذَرهُ ... وَرُبَّما ساءَني ما بتُّ أَرجوهُ (٢) وفي أمثال العرب: "من أراد طول البقاء فليوطن نفسه على المصائب". وقولهم: "المصيبة للصابر واحدة, وللجازع اثنتان". وقال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصبر. وذكروا عن بعض الحكماء أنه أصيب بابن له فبكى حولاً ثم سلا, فقيل له: ما لك لا تبكي؟ قال: كان جرحاً فبرأ. قال أبو خراش الهذلي: بَلى إِنَّها تَعفو الكُلومُ وَإِنَّما ... نُوَكَّلُ بِالأَدنى وَإِن جَلَّ ما يَمضي ومن ذلك قولهم: "لا تلهف على ما فات", وقولهم: "هون عليك ولا تولع بإشفاق" (٣) , وهذا المثل مأخوذ من قول ابن حذاق: هَوِّن عَلَيكَ وَلا تَولَع بِإِشفاق ... فَإِنَّما مالُنا لِلوارِثِ الباقي

стр. 495

فالصبر على المكاره تحمد عواقبه, ولهذا قيل: "عواقب المكاره محمودة", وقيل: "عند الصباح يحمد القوم السرى", وقولهم: "لا تدرك الراحة إلا بتعب", قال ابن عبدربه: أخذ هذا المثل حبيب فقال: على أنني لم أحوِ مالاً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبددِ ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشردِ وأحسن منه قوله: بَصُرتَ بِالراحَةِ الكُبرى فَلَم تَرَها ... تُنالُ إِلّا عَلى جِسرٍ مِنَ التَعَبِ الحر الصابر لا يريق ماء وجهه الصابر لا يريق ماء وجهه ولا يظهر التأفف والتضجر من حكم ربه، فحفظ ماء الوجه يعني عدم الابتذال والإسراف في الطلب، ورحم الله علي بن الجهم حيث يقول: أَقِلّي فَإِنَّ اللَومَ أَشكَلَ واضِحُهْ ... وَكَم مِن نَصيحٍ لا تُمَلُّ نَصائِحُهْ مَتى هانَ حُرٌّ لَم يُرِق ماءَ وَجهِهِ ... وَلَم تُختَبَر يَوماً بِرَدٍّ صَفائِحُهْ سَأَصبِرُ حَتّى يَعلَمَ الصَبرُ أَنَّني ... أَخوهُ الَّذي تُطوى عَلَيهِ جَوانِحُهْ وَأَقبَلُ مَيسورَ الزَمانِ وَإِنَّما ... أَرى العَيشَ مَقصوراً على مَن يُسامِحُهْ فالظفر والنصر والفرج والعز والفلاح تأتي مع الصبر قال الشاعر: صَبِّرِ النَفسَ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّ ... إِنَّ في الصَبرِ حيلَةَ المُحتالِ لا تَضيقَنَّ في الأُمورِ فَقَد تُكـ ... ـشَفُ غَمّاؤُها بِغَيرِ اِحتِيالِ
следующие страницы →