الصَبرُ مِفتاحُ ما يُرجّى ... وَكُلُّ خَيرٍ بِهِ يَكونُ
فَاِصبِر وَإِن طالَتِ اللَيالي ... فَرُبَّما طاوَعَ الحُزُونُ
وَرُبما نِيلَ بِاِصطِبارٍ ... ما قيلَ هَيهاتَ ما يَكونُ
وله أيضا:
لا تَكرَهِ المَكروهَ عِندَ نُزولِهِ ... إِنَّ المَكارِهَ لَم تَزَل مُتَبايِنَه
كَم نِعمَةٍ لَم تَستَقِلّ بِشُكرِها ... لِلّهِ في طَيِّ المَكارِهِ كامِنَه
أما الفرزدق فهو يقول:
الدَهرُ يَومانِ ذا ثَبتٌ وَذا زَلَلُ ... وَالعَيشُ طَعمانِ ذا صابٌ وَذا عَسَلُ
كَذا الزَمانُ فَما في نِعمَةٍ بَطَرٌ ... لِلعارِفينَ وَلا في نِقمَةٍ فَشَلُ
سَعادَةُ المَرءِ في السَرّاءِ إِن رَجَحَت ... وَالعَدلُ أَن يَتَساوى الهَمُّ وَالجَذَلُ
وَما الهُمومُ وَإِن حاذَرتَ ثابِتَةً ... وَلا السُرورُ وَإِن أَمَّلتَ يَتَّصِلُ
فَما الأَسى لِهُمومٍ لابَقاءَ لَها ... وَما السُرورُ بِنُعمى سَوفَ تَنتَقِلُ
لَكِنَّ في الناسِ مَغروراً بِنِعمَتِهِ ... ما جاءَهُ اليَأسُ حَتّى جاءَهُ الأَجَلُ
الصبر يعقبه الفرج
بالصبر يرتفع البلاء، وتحل السكينة، ويأتي الفرج، وقد قيل: إنكم لا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، فلا يبلغ المرء ما يؤمل إلا بالصبر على ما يكره، وقد قيل: انتظار الفرج بالصبر عباده، وقال الإمام على بن أبي طالب ﵁:
إِنّي أَقولُ لِنَفسي وَهيَ ضَيِّقَةٌ ... وَقَد أَناخَ عَلَيها الدَهرُ بِالعَجَبِ
صَبراً عَلى شِدَّةِ الأَيامِ إِنَّ لَها ... عُقبى وَما الصَبرُ إِلاّ عِندَ ذي الحَسَبِ
سَيفتَحُ اللَهُ عَن قُربٍ بِنافِعَةٍ ... فيها لِمِثلِكِ راحاتٌ مِن التَعَبِ
стр. 492
ويرحم الله إسماعيل بن صلاح الأمير حيث يقول:
لا تضق بالأمر صدرا ... واعتمد صبرا وشكرا
إن في القران حرفا ... جاء للمكروه بشرا
ان بعد العسر يسرا ... ان بعد العسر يسرا
ان يسرا مع يسر ... يطردان العسر قسرا
رب يسر كامن قد ... ظنه الإنسان ضرا
ان في تدبير أمر العـ ... ـالم الكلي سرا
حكمة دقت وجلت ... عند رب العرش قدرا
انه لابد يحلو ... ما تجرعناه مرا
وإذا الشدة زادت ... وتناهت فهي بشرا (١)
وقال أخر:
إِنَّ الأُمُورَ إِذا انْسدَّتْ مَسالِكُها ... فالصَّبْرُ يَفْتَحُ منها كُلَّ ما ارْتَتَجَا
لا تَيْأَسَنَّ وإِن طالَتْ مُطالَبَةٌ ... إِذا اسْتَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ تَرَى فَرَجا
أَخْلِقْ بذِى الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بحاجَتِهِ ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأَبْوابِ أَنْ يَلِجَا (٢)
وجاء في شعر جميل صدقي الزهاوي:
تمسك بحبل الصبر في كل كربة ... فلا عسر إلا سوف يعقبه يسر
أما الخنساء فهي ترى أن الصبر يعقبه السرور فهي تقول:
فَإِن تَصبِرِ النَفسُ تُلقَ السُرورَ ... وَإِن تَجزَعِ النَفسُ أَشقى لَها
وفي الذكر الحكيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٣) .
الصبر والرضا به
الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم، ودعامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له.
قال أبو حاتم ﵁: يجب على العاقل إذا كان مبتدئاً أن يلزم عند ورود الشدة سلوك الصبر، فإذا تمكن حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا، فليلزم التصبر لأنه أول مراتب الرضا ولو كان الصبر من الرجال لكان كريما، إذ هو بذل الخير وأساس الطاعات، وقيل: أول درجة الاهتمام ثم التيقظ، ثم التثبت، ثم التصبر، ثم الرضا، وهو النهاية في الحالات, وقيل: ما نال عبد شيئاً من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر (٤) ، ولهذا أمر الله عباده المؤمنين بالصبر ووعدهم بعظيم الأجر فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) ، وقال جل
стр. 493
شأنه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١) ، فمن تأزر بالصبر ورضي بما قدره الله استحق الأجر، والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن يخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه.
كما ورد ذلك في حديث ابن عباس ووصية النبي ﵌ له: (يَا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ على اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلائِقَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، أَوْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئًا أَرَادَ أَنْ يُصِيبَكَ بِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ) (٢) .
الصبر عواقبه محمودة، وما قدَّره الله كائن, فالعاقل يقابل الشدائد والمحن بالرضا والتسليم لينال ثواب الصبر، ويظفر بتدبير الأمر، قال الشاعر:
إِذا عَقَدَ القَضاءُ عَلَيكَ أَمراً ... فَلَيسَ يَحُلُّهُ إِلا القَضاءُ (٣)
وقال الإمام الشافعي ﵁:
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ... وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ... فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً ... وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ
وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا ... وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ
تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ ... يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ
وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلاً ... فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ
وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ... فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ... وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ
وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ... وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ ... فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ
والصبر من التقوى قال جل شأنه ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) ، فبالصبر على ما تكره تنال ما تحب، وبالصبر عن ما تحب تنجو مما تكره، وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وثمرة الصبر الظفر، وقد حكى الله عن امة صبروا استخلافهم في الأرض وجعلهم أئمة فقال جل شأنه ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٥) ، ونسب إلى الفضل بن سهل أنه قال: إن في العلل نعماً لا ينبغي للعقلاء أن
стр. 494
يجهلوها منها: تمحيص للذنب، وتعرض للثواب -ثواب الصبر-, وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره يعد الخيار (١) . وجاء في شعر أميه بن أبي الصلت:
تَجري الأَمور عَلى حُكم القَضاء وَفي ... طيّ الحَوادِث مَحبوبٌ وَمَكروهُ
فَرُبّما سَرَّني ما بِتّ أَحذَرهُ ... وَرُبَّما ساءَني ما بتُّ أَرجوهُ (٢)
وفي أمثال العرب: "من أراد طول البقاء فليوطن نفسه على المصائب". وقولهم: "المصيبة للصابر واحدة, وللجازع اثنتان".
وقال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصبر. وذكروا عن بعض الحكماء أنه أصيب بابن له فبكى حولاً ثم سلا, فقيل له: ما لك لا تبكي؟ قال: كان جرحاً فبرأ. قال أبو خراش الهذلي:
بَلى إِنَّها تَعفو الكُلومُ وَإِنَّما ... نُوَكَّلُ بِالأَدنى وَإِن جَلَّ ما يَمضي
ومن ذلك قولهم: "لا تلهف على ما فات", وقولهم: "هون عليك ولا تولع بإشفاق" (٣) , وهذا المثل مأخوذ من قول ابن حذاق:
هَوِّن عَلَيكَ وَلا تَولَع بِإِشفاق ... فَإِنَّما مالُنا لِلوارِثِ الباقي
стр. 495
فالصبر على المكاره تحمد عواقبه, ولهذا قيل: "عواقب المكاره محمودة", وقيل: "عند الصباح يحمد القوم السرى", وقولهم: "لا تدرك الراحة إلا بتعب", قال ابن عبدربه: أخذ هذا المثل حبيب فقال:
على أنني لم أحوِ مالاً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبددِ
ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشردِ
وأحسن منه قوله:
بَصُرتَ بِالراحَةِ الكُبرى فَلَم تَرَها ... تُنالُ إِلّا عَلى جِسرٍ مِنَ التَعَبِ
الحر الصابر لا يريق ماء وجهه
الصابر لا يريق ماء وجهه ولا يظهر التأفف والتضجر من حكم ربه، فحفظ ماء الوجه يعني عدم الابتذال والإسراف في الطلب، ورحم الله علي بن الجهم حيث يقول:
أَقِلّي فَإِنَّ اللَومَ أَشكَلَ واضِحُهْ ... وَكَم مِن نَصيحٍ لا تُمَلُّ نَصائِحُهْ
مَتى هانَ حُرٌّ لَم يُرِق ماءَ وَجهِهِ ... وَلَم تُختَبَر يَوماً بِرَدٍّ صَفائِحُهْ
سَأَصبِرُ حَتّى يَعلَمَ الصَبرُ أَنَّني ... أَخوهُ الَّذي تُطوى عَلَيهِ جَوانِحُهْ
وَأَقبَلُ مَيسورَ الزَمانِ وَإِنَّما ... أَرى العَيشَ مَقصوراً على مَن يُسامِحُهْ
فالظفر والنصر والفرج والعز والفلاح تأتي مع الصبر قال الشاعر:
صَبِّرِ النَفسَ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّ ... إِنَّ في الصَبرِ حيلَةَ المُحتالِ
لا تَضيقَنَّ في الأُمورِ فَقَد تُكـ ... ـشَفُ غَمّاؤُها بِغَيرِ اِحتِيالِ
стр. 496
رُبَّما تَجزَعُ النُفوسُ مِنَ الأَمـ.... ـرِ لَهُ فُرجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ (١)
ولبعضهم:
قد يصاب الجبان في أخر الصف ... وينجو مقارع الأبطال
وللإمام الشافعي ﵁:
صُنِ النَفسَ وَاِحمِلها عَلى ما يَزينُها ... تَعِش سالِماً وَالقَولُ فيكَ جَميلُ
وَلا تولِيَنَّ الناسَ إِلّا تَجَمُّلاً ... نَبا بِكَ دَهرٌ أَو جَفاكَ خَليلُ
وَإِن ضاقَ رِزقُ اليَومِ فَاِصبِر إِلى غَدٍ ... عَسى نَكَباتُ الدَهرِ عَنكَ تَزولُ (٢)
ولإبراهيم بن عباس الصولي:
ولربّ نازِلة يَضيق بِها الفَتى ... ذَرعاً وَعند اللَّه مِنها مَخرَج
كَمَلَت فَلَمّا اِستكملَت حَلَقاتُها ... فُرجت وَكانَ يَظُنُّها لا تُفرَج
وقال القاضي شمس الدين احمد بن خلكان في وفيات الأعيان انه ما ردد هذين البيتين من نزلت به نازلة إلا فرج الله عنه، وقد جاء في شعر الحكمة:
وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاء
فان الضغط يحويه وعاء ... ويتركه إذا فرغ الوعاء
وما ملئ الإناء وسد إلا ... ليخرج ما به امتلئ الإناء (٣)
أما الإمام إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي فهو يرى انه بالصبر يبلغ ما يؤمله وذلك حيث يقول:
стр. 497
الصبر يبلغني المأمول والجلد ... والطيش يبعدني عن ذاك والخرد
فالحُر لا يبلغ مأموله إلا بالصبر، ولا يسود قومه إلا بالصبر، ولا يدبر سياسته إلا بالصبر، ولا يتعامل مع جيرانه وإخوانه وأبناء زمانه إلا بالصبر.
قال الإمام علي ابن أبي طالب ﵁:
اصبِر عَلى الدَهرِ لاتَغضَب عَلى أَحَدٍ ... فَلا يرى غَيرَ ما في الدَهرِ مَخطوطُ
وَلا تَقيمَن بِدارٍ لا انتِفاعَ بِها ... فَالأَرضُ واسِعَةٌ وَالرِزقُ مَبسوطُ
أما ابن الوردي فهو يقول:
دارِ جارَ الدارِ إنْ جارَ وإنْ ... لمْ تجدْ صبراً فما أحلى النقلْ
الصبور في الأسماء الحسنى
الصبور من أمثله المبالغة (صبار وصبور) ابلغ من الصابر، والصبور في أسماء الله الحسنى وان لم يرد به التنزيل فقد ورد في الحديث النبوي الشريف (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (١) ، وقد اختلف العلماء في تأويل الصبر على أقوال:
الأول: انه من صفات ذاته سبحانه بمعنى انه حليم.
الثاني: انه من صفات الذات لكن يرجع إلى تأخير العقوبة، والحليم يرجع إلى إسقاطها.
الثالث: انه من صفات الفعل ويرجع إلى تأخير العقوبة.
والظاهر أن الحلم أعم من الصبر، والذي دل عليه نص الحديث هو أن الصبور يرجع إلى الصبر إرادة تأخير العقوبة، ففيه إشارة إلى تأخير العقوبة عن الكبائر في الدنيا، فهو يعافي ويرزق بعد أن سمع أذى الظالمين، وادعاءهم أن لله ولداً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا، فلا احد اصبر من الله وان كان لابد من معاقبة في الآخرة، فالصبر يرجع إلى تأخير العقوبة التي قدر الله لها وقتاً وحد لها أجلاً ممدوداً (٢) . وقال الاقليشي: والصبر في وصف الله تعالى، يحتمل أن يكون وصفاً لذاته سلبياً، ويحتمل أن يكون وصفاً ذاتياً، ويحتمل أن يكون فعلياً.
فأما الصفة السلبية: فلبراءته عن الطيش والعجلة، ولصبره عن دعوى المفترين، ولهذا أشار النبي صلى عليه وآله وسلم إذ قال: (لا احد اصبر من الله) .
وأما الصفة الثابتة: فان روح الصبر وتحقيقه هو الثبات، والله سبحانه هو الثابت الذي لا يحول، والدائم الذي لا يزول، فان قلنا: إن الصبر بمعنى الثبوت صح انه وصف ذاتي.
أما الصفة الفعلية: فهو أن يكون صبور من الصيغ المتعددة كضروب وقطوع من ضرب وقطع، فيكون الله تعالى اتصف بالصبور، لأنه صبر قلوب عباده الصابرين بخلق الصبر فيها، حتى لا تميل إلى دواعي الهوى (٣) .
فمن علم ما وجب لله سبحانه من العزة والجلال والعظمة والكمال والكبرياء والجلال، وعلم اقتداره سبحانه على ما يشاء، علم انه الصبور
стр. 498
على آذية من أذاه وافترى عليه، وعلم أن صبره سبحانه ليس حبس النفس على ما يكره، وعلم انه سبحانه لا يتألم بالإمهال، وكل ما يؤذى به أولياؤه فهو صبور عليه وهذه وجوه لا تصح إلا لله تعالى.
وقد فرق ابن القيم في عدة الصابرين بين صبر الله تعالى وصبر العباد, وبين الصبر وبين الحلم، فقال: وصبر الله تعالى يفارق صبر المخلوق من وجوه متعددة منها: انه عن قدرة تامة، ومنها: انه لا يخاف الغوث، والعبد إنما يستعجل الخوف الغوث، ومنها انه لا يلحق بصبره الم ولا حزن ولا نقص بوجه ما، وظهور اسمه الصبور في العالم مشهود بالعيان كظهور اسمه الحليم.
أما الفرق بين الصبر والحلم، فان الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الله تعالى أوسع من الصبر، ولهذا جاء اسم الحلم في القران في غير موضع (١) ، والمخلوق يحلم عن جهل ويعفو عن عجز، والرب تعالى يحلم مع كمال علمه ويعفو مع تمام قدرته، وما أضيف شي إلى شي أزين من حلم إلى علم، ومن عفو إلى اقتدار، ولهذا كان في دعاء الكرب وصفه بالحلم مع العظمة، وكونه حليم من لوازم ذاته .
وأما صبره فمتعلق بكفر العباد، وشركهم ومسبّتهم له سبحانه، وأنواع معاصيهم وفجورهم، فلا يزعجه ذلك كله إلى تعجيل العقوبة, بل يصبر
стр. 499
على عبده ويمهله، ويستصلحه ويرفق به، ويحلم عنه حتى إذا لم يبق فيه موضع ليضعه أخذه أخذ عزيز مقتدر، بعد غاية الأعذار إليه، وبذل النصيحة له، ودعاءه إليه من كل باب. وهذا كله من موجبات صفات حلمه، وهي صفه ذاتيه لا تزول. وأما الصبر فإذا زال متعلقة، كان كسائر الأفعال التي توجد بوجود الحكمة، وتزول بزوالها. فتأمله انه فرق لطيف ما عثرت الحذاق بعثره، وقل من تنبه له ونبه عليه، وأشكل على كثير هذا الاسم وقالوا: لم يأت في القران، فاعرضوا عن الاشتغال به صفحاً، ثم اشتغلوا بالكلام في صبر العبد وأقسامه، ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا ان الرب تعالى أحق به من جميع الخلق، كما هو أحق باسم العليم، والرحيم، والقدير، والسميع، والبصير، والحي، وسائر أسمائه الحسنى ... وان التفاوت الذي بين صبره سبحانه تعالى وصبرهم كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وسمعهم، وكذا سائر صفاته (١) .
وقد قيل لما كان اسم الحليم قد ادخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء بذكره في القران عن اسم الصبور والله أعلم (٢) .
ثمرة معرفة اسمه تعالى الصبور
إن المؤمن الذي يعرف أن الله جل وتعالى صبور وجب عليه أن يصبر ويتصابر، وان يقطع الالتفات عن غير الله، وان لا يتوكل في جميع أموره إلا على الله تعالى، وان يفرد الله تعالى بالخوف والرجاء، ودفع الضر وجلب الخير والنفع، فهو الذي يمس بالضر بمشيئته، ويدفعه بمشيئته، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ، وقوله جل: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ، وقوله جل وعلا: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) ، فعلى المؤمن أن يصبر في البأساء والضراء، وأن يتحمل أذى الخلق، وان يكون صابراً في جده واجتهاده وجهاده، وان يحبس نفسه عن الشهوات، وان يصبر نفسه في الجلوس مع أهل الذكر والدعاء، ويبتعد عن طاعة النفس بولوج الشهوات وإتباع الأهواء، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٦) ، وقال جل شأنه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٧) ، وقد روي عن ابن مسعود ﵁ قال: الإيمان نصفان نصف صبر
стр. 500
ونصف شكر (١) ، ومن قهر نفسه عن دواعي الهوى ظفر، وذكر بعض العلماء أن الصبر ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه.
فالصبر عن الوقوع في المحظورات فرض وكذلك الصبر على أداء الواجبات، وعلى المكاره نفل، والصبر على الأذى المحظور محظور، كمن تقطع يده وهو ساكت والصبر المكروه هو الصبر على الأذى يناله بجهة مكروهه في الشرع (٢) ، فليس من معاني الصبر المحمود الخضوع والتسليم لأمر يحضره الشرع، وعدم إنكار المعاصي، فإذا كان هناك من يريد مراودة اهلك فترى ذلك وتسكت على ما يجري فهذا الصبر محرم، وإنما الصابر الذي ينكر المنكر، ويصبر على ما أصابه بسبب إنكاره للمنكر، ... وفي الذكر الحكيم ما حكاه الله عن لقمان الحكيم ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٣) ، والمؤمن يظهر الحق، ويجتهد في الطاعة، ويصبر على امتثال ما أمر الله به ورسوله، ويوصي نفسه بإتباع الحق كما يوصي غيره به, وصدق الله حيث يقول ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) .
стр. 501
والصابر يحسن ظنه بربه، ويتبع ما جاء به نبي الله وخاتم رسله، ولا يجزع من شدة الأيام، ولا يفزع من تقلب الشهور والأعوام, فهو يحسن ظنه بربه في جميع الأحوال ولله در القائل:
أحسن الظن برب عوَّدك ... حسناً أمس وسؤ أودك
ان رباً كان يكفيك الذي ... كان منك الأمس يكفيك غدك
ويرحم الله القائل:
أما والذي لا خلد إلا لوجهه ... ومن ليس في العز المبين له كفوُ
لئن كان طعم الصبر مُر مذاقه ... لقد يجتنى من غبّه الثمر الحلو
دعاء الله باسمه الصبور
يا الله يا صبور يا سميع يا بصير يا قوي يا مجيب يا قدير نسألك أن تصلي على محمد واله كما صليت على ابراهيم وان ترزقنا والمؤمنين الصبر على طاعتك وأداء الفرائض والواجبات التي افترضتها، واجعلنا من الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وصبّرنا على بلائك، واجعلنا من الحامدين لك على آلائك وبلائك، وافرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين، واجعلنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من عبادك وجميع المؤمنين انك صبور كريم مجيب عظيم وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي وآله وأزواجه وذريته وأصحابه والسائرين على نهجه إلى يوم الدين.
стр. 502
الفصل الرابع والعشرون
العفو
العفو
العفو: الصفح عن الذنب, وقيل ان العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر اذا درسته, فكأن العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه, والعفو من الصفات الحميدة، والخلال الطيبة الرشيدة، التي يتحلى بها المرء المؤمن الفاضل، فالعاقل يوطن نفسه على لزوم العفو عن الناس كافه، فمن تحلى بالعفو ساد وأحبه العباد، ورضي عنه رب الأرباب، وكتب له عظيم الأجر والثواب، ومن عفا عن الناس عفا الله عنه، والعفو من الإحسان، وقد مدح الله العفو في كثير من المواضع في القران فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) ، وقد وصف الله المؤمنين الصادقين بقوله: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢) ، ودعا إلى مقابلة شرور الناس بالإحسان إليهم، فذلك ادعى إلى نزع العداوة من قلوبهم وإحلال المودة محلها فقال جل شأنه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣) ، ولما كانت بعض النفوس جبلت على الاعتداء فقد وضع علاجاً لمنعها من التمادي في غيها مقابلة السيئة بمثلها بدون
الكريم يعفو
العفو خلق كريم، وسلوك مستقيم، يتحلى به كرام الناس فخلق الكريم من الناس العفو، وقد كان رسول الله ﵌ يعفو عمن ظلمه ويحسن إلى من يسيء إليه، ولمّا وفد عليه كعب بن زهير وانشده القصيدة التي مطلعها بانت سعاد ومنها:
أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني ... وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ
مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ الـ ... ـقُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ
لا تَأَخُذَنّي بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم ... أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ
فأعطاه النبي ﵌ برده.
أما احمد شوقي ﵀ فهو يصف عفو رسول الله ﵌ بقوله:
وَإِذا عَفَوتَ فَقادِراً وَمُقَدَّراً ... لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ ... هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ
فالعاقل يترفع عن الأذى ويعفو عمن أساء, قال أبو حاتم ﵁: أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة، واجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه، فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق، فلربما استعملها البهائم في الأوقات، ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد إلا رجاحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول
стр. 505
في أخلاق البهائم، بالمجازاة على الإساءة إساءة، ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء، وان لم يكن بادئا.
قال هلال بن العلاء البهلولي: جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنه أن لا أكافئ أحدا بسوء، وذهبت إلى هذه الأبيات:
لَمّا عَفَوتُ وَلَم أَحقِد عَلى أَحَدٍ ... أَرَحتُ نَفسي مِن هَمِّ العَداواتِ
إِنّي أُحَيّي عَدوّي عِندَ رُؤيَتِهِ ... لأَدفَعَ الشَرَّ عَنّي بِالتَحِيّاتِ
وَأُظهِرُ البِشرَ لِلإِنسانِ أَبغَضُهُ ... كَأنما قَد حَشى قَلبي مَوَدّاتِ (١)
وقديماً قيل: من تمام الكرم أن تذكر الخدمة لك، وتنسى النعمة منك، وتنظر الرغبة إليك، وتتغابى عن الخيانة إليك. من تمام المروءة أن تنسى الحق لك، وتذكر الحق عليك. وتستكبر الإساءة منك، وتستصغر الإساءة إليك. من أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر (٢) . قال الشاعر يصف كريماً:
كَريمٌ لَه وَجهانِ وَجهٌ لَدى الرِضا ... أَسيلٌ وَوَجهٌ في الكَريهَةِ باسِلُ
وَلَيسَ بِمُعطي العفوِ عَن غَيرِ قُدرَةٍ ... وَيَعفو إِذا ما أَمكَنَنَته المَقاتِلُ (٣)
فما أحوج الناس إلى العفو والتجاوز عن الإساءة والتحلي بالأخلاق الفاضلة، ففي العفو شرف الدنيا والآخرة.
أما ابن أبي حصينه فهو يرى أن في العفو عن الحر تأديباً له فيقول:
لَكَ الخَيرُ إِن يُجرِم رَعاياكَ فاغتَفر ... جَرائِمَهُم إِنَّ المُدَبَّرَ مَربُوبُ
стр. 506
هَفَوا هَفوَةً مِن غَيرِ بُغضِ فَأُدِّبُوا ... بِعَفوِكَ إِنَّ العَفوَ لِلحُرِّ تَأَديبُ
خُلِقتَ كَرِيماً لَم يَفتُكَ تَفَضُّلٌ ... وَطَولٌ وَلا أَخطاكَ حَزمٌ وَتَهذِيبُ
فَعَفواً عَفا عَنكَ الإِله وَرَأفَةً ... فَعَفوُكَ مِن عَفوِ المُهَيمِنِ مَحسُوبُ
تَرَبّى عَلى إِنعامِكَ الطِفلُ مِنهُمُ ... وَشَبَّ عَلى إِحسانِكَ المُردُ وَالشَيبُ
ويرى أبو الطيب المتنبي أن في العفو تملكاً للأحرار حيث عبر عنه بقوله وما قتل الأحرار كالعفو عنهم وذلك في قصيدته التي يقول فيها:
وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ ... تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا
رَأَيتُكَ مَحضَ الحِلمِ في مَحضِ قُدرَةٍ ... وَلَو شِئتَ كانَ الحِلمُ مِنكَ المُهَنَّدا
وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ ... وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا
إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ ... وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا
وَوَضعُ النَدى في مَوضِعِ السَيفِ بِالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضعِ السَيفِ في مَوضِعِ النَدى
وما أروع قول ابن الآبار الاشبيلي:
ومعرض بالغصن في حركاته ... تنل القلوب العفو من لحظاته
وأطعت سلطان العفاف تكرما ... والمرء مجبول على عاداته
العز في العفو
من أراد الثواب الجزيل، واسترهان الود الأصيل، وتوقع الذكر الجميل، فليصل من قطعه، وليحسن إلى من أساء إليه، وليعفُ عمن ظلمه، وقد روى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: أحب الأمر إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق احد بأحد في الدنيا إلى رفق الله به يوم القيامة، وعن بن عائشة قال كتب الحجاج إلى
стр. 507
عبد الملك: (انك اعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فإذا تعززت بالله فاعفُ فانك به تعز وإليه ترجع) ، وروى عن داود بن الزبرقان انه قال: قال أيوب) لا يَنْبُلُ الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم) ، قال أبو حاتم ﵁: الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم، رجاء عفو الله وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه، لان صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء، وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم اقرب، فأما من له أخ يودُّه فانه يتحمل عنه الدهر كله زلاته.
قال الفضيل بن عياض: احتمل لأخيك إلى سبعين زلة، وقيل له: وكيف ذلك يا أبا على؟ قال: لان الأخ الذي آخيته في الله ليس يزل سبعين زلة.
وأنشد علي بن محمد البسامي:
إذا لم تجاوز عن أخ لك عثرة ... فلست غداً من عثرتي متجاوزا
وكيف يرجيك البعيدُ لنفعه ... إذا كان عن مولاك برُّك عاجزا (١)
وعن رسول الله ﵌ انه قال: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ (٢) .
ولما في العفو من العز والثواب والشرف الكبير فقد أمر الله به، وارشد إليه، فقال جل شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ
стр. 508
حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) ، وقد أمر الله جل وعلا بالمسارعة إلى مغفرته وإلى الجنة دار كرامته التي أعدها لأوليائه المتقين الذين ينفقون أموالهم في السراء والضراء والشدة والرخاء ويكظمون غيطهم, ويعفون عمن ظلمهم حيث يقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ*أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٢) ، وقد روى ابن حبان عن هشام عن أبيه عن ابن عمر في هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣) قال: أمر النبي ﵌ بالعفو عن أخلاق الناس (٤) .
العفو في أسماء الله الحسنى
العفو اسم من أسماء الله الحسنى الذي ورد في القران الكريم وفي سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والعفوُ هو الذي له العفو الشامل
стр. 509
الذي وسعه ما يصدر من عباده من الذنوب، سيما إذا أتوا بما يسبب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهو كما قال جل شأنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ، وفي سورة الحج يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٢) ، وجاء في الحديث النبوي الشريف أن عائشة ﵂ قالت: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (٣) .
قال أبو سليمان: العفو: وزنه فعول من العفو وهو بناء المبالغة، والعفو الصفح عن الذنب وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكأن العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه (٤) ، ويجوز إجراؤه على المخلوق, وفي التنزيل: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٥) ، وقيل العفو: هو الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، كل واحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها (٦) .
стр. 510
وقال الحليمي في معنى العفو: انه الواضع عن عباده تبعة خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا أو تركوا لوجهه أعظم مما فعلوا ليكفر عنهم ما فعلو بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، أو يجعل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به وجزاء.
وقيل: العفو في حق الله تعالى: عبارة عن إزالة أثار الذنوب بالكلية، فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، ولا يطالب العباد بها يوم القيامة، وينسيها من قلوبهم كي لا يخجلوا عند تذكرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنه، قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) ، وقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (٢) .
والعفو أبلغ من المغفرة، لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر. والعفُوُّ هو الله سبحانه الذي يعطي الكثير، ويهب الفضل، ولا يعتب عليه المنعم البتة (٣) .
ثمرة التعرف على اسم الله العفوُ
العاقل إذا عرف أن ربه عفو يصفح عن الذنب ويقبل التوبة ويعفو عن السيئات، وجب عليه أن يؤمن به ويتقرب إليه ويسأله العفو عن جميع الذنوب والآثام، فالله جل وعلا هو العفو، يعفو عمن يشاء، ويغفر لمن تاب وأناب، ويشمل الخلق جميعاً بعفوه إلا من أشرك وكفر بربه ومات على ذلك أعاذنا الله والمسلمين من ذلك, قال تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤) ، وقال جل شأنه ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ (٥) ، ثم انه يجب على من عرف أن ربه عفو كريم أن يستعمل العفو ويتخلق به حيى يدخل في مدح الله للعافين الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) .
وفي الحديث النبوي أن الرسول ﵌ قال: (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ) (٧) ، والعاقل يسعى إلى تحصيل سبب العفو من الله بترك الذنوب والاستغفار وطلب العفو من الله جل وعلا.
ولله در القائل:
يَستَوجِبُ العَفوَ الفَتى إذا اعتَرف ... وتابَ ممَّا قَد جَناهُ واقتَرَف
لقَولِهِ قُل لِلَّذينَ كفَرُوا ... إن يَنتَهوا يُغفَر لهم ما قَد سَلَف (٨)
أما الحسن بن هانئ المعروف بابي نواس فهو يقول في طلب العفو من الله:
стр. 511
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً ... فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ ... فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً ... فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا ... وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ
فاطلب أخي من الله العفو يعف عنك فهو يحب العفو قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إلى الله، لم يبتل بالذنب أكرم الخلق عليه قال الشاعر:
يا رب أنت رجائي ... وفيك حسنت ظني
يا رب فاغفر ذنوبي ... وعافني واعفُ عني
العفو منك الاهي ... والذنب قد جاء مني
والظن فيك جميل ... حقق بحقّك ظني (١)
ولله در القائل:
فيا ربِّ بردَ العفوِ هب لي إذا غلا ... من الحَر في يوم الحسابِ دِماغُ (٢)
فمن علم أن الله يشمل بالعفو من أناب إليه ورضي عنه، وجب عليه أن يأتي ما يكون سبباً لعفو الله من الإيمان، والتوبة، والاستغفار، والأعمال الصالحة، وأداء الواجبات، والإحسان إلى عباد الله، فمن كمال عفو الله انه مهما أسرف العبد ثم رجع إلى الله جل وعلا عفا عنه، ومن كمال عفوه انه جعل الإسلام يجب ما قبله، والحج يهدم ما قبله، والتوبة
стр. 512
تجب ما قبلها أي تمحو ما قبلها، فالعفو فيه كفارة الذنوب، واللبيب من عفا عمن ظلمه وأحسن إلى من أساء إليه وطلب العفو من الله، قال الشاعر:
يكفيك في العفو أن الله قرَّظهُ ... وَحْياً إلى خير من صلَّى ومن بُعِثَا (١)
قصة للقمان مع ابنه
وروي أن لقمان الحكيم قال لابنه: (أي بني، أي شيء أقل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أبرد؟ وأي شيء آنسى؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء اقرب؟ وأي شيء ابعد؟ قال: أما أقل شيء: فاليقين، وأما أي شيء أكثر: فالشك، وأما أي شيء أحلى: فروح الله بين العباد يتحابون بها، وأي شيء أبرد: فعفو الله عن عباده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، وأي شيء آنسى: حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باباً واحداً، وأي شيء أوحش جسد إذا مات، فليس شيء أوحش منه، وأي شيء أقرب: فالآخرة من الدنيا، وأي شيء أبعد: فالدنيا من الآخرة) (٢) .
ويغفر الله للقائل:
يا ربِّ أثقَلَتِ الأوزارُ ناصيتي ... وليس لي مزكأ يرجى ولا وَزَرٌ
يا ربِّ أقوى قُواي الذنبُ مُقتَفِرا ... مَفاقري وأنا رُحماك أقتَفِرُ
يا ربِّ بالَغتُ في العصيان وانتشرت ... منّي المعاصي ومنكَ العفوُ مُنتشِرُ (٣)
стр. 513
أما ابن المقرب العيوني فيقول:
لَكِن عَفَونا وَكانَ العَفوُ عادَتَنا ... وَلَم نُؤاخِذ أَخا جُرمٍ بِما اِجتَرَما
ويرى ابن الهباريه أن العفو عند القدرة يكون فيه شكر على النصر وذلك حيث يقول:
إِذا استشرت فَاِنصح ... إِذا سُئلت فَاسمح
العَفو عِندَ القُدرة ... شكر لحسن النصره
وقد حكا الله تعالى أن يوسف ﵇ قال لإخوته بعد أن اعترفوا بالذنب: ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١) ، وحكت كتب السيرة النبوية أن الرسول ﵌ بعد أن انتصر على قريش يوم فتح مكة خاطبهم بقوله: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ، ولله در القائل:
داني القُطوفِ جَميلُ العَفوِ مُقتَدِرٌ ... ما ضاقَ مِنهُ لِجانٍ واسِعُ الكَرَمِ (٢)
ويرحم الله أبا الفتح البستي حيث يقول:
ولقد جمعت من الذنوبِ فنونَها ... فاجمع من العفوِ الجميلِ فنونَهُ
مَن كانَ يرجو عَفوَ مَن هو فوقَهُ ... عن ذنبِهِ فليعفُ عمّن دونَهُ
أما شوقي فهو يقول:
وَأَنتَ وَلِيُّ العَفوِ فَاِمحُ بِناصِعٍ ... مِنَ الصَفحِ ما سَوَّدتُ مِن صَفَحاتي
стр. 514
دعاء الله باسمه العفوُ
اللهم يا عفو يا غفار يا غفور يا حليم نسألك أن تصلي على محمد وال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد وان تمحو عني وعن المسلمين جميع الذنوب والريب، وان تغفر لنا الذنوب التي توجب الغضب, يا الله يا عفو يا غفار يا غفور اغفر لنا فقد تعدينا الحدود، ونقضنا العهود فاعف عنا انك عفو كريم يا الله يا عفو يا رحيم يا غفور يا حليم اغفر لي هفوات لساني، وشهوات جناني، وما فعلته جوارحي واركاني، واغفر لآبائي، وأبنائي، وإخواني وجميع المسلمين انك عفو كريم, اللهم انك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا واجعل العفو من أخلاقنا وارضَ عنا وصلى الله وسلم على محمد إمام المتقين وختام المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين.
стр. 515
الفصل الخامس والعشرون
الكرم
стр. 516
الكرم
الكرم: الانفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه, وهو بذل ما ينبغي من مال فيما ينبغي. والسخاء: سهولة الانفاق وتجنب اكتساب مالا يحمد, وهو الجود, وضده التقتير. وفي الشفاء للقاضي عياض: الكرم والجود والسخاء والسماحة معانيها متقاربة. والكرم شرف في النفس وشرف في الخلق، والكرم كثرة الخير ويسرته، والكريم يعطي من غير منّه، والكريم يقيل العثرة ولا يتتبع العورة، والكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف، والكريم يجل الكرام، ويصفح عن اللئام.
وفي المصباح المنير: كرم الشيء كرماً نفس وعز فهو كريم والجمع كرام وكرماء والأنثى كريمة وجمعها كريمات وكرائم, وكرائم الأموال نفائسها وخيارها, واسم المفعول مكرم. (١)
وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال الزلة، وقلت الملالة، وان كرام الناس أسرعهم مودة واقطعهم عداوة، وقيل: أكرم الناس من اتقى الله، والكريم التقي، والكريم لا يتعالى على الناس، والكرم فضل وشرف، فأكرم الناس اتقاهم وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) ، وفي الحديث النبوي: (أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ, قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ, قَالَ: فَأَكْرَمُ
стр. 517
النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ, قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ, قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي, قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا) (١) . ولله در المتنبي حيث يقول:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ... وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
قال أبو حاتم ﵁: الكريم لا يكون حقوداً ولا حسوداً، ولا شامتاً، ولا باغياً، ولا ساهياً، ولا لاهياً، ولا فاجراً، ولا فخوراً، ولا كاذباً، ولا ملولا، ولا يقطع إلفه، ولا يؤذي إخوانه، ولا يضيع الحفاظ، ولا يجفو في الوداد، يعطي من لا يرجو، ويؤمن من لا يخاف، ويعفو عن قدرة، ويصل عن قطيعة.
عن إبراهيم بن شكلة قال: (إن لكل شيء حياة وموتا، وإن مما يحيى الكرم مواصلة الكرماء، وإن مما يحيى اللؤم معاشرة اللئام) . وقال الشاعر:
رأيت الحق يعرفه الكريم ... لصاحبه وينكره اللئيم
إذا كان الفتى حسناً كريماً ... فكل فعاله حسن كريم
إذا ألفيته سمجاً لئيماً ... فكل فعاله سمج لئيم (٢)
стр. 518
خلق الكريم المحافظة على مكارم الأخلاق
الكريم يحافظ على الأخلاق الفاضلة، فهو محمود الأثر في الدنيا، مرضي العمل في العقبى، يحبه القريب والقاصي، ويألفه المتسخط والراضي، ويفارقه اللئام ويصاحبه العقلاء والكرام، والكريم يحفظ المروءة، ويقيل العثرة، ويتعفف عن الحرام، ولا يستطيل على اللئام، ولا يسن ما يعقب الوزر والإثم، ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم، وليس من عادة الكرام سرعة الانتقام، ولا من شروط الكرم إزالة النعم، والكريم من كبرت همته، لا من كبرت عمته فمن كبرت همته كثرت قيمته، ومن كرم خلقه وجب حقه، ومن ساء خلقه ضاق رزقه، ومن أجاب السفيه سفه، ومن اعرض عن جوابه نبه، ومن قابل السخيف سخف، ومن كرم عن مقابلته شرف، وإذا كرمت السجيه حسنت الطوية، ومن كرم حلم، ومن تمام الكرم إتمام النعم، والكريم لا يستخف بشريف، ولا يميل إلى سخيف.
وقد قيل: أن من مكارم الأخلاق الصون للعرض، والقيام للفرض، والأخذ بالفضل، والوفاء بالعهد، والانجاز بالوعد.
وقيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق, وقال الأصمعي: سمعت سيداً من قيس يقول لقومه: إنما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكن أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، واقضي حقوقكم، وأعود مرضاكم، واتبع جنائزكم، فمن فعل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير مني، ومن قصر عنه فانا خير منه. قيل له: فما حملك على هذا؟ قال: أحثكم على مكارم الأخلاق (١) .
стр. 519
وإلى رسول الله ﵌ ينتهي الكرم ومكارم الأخلاق، ويرحم الله القائل:
ما قالَ لا قَطُّ إِلا في تَشَهُّدِهِ ... لَولا التَشَهُّدُ كانَت لاءَهُ نَعَمُ
إِذا رَأَتهُ قُرَيشٌ قالَ قائِلُها ... إِلى مَكارِمِ هَذا يَنتَهي الكَرَمُ (١)
الكريم يكرم ضيفه
الكريم يكرم ضيفه، ويكرم أهله، ويكرم جاره، وفي الحديث النبوي قال رسول الله عليه وآله وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) (٢) ، وفي الأمثال السائرة: "أكرم من العذيق المرجب" والعذيق النخلة يكثر حملها فيجعل تحتها دعامة وتسمى الرجبة، ويقولون: رجّبت النخلة، ونخلة مرجبة، وعذق مرجّب، فيقول: هو في الكرم كهذه النخلة من كثرة حملها (٣) .
يروى لحاتم الطائي أنه قال:
وَإِنّي لَعَبدُ الضَيفِ ما دامَ ثاوِياً ... وَما فيَّ إِلا تِلكَ مِن شيمَةِ العَبدِ
أما مسكين الدارمي فهو يقول:
طَعامي طعام الضيف والرحل رحله ... ولم يلهني عنه غزال مقنعُ
أَحدثه إِن الحَديثَ من القرى ... وَتعرف نفسي انه سوف يهجَعُ
стр. 520
وقال آخر:
وأكرم الضيف إذا ما جاء يطرقني ... قبل العيال على عسري وايساري
ويرى الأمير الصنعاني أن حق الضيف هو الإكرام والإعزاز فيقول:
وحق الضيف إكرام وعز ... ولا يلقى بهضم واهتضام
أما عبد الله بن مبارك فهو يرشد بإحضار الطعام وبذله لمن يأكله فيقول:
أحضر طعامك وابذله لمن أكلا ... واحلف على من أبى واشكُر لمن فعلا
وما أروع ما قال عبد قيس بن خفاف البرجمي:
وَالضَيفَ أَكرِمهُ فَإِنَّ مَبيتَهُ ... حَقٌّ وَلا تَكُ لُعنَةً لِلنُزَّلِ
وَاِعلَم بَأَنَّ الضَيفَ مُخبِرُ أَهلِهِ ... بِمَبيتِ لَيلَتِهِ وَإِن لَم يُسأَلِ
وَدَعِ القَوارِصَ لِلصَديقِ وَغَيرِهِ ... كَي لا يَرَوكَ مِنَ اللِئامِ العُزَّلِ
وقد كان العرب يذمون من لا يكرم الضيف ويهجونه، وفي ذلك يقول الأخطل:
قَومٌ إِذا اِستَنبَحَ الأَضيافُ كَلبَهُمُ ... قالوا لأُمِّهِمِ بولي عَلى النارِ
والكريم من يكرم ضيفه ويؤنسه، قال الشاعر:
يستأنس الضيف في ابياتنا ابداً ... فليس يعلم خلق اينا الضيف
الكريم يجود ولا يبخل
الكريم يصل رحمه، ويحسن إلى أهله، ويواسي المسكين، ويبذل المال لمن طلبه في وجوه البر، قال الحسن بن علي رضوان الله عليهم اجمعين: الكرم:
стр. 521
التبرع بالمعروف قبل السؤال, والأطعام في الحل, والرأفة بالسائل مع بذل النائل. قال الشاعر:
سابذل مالي كلما جاء طالب ... واجعله وقفاً على القرض والفرضِ
فاما كريماً صنت بالجود عرضه ... واما لئيماً صنت عن لؤمه عرضي
قصة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم
كان الرسول ﵊ اجود الناس واسخاهم وقد اتاه رجل فسأله فأعطاه غنما سدّت مابين جبلين فرجع الى قومه, وقال: اسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقه (١) . وما سئل شيئا قط فقال لا (٢) . قال بكر بن النطاح:
كَريمٌ إِذا ما جِئتَ طالِبَ فَضلِهِ ... حَباكَ بِما تَحوي عَلَيهِ أَنامِلُه
فَلَو لَم يَكُن في كَفِّهِ غَيرُ روحِهِ ... لَجادَ بِها فَليَتَّقِ اللَّهَ سائِلُه
وَما بعثت في العالَمينَ فَضيلَةٌ ... مِنَ المَجدِ إِلّا مَجدُهُ وَفَضائِلُه
اللؤم ضد الكرم
يضاد الكرم اللؤم، فاللؤم صفة ذميمة، وخلة غير مستقيمة، واللئيم الدنيء الأصل، والشحيح النفس، والدنيء: الخسيس، فاحذر مجالسة اللئيم فالكرام لا يعاشرون اللئام قال الشاعر:
стр. 522
وَاِحذَر مُصاحَبَة اللَئيمِ فَإِنَّهُ ... يُعدي كَما يُعدي الصَحيح الأَجرَبُ (١)
أما عبد الله فريج فهو يقول:
وَاِحذَر مُصاحَبَة اللَئيم فَاِنَّهُ ... كَالقَحطِ في اِفعالِ خَير مُجدب
فالكريم لا يصاحب اللئيم خوفاً من اكتساب شيء من أخلاق اللئيم، لأن الكريم يترفع عن اللؤم قال الشاعر:
إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ ... فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ
وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها ... فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ
إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ ... قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ (٢)
أما أبو العتاهية فهو يرى أن من لم ينفع الناس ولم يأمنوا أذاه فهو لئيم وذلك حيث يقول:
وان امراً لم يربح الناس نفعه ... ولم يأمنوا منه الأذى للئيم
وقال آخر:
لا تطلبن إلى لئيم حاجة ... واقعد فانك قائماً كالقاعدي (٣)
والكريم يعرف الحق، واللئيم ينكره، والكريم فعاله حسنة، واللئيم فعاله سمجة منتنة، والكريم يفي بالعهد والوعد، واللئيم يغدر ويفجر ويخون قال الشاعر:
ما بال قوم لئام ليس عندهم ... عهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
ان يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
стр. 523
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به..... وان ذكرت بسوء عندهم اذنوا (١)
أما المتوكل الليثي فهو يقول:
إِنَّ الأَذِلَّةَ وَاللئامَ مَعاشِرٌ ... مَولاهُم المُتَهَضّمُ المَظلومُ
وَإِذا أَهنتَ أَخاكَ أَو أَفردتَهُ ... عَمداً فَأَنتَ الواهِنُ المَذمومُ
لا تَتَّبِع سُبُلَ السفاهَةِ وَالخَنا ... إِنَّ السفيهَ معنَّفٌ مَشتومُ
وَأَقِم لِمَن صافيتَ وَجهاً واحِداً ... وَخَليقَةً إِنَّ الكَريمَ قَؤومُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ
وفي أمثال العرب السائرة: "الأَم من راضع اللبن" راضع اللبن: هو رجل من العرب كان يرضع اللبن من حلمة شاته ولا يحلبها مخافة أن يسمع وقع الحلب في الإناء فيطلب منه، فمن هنا قالوا: لئيم راضع، وقال رجل يصف ابن عم له بالبعد من الإنسانية والمبالغة في التوحش والإفراط في البخل:
أحب شيء إليه ان يكون له ... حلقوم واد له في جوفه غار
لا تعرف الريح ممساه ومصبحه ... ولا تشب إذا امسى له نار
لا يحلب الضرع لؤماً في الاناء ولا ... يرى له في نواحي الصحن اثار (٢)
الكرم والبخل لا يتفقان
كرم الشيء كرماً نفس وعز فهو كريم والجمع كرام وكرماء، والأنثى كريمة وجمعها كريمات وكرائم (٣) ، وكرام الرجال أكثرهم خيراً، وأشرفهم
стр. 524
نفساً، وأكثرهم براً، وأجملهم صفحاً، وأكثرهم عطاءً، فان البخل في الشرع منع الواجب، وعند العرب منع السائل مما يفضل عنده (١) ، والبخل مذموم صاحبه، يوصف به اللئيم ويتعالى عنه الكريم، فمن كان ذا فضل ومال وبخل به عند الحاجة إليه استُغني عنه قال الشاعر:
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ ... عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ ... يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ (٢)
أما الإمام علي بن أبي طالب ﵁ فانه يرى أن البخل شر الآفات فيقول:
إِذا اِجتَمَعَ الآفاتُ فَالبُخلُ شَرّها ... وَشَرٌّ مِنَ البُخلِ المَواعيدِ وَالمَطلُ (٣)
وفي أمثال العرب السائرة: "أبخل من مادر" وهو رجل من بني هلال ابن عامر بلغ بخله أنه سقى أبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل، فسلح فيه ومدر الحوض به، فسمي مادر لذلك، واسمه مخارق،
وفي الأمثال أيضاً: "ابخل من الضنين بنائل غيره" مأخوذ من قول الشاعر:
стр. 525
وَإِنَّ اِمرَأً ضَنَّت يَداهُ عَلى اِمرِئٍ ... بِنَيلِ يَدٍ مِن غَيرِهِ لَبَخيلُ (١)
ومن أمثال العرب: "ما عنده خير ولا مير سواء هو العدم", يضرب للبخيل الذي إذا نزلت به كأنك نازل بالبلاء والموحلة", ومنه قولهم: "ما تبل إحدى يديه الأخرى".
وقولهم: "البخيل يعتل بالعسر", ومنه قولهم: "قبل البكاء كان وجهك عابساً", ومنه: "قبل النفاس كانت مصفرة".
وقولهم: "اغتنم ما يعطي البخيل وإن قل", ومنه: "خذ من الرضفة ما عليها, وخذ من جذع ما أعطاك".
وقولهم: "البخيل يمنع غيره ويجود على نفسه", ومنه قولهم: "سمنكم هريق في أديمكم", ومنه: "يا مُهدِي المَال كُلْ ما أهدَيت", ومنه قول العامة: "الحمار جَلبَه والحمار أَكَلَه".
وقولهم: "مات البخيل وماله وافر", ومنه: "مات فلان عريض البطان, ومات ببطنته لم يتفضفض منها شيء".
وقولهم: "البخيل يعطي مرة", ومنه قولهم: "ما كانت عطيته إلا بيضة العقر. وهي بيضة الديك. قال الزبير: الديك ربما باض بيضة, وأنشد لبشار:
قد زرتني زورة في الدهر واحدة ... ثنِّ ولا تجعلنها بيضة الديك
ومنه قول الشاعر:
стр. 526
لا تَعجَبَنَّ لِخَيرٍ زَلَّ عَن يَدِهِ ... فَالكَوكَبُ النَحسُ يَسقي الأَرضَ أَحيانا (١)
ومنه قولهم: "من الخواطئ سهم صائب". (٢)
أما إسحاق الموصلي فهو يرى أن البخل يزري بأهله وأن الناس يجعلون خلتهم وصداقتهم للكرام وأن البخيل لا خليل له فيقول:
وآمرةٍ بالبُخلِ قلتُ لها اقصري ... فذلكَ شيٌ ما إليه سَبيلُ
أرى الناسَ خلانَ الكرامِ ولا أرى ... بخيلاً له حتى المماتِ خليلُ
وإني رأيت البُخل يُزري بأهلِهِ ... فأكرمتُ نفسي أن يُقال بَخيلُ
والبخل مذموم وصاحبه منحوس مشئوم، ومادح البخيل نادم قال الشاعر:
لا يُحمَدُ البخلُ أنْ دانَ الأنامُ به ... وحامدُ البخلِ مذمومٌ ومَدْحور (٣)
ويرى الإمام الشافعي ﵀ انه لا يرجا السماحة من اللئيم البخيل وذلك حيث يقول:
وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ... فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ
ولما كان البخل بهذه المكانة الشنيعة فقد نهت عنه الشريعة، لأنه يفضي إلى القطيعة، ويقضي على المودة بين الناس، فالبخيل يمنع الواجب، ولا تسمح نفسه الدنيئة ببذل شيء من ماله لمساعدة الضعفاء والفقراء، فتمتلئ قلوبهم حقداً عليه.
стр. 527
وإذا فشا البخل في امة كانت نتيجته انهيار روح التعاون بين أفراد المجتمع، ولهذا نفر الله من البخل في القران وجاء في سورة آل عمران: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) ، وقد وعد الله من يتخلص من هذه الرذيلة بالفلاح والفضيلة وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) .
والبخيل على شدة تعلقه بالمال يبقى معوزاً، لان جمع المال مع عدم الانتفاع به ضرب من الفقر وقد أدرك هذه الحقيقة بعض الشعراء فقال:
وَمَن يُنفِقِ الساعاتِ في جَمعِ مالِهِ ... مَخافَةَ فَقرٍ فَالَّذي فَعَلَ الفَقرُ
وقال بعضهم: "الناس من خوف الفقر في فقر".
وفي الذكر الحكيم: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٣) .
الكرم أفضل ما يقتنى
قال أبو حاتم ﵁: أجمع أهل التجارب للدهر، وأهل الفضل في الدين، والراغبون في الجميل: على أن أفضل ما اقتنى الرجل لنفسه في
стр. 528
الدنيا، واجل ما يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم، ومعاشرة الكرام، لان الكريم يحسن الذكر، ويشرف القدر، وهو طباع ركبها الله في بني آدم، فمن الناس من يكون أكرم من أبيه، ... وربما كان الأب أكرم من ابنه، وربما كان المملوك أكرم من مولاه، ورب مولى أكرم من مملوكه، قال الشاعر:
رب مملوك إذا كشفته ... كان من مولاه أولى بالكرم
فهو ممدوح على أحواله ... وترى مولاه يهجى ويذم
وتراه كيف يعلو دائماً؟ ... وترى مولاه من تحت القدم
وفتى تلقى اباه دونه ... وابا تلقاه اعلى واتم
من بنيه، ثم لا يعتلُّ ان ... طلب المعروف منه بالصمم
وكذلك الناس -فاعلم- ربُّنا ... قدر الاخلاق فيهم وقسم (١)
فخر الرجال كرمهم
الكرم هو الصفح والعطاء والبذل والسخاء، واصطناع المعروف، والكريم يجازي على الصنيعة ويثني على من يولي الجميل، وليس كرم الرجال بصباحة وجوههم. قال الشاعر:
وما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير (٢)
أما المتنبي فهو يقول:
وَما الحُسنُ في وَجهِ الفَتى شَرَفاً لَهُ ... إِذا لَم يَكُن في فِعلِهِ وَالخَلائِقِ
стр. 529
أما ابن غريض فهو يقول:
إِرفع ضَعيفَكَ لا يُحِربِكَ ضُعفَه ... يَوماً فَتُدرِكُهُ عَواقِبُ ما جَنى
يَجزيكَ أَو يُثني عَلَيكَ وَإِنَّ مَن ... أَثنى عَلَيكَ بِما فَعَلتَ كَمَن جَزى
إِنَّ الكَريمَ إِذا أَرادَ وِصالَنا ... لَم يُلفِ حَبلي واهِياً رَثَّ القُوى
أَرعى أَمانَتَهُ وَأَحفَظُ غَيبَهُ ... جَهدي فَيَأتي بَعدَ ذَلِكَ ما أَتى (١)
ويرى أمية بن أبي الصلت أن الكريم لا يغيره مرور الوقت فيقول:
كَريمٌ لا يُغَيِّرُهُ صَباحٌ ... عَنِ الخُلُقِ السَنِيِّ وَلا مَساءُ
فَأَرضُكَ كُلُّ مَكرُمَةٍ بَناها ... بَنو تَيمٍ وَأَنتَ لَها سَماءُ
إِذا أَثنى عَلَيكَ المَرءُ يَوماً ... كَفاهُ مِن تَعَرُّضِهِ الثَناءُ
الأكرم الكريم في أسماء الله الحسنى
إن الله جل وعلا أكرم الأكرمين، فهو الذي يبتدئ بالنعمة من غير استحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير سؤال، والكريم هو الذي يعطي الكثير ويعفو عن التقصير، وقد قيل: إن من كرم عفوه أن العبد إذا تاب بعد السيئة عفا عنه وكتب له مكانها حسنة وذلك في كتاب الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (٢) ، والكريم والأكرم تتقارب معانيها وقد وردا في القران ففي سورة الانفطار:
стр. 530
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (١) ، وفي سورة النمل: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٢) .
أما اسمه سبحانه الأكرم فقد ورد في سورة العلق قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) ، قال ابن تيمية في تفسير ذلك: سمى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم, بعد إخباره أنه خلق ليتبين انه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة، ولفظ الكرم جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن, والكرم كثرة الخير ويسرته, والله سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها, فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف ما لو قال: (وربك أكرم) فانه لا يدل على الحصر، وقوله: (الأكرم) يدل على الحصر ولم يقل: (الأكرم من كذا) بل أطلق الاسم، ليبين انه الأكرم مطلقاً غير مقيد فدل على انه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه (٤) .
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: الرحمن، الرحيم، البر، الكريم، الجواد، الرءوف، الوهاب؛ هذه الأسماء