← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لا تَعجَبَنَّ لِخَيرٍ زَلَّ عَن يَدِهِ ... فَالكَوكَبُ النَحسُ يَسقي الأَرضَ أَحيانا (١) ومنه قولهم: "من الخواطئ سهم صائب". (٢) أما إسحاق الموصلي فهو يرى أن البخل يزري بأهله وأن الناس يجعلون خلتهم وصداقتهم للكرام وأن البخيل لا خليل له فيقول: وآمرةٍ بالبُخلِ قلتُ لها اقصري ... فذلكَ شيٌ ما إليه سَبيلُ أرى الناسَ خلانَ الكرامِ ولا أرى ... بخيلاً له حتى المماتِ خليلُ وإني رأيت البُخل يُزري بأهلِهِ ... فأكرمتُ نفسي أن يُقال بَخيلُ والبخل مذموم وصاحبه منحوس مشئوم، ومادح البخيل نادم قال الشاعر: لا يُحمَدُ البخلُ أنْ دانَ الأنامُ به ... وحامدُ البخلِ مذمومٌ ومَدْحور (٣) ويرى الإمام الشافعي ﵀ انه لا يرجا السماحة من اللئيم البخيل وذلك حيث يقول: وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ... فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ ولما كان البخل بهذه المكانة الشنيعة فقد نهت عنه الشريعة، لأنه يفضي إلى القطيعة، ويقضي على المودة بين الناس، فالبخيل يمنع الواجب، ولا تسمح نفسه الدنيئة ببذل شيء من ماله لمساعدة الضعفاء والفقراء، فتمتلئ قلوبهم حقداً عليه.

стр. 527

وإذا فشا البخل في امة كانت نتيجته انهيار روح التعاون بين أفراد المجتمع، ولهذا نفر الله من البخل في القران وجاء في سورة آل عمران: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) ، وقد وعد الله من يتخلص من هذه الرذيلة بالفلاح والفضيلة وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) . والبخيل على شدة تعلقه بالمال يبقى معوزاً، لان جمع المال مع عدم الانتفاع به ضرب من الفقر وقد أدرك هذه الحقيقة بعض الشعراء فقال: وَمَن يُنفِقِ الساعاتِ في جَمعِ مالِهِ ... مَخافَةَ فَقرٍ فَالَّذي فَعَلَ الفَقرُ وقال بعضهم: "الناس من خوف الفقر في فقر". وفي الذكر الحكيم: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٣) . الكرم أفضل ما يقتنى قال أبو حاتم ﵁: أجمع أهل التجارب للدهر، وأهل الفضل في الدين، والراغبون في الجميل: على أن أفضل ما اقتنى الرجل لنفسه في

стр. 528

الدنيا، واجل ما يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم، ومعاشرة الكرام، لان الكريم يحسن الذكر، ويشرف القدر، وهو طباع ركبها الله في بني آدم، فمن الناس من يكون أكرم من أبيه، ... وربما كان الأب أكرم من ابنه، وربما كان المملوك أكرم من مولاه، ورب مولى أكرم من مملوكه، قال الشاعر: رب مملوك إذا كشفته ... كان من مولاه أولى بالكرم فهو ممدوح على أحواله ... وترى مولاه يهجى ويذم وتراه كيف يعلو دائماً؟ ... وترى مولاه من تحت القدم وفتى تلقى اباه دونه ... وابا تلقاه اعلى واتم من بنيه، ثم لا يعتلُّ ان ... طلب المعروف منه بالصمم وكذلك الناس -فاعلم- ربُّنا ... قدر الاخلاق فيهم وقسم (١) فخر الرجال كرمهم الكرم هو الصفح والعطاء والبذل والسخاء، واصطناع المعروف، والكريم يجازي على الصنيعة ويثني على من يولي الجميل، وليس كرم الرجال بصباحة وجوههم. قال الشاعر: وما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير (٢) أما المتنبي فهو يقول: وَما الحُسنُ في وَجهِ الفَتى شَرَفاً لَهُ ... إِذا لَم يَكُن في فِعلِهِ وَالخَلائِقِ

стр. 529

أما ابن غريض فهو يقول: إِرفع ضَعيفَكَ لا يُحِربِكَ ضُعفَه ... يَوماً فَتُدرِكُهُ عَواقِبُ ما جَنى يَجزيكَ أَو يُثني عَلَيكَ وَإِنَّ مَن ... أَثنى عَلَيكَ بِما فَعَلتَ كَمَن جَزى إِنَّ الكَريمَ إِذا أَرادَ وِصالَنا ... لَم يُلفِ حَبلي واهِياً رَثَّ القُوى أَرعى أَمانَتَهُ وَأَحفَظُ غَيبَهُ ... جَهدي فَيَأتي بَعدَ ذَلِكَ ما أَتى (١) ويرى أمية بن أبي الصلت أن الكريم لا يغيره مرور الوقت فيقول: كَريمٌ لا يُغَيِّرُهُ صَباحٌ ... عَنِ الخُلُقِ السَنِيِّ وَلا مَساءُ فَأَرضُكَ كُلُّ مَكرُمَةٍ بَناها ... بَنو تَيمٍ وَأَنتَ لَها سَماءُ إِذا أَثنى عَلَيكَ المَرءُ يَوماً ... كَفاهُ مِن تَعَرُّضِهِ الثَناءُ الأكرم الكريم في أسماء الله الحسنى إن الله جل وعلا أكرم الأكرمين، فهو الذي يبتدئ بالنعمة من غير استحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير سؤال، والكريم هو الذي يعطي الكثير ويعفو عن التقصير، وقد قيل: إن من كرم عفوه أن العبد إذا تاب بعد السيئة عفا عنه وكتب له مكانها حسنة وذلك في كتاب الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (٢) ، والكريم والأكرم تتقارب معانيها وقد وردا في القران ففي سورة الانفطار:

стр. 530

﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (١) ، وفي سورة النمل: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٢) . أما اسمه سبحانه الأكرم فقد ورد في سورة العلق قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) ، قال ابن تيمية في تفسير ذلك: سمى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم, بعد إخباره أنه خلق ليتبين انه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة، ولفظ الكرم جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن, والكرم كثرة الخير ويسرته, والله سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها, فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف ما لو قال: (وربك أكرم) فانه لا يدل على الحصر، وقوله: (الأكرم) يدل على الحصر ولم يقل: (الأكرم من كذا) بل أطلق الاسم، ليبين انه الأكرم مطلقاً غير مقيد فدل على انه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه (٤) . وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: الرحمن، الرحيم، البر، الكريم، الجواد، الرءوف، الوهاب؛ هذه الأسماء

стр. 531

تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته (١) . وبهذا يتضح أن الكريم والأكرم يؤديان معنى واحداً وهو كرم الله تعالى وجوده، وانه أكرم الأكرمين لا يوازيه كرم ولا يعادله فيه نظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ثمرة معرفة اسم الله الكريم الأكرم إذا عرف المكلف أن ربه كريم، وانه أكرم الأكرمين، وانه يعطي بغير حساب، ويبتدئ بالنعمة، ويعفو عن السيئات، وانه واهب الإنسان كل خير، وانه المتفضل عليه بجميع النعم، وجب عليه أن يؤمن أن الله تعالى أكرم الأكرمين لا يوازيه كرم ولا يعادل فيه نظير، وان يتخلق بخلق كريم في جميع أقواله وأفعاله التي يحب الله أن يكون الإنسان فيها كريماً، وان يتحلى بالكرم والجود والسماحة. فالمؤمن كما ورد في الحديث النبوي عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: (الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ) (٢) . فالواجب على المؤمن أن يبتعد عن اللؤم والدناءة، فالمؤمن الحق يطمع في إيثار جود الله وكرمه، فيجود بكل ما يقدر عليه من مال وجاه وعلم

стр. 532

وحكمة وبر ومساعدة وتعاون على البر والتقوى فنفس المؤمن كريمة تجود في أعمال البر كلها، والمؤمن أخلاقه حسنة كريمة، فهو كريم الأخلاق في نفسه، وكريم الأخلاق مع أهله وولده، وكريم في تعامله مع الناس، وكريم في عطائه، بعيد عن الدناءة واللؤم، فهو يقيل العثرات ولا يتتبع العورات، ومن أعظم كرماً من الله الذي إن أتاه عباده بالطاعة اليسيرة أعطاهم الثواب الجزيل، وشرفهم بالثناء الجميل، فكم له من نعم على العباد في كل يوم صادرة، ومنن وخيرات دارة وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) . دعاء الله باسمه الكريم يا الله يا كريم يا بار يا جواد يا رحمن يا رحيم، نسألك اللهم أن تصلي على محمد خاتم الانبياء والمرسلين وان تكرمنا والمؤمنين من خيرك وبرك برزق واسع حلال، وأن تتكرم علينا بالفردوس الأعلى في الجنة، وبرضاك عنا في الآخرة والحياة الدنيا، وأن تمطر علينا من سماء جودك أحب ألآلاء، وأن تجعل أخلاقنا كريمة، وأن توفقنا إلى كل عمل تحبه وترضاه يا كريم، وأن تكرمنا والمسلمين أجمعين باتباع نهج نبيك محمد عليه وعلى وآله أفضل الصلاة والتسليم، وأن تكرمنا والمؤمنين بالعفو والعافية يا بر يا جواد يا أكرم الأكرمين يا رحمن يا رحيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 533

وصلى الله وسلم على محمد وآله الميامين وأصحابه المنتجبين وتابعيهم بإحسان من إخواننا المؤمنين يا أكرم الأكرمين. وقد أحسن القائل: قِف بالخضوع وَنادربك يا هو ... إِنَّ الكَريم يجيب من ناداه واطلب بطاعته رضاه فَلَم يزل ... بالجود يَرضى طالبين رضاه واسأله مسألة وَفضلا إنه ... مبسوطتان لسائليه يَداه واقصده منقطعا إليه فكل من ... يَرجوه منقطعا إليه كفاه شملت لطائفه الخَلائق كلها ... ما لِلخَلائق كافل إلا هو (١) وما أروع ما قاله ابو مسلم العماني: إلى كرم الله الكريم وجوده ... أوجه آمالي وأوفد رغبتي بباب الكريم الأكرم المكرم الذي ... له مطلق الإكرام أنزلت بغيتي بباب كريم الذات قدراً ورفعة ... كريم الصفات الطاهرات الزكية بباب كريم العفو عن أي مذنب ... بباب كريم الجود قبل الوسيلة بباب الكريم المطلق النفع والجدا ... بباب الكريم المبتدي بالعطية بباب الكريم المجزل الفيض والعطا ... بدون سؤال العبد من غير منة بباب كريم لم يُقَنِّط عصيه ... بباب كريم لا يبالي بنعمة بباب كريم لم يضع متوسلاً ... ولا لاجياً سبحانه بمضيعة بباب كريم الفعل من غير حاجة ... بباب كريم جابر كل خلة ببابك يا من بابه وجهة الرجا ... وإن قبحت بيني وبينك سيرتي فاكرم مقامي بالذي أنت أهله ... وما أنت أهل يا كريم لخيبتي

стр. 534

الفصل السادس والعشرون العدل العدل العدل: في اللغة: الاعتدال والاستقامة والميل الى الحق, واصطلاحا: الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينا. اما في اصطلاح الفقهاء: العدالة استواء احوال الانسان في دينه واعتدال اقواله وافعاله. وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١) وفي سورة الشورى يقول الحق : ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَاأَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢) والعدل من المثل العلياء وهو صفة جميلة، وخلة حميدة، وهو اسم من أسماء الحق تبرك وتعالى تقدست بالجلال والكمال اسماؤه، والعدل صفة من صفات العلي المتعالي تنزهت عن التأويل والتبديل صفاته، والعدل اسم لشريعة الله وحكمه, قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) ، وبالعدل أمر الله قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) ، والعدل واحد من أغلى وأسمى مقومات الحياة، والعدل مبدء أساسي دبر به رب الكون نظامه، وأسس عليه وجوده ودورانه،

стр. 535

والعدل رسالة رب الأرض والسماء، وتحقيقه واحد من مهمة الرسل والأنبياء، والعدل وطيدة الحكم الصالح ودعامته المتينة، والعدل له معنى جليل تطمئن إليه النفوس، وترتاح إليه الأفئدة، وبه تصان القيم، وتستقر المبادئ، ويتضاعف شعور المواطن بالانتماء إلى وطنه، وبالعدل يعلو بناء الإنسان، وبه يصان دمه وماله وعرضه، وقديماً قيل: بالعدل ثبات الأشياء، وبالجور زوالها، ونسب للاسكندر انه قال لجماعة من الهند: لم صارت شُرَط بلادكم قليلة؟ قالوا: لاعطائنا الحق من أنفسنا، ولعدل ملوكنا وحسن سيرتهم فينا. فقال لهم: أيهما أفضل العدل أم الشجاعة؟ قالوا: إذا ستعمل العدل، استغنى عن الشجاعة، وقيل: العدل ميزان البارئ, ولذلك كان مبرأً من كل زيغ وميل، وقيل لأنوشروان: أي الجنن أقوى؟ قال: الدين، قيل: فأي العدد أقوى، قال: العدل، وقيل لأردشير: من الذي لا يخاف احداً؟ قال: الذي لا يخافه احد. فمن عدل في حكمه، وكف عن ظلمه نصره الحق، وأطاعه الخلق, وصفت له النعمى، وأقبلت عليه الدنيا, فتهنأ بالعيش، واستغنى عن الجيش. وملك القلوب، وأمن الحروب. وصارت طاعته فرضاً، وظلت رعيته جنداً. وأن أول العدل أن يبدأ المرء بنفسه، فيلزمها كل خلة زكية، وخصلة رضية. ومذهب سديد، ومكسب حميد، لتسلم عاجلاً، وتسعد آجلاً. وأول الجور أن يعمد إليها، فيجنبها الخير، ويعودها الشر، ويكسبها الآثام، ويعقبها المذام، فيعظم وزرها، ويقبح ذكرها (١) . قال الشاعر: عليكَ بالعَدلِ إنْ وُلِّيتَ مملكَةً ... واحذَر مِنَ الجَورِ فيها غايَةَ الحَذَرِ

стр. 536

فالعدلُ يُبقيهِ أنَّى احتَلَّ من بَلَدٍ ... والجَورُ يَفنيهِ في بَدْوٍ وفي حَضَرِ (١) أما الإمام علي بن أبي طالب ﵁ فهو يقول: أَدِّ الأَمانَةَ وَالخيانَةَ فَاِجتَنِب ... وَاِعدِل وَلا تَظلِم يَطيبُ المَكسَبُ (٢) ويرى صالح بن عبد الله بن مغفل أن الجور في الناس لا تخفى معالمه, فيقول: والجور في الناس لا تخفى معالمه ... والعدل من دنه الاستار والظلم العدل في الكلام والعدل في الكلام يحفظ الإنسان، ويعزز مكانة المتكلم بين الاخوان, وقد جاء في القرآن: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) ، فمن لم يكن عادلاً في كلامه تسبب في قطيعة أرحامه، ومعاداة اخوانه، ومن الإنصاف أن تنصف أخاك وتكف أذاك, قال الشاعر: إِذا أَنتَ لَم تُنصِف أَخاكَ وَجَدتَهُ ... عَلى طَرَفِ الهِجرانِ إِن كانَ يَعقِلُ أما المتنبي فهو يقول: وَلَم تَزَل قِلَّةُ الإِنصافِ قاطِعَةً ... بَينَ الرِجالِ وَلَو كانوا ذَوي رَحِمِ

стр. 537

العدل في الشهادة إن ميزان العدل يجب أن لا يميل مع الهوى، ولا يتزحزح مع العصبية، ولا يتأرجح مع العداوة، ولا يحيف مع الشنأن وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) ، وفي سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٢) . العدل في الولاية من عدل في ولايته ظفر بغايته، وأمن في بداية أمره ونهايته, وفي الحديث النبوي: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) (٣) . ومما نسب إلى انوشروان انه قال: ما عدل من جار وزيره، ولا صلح من فسد مشيره، ومما يعين على العدل اصطناع من يؤثر التقى، واطراح من يقبل الرشا، واستكفاء من يعدل في القضية، واستخلاف من يشفق على الرعية.

стр. 538

وقال الأحنف بن القيس: من ظلم نفسه كان لغيره اظلم، ومن هدم دينه كان لمجده اهدم (١) . وقديماً قيل: العدل نتيجة العقل، والعفو نتيجة الشرف، ومن عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه، والعدل ميزان الله وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تتعد حدوده وأحكامه، وفي الذكر الحكيم النبأ اليقين قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) . وقال الشاعر: أرى العدل عند الناس مثل حروفه ... غدا مهملا لا يشغلون به جولا ولكنه عند العزيز شريعة ... منزلة لن تقبل الدهر تبديلا لقد جمل الدنيا به خالق الورى ... وكمل أحكام السياسة تكميلا (٣) وصفُ الحسن البصري للإمام العادل لقد أورد ابن عبدربه في العقد الفريد رسالة الحسن البصري إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد أجاد وأفاد في وصف الإمام العادل فقال: "إعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر،

стр. 539

وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً؛ يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربته طفلاً تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله, واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده، وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر, واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه،

стр. 540

يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قعره فريداً وحيداً. فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه واذكر يا أمير المؤمنين " إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في الصدور "، فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. فالآن يا أمير المؤمنين وأنت ممهل قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل. لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين؛ فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فتبوء بأوزارٍ مع أوزارك، وتحمل أثقالاً مع أثقالك. ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك. ولا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم. إني يا أمير المؤمنين، وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي، فلم آلك شفقة ونصحاً، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته" (١) . ولله در القائل: ما كان أهدأنا بالاً وأحسننا ... حالاً وأبعدنا عن كل عدوان إذ الحكومة عدلٌ في يدي ملكٍ ... صافي السريرة ذي رفق وإيمان

стр. 541

نمسي ونصبح في حرية ولنا....على صروف الليالي كل سلطان (١) العدل في القضاء بين الناس القضاء قبس من نور الله الحق. لانه القوام على اقامة العدل. به بعث الله انبياءه ورسله. ليقيموا حجته على خلقه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ من سورة الحديد, فالكتاب والميزان نزلا من عند الله أعدل الحاكمين, وبهما بعث الانبياء والرسل واستخلفهم واتباعهم في الارض, ليعلموا كلمته, ويقيموا حكمه, ويحققوا عدله, الذي قامت به الأرض والسموات, ولهذا كان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة كما يقول الخليفة العادل عمر بن الخطاب في مستهل رسالته الى ابي موسى الأشعري حين ولاه قضاء الكوفة, فقد حمل القضاء امانة تحقيق العدل, والى ساحته يهرع الناس جميعا يلتمسون فيه العدل والنصفة فالناس كلهم في ساحته سواء, لاقوي لديه ولاضعيف, ولاشريف امامه ولامشروف, لايرهب احد من قوته ولا يستخف بحق احد لهوانه وضعف حيلته, فهو حصن الامان لمن داهمه الخواف, وهو سيف الحق يبتر كل يد تمتد الى حرمات الناس, لتهدر دماءهم او تهتك أعراضهم, او تستبيح مالهم, او توهن من عزائمهم, في اتباع لمعروف او نهي عن منكر, ويرحم الله ابابكر الصديق حيث يقول: الا ان اقواكم الضعيف حتى اخذ الحق له, واضعفكم

стр. 542

القوي عندي حتى اخذ الحق منه, ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث خاطب ابا موسى الاشعري: بقوله سو بين الناس في وجهك وعدلك, ومجلسك, حتى لايطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. فالعدل أساس الملك، والعدل أساس الحكم، وإذا كان العدل لا يتحقق من تلقاء نفسه، إذ ليس للإنسان أن يقضي لنفسه بنفسه وإنما تحقيق العدل هو واجب الدولة ورسالتها ينقطع لفرائضه، ويصبر على مناسكه، ويتجرد له القضاء نظاماً شاملاً متكاملاً مستقراً مستقلاً محايداً، ويسعى به حثيثاً بين الناس فكان لا بد من إحياء هذه الفريضة إعلاءً لرسالة العدل, والعمل على ضمانة استقلاله, فالقضاء دون ضمانات تؤكد استقلال رجاله لا يعد بقضاء عادل, وإنما هو انصياع لمركز القوة في الخصومة. وفي محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (١) . فمن قضى بالعدل سلم، ومن مال عن العدل هلك وندم, قال الشاعر: إِذا خَانَ الأميرُ وكاتباهُ ... وقاضِي الأَرْضِ داهَنَ في القَضاءِ فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلُ ... لِقاضِي الأَرْضِ منْ قَاضِي السَّماءِ وإِنْ كانَ الوِدادُ لِذِي وِدادٍ ... يُزْحْزِحُهُ عَنِ الحَقِّ الْجَلاءِ فَلاَ أَبْقاهُ رَبُّ العَرْشِ يَوْماً ... وكَحَلَهُ بِمِيلٍ مِنْ عَماءِ (٢)

стр. 543

فالقضاة هم ضمير امتهم ورمز ارادتها ومعقد رجائها في اعلا كلمة الحق والعدل, التي اودعها خالقهم امانه مقدسة بين ايديهم لينطقوا في امرها بعد بذل الجهد ولهذا كان القاضي هو الركيزة الاساسية التي تقوم عليها خدمة العدالة في أي نظام قضائي فتحقيق العدالة يتوقف اساسا على حسن وسلامة ودقة من يتولى القضاء فإذا اسئ اختيار القاضي ضاع العدل, فقاض عادل وامام فاضل خير من مطر وابل, وفي الأمثال السائرة: عناية القاضي خير من شاهدي عدل, ومن لم يرض بحكم موسى رضي بحكم فرعون, وقال الشاعر: ظهور العدل يمحوا كل شر ... إذا جاء الصباح مضى الظلام وفي أمثال العرب: إذا كذب القاضي فلا تصدقه, ومن خصمه القاضي الى من يشتكي (١) , فاذا تركت عملية اختيار القاضبي للأهواء فقد عمت البلوى وكيف يحقق العدل غير الأكفاء الذين لايقدرون خطورة الرسالة ولا يبالون بثقل الأمانة, وليس شئ اضر بالعدالة من ان يقوم عليها من لايدرك كنهها او لايشعر بقدسيتها. قال الشاعر: وكنا نرجي ان نرى العدل ظاهرا ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط متى تصلح الدنيا ويصلح اهلها ... وقاضي قضاة المسلين يلوط (٢) ورحم الله شوقي حيث يقول: رَبّوا عَلى الإِنصافِ فِتيانَ الحِمى ... تَجِدوهُمُ كَهفَ الحُقوقِ كُهولا فَهوَ الَّذي يَبني الطِباعَ قَويمَةً ... وَهوَ الَّذي يَبني النُفوسَ عُدولا وَيُقيمُ مَنطِقَ كُلِّ أَعوَجِ مَنطِقٍ ... وَيُريهِ رَأياً في الأُمورِ أَصيلا وقال آخر: والخصم لا يرتجى النجاح له ... يوماً إذا كان خصمه القاضي (٣) ويرحم الله ابن عطية حيث يقول: لا يثبت الحق المبين لحاكم ... في الحق حتى ينطق الخصمانِ (٤) قصة رواها الأمام علي بن ابي طالب ﵁ عن عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنْ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ, قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ) (٥) . قصة روتها خولة بنت قيس روي عن خولة بنت قيس إمراة خمزة بن عبد المطلب انها قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسق من تمر لرجل من بني ساعدة, فأتاه يقتضيه, فقضاه تمرا دون تمره فأبى ان يقبله, فقال: اترد على رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم, ومن احق بالعدل من رسول

стр. 544

الله ﷺ ؟ فاكتحلت عيناء رسول الله ﷺ بدموعه ثم قال: (صدق ومن احق بالعدل مني! لاقدس الله امة لايأخذ ضعيفها حقه من شديدها ولا يتعتعه) ثم قال: (ياخولة عديه واقضيه فإنه ليس من غريم يخرج من عند غريمه راضيا الا صلت عليه دواب الارض ونون البحار, وليس من عبد يلوي غريمه وهو يجد إلا كتب الله عليه في كل يوم وليلة إثما (١)) العدل يحبه الله والظلم لا يحبه إن العادل المقسط في حكمه وما ولي يحبه الله، ويظله الله في ظله، ويفوز العادل بالجنة، ويحظى بمحبة الله، ويعد العادل من أفضل خلق الله جل وعلا, وفي الحديث النبوي: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) (٢) ، في الذكر الحكيم: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣) ، أما الظلم فهو سبب هلاك الأمم، وفساد الذمم، والطريق إلى جهنم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾ (٥) ، والله لا يحب الظالمين, ولقد جاء في سورة آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٦) .

стр. 545

ولله در القائل: أَما وَاللَهِ إِنَّ الظُلمَ لومُ ... وَما زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ إِلى دَيّانِ يَومِ الدينِ نَمضي ... وَعِندَ اللَهِ تَجتَمِعُ الخُصومُ سَتَعلَمُ في الحِسابِ إِذا اِلتَقَينا ... غَداً عِندَ الإِلَهَ مَنِ المَلومُ (١) ويرحم الله الإمام علي بن أبي طالب ﵁ حيث يقول: لا تَظلِمَنَّ إِذا ما كُنتَ مُقتَدِراً ... فَالظُلمُ مَرتَعُهُ يُفضي إِلى النَدَمِ تَنامُ عَينُكَ وَالمَظلومُ مُنتَبِهٌ ... يَدعو عَلَيكَ وَعَينُ اللَهِ لَم تَنَمِ أما محمد بن عيسى بن طلحة فهو يقول: ولا تعجل على احد بظلم ... فان الظلم مرتعه وخيم (٢) الظلم في الأمثال السائرة والظلم قبيح ومرتعه وخيم، وفي الأمثال السائرة: "الظلم مرتعه وخيم"، وقال حنين بن خشرم السعدي, أي عاقبته مذمومة، وجعل للظلم مرتعاً لتصرف الظالم فيه، ثم جعل المرتع وخيماً لسوء عاقبته إما في الدنيا وإما في العقبى, وفي الحديث النبوي ما يجري مجرى الأمثال السائرة أن الرسول ﵌ قال: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٣) ، وفي اختلاط القوم وتساويهم في الفساد ظاهراً وباطناً تقول العرب: ظلة الغنم عبيثة واحدة، وذلك إذا لقي الغنم غنماًَ أخرى فاختلط بعضها ببعض.

стр. 546

وفي أمثال العرب عن الظلم والبغي والمكر الكثير, ومن ذلك قولهم: "أظلم من حية" لان الحية تجيء إلى جحر غيرها فتدخله وتغلبه عليه، وكذلك قولهم: "أظلم من أفعى", يقال: انك لتظلمني ظلم الأفعى. قال الشاعر: وأنت كالأفعى التي لا تحتفر ... ثم تجيء سادرة فتنجحر وقد كثرت أمثال العرب وأشعار الشعراء بظلم الذئب من ذلك قولهم: (أظلم من الذئب) , و (من استرعى الذئب ظلم) و (مستودع الذئب اظلم) و (كافأه مكافأة الذئب) . قال الميداني: وأما ما جاء في أشعارهم فحكى ابن الأعرابي أن اعرابياً ربى بالبادية ذئباً فلما شب افترس سخلة له، فقال الأعرابي: فرست شويهتي وفجعت طفلاً ... ونسواناً وأنت لهم ربيب نشأت مع السخال وأنت طفل ... فما أدراك أن أباك ذيب إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بمصلح طباعاً أديب وقال آخر: وأنت كجرو الذئب ليس بآلف ... أبي الذئب إلا أن يخون ويظلماً (١) أما قولهم: "أظلم من الليل" فهذا يراد من الظلمة, وإن قال بعضهم: هذا شاذ أن يبنى أفعل التفضيل من الاظلام، وليس كما ظن، فإن ظلم يظلم ظلمة لغة في أظلم إظلاماً، وإذا صح هذا فالبنى وقع على سمته وقاعدته،

стр. 547

وإنما نسب إلى الظلم لأنه يستر السارق وغيره من أهل الريبة (١) ، ... وقولهم: "كالأرقم إن يقتل ينقم, وإن يترك يلقم", يقول: إن قتلته كان له من ينقم له منك وإن تركته قتلك. وقولهم في الانتصار من الظلم: "هذه بتلك والبادئ أظلم", ومنه: "من لم يذد عن حوضه يهدم", وهذا المثل لعله أخذ من قول الشاعر: وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ ... يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ (٢) فقد أصاب الشاعر في صدر البيت وأخطأ في عجزه. وفي الذكر الحكيم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٣) . وقولهم في الظلم ترجع عاقبته على صاحبه: "من حفر مغواة وقع فيها". والمغواة: البئر تحفر للذئاب ويجعل فيها جدي ليصيده فيصطاد (٤) . ومنه قولهم: "من حفر حفرة لأحيه وقع فيها". وفي أمثال العامة: "من ظلم لا بد يظلم". ويرى صالح بن عبد الله بن مغفل أن من ظلم سيبتلى بظالم فيقول: وما منْ يَدٍ إلا يَدُ اللهِ فوقَها ... ولا ظالم إلا سيبلى بظالم دعوة المظلوم لا ترد دعاء المظلوم يستجيب له الله, فلا تظلم عباد الله حتى لا تعرض نفسك لدعاء المظلومين، فينتقم منك الجبار القوي القهار العظيم، ويرحم الله الإمام علي ﵁ حيث يقول:

стр. 548

أَدِّ الأَمانَةَ وَالخيانَةَ فَاِجتَنِب ... وَاِعدِل وَلا تَظلِم يَطبُ المَكسَبُ وَاِحذَر مِن المَظلومِ سَهماً صائِباً ... وَاِعلَم بِأَنَّ دُعاءَهُ لا يُحجَبُ أما ابن الوردي فهو يحذر من دعوات المظلومين في الأسحار فيقول: إياكَ منْ عسفِ الأنامِ وظلمِهِمْ ... واحذرْ منَ الدعواتِ في الأسحارِ وإن ابتليتَ بزلةٍ وخطيئةٍ ... فاندمْ وبادرْها بالاستغفارِ واسألْ إلَهكَ عصمةً وحمايةً ... فالسيئاتُ قواصفُ الأعمارِ وفي السنة النبوية أن النبي ﵌ قال: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (١) . الشرك أعظم أنواع الظلم وإذا كان الظلم بكل أشكاله قبيح فإن الشرك بالله أعظمه، وأكثره خطراً، وابلغه ضرراً، فلا تشرك بالله تهلك، ويحبط عملك وفي الذكر الحكيم فيما حكاه الله عن لقمان الحكيم: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ، ولقد خاطب الله نبيه الكريم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) . لئيم من يظلم قرابته إذا كان الظلم كله سيئ فإن من أسوء الظلم ظلم القرابة، فهو يدل على الخساسة والنذالة والدناءة قال الشاعر:

стр. 549

وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً ... عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ وقال آخر: حذار بني البغي لا تقربنه ... حذار فان البغي وخم مراتعه (١) عاقبة الظلم إذا كان الظلم يعني وضع الشيء في غير موضعه، فان عواقبه ذميمة وخيمة، وفي الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا) (٢) ، وجاء في حديث آخر أن النبي ﵌ قال: (اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٣) ، وجا في شعر الحكمة للإمام الشافعي ﵁: إِذا ما ظالِمُ استَحسَنَ الظُلمَ مَذهَباً ... وَلَجَّ عُتُوّاً في قَبيحِ اِكتِسابِهِ فَكِلهُ إِلى صَرفِ اللَيالي فَإِنَّها ... سَتُبدي لَهُ ما لَم يَكُن في حِسابِهِ فَكَم قَد رَأَينا ظالِماً مُتَمَرِّداً ... يَرى النَجمَ تيهاً تَحتَ ظِلِّ رِكابِهِ فَعَمَّا قَليلٍ وَهُوَ في غَفَلاتِهِ ... أَناخَت صُروفُ الحادِثاتِ بِبابِهِ فَأَصبَحَ لا مالٌ وَلا جاهُ يُرتَجى ... وَلا حَسَناتٌ تَلتَقي في كِتابِهِ وَجوزِيَ بِالأَمرِ الَّذي كانَ فاعِلاً ... وَصَبَّ عَلَيهِ اللَهُ سَوطَ عَذابِهِ وقريب من هذا ما جاء في شعر محرز بن خلف: إذا ظالم قد عاهد الظلم مذهباً ... وجار علواً في قبيح اكتسابه

стр. 550

فكم قد راينا ظالماً متكبراً....يرى النجم تيهاً تحت ظل ركابه فلما تمارى واستطال بجوره ... اناخت صروف الحادثات ببابه فلا فضة تحميه عند انفضاضه ... ولا ذهب يثنيه عند ذهابه العدل في الأسماء الحسنى العدل اسم من أسماء الحق ﵎، والعدل صفة من صفات الله ﵎، والعدل أمر الله وكلماته، وقد جاء في القران الكريم: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) ، وجاء في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) ، فهو العدل سبحانه في تدبيره وتقديره، وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، وأفعاله جاريه على سنن العدل، والاستقامة ليس فيها شائبة جور أصلا، فهي كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة (٣) ، وقد جاء في صحيح البخاري وغيره: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ، وقد عد منها في رواية الترمذي: (الْحَكَمُ الْعَدْلُ) ، وإذا كانت كلماته العدل فهو العدل لان كلماته هي كلامه، والعدل في صفة الله تعالى يكون وصفاً ذاتياً بمعنى: سلب الجور -الظلم- عنه، فالله تعالى العادل المطلق فهو يتصرف في عباده بالعدل في فعله وقوله وقضائه، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، فخبره كله

стр. 551

صدق، وقضاؤه كله عدل، وأمره كله مصلحة، والذي نهى عنه كله مفسدة، وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته، وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته (١) ، فهو الحكم العدل، وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي؛ إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا, قَالَ: فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا, فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) (٢) ، فقوله: (عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ) يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وثواب وعقوبة, ... وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ (٣) ، فكلما يقضي به الله على العبد فهو عدل فيه. ثمرة معرفة اسمه تعالى العدل إذا عرف المكلف أن أسماء الله كلها حسنى، وأنه العدل في كل أفعاله, وأن أحكامه كلها صواب وحق، وأنه سبحانه قد أوضح

стр. 552

السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله، وأن لا عدلٌ على الإطلاق إلا لله وحده، وجب عليه أن يؤمن به، وأن يؤمن بأن كل قضاء الله عدل، وأن يسلم لأمر الله ونهيه وقضائه وقدره، وأن يتحلى بالعدل في أقواله وأفعاله وأحكامه امتثالا لأمر الله سبحانه, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١) ، فالمؤمن يكون عادلاً مع نفسه وأهله يخاف الظالم من عدله، ويرجو المظلوم منه إعانته على اخذ حقه، فهو يسوي بين الفقير والغني، والضعيف والقوي، والقريب والأجنبي، ويعدل بين الأهل والعيال, ويأخذ بهدي النبي المختار ﵌: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ) (٢) . ولله در احمد شوقي حيث يقول: لَم يُعادِ اللَهُ العَبيدَ وَلَكِن ... شَقِيَت بِالغَباوَةِ الأَغبِياءُ وَإِذا جَلَّتِ الذُنوبُ وَهالَت ... فَمِنَ العَدلِ أَن يَهولَ الجَزاءُ دعاء الله باسمه وصفته العدل يا الله يا حكم يا عدل نسألك أن تصلي على محمد وازواجه وذريته واصحابه والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين وان تحملنا والمؤمنين على

стр. 553

فضلك وجودك وعفوك وغفرانك، وأن تلهمنا العدل مع أنفسنا وأهلنا وأولادنا واخواننا والخلق أجمعين، وأن تجعلنا من المقسطين في أقوالهم وأفعالهم المتبعين لسنة نبيك، وأن تكرمنا بالإيمان والأمان في الدنيا والآخرة، وأن تجعلنا في ظلك وفضلك يوم القيامة، وأن تسامحنا ولا تحاسبنا بعدلك يا كريم، فإننا يا الله يا عفو يا كريم نسألك أن تعفو عنا، وتحملنا على عفوك، وتجعل منازلنا في الفردوس الأعلى من الجنة يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الراشدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سبحان ذي العدل ما قدمت مظلمتي ... إلا تناولها عدل من الله سبحان ذي الحكم لا ميلٌ ولا شطط ... ولا معقب في حكم من الله سبحان ذي المنة الكبرى التي شملت ... بمنة الله أرجو منة الله سبحان ذي النعمة المحصي مطالبنا ... وليس تحصى بعدٍ نعمة الله (١)

стр. 554

الفصل السابع والعشرون الصدق الصدق الصدق: هو الأخبار عن الشئ على ماهو عليه, أي مطابقة الخبر للواقع, ويكون في القول والعمل والاعتقاد, والصدق حلية المتقين وصفة المرسلين, وبه جاء النبي الأمين, وفي الذكر الحكيم ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) , وفي سورة الاحزاب نباء نجاة الصادقين من العذاب ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢) وفي سورة المائدة بيان منافع الصدق وفوائده, ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) والصدق صفة كمال ومدح، وخلة ثناء وحمد، وليست هناك صفة تكفل استقرار المجتمع، وتضمن الثقة بين الأفراد مثل الصدق، ولذلك اعتبر أساسا من أسس الفضائل الذي ينبنى عليه المجتمع الفاضل، وقد اعتبر بعض العلماء الصدق عنواناً لرقي الأمم، فإذا فقد المجتمع الصدق حل محله عدم الثقة، وفقدان التعاون، والصدق نجاة وعز، والكذب هلاك وذل، والصدق ضرورة من ضرورات المجتمع التي ينبغي أن ينال حظاً عظيماً من العناية في الأسرة، والمدرسة، والجامعات، والوزارات، والحقول،

стр. 555

والمصانع، وكافة المؤسسات والمنتديات، والجمعيات والنقابات، فبالصدق ترد الحقوق، وبالصدق تحصل الثقة بين الناس، وبالصدق تزدهر الحياة، والصدق من ارفع الصفات الإنسانية، واقوي الدعائم التي يقوم عليها أي مجتمع ينشد فلاحاً ونجاحاً، ولما يتبوؤه الصدق من المكانة الرفيعة، والخلق الحميد، فقد دعاء الله المؤمنين للتخلق به فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) . والصادق هو الله جل وعلا, نطق به القران اسماً وفعلاً للمولى ﵎, فقد جاء في سورة الأنعام: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٣) ، وقال تبارك اسمه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ (٤) ، والصدق وعد الله، والصدق كلام الله, والصدق صفة من صفات النبيين والمؤمنين، ومن لزم الصدق وتحلى به ظفر وغنم. بالصدق تعمر الديار, وتصح الأخبار, وتدار المصانع, وتزدهر الحياة, وتحصل النجاة, ويرتفع قدر الإنسان, وتتعزز الثقة بين الاخوان, ويثمر التعاون, ويقوم العدل, ويعم الخير, ويكثر النفع, وتتطور البلاد. والعاقل لا يختار في إدارة الأعمال الهامة إلا أهل الصدق, قال الشاعر: لَيسَ بِالأَمرِ جَديراً ... كُلُّ مَن أَلقى خِطابا

стр. 556

أَو سَخا بِالمالِ أَو قَد ... دَمَ جاهاً وَاِنتِسابا أَو رَأى أُمِّيَّةً فَاِخـ ... ـتَلَب الجَهلَ اِختِلابا فَتَخَيَّر كُلَّ مَن شَبـ ... ـبَ عَلى الصِدقِ وَشابا وَاِذكُرِ الأَنصارَ بِالأَمـ ... ـسِ وَلا تَنسَ الصِحابا (١) الصدق يألفه الكريم يتحلى الكريم من الناس بالصدق ويتخلق به، والكذب يألفه الخب اللئيم ويهلك به، قال طرفه ابن العبد: الصدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدنئ الاخيب وفي الأمثال السائرة: لايكذب الرائد اهله, وقيل من صدق الله نجا, ومن صدقت لهجته ظهرت حجته, والصدق سفينة النجاة, وقال الشاعر: عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد موكل بتقاضي ما سننت له ... فاختر لنفسك وانظر كيف ترتاد أما صفي الدين الحلي فقد عبّر عن قول الصدق بلفظ الخير وذلك حيث يقول: عَوِّد لِسانَكَ قَولَ الخَيرِ تَنجُ بِهِ ... مِن زَلَّةِ اللَفظِ بَل مِن زَلَّةِ القَدَمِ وَاِحرِز كَلامَكَ مِن خِلٍّ تُنادِمُهُ ... إِنَّ النَديمَ لَمُشتَقٌّ مِنَ النَدَمِ والصدق مهما صادفته عقبات وأشواك؛ فعاقبته السلامة، ومآله النجاح، وآخر أمرك فيه الفوز والفلاح.. قال الشاعر: عليك بالصدق ولو انه ... احرقك الصدق بنار الوعيد

стр. 557

وقال عمر بن الخطاب ﵁: عليك بالصدق وان قتلك, ولأن يضعني الصدق - وقلما يضع- أحب الي من ان يرفعني الكذب- وقلما يفعل- وقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته, والكذب مرديك وإن امنته. وقال الشاعر: عليك بالصدق في كل الأمور ولا ... تكذب فأقبح ما يزري بك الكذب وقال الجاحظ رحمة الله: الصدق والوفاء توأمان, والحلم والصبر توأمان فيهن تمام كل دين, وصلاح كل دنياء, وأضدادهما سبب كل فرقة, وأصل كل فساد. قال الشاعر: ما أحسن الصدق في الدنيا لقائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس أما احمد شوقي فهو يرى أن الإنسان لا يكون صادقاً في قوله حتى يصدقه فعله وذلك حيث يقول: وَالمَرءُ لَيسَ بِصادِقٍ في قَولِهِ ... حَتّى يُؤَيِّدَ قَولَهُ بِفِعالِهِ وفي السنة النبوية أن الرسول ﵌ قال: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) (١) .

стр. 558

الصدق يرفع المرء في الدارين والكذب يهوي به في الحالين قال أبو حاتم ﵁: الصدق يرفع المرء في الدارين والكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن في الصدق خصلة تحمد، إلا أن المرء إذا عرف به قبل كلامه عند من يسمعه، لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه، حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب والعيّ في بعض الأوقات خير من النطق، لأن كل كلام أخطأ صاحبه موضعه فالعيّ خير منه (١) ، والصدق نجاة وشرف. قال الشاعر: وَفي الحِلمِ إِدهانٌ وَفي العَفوِ دُربَةٌ ... وَفي الصِدقِ مَنجاةٌ مِنَ الشَرِّ فَاِصدُقِ (٢) والصدق فلاح وأمان، والصدق يدعو إلى حسن الخاتمة، ويدل على سجية كاملة، وفطرة سليمة، وخليقة مستقيمة، والصدق يزيد المسلم نورا وثباتاً على الحق، والصدق يجلب محبة الله ورسوله، ومحبة الناس، والصدق يهدي إلى البر، والبر التوسع في فعل الخير، بحيث يشمل الإيمان, وإنفاق المال, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والوفاء بالعهد, والصبر الذي أرشد إليه الإسلام وجعله سبباً للفلاح والنجاح, وفي الذكر الحكيم: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) ، فقد بينت الآية صفات أهل الصدق في إيمانهم وأخلاقهم، وحصرتهم بالإشارة إليهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) ، والصادق يستحق كل ثناء وإطراء، ويعد الصادق من الأخيار الأبرار، ولقد نعت الله النبيين بالصدق فقال في حق خليل الرحمن ابراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ (٤) ، وقال في حق ادريس ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ (٥) . والصدق وفاء وإخلاص، وعزيمة وثبات, وفي الذكر الحكيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٦) ، وقد اثنا الله على نبيٍ من أنبيائه بصدقه ووفائه بوعده فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ (٧) ، ونعت الله به نبينا فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٨) , وقد بعث الله محمداً ﵌ بالصدق ولقب بالصادق الأمين, ليعلم الناس الصدق في إيمانهم وأخلاقهم ومعاملاتهم, لأن الصدق يكون في القول, وفي النية والإرادة, وفي العزم, وفي الوفاء, وفي العمل, فالصادق في إيمانه ناجحٌ, والصادق في تجارته رابحٌ, ولو ألقيت نظرك على أسواق العالم لوجدت أن

стр. 559

الرابحين في تجارتهم الذين تحسن أحوالهم, ويتكاثر الوافدون عليهم, وتحسن سمعتهم, وتحصل الثقة بهم؛ هم أهل الصدق, فالصدق يدر على الصادقين الخير الوفير, والبر والعز, والسلامة والأمن في الدنيا قبل الآخرة, فالصدق طمأنينة وفضيلة وخيرات وفيرة. الكذب يضاد الصدق ويجانبه فتجنبه الكذب خصلة رذيلة ذميمة تدل على النفاق ومساوئ الأخلاق، ضرره كبير على الأسرة والمجتمع, من تحلى به هلك وعثر، فهو منافي للإيمان، ومجافي للإسلام، وفي الحديث (لا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ وَلا يَجْتَمِعُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ جَمِيعًا وَلا تَجْتَمِعُ الْخِيَانَةُ وَالأَمَانَةُ جَمِيعًا) (١) ، وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِأَيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٢) ، وقيل: الكذب عار لازم وذل دائم، وقيل: ما عز ذو كذب ولو اخذ القمر بيده، وما ذل ذو صدق ولو اتفق العالم عليه (٣) ، قال الشاعر: لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو فعلة السوء أو من قلة الادبِ لبعض جيفة كلبٍ خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعبِ وقال آخر: إِيّاكَ مِن كَذَبِ الكَذوبِ وَإِفكِهِ ... فَلَرُبَّما مَزَجَ اليَقينَ بِشَكِّهِ وَلَرُبَّما كَذَبَ اِمرُؤٌ بِكَلامِهِ ... وَبِصَمتِهِ وَبُكائِهِ وَبِضِحكِهِ ولبعض الشعراء: إذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذاباً ولو كان صادقا فان قال لم تصغِ له جلساؤه ... ولم يسمعوا منه ولو كان ناطقا أما الإمام على بن أبي طالب فهو يحذر من مصاحبة الكاذب فيقول: وَدَعِ الكَذوبَ فَلا يَكُن لَكَ صاحِباً ... إِنَّ الكَذوبَ لَبِئسَ خِلاً يُصحَبُ (٤) مضرة الكذب قيل: "دع الكذب فانه يضرك حيث ترى انه ينفعك، وعليك بالصدق فانه ينفعك حيث ترى انه يضرك"، وقيل: "إذا كذب السفير بطل التدبير، وإذا كذب الرائد هلك الوارد"، وقيل: الصدق عز والباطل ذل، وقيل: "من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه"، وقيل: "اجعل قول الكذب ريحاً لتستريح", وقالوا: "نزه سمعك عن سماع الكذب كما تنزه لسانك عن التفوه به", وقيل: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين, وقيل: "إياك أن تكون للكذب راوياً وواعياً", وفي السنة النبوية أن النبي ﵌: (مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) (٥) . وقال الشاعر:

стр. 560

وَلا خَيرَ في عَيشٍ يَكونُ قِوامُهُ ... بِمِحنَةِ مَكذوبٍ وَمِدحَةِ كَذّابِ (١) أما عمر بن أبي ربيعة فهو يقول: لِلناسِ فَضلُكِ في حُسنِ الصَفاءِ وَفي ... صِدقِ الحَديثِ وَشَرُّ الخُلَّةِ الكَذِبُ وقال بشار بن برد: الصِدقُ أَفضَلُ ما حَضَرتَ بِهِ ... وَلَرُبَّما ضَرَّ الفَتى كَذِبُه وله أيضا: لي حِيلَةٌ في مَن يَنُمـ ... ـمُ وَلَيسَ في الكذّابِ حيلَه مَن كانَ يَخلُفُ ما يَقو ... لُ فَحيلَتي فيهِ قَليلَه ولسليمان الصولة: لي حيلةٌ في من ينمـ ... ـم بصون أسراري الجليله حفظ اللسان بما ألمـ ... ـم وليس في الكذاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فداؤه يُعدي خليله ودواؤه صعبٌ يطو ... ل فحيلتي فيه قليله وفي الذكر الحكيم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢) .

стр. 561

مكانة الصدق رفيعة أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث فيها النجاة: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله تعالى في الأعمال، وطيب المطعم. وقال محمد سعيد المروزي: إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة. (١) وللصادقين مكانة رفيعة يرضونها في الجنة تخصهم قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٢) ، وروى عبيد الله بن محمد التميمي عن أبيه قال: (كان عمر بن الخطاب بمنى فعطش، فانتهى إلى عجوز، فاستسقاها ماءاً, فقالت: ما عندنا، فقال: لبناً، فقالت: ما عندنا، فبدرت جارية، فقالت لها: تكذبين وما تستحيين؟ ثم قالت لعمر: هذا السقاء فيه لبن، فسأل عمر عن الجارية فإذا أبوها ثقفي فخطبها على عاصم بن عمر، فزوجها منه، فولد له منها أم عاصم، فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمة الله عليه) (٣) , والمرء مسئول عن إيمانه وصدقه وعن وفائه بعهده, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (٤) . الصادق في أسماء الله وصفاته نطق به القرآن اسماً وفعلاً قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٥) , وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ (٦) , وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٧) , وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٨) . والصادق في وصفه سبحانه صفة ذاتيه له راجعة إلى معنى كلامه, إذ الصدق هو ما تضمنه كلامه وهو المتكلم به, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ (٩) , فالله تعالى صادق في قوله, صادق في حديثه, صادق في وعده, خاطب عباده فأخبرهم بما يرضيه عنهم ويسخطه عليهم, وبما لهم من الثواب عنده إذا أرضوه, ومن العقاب لديه إذا أسخطوه, فصدقهم ولم يغررهم ولم يلبس عليهم, قاله الحليمي. (١٠) وقال بعض العلماء: أنه لم يرد في القرآن, وقد أنكر عليهم بعض الباحثين وقال: عجباً لهؤلاء الأئمة مع تبحرهم في كتاب الله تعالى والبحث في معانيه وتفسيره وتلاوته ليلاً ونهاراً كيف غفلوا عن هذا الاسم العظيم, حتى يقولوا: إنه لم يرد في القرآن وإنما ورد فعله؟! فكأنهم ﵏

стр. 562

لم يقرءوا سورة الأنعام لكن الذهول والنسيان يعتري الإنسان, والكمال إنما هو لذي الجلال. (١) ويجوز إجراء هذا الوصف منكراً على العبد من غير خلاف, وفي الذكر الحكيم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٢) , ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٣) . يقال: صدق الرجل فهو صادق وصدوق للمبالغة. وأما قوله تعالى: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) , فالألف واللام إنما جاءت للتعريف والتفخيم لكثرة تصديقهم, وسمي أبو بكر رضوان الله عليه بالصديق لتصديقه للنبي ﵌ في كل ما جاء به عن ربه, والصِّدِّيق -بوزن فِعِّيل للمبالغة- سماه رسول الله ﵌ بذلك فيما رواه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين, والصِّدِّيق هو الدائم الصدق الذي كثر صدقه في قوله وعمله وصدق الله في آياته وشواهده ودلائله وأسمائه وصفاته وأفعاله وحكمه وكلماته. ثمرة معرفة هذا الاسم الجليل إذا عرف المكلف أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه صادق في أقواله وأفعاله وجب عليه أن يؤمن بأنه لا أحد أصدق من الله, وأن أقواله الحق وأفعاله وحديثه ووعده ووعيده كلها صدق, ثم يجب عليه أن يتحلى بالصدق في جميع أقواله وأفعاله, لأن الصدق درجة رفيعة وحلة سنية جليلة, وهو

стр. 563

أصل لكل حال, وأسٌ لكل فضيلة, وامتثالاً لقول الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) , وامتثالاً لقول الرسول الله ﵌: (عليكم بالصدق ... الحديث) , ولأن كل من صدق وتحقق من صدقه فقد نجا, فعليك أخي بدوام الصدق تكتب صديقاً, وتكون من الصادقين الذين بذلوا المجهود من أنفسهم لربهم فيما بينهم وبينه فاستحقوا مدحه والثناء عليه بما جاء في كتابه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢) , وفي الحديث النبوي: (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) (٣) . وروي عن الفضيل بن عياض أنه قال: (ما من مضغة أحب إلى الله من لسان صدوق, وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب) , وفي الحديث النبوي: (فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله فادوا إذا أؤتمنتم واصدقوا إذا حدثتم وأحسنوا جوار من جاوركم) (٤) , وفي رواية: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة, وصدق حديث, وحسن خليقة, وعفة في طعمة) (٥) .

стр. 564

دعاء الله الصادق الكريم اللهم يا أصدق القائلين, ويا أكرم الأكرمين, ويا أرحم الراحمين, نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ان تصلى على محمد النبي الامين وأن تجعلنا من الصادقين في إيماننا وجميع أقوالنا وأفعالنا وأن تدخلنا والمؤمنين مدخل صدق وأن تجعل منازلنا والمؤمنين في دار كرامتك بالفردوس الأعلى من الجنة وأن تبوء لنا فيها مقعد صدق كرماً منك وفضلاً يا أرحم الراحمين, وصلى الله وسلم على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين. ولأبي مسلم العماني: الحمد لله استعطي الجزاء به ... في مقعد الصدق مجلى الحمد لله الحمد لله أحياني وعلمني ... وساسني وهداني الحمد لله الحمد لله أغناني وآثرني ... وقام بي ورعاني الحمد لله الحمد لله عافاني وأكرمني ... وخصني وحباني الحمد لله الحمد لله أعطاني وخولني ... وسد أبواب فقري الحمد لله الحمد لله زكاني وسددني ... وحاطني وكفاني الحمد لله الحمد لله تمجيداً لعزته ... وجهد عبد يبث الحمد لله الحمد لله ذي الحمد الحميد وما ... عساه أبلغه في الحمد لله الحمد لله أنعشني وصل على ... محمد مع أهل الحمد لله وله أيضاً: سبحانه له البقا والسبق ... من وعده الوعد الأتم الصدق

стр. 565

وصدق أسمائك عجل المدد بصدق لا إله إلا الله والنصر والتفريج والفتح القريب
следующие страницы →