مكانة الصدق رفيعة
أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث فيها النجاة: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله تعالى في الأعمال، وطيب المطعم.
وقال محمد سعيد المروزي: إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة. (١)
وللصادقين مكانة رفيعة يرضونها في الجنة تخصهم قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٢) ، وروى عبيد الله بن محمد التميمي عن أبيه قال: (كان عمر بن الخطاب بمنى فعطش، فانتهى إلى عجوز، فاستسقاها ماءاً, فقالت: ما عندنا، فقال: لبناً، فقالت: ما عندنا، فبدرت جارية، فقالت لها: تكذبين وما تستحيين؟ ثم قالت لعمر: هذا السقاء فيه لبن، فسأل عمر عن الجارية فإذا أبوها ثقفي فخطبها على عاصم بن عمر، فزوجها منه، فولد له منها أم عاصم، فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمة الله عليه) (٣) , والمرء مسئول عن إيمانه وصدقه وعن وفائه بعهده, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (٤) .
الصادق في أسماء الله وصفاته
نطق به القرآن اسماً وفعلاً قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٥) , وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ (٦) , وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٧) ,
وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٨) . والصادق في وصفه سبحانه صفة ذاتيه له راجعة إلى معنى كلامه, إذ الصدق هو ما تضمنه كلامه وهو المتكلم به, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ (٩) , فالله تعالى صادق في قوله, صادق في حديثه, صادق في وعده, خاطب عباده فأخبرهم بما يرضيه عنهم ويسخطه عليهم, وبما لهم من الثواب عنده إذا أرضوه, ومن العقاب لديه إذا أسخطوه, فصدقهم ولم يغررهم ولم يلبس عليهم, قاله الحليمي. (١٠)
وقال بعض العلماء: أنه لم يرد في القرآن, وقد أنكر عليهم بعض الباحثين وقال: عجباً لهؤلاء الأئمة مع تبحرهم في كتاب الله تعالى والبحث في معانيه وتفسيره وتلاوته ليلاً ونهاراً كيف غفلوا عن هذا الاسم العظيم, حتى يقولوا: إنه لم يرد في القرآن وإنما ورد فعله؟! فكأنهم ﵏
стр. 562
لم يقرءوا سورة الأنعام لكن الذهول والنسيان يعتري الإنسان, والكمال إنما هو لذي الجلال. (١) ويجوز إجراء هذا الوصف منكراً على العبد من غير خلاف, وفي الذكر الحكيم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٢) , ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٣) .
يقال: صدق الرجل فهو صادق وصدوق للمبالغة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) , فالألف واللام إنما جاءت للتعريف والتفخيم لكثرة تصديقهم, وسمي أبو بكر رضوان الله عليه بالصديق لتصديقه للنبي ﵌ في كل ما جاء به عن ربه, والصِّدِّيق -بوزن فِعِّيل للمبالغة- سماه رسول الله ﵌ بذلك فيما رواه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين, والصِّدِّيق هو الدائم الصدق الذي كثر صدقه في قوله وعمله وصدق الله في آياته وشواهده ودلائله وأسمائه وصفاته وأفعاله وحكمه وكلماته.
ثمرة معرفة هذا الاسم الجليل
إذا عرف المكلف أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه صادق في أقواله وأفعاله وجب عليه أن يؤمن بأنه لا أحد أصدق من الله, وأن أقواله الحق وأفعاله وحديثه ووعده ووعيده كلها صدق, ثم يجب عليه أن يتحلى بالصدق في جميع أقواله وأفعاله, لأن الصدق درجة رفيعة وحلة سنية جليلة, وهو
стр. 563
أصل لكل حال, وأسٌ لكل فضيلة, وامتثالاً لقول الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) , وامتثالاً لقول الرسول الله ﵌: (عليكم بالصدق ... الحديث) , ولأن كل من صدق وتحقق من صدقه فقد نجا, فعليك أخي بدوام الصدق تكتب صديقاً, وتكون من الصادقين الذين بذلوا المجهود من أنفسهم لربهم فيما بينهم وبينه فاستحقوا مدحه والثناء عليه بما جاء في كتابه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢) , وفي الحديث النبوي: (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) (٣) .
وروي عن الفضيل بن عياض أنه قال: (ما من مضغة أحب إلى الله من لسان صدوق, وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب) , وفي الحديث النبوي: (فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله فادوا إذا أؤتمنتم واصدقوا إذا حدثتم وأحسنوا جوار من جاوركم) (٤) , وفي رواية: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة, وصدق حديث, وحسن خليقة, وعفة في طعمة) (٥) .
стр. 564
دعاء الله الصادق الكريم
اللهم يا أصدق القائلين, ويا أكرم الأكرمين, ويا أرحم الراحمين, نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ان تصلى على محمد النبي الامين وأن تجعلنا من الصادقين في إيماننا وجميع أقوالنا وأفعالنا وأن تدخلنا والمؤمنين مدخل صدق وأن تجعل منازلنا والمؤمنين في دار كرامتك بالفردوس الأعلى من الجنة وأن تبوء لنا فيها مقعد صدق كرماً منك وفضلاً يا أرحم الراحمين, وصلى الله وسلم على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين.
ولأبي مسلم العماني:
الحمد لله استعطي الجزاء به ... في مقعد الصدق مجلى الحمد لله
الحمد لله أحياني وعلمني ... وساسني وهداني الحمد لله
الحمد لله أغناني وآثرني ... وقام بي ورعاني الحمد لله
الحمد لله عافاني وأكرمني ... وخصني وحباني الحمد لله
الحمد لله أعطاني وخولني ... وسد أبواب فقري الحمد لله
الحمد لله زكاني وسددني ... وحاطني وكفاني الحمد لله
الحمد لله تمجيداً لعزته ... وجهد عبد يبث الحمد لله
الحمد لله ذي الحمد الحميد وما ... عساه أبلغه في الحمد لله
الحمد لله أنعشني وصل على ... محمد مع أهل الحمد لله
وله أيضاً:
سبحانه له البقا والسبق ... من وعده الوعد الأتم الصدق
стр. 565
وصدق أسمائك عجل المدد
بصدق لا إله إلا الله
والنصر والتفريج والفتح القريب
стр. 566
الفصل الثامن والعشرون
الصديق والجليس
стр. 567
الصديق والجليس
الصديق: سمي الصديق صديقا لصدقه, وسمي الخليل خليلا لان محبته تتخلل القلب, فلا تدع فيه خللا الا ملأته. وفي الذكر الحكيم ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (١) , والصداقة سجية كريمة, وفضيلة عليا, وجليس الانسان صديقه وصاحبه, وهو اما ان يكون صالحا او فاسدا, ونقصد بالجليس الصالح: الصديق الفاضل المتحلي بالأخلاق الكريمة. وهو الذي ترتاح اليه النفس ويطمئن به الفؤاد وتنتعش الروح. ويقصد بجليس السوء: الصديق اوالصاحب الذي فسدت طباعه وساءت اخلاقه (٢) . ويتحقق نجاح الانسان اذا احسن اختيار جليسة وصديقه فحسن اختيار الصديق والجليس فلاح ونجاح, وتوفيق وصلاح, فالصديق الصالح زينة في الرخاء, وعدة البلاء, وعون على الأعداء, فالعاقل من ألزم نفسه صحبة الأخيار وفارق مجالسة الأشرار, لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها, ومودة الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها, فرأس الفضائل اصطناع الأفاضل ورأس الرذائل اصطناع الأراذل, ومن حسن صفاه وجب اصطفاؤه, ومن اصطنع الكرام نسب إليه الإحسان, ومن جالس اللئام فقد الإنعام, وتفرق عنه الإخوان.
وقد روي عن الحارث بن وجيه قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص (٣) مع الفجار.
стр. 568
وفي الحديث النبوي الشريف أن النبي ﵌ قال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) (١) .
قال عمر بن الخطاب ﵁: وحدة المرء خير من جليس السوء, وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما من شئ ادل على شئ, ولاالدخان على النار, من الصاحب على الصاحب,
وروى أبو حاتم: أن جعفر بن محمد قال: من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع: إذا خالطهم لم يظلمهم, وإذا حدثهم لم يكذبهم, ... وإذا وعدهم لم يخلفهم, وعلى الناس: أن يظهروا عدله, وأن تكمل فيهم مروءته, وأن يجب عليهم أخوته, وأن يحرم عليهم غيبته.
قال الشاعر:
أصحب خيار الناس أين لقيتهم ... خير الصحابة من يكون ظريفاً
والناس مثل دراهم ميزتها ... فرأيت فيها فضة وزيوفا (٢)
وفي الحديث النبوي (لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ (٣)) وللإمام علي ﵁ في اختيار الصديق والقرين:
هُمومُ رِجالٍ في أُمورٍ كَثيرَةٍ ... وَهَمّي مِنَ الدُنيا صَديقٌ مُساعِدُ
يَكونُ كَروحٍ بَينَ جِسمَينِ قُسِّمَت ... فَجِسمُهُما جِسمانِ وَالروحُ واحِدُ
стр. 569
وله أيضاً:
وَاِختَر قَرينَكَ وَاِصطَفيهِ تَفاخُراً ... إِنَّ القَرينَ إِلى المُقارَنِ يُنسَبُ
وَإِذا الصَديقَ رَأَيتَهُ مُتقَلِّباً ... فَهوَ العَدُوُّ وَحَقُّهُ يُتَجَنَّبُ
لا خَيرَ في وُدِّ اِمرِئٍ مُتَمَلِّقٍ ... حُلوِ اللِسانِ وَقَلبُهُ يَتَلَّهَبُ
يَلقاكَ يَحلِفُ أَنَّهُ بِكَ واثِقٌ ... وَإِذا تَوارى عَنكَ فَهوَ العَقرَبُ
يُعطيكَ مِن طَرَفِ اللِسانِ حَلاوَةً ... وَيَروغُ مِنكَ كَما يَروغُ الثَعلَبُ
وللإمام الشافعي ﵁:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلا تَكَلُّفاً ... فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ ... وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا
فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ ... وَلا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَد صَفا
إِذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً ... فَلا خَيرَ في وِدٍّ يَجيءُ تَكَلُّفا
وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ ... وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا
وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ ... وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا
سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها ... صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا
وفي الذكر الحكيم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ (١) , وورد عن الحسن البصري في تفسير الآية قال: حلماء علماء صبّر ثبّت إن ظلموا لم يظلموا, وإن بغي عليهم لم يبغوا, قد براهم الخوف كأنهم القداح.
стр. 570
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لم يعنه, وإن نسي لم يذكره, وإن غفل حرضه على ترك الذكر, ومن كان أصدقاؤه أشراراً كان هو شرهم, وكما أن الخير لا يصحب إلا البررة, كذلك الرديء لا يصحب إلا الفجرة, فإن المرء إذا اضطره الأمر فليصحب أهل المروءات. قال عبد الواحد بن زيد: جالسوا أهل الدين من أهل الدنيا ولا تجالسوا غيرهم فإن كنتم لا بد فاعلين فجالسوا أهل المروءات فإنهم لا يرفثون في مجالسهم. (١)
وفي الذكر الحكيم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢) .
اصطفاء الصديق من الأخيار
إن صداقة الأخيار, ومصاحبة المؤمنين الأبرار, ومحبتهم؛ تنجي من الهلكة والبوار, وتنقذ من الوقوع في الوحل والعار, وتجنب الإنسان العثرة والندم, قال الشاعر:
وصاحب خيار الناس تنجُ مسلماً ... وصاحب شرار الناس يوماً فتندما (٣)
أما لبيد بن ربيعة فهو يقول:
ما عاتَبَ الحُرَّ الكَريمَ كَنَفسِهِ ... وَالمَرءُ يُصلِحُهُ الجَليسُ الصالِحُ
الجليس الصالح كحامل المسك كما ورد في الحديث إما يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة, والجليس الصالح يدل على الخير, ويورث الشرف, فإن آخيته كان لك قوة, فالواجب على العاقل أن لا يغفل عن مؤاخاة الاخوان, وإعدادهم للنوائب والحدثان, ونسب إلى محمد بن واسع أنه قال: "لم يبقَ من العيش إلا ثلاثٌ: الصلاة في الجماعة ترزق فضلها وتكفى سهوها, وكفاف المعاش ليست لأحد من الناس عليك فيه منة ولله عليك فيه تبعة (٤) , وأخ محسن العشرة".وقال محمد بن عمران الضيى:
وما المرء إلا بإخوانه ... كما تقبض الكف بالمعصمِ
ولا خير في الكف مقطوعةً ... ولا خير في الساعد الأجذمِ
وقال آخر:
أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ مَن لا أَخاً لَه ... كَساعٍ إِلَى الهَيجا بِغَيرِ سِلاحِ
فصل جناح أخيك في الخير تؤجر, وصل جناح أخيك بالأجر تظفر, واصطفِ من تختاره لصداقتك وتؤاخيه, قال الشاعر:
إِنَّ اَخاكَ الحَقّ مَن كانَ مَعَك ... وَمَن يَضِرُّ نَفسَهُ لِيَنفَعَك
وَمَن إِذا ريبَ الزَمانُ صَدَعَك ... شَتَّتَ فيكَ شَملَهُ لِيَجمَعَك (٥)
стр. 571
وقليل من الناس من يتخلق بالوفاء ويلتزم في اختيار الصديق الوفاء, فالأخ الصديق هو الذي ينصرك مظلوماً بالعون, وينصرك حينما تكون ظالماً بردك عن ظلمك, كما جاء في الحديث النبوي الشريف: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا, فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ, قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ) (١) .
فالعاقل يصطفي جليسه ومن يؤاخيه, فلا يؤاخي اللئام, ولا يصادق أصحاب الدناءة والمذام, لأن اللئيم كالحية الصماء لا يوجد عندها إلا اللدغ والسم, وإنما يؤاخي الكريم الكرام, وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: وضع عمر بن الخطاب ﵁ للناس ثمانية عشر كلمة كلها حكم, قال: ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه, وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك, ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً وأن تجد لها محملاً, ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن, ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه, وعليك باخوان الصدق فعش في أكنافهم, ولا تعرض لما لا يعنيك, ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغل عما لم يكن, ولا تطلبن حاجة إلى من لا يحب لك نجاحها, ولا تصحبن الفاجر فتتعلم فجوره, واعتزل عدوك, واحذر صديقك إلا الأمين, ولا أمين إلا من خشي الله, وتخشع عند القول, وذل عند الطاعة, واعتصم
стр. 572
عند المعصية, واستشر في أمرك الذين يخشون الله, يقول الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) .
قال أبو حاتم ﵁: العاقل لا يؤاخي إلا ذا فضل في الرأي والدين والعلم والأخلاق الحسنة, ذا عقل نشأ مع الصالحين, لأن صحبة بليد نشأ مع العقلاء خير من صحبة لبيب نشأ مع الجهال. قال الشاعر
لا يغرنك صديق أبدا ... لك في المنظر حتى تخبره
كم صديق كنت منه في عمى ... غرني منه زماناً منظره
كان يلقاني بوجه طلق ... وكلام كالآلي ينثره
فإذا فتشته عن غيبه ... لم أجد ذاك لود يضمره
فدع الإخوان إلا كل من ... يضمر الود كما قد يظهره
فإذا فزت بمن يجمع ذا ... فاجعلنه لك ذخراً تذخره (٢)
أما محمد مصطفى الماحي فهو يرى أن الخل الناصح أهدى وأنفع من الأخ الشقيق فيقول:
ولرب خل ناصحٍ مترفقٍ ... أهدى وأنفع من أخٍ وشقيقِ
وقال آخر:
تَكَثَّر مِنَ الإِخوانِ ما اِسطَعتَ إِنَّهُم ... بُطونٌ إِذا اِستَنجَدتَهُم وَظُهورُ
ومَا بكَثيرٍ أَلفُ خِلٍّ لِعاقِلٍ ... وَإِنَّ عَدُوّاً واحِداً لَكَثيرُ
стр. 573
صداقة الأشرار عار
العاقل يستعيذ بالله من مصاحبة الأشرار, ومعاشرة الأنذال, فمصاحبة الأشرار داء عيا, وبلاء وأذى, فصديق من هذا القبيل ما هو إلا كالجاسوس يتتبع العثرات, ويدل على العورات, ما رأى من صالح دفنه, وما رأى من سيء أذاعه, وفي الأدعية المأثورة: (وأعوذ بك من خليل ماكرٍ عيناه تراني وقلبه يرعاني إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها) .
فالصديق والجليس السيئ إن ذكرت الله لم يعنك, وإن نسيت لم يذكرك, وإن غفلت ولهوت حرضك على اتباع الهوى واللهو وترك الذكر والخير, فمن كان أصدقاؤه أشراراً كان شرهم, قال الشاعر:
وَصاحِبِ السوء كَالداءِ العياءِ إِذا ... ما اِرفَضَّ في الجِلدِ يَجري هاهنا وَهنا
يَبدي وَيخبرُ عَن عَوراتِ صاحِبه ... وَما يَرى عِندَهُ من صالِحٍ دَفَنا (١)
أما صالح بن عبد القدوس فيقول:
شر الاِخلاء مَن تَسعى لِترضيه ... وَلا يَزال عَلَيك الدَهر غَضبانا
وله أيضاً:
تجنب قرين السوء واصرم حباله ... فإن لم تجد عنه محيصاً فداره
وأحبب حبيب الصدق وأحذر مراءه ... تنل منه صفو الود ما لم تماره
وله أيضاً:
وَاِحذَر مُصاحَبَة اللَئيمِ فَإِنَّهُ ... يُعدي كَما يُعدي الصَحيح الأَجرَبُ
وَدع الكَذوب فَلا يَكن لَكَ صاحِباً ... إِن الكَذوب يَشين حراً يَصحب (٢)
стр. 574
أما محمد البغدادي فهو يرى أن من لم تتوفر فيه سلامة الصدر والصدق وكتمان السر فإنه يباع ولو بكف من رماد وذلك حيث يقول:
إذا المرء أخطأه ثلاث ... فبعه ولو بكف من رمادِ
سلامة صدره والصدق منه ... وكتمان السرائر في الفؤادِ (١)
التلون في الصداقة
إن التلون في الصداقة مذموم, فالعاقل يحافظ على صديقه وجليسه, وإن من أعظم العيوب التلون في وداد الصديق, وكثرة التأفف والضيق, قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁:
وَلا خَيرَ في وِدِّ اِمرِئٍ مُتَلَّونٍ ... إِذا الريحُ مالَت مالَ حَيثُ تَميلُ
جَوادٌ إِذا اِستَغنَيتَ عَن أَخذِ مالِهِ ... وَعِندَ اِحتِمالِ الفَقرِ عَنكَ بَخيلُ
فَما أَكثَرَ الإِخوان حينَ تَعدّهُم ... وَلَكِنَهُم في النائِباتِ قَليلُ
وقد قيل في صداقة المتلون: مودته متنقلة كتنقل الأفياء, وأخُوته متلونة كتلون الحرباء, قال الشاعر:
قُل لِلَّذي لَست أَدري مِن تَلونه ... أَناصح أَم علي غش يُداجيني
تَغتابَني عِندَ اِقوام وَتَمدحني ... في آخَرينَ وَكل عَنكَ يَأتيني
وقال آخر:
أخ لي كأيام الحياة اخاؤه ... تلون ألوان عليَّ خطوبها
إذا عبت منه عيبة فتركته ... دعتني منه خلة لا أعيبها
стр. 575
فراق الصديق المتلون
قال اسحاق الموصلي: "ذكرت للعباس العلوي رجلاً فقال: دعني أتذوق طعم فراقه, فهو والله لا تشجى له النفس, ولا يدمى لفراقه الجفن". وقيل: "لا تصحب من لا يرى لك في الود مثلما ترى له". وقيل: "شغل المرء بمشتغل عنه مسقطة من العيون وإقباله على معرض عنه معرضة به لسوء الظنون", قال الشاعر:
إذا لم يزل صاحبي يلتوي ... فقطع قرابته أروج
مفارقة جليس السوء
أجهل الناس من استأنس بالوحدة, واستكثر من الخلوة, وقيل: اياك من العزلة فإن في ملاقاة الناس معتبراً نافعاً, ومتعضاً واسعاً, فإن البيت رمس ما لزمته, قال الشاعر:
وحدة الإنسان خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خيرٌ ... من جلوس المرء وحده (١)
وفاء الصديق
نعم الخل الرضي, والصديق الوفي, والجليس الذكي التقي, فمن لا وفاء له لا خلق له, وفي الأمثال السائرة: الصديق عند الضيق, وحافظ على الصديق ولو في الحريق.
стр. 576
قال ابوالعتاهية:
أُحِبُّ مِنَ الإِخوانِ كُلَّ مُؤاتِ ... وَفِيٍّ يَغُضُّ الطَرفَ عَن عَثَراتي
يُوافِقُني في كُلِّ خَيرٍ أُريدُهُ ... وَيَحفَظُني حَيّاً وَبَعدَ وَفاتي
وَمَن لي بِهَذا لَيتَ أَنّي أَصَبتُهُ ... فَقاسَمتُهُ مالي مِنَ الحَسَناتِ
تَصَفَّحتُ إِخواني فَكانَ أَقَلُّهُم ... عَلى كَثرَةِ الإِخوانِ أَهلَ ثِقاتِ
وقال اخر:
وَكُلُّ أَخٍ يَقولُ أَنا وَفِيٌّ ... وَلَكِن لَيسَ يَفعَلُ ما يَقولُ
سِوى خِلٍّ لَهُ حَسَبٌ وَدينٌ ... فَذاكَ لِما يَقولُ هُوَ الفَعولُ (١)
أما الشافعي ﵁ فهو يقول:
إِذا لَم أَجِد خِلاً تَقِيّاً فَوِحدَتي ... أَلَذُّ وَأَشهى مِن غَوِيٍّ أُعاشِرُه
قال أبو حاتم ﵁: الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امرئ مسلم صحيح الوداد محافظاً عليه أن يتمسك به, ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه, وعلى الإقبال عليه إن صد عنه, وعلى البذل له إن حرمه, وعلى الدنو منه إذا باعده, حتى كأنه ركنٌ من أركانه, وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد, فالعاقل لا يقصر في تعهد الوداد, ولا يكون ذا لونين, وذا قلبين, بل يوافق سره علانيته, وقوله فعله, ولا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل ويزيد في حالهما الدغل,
قال الشاعر:
وكم من صديق وده بلسانه ... خؤون بظهر الغيب لا يتندم
يضاحكني كرهاً لكيما أوده ... وتتبعني منه إذا غبت أسهم (٢)
стр. 577
وقال آخر:
أف وتف لمن مودته ... إن زلت عنه سويعةً زالت
إن مالت الريح هكذا أو كذا ... مال مع الريح حيثما مالت (١)
ولبعض الشعراء:
وما أحب إذا أحببت مكتتماً ... يبدي العداوة أحياناً ويخفيها
تظل في قلبه البغضاء كامنةً ... فالقلب يكتمها والعين تبديها
والنفس تعرف في عيني محدثها ... من كان من سلمها أو من أعاديها
عيناك قد دلتا عيني منك على ... أشياء لولاهما ما كنت أدريها
مصاحبة الجاهل والأحمق
الناس في أخلاقهم وأوصافهم أجناس وإن كان أصلهم واحداً, فإنهم يختلفون باختلاف البيئات التي تربوا فيها, والأمور التي نشأوا عليها, ولهذا اعتبر الناس باخدانهم -أي أصدقاءهم- وروي عن مالك أنه قال: الناس أشكال كأجناس الطير: الحمام مع الحمام, والغراب مع الغراب, والبط مع البط, والصعو (٢) مع الصعو, وكل إنسان مع شكله. قال الشاعر:
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه ... وذو العُر (٣) إذا ما احتك ذا الصحة أعداه
وللشيء من الشيء مقاييس وأشباه ... وللروح على الروح دليل حين يلقاه
стр. 578
وقال آخر:
إِنَّ القُلوبَ لأَجنادٌ مُجَنَّدَةٌ ... لِلَّهِ في الأَرضِ بِالأَهواءِ تَختَلِفُ
فَما تَعارَفَ مِنها فَهوَ مُؤتَلِفٌ ... وَما تَناكَرَ مِنها فَهوَ مُختَلِفُ
وفي الحديث النبوي: (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ) (١) .
وقال أبو حاتم ﵁: العاقل يجتنب مواشاة المريب في نفسه, ويفارق صحبة المتهم في دينه, لأن من صحب قوماً عرف بهم, ومن عاشر أمرءاً نسب إليه, والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله, فإذا لم يجد المرء بداً من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه, وإن رأى منه حسنة عدّها, وإن رأى منه سيئةً سترها, وإن سكت عنه ابتدأه, وإن سأله أعطاه (٢) , وذلك لا يكون في أحمق أو جاهل, ... لأن الجاهل يجهل حق الصداقة وحظها, والأحمق إن لم يعدك من حمقه تدنست بعشرته, بل ربما أصابك ضررٌ من صداقته, فإنك إن أعرضت عنه اغتم, وإن أقبلت عليه اغتر, وإن حلمت عنه جهل عليك, وإن أحسنت إليه أساء إليك, قال الشاعر:
لا تصحب الجاهـ ... ـل إياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليماً حين آخاه
стр. 579
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
قال مسكين الدارمي:
اتقِ الأحمق أَن تصحبه ... إِنَّما الأَحمق كالثوب الخلق
كُلما رقعت منه جانباً ... حرّكته الريح وهناً فانخرق
أَو كصدع في زجاج فاحش ... هَل ترى صدع زجاج متفق
وَإِذا جالسته في مجلسٍ ... أَفسد المجلس منه بالخرق
وإِذا نهنهته كي يرعوي ... زاد جهلا وَتَمادى في الحمق
واذا الفاحش لاقى فاحشاً ... فهناكم وافق الشن الطبق
إِنَّما الفحش ومن يعتاده ... كَغُراب السوء ما شاء نعق
أَو حمار السوء إِن أَشبعته ... رمح الناس وان جاع نهق
وَغلام السوء إِن جوَّعته ... سرق الجار وان يشبع فسق
أَيُّها السائل عما قد مَضى ... هَل جديد مثل ملبوس خلق
أَنا مسكين لمن انكرني ... ولمن يعرفني جد نطق
لا أَبيع الناس عرضي إِنَّني ... لَو أَبيع الناس عرضي لنفق
وقال آخر:
لن يسمع الأحمق من واعظ ... في رفعه الصوت وفي همه
لن تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والحمق داء ما له حيلة ... ترجى كبعد النجم في لمسه
стр. 580
وقيل: "لا تؤاخ الفاجر فإنه يزين لك فعله, ويحب لو أنك مثله, ويزين لك أسوء خصاله, ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين وعار. ... ولا الأحمق فإنه يجتهد بنفسه لك ولا ينفعك, وربما أراد أن ينفعك فيضرك, فسكوته خير من نطقه, وبعده خير من قربه, وموته خير من حياته. ... ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه عيش, ينقل حديثك, وينقل الحديث إليك, حتى كأنه ليحدث بالصدق فيصدق. (١)
وقال بعض الحكماء: "من أخلاق الحمق: العجلة والخفة والجفاء والغرور والفجور والسفه والجهل والتواني والخيانة والظلم والضياع والتفريط والغفلة والسرور والخيلاء والفجر والمكر, وإن استغنى بطر, وإن افتقر قنط, وإن فرح أشر, وإن قال فحش, وإن سأل ألح, وإن قال لم يحسن, وإن قيل له لم يفقه, وإن ضحك نهق, وإن بكى خار".
وقيل: "يعرف الأحمق بست خصال: الغضب من غير شيء, والإعطاء في غير حق, والكلام من غير منفعة, والثقة بكل أحد, وإفشاء السر, وأن لا يفرق بين عدوه وصديقه, ويتكلم ما يخطر على قلبه, ويتوهم أنه أعقل الناس".
وقال أبو حاتم بن حيان الحافظ: من علامات الحمق سرعة الجواب, وترك التثبت, والإفراط في الضحك, وكثرة الالتفات, والوقيعة في الأخيار, والاختلاط بالأشرار. فمن ابتلي بصحبة الأحمق فليكثر من حمد الله على ما وهب له مما حرمه ذاك. قال محمد الشامي:
стр. 581
لنا جليس تركٌ للأدب ... جليسه من قوله في تعب
يغضب جهلاً عند حال الرضى ... ومنه يرضى عند حال الغضب (١)
صداقة الكسلان ومجالسته
من علامة الخذلان مصاحبة الكسلان, ومفارقة الاخوان, والبعد عن خلال الإيمان, قال الشاعر:
لا تصحب الكسلان في حاجة ... كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الحديد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد (٢)
فالكسل الداء, والعاقل لا يكسل بل يجد ويجتهد في عمله, والمؤمن يستعيذ بالله من الكسل ويشمر للجد في العمل, وفي الحديث النبوي الشريف: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) (٣) .
صداقة العدو
أعقل الناس من استطاع أن يحول العدو إلى صديق, لا أن يتذلل للعدو ويداهنه في الصداقة خشية ضره, فذلك نكد ومرض, قال المتنبي:
وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ أَن يَرى ... عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ
стр. 582
وقال آخر:
وَاللَيث يُظهِرُ أن يَراك تَوَدُّداً ... مِن رَوعه وَالقَلب فيهِ ضَغائن
وقيل: "من عاشر الاخوان بالمكر كافؤه بالغدر", قال الشاعر:
إِذا أَنتَ فَتَّشتَ القُلوبَ وَجَدتَه ... قُلوبَ الأَعادي في جُسومِ الأَصادِقِ (١)
وقال آخر:
عدوُّكَ من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرنَّ من الصِّحاب
فإن الداءَ أكثرَ ما تراهُ ... يكونُ من الطعام أو الشرابِ
من الصداقات ما يؤذي
الصداقة قوة وأخوة, والغالب عليها النفع, ومنها ما يضر وينفع, قال المتنبي:
وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنالُكَ نَفعُهُ ... وَمِنَ الصَداقَةِ ما يَضُرُّ وَيُؤلِمُ
أما منصور بن اسماعيل الفقيه فهو يقول:
احذَر عدوَّك مرَّةً ... واحذَر صَديقَكَ ألف مَرَّه
فَلَرُبَّما اِنقَلَبَ الصَّديـ ... ـقُ فَكانَ أَعلَمَ بالمَضَرَّة
وفي الحديث النبوي الشريف: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا) (٢) .
أما عبد الله البردوني فهو يرى في الصداقات ما يؤذي وذلك حيث يقول:
стр. 583
والصداقات كالعداوات تؤذي ... فسواء من تصطفي أو تعادي
وقال آخر:
وزهَّدني في الناس معرفتي بهم ... وطُول اختياري صاحباً بعد صاحبِ
فلم تُرِني الأيامُ خِلّاً تسرُّني ... بَواديه إلا ساءني في العواقبِ
ولا صِرتُ أدعوهُ لدفعِ ملمّةٍ ... من الدهر إلا كان إحدى النوائبِ
الاحتمال للصديق واستبقاء وده
العاقل يحتمل لإخوانه وأصدقائه, ولا يقصر في تعهد وداد أصدقائه, فإن أعجز الناس من قصر عن طلب الإخوان, وأعجز منه من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم, وأكثر معاتبتهم, قال الشاعر:
أَخوكَ الَّذي إِن رِبتَهُ قالَ إِنَّما ... أَرَبتُ وَإِن عاتَبتَهُ لانَ جانِبُه
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً ... صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ ... مُفارِقُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى ... ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه (١)
وقال آخر:
وَكُنتُ إِذا الصَديقُ أَرادَ غَيظي ... وَأَشرَقَني عَلى حَنَقٍ بِريقي
غَفَرتُ ذُنوبَهُ وَصَفَحتُ عَنهُ ... مَخافَةَ أَن أَعيشَ بِلا صَديقِ (٢)
стр. 584
فإذا لم تجد صديقاً صادقاً فإن الانفراد والخلوة أجمع لدواعي السلوة, وفيها الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم, قال الشاعر:
وَقالوا لِقاءُ الناسِ أُنسٌ وَراحَةٌ ... وَلَو كُنتُ أَرضى الناسَ ماكُنتُ مُفَردا (١)
وقال أبو الدرداء: كان الناس ورقاً لا شوك فيه, وقد صاروا شوكاً لا ورق فيه, إذا نافرتهم نفروك وإن تركتهم ما تركوك. (٢)
فإذا تأذى الإنسان بالجليس وقلَّ من الأصدقاء الأنيس فلا تجعل من نفسك صديقاً للأشرار, ولا تشتغل عن الله بمداناة الفجار, قال الشاعر:
طب عن الأمة نفساً ... وارض بالوحدة أنساً
لست بالواجد خلاً ... أو ترد اليوم أمسا
فإذا أردت الصاحب فالله يكفيك, وإن أرت أنيساً فالقرآن يؤنسك ويؤاسيك.
стр. 585
الفصل التاسع والعشرون
الأخلاق الحسنة
стр. 586
الأخلاق الحسنة
الأخلاق الحسنة هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم, فلا تنهض الجماعات البشرية, ويعلو بنيانها, وتستقيم أحوالها, وتسمو حضارتها؛ إلا بالأخلاق الحسنة الفاضلة, فهي الركيزة الأساس في بناء كل مجتمع ينشد المحبة والإخاء, ويحرص على النهضة والبناء, ومن أجل ذلك كانت رسالة الأنبياء تحث على الأخلاق الفاضلة, وفي الحديث النبوي الشريف: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ) (١) , فالخلق الحسن يعني بسط الوجه, وبذل الندى, وكف الأذى, فتحلى أخي بالخُلق الحسن تكن من الناس قريباً, وفيما بينهم حبيباً, وقد قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: (حسن الخلق في ثلاث خصال: إجتناب المحارم, وطلب الحلال, والتوسعة على العيال) , وقد روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه من حديث النواس ابن سنعان ﵁ قال: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَنْ الْبِرِّ وَالإِثْمِ: فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) (٢) .
وقال الغزالي: الخَلق والخُلق عبارتان مستعملتان معاً، يقال: فلان حسن الخلق والخلق -أي حسن الباطن والظاهر- فيراد بالخلق الصورة الظاهرة، ويراد بالخلق الصورة الباطنة. وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك
стр. 587
بالبصر ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة. ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة. فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدراً من الجسد المدرك بالبصر. (١)
الخُلق الحسن منزلة رفيعة
للخلق الحسن منزلة رفيعة يبلغ بها الإنسان الدرجات العالية في الدنيا والآخرة, فمن حسنت أخلاقه وجبت محبته, ونال مراده, وفي الحديث النبوي الشريف أن النبي ﵌ قال: (إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ، الْعَيْبَ) (٢) .
وقيل: "في حسن الأخلاق سعة كنوز الأرزاق", وقيل: "صفاء الأخلاق من نقاء الأعراق, وإنما تحيا الأمم بأخلاقها", ويرحم الله شوقي حيث يقول:
إِنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَت ... فَإِن هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُم ذَهَبُوا (٣)
وله أيضاً:
وَإِنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَت ... فَإِن تَوَلَّت مَضَوا في إِثرِها قُدُما (٤)
стр. 588
ولله در القائل:
ولو أنني خيرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاقِ
والعاقل من يحفظ على الأخلاق الفاضلة لأنها تجارة رابحة, وفي الحديث النبوي الشريف: (مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ) (١) .
في حسن الخلق التقرب إلى الرحمن, والأخذ بهدي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام, وفي ذلك دليل على كمال الإيمان, وفي حسن الخلق التوسعة على الأهل والأولاد والإخوان, والإحسان إلى الجيران, والابتعاد عن خطوات الشيطان, وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق عملا أحب إلى الله منهما) (٢) , فحسن الخلق زيادة في الخير, وكسب للمعروف, وتقدم وعلو, وفي حسن الخلق نماء, وزيادة في العمر, ودليل على الشرف, ويرحم الله القائل:
أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلماً ... وشر الناس من يهوى السبابا
التآلف والحب بحسن الخلق
بحسن الخلق تألف الاخوان, وطاعة الرحمن, وهو باب من أبواب الإحسان, ففي الحديث النبوي أن رسول الله ﵌ قال: (يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق) ، قال أبو هريرة ﵁: ... وما حسن الخلق يا رسول الله؟ قال: (تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك) ، ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر طابت الثمرة، وكيف وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع، قال الله تعالى مظهراً عظيم منته على الخلق بنعمة الألفة: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وقال: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ (٤) أي بالألفة.
ويرحم الله القائل:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعلِ (٥)
استحباب اكتساب الأخلاق الفاضلة حتى تكون خُلقاً وطبعاً
دأب الفاضل ودينه تعلم الأخلاق الفاضلة, واكتساب الأخلاق الحسنة, فإنه لن يبلغ الإنسان ما يريده من الأخلاق الحسنة حتى يبحث عنها ويتعلمها, فالعاقل من يسعى لاكتساب علم الأخلاق التي تبحث عن معنى الخير والشر, وتبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس مع بعضهم بعضاً, حتى ينير علم الأخلاق سبيله, ويكون هدفه ودينه, فهو أقوى الدعائم التي تحفظ كيان الأمم, ولهذا نرى الباحثين والفلاسفة يتفقون على ضرورة
стр. 589
اكتساب الأخلاق الفاضلة لأنها تصلح الفرد نفسه والمجتمع في جملته, فكما أن الفرد يزكو وتحسن أعماله بالأخلاق الفاضلة, فكذلك يفسد بالأخلاق الفسادة, وتفسد المجتمعات أيضاً بشيوع الصفات والأخلاق السيئة في آحادها, ولهذا فإن أول ما تتوجه عناية المصلحين والفلاسفة والمشرعين العاملين على إنهاض الجماعات البشرية إلى الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة لأنها الدعامة الأولى في بناء كل مجتمع سليم, ولم يبالغ (شاتوبريان) حين قال: "الأخلاق أساس كل مجتمع". (١)
ولله در القائل:
فَلَم أَجِدِ الأَخلاقَ إِلا تَخَلُّقاً ... وَلَم أَجِدِ الأَفضالَ إِلا تَفَضُّلا (٢)
وقال آخر:
وَفي الحِلمِ وَالإِسلامِ لِلمَرءِ وازِعٌ ... وَفي تَركِ طاعاتِ الفُؤادِ المُتَيَّمِ
بَصائِرُ رُشدٍ لِلفَتى مُستَبينَةٌ ... وَأَخلاقُ صِدقٍ عِلمُها بِالتَعَلُّمِ (٣)
أما حاتم الطائي فهو يقول:
تَحَمَّل عَنِ الأَدنَينَ وَاِستَبقِ وُدَّهُم ... وَلَن تَستَطيعَ الحِلمَ حَتّى تَحَلَّما (٤)
وقال آخر:
كذاك أُدّبت حتى صار من خلقي ... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب (٥)
стр. 590
ولكن بعض الشعراء يرى غلبة الخَلق على التخلق, والطبع على التطبع, وفي ذلك يقول محمد الاشبيلي:
وكل إلى طبعه عائد ... وإن صده المنع عن قصده
كذا الماء من بعد اسخانه ... يعود سريعاً إلى برده
ويرى آخر أن من شب على شيء شاب عليه وأن الشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه فيقول:
وَالشَيخُ لا يَترُك اِخلاقه ... حَتّى يُواري في ثَرى رمسه (١)
ولابن بسام الشنتريني:
يا أَيُّها المُتَحَلِّي غَيرَ شِيمَتِهِ ... إِنَّ التَخَلُّقَ يَأتي دُونَهُ الخُلُقُ (٢)
وقال آخر:
إذا ما طلبت شيمةً غير شيمةٍ ... طبعت عليها لم تجبك الطبائع
أما ذو الأصبع العدواني فهو يقول:
كُلُّ اِمرِئٍ صائِرٌ يَوماً لِشيمَتِهِ ... وَإِن تَخَلَّقَ أَخلاقاً إِلى حينِ
وقال آخر:
ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إن التخلق يأتي دونه الخُلق
أما اسحاق الخريمي فهو يقول:
الناسُ أَخلاقُهُم شَتّى وَإِن جُبِلوا ... عَلى تَشابُهِ أَرواح وَأَجسادِ
стр. 591
والظاهر أن من عود نفسه الفضيلة والخلق الحسن اعتادها, قال عبد الله ابن المبارك:
خَالِق الناسَ بِخُلقٍ حَسَن ... لا تَكُن كَلباً عَلى الناسِ تَهر (١)
وفي الحديث النبوي الشريف: (اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (٢) .
من حسّن الله خَلقه ينبغي أن يحسن خُلقه
إن من أكرمه الله بحسن الخَلق يبغي أن يكون حسن الخُلق, وقد قيل أن الخُلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الأفعال بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحدودة شرعاً وعقلاً سميت تلك الأفعال خلقاً حسناً, وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً. (٣)
وفي الحديث النبوي: (أطلبوا الخير عند حسان الوجوه) (٤) , وفي الذكر الحكيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) , وفي سورة التغابن يقول العزيز الحكيم: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ
стр. 592
الْمَصِيرُ﴾ (١) , فسبحان من أحسن خلق الإنسان وأوجد من العدم الصور الحسان, وجاء في سورة الرحمن مزيد بيان: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٢) , فمن خلقه الله في أحسن تقويم وجب عليه أن يكون من المحسنين الشاكرين للعزيز الرحيم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ* لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال) . وقال أنس بن مالك ﵁: "إن العبد لبيلغ بحسن خُلقه أعلى درجات الجنة وهو غير عابد, ويبلغ بسوء خُلقه أسفل درجات جهنم وهو عابد". وقال يحيى بن معاذ ﵀: "حسن الخُلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات, وسوء الخُلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات" (٤) .
وإن حسن الوجه إذا كان حسن الأخلاق كان قريباً من الله قريباً من الناس, يحبهم ويحبوه, ويألفهم ويألفوه, يسعى بالبر ويعين عليه, بحسن أخلاق المرء تنصلح أحواله, وتزكو أعماله, وتحسن طويته, وتكبر همته, ويعظم نفعه, قال الشاعر:
حَسَنُ الوَجْهِ والخَلائِقِ والعَهْدِ ... كريمُ الأقْوالِ والأفْعالِ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ, قَالَتْ: فَدُونَكَ فَسَمْعًا وَطَاعَةً, قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأْسِ الْجَمَلِ فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ ثُمَّ جَلَسْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ قَالَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَرَأَى الْجَمَلَ, فَقَالَ: (مَا هَذَا؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ, قَالَ: (فَأَيْنَ جَابِرٌ؟) فَدُعِيتُ لَهُ, قَالَ: (تَعَالَ -أَيْ يَا ابْنَ أَخِي- خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ فَهُوَ لَكَ) , قَالَ: فَدَعَا بِلالاً, فَقَالَ: (اذْهَبْ بِجَابِرٍ فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً) , فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا, قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا وَنَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا. (١)
إن في هذه القصة من الخُلق الكريم ما يدل على علو مكانة محمد ﵌, ولطف معاشرته, وفكاهة محاورته, ولين خطابه, وهو ما يدفع العاقل إلى حسن الإقتداء به ﵌, ويستفاد من ذلك أن حسن الخلق هو أفضل ما اقتنى الإنسان لنفسه في الدنيا وأجل ما يذخر له في العقبى, ولله در القائل:
ما مِن جَميلٍ مِنَ الدُنيا وَلا حَسَنٍ ... إِلا وَأَكثَرُهُ في ذَلِكَ الخُلُقِ (٢)
وإلى هنا تم بحمد الله وعونه وتوفيقه
ويليه الجزء الثاني
стр. 596
المحتويات
مقدمة ... ٣
الفصل الأول ... ٩
العلم هو إدراك الشيء بحقيقته ... ١١
بقاء العلم ... ١٤
العلم عون الدين ... ١٦
العلم يرفع الله به الوضيع ... ١٧
العلم عنوان العز ... ١٨
أشرف العلوم ... ٢٠
مبادئ العلوم ... ٢١
الجد في طلب العلم ... ٢٢
محبة العلم ... ٢٥
تعظيم العلم ... ٢٥
تكريم المعلم ... ٢٦
المعلم الذي لا يؤدي واجبه ... ٢٨
المعلم الذي يخالف علمه عمله ... ٢٩
حق التعليم مكفول للصغير والكبير ... ٢٩
ترك المعاصي سبب في حفظ العلوم وجمعها ... ٣٣
إنفاق العلم وعدم جواز كتمه ... ٣٤
القصة في الحديث النبوي ... ٣٥
الجهل يضاد العلم ... ٣٥
الفتيا بغير علم إثم ... ٣٨
العليم الخبير في أسماء الله الحسنى ... ٣٩
علم الله جل وعلا علم تفرده به ... ٤٤
стр. 597
ثمرة معرفة اسم الله تعالى العليم الخبير ... ٤٥
دعاء الله باسمه العالم العليم ... ٤٨
الفصل الثاني ... ٥١
العقل ... ٥٣
العقل والهوى متعاديان ... ٥٦
عداوة العاقل خير من صداقة الأحمق ... ٦٠
العقل مناط التدبر وطريق الهدى والرشاد ... ٦٠
العقل نوعان: مطبوع ومسموع ... ٦٣
الإنكار على من لم يُعمِل عقله ... ٦٤
إغفال العقل ... ٦٥
التجارب تزيد في العقل ... ٦٥
الأدب النفسي ودوره في تنمية العقل ... ٦٦
كمال العقل ... ٦٧
القصة ... ٦٨
الفصل الثالث ... ٧٥
الإنسانية أصلها واحد ... ٧٧
القصة ... ٨٠
الأمثال العربية ... ٨١
الإسلام يدعو إلى الأخوة والتعاون ... ٨٤
مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية ... ٨٧
نجاح الأفراد والأمم وأثر الاتفاق والاختلاف على الأسرة الإنسانية ... ٨٨
مراحل نمو خَلق الإنسان تدل على أن الله وحده الخالق المنان ... ٩٦
الخالق في أسماء الله الحسنى ... ١٠٠
ثمرة معرفة اسم الله الخالق وحده لا شريك له ... ١٠١
دعاء الله باسمه الخالق ... ١٠٣
الفصل الرابع ... ١٠٥
القلم ... ١٠٧
القلم تحيا به الأمم وتتعلّم ... ١٠٨
دور القلم في سعادة الأمم وشقاؤها ... ١٠٩
стр. 598
القلم الالكتروني ... ١١٣
الكتابة الإلكترونية: ماهيتها وطبيعتها ... ١١٤
القوة الثبوتية للكتابة الالكترونية ... ١١٦
تسمية ما يكتب فيه عند العرب ... ١١٩
الكَتبُ إنشاؤه وزبره ... ١٢٦
السطر ... ١٢٨
الكتاب عرضه وحفظه ... ١٢٨
الحفيظ والمحصي من أسماء الله الحسنى ... ١٣٠
ثمرة معرفة اسم الله الحفيظ الحافظ المحصي ... ١٣٤
دعاء الله باسمه الحفيظ الحافظ المحصي ... ١٣٧
الفصل الخامس ... ١٣٩
الإيمان ... ١٤١
النجاة في الإيمان بالله ... ١٤٣
الرفعة بالإيمان ... ١٤٤
الإيمان بالقضاء والقدر ... ١٤٥
القدر في القرآن ... ١٥٠
الرضا والتسليم دليل الإيمان ... ١٥٤
قصة إيمان أهل الكهف في القرآن ... ١٥٥
الإيمان بالله يزيل الهم ... ١٥٦
من يؤمن بالله يهدي قلبه ... ١٥٧
الخلال الدنيئة ليست من صفات المؤمن ... ١٥٨
النفاق يضاد الإيمان ... ١٥٨
الإيمان بالغيب ... ١٦١
إخبار المنجم عن علم الغيب كذب والتصديق به كفر ... ١٦٤
علم الفلك والنجوم ... ١٦٦
الإيمان بأسماء الله وصفاته ... ١٦٨
الذكر يقوي الإيمان ... ١٧٠
ذكر الله في جوف الليل ... ١٧٢
стр. 599
ذكر الله شرف ونعمة ... ١٧٣
الدعاء يقوي الإيمان ... ١٧٤
من تقرب إلى الله بالدعاء ضمن الإجابة ... ١٧٥
المؤمن من أسماء الله الحسنى ... ١٧٦
ثمرة التعرف على اسم الله المؤمن ... ١٧٧
دعاء الله باسمه المؤمن ... ١٧٨
الفصل السادس ... ١٧٩
العمل ... ١٨١
العمل سبب الغنى ... ١٨٢
البكور في طلب الرزق ... ١٨٤
الحرفة أو الصنعة ضرورة ... ١٨٧
أصناف الصناعات ... ١٨٨
إتقان العمل ... ١٩٠
البحث عن العمل ... ١٩٣
القصة ... ١٩٣
إعطاء العامل أجره ... ١٩٤
إعطاء العامل حظه من الراحة ... ١٩٤
بعث الهمم على العمل ... ١٩٥
الباعث في أسماء الله الحسنى ... ١٩٦
ثمرة معرفة اسم الله الباعث ... ١٩٨
الدعاء باسم الله الباعث ... ١٩٩
الفصل السابع ... ٢٠١
السفر والسياحة ... ٢٠٣
حقيقة السفر ... ٢٠٤
السفر فيه قضاء الحوائج ... ٢٠٦
التغيير بالسفر يكسر (الروتين) وينقي الفكر ... ٢٠٧
علاج (الروتين) الممل ... ٢١٠
تأكد من قدرتك الصحية على السفر ... ٢١٢
стр. 600
آداب السفر ... ٢١٣
الابتسامة والبهجة في السفر ... ٢١٩
الاستمتاع بالسفر والسياحة لا يعني السقوط في الوحل ... ٢٣٣
حاجة المسافر إلى قراءة شيء من القرآن في أسفاره ... ٢٣٧
المشي يعين على الطاعة ويجلب السعادة ... ٢٤١
العز والشرف في التنقل ... ٢٤٤
أخطار السفر في هذا الزمن قليلة فتمتع بنعمته الكبيرة ... ٢٤٦
الطائرات السابحات في الجو ... ٢٤٩
السفر يهدي إلى التعرف على عظمة الصانع جلت قدرته ... ٢٥٠
الهادي من أسماء الله الحسنى ... ٢٥٢
ثمرة معرفة اسم الله الهادي ... ٢٥٦
دعاء الله باسمه الهادي ... ٢٥٨
الفصل الثامن ... ٢٦١
الحرية والإباء ... ٢٦٣
الحرية التي ليس عليها ضوابط ... ٢٦٥
الحرية ليس لها ثمن ... ٢٦٦
لوم الحر نجاة له ... ٢٦٨
الحر لا يريق ماء وجهه ... ٢٦٩
الحر يأبى الذل والهوان ... ٢٧٠
الحر يقاوم الطغيان ... ٢٧١
الحر يحفظ الود ... ٢٩٠
فقد الحر رزيئة ... ٢٩١
الفصل التاسع ... ٢٩٣
الوطن ... ٢٩٥
حب الوطن ووصفه ... ٢٩٧
دعائم المواطنه ... ٣٠١
خيانة الأوطان جناية ... ٣٠٧
مرارة الغربة عن الأوطان ... ٣٠٩