Полный текст (1 043 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 644
الخلال المطلوب توافرها في المشير
من حق العاقل ان يضيف إلى رأيه رأي العلماء, ويجمع إلى عقله عقول الحكماء, ويحسن اختيار المشير, ويديم الاسترشاد, ويترك الاستبداد, فالرأي الفرد ربما زل, والعقل الفرد ربما ضل, وزلة الرأي تأتي على الفرد فتضعفه, وتأتي على الملك وتؤدي إلى الهلك, فمن التوفيق حسن اختيار المشير, وقديما قيل من احسن الوفاء استوجب الاصطفاء, ومن استشار الرشيد عمل بمشورته, ومن استنصح الصديق وبنى على نصيحته لم يفته حزم ولم يغلبه خصم, ومن استشار العاقل فيما ينويه, واسترشد العالم فيما يأتيه صحت له الامور, وصلح به الجمهور, واستنار منه القلب, وسهل عليه الصعب. فمن جهل المرء وسخفه وسقم رأيه وضعفه ان يتصور في نفسه ويتقرر في حسه. ان في استمداد الاراء واستشارة النصحاء ما يزري به, ويضع من قدره فيستبد بالتدبير ويعرض عن المشير؛ فيبقى في ظلمة الحيرة, ويحصل على الهم والحسرة, فإذا اشكلت عليك الامور, وتغير لك الجمهور فارجع الى رأي العقلاء, وافزع إلى استشارة النصحاء ولا تأنف من الاسترشاد, ولا تستنكف من الاستمداد, فإن تسأل وتسلم, خير من ان تستبد وتندم, ولاتستشر الجاهل بالامور فإن من استرشد الجاهل ضل, ومن جهل موضع قدمه زل, وفي الامثال السائرة: جهل المشير قتل المستشير, واذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل, فاستعن بذوي العقول لتدرك المامول فمن
стр. 646
وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدِّينُ فَهُوَ مَأْمُونُ السَّرِيرَةِ مُوَفَّقُ الْعَزِيمَةِ. رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: ﴿مَنْ أَرَادَ أَمْرًا فَشَاوَرَ فِيهِ امْرَأً مُسْلِمًا وَفَّقَهُ اللَّهُ لِأَرْشَدَ أُمُورِهِ﴾ .
وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا وَدُودًا، فَإِنَّ النُّصْحَ وَالْمَوَدَّةَ يُصَدِّقَانِ الْفِكْرَةَ وَيُمَحِّضَانِ الرَّأْيَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا تُشَاوِرْ إلَّا الْحَازِمَ غَيْرَ الْحَسُودِ، وَاللَّبِيبَ غَيْرَ الْحَقُودِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَشُورَةُ الْمُشْفِقِ الْحَازِمِ ظَفَرٌ، وَمَشُورَةُ غَيْرِ الْحَازِمِ خَطَرٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
أَصْفِ ضَمِيرًا لِمَنْ تُعَاشِرُهُ ... وَاسْكُنْ إلَى نَاصِحٍ تُشَاوِرُهُ
وَارْضَ مِنْ الْمَرْءِ فِي مَوَدَّتِهِ ... بِمَا يُؤَدِّي إلَيْك ظَاهِرُهُ
مَنْ يَكْشِفْ النَّاسَ لَم يَجِدْ أَحَدًا ... تَصِحُّ مِنْهُمْ لَهُ سَرَائِرُهُ
أَوْشَكَ أَنْ لَا يَدُومَ وَصْلُ أَخٍ ... فِي كُلِّ زَلَّاتِهِ تُنَافِرُهُ
وَالْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْفِكْرِ مِنْ هَمٍّ قَاطِعٍ، وَغَمٍّ شَاغِلٍ، فَإِنَّ مَنْ عَارَضَتْ فِكْرَهُ شَوَائِبُ الْهُمُومِ لَا يَسْلَمُ لَهُ رَأْيٌ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ خَاطِرٌ.
وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إلَى الْعَقْلِ وَالْعَقْلُ يَحْتَاجُ إلَى التَّجَارِبِ.
وَكَانَ كِسْرَى إذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ بَعَثَ إلَى مَرَازِبَتِهِ فَاسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ قَصَّرُوا فِي الرَّأْيِ ضَرَبَ قَهَارِمَتِهِ وَقَالَ: أَبْطَأْتُمْ بِأَرْزَاقِهِمْ فَأَخْطَئُوا فِي آرَائِهِمْ.
стр. 657
وفي الامثال السائرة: النصح بين الملا تقريع, وقال سفيان قلت لمسعر: تحب ان يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: اما ان يجي انسان فيوبخني بها فلا, واما ان يجي ناصحا فنعم.
قال ابن المبارك: كان الرجل اذا رأى من اخيه مايكره امره في ستر, ونهاه في ستر؛ فيؤجر في ستره, ويؤجر في نهيه. فأما اليوم اذا فانه اذا رأى احدٌ من احدٍ ما يكره استغضب اخاه, وهتك ستره. قلت وقد افاد ابن المبارك واجاد, فالناصح انما يبتغي بنصحه الاجر والثواب من العزيز الوهاب, أما اذا قصد غير ذلك من امور الدنيا التي يبتغي من ورائها جاها او مالا فربما ذهبت اماله وانقطع رجاؤه ولم يتحقق من وراء نصيحته نفع قال الشاعر:
ولرب راج حيل دون رجائه ... ومؤمل ذهبت به الامال
أما من قصد بالنصح رضاء الله وحده ونفع اخوانه واصلاح شؤنهم فلن فلن يهتك ستر اخوانه ولن يضيع اجر نصحه واحسانه, قال الشاعر:
ان كان حمدي ضاع في نصحكم ... فان اجري ليس بالضائع
عدم قبول النصيحة حسرة وندامة
من لم يقبل نصيحة العاقل تتعاظم عليه المشاكل, وقديما فيل من لم يقبل نصيحة اخوانه عاد ضرره عليه كالمريض الذي يترك مايصف له الطبيب ويعمد إلى ما يشتهيه فيهلك, فمن اعرض عن الحكماء واستخف بنصيحة العلماء ضل فالحزم الاخذ بالنصيحة, والبعد عن العجب الذي يؤدي إلى الهلكة والفضيحة, وفي الامثال السائرة: من اتم النصح الإشارة بالصلح, فمن استغنى بعقله ضل, ومن اكتفى برايه زل, والعاقل يلوم نفسه ولا يعجب برايه بل