← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إني نصوحٌ لأرباب المشاكل عن ... إيثار خيرِ ذوي الحاجات في الأممِ (١) ولبعض الشعراء: وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه (٢) الشورى بركة قال القرطبي: الشورى بركة، وروى سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله ﵌ (ما شقي قط عبد بمشورة، وما سعد باستغناء رأي) (٣) وفي الحديث (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار) (٤) . قال العجلوني: رواه الطبراني في الصغير، والقضاعي عن أنس، وفي سنده ضعيف، وما أحسن ما قيل: شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات فالعين تلقى كفاحاً من نآى ودنى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة

стр. 632

وقال النجم: روى ابن أبي الدنيا في العقل عن زائدة. قال: إنما نعيش بعقل غيرنا - يعني المشاورة، ولبعضهم: الناس ثلاثة: فواحد كالغذاء لا يستغنى عنه، وواحد كالدواء يحتاج إليه في بعض الأوقات، وواحد كالداء لا يحتاج إليه أبداً. وللخطيب في تلخيص المتشابه - عن قتادة - قال: الرجال ثلاثة: رجل ونصف رجل ولا شيء، فأما الذي هو رجل: فرجل له عقل ورأي يعمل به وهو يشاور. وأما الذي هو نصف رجل: فرجل له عقل ورأي يعمل به وهو لا يشاور. وأما الذي هو لا شيء: فرجل له عقل وليس له رأي يعمل به وهو لا يشاور. قال النجم: ليس من عاش بعقله ... مثل من عاش بفضله إنما الفضل ما انضم ... حجى الناس بعقله وكذا الجاهل من لم ... يرفي الناس كمثله نفسه يبصرها كا ... ملة من فرط جهله (١) وصحيح ما ذكره النجم - فإنك إن شاورت مجرباً للأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما يقع عليه غالياً وأنت تأخذه مجاناً، فيكون من الحمق ترك المشاورة. أما الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس - فيقول عن الشورى أنها مدرسة تربوية للأمة تظهر من خلالها شخصيتها وتحقق ذاتها وهي سبب من

стр. 633

أسباب النصر على أعدائها, حقق المسلمون بها انتصاراتهم على أعدائهم وأضحوا سادة الأمم بعد أن كانوا رعاة الشاء والغنم. (١) قلت: وليس ذلك فحسب وإنما حققوا بها العدالة وحصل لهم بها المودة والألفة وقد أحسن بشار بن برد في قوله: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو نصيحة حازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي تابع للقوادم (٢) وقال أخر: خليلَيَّ ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا علي اليوم ما تريانِ (٣) وفي الأثر: ما سعد أحد برأيه ولا شقي عن مشورة غيره. وإذا كانت الشورى من الأهمية بذاك المكان، فإنها ليست قصراً على شؤون الحكم والسياسة، وإنما تشمل كل ما لم يرد فيه نص قطعي من الأمور العامة والخاصة وكل ما فيه صلاح للأمة والأسرة. وكل ما فيه رعاية مصلحة أو دفع مفسدة، فقد أرشد القرآن الكريم إلى التشاور في ذلك حتى في فطام الرضيع وفصله عن ثدي أمه، قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ

стр. 634

أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (١) . الشورى لغة واصطلاحا الشورى هي في الاصل: الاستخراج أو اختبار الشيئ لمعرفة حاله, وقيل هي استخراج اراء في المساله بغية الاحاطة بجوانبها لاصابة الخير, وتجنب الزلل. وهي اسم مصدر اشتور بمعنى التشاور, أي اشار عليه بمعنى امره ونصحه, ودله على الصواب, وشاوَرَهُ في الامر طلب منه المشورة، قال الراغب: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه، وشرت العسل وأشرته: أخرجته (٢) , الشورى: اصطلاحاً طلب الرأي من أهله، وإجالة النظر فيه، وصولاً إلى الرأي الموافق للصواب (٣) . أما الشيخ أحمد محيي الدين العجوز - فعرفها بقوله:

стр. 635

الشورى: هي تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها لأجل اعتماده والعمل به. (١) الفرق بين الشورى والمشورة الشورى تكون عامة في كل رأي والمشورة تكون خاصة في الرأي الملزم، وهناك فرق بين الشورى والمشورة عند بعض العلماء، وفي ذلك يقول الدكتور محمود الخالدي: إذا ما نظرنا بدقة في النصوص التفصيلية الواردة في الشورى نجد أن مدلول كلمة الشورى يختلف عن مدلول كلمة المشورة, إذ تعني الشورى أخذ الرأي مطلقاً، ما كان ملزماً لرئيس الدولة وما لم يكن ملزماً, سواءً الذي يرجح فيه قوة الدليل كالأمور التشريعية وما يرجح فيه جانب الصواب كالأمور الفنية والفكرية فجاء التعبير فيها عاماً في كل الأمور. أما المشورة فإنها وردت في النصوص على أنها أخذ الرأي الملزم لرئيس الدولة فقط، والدليل على أن المشورة أخص من الشورى وأنها أخذ الرأي الملزم فقط عدة أمور: أولاً: وردت كلمة المشورة في الحديث للدلالة على أخذ الرأي الملزم فقط وذلك في قوله ﵌ لأبي بكر وعمر ﵄: (وأيم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في

стр. 636

مشورة أبداً) ، وفي لفظ: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) (١) فقد اقترنت كلمة المشورة بصفة الإلزام, والصيغة تفيد ذلك، وهذا واضح في قوله ﵌ (ما خالفتكما) (ما عصيتكما) ، ومن مناسبة الحديث يتضح أن المشورة لا تكون إلا في أخذ الرأي على سبيل الإلزام لأنه رأي يرشد إلى عمل من الأعمال من أجل القيام به، وما كان كذلك كان ملزماً لأن الترجيح إنما يكون لرأي الأغلبية فتكون المشورة أخص من الشورى لأنها في الرأي الملزم فقط. ثانياً: إن كلمة المشورة الواردة في الحديث وإن كانت اسم جنس ولكنها لا تدل على العموم لأن اسم الجنس حتى يدل على العموم لا بد أن يقترن بأل أو يضاف، فإذا لم يقترن بأل ولم يضف فلا يدل على العموم، وهي وإن كانت نكرة ولكنها لا تدل على العموم لأن النكرة لا تدل على العموم إلا إذا اقترنت بنفي فالنكرة في سياق النفي تعم, أما في الإثبات فليست من ألفاظ العموم، فلا يكون الدليل عاماً في كل شورى فيكون الحديث نصاً في موضوع من موضوعات الشورى العامة، وهو الرأي الملزم ويرجح فيه جانب الأكثرية فقط، وكذلك ما قاله الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بعد إتمام بيعة الانعقاد للصديق أبي بكر ﵁: فلا يغرن امرأ أن يقول أن بيعة أبي بكر ﵁ كانت فلتة فتمت، وأنها وإن كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها وليس فيكم من

стр. 637

تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو، ولا الذي بايعه (١) . الفرق بين الشورى العامة والديمقراطية الشورى في النظام الإسلامي صورة من صور المشاركة في الحكم تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره، وهي من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام، بل إن بعض الباحثين يرى أن الشورى هي النظام السياسي ذاتة، وليس واحداً من مبادئه، أو قاعدة من قواعده، نظراً لما يترتب على الشورى في المنظور الإسلامي من بيان العلاقة بين الحاكم وأهل الشورى، والتزام الدولة بالقواعد المشروعة (٢) . والشورى قاعدة أساسية في النظام الإسلامي، وأصل من أصول الشريعة الإسلامية ومن عزائم الأحكام فيها، وهي بهذا المعنى كما يقول الدكتور فؤاد محمد النادي لا تقتصر على كونها من القواعد الأساسية للنظام السياسي الإسلامي فحسب، وإنما تمثل الإطار العام والنطاق الذي يجب أن تعمل في حدوده كافة السلطات الحاكمة في الدولة الإسلامية التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهي بذلك تحول دون الاستبداد بالرأي أو الانفراد

стр. 638

به، الأمر الذي يؤدي إلى الرأي الصواب وتحقيق وحدة الأمة وتأليف القلوب بين أفرادها. (١) اما الديمقراطية: بمفهومها الأساسي فهي تعني حكم الشعب لنفسه دون أن تستأثر طبقة أو جماعة أو فرد بهذا الحكم, ومن دون أن يصبح كل أفراد الشعب حكاماً، فيصبحوا بحاجة عندئذ إلى شعوب يحكمونها. (٢) وبهذا التعريف تأتي الديمقراطية رديفة للشورى في بعض الوجوه من حيث إعطاء حق المشاركة للشعوب في صناعة القرار وإدارة شؤون الحكم، عدا أن الشورى نظام تميزت به الشريعة الإسلامية باعتباره جزءاً من العقيدة، بينما الديمقراطية نظام وضعي أي من وضع الإنسان فهي نظام سياسي إجتماعي غربي النشأة عرفه الغرب من الحقبة اليونانية ودخل عليه تطوير في الحضارة المعاصرة, كما أنها تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من منطلق مبدء المساواة بين المواطنين، ومنح حق المشاركة في صنع التشريعات، وسن القوانين التي تنظم الحياة العامة وفق مبدء أن الشعب مصدر السلطات، فالسلطة في النظام الديموقراطي هي للشعب بواسطة الشعب (٣) .

стр. 639

في الشورى قوة واخوة في الشورى القوة والاخوة والمحبة وقديما قيل اذا نويت فاستشر واذا مضيت فاستخر ومن استشار استبصر قال الشاعر: الرأي كالليل مسوداً جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح فاضمم مصابيح أراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح (١) وقد جاء في العقد الفريد لابن عبدربه أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ذكر في المشورة سبع خصال: استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتحصن من السقطة، والتحرز من الملامة، والنجاة من الندامة، وإلفة القلوب، واتباع الأثر (٢) . وجاء في جواهر الأدب أن بيهس الكلبي قال: عقل الفتى ليس يغني عن مشاورةٍ ... كحدة السيف لا تغني عن البطل إن المشاور إما صائبٌ غرضاً ... أو مخطئٌ غير منسوبٍ إلى الخطل (٣) قال الراغب الأصفهاني: قيل إن الأحمق من قطعه العُجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة، فالرأي الواحد كالسجيل، والرأيان كالخيطين، والثلاثة إصرار لا ينقض. (٤)

стр. 640

وصحيح ما ذهب إليه الراغب، فإن رأيين خير من واحد، وقديماً قيل: ورأيان خير من واحد، ورأي الثلاثة لا ينقض، ولذا يقال: من أُعِجبَ برأيه ضل، ونقل القرطبي عن الحسن البصري والضحاك أنهما قالا: ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته بعده، ولقد أحسن القائل: شاور صديقك في الخفي المشكل ... واقبل نصيحة ناصح متفضل فالله قد أوصى بذاك نبيه ... في قوله (شاورهم) و (توكل) (١) لاخير في امر اُبرم من غير مشورة أثر عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قوله: لا خير في أمر أبرم من غير مشورة. ولهذا يقال: الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب مع الإنفراد والاستبداد. وفي الامثال السائرة ما هلك امرءٌ بعد مشورة وليس الخبير كالمشير (٢) وقد نقل صاحب العقد الفريد - في الشورى - أقوالاً مشهورة، وحكماً مأثورة نلخصها فيما يأتي: ١) لا معين أقوى من المشورة ولا عون أنفع من العقل. فالمشورة تقوي العزم وتمنح النجاح وتوضح الحق وتبسط العذر وتزحزح عن مواقف الندامة، والعقل يهدي صاحبه إلى الأخذ بثمرة المشورة. ٢) ٣)

стр. 641

٤) من استشار ذوي الرأي والمعرفة في فعل ما عناه فقبل المشورة منهم واقتدى بآرائهم فيها ولم يعدل عنها وعن قويم نهجها قل أن يخفق مسعاه ويفوت مطلوبه، فإن أعجزه القدر فهو معذور غير ملوم. ٥) من ترك المشورة وعدل عنها، فلم يظفر بحاجته صار هدفاً لسهام الملام ومضغة في أفواه العاذلين. ٦) من فضل المشورة أنها تكشف لك طباع الرجال. فمتى طلبت اختبار رجل فشاوره في أمرٍ من الأمور يظهر لك من رأيه وفكره وعدله وجوره وخيره وشره مكانته. من أكثر الاستشارة لم يعدم عند الإصابة مادحاً وعند الخطأ عاذراً (١) الشورى والزاميتها إنه مما لا شك فيه أن الشورى واحدة من المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم, أمر بها الشارع لتكون أداة لتقويم الفكر وتدعيم الرأي ووحدة الصف واحترام العقل الذي زود الله به الإنسان وفضله على كثير مما خلق من خلقه تفضيلاً، والشورى يمكن أن تتوحد بها الصفوف فتتوحد الأمة حتى تكون كالبنان أو كالبنيان يشد بعضه بعضاً, والشورى فيها تطييب للنفوس وجمع للكلمة واستخراج للرأي السديد, فالقرآن يأمر الرسول بالمشاورة، وقد كان ﵌ يأخذ برأي الأغلبية, وقد استدل القائلون بوجوب الشورى وإلزاميتها بعدة أدلة من الكتاب والسنة من ذلك قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً

стр. 642

غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (١) , وجه الاستدلال أن هذه الآية نزلت بعد غزوة أُحد والتي كان قرار الخروج فيها مبنياً على الشورى وأخذه صلى الله عليه وعلى آله وسلم برأي الأكثرية فنزلت هذه الآية بعد النتائج الأليمة التي حلت بالمسلمين تأمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعفو عنهم والاستغفار والمشاورة حتى لا يظن ظان بضرورة استبعاد الشورى, فإذا أمر الله بها رسوله, وهو أرجح الناس عقلاً, فالأمر في حق غيره من قادة المسلمين أولى وأوجب, فصيغة الأمر عند علماء الأصول تفيد الوجوب ما لم ترد قرينة تصرفه عن ذلك, وهذه الصيغة (وَشَاوِرْهُمْ) صيغة أمر وهي تدل على وجوب الشورى ولم ترد نصوص أخرى تصرفها إلى الندب, بل جاءت النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تؤكد هذا الوجوب وتؤيده، ويقول الفخر الرازي في التفسير الكبير: ظاهر الأمر للوجوب, فقوله (وَشَاوِرْهُمْ) يقتضي الوجوب (٢) . فضل الشورى قال الماوردي: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْحَزْمِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أَنْ لَا يُبْرِمَ أَمْرًا وَلَا يُمْضِيَ عَزْمًا إلَّا بِمَشُورَةِ ذِي الرَّأْيِ النَّاصِحِ، وَمُطَالَعَةِ ذِي الْعَقْلِ الرَّاجِحِ.

стр. 643

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: نِعْمَ الْمُؤَازَرَةُ الْمُشَاوَرَةُ وَبِئْسَ الِاسْتِعْدَادُ الِاسْتِبْدَادُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ تَرِدُ عَلَيْهِ الْأُمُورُ فَيُسَدِّدُهَا بِرَأْيِهِ، وَرَجُلٌ يُشَاوِرُ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ حَيْثُ يَأْمُرُهُ أَهْلُ الرَّأْيِ، وَرَجُلٌ حَائِرٌ بِأَمْرِهِ لَا يَأْتَمِرُ رُشْدًا وَلَا يُطِيعُ مُرْشِدًا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنَّ الْمَشُورَةَ وَالْمُنَاظَرَةَ بَابَ رَحْمَةٍ وَمِفْتَاحَ بَرَكَةٍ لَا يَضِلُّ مَعَهُمَا رَأْيٌ وَلَا يُفْقَدُ مَعَهُمَا حَزْمٌ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ: مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ لَمْ يُشَاوِرْ، وَمَنْ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ كَانَ مِنْ الصَّوَابِ بَعِيدًا. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: الْمُشَاوِرُ فِي رَأْيِهِ نَاظِرٌ مِنْ وَرَائِهِ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْمُشَاوَرَةُ رَاحَةٌ لَك وَتَعَبٌ عَلَى غَيْرِك. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الِاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ وَقَدْ خَاطَرَ مَنْ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ (١) .قلتُ: وقد وصف الله المؤمنين الموحدين بأن أمرهم شورى بينهم, ليدل على أن نظام الشورى أرقى النظم وأسماها, وأن الاستبداد في الحكومات وفي كل الأمور التي ينبغي التشاور فيها ليس من نظام الدين ولا من شأن المؤمنين, وأن الأمة التي تتخذ الشورى منهجاً وسلوكاً هي الأحرى بالإكبار والتقدير, ولله در القائل: اقرن برأيك رأي غيرك واستشر ... فالحق لا يخفى على اثنين للمرئ مرآة تريه وجهه.....ويرى قفاه بجمع مرآتين

стр. 644

الخلال المطلوب توافرها في المشير من حق العاقل ان يضيف إلى رأيه رأي العلماء, ويجمع إلى عقله عقول الحكماء, ويحسن اختيار المشير, ويديم الاسترشاد, ويترك الاستبداد, فالرأي الفرد ربما زل, والعقل الفرد ربما ضل, وزلة الرأي تأتي على الفرد فتضعفه, وتأتي على الملك وتؤدي إلى الهلك, فمن التوفيق حسن اختيار المشير, وقديما قيل من احسن الوفاء استوجب الاصطفاء, ومن استشار الرشيد عمل بمشورته, ومن استنصح الصديق وبنى على نصيحته لم يفته حزم ولم يغلبه خصم, ومن استشار العاقل فيما ينويه, واسترشد العالم فيما يأتيه صحت له الامور, وصلح به الجمهور, واستنار منه القلب, وسهل عليه الصعب. فمن جهل المرء وسخفه وسقم رأيه وضعفه ان يتصور في نفسه ويتقرر في حسه. ان في استمداد الاراء واستشارة النصحاء ما يزري به, ويضع من قدره فيستبد بالتدبير ويعرض عن المشير؛ فيبقى في ظلمة الحيرة, ويحصل على الهم والحسرة, فإذا اشكلت عليك الامور, وتغير لك الجمهور فارجع الى رأي العقلاء, وافزع إلى استشارة النصحاء ولا تأنف من الاسترشاد, ولا تستنكف من الاستمداد, فإن تسأل وتسلم, خير من ان تستبد وتندم, ولاتستشر الجاهل بالامور فإن من استرشد الجاهل ضل, ومن جهل موضع قدمه زل, وفي الامثال السائرة: جهل المشير قتل المستشير, واذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل, فاستعن بذوي العقول لتدرك المامول فمن

стр. 645

استشار ذوي الالباب, سلك سبيل الصواب (١) وقد ذكر الماوردي في المشير خصالا خمسا نلخصها في الاتي: الخصلة الاولى: عَقْلٌ كَامِلٌ مَعَ تَجْرِبَةٍ سَالِفَةٍ فَإِنَّ بِكَثْرَةِ التَّجَارِبِ تَصِحُّ الرَّوِيَّةُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: ﴿اسْتَرْشِدُوا الْعَاقِلَ تَرْشُدُوا وَلَا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا﴾ (٢) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ: احْذَرْ مَشُورَةَ الْجَاهِلِ وَإِنْ كَانَ نَاصِحًا كَمَا تَحْذَرُ عَدَاوَةَ الْعَاقِلِ, إذَا كَانَ عَدُوًّا فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُوَرِّطَك بِمَشُورَتِهِ فَيَسْبِقَ إلَيْك مَكْرُ الْعَاقِلِ وَتَوْرِيطُ الْجَاهِلِ. وَقِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ عَبْسٍ: مَا أَكْثَرُ صَوَابِكُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ أَلْفُ رَجُلٍ وَفِينَا حَازِمٌ وَنَحْنُ نُطِيعُهُ فَكَأَنَّا أَلْفُ حَازِم. وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: وَمَا كُلُّ ذِي نُصْحٍ بِمُؤْتِيك نُصْحَهُ ... وَلَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ وَلَكِنْ إذَا مَا اسْتَجْمَعَا عِنْدَ صَاحِبٍ ... فَحُقَّ لَهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبِ وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ ذَا دِينٍ وَتُقًى، فَإِنَّ ذَلِكَ عِمَادُ كُلِّ صَلَاحٍ وَبَابُ كُلِّ نَجَاحٍ.

стр. 646

وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدِّينُ فَهُوَ مَأْمُونُ السَّرِيرَةِ مُوَفَّقُ الْعَزِيمَةِ. رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: ﴿مَنْ أَرَادَ أَمْرًا فَشَاوَرَ فِيهِ امْرَأً مُسْلِمًا وَفَّقَهُ اللَّهُ لِأَرْشَدَ أُمُورِهِ﴾ . وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا وَدُودًا، فَإِنَّ النُّصْحَ وَالْمَوَدَّةَ يُصَدِّقَانِ الْفِكْرَةَ وَيُمَحِّضَانِ الرَّأْيَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا تُشَاوِرْ إلَّا الْحَازِمَ غَيْرَ الْحَسُودِ، وَاللَّبِيبَ غَيْرَ الْحَقُودِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَشُورَةُ الْمُشْفِقِ الْحَازِمِ ظَفَرٌ، وَمَشُورَةُ غَيْرِ الْحَازِمِ خَطَرٌ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: أَصْفِ ضَمِيرًا لِمَنْ تُعَاشِرُهُ ... وَاسْكُنْ إلَى نَاصِحٍ تُشَاوِرُهُ وَارْضَ مِنْ الْمَرْءِ فِي مَوَدَّتِهِ ... بِمَا يُؤَدِّي إلَيْك ظَاهِرُهُ مَنْ يَكْشِفْ النَّاسَ لَم يَجِدْ أَحَدًا ... تَصِحُّ مِنْهُمْ لَهُ سَرَائِرُهُ أَوْشَكَ أَنْ لَا يَدُومَ وَصْلُ أَخٍ ... فِي كُلِّ زَلَّاتِهِ تُنَافِرُهُ وَالْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْفِكْرِ مِنْ هَمٍّ قَاطِعٍ، وَغَمٍّ شَاغِلٍ، فَإِنَّ مَنْ عَارَضَتْ فِكْرَهُ شَوَائِبُ الْهُمُومِ لَا يَسْلَمُ لَهُ رَأْيٌ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ خَاطِرٌ. وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إلَى الْعَقْلِ وَالْعَقْلُ يَحْتَاجُ إلَى التَّجَارِبِ. وَكَانَ كِسْرَى إذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ بَعَثَ إلَى مَرَازِبَتِهِ فَاسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ قَصَّرُوا فِي الرَّأْيِ ضَرَبَ قَهَارِمَتِهِ وَقَالَ: أَبْطَأْتُمْ بِأَرْزَاقِهِمْ فَأَخْطَئُوا فِي آرَائِهِمْ.

стр. 647

وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ: وَلَا مُشِيرَ كَذِي نُصْحٍ وَمَقْدِرَةٍ ... فِي مُشْكِلِ الْأَمْرِ فاخْتَرْ ذَاكَ مُنْتَصِحًا وَالْخَصْلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ فِي الْأَمْرِ الْمُسْتَشَارِ غَرَضٌ يُتَابِعُهُ، وَلَا هَوًى يُسَاعِدُهُ، فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ جَاذِبَةٌ وَالْهَوَى صَادٌّ، وَالرَّأْيُ إذَا عَارَضَهُ الْهَوَى وَجَاذَبَتْهُ الْأَغْرَاضُ فَسَدَ. وَقَدْ قَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: وَقَدْ يَحْكُمُ الْأَيَّامَ مَنْ كَانَ جَاهِلًا ... وَيُرْدِي الْهَوَى ذَا الرَّأْيِ وَهُوَ لَبِيبُ وَيُحْمَدُ فِي الْأَمْرِ الْفَتَى وَهُوَ مُخْطِئٌ ... وَيُعْذَلُ فِي الْإِحْسَانِ وَهُوَ مُصِيبُ فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ الْخَمْسُ فِي رَجُلٍ كَانَ أَهْلًا لِلْمَشُورَةِ وَمَعْدِنًا لِلرَّأْيِ، فَلَا تَعْدِلْ عَنْ اسْتِشَارَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَتَوَهَّمُهُ مِنْ فَضْلِ رَأْيِك، وَثِقَةً بِمَا تَسْتَشْعِرُهُ مِنْ صِحَّةِ رَوِيَّتِك، فَإِنَّ رَأْيَ غَيْرِ ذِي الْحَاجَةِ أَسْلَمُ، وَهُوَ مِنْ الصَّوَابِ أَقْرَبُ، لِخُلُوصِ الْفِكْرِ وَخُلُوِّ الْخَاطِرِ مَعَ عَدَمِ الْهَوَى وَارْتِفَاعِ الشَّهْوَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ التَّوَدُّدُ إلَى النَّاسِ، وَمَا اسْتَغْنَى مُسْتَبِدٌّ بِرَأْيِهِ، وَمَا هَلَكَ أَحَدٌ عَنْ مَشُورَةٍ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ هَلَكَةً كَانَ أَوَّلُ مَا يُهْلِكُهُ رَأْيَهُ﴾ (١) .

стр. 648

الحكمة في الشورى الحكيم من الناس من يستشير وياخذ بالحكمة ويجتنب الاستبداد بالرأي, والحكيم من يضع الاشياء في مواضعها فيبحث عن الحق من اجل اصابة الصواب, وموافقة الحق والعدل في القول والعمل, فالانسان لايكمل بنفسه وانما يستعين بالله وحده, ويستشير غيره من أهل الشورى حتى تكون اقواله وافعاله منتظمة محكمه, سائرة على منهج العدل الذي امر الله به, فمن أراد حسن التدبير, والحكم بأمر العزيز القدير, فليجعل الشورى سبيله ومنهجه ودليله, فان ذلك من الحكمة, وفيه طاعة لله, وفضل من الله فاساله أن يعطيك التوفيق والحكمة, فهو يؤتي الحكمة من يشأ, وهو المعطي لجميع الاشياء, وفي الذكر الحكيم: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاوَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) واعلم اخي انه لا حكيم على الاطلاق الا العزيز الوهاب, ولن تكون حكيما الا باتباع امر الله وامر نبيه صلى الله عليه واله وسلم, فاحرص على الاتباع وابتعد عن الاستبداد والابتداع, فالمؤمن الحق حكيم, وحكمته يستقيها من معرفته بالله, فاستمد منه الحكمة, ومن الحكمة ان تتعرف على افضل المعلومات بافضل العلوم وتستشير ثم تتكل على العزيز القدير, واعلم ان العلم المطلق انما هو لله العزيز الحكيم, الذي لا يحتاج إلى مشير ولا وزير والذي احسن كل شئ خلقه واتقنه واحسن تدبيره وتقديره وهو على كل شئ قدير. الحكيم من اسماء الله الحسنى الحكيم من اسماء الله الحسنى وقد ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه في عدة مواضع منها قوله جل وعلى في سورة البقرة: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) وفي سورة النساء قوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (٤) وفي سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٥) وفي سورة النور قوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (٦) وورد في السنة النبوية من حديث ابي هريرة عند الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) وعد منها: (الحكيم) (٧) وفي صحيح مسلم من حديث: مُوسَى الْجُهَنِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ قَالَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ

стр. 649

لِلَّهِ كَثِيرًا سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قَالَ فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي (١) والحكيم له عدة معان منها: حكيم على وزن فعيل, بمعنا مفعل, تقول جرح اليم بمعنى مؤلم, فحكيم بمعنا محكم, ومعنا المحكم المتقن والله جل وعلا حكيم في خلقه وتقديره وحكيم في جميع اقواله وافعاله, وقال ابن جرير الحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل: وقال في موضع: حكيم فيما قضى بين عباده من قضاياه (٢) وقال الامام ابن كثير: الحكيم في افعاله واقواله فيضع الاشياء في محلها بحكمته وعدله. وقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي مَعْنَى الْحَكِيمِ: الَّذِي لا يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ إِلاَّ الصَّوَابُ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ لأَنَّ أَفْعَالَهُ سَدِيدَةٌ، وَصُنْعَهُ مُتْقَنٌ، وَلا يَظْهَرُ الْفِعْلُ الْمُتْقَنُ السَّدِيدُ إِلاَّ مِنْ حَكِيمٍ، كَمَا لا يَظْهَرُ الْفِعْلُ عَلَى وَجْهِ الاخْتِيَارِ إِلاَّ مِنْ حَيٍّ عَالِمٍ قَدِيرٍ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الْحَكِيمُ هُوَ الْمُحْكِمُ لِخَلْقِ الأَشْيَاءِ صُرِّفَ عَنْ مِفْعَلٍ إِلَى فَعِيلٍ، وَمَعْنَى الإِحْكَامِ لِخَلْقِ الأَشْيَاءِ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى إِتْقَانِ التَّدْبِيرِ فِيهَا، وَحُسْنِ التَّقْدِيرِ لَهَا (٣) . وقال القحطاني: (الحكيم) الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم والإطلاع على مبادئ الأمور

стр. 650

وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال. وقال القرطبي: الحكيم ﷻ وتقدست أسماؤه ورد في الذكر الحكيم اكثر من موضع وجاء في حديث ابي هريرة واجمعت عليه الأمه ولا خلاف في إجرائه على المخلوق وصفا. ومن هذا العرض يتبين أن الله حكيم في خلقه وتقديره, وحكيم في شرعه وأحكامه, وحكيم في جميع اقواله وافعاله, وقد وصف الله جل وعلا القرأن الكريم بالحكيم واقتضت حكمته أن يكون القران حكيما ومحكما, وانه لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حكيم, قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) وفي سورة لقمان ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٢) فالقرأن حكيم في اسلوبه وبيانه, حكيم في هدايته ورحمته, وحكيم في امره ونهيه, وحكيم في ايضاحه وبيانه, وحكيم في وعده ووعيده, وحكيم في ترغيبه وترهيبه, وحكيم في تشريعه, فما شرعه الله فيه لعباده من الاحكام والمعاملات مبنية على الحكمة قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وقال في آية المواريث: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٤) وجاء في سورة التحريم في حكم اليمين النبأ اليقين, قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) فما شرعه الله لعباده في القرأن الحكيم جاء في منتهى الحكمة والاحكام فهو تشريع الحكيم العليم الذي لا يدخل في حكمه خلل ولا زلل, فمن اخذ بذلك فقد اهتدى, ومن أعرض عنه فقد ضل ضلالا مبينا, فإن كنت تريد الحكمة والامن والسلامة والسعادة والفلاح فتعلم احكامه وحلاله وحرامه من القرأن الحكيم ومن هدي النبي الكريم تكن حكيما. ثمرة معرفه اسم الله الحكيم اذا علم المرء ان الله جل وعلى خالقه ورازقه حكيم, خلق الخلق واتقن صنعه, وخلق كل شئ واحكم تدبيره وتقديره, وانه خلق الخلق لحكمة عظيمة, وغاية جليله وهي عبادته قال جل شانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٦) وانه الحكيم في اقواله وافعاله, الحكيم في تشريعه, وان الامور كلها بيده تجري وفق حكمته وتدبيره وتقديره , وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير, وجب عليه ان يؤمن به ويوحده سبحانه لاشريك له ولاند له ولامثيل في اسمائه وصفاته (ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير) , فهو سبحانه لايقول ولا يفعل الا الصواب, والمؤمن يصف ربه الحكيم بما وصف به نفسه من صفات التعظيم والمدح, ويسأله الحكمة, ويتخلق بالاخلاق الحسنة, ويجعل اعماله وافعاله كلها لله فيضع الاشياء في محلها فلا يحكم الا بالحق والعدل,

стр. 651

ولا يتعامل مع الناس الا بالصدق والامانة, وان يجعل أعماله متصفة بالحكمة, ويحرص ان يكون حكيما في عمله حكيما في صنعته حكيما في وظيفته, حكيما في تعليمه حكيما في ادارته حكيما في اخلاقه حكيما في اهله ومجتمعه وادارة شؤنه, يتنزه عن ظلم غيره ويترفع عن فعل مالا ينبغي, فالحكيم من الناس هو من يتحلى بالاخلاق الفاضله ويتخلق باخلاق الله الحكيم الذي علّم الحكمة, وكانت شريعته واوامره ونواهيه التي يجب ان يلتزم بها الانسان جارية على الحكمة, فالحكيم الذي يفعل ماينبغي, بالقدر الذي ينبغي, وفي الوقت الذي ينبغي, وبالمكان الذي ينبغي, اخذا بما علَّمه الله, ومستقيما كما يحب الله فهذا هو الحكيم, الحكيم الذي يتقي الله, ويسعى إلى نفع الناس ابتغاء ثواب الله, والحكيم الذي يغض بصره ويحفظ فرجه وفضول كلامه ويؤدي الفرائض والواجبات التي فرضها الله, فأنت اخي حين تطبق امر الله تكون حكيما وحينما تتبع نهج محمد ﵌ تكون حكيما, وأنت أخي بالحكمة يمكن ان تكون اسعد الناس, فلو ان الله اعطاك مالاً ولم تكن حكيما فيه, متبعا لمنهج العدل الذي اراده الله وكنت مبذرا فيه فستكون سفيها, مع انه في الامكان ان تكون اسعد الناس بدخل قليل اذا اتبعت منهج الملك الجليل, ولكنك بالحمق والمخالفة لاوامر الله يمكن ان تشقى بالدخل الكثير لانفاقك المال بالاسراف والتبذير فيما يغضب الملك الجليل, ولو اعطاك الله الصحة, ولم تحافظ على هذه النعمة, وتستغلها فيما يعود عليك من الخير في طاعة الله, واستهلكت هذه الصحة في سفاسف الأمور لم تكن حكيما, فأي شيئ اعطيته ولم تستعمل فيه الحكمة فانك لم تكن حكيما, وسوف يكون حسرة عليك يوم القيامة, وانظر إلى فرعون وقارون فإن المال والجاه لم ينفعهما مع البغي والاستبداد, لأنهما أعرضا عن الحكمة في امر الله ونهيه, وتدبر معي اخي قول العزيز الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (١) وانظر اخي فضل الله عليك, واحسانه اليك, فإن تفضل الله عليك بالحكمة والعلم فهذا العطاء من نوع ما أعطى الانبياء, فاحمد الله, وان اعطاك مالا فقل الحمد لله, وان زادك صحة فاحمد لله, وان زادك قوة فاحمد لله, وان اعطاك سلطانا وجاها فاحمد لله, وان اعطاك صحة وأولادا فقل الحمد لله مقتديا بخليل الله ابراهيم ﵇ الذي حكا الله عنه في لقرآن الحكيم حمده للرب الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٢) , وعليك ان تضع الامور في نصابها وتستشير أهل الفضل والصلاح, فالأصل ان يكون المؤمن حكيما, يستعمل الحكمة ويطلب من الله المزيد والرحمة قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤) وصلوات الله وسلامه على عبده ونبيه ورسوله ابراهيم فقد نادى الرب الكريم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) فاستجاب له العزيز الحكيم,

стр. 652

فسبحانه من رحيم كريم, وجاء في الذكر الحكيم: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) . دعاء الله باسمه الحكيم ياالله ياحكيم يارزاق ياوهاب ارزقني الحكمة وفصل الخطاب وعرفني معرفة الخطا من الصواب, وفهمني معنى (انما يتذكر اولو الالباب) , واجعلني والمؤمنين في الفردوس الاعلا من الجنة انك انت الكريم العزيز الحكيم الوهاب ووفقني والمؤمنين للعمل بالسنة والكتاب وصلى الله وسلم على محمد نبي الرحمة معلم الحكمة وعلى آله والاصحاب.

стр. 653

الفصل الثاني والثلاثون النصيحة النصيحة النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الخير للمنصوح له, وهي مأخوذة من: نصح الرجل ثوبه: اذا خاطه, وشبه فعل الناصح فيما يتحراه للمنصوح له لسد الخيط خلل الثوب واصلاحه. وقيل انها ماخوذه من: نصحت العسل اذا صفيته من الشمع, وهي عماد الدين وقوامه, وفي الذكر الحكيم اخبار عن نوح عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والتسلايم فيما حكاه الله عنه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وفي الامثال السائرة: من لزم العافية سلم ومن قبل النصيحة غنم وقال ابو الدردآء ﵁: ان شئتم لأنصح لكم: ان احب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله تعالى إلى عباده ويعملون في الارض نصحا. وقال حكيم: ودّك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. ولشرف النصيحة وعلو شأنها كانت خلقَ النبيين, وسبيلَ المتقين, وفي الذكر الحكيم حكى الله عن هود عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والتسليم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٢) وفي السنة النبوية أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (٣) , وفي روضة العقلاء: الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة, وترك الخيانة

стр. 654

لهم بالاضمار والقول والفعل معا, اذ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يشترط على من بايعه من اصحابه: النصح لكل مسلم, مع اقامة الصلاة, وايتاء الزكاه (١) , قال الشاعر: اذا خلت النصيحة حين تسدي ... من الاخلاص مجتها القلوب (٢) وقال اخر: لا تَبخَلَن بِالنُصحِ إِنَّ ضُؤولَةً ... بِالمَرءِ غِشُّ المُستَشيرِ المُجهَدِ وَأَجِب أَخاكَ إِذا اِستَشارَكَ ناصِحاً ... وَعَلى أَخيكَ نَصيحَةً لا تَردُدِ (٣) اما ابوالاسود الدؤلي يقول: فَما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمؤتيكَ نُصحَهُ ... وَما كُلُّ مؤتٍ نَصحَهُ بِلبيبِ وَلَكِن إِذا ما استَجمَعا عِندَ واحِدٍ ... فَحقٌّ لَهُ مِن طاعَةٍ بِنَصيبِ وقال اخر: النصح ارخص ما باع الرجال فلا ... تردد على ناصح نصحا ولا تلم ان النصائح لاتخفى مناهجها ... على الرجال ذوي الالباب والفهم

стр. 655

اما ابوالعتاهية فهو يقول: لَو بَذَلتُ النُصحَ الصَحيحَ لِنَفسي ... لَم تَذُق مُقلَتايَ طَعمَ الرُقادِ لَو بَذَلتُ النُصحَ الصَحيحَ لِنَفسي ... هِمتُ أُخرى الزَمانِ في كُلِّ وادِ خير الاخوان اكثرهم مبالغة في النصيحة ان خير الاخوان اشدهم مبالغة في النصيحة, كما ان خير الاعمال احمدها عاقبة, واحسنها اخلاصا وفي الامثال السائرة: (ضرب الناصح خير من تحية الشاني) وقيل يجب ان يكون للعاقل نصيحة مقبولة, وقيل ليس الناصح باولى بالنصيحة من النصوح له. قال الحسن: المؤمن شعبة من المؤمن, وهو مراة اخيه؛ ان راى منه مالايعجبه سدده وقومه, ونصحه في السر والعلانية. وفي الامثال السائرة: "من احبك نهاك ومن ابغضك اغراك" وقيل "النصيحة آمن من الفضيحة", وفي الحديث النبوي (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) (١) وقال ابن الرومي: غَشَّ من أخَّرَ النصيحة عمْداً ... عن إمام عليه جُلُّ اعتمادِهْ ليس يُوْهي أخاك شدُّكَ إيَّا ... هُ به بل يزيدُه في اشتدادِهْ وقال عبد الله بن معاوية: وَإِن قالَ لي ماذا تَرى يَستَشيرُني ... أَخي لَم أُشِر إِلّا بِما كُنتُ فاعِلاً ويروى لاوس ابن حجر: وان قال لي ماذا ترى يستشيرني ... فلم يك عندي غير نصح وارشاد

стр. 656

اما ابن حمديس فهو يقول: لي صديقٌ محْضُ النصيحة كالمر ... آه إذ لا تريك منها اختلالا فَتُريكَ اليمينَ منك يميناً ... بالمحاذاةِ والشمالَ شمالا ولله در القائل: وَمِن أَعظَمِ التَقوى النَصيحَةُ أَنها ... مِنَ الدينِ أَضحَت مِثلُ أُسِّ بِنائِهِ (١) النصح لايجب في العلانية النصيحة محاطة بالتهمة ولهذا فانه لاينبغي ابداؤها الا سرا غالبا (٢) , لأن من وعظ اخاه علانية فقد شانه. ومن وعظه سرا فقد زانه, وقديما قيل: علامة الناصح اذا اراد زينة المنصوح له ان ينصحه سرا, وعلامة من اراد شينة ان ينصحه علانية, ورحم الامام الشافعي حيث يقول: تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي ... وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَه فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ ... مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه وَإِن خالَفتَني وَعَصِيتَ قَولي ... فَلا تَجزَع إِذا لَم تُعطَ طاعَه اما ابوالعتاهية فيقول: يريك النصيحة عند اللقاء ... ويبريك في السر بري القلم

стр. 657

وفي الامثال السائرة: النصح بين الملا تقريع, وقال سفيان قلت لمسعر: تحب ان يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: اما ان يجي انسان فيوبخني بها فلا, واما ان يجي ناصحا فنعم. قال ابن المبارك: كان الرجل اذا رأى من اخيه مايكره امره في ستر, ونهاه في ستر؛ فيؤجر في ستره, ويؤجر في نهيه. فأما اليوم اذا فانه اذا رأى احدٌ من احدٍ ما يكره استغضب اخاه, وهتك ستره. قلت وقد افاد ابن المبارك واجاد, فالناصح انما يبتغي بنصحه الاجر والثواب من العزيز الوهاب, أما اذا قصد غير ذلك من امور الدنيا التي يبتغي من ورائها جاها او مالا فربما ذهبت اماله وانقطع رجاؤه ولم يتحقق من وراء نصيحته نفع قال الشاعر: ولرب راج حيل دون رجائه ... ومؤمل ذهبت به الامال أما من قصد بالنصح رضاء الله وحده ونفع اخوانه واصلاح شؤنهم فلن فلن يهتك ستر اخوانه ولن يضيع اجر نصحه واحسانه, قال الشاعر: ان كان حمدي ضاع في نصحكم ... فان اجري ليس بالضائع عدم قبول النصيحة حسرة وندامة من لم يقبل نصيحة العاقل تتعاظم عليه المشاكل, وقديما فيل من لم يقبل نصيحة اخوانه عاد ضرره عليه كالمريض الذي يترك مايصف له الطبيب ويعمد إلى ما يشتهيه فيهلك, فمن اعرض عن الحكماء واستخف بنصيحة العلماء ضل فالحزم الاخذ بالنصيحة, والبعد عن العجب الذي يؤدي إلى الهلكة والفضيحة, وفي الامثال السائرة: من اتم النصح الإشارة بالصلح, فمن استغنى بعقله ضل, ومن اكتفى برايه زل, والعاقل يلوم نفسه ولا يعجب برايه بل

стр. 658

يصلح من اعماله قبل ان يلومه صديق ناصح او عدو كاشح, فمن اصلح نفسه صلح له اخوانه وكان الناس تبعا له, وقديما قيل: اربعة تدل على صحة الراي: طول الفكر, وحفظ السر, وفرط الاهجتهاد, وترك الاستبداد (١) ,وقال الشاعر: اذا نصحت لذي عجب لترشده ... فلم يطعك فلا تنصح له أبدا فإن ذا العجب لا يعطيك طاعته ... ولا يجيب إلى ارشاده احدا الغش في النصيحة الغش في النصيحة خيانة, وتضييع للأمانه, ولكن قد يستغش الناصح ولايصغى إلى نصيحة الرجل الصالح, وقديما قيل: وقد يستغش المرء من لايغشه, ويقبل نصيحة عدوه: قال محمد بن زنجي البغدادي الشاعر: فكم من عدو معلن لك نصحه ... علانية والغش تحت الاضالع وكم من صديق مرشد قد عصيته ... فكنت له في الرشد غير مطاوع وما الأمر إلا بالعواقب إنها ... سيبدو عليها كل سر وذائع واما ابن المقرب فهو يقول: وَمَن يَستَمِع في قَومِهِ قَولَ كاشِحٍ ... أُصيبَت كَما شاءَ المُعادي مَقاتِلُه وَما كُلُّ مَن يُبدي المَوَدَّةَ ناصِاً ... كَما لَيسَ كُلُّ البَرقِ يَصدُقُ خائِلُه (٢)

стр. 659

احذر نصائح الشيطان فانها غش وبهتان احذر اخي تلبيس الشيطان وغشه فربما خدعك بزعم النصيحة واوقعك في البلاء والفضيحة, وسيرك الى مستنقعات الرذيلة, فاحذر نصائحه فانها غش وتدليس, فلا تتبع خطوات ابليس, واستعذ بالله من وسوسته واتباع خطواته, ألا تراى غشه لأبينا ادم وأُمِّنا حواء بقصد ابداء سوآتهما واخراجهما من الجنة, فغشهما في نصحه وقسَمِه انه لهما من الناصحين مين وبهتان, فلا تركن إلى تزيينه, ولا تنخدع بسراب كذبه في نصحه فانها الخديعة, وتدبر قول العزيزالحكيم: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ *فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١) النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم

стр. 660

ان الاخلاص لله بالقول والعمل نصح ودين, فناصح العمل خالصه, وفي غريب القران: النصح تحري فعل او قول فيه صلاح لصاحبه: ﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (١) وقد جاء في حديث تميم الداري ﵁ يرفعه إلى الرسول ﵌: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) (٢) قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة المنصوح له. وهي من وجيز الكلام, بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. وهذا الحديث من الاحاديث التي قيل فيها انها احد ارباع الدين. وقال النووي: بل وحده محصل لفرض الدين كله, لانه منحصر في الامور التي ذكرها, فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل, والخضوع له ظاهرا وباطنا, والرغبة في محابِّه بفعل طاعته والرهبة من مساخطه بترك معاصيه والجهاد في رد العاصين له. وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن ابي ثمامه صاحب علي قال: قال الحواريون لعيسى ﵇: ياروح الله من الناصح لله؟ قال: الذي يقدم حق الله على حق الناصح. والنصيحة لكتاب الله تعلمه وتعليمه واقامة حروفه في التلاوة وتحريرها في الكتابة وتعلم معانيه وحفظ حدوده والعمل بما فيه وذب تحريف المبطلين عنه. والنصيحة لرسوله تعظيمه ونصره حيا وميتا واحياء سنته بتعلمها وتعليمها والاقتداء به في اقواله وافعاله ومحبة اتباعه.

стр. 661

والنصيحة لآئمة المسلمين اعانتهم على ماحملوا القيام به وتنبيههم عند الغفلة وسد خلتهم عند الهفوة وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة اليهم, ومن اعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي احسن, ومن جمله أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم. والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم والسعي فيما يعود نفعه عليهم وتعليمهم ماينفعهم وكف وجوه الاذى عنهم, وان يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه (١) . وفي الحديث فوائد اخرى يطول شرحها منها ان الدين يطلق على النصيحة لكونه سمى النصيحة دينا, وقد ورد عند الترمذي من حديث ابي هريرة بالتكرار (الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلَاثَ مِرَارٍ) (٢) وذلك فيه تعظيم لشأن النصيحة. قال الشاعر: وقم بالنصح ان النصح دين ... به تجزى الجزيل من العطاء فقد اوصى النبي به ثلاثا ... فقدمه لدى كشف الغطاء وجاء في حديث جرير بن عبد الله ﵁: (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) (٣) قال في الفتح: التقييد بالمسلم للاغلب وإلا فالنصح للكافر معتبر بأن يدعى إلى الإسلام ويشار عليه بالصواب إذا استشار (٤) , فاحرص اخي على بذل النصيحة تكن

стр. 662

مصلحا رشيدا, فأنت حينما تستجيب لامر الله وتقبل على تطبيق منهج الله تفوز بتعلم علم العليم وقدرة القدير ورحمة الرحيم وحكمة الحكيم, فأسعد انسان هو الذي يبحث عن منهج الله ليطبقه في حياته ليكون سعيدا رشيدا مستقيما, قال العلماء: الرشد هو النصح والاستقامة, والرشد خلاف الغي والضلال, اما الاستقامة فهي تعني: ان تتحرك تحركا صحيحا, ان تصل إلى قصدك النبيل باسلم الطرق والا تحيد عن الحق, وانت حينما تتصل بالله تطهر نفسك من كل ادرانها فلا تحقد ولا تتكبر ولا تبخل بالنصيحة فأنت رشيد, لأنك تسير على صراط مستقيم تتصل بالله وتعلم انك بالنصيحة تفوز بالدنيا والاخرة تنصح لله ولكتابه ولرسوله وللائمة المسلمين وعامتهم, انك بالنصيحة والحكمة تصلح الزوجة الفاسده, وتعلم أبناءك الفرائض والسنن, وانك بالحمق تفسد الزوجة الصالحة وتهلك وتضيع الاولاد النجباء, وانك بالنصيحة بجميل الكلام وطيبه تصلح الاخوان وتكسبهم وتحافظ على الفرائض والسنن وتسعد في الدنيا والاخرة, فأنت تعلم ان الله رشيد ارشدنا الى طاعته وعبادته وارشد الخلائق إلى هدايته ذو الحبل الشديد, والامر الرشيد فاذا كنت مع الله الرشيد فلن تضل ابدا وفي الذكر الحكيم: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١) .

стр. 663

الرشيد من اسماء الله الحسنى اسم الله الرشيد اشار اليه التنزيل فقال: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (١) وقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٢) وجاء في السنة النبوية في حديث ابي هريرة عند الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) وعد منها: (الرشيد) (٣) قال الحليمي: الرشيد هو المرشد وهذا مما يؤثر عن النبي ﷺ يعني في خبر الأسامي ومعناه الدال على المصالح والداعي إليها، وهذا من قوله . ﴿وهيئ لنا من أمرنا رشدا﴾ فإن مهيئ الرشد مرشد وقال تعالى: ﴿ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ فكان ذلك دليلا على أن من هداه فهو وليه ومرشده (٤) . وقال الدكتور محمد راتب النابلسي: من اسماء الله الحسنى الرشيد. صيغة الرشيد فعيل , وصيغة فعيل في علم الصرف تعني المبالغة فهناك اسم فاعل, وهناك اسم فاعل مبالغ فيه. تقول مثلا: صادق: اسم فاعل, وصدوق اي كثير الصدق, فهذا مبالغة اسم فاعل, بوزن فعول اما الاسم (الرشيد) فهو على وزن فعيل, وماذا يعني اسم المبالغة في حق ذات الله ؟ يعني شيئين. فهو يعني عددا ونوعا.. فكل افعال الله رشيدة هذا عدد, والرشيد , اذا وصف الله بهذا الوصف فهو الرشد المطلق (هذا نوع) فالله مطلق,

стр. 664

فعلمه مطلق, قدرته مطلقة, يجب ان تعلم علم اليقين ان الله في كل اسمائه وصفاته مطلق (١) . والرشد قد يكون وصفا ذاتيا الله تعالى وقد يكون فعليا اما كونه ذاتيا فراجع إلى العلم والارادة؛ لأن الرشد في اللسان يقع على العاِلم بما يقدم ويؤخر فيتصف الله به من طريق كمال علمه واتقان صنعه ووجود العالم منه على النظام الجميل, والذي هو عليه على مقتضى علمه الرشيد, واما كونه من صفات السلب فهو بمعنى تعاليه عن السفه وصفات النقص التي تشوب المخلوق, اذا عدم الرشد في العلم والعمل, واما كونه من اصفات الافعال فيكون فعيل بمعنى مفعل (٢) . والذي يتضح من هذا العرض ان اسم الله رشيد ياتي بمعنى راشد اي حكيم في كل اقواله وافعاله وتدبيره لشؤن الخلق حكيم في كل شيئ, وذاك مايدل على كمال علمه واتقان صنعه وعظيم قدرته. وياتي بمعنى مرشد اي يرشد عباده إلى الصواب والى طريق الحق والى الدين المستقيم والى المصالح التي ينتظم بها شؤن خلقه جل وعلا. ولا خلاف في جواز اجرائه على العبد بغير خلاف قال مخبرا عن قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٣) وقال سبحانه ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (٤) ثمرة معرفة اسم الله الرشيد

стр. 665

اذا علم المكلف ان الله هو الرشيد المرشد الراشد على الاطلاق في جميع الامور, وانه ارشد الخلق إلى طريق الحق والى المصالح التي ينتظم بها وجودهم والى كل مايحتاجون اليه وجب عليه ان يؤمن به لأنه هو الذي ارشده إلى الايمان به والى منهج العدل والى الدين القيم بما انزله في القرآن الحكيم, وان يحسن معاملة مولاه بما امره به ونهاه عنه, لأن في ذلك غاية الرشد, دل على ذلك قوله صلى الله علية وآله وسلم: (مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا) (١) فقد بين ﵌ ان الرشد في طاعة الله, والغي في معصيته, فعلى المؤمن ان يرشد عباد الله إلى طاعة الله وعبادته, وان يخلص لهم النصيحة في ذلك, ويحذرهم حبائل العصيان, واتباع خطوات الشيطان, فالرشيد الذي يرشد الناس إلى طاعة الله, ويعلم ان الله جل وعلا اسعده بارشاده, وارشده إلى دينه وكتابه, وارشده إلى محبته ومحبة نبيه ﵌, فالانسان اذا اتصف بهذه الصفات وكان متبعا لهدي محمد ﵌ مستقيما في اخلاقه وسلوكه كان رشيدا, ونال من الله حظا مجيدا, ولله عليه في هذه المنة والفضل, وقد امتن الله على ابراهيم ﵇ من قبل, فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) فاذا كنت اخي مع الله الرشيد, فستكون سعيدا رشيدا, فالله جل وعلا هو الذي الهم

стр. 666

أهل الرشد إلى طاعته, وهو الذي ارشد الخلائق إلى هدايته, فانظر إلى الفتية الذين امنوا بربهم وسالوه الرحمة والرشاد, كما حكى الله عنهم ذلك في محكم الكتاب فقال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (١) والرشيد من الناس من اخلص الطاعة لله, والغني من اثر القناعة, فاغتنم عمرك في طاعة ربك قبل ان يذهب شبابك وتنقضي اوقاتك, قال الشاعر: مَضى مِن شَبابِكَ ما قَد مَضى ... فَلا تُكثِرَنَّ عَلَيه البُكا وَشَعَّلَ شَيبُكَ مِصباحَهُ ... وَلَستَ الرَشيدَ أَما قَد تَرى (٢) دعاء الله باسمه الرشيد ياالله ياحكم يارشيد ارشدني والمؤمنين إلى أحب الأعمال اليك والى كل اسم قد عظم لديك واعني ياالله يارشيد إلي الوقوف ببابك الكريم والعكوف بين يديك, وارشدني إلى كل عمل يقربني اليك وأسعدني بإرشادك واهدني إلى كل عمل ينفعني وينفع عبادك, وأبعدني والمؤمنين عن الغي والمهالك, (اللَّهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ وَالْأَمْرِ الرَّشِيدِ أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ وَعَدُوًّا لِأَعْدَائِكَ, نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ, اللَّهُمَّ

стр. 667

هَذَا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الْإِجَابَةُ وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي وَنُورًا فِي قَبْرِي وَنُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَنُورًا مِنْ خَلْفِي وَنُورًا عَنْ يَمِينِي وَنُورًا عَنْ شِمَالِي وَنُورًا مِنْ فَوْقِي وَنُورًا مِنْ تَحْتِي وَنُورًا فِي سَمْعِي وَنُورًا فِي بَصَرِي وَنُورًا فِي شَعْرِي وَنُورًا فِي بَشَرِي وَنُورًا فِي لَحْمِي وَنُورًا فِي دَمِي وَنُورًا فِي عِظَامِي, اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا, سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ الْعِزَّ وَقَالَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ الْمَجْدَ وَتَكَرَّمَ بِهِ, سُبْحَانَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ, سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ, سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ, سُبْحَانَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (١) وصلى الله على محمد وآله وصحبه والتابعين له باحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا يا ارحم الراحمين.

стр. 668

الفصل الثالث والثلاثون التقوى

стр. 669

التقوى التقوى ان يجعل العبد بينه وبين مايخافه ويحذره وقاية تقيه منه. فتقوى العبد لله ان يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك, وهي امتثال اوامره واجتناب نواهيه. ويدخل في التقوى الكامله فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات, وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكرهات وهي اعلا درجات التقوى (١) , وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) وفي السنة النبوية: (اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (٣) وقال ابو العتاهية: إِذا المَرءُ لَم يَلبَس ثِياباً مِنَ التُقى ... تَقَلَّبَ عُرياناً وَإِن كانَ كاسِيا وله ايضا: وَإِذا بَحَثتُ عَنِ التَقِيِّ وَجَدتُهُ ... رَجُلاً يُصَدِّقُ قَولَهُ بِفِعالِ وَإِذا اِتَّقى اللَهَ اِمرُؤٌ وَأَطاعَهُ ... فَتَراهُ بَينَ مَكارِمٍ وَمَعالِ وعَلى التَقِيِّ إِذا تَرَسَّخَ في التُقى ... تاجانِ تاجُ سَكينَةٍ وَجَلالِ وقال اخر: وخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا

стр. 670

واما امية ابن أبي الصلت فهو يقول: وَحَلَّ المُتَّقونَ بِدارِ صِدقٍ ... وَعَيشٍ ناعِمٍ تَحتَ الظِلالِ لَهُم ما يَشتَهونَ وَما تَمَنّوا ... مِنَ الأَفراحِ فيها وَالكَمالِ التقوى فضيلة التقوى فضيلة اراد بها القرآن احكام ما بين الانسان والخلق, واحكام ما بين الانسان وخالقة, ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في اكثر ايات القرآن الاخلاقية والاجتماعية, والمراد بها ان يتقي الانسان ما يغضب ربه وما فيه ضرر لنفسه او اضرار بغيره, الا ترى ان كلمة التقوى في اصل معناها جعل النفس في وقاية, ولا تجعل النفس في وقاية الا بالنسبة فيما يخاف, فخوف الله اصلها, والخوف يستدعي العلم بالمخوف, ومن هنا كان الذي يعلم الله هوالذي يخشاه, وكان الذي يخشاه هو الذي يتقيه, فالمتقون هم الذين يقون انفسهم عذاب الله وسخطه في الدنيا والأخرة, وذلك بالوقوف عند حدوده وامتثال اوامره واجتناب نواهيه, وهو لايامر الا بما فيه خير للانسانية, ولا ينهى الا عما يضرها (١) , فخشية الله والتقوى توأمان لايصل الانسان إلى السعادة الا بهما, فلولا التقوى والخشية من الله لاسترسل الإنسان في شروره, وانكب على شهواته, واضاع حياته, فخشية الله المقرونة بالتقوى تربي الضمير الانساني وتجعله متحليا بالاخلاق الفاضلة كريما شجاعا بعيدا عن الرذائل, يحافظ على حق الله وحق عباده, وفي
следующие страницы →