← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الْوَهَّابُ﴾ (١) , وهذا زكريا ﵇ يذكرنا الله رحمته له ودعاءه لربه وستجابته له فيقول سبحانه: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا* قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٢) وهذا محمد ﵌ واصحابه يستغيثون ربهم فيستجيب لهم: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وليس اجابة الدعاء من الله جل وعلا مقصور على الانبياء, فالرب العظيم مالك الملك العظيم المالك لكل شيء والقادر على كل شيء والمنعم علينا بكل شيء يقول سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ* اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٤) . الرب في اسماء الله الحسنى الرب في اسماء الله الحسنى هوالخالق الرازق مالك الملك رب كل شيء ومليكه رب الاولين والاخرين, رب المشرقين ورب المغربين, رب السماوات والارض وما بينهما, رب الاخرة والاولى, رب العالمين لاشريك له في ملكه, ولا اله سواه, قال ابن الاثير: الربّ يُطْلقُ في اللُّغة على المالِك والسيد والمُدَبِّر والمُرَبِّي والقَيِّم والمُنْعِم ولا يُطلَقُ غيرَ مُضاف إلاَّ عَلَى الله تعالى, وإذا أُطلِقَ على غَيره أُضِيف فيقال رَبُّ كذا (٥) . وقال ابن كثير: والرب هو: المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى. [ولا يستعمل الرب لغير الله الا بالإضافة تقول: رب الدار, رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله ، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم] (٦) قلت: الرب اسم من اسماء الله الحسنى الا انه لم يرد في الاسماء التسعة والتسعين التي وردت في الحديث النبوي, وورد عند مسلم من حديث العباس ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ

стр. 737

ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (١) ولا يطلق غير مضاف الا اذا توجه الى الله تعالى: رب, او الرب, اما اذا اضيف فانه يتوجه الى الله تعالى, او الى عباده, كقولنا رب الدار اي صاحبها, اما دون اضافة ... رب او الرب فلا يتوجه الا الى الله تعالى, فهو رب كل شيء, وخالق كل شيء, ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) وقد ورد في كتاب الله في مواضع كثيرة جدا. فالله رب الأرباب, ومعبود العباد, ومالك الملك, وخالق جميع العباد ورازقهم, وكل رب سواه غير خالق ولا رازق, وكل مخلوق فملك بعد ان لم يكن, ومنتزع ذلك بيده, وانما يملك شيء دون شيء. وصفة الله مخالفة لهذا المعنى, فهذا الفرق بين صفات الخالق والمخلوقين (٤) ليس كمثله شيء وهو السميع العليم فهو المربي لجميع عباده بالتدبير واصناف النعم, فعلى انه مدبر لخلقه ومربيهم ومصلحهم وجابرهم يكون صفة فعل, وعلى ان الرب المالك السيد يكون صفة ذات (٥) .

стр. 738

ثمرة معرفة اسم الله رب العالمين اذا عرف المكلف ان ربه الله رب كل شيء ومليكه, رب الارباب ورب الاولين, والاخرين رب السماوات والارضين مالك الملك لاشريك له في ملكه يؤتي الملك من يشاء, وينزع الملك ممن يشاء, ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويسعد من يشاء, ويرفع من يشاء, ويخفض من يشاء, ويبسط الرزق لمن يشاء, ويستجيب لمن يشاء, ويحيي من يشاء, ويميت من يشاء, وانه يخلق كيفما يشاء ويحكم بما يشاء ولامعقب لحكمه, ولا شريك له في ملكه, ولا اله غيره, ولا رب سواه, ماشاء كان ومالم شيأ لم يكن, وانه لاحول ولاقوة الا بالله, وجب عليه ان يؤمن به, وان يعلم ان لارب على الحقيقة الا الله وحده, وان يحسن تربية من جعل التربيه اليه, فيقوم بامره, ومصالحه, كما قام الحق به, فيرقيه شيا فشيا, وطورا فطورا, ويحفظه مااستطاع جهده كما حفظه الله (١) . وان يكون مصلحا عابدا تائبا راجعا الى الله, فانت حينما تتخذ قرارا حكيما في صالح ايمانك يشرح الله لك صدرك, ويحفظك من بين يديك ومن خلفك, فربك الذي يرعاك, ويؤيدك, وينصرك, فبيد الله امور كل الخلق, بيده قلوب العباد, فهو رب كل شيء, بيده الرياح, وبيده الجبال, وبيده الارض, وبيده العواصف, وبيده, الاعاصير, وبيده الامطار, وبيده النبات, وبيده الاسباب والمسببات, وتأمل في قصة الفتية الذين امنوا بربهم وحكى الله قصتهم في

стр. 739

سورة الكهف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (١) فربنا بيده العز, وبيد الغنا, وبيده المال, وبيده الصحة, وبيده الخير كله, وبيده الجنة, وبيده النار, فاعتصم بالله رب العالمين, في كل شؤنك وتوكل عليه, واسأله ان يشرح صدرك وييسر امرك: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) وقال الشاعر: بشر فؤادك بالنصيب الوافي ... من قرب ربك واسع الألطاف الواحد الملك العظيم فلذ به ... واشرب من التوحيد كأساً صافي واشهد جمالاً أشرقت أنواره ... في كل شيء ظاهراً لا خافي والبس لرب العرش في أقداره ... ثوباً من التسليم واف ضافي واستكف ربك كل هم إنه ... سبحانه البر اللطيف الكافي واسأله أن يلبسك ثوب إنابة ... وهداية وسلامة وعوافي واشكر على النعماء واصبر للبلا ... وتحل بالإفضال والإنصاف (٣) ان ربنا يصلح امور العباد بجميع رعايته, ويصلح امور العابدين بحسن كفايته, ويصلح امور الوالدين بقديم عنايته, ويصلح امور قوم يستغنون بعطائه, ويصلح امور الخلق اجمعين, فاسأله اخي اصلاح امورك, وامور المؤمنين والخلق اجمعين, ولاتكن من القانطين فانه لايقنط من رحمة ربه الا الضالون, واعلم اخي ان من افضل الدعاء ماحكاه الله تعالى في القرآن الحكيم. دعاء الرب المجيب العظيم بما ورد في القرآن الحكيم ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٥) ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (* رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)

стр. 740

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١) ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) .

стр. 741

الفصل السابع والثلاثون الرحمة

стр. 742

الرحمة الرحمة خلة حميدة, وصفة جليلة يتراحم بها الناس ويتعاضدون ويتعاونون ويتعاطفون, وهي في الانسان رقة في القلب تحملة على التفضل والاحسان, والرحمة من سمات المؤمن التي زين الاسلام بها حياته, والرحمة التامة هي افاضة الخير على المحتاجين, وارادته لهم عناية بهم, والرحمة من الله انعام وافضال, ومن الادميين رقة وتعطف, ينال بها الرضا والعفو, فمن رحم الناس ﵀, وبالرحمة ترضع الام وليدها, وتروم الناقة وحيدها, وبالرحمة نتعطف على ابنائنا الصغار, ونحسن الى ابائنا الكبار, وبالرحمة يتعطف الاغنياءُ على الفقراء ويكرمونهم ويحسنون اليهم, وبالرحمة نحسن الى الحيوان, ونكرم الاخوان, ونرحم الصغير, ونوقر الكبير, وبالرحمة اُمرنا بخفض الجناح للوالدين, والدعاء لهما, والأحسان اليهما, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١) وقال الشاعر: ارحم أُخَيَّ عباد الله كلهموا ... وانظر اليهم بعين العطف والشفقة (٢) الرحمة من سماة المؤمنين الرحمة جاء بها الاسلام, واتصف بها سيد ولد عدنان المبعوث الى كافة الانام محمد عليه وعلى آله افضل الصلاة والسلام, وتحلى بها اصحابه الكرام, وفي

стр. 743

الذكر الحكيم يقول العزيز الرحيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) ويقول : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ويقول : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) رحمة الله واثارها المسلم به انه لاشيء يضر بشخصية الانسان مثل التشاؤم, فهو من اخطر الامراض التي تصيب النفس وتعصف بها, وتقعدها عن العمل, وكثيرا ما يجرها الى الهلاك, ويجعلها ترتمي في الاخطار, وتقسو على الاخرين وعلى نفسها, لان الحياة تصبح في نظرها جحيما لايطاق, ولكن النفس المؤمنة بالله المدركة لرحمة الله لايغادرها الامل, فهي تعالج مشاكل الحياة بحكمة وصبر وايمان, فهي تنظر الى اثار رحمة الله وتطلب من الله الرحمة والعون لا يصيبها خيبة ولايدركها ملل, فهناك قوة روحية تدخل في نفوس المؤمنين, تبعدها عن القنوط, وتجعلها في فرح وسرور, فرحمة الله قريبة من المؤمنين المحسنين, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) وفي سورة يونس يقول العزيز الحكيم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥) فقد جاء القرآن الحكيم بالرحمة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) ففي القرآن شفاء النفوس من اسقامها, والامها, وفي القرآن الهدى والرحمة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) ومن رحمة الله ان خلق للانسان في هذه الحياة شريك حياة يانس اليه ويعينه على بناء اسرته وتحقيق رغبته, والامتاع بلذته, وحفظ نسله, وبناء داره, واعمار ارضه, قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٨) ومن رحمة الله ان خلق الليل والنهار, وجعل في الارض انهارا وبحارا, وانبت في الارض حدائق ذات بهجة وأزهارا وثمارا, قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٩) ومن رحمة الله انه يحيي الارض بعد موتها, ويفيض على الخلائق نعما لانحصي عددها, وينزل

стр. 744

من السماء ماء فيحيي به الارض بعد موتها قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . فما جاء به القرآن الكريم من شانه ان يكون شفاء لقلوب الملايين من المحرومين الذين يطلبون رحمة الله ويبتغون ثوابه , وينظرون الى الناس نظر رحمة وشفقة, ويسعون الى انقاذ الملايين وتعليمهم, والاحسان اليهم, فهم لايحسدون, ولا يستكبرون, ولا يتطاولون على عباد الله, لانهم ينتظرون من الله جل وعلا الرحمة, ويعلمون ان الله قد قسم بين العباد ارزاقهم بحكمة ورحمة, وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢) صلاح الانسان يكسبه رحمة الله ان ايمان الانسان وصلاحه ينال بهما الرحمة من الله, والمحبة من الناس, والتوفيق في العمل, وتوصله الرحمة الى الجنة, وتبعده عن النار, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) فتقوى الانسان وصلاحه وصلاته وزكاته واتباعه لهدي محمد ﵊ تكسبه رحمة الله قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) فوائد الرحمة وضرر القسوة والجفوة للرحمة فوائد جمة ومنافع عظيمة, بها تنصلح احوال البشرية وتستقيم امورهم, ونلخص بعضا من هذه الفوائد في النقاط التالية: ١. ان رحمة الانسان للناس تكون سببا لرحمة الله له فمن يرحم الناس يرحمه الله, وقد كان خُلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشريعته كلها رفقا ورحمة، وروي عنه أنه قال في الحث على الرحمة: (الراحمون يرحمهم الرحمن) (٥) . وهذا يفيد أن الإنسان الذي يرحم الناس ويرحم الصغير ويتحلى بالرحمة في سلوكه وأدبه ومع أهله وولده أهلٌ لأن يرحمه الله جل وعلا، وقد روى البخاري في الأدب المفرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ارحموا أهل الأرض يرحمْكم من في السماء) (٦) روي: (يرحمُكم) مرفوعاً على الاستئناف البياني, ٢.

стр. 745

٣. ويجوز جزمه لوقوعه في جواب الأمر، وقد روى هذا الحديث أيضاً أحمد في المسند وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وروى البخاري ومسلم أيضاً في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) (١) ونظم ذلك ابن حجر بقوله: إن من يرحم أهل الأرض قد ... آن أن يرحمه من في السماء فارحم الخلق جميعاً إنما ... يرحم الرحمن منا الرحماء ولغيره: من يرحم الخلق فالرحمن يرحمه ... ويكشف الله عنه الضر والباسا ففي صحيح البخاري جاء متصلاً ... لا يرحم الله من لا يرحم الناسا وللعجلوني أيضاً: كن يا أُخَي رحيم القلب طاهره ... يرحمك مولاك بل يؤنسك إيناسا ففي الصحيحين ما معناه متصلاً ... لايرحم الله من لا يرحم الناسا (٢) ٤. ان الرحمة علامة الايمان, فلا يكتمل ايمان المرء حتى يكون رحيما في خلقه وتعاملة, وفي الحديث النبوي: (لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابون عليه قالوا: بلى يا رسول الله قال: أفشوا السلام بينكم تحابوا والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا: ٥.

стр. 746

٦. يا رسول الله كلنا رحيم قال: إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة رحمة العامة) (١) . وقال الشاعر: ان كنت لا ترحم المسكين ان عدما ... ولا الفقير اذا يشكو لك العدما فكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وانما يرحم الرحمن من رحما (٢) ٧. ان الرحمة تكون سببا في التوحد والقوة والتعاطف والاخوة, وفي الحديث النبوي (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (٣) . ٨. ان رحمة أهل الارض جميعا تكون سببا في رحمة أهل السماء ففي الحديث النبوي: ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (٤) وفي الذكر الحكيم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (٥) . ٩. ان رحمة الاطفال والصغار فيه غرس للمحبة في قلوبهم, وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتبر تقبيل الأطفال من مظاهر حبهم والرحمة بهم، فقد روى البخاري من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ ابنه إبراهيم فقبله وشمه (٦) .فقد ورد أنه كان يدخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسانه في فم الحسن بن علي ثم يقول: (اللهم إني أحبه فأحبه) (٧) ، وكان يقول: (ريحانتاي حسنٌ وحسينٌ) (٨) وقدم عليه مرة جماعة من الأعراب فقال أعرابي للنبي: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أوَ أملكُ لَكَ أنْ نزع الله من قلبك الرحمة) (٩) ,ويقول أنس: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) (١٠) ومن أعجب ما روي عنه في رحمته للأولاد ما أورده الهيثمي عن أبي ليلى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى صدره أو بطنه الحسين أو الحسن رضوان الله عليهما، فبال فرأيت بوله أساريع- أي طراً- فقمت إليه فقال: ١٠.

стр. 747

١١. (دعوا ابني هذا لا تفزعوه حتى يقضي بوله) ثم اتبعه الماء، وفي رواية: (لا تستعجلوه) (١) والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين في هذه الأحاديث حق الطفل ومكانته, لا ينشغل عن بيان ذلك بالأمور السياسية أو غيرها، ولقد كان كما ذكر أسامة بن زيد في رواية للبخاري يأخذه فيقعده على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمهما ويقول: (اللهم أرحمهما فإني أرحمهما) (٢) . ١٢. ان من يرحم الضعفاء والمساكين ويحسن اليهم مبشر بالجنة, ففي الحديث النبوي: طوبى لمن تواضع من غير منقصة وذل في نفسه من غير مسكنة وأنفق مالا جمعه من غير معصية ورحم المساكين أهل المسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة طوبى لمن ذل في نفسه وطاب كسبه وأصلح سريرته وعزل عن الناس شره طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله (٣) . وطوبى هي شجرة او مكانة في الجنة. ١٣. ان رحمة الحيوان والرفق به, وعدم مؤاذاته تكون سببا في رحمة الله, وفي الحديث النبوي: أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا أَوْ قَالَ إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا فَقَالَ (وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا ١٤.

стр. 748

١٥. رَحِمَكَ اللَّهُ) (١) . وفي رواية لابن مسعود ﵁ قال كنا مع رسول الله ﵌ في سفر ومررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما قال: فجاءت الحمرة إلى رسول الله ﵌ وهي تصيح فقال النبي ﵌: من فجع هذه بفرخيها؟ قال: فقلنا: نحن قال: فردهما (٢) . ١٦. ان انعدام الرحمة يعني القسوة والغلظة وهما من اسباب التنافر والتناحر وخراب الديار, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) . ١٧. الغلظة والقسوة والجفوة من اخلاق أهل النار ففي الحديث النبوي: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ, كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ (٤) و ﴿العتل﴾ بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي. و ﴿الجواظ﴾ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع. وقيل الضخم المختال. وقيل الجواظ الغليظ الفظ كما في سنن ابي داود الْجَوَّاظُ الْغَلِيظُ الْفَظُّ (٥) . ١٨. ١٩.

стр. 749

٢٠. ان من اسباب قسوة القلب قطيعة الارحام, والاساءة الى الاخوان, والبعد عن ادراك نعم الرحمن, وعدم الاخذ بالقرآن, والاعراض عن هدي محمد عليه وعلى وآله افضل الصلاة والسلام, فقاسي القلب لايتعظ بالمواعظ, ولاينتفع بمواعظ السماء, ولا يعتبر بمصارع الامم, ولا يشكر لله النعم, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) . ٢١. ان من اضرار القسوة انها تمنع من الخشوع عند ذكر الله, والخضوع لاوامره, فقاسي القلب لايخضع للحق, ولايتبع الحق, ولا يذكر الله ربه ورب كل الخلق, وقد جاء في التنزيل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) فقاسي القلب اعمى البصيرة سيء السريرة, سلوكه مشين, وسلوكه غير مستقيم, لايعرف طريقه, ولايدرك نور الحقيقة, وفي الذكر الحكيم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا ٢٢.

стр. 750

٢٣. يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١) . علاج قسوة القلب ان التعرف على الله, وطلب رحمته, واتباع اوامره, والرجوع اليه, والتواضع له وعدم القنوط من رحمته, والاقلاع عن المعاصي, مما يقرب من رحمته, قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فما يعانيه العالم اليوم من تدهور في الاخلاق وانكباب على الرذائل, وانتشار للجرائم, انما هو ثمرة قسوة قلوب بعض البشر وغفلتها عن استحضار عظمة الله ﷻ التي تجعل في القلب رهبة تحول بينه وبين الميل الى الشر, وتجعل منه مدركا لأنعم الله التي افاض بها على البشرية كلها, وافاض بها على كافة بني الانسان اكراما واحسانا وانعاما وافضالا, فاذا انغمس الانسان في المعاصي ضل وقنط من رحمته ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (٣) فما على اصحاب النفوس المتشائمة الا ان تيمم نحو ربنا جل وعلا وتطلب الرحمة منه , وتقلع عن المعاصي, وستدرك ان رحمة الله لايعجزها شيء في هذا الوجود, وهي قريبة ممن يعود الى الله, وستوصله الى بر الامان لينعم بالراحة والاطمئنان, والسعادة الدائمة في الدنيا والاخرة, ورحم الله الامام الشافعي حيث يقول:

стр. 751

وَلَمّا قَسا قَلبي وَضاقَت مَذاهِبي ... جَعَلتُ الرَجا مِنّي لِعَفوِكَ سُلَّما تَعاظَمَني ذَنبي فَلَمّا قَرَنتُهُ ... بِعَفوِكَ رَبّي كانَ عَفوُكَ أَعظَما فَما زِلتَ ذا عَفوٍ عَنِ الذَنبِ لَم تَزَل ... تَجودُ وَتَعفو مِنَّةً وَتَكَرُّما فَلَولاكَ لَم يَصمُد لِإِبليسَ عابِدٌ ... فَكَيفَ وَقَد أَغوى صَفِيَّكَ آدَما فَلِلَّهِ دَرُّ العارِفِ النَدبِ إِنَّهُ ... تَفيضُ لِفَرطِ الوَجدِ أَجفانُهُ دَما يُقيمُ إِذا ما اللَيلُ مَدَّ ظَلامَهُ ... عَلى نَفسِهِ مَن شِدَّةِ الخَوفِ مَأتَما فَصيحاً إِذا ما كانَ في ذِكرِ رَبِّهِ ... وَفي ما سِواهُ في الوَرى كانَ أَعجَما وَيَذكُرُ أَيّاماً مَضَت مِن شَبابِهِ ... وَما كانَ فيها بِالجَهالَةِ أَجرَما فَصارَ قَرينَ الهَمِّ طولَ نَهارِهِ ... أَخا السهدِ وَالنَجوى إِذا اللَيلُ أَظلَما يَقولُ حَبيبي أَنتَ سُؤلي وَبُغيَتي ... كَفى بِكَ لِلراجينَ سُؤلاً وَمَغنَما أَلَستَ الَّذي غَذَّيتَني وَهَدَيتَني ... وَلا زِلتَ مَنّاناً عَلَيَّ وَمُنعِما عَسى مَن لَهُ الإِحسانُ يَغفِرُ زَلَّتي ... وَيَستُرُ أَوزاري وَما قَد تَقَدَّما الرحمن الرحيم في اسماء الله الحسنى الرحمن الرحيم من اسماء الله الحسنى مشتقان من الرحمة, على وجه المبالغة, والرحمن اشد مبالغة من الرحيم, وهما اسمان دالان على انه ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء وعمَّت كل حي, قال الخطابي: فالرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر، والصالح والطالح, وأما الرحيم فخاص للمؤمنين كقوله: (وكان بالمؤمنين رحيما) (١) وقال القرطبي: الرحمن الرحيم ﷻ وتقدست اسماؤه نطق بهما التنزيل, وجاءا في حديث ابي هريرة, وتكررا في غير موضع في الكتاب والسنة واجمعت عليهما الامة (٢) , قلت ذُكر (الرحمن) في القرآن الكريم سبعة وخمسين مرة منها قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٨) , اما اسمه جل وعلا الرحيم فقد ذكر في القرآن مائة واربع عشرة مرة, منها ماسلف الاشاره اليه ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٩) ومنها قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) ومنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١) وسبق الإشارة الى ان

стр. 752

الاسمين مشتقان من الرحمة, الا ان اسم الله (الرحمن) يدل انه ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الاخرة, فخص المؤمنين باسمه الرحيم فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١) وقيل أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل, فالأول دال أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته (٢) . وقيل اسم الرحمن مختص بالله تعالى, وقال ابن عباس في قوله تعالى (هل تعلم له سميا) قال لم يسمى الرحمن غيره. واكثر العلما على ان الرحمن مختص بالله ولا يجوز ان يسمى به غيره, قال تعال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٣) وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤) فاخبر ان الرحمن هو المستحق للعبادة , وقد قيل في اسمه (الرحمن) اسم الله الاعظم. (٥) وقال ابن كثير: والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. (٦) ثمرة معرفة اسم الله الرحمن الرحيم وفائدته اذا عرف المكلف ان الله الرحمن الرحيم ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وان رحمته وسعت الخلق في ارزاقهم, ومعائشهم, ومصالحهم, وانه برحمته ارسل الينا رسله وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى, وعلمنا مالم نكن نعلم, وبرحمته سخر الليل والنهار وسخر الشمس والقمر والنجوم, واسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة, وجب عليه ان يؤمن به, وان يفرده بالعبودية, ويشكر له النعمة, وان يسأل من ربه الرحمة, فرحمة الله واسعة, وربه رحيم, سبغت رحمته غضبه كما في الحديث النبوي (ان رحمتي سبقت غضبي) (٧) وهذا الحديث موافق لقوله تعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٨) وجاء في حديث (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ) (٩) وفي رواية (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (١٠) ومن ثمرة معرفة اسم الله الرحيم ان يكون المرء راحما لعباد الله محسنا اليهم مطيعا لله فيما امر

стр. 753

ونهى, فكلما اطاع الانسان ربه كان اقرب الى الله مستحقا لرحمته, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) فرحمة الله يتخلق بها عباد الله الرحماء, فهي من الاخلاق العظيمة التي حض الله سبحانه عباده على التخلق بها, وانما الشقي من الناس الذي نزعت من قلبه الرحمة, لان ذلك معناه المنع من الدخول في رحمة الله, وفي الحديث النبوي (لاتنزع الرحمة الا من شقي) (٦) فاسال الله الرحمة فانه كريم واعزم على ذلك فقد جاء في السنة النبيوة (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ) (٧) وفي الذكر الحكيم: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٨)

стр. 754

دعاء الله باسمه الرحمن الرحيم يا الله يارحمن يا رحيم ياسميع ياعليم رحمتك نرجو فلاتكلنا الى انفسنا طرفة عين, ياالله يارحمن يارحيم ارحم تعلقي اليك وتملقي عليك وخضوعي بين يديك وارحم تضرعي, وتولني برحمتك واسكني الدرجات العلا من الجنة بفضلك ورحمتك, يا الله يا رحمن يا رحيم افض علي والمؤمنين من رحمتك التي لاراد لها ولاممسك, وتفضل علي ووالدي والمؤمنين والمؤمنات برحمتك واحسانك وكرمك وعفوك في الدنيا والاخرة, وكن بنا رحيما, وتوفني مسلما والحقني بالصالحين يا سميع يا عليم يا ارحم الراحمين وصلِّ اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد, وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم على اصحاب نبيك وازواجه وذريته ومن تبعه باحسان الى يوم الدين. ورحم الله أباالعتاهية حيث يقول: أَيا رَبِّ يا ذا العَرشِ أَنتَ رَحيمُ ... وَأَنتَ بِما تُخفي الصُدورُ عَليمُ فَيا رَبِّ هَب لي مِنكَ حِلماً فَإِنَّني ... أَرى الحِلمَ لَم يَندَم عَلَيهِ حَليمُ وَيا رَبِّ هَب لي مِنكَ عَزماً عَلى التُقى ... أُقيمُ بِهِ ما عِشتُ حَيثُ أُقيمُ أَلا إِنَّ تَقوى اللَهِ أَكرَمُ نِسبَةٍ ... تَسامى بِها عِندَ الفَخارِ كَريمُ إِذا ما اجتَنَبتَ الناسَ إِلّا عَلى التُقى ... خَرَجتَ مِنَ الدُنيا وَأَنتَ سَليمُ

стр. 755

الفصل الثامن والثلاثون الحياة

стр. 756

الحياة الحياة انفاس معدوة, وساعات محدودة, يقضيها الانسان في نمو لازم, وتطور دائم, بين طفولة وصبا, وشباب وكهولة, وشيب وشيخوخة, بين امال وآلام, وافراح واتراح, وشدة ورخاء, ومرض وصحة, وضعف وقوة بين رياض نظرة, وروائح عطرة, وحدائق ذات بهجة, واشجار مثمرة, وانهار هادرة, وبحار متلاطمة, وجبال شاهقة, وسهول واسعة, وثمار طيبة, وهبها الله للانسان, وتفضل بها الكريم المنان, وسخر له الانعام, واحل له النبات والحيوان, ورزقه من السماء والارض, وانزل عليه الامطار وانبت له الثمار, وسخر له الارض في جميع الاقطار, ففيها حياته, واليها يعود بعد مماته, من رحلة يطويها الليل والنهار, وقد كان ترابا مواتا لايعرف عن الحياة شيئا, ولايدرك شيئا من تلك الاثار, وفي الذكر الحكيم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) فسبحان من احيا الارض بعد موتها, وبدء خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من ماء مهين, وصوره في احسن تقويم, وجعل الماء مادة الحياة في كل حين, ودحى الارض وزينها للناظرين: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ

стр. 757

أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فاختلاف النبات في الطعم رغم اتحاد التربة والماء نعمة ومنة, ودليل على القدرة واحكام الصنعة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣) فسبحان من خلق الحياة ووهبها وجعل الماء اصل مادتها, ودليلا على ابداع صنعتها, وفي القرآن الحكيم يقول الرب العظيم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٤) ويقول وهو العزيز الحكيم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) حقيقة علمية جاء بها القرآن وقررها, ولفت الأنظار اليها واظهرها, وادرك سرها العلماء, وفي هذا يقول بعض الباحثين ان معظم العمليات الكيماوية اللازمة للحياة والنمو تحتاج الى الماء, وهو العنصر الاساسي لاستمرار الحياة لجميع الكائنات والنبات (٦) , وفي الذكر الحكيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٧) ويقول : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٨) الحياة جميلة فلا تضيعها الحياة التي وهبك الله جميلة فجملها بما يعود عليك نفعه, ولا تضيعها فعمرك محدود, ونفسك محسوب, فاعمرها بالايمان, وزينها بالتقوى, وازرع الخير فيها, يثمر زرعك ويطب دهرك, فمن ضيع حياته ندم, ومن استثمرها في عمل البر غنم, قال الشاعر: اذا كان راس المال عمرك فاحترز ... عليه من الانفاق في غير واجب فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب (٩) وقال اخر:

стр. 758

حياتك انفاس تعد فكلما ... مضى نفس منها نقصت بها جزءا اما الافوه الاودي فهو يقول: انما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار وقال اخر: وما تؤخر من نفس وان حرصت ... على الحياة اذا ماجاء داعيها فاغتنم نعمة الحياة, وتمتع بنعم الله, وقوِّ اخلاقك مع الاحياء كي لاتكون في عداد الموتى, ورحم الله شوقي حيث يقول: وَجَدتُ الحَياةَ طَريقَ الزُمَر ... إِلى بَعثَةٍ وَشُؤونٍ أُخَر وَما باطِلاً يَنزِلُ النازِلون ... وَلا عَبَثاً يُزمِعونَ السَفَر فَلا تَحقِرن عالَماً أَنتَ فيهِ ... وَلا تَجحَدِ الآخَرَ المُنتَظَر وَخُذ لَكَ زادَينِ مِن سيرَةٍ ... وَمِن عَمَلٍ صالِحٍ يُدَّخَر وَكُن في الطَريقِ عَفيفَ الخُطا ... شَريفَ السَماعِ كَريمَ النَظَر وَلا تَخلُ مِن عَمَلٍ فَوقَهُ ... تَعِش غَيرَ عَبدٍ وَلا مُحتَقَر وَكُن رَجُلاً إِن أَتَوا بَعدَهُ ... يَقولونَ مَرَّ وَهَذا الأَثَر وله ايضا: المَجدُ وَالشَرَفُ الرَفيعُ صَحيفَةٌ ... جُعِلَت لَها الأَخلاقُ كَالعُنوانِ وَأَحَبُّ مِن طولِ الحَياةِ بِذِلَّةٍ ... قِصَرٌ يُريكَ تَقاصُرَ الأَقرانِ دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها ... فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني بالأمل والفال تصفو الحياة وبالعمل تتجدد الحياة جميلة بآمالها فسيحة واسعة, والحياة كلمة تعج بالامل, وتشرق بالآمال, وتهتف بالمعالي, والحياة فيها معنى الحركة والانجاز والامل, ويكفي كلمة الحياة شرفا انها عكس الموت, وضد التوقف, وهذه المعاني تكفي للفرح والشوق بفضل الله ورحمته واهب الحياة, فما عليك اخي الا ان تكون متفائلاً مسرورا بفضل الله وقضائه في هذه الحياة, فالتفاؤل هو النظرة الايجابية المشرقة والواثقة لمستقبل الاشياء, وعند اختفاء التفاؤل من اعماق الانسان فإن التشاؤم يحل محله بما فيه من اسداد للأُفق وظلام في النظرة المستقبلية للانسان, والتفاؤل دافع ايجابي محفز للانسان ليبحث بنفسية منفتحة عن كل ماينفعه في هذه الحياة, فليس هنالك ظلام مطلق, فبين تلال الظلام توجد شموع مضيئة, وقد جاء القرآن من عند الله ليبث التفاؤل والأمل, ويجدد الحياة والثقة بالله تعالى, ففي لحظة الضعف والانكسار يتنزل على نبي الله قول الحق ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) وفي لحظة طيش العدو وكبره ياتي الامل والتفاؤل في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) بل قد جاء في الحديث القدسي (انا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء) (٣) ,

стр. 759

والتفاؤل هو الصخرة الصماء التي يتحطم على سطحها زعانف الاحباط والياس والقنوط, فالمتفائل لايعاني من الشلل الفكري والقنوط الروحي او الانهيار الجسدي عندما تتكالب عليه الازمات, وتكثر الامتحانات, وتضيق السبل, ويكثر الاعداء, فهو مبتسم متهلل الاساليب لايتوقف عن الابداع ولا يحقر اراء الاخرين ولا يقلل من شان مايراه او يعرض عليه من افكار بل يختار افضلها, والمتفائل مؤمن بالله واثق به يعلم ان القنوط والياس من عمل الشيطان, وفي الامثال السائرة"لا حياة مع الياس ولا ياس مع الحياة" وفي الذكر الحكيم يخبرنا العزيز الحكيم فيما حكاه على لسان نبيه يعقوب الكريم: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) فالتفاؤل يصبغ على صاحبه البهجة والانتعاش والحيوية والنورانية, وذلك ما يبعث على محبته في قلوب الاخرين, وقد كان النبي ﵌ (يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ) (٢) وقال ابن الرومي: قد أتَى عن نبيِّنا حبُّه الفأْ ... لَ مضيئاً بذلك البرهان وقال اخر: فاليوم يا علم الأعلام كل ذكي ... حي اللثام غدا بالأمن متشحا

стр. 760

وكل فظٍّ رديِّ الخال منقبضاً..... وكل برٍّ حميد الفال منشرحا (١) وفي التفاؤل الرضا بقدر الله والسكينة بقضائه والاطمئنان الى مكتوبه, وهذه المعاني هي الحياة بمعناها الحقيقي وذوقها الرائع, وبلسمها العذب, فيالله مااروعها كلمة, ومن هنا يجب ان يدرك الاباء والتربويون والصحفيون وموجهو برامج الاعلام دورهم الكبير في اشاعة التفاؤل في عناصر المجتمع, والتحذير من هيمنة اليأس والقنوط وقطع الامال, فالمتشائمون لايصنعون مستقبلا ولايتغلبون على مصاعب الحياة, لانهم لايحملون نورا يضيء لهم الطريق, بينما المتفائلون يحملون نورا في قلوبهم وفي ارواحهم وفي بصائرهم وفي بصيرتهم. الحياة نقيض الموت الحياة نقيض الموت, فشتان بين الحياة والموت, وبين الأعمى والبصير, وبين المشرق والمغرب, وبين الاحياء والاموات, شتان بين انسان مليء السمع والبصر يتكلم ويتحدث ويبتسم, ويسأل ويجيب, ويفكر ويحاكم, وينتقل ويمشي, ويعمل في طاعة ربه, وبناء مجده, وبين انسان جثة هامدة, ملقى على الطريق, كما ان هناك فرقا كبيرا بين الحياة والموت فهناك فرق كبير بين قلب حي يذكر الله وبين قلب ميت, وفي الحديث النبوي (مَثَلُ

стр. 761

الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) (١) , وفي الذكر الحكيم: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢) وفي سورة فاطر يقول العزيز الرحيم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٣) وفي سورة الانعام يقول الكريم المنان: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) الحياة تتقلب وتذهب فلا تغتر بها لقد خلق الله الحياة لحكمة عظيمة, ابتدأها بعلمه, وامضاها بقدرته, فما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها, وما يعطه من خير وفضل فلا راد له, يخلق مايشاء ويختار وهو العزيز الغفار, من اطاعه سلم وظفر بمراده واستعد للسفر بمائة وزاده, ومن اعرض عن ذكر ربه وفضله ندم, سنن الله في هذه الحياة قائمة على الصواب, وقوانينه قائمة على العدل والحساب, جعل الحياة مرحلة اختبار للعباد, فمن احسن العمل طاب له الحصاد ومن اختار سلوك قضاء حياته فيما ينيله السعادة ظفر بمراده, وطابت له الحياة, وفي الذكر الحكيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) فمن عرف ثمار الاعمال كان حقيقا ان لايغرس مرا, ليحسن له بعد الممات ذكرا, وفي مقصورة بن دريد الازدي: إِنَّما المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ ... فَكُن حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعى وقال اخر: كل إِلى الغايَةِ مَحثوث ... وَالمَرءُ موروث فَمَبعوث فَكُن حَديثاً حسناً سائِراً ... بَعدَك فَالدُنيا اِحاديثُ (٦) ومن ابصر العاقبة فآثرها ادرك السلامة وأمن من الندامة, ومن اعرض عن منهج الله في هذه الحياة خاب وخسر, وندم وعثر, ولم يترك من الذنوب الا ماعجز عنه, فهو اشر بطر, فلتحمد نفسك على ما تركت من الذنوب عجزا, فالبصير من عرف ضره من نفعه, واستفاد في يومه من امسه, واحترز من كيد الشيطان ومن نفسه. قال المتنبي: إِنّي لَأَعلَمُ وَاللَبيبُ خَبيرُ ... أَنَّ الحَياةَ وَإِن حَرَصتَ غُرورُ وَرَأَيتُ كُلّاً ما يُعَلِّلُ نَفسَهُ ... بِتَعِلَّةٍ وَإِلى الفَناءِ يَصيرُ (٧) وله ايضا: كَثيرُ حَياةِ المَرءِ مِثلُ قَليلِها ... يَزولُ وَباقي عَيشِهِ مِثلُ ذاهِبِ

стр. 762

وقال اخر: لم يدرِ من ظنَّ الحياةَ إقامة ... أنَّ الحياةَ تنقُّلٌ وترحُّلُ في كلّ يومٍ يقطعُ الإِنسانُ منْ ... دنياهُ مرحلةً ويدنو المَنْهَلُ فإذا يفارقُ دار منشأه امرؤٌ ... فله إلى دارِ المَعَادِ تنقل (١) اما الشريف الرضي فهو يقول: نِصفُ عَيشِ المَرءِ حُلمٌ وَالَّذي ... يَعقِلُ العاقِلُ مِنهُ كَالحُلُم وقال اخر: لَوْ كَانَ لِلْمَرْءِ فِكْرٌ فِي عَوَاقِبِهِ ... مَا شَانَ أَخْلاقَهُ حِرصٌ وَلا طَمعُ وَكَيْفَ يُدْرِكُ مَا فِي الْغَيْبِ مِنْ حَدَثٍ ... مَنْ لَمْ يَزَلْ بِغُرُورِ الْعَيشِ يَنْخَدِعُ دَهْرٌ يَغُرُّ وَآمَالٌ تَسُرُّ وَأَعْ ... مَارٌ تَمُرُّ وَأَيَّامٌ لَهَا خُدَعُ يَسْعَى الْفَتَى لأُمُورٍ قَدْ تَضُرُّبِهِ ... وَلَيْسَ يَعْلَمُ مَا يَأْتِي وَمَا يَدَعُ يَا أَيُّهَا السَّادِرُ الْمُزْوَرُّ مِنْ صَلَفٍ ... مَهْلاً فَإِنَّكَ بِالأَيَّامِ مُنْخَدِعُ دَعْ مَا يَرِيبُ وَخُذْ فِي مَا خُلِقْتَ لَهُ ... لَعَلَّ قَلْبَكَ بِالإِيْمَانِ يَنْتَفِعُ إِنَّ الْحَيَاةَ لَثَوبٌ سَوْفَ تَخْلَعُهُ ... وَكُلُّ ثَوْبٍ إِذَا مَا رَثَّ يَنْخَلِعُ (٢)

стр. 763

اما عبيد الله بن عبيد بن عتبه فهو يقول: فما صفا لامرء عيش يسر به ... إلا سيتبع صفوه كدرُ (١) تقلب الحياة يحث على عمارتها بالعمل الصالح ان الصحة في هذه الحياة يعقبها السقم, والقوة يتبعها الضعف, والسرور يخلفه الحزن, والحياة يتبعها الموت, وكل ذلك مما يدعوك الى التزود للحياة الباقية, فان هذه الحياة فانية, ولن يبقى منها الا العمل الصالح, فهو لك متجر رابح, وفي الذكر الحكيم: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٢) ويرحم الله امير البيان العربي شكيب ارسلان حيث يقول: تقابلت الامور فكل مر ... يعاقبه اللذيذ المستطاب ولولا المر لم تشعر بعذب ... ولولا العذب لم يشعرك صاب وكل صعوبة فلها سهول ... وكل سهولة فلها عقاب أما لو لم يكن ظرفا نقيض ... لما قيل الخطاب له جواب ومن طلب الصواب ولم يقابل ... وجوه الامر أعجزه الطلاب

стр. 764

ومن عدم الصواب وقد نحاه........ بأحسن مايجدُّ فلا يعاب ومن خاض العباب بقصد ربح ... فان الدر ماضم العباب ومن حسب الحياة مدى طويلا ... يكذب ظنه الاجل القراب اذا ولى شباب المرء يوما ... فليس يعيد صبوته الخضاب ألا ليت الشباب يعود يوما ... تقول وانما ذهب الشباب فلا يشغل فؤادك في شباب ... عن العمل السماع أو الشراب ولا يقعدك عن عمل فراغ ... ولو لم يعقب العمل اكتساب وان المرء ان يلزم سكونا ... تولى هيكل الجسد الخراب ومن اضحى لامر غير كفؤ ... فأليق ما يليق به اجتناب سيعلم كل من عرف المعالي ... بأن الشغل للعليا نصاب (١) فاغتنم الحياة وجد في العمل قبل ان ياتي الاجل, وفي امثال العرب: (احرز امرا اجله) معناه ان الانسان لايملك ان يفر من اجله لانه مدركه اينما كان (٢) وقال الميداني والزمخشري: هذا اصدق مثال قالته العرب. وفي امثال العرب ايضا (اذا انقطعت المدة لم تنفع العدة) اي اذا انتهى عمر الانسان لم تنفعه اي وسيلة للنجاة, فنفس المرء خطاه الى اجله غير انه لايدري متى يحل اجله فاستثمر الحياة ولا تضيعها, قال الشاعر: فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ ... وَالمَرءُ بَينَهُما خَيالِ ساري وَالنَفسُ إِن رَضِيَت بِذَلِكَ أَو أَبَت ... مُنقادة بِأَزمَّة الأَقدارِ فاِقضوا مآرِبكم عُجَالاً إِنَّما ... أَعمارُكُم سِفرٌ مِنَ الأَسفارِ (٣) وقال اخر: ضياع العمر في عبث ولهو ... ضلال لايشابهه ضلال فاذا اردت ان تفلح في حياتك وتؤدي واجبك باعمار الحياة واستثمارها, والنجاة من اثامها وأوزارها فعليك باصلاح نفسك, واصلاحها يتعين في اصلاح فكرك واصلاح شهوتك, واصلاح الفكر لايتم الا بتعليمها من العلوم ما تميز به بين الحق والباطل في الاعتقاد, وبين الصدق والكذب في المقال, وبين الجميل والقبيح في سائر الافعال, واما اصلاح الشهوة فان ذلك لايتم الابالتزام الفضيلة بالعفة, والابتعاد عن الرذيلة, والتحلم في الاخلاق, وكف النفس عن قضا وطر لايرضى به الخالق الرزاق, وفي الذكر الحكيم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٤) فالشهوة ليست مذمومة في ذاتها, ولهذا كان المطلوب منك ترويض قوة الشهوة واصلاحها,

стр. 765

فهي انما تكون مذموة اذا كانت مفرطه واهملها صاحبها ولم يوظفها فيما خلقت له وانما تجاوز واعتدى ولم يستمتع بالحلال في الفرج والمال, مع انه لا سبيل الى الاستمتاع بالحياة, والانتفاع بها الا بحفظ البدن, واعادة ما يتحلل منه, ولا سبيل لذلك الابالغذاء وطلب المال من الحلال, والاستمتاع بالحلال من النساء, فالشهوة محتاج اليها ومرغوب فيها وتقتضي الحكمة الإلاهية ايجادها وتزيينها, والاستعداد بذلك لنيل الحياة الدائمة في الدار الاخرة وفي الذكر الحكيم: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١) . التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا يعني عمارة الحياة بالعمل الصالح ان الاعتقاد بحياة اخرى افضل من الحياة الدنيا هو ما يشجع على العمل الصالح, وعلى التاخي والتعاون والتراحم, وهو الذي يدخل العزاء الى النفوس المعذبة التي اصابتها مصائب الحياة, كما ان هذا الاعتقاد يمد المؤمنين بقوة روحية تجعلهم لايبالون بمصائب الدنيا واتراحها, فليس للياس والاحباط من سبيل الى نفوسهم ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فهم في عمل دائم يرجون ثواب الله ويخشون عقابه غير مغترين بلهو الحياة ومتعها, وفي الذكر الحكيم: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣) وفي هذه الاية الكريمه مايدعو الى الايثار وطلب مغفرة الله ورضوانه, فوصف الحياة بالهو والزينه والتفاخر والتكاثر في الاموال والاولاد لايعني تحريم ذلك, وعدم جواز طلبه من الحلال وانما يعني ان كل ماتعجبون به انما هو في حقيقة الامر متاع زائل يشبه ذلك المطر الذي يعجب الزارعين ثم لايلبث ان يكون حطاما, فلا تغتروا بالدنيا فانكم اذا طلبتم رضوان الله فيما تعملون فستحصدون الخير في الحياة الباقية, وتنالون المغفرة, اما اذا اخذكم الغرور ونسيتم الرب الغفور فان هناك عذاباً شديداً, واحرى بالانسان ان يحرص على الباقيات الصالحات فيما يطلبه في هذه الحياة لينال الانسان الثواب ويكون قد استمتع بالحياة واستثمرها, وحصل على حياة باقية, وامن من الحساب ونجا من العذاب فهو لم يقصد الدنيا لذاتها, ولم يضيع في حياته اوقاتها, وفي سورة الكهف يقول الحق : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ

стр. 766

الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا *الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١) فالقرآن الكريم يفضل الحيا ة الاخرة على الدنيا, ولاسبيل الى الوصول الى الاخرة الابعمارة هذه الحياة حسب اوامر الله ونواهيه لينال الانسان الحياة الدائمة غير مغتر بالحياة الدنيا حتى لايحمله ذلك على ظلم الناس بهذه الحياة: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وفي سورة الانفال يقول الكبير المتعال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وفي سورة الأعلى ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٤) واياك ان تغتر وتترك العمل او تحرم في هذه الحياة مااباحه الله لك واحل: ﴿قل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) .

стр. 767

الايمان بالحياة الاخرة والتشويق لها ممايحث على عمارة الحياة الدنيا بالعمل الصالح ان تفضيل الحياة الاخرة على الحياة الدنيا, هو امر يبعث على عمارة الحياة الدنيا بالاعمال الصالحة لكي ينال الانسان حياة يتمتع فيها بالذائذ والطيبات دونما الام او متاعب او اعراض او كوارث او مصائب او مصاعب, فهي حياة لايعقبها الموت, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١) اي الحياة التي لا فناء بعدها, والشباب الذي لاشيخوخة ولا ضعف بعده, والمساكن التي لامثيل لها, والملابس والثياب من الحرير, فهي تحتوي على متع من النعيم مختلفة الانواع, ففيها صحائف الذهب والفضة التي فيها اطيب انواع الطعام, والذ اصناف الشراب, وفيها ماتشتهي الانفس وتلذ الاعين, يتمتع الرجال والنساء فيها على سواء فينعم النساء بما ينعم به الرجال, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةََ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (٣) ويقول وهو العزيز الحكيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ويقول سبحانه في وصف نعيم الجنة وبيان ان المؤمنين ورثوها بالعمل الصالح ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٥) وفي سورة البقرة الخبر اليقين والامر بتبشير المؤمنين بالخير الوفير في تلك الحياة الاخرة في جنات عدن: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٦) فارث هذه الحياة الابدية انما ياتي به الله لمن آمن في هذه الحياة الدنيا, وعمل صالحا ولم يكن غليظ القلب كافرا بانعم الله, فالذي تنتهي حياته الى الموت, هو في حكم الميت, فاعمل لنفسك بما يحييها الله به حياة طيبة, فحياتك ليست اصيلة في وجودها فاذا اصاب جزءاً من اعضائك مرض او عطل اصبحت حياتك جحيما, اما في الاخرة فحياتك اذا اكرمك الله لايعروها مرض ولا يخالطها خوف, فقو صلتك بالله الذي وهبك الحياة, واعلم ان الله وحده هو دائم الحياة, فهو الحي الذي لايموت, وهو الذي يحيي ويميت, وهو يهب للانسان حياة بعد الممات يشقى الانسان فيها اذا خالف اوامر الله وتعدى حدوده, ويسعد في الحياة الاخرة اذا امن بالله وعمل صالحا, وفي الذكر

стр. 768

الحكيم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) واذا كان الله حي متصف بالحياة والقدرة والقوة والبقاء فهو الذي لم يسبق وجوده عدم ولا يلحق بقاؤه فناء, وهو الذي خلق الموت والحياة وبيده المنع والعطاء, وهو الذي يحيي من يشاء ويميت من يشاء, فانه خليق بالانسان العاقل ان يؤمن به , وان يتعرف عليه وعلى اسمه الحي القيوم, وان يدعوه, ويساله الحياة الطيبة ويتوكل عليه , وفي التنزيل يقول العزيز الرحيم: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) وفي سورة الفرقان يقول الكريم المنان: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (٣) وفي سورة غافر يقول جل شانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) . الحي القيوم في اسماء الله الحسنى الحي القيوم من اسماء الله الحسنى وقد جاء الاسمان متلازمان في ثلاثة مواضع في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٥) وقوله تعالى ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (٧) و (الحي القيوم) جمعهما في غاية المناسبة كما جمعهما الله في عدة مواضع في كتابه، وذلك أنهما محتويان على جميع صفات الكمال، فالحي هو كامل الحياة، وذلك يتضمن جميع الصفات الذاتية لله كالعلم، والعزة، والقدرة والإرادة، والعظمة، والكبرياء، وغيرها من صفات الذات المقدسة، والقيوم هو كامل القيومية وله معنيان: هو الذي قام بنفسه، وعظمت صفاته، واستغنى عن جميع مخلوقاته. وقامت به الأرض والسماوات وما فيهما من المخلوقات، فهو الذي أوجدها وأمدها وأعدها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، فهو الغني عنها من كل وجه وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، فالحي والقيوم من له صفة كل كمال وهو الفعال لما يريد (٨) , وقال الطبري: وأما قوله:"الحي" فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخر له بأمد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بانقضاء غايتها (٩) , وقال الزمخشري:

стр. 769

(الحى) الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر. و (القيوم) الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه (١) وقال ابن كثير: (الحي القيوم) أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا القيم لغيره (٢) وقال القرطبي: الحي ﷻ وتقدست اسماؤه نطق به القرآن, وجاء في حديث ابي هريرة واجمعت عليه الأمة, ويجوز اجراؤه على المخلوق (٣) وقال في اسمه القيوم نطق به القرآن وجاء في حديث ابي هريرة واجمعت عليه الأمة وقيوم وقيام وقائم وقيم كله ورد في حقه سبحانه, ويجوز وصف العبد بانه قائم وقيم كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ (٤) ولا يجوز قيوم على العبد لا منكرا ولا معرفا (٥) . ثمرة معرف اسم الله القيوم اذا عرف المكلف ان الله حي قيوم لايحول ولا يزول القائم الدائم الذي له الحياة الدائمة والبقاء, وانه منزه عن مشابه الخلق فلا يجري عليه الموت او الفناء ولا تاخذه سنة ولا نوم يرفع ويخفض ويقبض ويبسط, ويرزق ويحيي ويميت, وانه يهب لاهل الجنة الحياة الدائمة, وانه قائم على كل نفس بما كسبت يحفظ ويجازي ويحاسب, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (٦) وجب عليه ان يؤمن به ويتوكل عليه ويقدسه وينزهه ,

стр. 770

ويعبده حق عبادته, فهو المدبر لامر الخلائق في السماء والارض, المصرف لشؤونها لانها ليست قائمة بنفسها بل محتاجة للحي القيوم الذي يرزقها ويحييها ويقيمها, ولا شك ان من عرف هذا في ربه توكل عليه, وانقطع قلبه عن الخلق اليه, ذلك انهم محتاجون مفتقرون مثله الى خالقهم في قيامهم وقعودهم وحياتهم ومماتهم وبعد مماتهم, في دينهم ودنياهم, فكيف يرجوهم بعد ذلك؟ وقد علم ان الله واهب الحياة ومالكها فله الكمال والقدرة التامة, وهو القيوم الذي له كمال القدرة فهو القائم بنفسه المقيم لغيره فلا قيام لغيره الا باقامته فهو القائم بتدبير ما خلق وله الحياة وله الممات, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وجاء في حديث انس بن مالك ﵁ قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ دَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ لِأَصْحَابِهِ تَدْرُونَ بِمَا دَعَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى (٢) وجاء في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت له ذنوبه وإن كان فارا من الزحف (٣) . دعاء الله باسمه الحي القيوم يا الله ياحي ياقيوم يابديع السماوات والارض انت الحي الذي لا يموت احيني بذكرك ووفقني لطاعتك وعبادتك, واحي ماكان لك مني ميتا, واحي دينك باهل التقى, واجعلني في جنتك أحي ابدا, وفي البرزخ والقبر اجعلني حيا مع الانبياء والشهداء لا اموت وافوت فانت الحي القيوم الكريم الرحيم بمن تشاء, واسألك ياحي ياقيوم ياذا الجلال والاكرام يا قيوم السماوات والارض ان تقيمني باسمك العظيم على صراط من انعمت عليهم من أهل النعيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وان تلبسني تاج اسمك وسربال آلائك وشرفك العظيم, وان تحيي قلبي بذكرك وان تحييني والمؤمنين حياة طيبة يا محيي ياوهاب ياكريم وان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد, وسلم تسليما كثيرا. ورحم الله القائل: يا فَردَ يا حَيَّ يا قَيّومَ يا مَلِكاً ... يا أَولا أَزَلا يا آخِراً أَبدي أَنتَ الغَني عَنِ الأَمثالِ وَالشَرَكا ... أَنتَ المُقَدَّسُ عَن زَوجٍ وَعَن وَلَدِ أَنتَ الغِياثُ لِمَن ضاقَت مَذاهِبَهُ ... وَمَن أَلَمّ بِهِ خَطبٌ مِنَ الكَنَدِ أَنتَ القَريبُ المُجيبُ المُستَغاثُ بِهِ ... وَأَنتَ يا رَبِّ لِلراجينَ بِالرَصَدِ أَرجوكَ تَغفِر لي أَرجوكَ تَرحَمني ... أَرجوكَ تُذهِبُ ما عِندي مِنَ الأَوَدِ

стр. 771

أَرجوكَ تَهديني أَرجوكَ تُرشِدني..... لِما هُوَ الحَقُّ في فِعلي وَمُعتَقَدي أَرجوكَ تَكفيني أَرجوكَ تُغنيني ... بِفَضلِكَ اللَهُ يا رُكني وَيا سَنَدي أَرجوكَ تَنظُرَني أَرجوكَ تَنصُرَني ... أَرجوكَ تُصلِحَ لي قَلبي مَعَ الجَسَدِ أَرجوكَ تَعصِمَني أَرجوكَ تَحفَظُني ... يا رَبِّ مِن شَرِّ ذي بِغيٍ وَذي حَسَدِ أَرجوكَ تُحييني أَرجوكَ تَقبِضُني ... عَلى البَصيرَةِ وَالإِحسانِ وَالرُشدِ أَرجوكَ تُكرِمُني أَرجوكَ تَرفَعُني ... أَرجوكَ تُسكِنُني في جَنَّةِ الخُلدِ مَعَ القَرابَةِ وَالأَحبابِ وَاِشمَلنا ... بِالفَضلِ وَالجودِ في الدُنيا وَيَومَ غَدِ وَجَّهتُ وَجهي إِلَيكَ اللَهُ مُفتَقَراً ... لِنَيلِ مَعروفِكَ الجاري بِلا أَمَدِ وَلا بَرِحَت أَمَدَ الكَفِّ مَبتَهِلاً ... إِلَيكَ في حالَةِ الإِملاقِ وَالرَغَدِ وَقائِلاً بِاِفتِقارٍ لا يُفارِقُني ... يا سَيِّدي يا كَريمَ الوَجهِ خُذ بِيَدي (١)

стр. 772

الفصل التاسع والثلاثون الاستغفار

стр. 773

الاستغفار الاستغفار دواء الذنوب وشفاء القلوب, وبه النجاة, والأمان من الهلكة, فالاستغفار نعمة, وسبب في التخلص من كل بلاء ومحنه, وحصول كل خير ونعمة, وهو سبب لحصول الرزق, وبه تحصل على رضاء الرب, والتخلص من التلبس بالذنب, والاستغفار يعني طلب المغفرة من الله بالسان والقلب معا. وشرط قبوله: الاقلاع عن الذنب المستغفر منه, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١) وفي سورة النساء يقول الحق ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) وفي سورة الزمر يقول الرؤف الرحيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وجاء في حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ (٤) .

стр. 774

قال الشاعر: لَهَونا لَعَمرُ اللَهِ حَتّى تَتابَعَت ... ذُنوبٌ عَلى آثارِهِنَّ ذُنوبُ فَيا لَيتَ أَنَّ اللَهَ يَغفِرُ ما مَضى ... وَيَأذَنُ في تَوباتِنا فَنَتوبُ (١) وقال اخر: نوح الحمام على الغصون شجاني ... وراى العذول صبابتي فبكاني إن الحمام ينوح من خوف النوى ... وأنا انوح مخافة الرحمن الله يغفر الذنوب جميعا فلا تكن من القانطين ان الله جل وعلا قد جعل فرجا للمؤمن وجعل له فرصة للتخلص من ذنوبه فلا تيأس, ولا تكن محبطا, فالله جل وعلا يغفر الذنوب جميعا, ويدعوك الى الاستغفار والتوبة, فالشيطان يدعوك عند عمل معصية او ذنب الى الاستمرار فيه والاصرار عليه, فلا تتبع خطواته, ولا تصغ الى نصائحه فانه غاش, واسعد بالاستغفار, وبالتضرع الى العزيز الغفار, واستمع الى كلام الله عله يشرح صدرك ويزل همك وغمك: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢) وفي الحديث القدسي (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ (٣)) فالشريعة سهلة ميسرة فلا تحزن ولا تقنط فاستغفر لذنبك فان في ذلك علاج نفسك وراحة بالك, واستقامة حالك, فالمقبل على الله بالاستغفار يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال, فالاستغفار من الذنب

стр. 775

والاقلاع عنه وسيلة لنيل رحمة الله, ونيل الخيرات والعطايا في الحياة الدنيا, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (١) قال الشاعر: يا من عدى ثم اعتدى ثم اقترف ... ثم ارعوى ثم انتهى ثم اعترف ابشر بقول الله في اياته ... ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (٢) وقال اخر: ما زلت اعرف بالاساءة دائما ... ويكون منك العفو والغفران لم تنتقصني إن اسأت وزدتني ... حتى كان اساءتي احسان منك التفضل والتكرم والرضا ... أنت الإله المنعم المنان الاستغفار علاج للامراض النفسية الاستغفار فيه علاج للامراض النفسية, فاستشعار الانسان العفو عنه بالاستغفار يزيل العقد النفسية, والهموم الفكرية, فمما لاريب فيه ان المؤمن الذي يشعر برقابة الله عليه في كافة اعماله تقل اخطاؤه لامحاله, ولكن الانسان بطبيعته غير معصوم وهو بشر ضعيف, قد تزل قدمه فيقع في الخطا, ولكنه اذا اخطا ثاب الى رشده ونهض من كبوته, فهو يستغفر الله ليزيح ما علق به من الاثم, ثم يستانف طريقه الى الغاية التي خلق من اجلها (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ
следующие страницы →