أَرجوكَ تَهديني أَرجوكَ تُرشِدني..... لِما هُوَ الحَقُّ في فِعلي وَمُعتَقَدي
أَرجوكَ تَكفيني أَرجوكَ تُغنيني ... بِفَضلِكَ اللَهُ يا رُكني وَيا سَنَدي
أَرجوكَ تَنظُرَني أَرجوكَ تَنصُرَني ... أَرجوكَ تُصلِحَ لي قَلبي مَعَ الجَسَدِ
أَرجوكَ تَعصِمَني أَرجوكَ تَحفَظُني ... يا رَبِّ مِن شَرِّ ذي بِغيٍ وَذي حَسَدِ
أَرجوكَ تُحييني أَرجوكَ تَقبِضُني ... عَلى البَصيرَةِ وَالإِحسانِ وَالرُشدِ
أَرجوكَ تُكرِمُني أَرجوكَ تَرفَعُني ... أَرجوكَ تُسكِنُني في جَنَّةِ الخُلدِ
مَعَ القَرابَةِ وَالأَحبابِ وَاِشمَلنا ... بِالفَضلِ وَالجودِ في الدُنيا وَيَومَ غَدِ
وَجَّهتُ وَجهي إِلَيكَ اللَهُ مُفتَقَراً ... لِنَيلِ مَعروفِكَ الجاري بِلا أَمَدِ
وَلا بَرِحَت أَمَدَ الكَفِّ مَبتَهِلاً ... إِلَيكَ في حالَةِ الإِملاقِ وَالرَغَدِ
وَقائِلاً بِاِفتِقارٍ لا يُفارِقُني ... يا سَيِّدي يا كَريمَ الوَجهِ خُذ بِيَدي (١)
стр. 772
الفصل التاسع والثلاثون
الاستغفار
стр. 773
الاستغفار
الاستغفار دواء الذنوب وشفاء القلوب, وبه النجاة, والأمان من الهلكة, فالاستغفار نعمة, وسبب في التخلص من كل بلاء ومحنه, وحصول كل خير ونعمة, وهو سبب لحصول الرزق, وبه تحصل على رضاء الرب, والتخلص من التلبس بالذنب, والاستغفار يعني طلب المغفرة من الله بالسان والقلب معا. وشرط قبوله: الاقلاع عن الذنب المستغفر منه, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١) وفي سورة النساء يقول الحق ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) وفي سورة الزمر يقول الرؤف الرحيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وجاء في حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ (٤) .
стр. 774
قال الشاعر:
لَهَونا لَعَمرُ اللَهِ حَتّى تَتابَعَت ... ذُنوبٌ عَلى آثارِهِنَّ ذُنوبُ
فَيا لَيتَ أَنَّ اللَهَ يَغفِرُ ما مَضى ... وَيَأذَنُ في تَوباتِنا فَنَتوبُ (١)
وقال اخر:
نوح الحمام على الغصون شجاني ... وراى العذول صبابتي فبكاني
إن الحمام ينوح من خوف النوى ... وأنا انوح مخافة الرحمن
الله يغفر الذنوب جميعا فلا تكن من القانطين
ان الله جل وعلا قد جعل فرجا للمؤمن وجعل له فرصة للتخلص من ذنوبه فلا تيأس, ولا تكن محبطا, فالله جل وعلا يغفر الذنوب جميعا, ويدعوك الى الاستغفار والتوبة, فالشيطان يدعوك عند عمل معصية او ذنب الى الاستمرار فيه والاصرار عليه, فلا تتبع خطواته, ولا تصغ الى نصائحه فانه غاش, واسعد بالاستغفار, وبالتضرع الى العزيز الغفار, واستمع الى كلام الله عله يشرح صدرك ويزل همك وغمك: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢) وفي الحديث القدسي (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ (٣)) فالشريعة سهلة ميسرة فلا تحزن ولا تقنط فاستغفر لذنبك فان في ذلك علاج نفسك وراحة بالك, واستقامة حالك, فالمقبل على الله بالاستغفار يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال, فالاستغفار من الذنب
стр. 775
والاقلاع عنه وسيلة لنيل رحمة الله, ونيل الخيرات والعطايا في الحياة الدنيا, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (١)
قال الشاعر:
يا من عدى ثم اعتدى ثم اقترف ... ثم ارعوى ثم انتهى ثم اعترف
ابشر بقول الله في اياته ... ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (٢)
وقال اخر:
ما زلت اعرف بالاساءة دائما ... ويكون منك العفو والغفران
لم تنتقصني إن اسأت وزدتني ... حتى كان اساءتي احسان
منك التفضل والتكرم والرضا ... أنت الإله المنعم المنان
الاستغفار علاج للامراض النفسية
الاستغفار فيه علاج للامراض النفسية, فاستشعار الانسان العفو عنه بالاستغفار يزيل العقد النفسية, والهموم الفكرية, فمما لاريب فيه ان المؤمن الذي يشعر برقابة الله عليه في كافة اعماله تقل اخطاؤه لامحاله, ولكن الانسان بطبيعته غير معصوم وهو بشر ضعيف, قد تزل قدمه فيقع في الخطا, ولكنه اذا اخطا ثاب الى رشده ونهض من كبوته, فهو يستغفر الله ليزيح ما علق به من الاثم, ثم يستانف طريقه الى الغاية التي خلق من اجلها (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ
стр. 776
التَّوَّابُونَ) (١) ولهذا فان الحق جعل للمخطئ طريقا يجد له بها عذرا بطلب المغفرة التي تؤدي الى محاسبة النفس ومراقبه الله فباستطاعة اي انسان ان يتوجه الى ربه مباشرة نادما طالبا لمغفرة الله ورضوانه, وذلك مايؤدي الى سكنة النفس وطهارتها وذهاب الكبت الذي يسبب عقدا نفسية, فقد قرر علماء النفس وعلى راسهم (فرويد) مؤسس مدرسة التحليل النفسي ان كافة الامراض النفسية ترجع الى الكبت الذي يسبب عقدا نفسية لاشفاء منها الا بما يسمونه التحليل النفسي الذي يتم بأن يجلس الانسان في عيادة الطبيب النفساني ويعترف امامه بأخطائه ... وهذا الاعتراف يقول عنه الاطباء انه صفة منطقية نفسية سلوكية تكشف عن اخطاء المريض فيراها ويشعر بها, فتتحدث مهادنة بين النفس والضمير فيسامح الضمير, واذا تسامح الضمير واستشعر الانسان العفو منه والصفاء بينه وبين النفس زالت العقد النفسية. والعقد النفسية ليست وهما, فكثيرا ماتسبب هذه العقد الصداع, واضطرابات القلب, وامراض الضغط العالي وغيرها من الامراض, واذا كان علاجها هو الاعتراف بالخطأ امام الطبيب ليتسامح الضمير فاي فرق بين الاعتراف امام الله وامام الطبيب, واي فرق بين غفران الله وتسامح الضمير (٢) قلت: نظرية الاعتراف بالذنب والاستغفار هي نظرية جاء بها القرآن, وهي اكثر فائدة من نظرية الاعتراف امام الطبيب في عيادة الامراض النفسية, بل ان في ذلك شفاء للنفوس وبلسماً يشفي من امراض كثيرة وفيه نجاة
стр. 777
من عذاب الله وخروج من المحنة والابتلاء, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقد كان في هذا الاعتراف الفرج بعد الشدة والنجاة من الغم والفوز برضاء الله , وفي قوله جل وعلا ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ارشاد للمؤمنين باتباع هذا النهج السوي الذي به الخروج من المضائق والفتن والمحن, وبه النجاة من النار, فاذا كان الاعتراف امام طبيب نفسي يشفي من كثير من الامراض النفسية مع ان الطبيب لايملك لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا الا بما شاء الله وقدّر, فكيف بالانسان اذا توجه لطلب المغفرة من الله, وقد ارشده الى ذلك, فهو الرب الكريم الرحيم, الذي يملك العفو, ويملك الشفاء, وبيده خير الدنيا والاخرى, وقد هدى ادم ودله على الاعتراف والاستغفار من الذنب قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) فنادى ادم وحواء ربهما بما حكاه الله : ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) وهذا نوح ﵇ يقول ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارً﴾ (٤) ولكن الاستغفار يتطلب التوبة بعده بالرجوع الى الله لكي ينال الانسان السعادة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٥) ففي الاستغفار والتوبة الحصول على رضوان الله واحسانه وزوال الضيق وذهاب الهم والحزن والاستقامة في الحال والطاعة لله والتوسعة في الرزق وتبديل السيئات بالحسنات, فسارع الى طلب المغفرة لتفوز بالشفاء من امراض النفس واوهامها وعللها وادوائها لكي تعيش سعيدا رشيدا امنا معافا في الدنيا والاخرة وفي الذكر الحكيم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦)
الاستغفار وعمل الخير فيه تكفير للذنب
ايمان الانسان بأن الله يغفر الذنب ويخلص الانسان من الاثام ويجعل منه انسانا سويا يحب الله ويحب الخير لعباده, وقد جعل الله فرصة التطهر والتخلص من الاثام ممزوجة بالتزود من الحسنات, ففعل الخير للناس فيه تكفير للاثم وحث على عمل الصالحات, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٧) فايمان الانسان بأن الحسنات تذهب السيئات تجعل منه انسانا قادرا على النهوض من كبوته والخروج من محنته حتى وإن زلت قدمه ووقع في خطيئة استغفر واناب وفي القرآن العظيم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
стр. 778
خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وفي الحديث النبوي (وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) (٢) وقال علي بن ابي طالب ﵁: العجب ممن يهلك ومعه النجاة, قيل: وما هي؟ قال الاستغفار. وقال قتادة ﵀: القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم. اما دائكم فالذنوب واما دوائكم فالاستغفار. وقال بعض العلماء ﵏: العبد بين ذنب ونعمة لايصلحهما الا الحمد والاستغفار (٣) .
قصة لعمر بن الخطاب
أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِى عَهْدِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ فَاسْتَسْقَى فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الاِسْتِغْفَارِ حَتَّى نَزَلَ فَقَالُوا لَهُ: مَا سَمِعْنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَسْقَيْتَ فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَفَاتِيحِ السَّمَاءِ الَّتِى بِهَا يُسْتَنْزَلُ الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) . وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ مُطَرِّفٍ فَقَالَ: بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ (٤) .
الاستغفار سعادة وبشارة
الاستغفار سبب سعة الرزق, وكذلك انجاب الاولاد ونجابتهم, ونزول الامطار وظهور الخيرات وحصول البركات وهذا يعني ان سعادة الدنيا وخيراتها
стр. 779
تنهال تترى بالاستغفار, وقد روي عن الربيع ابن صبيح ان رجلا اتى الحسن وشكا اليه الجدب فقال له: استغفر الله تعالى, واتى اخر فشكا اليه الفقر فقال له: استغفر الله تعالى, واتى اليه اخر فقال له ادعو الله سبحانه ان يرزقني ابنا فقال له استغفر الله تعالى, واتاه اخر فشكا اليه يباس بساتينه فقال له: استغفر الله تعالى, فقلنا اتاك رجال يشكون الوانا ويسالون انواعا وامرتهم كلهم بالاستغفار فقال ما قلت من نفسي شيئا انما اعتبرت قول الله تعالى حكاية عن نبيه نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارً﴾ (١) فالاستغفار علاج للضعف البشري فالله غفار للذنوب, فتعرف على اسمه الغفار الغفور واستيقض من غفلتك فلولا ان الله غفار غفور يستر الذنب ويعفو عن السيئات ما كنا ندري ماذا سيحل بنا, ولكن الله بشرنا بانه الغفور الرحيم وانه يعفو عن السيئات وانه يمد من استغفر بالمال والبنين وانواع من الخيرات قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (٢) وقال جل شانه: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وفي سورة الانفال يقول الكبير المتعال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) .
ولله در القائل:
استغفر الله ذنبا غير محصيه ... رب العباد اليه الوجه والعمل
الغفور الغافر الغفّار من اسماء الله الحسنى
سمّى الله نفسه في احدى وعشرين آية في كتاب الله, منها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٩) واما اسمه (الغفار) فقد جاء في خمس ايات منها, قوله تعالى: ﴿هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (١٠) وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١١) فعلم ان (الغفور) في القرآن ورد اكثر بكثير من (الغفار) والغفار ابلغ من الغفور وكلاهما من ابنية المبالغة, وورد اسمه الغفور في حديث ابي هريرة ﵁ عند الترمذي يرفعه الى النبي صلى الله عليه وآله
стр. 780
وسلم والذي ورد فيه تعداد اسماء الله الحسنى ومنها اسمه (الغفور) , واما اسمه الغافر فقد نطق به التنزيل مرة واحدة قال تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١) واصل الغفر في الغة: التغطية والستر يقال غفر الله له ذنوبه اي: ستره, والمغفرة: التغطية والمغْفَر: هو حلق يتقنع به المتسلح يقيه ويستره (٢) ومعنا الاسماء في حق الله تعالى قال الزجاج: ومعنا الغفر في حق الله , هو الذي يستر ذنوب عباده ويغطيهم بستره (٣)
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الْعَفُوُّ وَزْنُهُ فَعُولٌ مِنَ الْعَفْوِ وَهُوَ بِنَاءُ الْمُبَالَغَةِ، وَالْعَفْوُ الصَّفْحُ عَنِ الذَّنْبِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْعَفْوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَفَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ إِذَا دَرَسَتْهُ، فَكَأَنَّ الْعَافِيَ عَنِ الذَّنْبِ يَمْحُوهُ بِصَفْحِهِ عَنْهُ. وَمِنْهَا الْغَافِرُ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَهُوَ الَّذِي يَسْتُرُ عَلَى الْمُذْنِبِ وَلا يُؤَاخِذُهُ بِهِ، فَيُشَهِّرُهُ وَيَفْضَحُهُ (٤) , ويتبين من هذا العرض ان الله الغفور الذي يغفر الذنوب, وان الغفار هو المبالغ في الستر فلا يشهر الذنب لافي الدنيا ولا في الاخرة تقول غفر الله لك, واليوم يغفر الله لكم غفرا فهو الغفور والغفار والغافر, والايات الواردة في المغفرة كثيرة جدا منها: ما ورد بلفظ الماضي قال تعالى في
стр. 781
قصة داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ (١) وفي ذلك ما يشعر بان كل من استغفر الله بلسانه وقلبه غفر له, ومنها: ما ورد بلفظ المستقبل, قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وفي ذلك ما يفيد انه مالك العفو والمغفرة فهو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقد اقتضت مشيئته انه يغفر ذنوب من اناب اليه ورجع اليه, قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) ومنها: ما ورد بلفظ الامر وفي ذلك ما يرشد الى تعليم العباد طلب العفو والمغفرة من الله : ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) ومنها: ما ورد بلفظ المصدر: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٥) وفي ذلك ما يفهم طلب المغفرة من الله من جميع الذنوب فالمصدر كما هو معروف عند ائمة اللغة مفرد في اللفظ مجموع في المعنى فسبحان من اظهر الجميل وستر القبيح بالعفو والمغفرة, والذنوب من جملة القبائح التي سترها بارسال الستر عليها في الدنيا, وتجاوز عقوبتها في الاخرة فهو كامل المغفرة (٦) وواسعها.
стр. 782
ثمرة معرفة اسمه الغفور الغافر الغفار
اذا علم المكلف ان الله هو الغفور الغافر الغفار على الاطلاق وبكل وجه من الاستحقاق, وان مغفرته لمن تاب بعد زلته منصوص عليه في الكتاب, فكل من اقلع عن زلته وصدق الله في توبته عفاالله عنه وغفر له وعاد كمن لاذنب له, قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢) وجب عليه ان يؤمن به ويسأله المغفرة, ولا يقنط من رحمة الله, وذلك امر من لازمه ان يغفر لمن اذنب في حقه, ويحسن الى من اساء اليه, وان يستغفر الله من كل ذنب وقع فيه, وان يستغفر الله العظيم الذي لااله الا هو الحي القيوم من كل ما كره الله من قول وفعل وخاطر وخطيئة ونية دبر الصلوات وفي الاسحار لينال ثواب الله ومعفرته, وهداه وتوفيقه, وثناءه واكرامه, فقد مدح الله المستغفرين واثنى عليهم في محكم الذكر الحكيم فقال وهو الغفور الرحيم: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال جل شانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) كما يجب على المؤمن ان يستتر عن الناس بذنبه ويعترف لربه ففي الحديث النبوي: كُلُّ أُمَّتِي
стр. 783
مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ (١) , وفي صحيح البخاري ان النبي ﵌ قال فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ (٢) وينبغي للمؤمن الذي عرف الله انه واسع المغفرة ان يستر غيره ولا يفضحه, ففي صحيح مسلم ان الرسول ﵌ قَالَ لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) , وان يتخلق بالغفران للاخرين فكما يحب المرء ان يغفر له فكذلك يغفر لمن اساء في حقه, وهذا يوسف ﵇ بعد ان ظفر باخوته يقول ما حكا الله عنه في القرآن الكريم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) .
سيد الاستغفار
ان صيغة من صيغ الاستغفار اذا داومت عليها صباحا ومساء ولم تتركها ثم مت في ليل او نهار كنت من أهل الجنة جاء في الحديث النبوي انه ﵌ قال: سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ (٦)
دعاء الله باسمه الغفور الغافر الغفار
اللهم يا غفور يا غفار يا غافر الذنب يا واسع المغفرة يا عظيم يا رحيم اغفرلي خطئي وعمدي وجدي وهزلي وما انت اعلم به مني فانت الغفور الرحيم, اللهم ياغفور ياغفار اغفرلي ذنبي كله دقه وجله اوله واخره سره وعلانيته فانه لايغفر الذنوب الا انت فاغفرلي مغفرة من عندك وارحمني انك انت الغفور الرحيم اسألك يا الله ياعفو يا غفور يا رحيم ان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين وان تمحو ذنوبي كلها وتدخلني الجنة بغير حساب فانت كريم رحيم وهاب اغفرلي وتب علي فاني ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفرلي فانه لايغفر الذنوب الا انت ربنا اننا ظلمنا انفسنا وان لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله واصحابه والتابعين له باحسان الى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
ورحم الله ابن الامير الصنعاني حيث يقول:
لا تعاقب واجعل بعفوك ستراً ... أنت بالعفو والمكارم أحرى
أنا عبد أتيت كل قبيح ... وارتكبت الذنوب سراً وجهرا
ليس لي من ذخيرة أرتجيها ... ما سوى عفوه أرجيه ذخراً
غافر الذنوب قابل التوب فاغفر ... لمسيء عليه نعماك تترى
стр. 784
الفصل الاربعون
الإيثار
стр. 785
الإيثار
الإيثار صفة كريمة, وخلة حميدة, يتحلى بها الابرار ويتدثر بها الاحرار, ويتالف بها القلوب فصاحبه مكرم محبوب, والإيثار من الخلال النبيلة والصفات الحميدة, فهو شعار النفوس الكبيرة المحبة للخير, والمؤاسية للغير, والموثقة للمحبة.
الإيثار: مصدر اثر يؤثر, وهو ان يجود الانسان بالشيء وهو محتاج اليه. والإيثار اعلى درجات السخاء, واعظم درجات الوفاء, والإيثار له اكبر الاثر في توثيق المحبة بين افراد المجتمع اذ يجعلهم متعاطفين متعاونين, بعكس الاثرة التي تجعل صاحبها مكروها منبوذا من المجتمع لانه لايريد ان يؤدي حقه فيه, والإيثار يجلب لصاحبه السعادة, ويجعله في مجتمعه محبوبا, وقد ذكر بعض العلماء المعاصرين ان من اهم مكتشفات علم النفس الحديث ما ثبت علميا ان سعادة الانسان لا تتحقق بغير تضحية النفس في سبيل الغير. (١) قلت وفي الإيثار اصلاح النفس, واكتساب الاجر, وعلو القدر, ومحبة الغير, وقديما قيل بالايثار على نفسك تملك الرقاب. وقيل: من آثر على نفسه استحق الفضيلة, وقال حكيم: من آثر على نفسه بالغ في المروءة, وقال علي بن ابي طالب ﵁: الإيثار اعلى الايمان, وفي الذكر الحكيم امتدح الحليم الكريم قوما تخلقوا به فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 786
الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) وفي سورة الانسان يقول الكريم المنان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢) وفي سورة يوسف يذكر الله ما حكاه اخوة يوسف مما خص الله به يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (٣) وفي سورة طه حكى الله على لسان قوم عدم مؤآثرتهم لما جاء من البينات من عند الله على ما سواه فقال: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٤) فالعاقل لايرى معروفا صنعه وان كان كثيرا, ولو خاطر بنفسه وعرضها في وجوه المعروف لم ير ذلك عيبا. بل يعلم انما الخطر ان يؤثر الفاني بالباقي. فلا تعد غنيا من لم يشارك في ماله وجوه البر, ويؤثر ذلك غيره من اجل ارضا الحق, واسعاد الخلق, ولا يعد نعيما ما كان فيه تنغيص وسوء ثناء, وان كثر فهو قليل, ولا يعد الغنم غنما اذا ساق غرما, والمال ان لم تؤآثر فيه تغرم, وان آثرت فيه تغنم, والمغرم لايعد غرما اذا ساق غنما, فالحياة لا تُعمر الا بالايثار والمحبة والتعاون, فالايثار من الصفات الكريمة التي يتحلى بها الانسان واي منزلة ارفع من ان يفضل الانسان على نفسه غيره في الخير, فمن يسعى الى خدمة الانسانية تخدمه, ومن يؤثر الناس على نفسه يحبوه ويؤثروه, ويكرموه, ويعش سعيدا كريما محبوبا بعكس الاثرة التي قال في وصفها (سنت هلير) في شرح مذهب افلاطون: ان اكبر شر في الانسان هو عيب يرافقنا جميعا منذ الولادة,
стр. 787
وكل الناس يسامح نفسه فيه, ولهذا لاتجد من يبحث الخلاص منه, انهم يسمونه الحب الذاتي, ولا شك ان لهذا الحب الذاتي بعض المحل من الحق بل من الضروة لان الطبيعة هي التي ركبته فينا, ولكن ذلك لايمنع انه متى افرط فيه صار العلة العادية لجميع خطايانا. قد يتعامى الانسان بغاية السهولة عما يجب, فقد يسيء الحكم على ما هو حق وطيب وجميل متى ظن ان الواجب عليه ان يفضل دائما منافعه على منافع الحق, فأي انسان شاء ان يكون رجلا عظيما لا ينبغي له ان يحب ذاته ولا ما هو له, ولا ينبغي ان يحب الا الخير سواء في نفسه او في غيره, وإلا وقع من سلوكه في الف خطيئة لايمكن اجتنابها (١)
الإيثار على النفس خلق كريم
قال الشعراوي: الإيثار تفضيل شيء على شيء في مجال متساوٍ تقول: آثرتُ فلاناً على فلان، وهما في منزلة واحدة، أو أن معك شيئاً ليس معك غيره، ثم جاءك فقير فآثرْتَهُ على نفسك (٢) . قال ابن الهبارية:
الفَضل في الإِيثار ... وَالجود في الإعسار
بذل فضول المال ... لَيسَ مِن الأَفضال
وقال اخر:
أنظر إلى الإِيثار كيف أصابه ... عين الكمال لنصرة الإِيثار
فإذا نظرت إليه خلتك منته ... عن حملك الأسفار في الأسفار (٣)
стр. 788
وجاء في كلام بعض العلماء: القليل من القليل احمد من الكثير الى الكثير, وقيل لبعض الحكماء: من اجود الناس؟ قال من جاد من قلة وصان وجه السائل من المذلة. وقيل ايضا: "جهد المقل افضل من غنا المكثر", وقال بعضهم "عامل سائر الناس بالانصاف, وعامل المؤمنين بالايثار" (١) , وقد جاء في السنة النبوية انه أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجَهْدُ فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا قَالَتْ وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ قَالَ فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢)
وقال الشاعر:
وآثر ضيفه لما أتاهُ ... فظل وأهله يتلمظونا
فسماه الإله بما أتاه ... من الإيثار باسم المُفْلِحينا (٣)
стр. 789
وقال اخر:
طَرِيقَتُنَا الإيثارُ والبذلُ دائِماً ... بلا ريبَةٍ واللهُ أَغنى وأَكرَمُ (١)
اما جميل صدقي فهو يقول.
كسب الَّذي قد كانَ يؤثر غيره ... حَمداً فكانَ لِنفسه الإيثار
الايثار في عهد الرسول ﵌ اساس في بناء الدولة الاسلامية
ان الايثار الذي تحلى به اصحاب رسول الله ﵌ يعد مثلا اعلى وطريقا يحتذا, فقد رسم للانسانيه معاني الحب والكرم والاخلاص الذي تتمازج به الارواح وتتصافح به القلوب والذي اسس لبناء مجتمع فاضل, ودولة عادلة ملأت الافاق وعم نورها البسيطة, وكان للانصار ﵃ قصب السبق ومستحق الثناء فقد تبوأوا الدار والايمان, واحبوا المهاجرين, فكان ايثارهم قائماً على الود الصريح, والفهم الصحيح, فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذا لوْن من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها؛ لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه إلا مسألة المرأة، فما فعله هؤلاء الصحابة لونٌ فريد من الإيثار. وحين آخى النبي ﵌ بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أنْ يرث المهاجر أخاه الأنصارى، فلما أعزَّ الله الإسلام، ووجد المهاجرون سبيلاً للعيش أراد الحق سبحانه أنْ تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلم تَعُدْ هناك ضرورة لأنْ يرث المهاجر أخاه الأنصاري (٢) .
فاذا عاد المسلمون الى سابق عهدهم عاد مجدهم وعلا شانهم واتحدت كلمتهم ورضي ربهم وقرب نصرهم ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم.
ايثار الحياة الدنيا على الاخرة
ان الله خلق الدنيا حلوة حضرة ياكل منها البر والفاجر, ويعيش فيها المجنون والعاقل, من عمرها بالعمل الصالح اطاع ربه, وطاب عيشه, وسعد وقته, وحسن معاده, وكانت التقوى زاده, والى الجنة ايابه, ومن اثرها وتعدى وبخل واعتدى, واختال وتجبر, وتغافل واغتر, وظلم وتكبر, ونسي الله العلي الاكبر, كان من الهالكين, وفي الاخرة من المعذبين, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) فالعاقل لا يغتر بالدنيا وزهرتها وحسنها وبهجتها ولا يشغله ذلك عن عبادة الله وعن العمل الصالح, وايثار الحياة الباقية بالاعمال الصالحة, والاخلاق الحسنة, وحسن التعامل مع الناس, فان ذلك يورث الحياة الباقية والنعم الدائمة, اما هذه الحياة وان عظم في عينك متاعها ونعيمها, وعمرانها وقصورها فان كل ذلك يصير الى الزوال, وتذهب بهجة الحياة, وتبيد حضرتها, فلا يبقى رئيس متكبر مؤمر, ولا
стр. 790
فقير مسكين محتقر الا ويجري عليهم كاس المنايا ثم يصيرون الى التراب, فيبلون ثم يبعثون, ثم يحاسبون, فالدنيا بحر طفاح, والناس في امواجها يعومون, فلا يغتر فيها الا كل خدّاع, ولا يركن اليها الا كل مناع للخير لايهمه التزود ليوم المعاد, فهو فيها مغرور يظلم العباد ويتعالى عليهم ويستكبر عن عبادة ربه وسماع نصح الخلق له, ورحم الله شوقي حيث يقول:
وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ يُطوى ... وَإِن طالَ الزَمانُ بِهِ وَطابا
وَلا يُنبيكَ عَن خُلُقِ اللَيالي ... كَمَن فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَالصَحابا
أَخا الدُنيا أَرى دُنياكَ أَفعى ... تُبَدِّلُ كُلَّ آوِنَةٍ إِهابا
وَأَنَّ الرُقطَ أَيقَظُ هاجِعاتٍ ... وَأَترَعُ في ظِلالِ السِلمِ نابا
وَمِن عَجَبٍ تُشَيِّبُ عاشِقيها ... وَتُفنيهِمِ وَما بَرَحَت كَعابا
فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي ... لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِيابا
لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ ... وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً ... وَذُقتُ بِكَأسِها شُهداً وَصابا
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً ... وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
وَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلّا ... صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَبِ اللُبابا
وَلا كَرَّمتُ إِلّا وَجهَ حُرٍّ ... يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً ... وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها ... كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً ... وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
стр. 791
ان من افضل الزاد في المعاد اعتقاد المحامد الباقية, والسابقة لاكتساب الاخلاق العالية, فمن لزم الايثار ولزم معالى الاخلاق انتج له سلوكها فراخا تطير بالسرور, فما ضاع عمل ورث صاحبه مجدا, وقديما قيل" لولا المتفضلون مات المتجملون", فالمرء لايستحق اسم الايثار والكرم بالكف عن الاذى للناس وان كان محمودا الا ان يقرنه بالاحسان اليهم, والايثار لهم, فمن كثر في الخير رغبته, وحسن نيته وعمله, خلد الله ذكره, واجزل له الثواب, ومن كان عيشه وحده ولم يعش بعيشه غيره في جاه ولا مال فهو وان طال عمره قليل العمر سيء الذكر, والبائس من طال عمره في غير الخير, ومن لم يتاس بغيره في الخير كان عاجزا, كما ان من استحسن من نفسه ما يستقبحه من غيره كان كالغاش لمن تجب عليه نصيحته, ومن لم يكن همه الا الاثرة والاستبداد في نفسه وجاهه وماله وسلطانه, وكان كل همه بطنه وفرجه في هذه الدنيا عُد من البهائم, وقد قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خير وأبقى﴾ إن إيثار الحياة الدنيا هو أساس كل بلوى. فعن هذا الإيثار ينشؤ الإعراض عن الذكرى؛ لأنها تقتضيهم أن يحسبوا حساب الآخرة ويؤثروها. وهم يريدون الدنيا، ويؤثرونها. . وتسميتها ﴿الدنيا﴾ لا تجيء مصادفة. فهي الواطية الهابطة إلى جانب أنها الدانية: العاجلة: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ . . خير في نوعها، وأبقى في أمدها. وفي ظل هذه الحقيقة يبدو إيثار الدنيا على الآخرة حماقة وسوء تقدير. لا يقدم عليهما عاقل بصير (١) .
стр. 792
والشاعر يرى ان الناس يتبعون صاحب المال ويحبون من يطعمهم فيقول:
قد بلونا الناس في اخلاقهم ... فرايناهم لذي المال تبع
وحبيب الناس من اطعمهم ... انما الناس جميعا بالطمع
وقال سعيد بن عبد العزيز سمع الحسن بن علي ابي طالب ﵄ رجلا الى جنبه يسأل الله ان يرزقه عشرة الاف درهم, فانصرف فبعث بها اليه. فاين نحن من هذه الاخلاق؟ قال ابوحاتم: اهنأ الصنائع, واحسنها في الحقائق, واوقعها في القلوب, واكثرها استدامة للنعم, واستدفاعا للنقم, ما كانت خالية عن المن في البداءة والنهاية, متعرية عن الامتنان. وهو الغاية في الصنيعة, والنهاية في الاحسان.
стр. 793
الفصل الواحد والاربعون
الاخلاص
стр. 794
الاخلاص
الاخلاص من الصفات الروحية التي تسمو بالمرء الى منزلة رفيعة من الخلق الانساني, والاخلاص يجعل الانسان متقنا في عمله, لطيفا في خلقه, نقيا في سلوكه, وفيا في تعامله, كريما في عطائه, صادقا في اخوته, مؤاديا لواجباته غير مشرك في عبادته لربه, وبالاخلاص ينال الانسان السعادة في الدنيا والاخرة.
والاخلاص لله: هو ان ياتي الانسان بأعمال نقية, لا يشوبها رياء, قياما بالواجب, سواء في العبادات أو في سائر الاعمال, قاصدا بذلك وجه الله ورضاه (١) , وقيل الاخلاص: هو التعري عما دون الله تعالى. أي تصفيه العمل عن ملاحظة المخلوقين (٢) . وفي الذكر الحكيم: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ويقول سبحانه وهو الحكيم الخبير: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤) ومن هذه النصوص يدرك الانسان العاقل ان الاخلاص روح الاعمال, فاي عمل يؤديه المرء ولا اخلاص فيه فليتأكد انه
стр. 795
لا روح فيه, وفي الحديث النبوي ان النبي ﵌ انه قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) (١)
ان الشقاء الذي اصاب الناس مرده عدم الطاعة لله والاخلاص في العمل له, والايمان به, ولهذا فإن البعض من الناس قد يلعب بهم الهواء, ويغويهم الشيطان فيألهون بعض افراد جنسهم بالغلو في متابعتهم حتى علو في الارض, واستذلوا البشر, وساقوهم الى التناحر, واذا كانت عبادة الله هي اقصى غاية الخضوع له مع طاعته, والتحرر من عبادة المخلوقين, واتباع اهوائهم فانه مما يتعين على الانسان التوجه الى عبادة الله وحده والاخلاص في العمل واتقانه عبادة كان او معاملة او صناعة او زراعة..الخ, وفي القرآن الحكيم يبين لنا العزيز الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فاتخاذ الانداد واتباع اهواء النفس والرياء والغايات الشخصية حاربها الاسلام ليحل محلها الاخلاص, ولهذا اولاه الاسلام اهتماما خاصا, وقرنه بالعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) فالاخلاص لله في العمل شرط في قبوله فالله لا يقبل من الاعمال ولا يزكي الا ما كان خالصا لله, فان الله أغنى الاغنياء عن الشرك, وقد جاء في الحديث القدسي أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ (٥) فالاخلاص هو الذي يجعل العمل نافعا مقبولا, ومن الحمق ان يوقن العاقل بان نفعه في شيء ثم لا ياتي ذلك الشيء, والاخلاص هو الذي يجعل من المرء انسانا سويا يخاف الله ويراقبه فيما ياتي ويذر من الاعمال, فالاسلام وهو بغية الارواح, وطلبة الاشباح, ومهبط السكينة, ومستقر الطمانينة, وضالة العقول, وخلاصة المعقول والمنقول, وامنية القلوب, وراس كل مطلوب, لايتم بدون اخلاص ولا يتمكن الانسان من ادراك تلك النعمة الكبرى دون اخلاص يتصف به ويطمئن به قلبه, فللقلوب سعاداة لا يحس بها من لم يكن مخلصا لله في عمله, ولا يدركها ذوو الاموال ولا ارباب المناصب الا بالاخلاص لله. وهل للناس مطلب غير ان يسعدوا في ظاهرهم وباطنهم, ودنياهم واخراهم سعادة تدفع عنهم شرور الحياة ومكارهها ثم تفيض عليهم من انواع السرور, وشرح الصدور, وبهجة الاسرار, وصفاء الانوار, مالم يعلمه الا الله , ثم تسلمهم بعد ذلك الى نعيم لايشوبه كدر, ولا يعتريه زوال, وملك ليس فيه عناء, ولا له انقضاء,
стр. 796
فالاخلاص لله يجعل الضمائر حية, والقلوب صافية, والاعمال متقنة, فالقوانين والنظم التي يضعها البشر وان كان في استطاعتها ان تفرض على الانسان رقابة خارجية على سلوكه, وتقرر قواعد تحيل المجرمين الى المحاكم بعد تحقيق النيابة ورجال الشرطة, ولكن ليس في استطاعتها ان تهب رجال النيابة العامة او الشرطة او القضاة ذمة ولا تمنحهم مخافة من الله ولا ان تعطي كل العاملين والموظفين مراقبة الله ولا تطهر القضاة من الاغراض والغايات, ولا ان تمنح الاطباء الاخلاص والنزاهة, فان كان في مقدورها واستطاعتها ان توجب الاحالة على الطبيب لتحديد سن الزواج مثلا, او تحديد الجريمة, ولكن ليس في استطاعتها ان تحمله ان يقرر الحقيقة مبتغيا ذلك وجه الله وسيجد اللص والغاش في عمله, والقاتل في تلك الدوائر ممن خلت نفسه من الاخلاص والخوف من الله مجالا واسعا للتلاعب بالقانون, اما مع الاخلاص والخوف من الله فانك ستجد العدل, والامن, والامانة, والصدق, والوفاء , وانظر كيف فعل الدين بالعرب عندما اعتنقوه بصدق واخلاص ومحبة, فقد نقلهم من الظلم والوحشية, وسفك الدماء, ووأد البنات, وفعل المنكرات, الى التسابق في ميادين الخيرات, واكتساب القربات, ومراقبة خالق الارض والسماوات. وبذلك كانوا ملوكا في الارض, ملوكا في السماء, بعد تلك الهمجية التي كانوا بها احط الامم على الاطلاق, فاذا فرطنا في عبادة ربنا, والاخلاص في اعمالنا عدنا اذل الامم على الاطلاق يطمع فينا كل طامع, ويهزؤ بنا كل قوي,
стр. 797
فاذا رايت العمل خاليا عن الاخلاص فذلك دليل فساد في المعتقد والاخلاق, بل هو نذير شؤم يحقق وجود انهدام الكائنات لدى قوم يعقلون. فبالسير على منهج الله والاخلاص في العبادة والعمل تتحقق المراقبة, فتنجبر الطبيعة, وتعلم ان عمل الخير اصلح لها, ومناط سعادتها, فتفعل ذلك ميلا اليه, ومحبة فيه, وتبتعد عن كل عمل مشين, ويرحم الله اباالعتاهية حيث يقول:
وما من مخلص لله الا ... على اعماله اثر القبول
وقال اخر:
أنا الزعيم لمن يخلص لخالقة ... ويعمل الصالحات ان يحرز الرشدا
ولله در شوقي حيث يقول:
كُلُّ ما أَتقَنتَ مَحبوبٌ وَجيه ... مُتقَنُ الأَعمالِ سِرُّ اللَهِ فيه
يُقبِلُ الناسُ عَلى الشَيءِ الحَسَن ... كُلُّ شَيءٍ بِجَزاءٍ وَثَمَن
اِنظُرِ الآثارَ ما أَزيَنَها ... قَد حَباها الخُلدَ مَن أَتقَنَها
وقد احسن من قال:
ما دامَ رائِدَنا الإِخلاصُ في العَمَلِ ... لا بُدَّ نَبلغُ يَوماً غايَةَ الأَمَلِ
أَمران مَن يَعتَصِم يَوماً بحَبلهما ... فَالنُجحُ رائِدهُ في أَيِّما عَملِ
هُما الثَباتُ وَتَوحيدُ القُلوبِ لِذا ... إِلَيهِما قد دعانا خاتَمُ الرُسُلِ
стр. 798
الاخلاص تسبقه النية
لما كانت الاعمال الخالصة لله وحده لابد لها من سابق نية وعزم نجد الاسلام يهتم بالنية هذه, ويجعلها محورا تدور عليه اعمال المؤمن, ففي الحديث النبوي (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) (١) والنية محلها القلب في كل موضع, لان حقيقتها القصد مطلقا. وقيل: المقارن للفعل. وذلك عبارة عن فعل القلب. قال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا من جلب نفع او دفع ضر. حالا او مآلا, والشرع خصصه بالارادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاالله تعالى, وامتثال حكمه (٢) . ولله در القائل:
من اخلص النيات كان لقوله ... وقع وكان لفعله تاثير
واما ابو نواس فهو يقول:
فَإِذا نَزَعت عَنِ الغَوايَةِ فَليَكُن ... لِلَّهِ ذاكَ النَزعُ لا لِلناسِ
النية الطيبة عنصر من عناصر التربية الخلقية
تعتبر النية الطيبة عنصراً من عناصر التربية الخلقية التي تجعل الانسان عضوا ممتازا في المجموعة الانسانية, وقد جعلها الاسلام الاصل في قبول الاعمال عند الله خالصة له, وله بذلك السبق بان اعلنها قبل ان يعلنها (عما نويل كانت) فيلسوف الاخلاق الالماني اذ قال: ان حسن النية هو الكل في الكل في الاخلاق. قلت وذلك ما افهمه حديث انما الاعمال بالنيات, فالقاعدة الفقهية (الامور بمقاصدها) والسنة النبوية تقرر انه لا عمل لمن لانية له, وفي السنة النبوية: وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (٣) . وفي سنن ابن ماجة (إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) (٤) وفي الحديث: (ان الله يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ) (٥) , وعند النسائي من حديث ابي ذر (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى) (٦) فالخير في الاسلام ليس خيرا الا اذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه الله, والعمل الطيب ليس طيبا الا اذا استنار باوامره, ولا شك ان هذا مذهب جليل في تقدير الرجال والاعمال يصحح الاوضاع, ويسمو بالمجتمع الى مستوى رفيع من الكمال إذ يجعل الاقوال والاعمال منوطة بغاية واحدة ومثل اعلا هو الله فلا يحب المؤمن ولا يبغض ولا يفعل ولا يترك الا لله والله لا يامر الا بما كان خيرا للشخص وللمجموعة الانسانة (٧) , ويرحم الله الامير الصنعاني حيث يقول:
стр. 799
اذا لم يكن لله فعلك خالصا ... فكل بناء قد بنيت خراب
الرياء يناقض الاخلاص
القلوب تمرض وقد تموت من مرضها ويموت بموتها الانسان وان كان جسمه لايزال معدودا في الاحيا, وفي مرض القلوب وموتها الهلكة بذاتها, وان من اخطر امراض القلوب مرض الرياء الذي هو اظهار فعل الخير رياء للناس ابتغاء ثنائهم, فذلك مميت للقلب, محبط للعمل لان العمل يتطلب الاخلاص, والرياء انما يكون من شخص قصر نظره, ورق دينه, وضعف يقينه لانه يتصور ان الناس اذا راوه بتلك الحالة الصالحة يحسنون الظن به ويعاملونه معاملة خاصة تترك في دنياه في سرور وسعة, اما من بعد نظره, وصدق ايمانه, واخلص في عبادته وعمله لله فانه يعلم ان الامر كله دنيا واخرى لله وحده لاشريك له الذي بيده الضر, وبيده النفع, وبيده العزة, وبيده الحياة, وبيده الموت, وبيده ازمة القلوب يقلبها كيف يشاء, وهو يعلم ان الله وحده يعز من يشاء, ويذل من يشاء, ويؤتي الملك من يشاء, وينزع الملك ممن يشاء, ويبسط الرزق لمن يشاء, ويمنعه عمن يشاء, وان عالم الانس وعالم الجن وعالم الملائكة ومن في الارض ومن في السماوات جميعا اعجز من ان يطيلوا اجلا, أو يكثروا رزقا, أو يجيروا من نائبة تنزل في الدنيا, أو في البرزخ, أو في الاخرة, واذا كانوا في هذا الضعف فلا قيمة اذا للتزلف لهم حتى بعبادة الله وحده الذي بيده ملكوت كل شيء, ولا تشتبه
стр. 800
عليه عبادة المرائين بعبادة المخلصين وأعمالهم, فكيف يرضى العاقل ان يدخل في عمله رياء يبطله, والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢) ويقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (٤) وفي الحديث النبوي (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ) (٥) قال الشاعر:
ثَوب الرِياء يَشِفُّ عَن ما تَحتَهُ ... فَإِذا التحفت بِهِ فَإِنَّكَ عاري (٦)
وقال اخر:
دع الرياء لمن لذّ الرياء له ... فانه الشرك فاحذر زلة القدم (٧)
اما محمود الوراق فهو يقول:
أَظَهَروا لِلنّاسِ نُسكاً ... وَعَلى المَنقوشِ داروا
وَلَهُ صاموا وَصَلّوا ... وَلَهُ حَجّوا وَزاروا
стр. 801
وَلَهُ قاموا وَقالوا.... وَلَهُ حَلّوا وساروا
لَو غَدا فَوقَ الثُرَيّا ... وَلَهُم ريشٌ لَطاروا
وقال اخر:
صلى وصام لامر كان يأمله ... حتى قضاه فما صلى ولا صاما (١)
الرياء من صفات المنافقين
الرياء يبطل العمل, ويقطع الامل, ويدل على النفاق والكسل, فهو من صفات المنافقين, وعمل الشياطين, وقد روي عن الامام علي بن ابي طالب ﵁ انه قال: للمرائي ثلاث علامات: الكسل اذا كان وحده, وينشط اذا كان في الناس, ويزيد في العمل اذا اثني عليه وينقص اذا ذم. وقال الحسن ﵀: لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عمله, وروي ان عمر بن الخطاب ﵁ راى رجلا يطأطئ رقبته: فقال يا صاحب الرقبة, ارفع رقبتك, ليس الخشوع في الرقاب, وانما الخشوع في القلوب (٢) . وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣)
ثناء الناس بشرى وليس مما يدفع للرياء
ان ثناء الناس على من يتقن عمله ويحسن صنعه ويتقي ربه ويحافظ على الواجبات ويعظم شعائر ربه لايحمل من اخلص في عمله لربه على الغرور, ولا يدفعه الى التقصير في عمله. قال الفضيل بن عياض ﵀: ترك العمل لاجل الناس رياء, والعمل لاجل الناس شرك, والاخلاص ان يعافيك الله منهما. وقال عكرمة ﵀: ان الله يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله لان النية لارياء فيها. قلت الغالب ان حركات المرائي لاتشتبه على الناس والناس لايجوز لهم ان يشككوا في عبادة شخص لان مدار صحة العبادة على النية, اما الاعمال الدنيوية فان الغش فيها لايخفى على كثير من الناس, ولكن الناس لايمدحون الشخص ويثنون عليه في الغالب حتى يدركو احسانه واتقانه للعمل, قال الشاعر:
الناس اكيس من ان يمد حوا رجلا ... حتى يروا عنده اثار احسان
وقال اخر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وان خالها تخفى على الناس تُعلم
واذا اثناء الناس على شخص يعمل الخير فتلك بشارة له ففي الحديث النبوي: (أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ) (٤) والله قد اثنى على المحسنين في
стр. 802
كتابه واخبر بانه ترك لهم الذكر الحسن فقال في حق نبي من انبيائه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)
من لازم الاخلاص لله الولاء والبراء
ان من لازم الاخلاص لله موالاة المؤمنين والاحسان اليهم واعانتهم ونصرتهم والبراءة ممن يعاديهم, ويحاربهم في معتقدهم واخلاقهم وارضهم, فالايمان بالله ومحبته والاخلاص له, تقتضي موالاته ومحبة ما يحب ومن يحب, والبراءة ممن يكفر بالله, ويحارب المؤمنين فمن خصائص المجتمع المسلم أنه مجتمع يقوم على عقيدة الولاء والبراء، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من كل من حادّ الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين. وهاتان الخاصيَّتان للمجتمع المسلم هما من أهم الروابط التي تجعل من ذلك المجتمع مجتمعا مترابطاً متماسكاً، تسوده روابط المحبة والنصرة، التي تحمل مجتمعة على تحقيق رسالة الإسلام في الأرض، تلك الرسالة التي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة الناس إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فهاتان الفريضتان - الولاء والبراء - تجعلان من المجتمع المسلم مجتمعا مترابطا متعاضدا يؤدي رسالة الله ويسعى في تحقيقها، وهو في الوقت نفسه مجتمع مستقل عن الكفار كاره لهم، لا يخضع لهم بتبعية، ولا يدين
стр. 803
لهم بسلطان، من غير أن يمنعه ذلك من الإحسان إليهم والبر بهم - ما داموا غير محاربين لنا, فبهاتين الفريضتين تتعاضد الروابط الإيمانية بين المسلمين، وتتحدد الروابط بين المؤمنين والكافرين، فما أحوج الأمة اليوم إلى تفعيل هاتين الفريضتين، والعمل بهما حتى تتحقق لنا سيادتنا واخوتنا، فلا ندين بالولاء إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا نعادي إلا من حادَّ الله ورسوله وتنكب سبيل المؤمنين. وفي الذكر الحكيم: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) .
ويقول القاضي مرشد علي العرشاني: بل ان الايمان ينتفي عند انتفاء الولاء, فلما كان الولاء فريضة من فرائض الاسلام فواجب على المسلم ان يؤدي هذه الفريضة, فيعطيها من يستحقها, ومن امر ان يواليه, فالله هو الولي (٣) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤)
الفرق بين المداهنة والمداراة وأثرهما على الولاء والبراء
стр. 804
المداهنة: هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصانعة الكفار والعصاة من أجل الدنيا والتنازل عما يجب على المسلم من الغيرة على الدين. ومثاله الاستئناس بأهل المعاصي والكفار ومعاشرتهم وهم على معاصيهم أو كفرهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة عليه. قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) المداراة: هي درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له. كالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه. وفي الحديث عن عائشة ﵂، «أن رجلا استأذن على النبي ﵌ فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة. وبئس ابن العشيرة) ، فلما جلس تطلق النبي ﵌ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة ﵂: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﵌: (يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا, إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) (٢) . فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله
стр. 805
وَسَلِّم دارى هذا الرجل لما دخل عليه مع ما فيه من الشر لأجل المصلحة الدينية، فدل على أن المداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحة راجحة من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى. ومن ذلك مداراة النبي ﵌ للمنافقين في المدينة خشية شرهم وتأليفًا لهم ولغيرهم (١) . وفي الامثال السائرة: "قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم" وفي الحديث:" أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله التودد للناس" (٢) وقال الشاعر:
ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فإنما انت في دار المداراة (٣)
ؤربيريري
وقال زهير بن ابي سلمى:
وَمَن لَم يُصانِع في أُمورٍ كَثيرة ... يَضرس بِأَنيابٍ وَيوطأ بمنسمِ
ؤربيريري
واذا كانت الحياة مليئة بالمشاكل ومحفوفة بالمخاطر وربما تنقلب حياة الانسان الى شقاء لاتفه الاسباب فانه بامس الحاجة الى ان يعلم ان الله هو الذي يحميه ويحفظه ويربيه ويرشده ويرعاه ويؤيده فيجعل الولاية المطلقة لله ولايتخذ من دونه اندادا فيضل عن سبيله ويخسر حياته في الدنيا والاخرة وفي الذكر الحكيم: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ
стр. 806
شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) فاذا اردت ان تخرج من الشقاء الى السعادة ومن الشدة الى الرخاء ومن الظلمات الى النور فتعرف على اسم الله الولي, واخلص لله في عبادتك واعمالك ولتكن موالياً لله ليكون الله وليك وكافلك وناصرك ومعينك ورازقك ومخرجك من الظلمات الى النور قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) وتدبر قول الله الولي الحميد فيما حكاه عن يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٣) فربنا هو الولي الحميد مستحق الثناء والحمد على توليه المؤمنين بنصرته ورعايته لهم ونعمته عليهم ولأنه جل ثناؤه جمع بين النعمتين الجليلتين: الحياة والعقل ووالى بين منحه وتابع الآءه ومننه, حتى فاتت العد فله الحمد كله وهو الولي الحميد.
الولي المولى النصير الحميد في اسماء الله الحسنى
وردت هذه الاسماء الجليلة في كتاب الله تعالى الولي والمولى والنصير والحميد والمبدء والمعيد. ومعنا الولي في اسماء الله الحسنى مالك التدبير والناصر لعباده المؤمنين فهو نصيرهم وظهيرهم يتولاهم بعونه وتوفيقه, وقد
стр. 807
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ايات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ (٤) وجاء في السنة النبوية: ان لله تسعة وتسعين اسما ... وعد منها (الولي) (٥) وقال ابن جرير في قوله تعالى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (٦) يقول تعالى ذكره لنبيه ﵌ قل يامحمد: للمشركين من عبدة الأوثان = "إن وليي"، نصيري ومعيني وظهيري عليكم = (الله الذي نزل الكتاب) عليّ بالحق، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه (٧) وقال الزجاج (الولي) هو فعيل, من الموالاه, والولي الناصر (٨) .قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْوَلِيُّ هُوَ الْوَالِي، وَمَعْنَاهُ مَالِكُ التَّدْبِيرِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْقَيِّمِ عَلَى الْيَتِيمِ: وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَلِلأَمِيرِ الْوَالِي. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَالْوَلِيُّ أَيْضًا النَّاصِرُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ (٩) اما المولى فقد ورد في القرآن الكريم في عدة ايات منها قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١٠) وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (١١) وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١٢) وقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١٣) وجاء في السنة النبوية انه حينما قال ابوسفيان يوم احد لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ أَلَا تُجِيبُون لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ (١٤) ومعنى هذا الاسم (المولى والناصر والمعين) وكذلك (النصير) : فعيل بمعنى فاعل: كما تقول قدير وقادر, وعليم وعالم, وقد ورد في عدة ايات في كتاب الله تعالى منها ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (١٥) اي ولاية المحبة والتوفيق والنصر, اي هو وليهم بسبب اعمالهم الصالحة التي قدموها وتقربوا بها الى ربهم. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: فِي مَعْنَى الْمَوْلَى: إِنَّهُ الْمَأْمُولُ مِنْهُ النَّصْرُ وَالْمَعُونَةُ، لأَنَّهُ هُوَ الْمَلِكُ وَلا مَفْزَعَ لِلْمُلُوكِ إِلاَّ مَالِكَهُ (١٦) ويصح اطلاق الولي والمولى على العباد فقد ورد
стр. 808
ذلك في التنزيل قال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (١) ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فاولياء الله هم محبوه وناصروا دينه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) اما اسمه الحميد فقد ورد في القرآن الحكيم في عدة ايات: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٤) وجاء في السنة النبوية في حديث ابي هريرة عند الترمذي الذي جاء فيه.. ان لله تسعة وتسعين اسما من احصاها دخل الجنة (٥) وعد منها (الحميد) قال الحليمي: هو المستحق لأن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد، ثم جمع بين النعمتين الجليلتين الحياة والعقل، ووالى بعد منحه، وتابع آلاءه ومننه، حتى فاتت العد، وإن استفرغ فيها الجهد، فمن ذا الذي يستحق الحمد سواه؟ بل له الحمد كله لا لغيره، كما أن المن منه لا من غيره، قال الخطابي: هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي
стр. 809
يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط ولا يعترضه الخطأ فهو محمود على كل حال (١)
ثمرة معرفة اسم الله الولي المولى النصير الحميد
اذا علم المكلف ان الله جل وعلا هو الولي الذي تولى امور العالم والخلائق وهو مالك التدبير وانه يتولى عبده بعبادته وطاعته والتقرب اليه, وانه مولى المؤمنين ينصرهم ويسددهم, وجب عليه ان يؤمن به, وان يبتعد عن معصيته, وان يطلب منه المعونة والنصر, ويوالي اولياءه, ويحسن الى عباده, فقد وعد الله بنصر من ينصر دينه وكتابه, فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقال ... ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (٥) وقد توعد من عادى اولياءه بالحرب كما جاء في الحديث قَالَ (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) (٦) وهو سبحانه يتولى عباده المؤمنين ويوصل اليهم مصالحهم وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية, فنعم المولى لمن تولاه, وقد كان من دعائه ﵌ (اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَأَنْتَ نَصِيرِي وَبِكَ أُقَاتِلُ) (٧) وفي حديث اخر كان يقول (اللهم بك أصول وبك أجول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٨) فنصره الله واعزه, واحسن اليه, وكم لله من نعمة اولاها ومنة اسداها ورحمة فتحها لعباده المؤمنين فهو الولي الحميد, فله الحمد التام على جميع خلقه, وله الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة, الدينية والدنيوية وله الحمد على ما صرفه من المكاره, وله الحمد لذاته, وله الحمد لصفاته, وله الحمد لافعاله, وله الحمد على خلقه, وله الحمد لذاته, فاحمده اخي تفز بخير الدنيا والاخرة, فهو الذي يستحق جميع المحامد باسرها, فنحمده على كل نعمة وعلى كل حال بمحامده كلها ماعُلم منها ومالم يُعلم, وقد كان رسول الله ﵌ يقول: (ربنا ولك الحمد ملء السموات والارض وما بينهما وملء ما شئت) (٩) , ويقول (أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) (١٠) , ثم يجب على المكلف ان يعتقد ان الحمد على الاطلاق انما هو لله, وان الالف واللام للاستغراق فهو مستحق للحمد كله ثم يجب عليه ان يسعى في خصال الحمد وهو التخلق بالاخلاق
стр. 810
الحميدة والافعال الجميلة, ويترك نقيضها ويدع سفاسفها (١) وان يجعل الحمد كله لله رب العالمين, فانه المحمود على ما خلقه وامر به ونهى عنه , وهو المحمود على فضله وانعامه على اوليائه وعلى جميع خلقه, فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده, ولهذا سبح بحمده السموات والارض ومن فيهن ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢) .
دعاء الله باسمه الولي المولى النصير الحميد
اللهم ياوليي يامولآي وياناصري ياحميد الفعال اسالك ياالله ياوليي في الدنيا والاخرة الدرجات العلا من الجنة, والنجاة من النار, وان تجعلني لك وليا, واعوذ بك من سوء الخاتمة, واسالك ياالله ياولي ياحميد ان تحييني حميدا وان ترزقني عملا سديدا, وان تميتني راضيا مرضيا شهيدا, وان تنصرني نصرا مبينا واسالك التوفيق في كل قول وعمل وان توفقني لطاعتك وموالاة اوليائك ونصرة كتابك وسنة نبيك, وان تعينني على كل عمل يرضيك, وتجعلني ياالله حامدا لك في كل احوالي, وان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين وان تصلح اعمالي واعمالهم ياارحم الراحمين, اللهم ياولي ياحميد اني اعترف لك من صميم قلبي, وبكل جارحة من جوارح بدني, وبكل خلية من خلايا جسمي, ان كل نعمة مضت, او هي كإنة الان او ستكون في الدنيا او في الاخرة في السموات او في الارض علي او على غيري من إنس او جن او