شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) فاذا اردت ان تخرج من الشقاء الى السعادة ومن الشدة الى الرخاء ومن الظلمات الى النور فتعرف على اسم الله الولي, واخلص لله في عبادتك واعمالك ولتكن موالياً لله ليكون الله وليك وكافلك وناصرك ومعينك ورازقك ومخرجك من الظلمات الى النور قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) وتدبر قول الله الولي الحميد فيما حكاه عن يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٣) فربنا هو الولي الحميد مستحق الثناء والحمد على توليه المؤمنين بنصرته ورعايته لهم ونعمته عليهم ولأنه جل ثناؤه جمع بين النعمتين الجليلتين: الحياة والعقل ووالى بين منحه وتابع الآءه ومننه, حتى فاتت العد فله الحمد كله وهو الولي الحميد.
الولي المولى النصير الحميد في اسماء الله الحسنى
وردت هذه الاسماء الجليلة في كتاب الله تعالى الولي والمولى والنصير والحميد والمبدء والمعيد. ومعنا الولي في اسماء الله الحسنى مالك التدبير والناصر لعباده المؤمنين فهو نصيرهم وظهيرهم يتولاهم بعونه وتوفيقه, وقد
стр. 807
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ايات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ (٤) وجاء في السنة النبوية: ان لله تسعة وتسعين اسما ... وعد منها (الولي) (٥) وقال ابن جرير في قوله تعالى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (٦) يقول تعالى ذكره لنبيه ﵌ قل يامحمد: للمشركين من عبدة الأوثان = "إن وليي"، نصيري ومعيني وظهيري عليكم = (الله الذي نزل الكتاب) عليّ بالحق، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه (٧) وقال الزجاج (الولي) هو فعيل, من الموالاه, والولي الناصر (٨) .قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْوَلِيُّ هُوَ الْوَالِي، وَمَعْنَاهُ مَالِكُ التَّدْبِيرِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْقَيِّمِ عَلَى الْيَتِيمِ: وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَلِلأَمِيرِ الْوَالِي. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَالْوَلِيُّ أَيْضًا النَّاصِرُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ (٩) اما المولى فقد ورد في القرآن الكريم في عدة ايات منها قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١٠) وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (١١) وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١٢) وقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١٣) وجاء في السنة النبوية انه حينما قال ابوسفيان يوم احد لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ أَلَا تُجِيبُون لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ (١٤) ومعنى هذا الاسم (المولى والناصر والمعين) وكذلك (النصير) : فعيل بمعنى فاعل: كما تقول قدير وقادر, وعليم وعالم, وقد ورد في عدة ايات في كتاب الله تعالى منها ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (١٥) اي ولاية المحبة والتوفيق والنصر, اي هو وليهم بسبب اعمالهم الصالحة التي قدموها وتقربوا بها الى ربهم. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: فِي مَعْنَى الْمَوْلَى: إِنَّهُ الْمَأْمُولُ مِنْهُ النَّصْرُ وَالْمَعُونَةُ، لأَنَّهُ هُوَ الْمَلِكُ وَلا مَفْزَعَ لِلْمُلُوكِ إِلاَّ مَالِكَهُ (١٦) ويصح اطلاق الولي والمولى على العباد فقد ورد
стр. 808
ذلك في التنزيل قال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (١) ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فاولياء الله هم محبوه وناصروا دينه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) اما اسمه الحميد فقد ورد في القرآن الحكيم في عدة ايات: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٤) وجاء في السنة النبوية في حديث ابي هريرة عند الترمذي الذي جاء فيه.. ان لله تسعة وتسعين اسما من احصاها دخل الجنة (٥) وعد منها (الحميد) قال الحليمي: هو المستحق لأن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد، ثم جمع بين النعمتين الجليلتين الحياة والعقل، ووالى بعد منحه، وتابع آلاءه ومننه، حتى فاتت العد، وإن استفرغ فيها الجهد، فمن ذا الذي يستحق الحمد سواه؟ بل له الحمد كله لا لغيره، كما أن المن منه لا من غيره، قال الخطابي: هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي
стр. 809
يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط ولا يعترضه الخطأ فهو محمود على كل حال (١)
ثمرة معرفة اسم الله الولي المولى النصير الحميد
اذا علم المكلف ان الله جل وعلا هو الولي الذي تولى امور العالم والخلائق وهو مالك التدبير وانه يتولى عبده بعبادته وطاعته والتقرب اليه, وانه مولى المؤمنين ينصرهم ويسددهم, وجب عليه ان يؤمن به, وان يبتعد عن معصيته, وان يطلب منه المعونة والنصر, ويوالي اولياءه, ويحسن الى عباده, فقد وعد الله بنصر من ينصر دينه وكتابه, فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقال ... ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (٥) وقد توعد من عادى اولياءه بالحرب كما جاء في الحديث قَالَ (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) (٦) وهو سبحانه يتولى عباده المؤمنين ويوصل اليهم مصالحهم وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية, فنعم المولى لمن تولاه, وقد كان من دعائه ﵌ (اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَأَنْتَ نَصِيرِي وَبِكَ أُقَاتِلُ) (٧) وفي حديث اخر كان يقول (اللهم بك أصول وبك أجول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٨) فنصره الله واعزه, واحسن اليه, وكم لله من نعمة اولاها ومنة اسداها ورحمة فتحها لعباده المؤمنين فهو الولي الحميد, فله الحمد التام على جميع خلقه, وله الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة, الدينية والدنيوية وله الحمد على ما صرفه من المكاره, وله الحمد لذاته, وله الحمد لصفاته, وله الحمد لافعاله, وله الحمد على خلقه, وله الحمد لذاته, فاحمده اخي تفز بخير الدنيا والاخرة, فهو الذي يستحق جميع المحامد باسرها, فنحمده على كل نعمة وعلى كل حال بمحامده كلها ماعُلم منها ومالم يُعلم, وقد كان رسول الله ﵌ يقول: (ربنا ولك الحمد ملء السموات والارض وما بينهما وملء ما شئت) (٩) , ويقول (أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) (١٠) , ثم يجب على المكلف ان يعتقد ان الحمد على الاطلاق انما هو لله, وان الالف واللام للاستغراق فهو مستحق للحمد كله ثم يجب عليه ان يسعى في خصال الحمد وهو التخلق بالاخلاق
стр. 810
الحميدة والافعال الجميلة, ويترك نقيضها ويدع سفاسفها (١) وان يجعل الحمد كله لله رب العالمين, فانه المحمود على ما خلقه وامر به ونهى عنه , وهو المحمود على فضله وانعامه على اوليائه وعلى جميع خلقه, فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده, ولهذا سبح بحمده السموات والارض ومن فيهن ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢) .
دعاء الله باسمه الولي المولى النصير الحميد
اللهم ياوليي يامولآي وياناصري ياحميد الفعال اسالك ياالله ياوليي في الدنيا والاخرة الدرجات العلا من الجنة, والنجاة من النار, وان تجعلني لك وليا, واعوذ بك من سوء الخاتمة, واسالك ياالله ياولي ياحميد ان تحييني حميدا وان ترزقني عملا سديدا, وان تميتني راضيا مرضيا شهيدا, وان تنصرني نصرا مبينا واسالك التوفيق في كل قول وعمل وان توفقني لطاعتك وموالاة اوليائك ونصرة كتابك وسنة نبيك, وان تعينني على كل عمل يرضيك, وتجعلني ياالله حامدا لك في كل احوالي, وان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين وان تصلح اعمالي واعمالهم ياارحم الراحمين, اللهم ياولي ياحميد اني اعترف لك من صميم قلبي, وبكل جارحة من جوارح بدني, وبكل خلية من خلايا جسمي, ان كل نعمة مضت, او هي كإنة الان او ستكون في الدنيا او في الاخرة في السموات او في الارض علي او على غيري من إنس او جن او
стр. 811
ملك انك انت الله وحدك الذي خلقتها ومنحتها ليس لاحد فيها اي شرك او تدخل, فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا طيبا مباركا, سبحانك اللهم لااله الا انت, اعلم ان كرمك ياالله لاحد له, وان فضلك لا منتهى له فاسالك وارجوك ياولي ياحميد يامن لايحد كرمه ولاينتهي فضله, ياولي ياحميد ان تجعل اعترافي هذا وحمدي هذا عدد خلقك وزنة عرشك وعدد ذرات الوجود يدوم بدوامك ويتجدد في كل لحظة ونفس ابد الابدين, سبحانك لا احصي ثناء عليك, انت مولاي ومولى كل شيء فاغفرلي وارحمني واستجب دعاءي, وحقق بفضلك املي ورجاءي, انت وليي في الدنيا والاخرة توفني مسلما والحقني بالصالحين, ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم, واسالك يالله ان تصلي على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم وان تبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد.
ويرحم الله محمد بن ابراهيم الوزير (١) حيث يقول:
اليك وجهت يامولاي امالي ... فاسمع دعائي وارحم ضعف احوالي
ارجوك مولاي لانفسي ولاولدي ... ولاصديقي ولااهلي ولامالي
لما عرفتك لم انظر الى احد ... فلا الرعية ارجوها والا الوالي
стр. 812
فلا تكلني الى من ليس يكلؤني....وكن كفيلي فانت الكافل الكالي
واسقني كاس ودمن ودادك يا ... مولاي فهو شراب سلسل حالي
فلا وحقك ماللقلب من شغف ... الا بحبك فلتشرح به بالي
وفيه سلوان قلبي من علائقه ... وسلسبيلي وسلواي وسلسالي
ومنه احيى ومن فقدي له مرضي ... ومرهمي ابداً منه وابلالي
انا الفقير الى مولاي يرحمني ... في بطن لحد وحيش مظلم خالي
هناك لحمي لدود القبر فاكهة ... والعظم والوجه مني في الثرى بالي
انا الفقير الى مولاي يرحمني ... يوم القيامة من عنف وأهوالِ
وان اكون بعيدا من تعطفه ... مقطعا عنه في الاباد امالي
اني الفقير الى مولاي يحشرني ... في زمرة المصطفى المختار والال
صلى الاله على ارواحهم ابدا ... ضعفا على قدر زخار وهطالِ
стр. 813
الفصل الثاني والاربعون
السعادة
стр. 814
السعادة
السعادة خير وفير, وفضل كبير, وعمل صالح, ومشروع ناجح, ومتجر رابح, وايمان صادق, وبهجة وسرور, واخلاص وتوفيق, والسعادة قيمة فردية أو اجتماعية أو حضارية يسعى الانسان السوي للحصول عليها والوصول اليها, فهي يمن وبركة وامان وثقة, وفي اللغة: السَّعْد اليُمْن وهو نقيض النَّحْس والسُّعودة خلاف النحوسة والسعادة خلاف الشقاوة, يقال يوم سَعْد ويوم نحس (١) , والسعادة شعور مصدره اعماق الانسان, فهي تصدر من داخله بتناغم جسدي وعقلي ترتاح بها الارواح وتسعد, وتنعم بها الاجسام وتتلذذ, ينالها التقي, ويحرمها الشقي, فليس هناك من دواء يجلب السعادة غير الاخذ بأسبابها, والايمان بما وعد الله به لاصحابها, واتباع ما امر الله به في القرآن, واجتناب ما نهى الله عنه في شريعة الاسلام, واتباع نهج محمد ﵊, اذ لايمكن تحقيقها تجميع الثروة, أو السلطة, أو الشهرة مهما اجتمعت, دون الرجوع الى الى كتاب الله وسنة نبيه, فكم راينا من ثري شقي بماله, وانتحر بين رجاله, وجميل اكتئب ولم ينفعه جماله, وفنان ارهقه الطرب واصابه العطب, وبامكان من فقد السعادة ان يستعيدها اذا حالفه الصواب ورجع الى السنة والكتاب, فانه سيجد الحياة وضيئة والكون من حوله جميلا مملوءاً بالمسرات والامل, وسينهض الى اكتساب الصالحات بجميل العمل, وسيجد ان يومه خير من امسه, وانه
стр. 815
لايحتاج الى كثير من الماديات ليحقق قدرا كبيرا من السعادة والنجاح والقوة, قال الشاعر:
وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ ... وَلَكِنَّ التَقيَّ هُوَ السَعيدُ
وَتَقوى اللَهِ خَيرُ الزادِ ذُخراً ... وَعِندَ اللَهِ لِلأَتقى مَزيدُ
وَما لا بُدَّ أَن يَأَتي قَريبٌ ... وَلَكِنَّ الَّذي يَمضي بَعيدُ (١)
وقال اخر:
إِنَّ السَعيدَ لَهُ في غَيرِهِ عِظَةٌ ... وَفي التَجارِبِ تَحكيمٌ وَمُعتَبَرُ (٢)
ان السعيد من اطاع ربه, وحسُن خلقه, واسعد اهله, واثمر عمله, وابتعد عن الرذيلة, وغرس في نفسه وفي الناس الفضيلة, وكان عونا لاخوانه, وشرفا لزمانه, فله في غيره عظة, وفي التجارب عبر, فهو يسعد نفسه وينجي اهله, وفي الحديث النبوي: (السعيد من وعظ بغيره) (٣) والسعيد من ينجو من النار.
قال الشاعر:
ما إِن أُبالي إِذا أَرواحُنا قُبِضَت ... ماذا فَعَلتُم بِأَوصالٍ وَأَبشارِ
تَجري المَجَرَّةُ وَالنَسرانِ عَن قَدَرٍ ... وَالشَمسُ وَالقَمَرُ الساري بِمِقدارِ
وَقَد عَلِمتُ وَخَيرُ القَولِ أَنفَعُهُ ... أَنَّ السَعيدَ الَّذي يَنجو مِنَ النارِ (٤)
وقال اخر:
стр. 816
وَما السَعادَةُ في الدُنيا لِذي أَمَلٍ ... إِنَّ السَعيدَ الَّذي يَنجو مِنَ النارِ (١)
اما صالح بن عبد القدوس فهو يقول:
يَشقى رِجال وَيَشقى آخرون بِهِم ... وَيُسعدُ اللَهُ اقواماً بِأَقوامِ
وقال اخر:
وإِذَا سَخَّرَ الإِلاَهُ أنَاسَا ... لِسَعِيدٍ فَإِنَّهُم سُعَدَاءُ (٢)
والسعادة نعمة تعمر بها الديار, وينتفي العار, وتحل الرحمة, وتطيب بها الثمار, وتعم الخيرات, وتحل البركات, ويتعاون الناس في كل الاوقات, وفي الحديث النبوي: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ (٣) , والسعادة رضا بما كتب الله وقدر, والسعادة رحمة, وتعاون والفة, والسعادة ايمان واخلاص, ونجاح وفلاح, وخليق بالعاقل ان يعرف طريقها, ويلزم الاخذ باسبابها حتى لا يقع الخطأ عليه في اختيار الوضيع على الرفيع, وتقديمه الخسيس على النفيس, فالناس في متحرياتها طالب لخير, وهارب من شر, قال الشاعر:
النَفسُ بِالشَيءِ المُمَنَّعِ مولَعَه ... وَالحادِثاتُ أُصولُها مُتَفَرِّعَه
وَالنَفسُ لِلشَيءِ البَعيدِ مُريدَةٌ ... وَلِكُلِّ ما قَرُبَت إِلَيهِ مُضَيَّعَه
стр. 817
مَن عاشَ عاشَ بِخاطِرٍ مُتَصَرِّفٍ.....مُتَنَقِّلٍ في الضيقِ طَوراً وَالسَعَه
وَالمَرءُ يَضعُفُ عَن عَزيمَةِ صَبرِهِ ... فَيَضيقُ عَن شَيءٍ وَعَنهُ بِهِ سَعَه
وَالمَرءُ يَغلَطُ في تَصَرُّفِ حالِهِ ... وَلَرُبَّما اِختارَ العَناءَ عَلى الدِعَه
كُلٌّ يُحاوِلُ حيلَةً يَرجو بِها ... دَفعَ المَضَرَّةِ وَاِجتِلابَ المَنفَعَه
وَالمَرءُ لا يَأتيهِ إِلّا رِزقُهُ ... فَاِقنَع بِما يَأتيكَ مِنهُ في دِعَه (١)
الاخذ باسباب السعادة في الدنيا سبب للحصول على السعادة في الاخرى
ان رسل الله جاؤوا من عند الله لاقامة العدل, وتلطيف السلوك البشري, وتعليم الناس عبادة ربهم, وما يسعدهم وينفعهم في الدنيا والاخرة, وقد افاض الله على الانسان في هذه الحياة من النعم والخيرات, مايجعله ينعم ويبتهج ويكون مسرورا, وعندما ياخذ بتعاليم الشريعة فانه يحس بانه يعيش في مجتمع يرفق القوي فيه بالضعيف ويرعى الكبير الصغير, فتعم الطمأنينة كافة ابناءه فيحصل الرضا والتكافل والترابط بين كافة ابناء المجتمع, فالايمان حيمنا يتجاوز بالمظهر الى الروح والقلب والعقل فانه يؤثر في السلوك والشعور والتفكير فيحدث الانسجام بينما يقوله المرء ويفعله وبينما يؤمن به من القيم والمثل, وهذا يجعل بني الانسان في حالة تعارف وتالف مع ما كان وماهو كائن, مع رسالات الله ورسله اجمعين, وذلك ما يحمل في طياته السعادة والطمأنينة والهناء, وهو ما يعتلج في القلب والعقل والروح, فتفيض جوارح الانسان واحاسيسه خيرا وطيبه, فهو في أمن على حياته وفي أمن على مستقبله, فلااضطراب ولا تذبذب, فهو في تواصل
стр. 818
روحي مع خالق الاكوان, ينتظر الرحمة والسعادة الابدية التي يأتي بها الله في الحياة الاخرة, فهي اعلا السعادة واشرفها. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ (١) وذلك هو الخير المحض, والفضيلة الصرف, والحياة الدائمة في الدار الاخرة, والعلم بلا جهل, والقدرة بلا عجز, والغنى بلا فقر, ولايمكن الوصول الى ذلك الا باكتساب الفضائل النفسية في الدنيا واستعمالها قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٢) .
البحث عن السعادة
كل من تراه على وجه الارض يبحث عن السعادة في عالم الارض, فكل من تراه يبحث عنها ويجتهد, ويجد في الوصول اليها, وقد يكون ذلك الباحث ملكا أو رئيسا أو زعيما رجلا أو امرأة كل هاؤلا وغيرهم من الناس على اختلاف وضعهم ومسؤلياتهم وظروف حياتهم يبحثون عن الحياة الطيبة, ويبحثون عن السعادة الدائمة, يبحث عنها اناس في ملك دولة يظنونه لايبلى, ويبحث عنها اخرون في زواج جميلة هيفاء, ويبحث عنها ثالث في مال يملؤ عليه بصره وقلبه, ويبحث عنها رابع في وظيفة أو سيارة أو حلم من احلام هذه الحياة, مع ان السعادة قريبة جدا ممن يطلبها في رسالة الله الى عباده عن طريق أنبيائه وعن طريق خاتم رسله, سيجدها في
стр. 819
الايمان بالله والعمل الصالح, فالسعادة لاتعدو ان تكون ممارسة عملية لإحكام شريعة الله, وفي القرآن على ذلك دليل وشاهد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) ولعل هذا المعنى هو الذي حدى بالحسن البصري ﵀ ليقول: "والله لو يعلم الملوك وابناء الملوك مانحن فيه من السعادة لجالدونا عليه بالسيوف"
اما العلامة محمد بن محمد المنصور (٢) فهو يقول:
قسما بربك إن لذةَ طاعةٍ ... لَتَفُوقُ لذاتِ الحُطامِ الفاني
ما المالُ ما الأبناءُ ما جَاهٌ وما ... مُلكٌ وكأسٌ واحتضانُ غواني
وقال اخر:
ان السعادة امر ليس يدركه ... أهل السعادة الا بالمقادير
مخزونة عن اناس طالبين لها ... وقد تساق الى قوم بتيسير (٣)
ان السعادة طاقة ايجابية نابعة من اعماق الانسان, لها قوه ولها مكونات من مبادئ واعمال, وقدر كل انسان يولد على كوكب الارض السعادة أو الشقاء, فالله تعالى يريد للانسان ان يكون سعيدا, ولكن قد تؤثر عوامل تربوية وبيئية كثيرة في نمط التفكير وعمل الانسان فيفقد هذه السعادة,
стр. 820
وينظر الى جانب اخر وهو التعاسة والقنوط والشقاء, وهناك انماط فلسفية واجتماعية ودينية لبعض الشعوب والامم تكرس في الانسان فلسفة الحزن والالم والقنوط, وهذه الفلسفة قد تسهم في ازدياد التعساء اليائسين من البشر, وهو خلاف للفطرة التي فطر الله الناس عليها, وعلى النقيض مما جاء به القرآن الذي يرشد بني الانسان الى كل امر فيه سعادتهم ونجاتهم وفلاحهم, ويحذر من الاعراض عن منهج الله, والابتعاد عن ذكره وشكره, فذلك احد اسباب التعاسة والشقاء, وتدبر في قول الحق ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (١) ولله در القائل:
ان حياًّ يرى الفساد صلاحا ... او يرى الهدي والرشاد فسادا
واقع في هلاكه مثلما اهلك ... سابور في السواد ايادا (٢)
ان السعادة التي تبحث عنها مصدرها الايمان واليقين, وخشية الله الخالق العظيم, فالشعور بالسكينة والرضا والهدوء والصفاء تصدر من اعماق الانسان وتغمر جوارحه وروحه فيغدو مرتاحا في نفسه, سمحا في اخلاقه, بعيدا عن الانفعال والقلق, فهو انسان مطمئن مرشح لان ينعم بصحة جيدة, يحظى بمحبة وتقدير زملائة واسرته ومجتمعه, ويعود عليه ذلك الهدوء
стр. 821
بالسعادة والبهجة, والابتسامة الطيبة, حيث يظهر على وجهه انبساط من غير عبوس وابتسامة من غير جزع, وقد اشار القرآن الكريم الى الطمأنينة التي تحل بقلوب المؤمنين الذاكرين فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١) ويرحم الله ابا العتاهية حديث يقول:
وَإِذا اِتَّقى اللَهَ اِمرُؤٌ وَأَطاعَهُ ... فَتَراهُ بَينَ مَكارِمٍ وَمَعالِ
عَلى التَقِيِّ إِذا تَرَسَّخَ في التُقى ... تاجانِ تاجُ سَكينَةٍ وَجَلالِ
ويغفر الله لابي قاسم الشابي حيث يقول:
لمْ أجدْ في الحَيَاةِ لحناً بديعاً ... يَسْتَبيني سِوى سَكينَةِ نَفْسي
السعيد من صلح قلبه
السعيد من صلح قلبه, وحسن نطقه, وعبد ربه, ووصل الى الناس خيره, وابعد عن الناس اذاه وشره, فليس لك من قلبين في جوفك تجعل من احدهما منبعا للسعادة والخير, وتجعل من الاخر منبعا للشقاوة والشر, وفي الذكر الحكيم: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٢) فكان المراد أن الإنسان لا يمكن أن يكون له قلبان يجمع بهما بين الضدين وهو ابتغاء مرضات الله وابتغاء مرضات أعدائه بل له قلب واحد إذا صدق في التوجه إلى شيء لا يمكن أن يتوجه إلى ضده بالصدق والإخلاص، فيكون في وقت واحد مخلصا لله ومخلصا لأعداء دينه، ومن هذا الباب قول الشاعر وقد رمق سماء هذا المعنى:
لو كان لي قلبان عشت بواحد ... وتركت قلبا في هواك يعذب
فلو تملَّك قلبك حب الله, وحب رسوله, وحب شريعته, وحب الخير لعباده, وحب الفضيلة, وحب الايثار, وحب التعاون, وحب الاصلاح, وحب العلم, وحب العمل, وكراهية كل ما هو ضد لذلك, فانك ستكون سعيدا, وفي الحديث النبوي (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (٣) فمن اصلح قلبه نور الله بصيرته, وكان سعيدا في الدنيا والاخرة, وانما يصلح الانسان قلبه بالايمان والعمل الصالح, والابتعاد عن العجب والغل والحسد والرذائل, ويروى انه كَانَ الْحَسَنُ، يَقُولُ: "لِسَانُ الْعَاقِلِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ قَوْلٌ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ. وَلِسَانُ الْأَحْمَقِ أَمَامَ قَلْبِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْقَوْلُ قَالَ عَلَيْهِ أَوَّلَهُ" (٤) فالسعيد من حفظ جوارحه وحفظ لسانه واطاع ربه, وعصى عدوه الشيطان, ولم يسع الى زرع الفتن وكفر النعم, والسعيد يحب الله ويحب الناس ولا يحتقرهم , والسعيد يامر بالمعروف, وينهى عن المنكر, والسعيد يحب الخير للناس, ويكره اذاهم, فهو متق لله وخائف منه, وفي الحديث النبوي: إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ
стр. 822
وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا (١) وفي الذكر الحكيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) .
القلب وما يعرض له من السعادة والشقاء
يطلق لفظ القلب اسما لمضغة في الفؤاد معلقة بالنياط أو بمعنى الفؤاد مطلقاً, ويقول بعضهم: ان القلب هو العلقة السوداء في جوف هذه المضغة الصنوبرية الشكل المعروفة, كأنه يريد أن هذا هو الأصل ثم جعله بعضهم اسما لهذه المضغة, وبعضهم توسع فسمى هذه اللحمة كلها حتى شحمها وحجابها قلباً, ويطلق اسماً لما في جوف الشيء وداخله, واسماً لشيء معنوي وهو النفس الإنسانية التي تعقل وتدرك وتفقه وتؤمن وتكفر وتتقي وتزيغ وتطمأن وتلين وتقسو وتخشى وتخاف، وقد نسبت إليه كل هذه المعاني في القران، والأصل في هذا أن أسماء الأشياء المعنوية مأخوذة من أسماء الأشياء الحسية, وقد أطلق على الشيء الذي يحيى به الإنسان ويدرك العقليات والوجدانيات كالحب والبغض والخوف والرجاء عدة أسماء منها القلب والروح والنفس واللب، وهناك مناسبة أخرى للقلب وهي قلب الحيوان وهو مظهر حياته الحيوانية ومصدرها وللوجدانيات النفسية, والعواطف تأثير في القلب الحسي يشعر به الإنسان, ومهما كانت المناسبة التي كانت سبب التسمية فلفظ القلب يطلق في القران بمعنى النفس المدركة والروح العاقلة التي يموت الإنسان بخروجها, منه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (٣) أي الأرواح لا هذه المضغ اللحمية التي لا تنتقل من مكانها، وقال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٤) أي نفوس وأرواح, وليس المراد أن القلب الحسي آلة العقل وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٥) أي على نفسك الناطقة وروحك المدركة، وليس المراد بالقلب هنا المضغة اللحمية ولا العقل, لان العقل في اللغة ضرب خاص من ضروب العلم والإدراك، ولا يقال إن الوحي نزل عليه ولكن قد تسمي النفس العاقلة عقلا كما تسمى قلبا, وقد يعزى إلى القلب ويسند إليه ما هو من أفعال النفس أو انفعالاتها التي يكون لها اثر في القلب الحسي كقوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٨) . ولما كان القلب اعظم منه فقد جاء القرآن ليبين اسباب السعادة لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد, قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٩) فقد امتدح القرآن
стр. 823
من استعمل قلبه وسمعه وبصره, وذم من لاينتفع بها فقال: ﴿فتكون لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) فالسمع والبصر كالاخوين يخدم كل واحد منهما صاحبه في ادراكه, وقد ينوب السمع عن البصر في ابلاغ القلب بما ياخذه, فاستخدم هذه النعمة, واجعل قلبك سعيدا تسعد, فاذا اسلم قلبك, وسلم فقد سعدت, فتدبر قول العزيز الحكيم: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٣) وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ جِئْتُمْ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيد، فَأَنْضَيْتُمَ الظَّهْرَ وَأَخْلَقْتُمَ الثِّيَابَ، وَلَيْسَ السَّعِيدُ مَنْ سَبَقَتْ دَابَّتُهُ، أَوْ رَاحِلَتُهُ، وَلَكِنَّ السَّعِيدَ مَنْ تُقُبِّلَ مِنْهُ.
الشقي من طبع على قلبه
الشقي من عصى ربه, واطاع الشيطان عدوه, وكثر شره, وعق اهله, والشقي من طبع على قلبه ونسي عقاب ربه, فهو شقي في عمله, شقي في نفسه, شقي في بلده ومجتمعه, منغمس في الشهوات المحرمة, متبع لهواه, ومعرض عن ذكر مولاه, فمعيشته ضنكه, وإن عمر القصور, ونكح اشباه الحور, فمتاعه يسير وعيشه حقير, وحسابه غير يسير, فهو يستعجل العذاب
стр. 824
بظلمه للعباد, وبالتعالي والاستبداد, وفي الذكر الحكيم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ *مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (١) ويقول العزيز الحكيم: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٢) والشقاوة هي الألم الذي يملك كل ملكات النفس لا يترك منها جانباً، يقولون: فلان شقي يعني مُضيَّق عليه ومُتعَب في كل أمور حياته، لا يرى راحة في شيء منها. وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسير قوله تعالى: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا. .﴾ (٣) يريدون أن يُبِعِدوا المسألة عن أنفسهم ويُلْقون بها على الله تعالى، يقولون: يا رب لقد كتبتَ علينا الشقوة من الأزل، فلا ذنبَ لنا، وكيف نسعد نحن أنفسنا؟ يقولون: لو شاء ربنا ما فعلنا ذلك. ونقول لهم: لقد كتب الله عليكم أزلاً؛ لأنه سبحانة علم أنكم ستختارون هذا (٤) .
فسُوءِ الْقَصْدِ وَفَسَادِ النِّيَّةِ وَخُبْثِ السَّرِيرَةِ، وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ وَالصِّفَاتُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الشَّقَاوَةِ وَعَلَيْهَا مَدَارُ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ, والشقي يجلب لنفسه ولأمته ومجتمعه الدمار, والشقاء في الدنياء والاخرة, وتدبر قول
стр. 825
العزيز الحكيم: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (١)
ولله در القائل:
ما شَقوَةُ المَرءِ بِالإِقتارِ يُقتِرُهُ ... وَلا سَعادَتُهُ يَوماً بِإِكثارِ
إِنَّ الشَقِيَّ الَّذي في النارِ مَنزِلُهُ ... وَالفَوزُ فَوزُ الَّذي يَنجو مِنَ النارِ
أَعوذُ بِاللَهِ مِن أَمرٍ يُزَيِّنُ لي ... لَومَ العَشيرَةِ أَو يُدني مِنَ العارِ
وَخَيرُ دُنيا يُنسِّي شَرَّ آخِرَةٍ ... وَسَوفَ يُنبئُني الجَبّارُ أَخباري
لا أُدخُلِ البَيتَ أَحبو مِن مُؤَخِّرِهِ ... وَلا اِكسِّرُ في اِبنِ العَمِّ أَظفاري
إِن يَحجُبِ اللَهُ أَبصاراً أُراقِبُها ... فَقَد يَرى اللَهُ حالَ المُدلَجِ الساري (٢)
الله مقلب القلوب فلا تغفل
ان الله جعل قلوب عباده بيده, وما اكثر ما تضيق قلوب الاشقياء, وتلين قلوب السعداء, فالقلوب بيد الله, فهو الذي يسعدك, وهو الذي يقبض عنك كل سعادة, وقد ملك زمام كل شيء, واليه يرجع امر كل شيء, فاذا قبض القلب فهو لايفهم, واذا قبض العقل فانه لايدرك ولايتعلم, فاذا اطعت الله ورجعت اليه فان قلبك سيكون مفعما بالسعادة والرضا, فأنت تتقلب من حال الى حال, من حالة بسط الى حالة قبض, ومن حالة قبض الى حالة بسط, فقلبك يطلع عليه الله وينظر اليه, ففي
стр. 826
الحديث النبوي (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) (١) , فاذا جاءك القبض اثر معصية او مخالفة او عدوان فهذا قبض معصية, وعلاج ذلك بالتوبة والرجوع الى الله, اما اذا كان القبض لغير ذلك او لامر لاتعرفه فإن ذكر الله يجعل القلب مطمئنا, وملازمة الاستغفار يذهب عنه الاوضار, فالله جل وعلا يقلب القلوب يقبضها ويبسطها, ولعلك تدرك ان الله اذا قبض عنك الأحوال الطيبة شعرت بالوحشة والضيق والحرمان, وشعرت انك مردود, واذا ذكرت الله وفوضت الامر اليه واستغفرت وتلوت القرآن من الله عليك بالتجلي, وشعرت بالخشوع والسرور, والانشراح والانس والسعادة, فكن على يقين, ان معك ميزانا اذا اعتديت وعصيت شعرت بالاكتأب, وضاق صدرك وان كانت دارك واسعة واموالك كثيرة فإن ذلك لايشعر بالسعادة, فلا تكن من الغافلين, قال الشاعر:
ما بال قلبك قد الهاه عاجله ... من امر دنياه حتى فات اجله
يا غافلا والمنايا غير غافلة ... هل رد حتف امرئ عنه تغافله (٢)
فبذكر الله تطمئن القلوب, وتشرق النفوس, وتسعد الحياة, ويزول الكدر, ويذهب الضيق والضجر, قال الشاعر:
لاتضق ذرعا بحالٍ ... فالذي سواك حاضر
وهو بي ارحم مني ... كلما دارت دوائر
стр. 827
لاتخف لاتخش مهما......كنت للرحمن ذاكر (١)
فما اكثر ما تضيق قلوب بعض الناس حتى تكاد تموت من الضيق, وتقسوا حتى تكاد تكون اقسى من الحجارة فهي كالصخر لاتلين, وفي الذكر الحكيم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) ورضي الله عن الامام الشافعي حيث يقول:
وَلَمّا قَسا قَلبي وَضاقَت مَذاهِبي ... جَعَلتُ الرَجا مِنّي لِعَفوِكَ سُلَّما
وانما علاج القلوب الرجوع الى الله وملازمة ذكره وحمده, وشكره, ولعلك تدرك احيانا ان الفطرة تنطمس, فلا يدرك الانسان الصواب, وفي السنة النبوية ان الرسول ﵌ قال: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ فَإِنْ زَادَ زَادَتْ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) فاقتراف المعاصي تلو المعاصي والمخالفات تلو المحالفات والانغماس بالملاذات, والتطاول على خلق الله, وترك العبادات والطاعات, كل ذلك ينتهي الى اغفال القلب وتغليفه, وتدبر قول العزيز الحكيم: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٤) ويقول
стр. 828
سبحانه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)
اما اذا كنت تمشي في طريق الايمان وحصل لك وحشة, او ضيق فلعلها معالجة الاهية لطيفة لقلبك, وامتحان للبك, فعليك ان تصبر وتستغفر حتى تنجلي هذه الحالة بفضل الله وقدرته, وفي الحديث النبوي: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) (٢) وكان ﵌ (يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا قَالَ نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) (٣) وفي الذكر الحكيم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٤) فالله هو الذي بيده الخير كله, وهو الذي ان شاء ملأ قلبك رضا, وصدرك فرحا وسرورا, وملأ يدك رزقا وخيرا, وبسط لك العيش, ويسر لك العبادة وسبل الفلاح والنجاح, وان عصيته وأعرضت عن ذكره قبض عنك كل سعادة, وقبض عنك الفهم, وقبض قلبك, فلا يغنم ولا يرى نورا, فياتي التشاؤم والشقاء, فتعرف على الله في الشدة, يعرفك في الرخاء, واعلم ان الله القابض الباسط الخافظ الرافع المعز المذل المبدء المعيد بيده كل خير,
فتعرف على اسمائه, وعلى شريعته, وعلى احكامه تعش سعيدا في الدنيا والاخرة.
стр. 829
القابض الباسط في اسماء الله الحسنى
القابض الباسط من اسماء الله الحسنى معناها ان الله جل وعلى يقبض الارزاق والقلوب والارواح, ويبسط الارزاق والقلوب, وذلك تبع لحكمته ورحمته, وقد ثبت ورود اسم الله (القابض الباسط) ﷻ وتقدست أسماؤه في السنة النبوية, ففي حديث انس ﵁ قال: النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ) (١) وهذا الحديث صحيح اخرجه ابوداود والترمذي وبن ماجة والدارمي وابن حبان وغيرهم, وورد (القابض الباسط) في حديث ابي هريرة عند الترمذي (ان لله تسعة وتسعين اسما) .. وعد منها (القابض الباسط) ووردت فعلا في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢) وفي احاديث كثيرة منها ما رواه مسلم: (إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ) (٣) ومنها قوله ﵌: (قَالَ يَقْبِضُ
стр. 830
اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ) (١) قال الحليمي في معنى الباسط: إنه الناشر فضله على عباده يرزق ويوسع، ويجود ويفضل ويمكن ويخول ويعطي أكثر مما يحتاج إليه, وقال في معنى القابض: يطوي بره ومعروفه عمن يريد ويضيق ويقتر أو يحرم فيفقر قال أبو سليمان: وقيل القابض وهو الذي يقبض الأرواح بالموت الذي كتبه على العباد وقال: ولا ينبغي أن يدعى ربنا ﷻ باسم القابض حتى يقال معه الباسط (٢) .
وقال ابن القيم ﵀:
هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ ... هُوَ رَافِعٌ بِالعَدلِ وَالمِيزَانِ
وهو المُعزُّ لأهلِ طَاعَتِهِ وذَا ... عِزٌّ حَقِيقِيٌّ بِلاَ بُطلاَنِ
وَهُوَ المُذِلُّ لِمَن يَشَاءُ بِذِلَّةِ الدَّ ... ارَينِ ذُل شَقَا وَذُلُّ هَوَانِ
فهو سبحانه القابض الباسط, يقبض الارواح, ويقبض القلوب, ويبسط الارزاق لمن يشاء ويقبضه عمن يشاء, فهو الذي يطوي بره ومعروفه عمن يريد ويضيق ويقتر, وهو الذي ينشر فضله على عباده, ويوسع ويجود, فهو الذي يبسط رحمته على القلوب حتى تستضيء وتخرج من وضر الذنوب وتنشرح وتسعد وهو الذي يقبض القلوب فيضيقها حتى تصير حرجا كانما تصعد في السماء, ويبسطها بما يفيض عليها من معاني بره ولطفه واحسانه, قال تعالى: ﴿فمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) .
ثمرة معرفة اسم الله القابض الباسط
اذا عرف المكلف ان الله القابض الباسط والا قابض ولاباسط على الاطلاق الا هو وانه الذي يقبض الارواح والانفس والقلوب ويبسط الارزاق وانه الذي يبسط القلوب والالسنة والايدي, وانه الذي يبسط السحاب في السماء ويدبر شؤن العباد بحكمته وعدله ورحمته, وان السموات والارض قبضته, وان يده مبسوطة لمن تاب, وانه ينفق ويرزق كيف يشاء, قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٤) وجب عليه ان يؤمن به وان يخافه من قبضه عنه منافع الدنيا والاخرة, وان يفرده بالعبادة ويخلص له العمل, وان يبسط قلبه لاحكام الله, ولسانه لذكره وشكره, ويده لبذل الواجبات والصدقات, وان يكون مبسوط القلب بمعرفة الله منشرح الصدر بنعم الله باسطا وجهه للناس, فاذا كنت ذا بسط في الجسم فابسطه في بالعبادة التي تفضي بك الى السعادة في الدنيا والاخرة, وان كنت ذا بسط في المال فابسط يدك في العطاء واعطف عن المساكين والضعفاء, وتألف به قلوب العلماء والحكماء, واعمر به المساجد والمساكن للضعفة والزمنا, وازل ما على عينك من الغطاء ولا
стр. 831
تقبض عن الناس خيرك فيقبض قلبك فتضيق عليك الدنيا, ولاتتخلف عن اوامر الله فتشقى وتضيق عليك الدنيا, وتدبر قول الحق ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقال الغزالي: القابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم وأوتي جوامع الكلم فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من آلاء الله ونعمائه وتارة يقبضها بما ينذرهم به من جلال الله وكبريائه وفنون عذابه وبلائه وانتقامه من أعدائه (٢) .
دعاء الله باسمه القابض الباسط
اللهم ياقابض ياباسط ياقوي ياقدير ياسميع يابصير اقبض اليك عنان املي, وزكِّ بجودك عملي, واختم بخيرك واحسانك اجلي, وابسط بالرجاء فيك دعائي, ولب بفضلك ندائي واشرح صدري ويسرلي امري, وابسط لي في رزقي من الحلال الطيب ووسع علي فيه, واجعل تقواك لباسي, وخوفك ردائي, واجعلني سعيدا في الدنيا والاخرة, وابسط علي وعلى والدي والمؤمنين رحمتك وفضلك واحسانك وبرك وكرمك وبركاتك ما ينفعنا وترفعنا به في الدنيا والاخرة ياارحم الراحمين, واسالك الدرجات العلا من الجنة, فانه لاقابض لمابسطت ولا باسط لما قبضت, ولا معطي لما منعت ولا
الرضا
الرضا هي حالة يتحلى بها الانسان السوي المؤمن التقي, والرضا صفة امتاز بها الانبياء والقديسون وبعض العابدين, وكل من وهبه الله نعمة التأمل, والخشوع الحق في صلاته, وفي نظرته لما أفاء الله عليه من نعم وخيرات لاتحصى.
والرضا عكس الاحباط والسخط وانسداد الافق, والانسان الراضي هو انسان مبتهج في حياته, لايعرف الحزن ولا الكآبه والبؤس, والانسان الذي امتلأ قلبه ايمانا بالله ورضا بقضائة, هو الذي يدرك بكل جوارحه مااولاه الله من نعمه, فنعمة الايجاد والخلق ونعمة الصحة والابصار والسمع واللمس والتذوق والشم ونعمة تكامل الاعضاء والقدرة على الكلام والمشي, ونعمة الاسلام, ونعمة الامن والاستقرار, ونعمة الماكل والمشرب والملبس, والماء والطعام, والقدرة على النوم بدون مسكنات, ونعمة الزوجة والابناء والحفدة والاخوان والاخوات والوالدين والاقرباء, ووجود مجتمعات تتعارف وتتآلف, كل هذه نعم عظيمة تحتاج الى الشعور بالرضا, والتقدير, والامتنان, فالانسان الراضي هو انسان غمر الحب والطمأنينة والقناعة قلبه وتفكيره, فهو يعمل بجد وعزيمة, لايعرف الوهن ولا الحزن, يطيع الله ويتبع منهج نبيه محمد ﵌, فهو يذكر الله ويشكره ويعبده, فهو رآض بقسمة الله شاكر لانعمه, لا يعرف القلق ولا السخط ولا الحنق والا الغضب, يعمل الصالحات, ويسعى الى اكتساب الحسنات راضيا مرضيا, ان اصابته نعمآء شكر وان اصابته ضراء صبر ورضي, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ*جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (١)
الرضا يجلب السرور والبهجة, والسخط والغضب يجلبان الهم والحزن
الرضا يجلب الطمأنينة والسكينة, ويساعد على التفكير في حل الازمات, فهو نعمة كبيرة يحتاجه كثير من الناس, ومن الاسباب الجالبة له التحرر من الافكار السالبة والجموح المادي غير المشروع كالنظر الى ماعند الغير من جمال أو ذكاء أو ثراء أو وجاهة أو بناء, أو سلطة, ومحاولة سلبه, فان ذلك سلوك غير مرضي, فتخلص منه تسعد وترضى, واسال الله من فضله تنل ماتتمنا, فالانسان الراضي يحب الخير للاخرين ولا يتمنى زوال نعمهم بل يشكر الله على مالديه من نعمة لو تحسسها وفتش عنها لوجدها, وربما وجد عنده من النعم مالم يكن عند غيره, فالانسان الراضي لايتكدر ولا يسخط ولا يغضب ولا يكذب ولا يتذكر الاسباب الجالبة للهم والحزن, بل يعمل ويثق بالله الذي بيده خير الدنيا والاخرة, والانسان الراضي عن الله انسان ذو طاقة ايجابية عالية, وله هالات كبيرة ناصعة وزاهية الالوان, وله تاثير في الغير ان خالطوه أو تحدثوا معه أو حتى جالسوه, فهو بفضل مايتمتع به من صفاء في الوجه وعمق في الابتسامة ينقل الى الاخرين الكثير من الامور الايجابية التي تساعدهم على الشعور
стр. 835
بالانتعاش والسعادة والهدوء, اما السخط والغضب فهو يورث العداوة والكدر, والهم والحزن, فالانسان الغاضب الساخط يفقد حقوقه ان كان له حق بغضبه وسخطه, فالغضب والحزن عدواك فلا تصادقهما, والغضب والسخط من الشيطان فلا تأتهما, واستمع الى قول الله العلي العظيم في القرآن الكريم: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وفي الحديث النبوي (أَلَا إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْأَرْضَ الْأَرْضَ أَلَا إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَا وَشَرَّ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَا) (٢) والرضا يخلصك من الظنون والهموم والاحزان, فارض عن الله, وارض بما انت فيه من الخير, ولاتخاصم ربك في اقضيته واحكامه, فابليس خاصم ربه في قضائه وحكمه, ولم يرض عنه تكريمه لادم ﵇, ونازع ربه عظمته وكبرياءه وحكمه فاخرجه الله من الجنة, فكن راضيا لتعيش سعيدا هانأ مبتسما مبتهجا متهلل الاسارير, قال الشاعر:
ضل من يحسب الرضا هوانا ... او يراه على النفاق دليلا
فالرضا نعمة من الله لم يسعد ... بها في العباد الا القليلا
والرضا اية البراءة والايمان ... بالله ناصرا ووكيلا (٣)
стр. 836
والرضا نعمة فلا ترض الناس بسخط الله الذي اغدق عليك بهذه النعمة, ففي الحديث النبوي: مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ (١) فانك ان رضيت عن امر مشين لم يرض عنك العزيز العليم فقد يعميك الرضا عن القبائح فترتكب الفضائح, ولله در الامام الشافعي حيث يقول:
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
وَلَستُ بِهَيّابٍ لِمَن لا يَهابُني ... وَلَستُ أَرى لِلمَرءِ ما لا يَرى لِيا
فَإِن تَدنُ مِنّي تَدنُ مِنكَ مَوَدَّتي ... وَإِن تَنأَ عَنّي تَلقَني عَنكَ نائِيا
كِلانا غَنيٌّ عَن أَخيهِ حَياتَهُ ... وَنَحنُ إِذا مِتنا أَشَدُّ تَغانِيا
اما الشريف الرضي فهو يقول:
نَظَروا بِعَينِ عَداوَةٍ لَو أَنَّها ... عَينُ الرِضى لَاِستَحسَنوا ما اِستَقبَحوا
وقال اخر:
ولقد طلبت رضا البرية جاهدا ... فإذا رضاهم غاية لا تدرك
وأرى القناعة للفتى كنزاً له ... والبر أفضل ما به يتمسك (٢)
стр. 837
الرضا بما رضي الله به لك فلاح ونجاح
الرضا يثمر الشكر وهو اعلى درجات الايمان بل هو حقيقته, فقل رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد ﵌ نبيا ورسولا ففي الحديث ان (النَّبِيِّ ﵌ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ
عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (١) رواه ابن ماجه وفي رواية لمسلم (أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ) (٢) وقال الشاعر:
عساك ترضا وكل الناس غاضبة ... اذا رضيت فهذا منتهى املي
وقال اخر:
فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ ... وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ ... وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ
إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ ... وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابِ
ويا لَيتَ شُربي مِن وِدادِكَ صافِياً ... وَشُربِيَ مِن ماءِ الفُراتِ سَرابُ (٣)
فارض اخي باحكام الله واقداره, ولا تسخط او تقلق او تغضب, لاترض فقط في امور توافق هواك وتسخط اذا حصل مايخالف مرادك فهذا ليس من صفات العارفين الذاكرين الشاكرين الموحدين لله رب العالمين,
قال الشاعر:
رضينا بك اللهم ربا وخالقا ... وبالمصطفى المختار نورا وهاديا
стр. 838
اخي انك لاتحمل الكرة الارضية على راسك فلا تتضجر وتظهر السخط والهم والجزع والحزن, فاعف عمن ظلمك, وتسامح عمن خاصمك, فقد تجد من بعض الناس مايؤذيك, فلا تقابل السيئة بمثلها, فقد نسب الى الحسن بن وهب انه قال من حقوق المودة اخذ العفو من الاخوان والاعفاء عن التقصير: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (١) وقد قال علي بن ابي طالب ﵁ في تفسير هذه الاية اي: الرضا بغير عتاب: العفو عاقبته الرضا والشعور بالسعادة والطمأنية (٢) . وقد قال بعض الحكماء: "ان طلب الانصاف من قلة الانصاف" فالانسان اذا لم يكن متسامحا فانه لابد ان يجر نفسه الى ما يغضب, وانما التقي الرضي الذي يعفو ويصفح, في غير مايغضب ربه, واذا كان الانسان في بعض الاحيان لايرضي نفسه او لايرضا في بعض امور يقع فيها فكيف يرضى سجايا الناس كلها, قال الشاعر:
وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها ... كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ (٣)
فابدأ رحلتك مع اهلك مع زوجتك واطفالك مع مجتمعك بالرضا والابتهاج والابتسامة, ولا تبدأ رحلة حياتك مع مجتمعك ومع اهلك ومع اطفالك بالصراخ والشتم وتقطيب الوجه والتسخط والغضب, وكن لبيبا متسامحا,
стр. 839
ففي الحديث النبوي: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) (١) وقال الشاعر:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً ... صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فعش واحداً أوصل اخاك فانه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى ... ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه (٢)
الرضا نعمة وسرور وحبور
الرضا بهجة ونعمة وراحة وطمأنينة, وسعادة وسكينة, فمن امتلأ قلبه رضا غمر الحب والقناعة قلبه وتفكيره, فنعمة الرضا نعمة عظيمة يمن الله على من يشاء من عباده فيفيض هذا الرضا سعادة ونورا وبهجة وسرورا وراحة بال, فمن اتبع القرآن واخذ بهدي محمد ﵊ فقد اتبع رضوان الله, وقد خاطب الله أهل الكتاب بما فيه شفاء لاولي الالباب فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) .
الله مااروع صور الحياة وما اجملها وما الذها, تلك الصور التي نرى فيها الرضا اكبر من كل كلمة واوسع من كل دائرة واعظم من كل مصيبة,
стр. 840
هذه فحسب لحظات الحياة لمن اتبع رضوان الله وكان شاكرا لنعم الله راضيا بقدره ومدركا لخيراته الوفيرة في هذه الحياة, ان الجرح الذي ربما اصابك في قدمك يقابله عافية في سائر جوارحك, فلا تنظر الى جانب من الحياة دون ان تستشعر ماحولك من نعم الله في الجانب الاخر, لكي لاتسخط ولا تضجر, ولله در القائل:
علمتني الحياة ان اتلقى ... كل الوانها رضا وقبولا
ورايت الرضا يخفف اثقالي ... ويلقي على المأسي سدولا
والذي الهم الرضا لاتراه ... ابد الدهر حاسدا او عذولا
انا راض بكل ماكتب الله ... ومزجي اليه حمدا جزيلا
انا راض بكل صنف من ... الناس لئيما الفيته او نبيلا
لست اخشى من اللئيم اذاه ... لا ولن اسأل النبيل فتيلا
فسح الله في فؤادي فلا ارضى ... من الحب والوداد بديلا
علمتني الحياة ان لها طعمين ... مرا وسائغا معسولا
فتعودت حالتيها.. قريرا ... وألفت التغيير والتبديلا
نحن كالروض نضرة وذبولا ... نحن كالنجم مطلعا وافولا
نحن كالريح ثورة وسكونا ... نحن كالمزن ممسكا وهطولا
نحن كالظن صادقا وكذوبا ... نحن كالحظ منصفا وخذولا
قد تسرى الحياة عني فتبدي ... سخريات الورى قبيلا قبيلا
فاراها مواعظا ودروسا ... ويراها سواي خطبا جليلا
стр. 841
أمعن الناس في مخادعة.....النفس وضلوا بصائرا وعقولا
عبدوا الجاه والنضار وعينا ... من عيون المها وخدا اسيلا
الأديب الضعيف جاها ومالا ... ليس الا مثرثرا مخبولا
والعتل القوي جاها ومالا ... هو اهدى هدى واقوم قيلا
واذا غادة تجلت عليهم ... خشعوا او تبتلوا تبتيلا
أكثر الناس يحكمون على الناس ... وهيهات ان يكونوا عدولا (١)
وفي الحديث النبوي الشريف: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (٢) والرضا بإلهية الله يتضمن عبادته والإخلاص له.
أما الرضا بربوبيته فإنه يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه والاستعانة به، والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكل ما يفعله به. وفي الحديث النبوي: (وَارْضى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) (٣)
والرضا بنبيه رسولا يتضمن كمال الانقياد له.
أما الرضا بدينه فإنه يتضمن الرضا بحكمه وامتثال أمره والانتهاء عن نهيه رضا كاملا.
стр. 842
والرضا بالله ربا فرض ومن لم يرض بربه لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال (١) .
وقال ابن تيمية: (المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية، وقال بشر الحافي: يقول أحدهم توكلت على الله، يكذب على الله، لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به) .
الفرق بين الارادة والرضا
الرضا شرط في صحة العقود والمعاملات, ودليل على صحتها, والرضا بقضاء الله وقدره دليل على صحة ايمان صاحبه وصحة معتقده
والرضا له تعريفات عديدة تختلف في عبارتها وتتحد في معناها ومنها:
١ - ارتفاع الجزع في أي حكم كان.
٢ - استقبال الأحكام بالفرح.
٣ - سكون القلب تحت مجاري الأحكام.
وقد ورد في اللغة: الرِضا، وكذلك الرُضْوانُ بالضم. والمَرْضاةُ مثله. ورَضيتُ الشيء وارْتَضَيْتُهُ فهو مَرْضِيٌّ، وقد قالوا: مَرْضُوٌّ فجاءوا به على الأصلِ والقياسِ. ورَضيتُ عنه رِضى مقصورٌ، وهو مصدرٌ محضٌ، والاسم الرِضاءُ ممدودٌ. وسمع الكسائي رِضَوانِ وحِمَوانِ في تثنية الرِضا والحِمى. وعيشةٌ راضِيَةٌ، أي مَرْضِيَّةٌ. كقولهم: هَمٌّ ناصبٌ؛ لأنَّه يقال رُضيتُ معيشتُه على ما لم يسمَّ فاعله، ولا يقال رَضِيَتْ. ويقال: رَضيتُ به صاحباً. وربما قالوا: رَضيتُ عليه، بمعنى رَضيتُ به وعنه. وأنشد الأخفش:
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بنو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أعجبني رِضاها (٢)
الفرق بين الارادة والرضا: أن إرادة الطاعة تكون قبلها والرضا بها يكون بعدها أو معها فليس الرضا من الارادة في شئ، وعند أبي هاشم ﵀: أن الرضا ليس بمعنى ونحن وجدنا المسلمين يرغبون في رضا الله تعالى ولا يجوز أن يرغب في لا شئ، والرضا أيضا نقيض السخط، والسخط من الله تعالى إرادة العقاب فينبغي أن يكون الرضا منه إرادة الثواب أو الحكم به. (٣)
التوافق بين الرضا والقناعة
التوافق بين الرضا والقناعة عند من يحسن الصناعة ويحب لله ويحب من اطاعه, والقناعة خلة كريمة, وصفة جميلة, يترتب عليها الرضا والراحة والمطمأنينة فهي شعور غامر بالرضا يحدث نتيجة لايمان الانسان بقدر الله, وقد تحصل القناعة عند حصول المرء على مايستحقه من مكانة أو مال أو وضع اجتماعي يتوازى مع جهده المبذول فإن طمح الى مايستحيل الوصول اليه وليس له القدرة في الحصول عليه كان طموحه خياليا, وكذلك اذا طمع فيما في أيدي الناس فحاول الوصول اليه بغير وجه مشروع فان من كان حاله ذلك صاحبته مشاعر سلبية ضد الاخرين, وذلك قد يولد له
стр. 843
احباطا, وفي الامثال العربية: "العبد حر اذا قنع, والحر عبد اذا طمع" وقديما قيل: "عش قنعا تكون ملكا" وقيل: "القناعة كنز لايفنى, والقناعة كنز لاينفد" وقيل: "خير الغنى القنوع" وفي الاثر: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" وقيل: "من لم يكن قنعا لم يزل جزعا" (١) فالعاقل اللبيب يكون غنيا راضيا عاملا طموحا لما فيه الخير دون اعتداء على حقوق الاخرين, فالقناعة شعور ايجابي وليس هو الرضا بالادنى, وان كان النظر الى من هو ادنى يحدث الرضا في النفس: وفي الحديث (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) (٢) فكن راضيا بما كتب الله مبتهجا بما متعك الله من نعمة السمع والبصر والصحة والمال والولد والاهل والاخوان واحدى هذه النعم تكفي للبيل ليكون راضيا مطمئناً
فانما القناعة الرضا بما كتب والسعي الى اكتساب الخيرات والمسارعة الى اعمال الصالحات, فانعدام القناعة قد يجعل الانسان قلقا كثير التذمر والاضطراب لايبالي باقتراف سلوك غير اخلاقي لهذا فان القناعة تعين على الهدوء والتفكير السليم ومضاعفة الجهد.
ورضي الله عن الامام علي حيث يقول:
أَفادَتني القَناعَةُ كُلَّ عِزٍّ ... وَهَل عِزٌّ أَعَزُّ مِنَ القَناعَة
فَصَيِّرها لِنَفسِكَ رَأسُ مالٍ ... وَصَيِّر بَعدَها التَقوى بِضاعَه
стр. 844
تَحُز رِبحاً وَتُغن عَن بَخيلٍ.....وَتَنعَمُ في الجِنانِ بِصَبرِ ساعَه
اما ابو الحسن النعيمي فهو يقول:
إذا أظمأتك أكفُّ اللِئام ... كفتك القناعةُ شِبعاً وريّاً
فكُن رجلاً رِجله في الثَرى ... وهامةُ همتهِ في الثُريّا
أَبيّاً لنائلِ ذي ثروةٍ ... تراه بما في يديه أبيّا
فإن إراقة ماءِ الحياةِ ... دونَ إراقةِ ماءِ المحيّا (١)
وقال الطغرائي:
يا وارداً سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ ... أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ
فيمَ اعتراضُكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ ... وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ
مُلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا ... يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ
اما الثعالبي فهو يقول:
هي القناعةُ فالزَمْها تعِشْ ملكاً ... لو لم يكنْ منكَ إلاّ راحةُ البدنِ
وانظُرْ إلى مالكِ الدنيا بأجْمعِها ... هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكفنِ
وقال اخر:
ورايت اسباب القناعة اكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
والقناعة، بالفتح: الرضا بالقسم. وقد قنع بالكسر يقنع قناعة، فهو قنع وقنوع. وأقنعه الشئ، أي أرضاه. وقال بعض أهل العلم: إن القنوع قد يكون بمعنى الرضا، والقانع بمعنى الراضي، وهو من الاضداد. وأنشد:
وقالوا قد زهيت فقلت كلا ... ولكني أعزني القنوع
وقال لبيد:
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقى بالمعيشة قانع
وفى المثل: " خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع ". قال: ويجوز أن يكون السائل سمي قانعا لانه يرضى بما يعطى قل أو كثر، ويقبله ولا يرده، فيكون معنى الكلمتين راجعا إلى الرضا (٢) .
بأعمال البر ينال الانسان رضوان الله
ان طاعتك لله تكون سببا في رضوان الله, فاذا احببت ان يكون الله راضيا عنك وان تكون عيشتك راضية واخلاقك مرضية واعمالك مقبولة فعليك بأعمال البر والبعد عن الهوى, فالزم التقوى, واقتف سبيل من اناب الى ربه واتبع سنة نبيه, وتدبر في قول العزيز الحكيم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ولقد كان الرسول ﵌ قدوة في كل اقواله وافعاله وكان الصحابة ﵃ يقتدون به, فان اتبعتهم بإحسان فسيرضى الله عنك وترضى عنه فاسأل الله رضوانه والجنة واستعذ بالله من سخطه والنار, فالرضا يوجب للراضي الطمأنينة، وبرد القلب، وسكونه، وقراره، وينزل على العبد المتوكل
стр. 845
السكينة التي لا أنفع له منها, كما أنه يفرغ قلبه ويقلل همه وغمه، فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها. ومن ثمرات الرضا: الفرح والسرور برضا الرب ﵎: وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١) .
والبِرُ هو الصلة واسداء المعروف والمبالغة في الاحسان والبَرُ هو المحسن يقال فلان بار بوالديه اذا كان محسنا لهما وفي الحديث النبوي (رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد) (٢) والبِرُ بالكسر الصلة والاحسان يقال فلان يبر رحمه اي يصلهم, والصلة: اتصال عطاء مع زيارة, فالاحسان منك مطلوب في كل الأحوال حتى مع من يخالفك في العقيدة فالله يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣) ان تبروهم اي ان تحسنو اليهم, فاذا لم يكن يصلي ولكن لايعاديك, انت ان احسنت الهي حملته على الصلاة, انت ان احسنت اليه حملته على حضور مجلس علم, انت اذا احسنت اليه حملته على الطاعة, كما يقول الدكتور محمد النابلسي: هذه الاية دقيقة المعنى جدا قد تلتقي في عملك وفي محيطك, وقد تلتقي مع اقربائك باندماج لايناصبك العداء ولاينكرون عليك تدينك, بل انهم