← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أمعن الناس في مخادعة.....النفس وضلوا بصائرا وعقولا عبدوا الجاه والنضار وعينا ... من عيون المها وخدا اسيلا الأديب الضعيف جاها ومالا ... ليس الا مثرثرا مخبولا والعتل القوي جاها ومالا ... هو اهدى هدى واقوم قيلا واذا غادة تجلت عليهم ... خشعوا او تبتلوا تبتيلا أكثر الناس يحكمون على الناس ... وهيهات ان يكونوا عدولا (١) وفي الحديث النبوي الشريف: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (٢) والرضا بإلهية الله يتضمن عبادته والإخلاص له. أما الرضا بربوبيته فإنه يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه والاستعانة به، والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكل ما يفعله به. وفي الحديث النبوي: (وَارْضى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) (٣) والرضا بنبيه رسولا يتضمن كمال الانقياد له. أما الرضا بدينه فإنه يتضمن الرضا بحكمه وامتثال أمره والانتهاء عن نهيه رضا كاملا.

стр. 842

والرضا بالله ربا فرض ومن لم يرض بربه لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال (١) . وقال ابن تيمية: (المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية، وقال بشر الحافي: يقول أحدهم توكلت على الله، يكذب على الله، لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به) . الفرق بين الارادة والرضا الرضا شرط في صحة العقود والمعاملات, ودليل على صحتها, والرضا بقضاء الله وقدره دليل على صحة ايمان صاحبه وصحة معتقده والرضا له تعريفات عديدة تختلف في عبارتها وتتحد في معناها ومنها: ١ - ارتفاع الجزع في أي حكم كان. ٢ - استقبال الأحكام بالفرح. ٣ - سكون القلب تحت مجاري الأحكام. وقد ورد في اللغة: الرِضا، وكذلك الرُضْوانُ بالضم. والمَرْضاةُ مثله. ورَضيتُ الشيء وارْتَضَيْتُهُ فهو مَرْضِيٌّ، وقد قالوا: مَرْضُوٌّ فجاءوا به على الأصلِ والقياسِ. ورَضيتُ عنه رِضى مقصورٌ، وهو مصدرٌ محضٌ، والاسم الرِضاءُ ممدودٌ. وسمع الكسائي رِضَوانِ وحِمَوانِ في تثنية الرِضا والحِمى. وعيشةٌ راضِيَةٌ، أي مَرْضِيَّةٌ. كقولهم: هَمٌّ ناصبٌ؛ لأنَّه يقال رُضيتُ معيشتُه على ما لم يسمَّ فاعله، ولا يقال رَضِيَتْ. ويقال: رَضيتُ به صاحباً. وربما قالوا: رَضيتُ عليه، بمعنى رَضيتُ به وعنه. وأنشد الأخفش: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بنو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أعجبني رِضاها (٢) الفرق بين الارادة والرضا: أن إرادة الطاعة تكون قبلها والرضا بها يكون بعدها أو معها فليس الرضا من الارادة في شئ، وعند أبي هاشم ﵀: أن الرضا ليس بمعنى ونحن وجدنا المسلمين يرغبون في رضا الله تعالى ولا يجوز أن يرغب في لا شئ، والرضا أيضا نقيض السخط، والسخط من الله تعالى إرادة العقاب فينبغي أن يكون الرضا منه إرادة الثواب أو الحكم به. (٣) التوافق بين الرضا والقناعة التوافق بين الرضا والقناعة عند من يحسن الصناعة ويحب لله ويحب من اطاعه, والقناعة خلة كريمة, وصفة جميلة, يترتب عليها الرضا والراحة والمطمأنينة فهي شعور غامر بالرضا يحدث نتيجة لايمان الانسان بقدر الله, وقد تحصل القناعة عند حصول المرء على مايستحقه من مكانة أو مال أو وضع اجتماعي يتوازى مع جهده المبذول فإن طمح الى مايستحيل الوصول اليه وليس له القدرة في الحصول عليه كان طموحه خياليا, وكذلك اذا طمع فيما في أيدي الناس فحاول الوصول اليه بغير وجه مشروع فان من كان حاله ذلك صاحبته مشاعر سلبية ضد الاخرين, وذلك قد يولد له

стр. 843

احباطا, وفي الامثال العربية: "العبد حر اذا قنع, والحر عبد اذا طمع" وقديما قيل: "عش قنعا تكون ملكا" وقيل: "القناعة كنز لايفنى, والقناعة كنز لاينفد" وقيل: "خير الغنى القنوع" وفي الاثر: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" وقيل: "من لم يكن قنعا لم يزل جزعا" (١) فالعاقل اللبيب يكون غنيا راضيا عاملا طموحا لما فيه الخير دون اعتداء على حقوق الاخرين, فالقناعة شعور ايجابي وليس هو الرضا بالادنى, وان كان النظر الى من هو ادنى يحدث الرضا في النفس: وفي الحديث (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) (٢) فكن راضيا بما كتب الله مبتهجا بما متعك الله من نعمة السمع والبصر والصحة والمال والولد والاهل والاخوان واحدى هذه النعم تكفي للبيل ليكون راضيا مطمئناً فانما القناعة الرضا بما كتب والسعي الى اكتساب الخيرات والمسارعة الى اعمال الصالحات, فانعدام القناعة قد يجعل الانسان قلقا كثير التذمر والاضطراب لايبالي باقتراف سلوك غير اخلاقي لهذا فان القناعة تعين على الهدوء والتفكير السليم ومضاعفة الجهد. ورضي الله عن الامام علي حيث يقول: أَفادَتني القَناعَةُ كُلَّ عِزٍّ ... وَهَل عِزٌّ أَعَزُّ مِنَ القَناعَة فَصَيِّرها لِنَفسِكَ رَأسُ مالٍ ... وَصَيِّر بَعدَها التَقوى بِضاعَه

стр. 844

تَحُز رِبحاً وَتُغن عَن بَخيلٍ.....وَتَنعَمُ في الجِنانِ بِصَبرِ ساعَه اما ابو الحسن النعيمي فهو يقول: إذا أظمأتك أكفُّ اللِئام ... كفتك القناعةُ شِبعاً وريّاً فكُن رجلاً رِجله في الثَرى ... وهامةُ همتهِ في الثُريّا أَبيّاً لنائلِ ذي ثروةٍ ... تراه بما في يديه أبيّا فإن إراقة ماءِ الحياةِ ... دونَ إراقةِ ماءِ المحيّا (١) وقال الطغرائي: يا وارداً سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ ... أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ فيمَ اعتراضُكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ ... وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ مُلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا ... يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ اما الثعالبي فهو يقول: هي القناعةُ فالزَمْها تعِشْ ملكاً ... لو لم يكنْ منكَ إلاّ راحةُ البدنِ وانظُرْ إلى مالكِ الدنيا بأجْمعِها ... هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكفنِ وقال اخر: ورايت اسباب القناعة اكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا والقناعة، بالفتح: الرضا بالقسم. وقد قنع بالكسر يقنع قناعة، فهو قنع وقنوع. وأقنعه الشئ، أي أرضاه. وقال بعض أهل العلم: إن القنوع قد يكون بمعنى الرضا، والقانع بمعنى الراضي، وهو من الاضداد. وأنشد: وقالوا قد زهيت فقلت كلا ... ولكني أعزني القنوع وقال لبيد: فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقى بالمعيشة قانع وفى المثل: " خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع ". قال: ويجوز أن يكون السائل سمي قانعا لانه يرضى بما يعطى قل أو كثر، ويقبله ولا يرده، فيكون معنى الكلمتين راجعا إلى الرضا (٢) . بأعمال البر ينال الانسان رضوان الله ان طاعتك لله تكون سببا في رضوان الله, فاذا احببت ان يكون الله راضيا عنك وان تكون عيشتك راضية واخلاقك مرضية واعمالك مقبولة فعليك بأعمال البر والبعد عن الهوى, فالزم التقوى, واقتف سبيل من اناب الى ربه واتبع سنة نبيه, وتدبر في قول العزيز الحكيم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ولقد كان الرسول ﵌ قدوة في كل اقواله وافعاله وكان الصحابة ﵃ يقتدون به, فان اتبعتهم بإحسان فسيرضى الله عنك وترضى عنه فاسأل الله رضوانه والجنة واستعذ بالله من سخطه والنار, فالرضا يوجب للراضي الطمأنينة، وبرد القلب، وسكونه، وقراره، وينزل على العبد المتوكل

стр. 845

السكينة التي لا أنفع له منها, كما أنه يفرغ قلبه ويقلل همه وغمه، فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها. ومن ثمرات الرضا: الفرح والسرور برضا الرب ﵎: وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١) . والبِرُ هو الصلة واسداء المعروف والمبالغة في الاحسان والبَرُ هو المحسن يقال فلان بار بوالديه اذا كان محسنا لهما وفي الحديث النبوي (رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد) (٢) والبِرُ بالكسر الصلة والاحسان يقال فلان يبر رحمه اي يصلهم, والصلة: اتصال عطاء مع زيارة, فالاحسان منك مطلوب في كل الأحوال حتى مع من يخالفك في العقيدة فالله يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣) ان تبروهم اي ان تحسنو اليهم, فاذا لم يكن يصلي ولكن لايعاديك, انت ان احسنت الهي حملته على الصلاة, انت ان احسنت اليه حملته على حضور مجلس علم, انت اذا احسنت اليه حملته على الطاعة, كما يقول الدكتور محمد النابلسي: هذه الاية دقيقة المعنى جدا قد تلتقي في عملك وفي محيطك, وقد تلتقي مع اقربائك باندماج لايناصبك العداء ولاينكرون عليك تدينك, بل انهم

стр. 846

اضعف من ان يتمسكوا بما انت عليه, هؤلاء يقدرونك لكن ليسوا ملتزمين لم يصطلحوا مع الله بعد, لم يقبلوا عليه, لكنهم لايناصبونك العداء, بل يقدرون فيك هذا الاتجاه الطيب, هذا التدين الصادق مثل هذه النماذج من الناس من الجريمة ان تسيء اليهم, فلا تعنفهم, لا تناصبهم العداء, استمل قلوبهم اليك. (١) وقال الشاعر: وَاللَهُ أَنجَحُ ما طَلَبتُ بِهِ ... وَالبِرُّ خَيرُ حَقيبَةِ الرَحلِ (٢) وقال اخر: وَما البِرُّ إِلّا مُضمَراتٌ مِنَ التُقى ... وَما المالُ إِلّا مُعمَراتٌ وَدائِعُ (٣) اما سابق البربري فهو يقول: إن التُّقَى خَيرُ زادٍ أنت حامِلُهُ ... والبرُّ أفضلُ شيءٍ نَالَه بَشَرُ وقال اخر: وَالإِثمُ مِن شَرِّ ما يُصالُ بِهِ ... وَالبِرُّ كَالغَيثِ نَبتُهُ أَمِرُ (٤) وفي الذكر الحكيم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥) والبر مطلق عطاء الله واحسانه في الدنيا والاخرة فهو الذي يعطيك سعادة تملؤ القلب, وصحة تحفظ الانسان, وتقوم اللسان, وهيبة تعين على امور الدنيا والدين, فكل انواع الخير ينطوي تحت كلمة البر, والبر خير الدنيا والاخرة, وقيل البر كلمة باؤها مثلثة: ومعنى ذلك ان هناك بَرٌ بفتح الباء وبِر بكسرها وبُر بضمها فبضمها البُر: جمع برة من القمح, والبِر بالكسر هو الاحسان والصلة, وفي الامثال السائرة: "البر ان تعمل في السر عمل العلانية" وقيل: "خير البر عاجله" وفي الحديث الشريف (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ) (٦) والبَر بالفتح ضد البحر اي اليابسة, ومن الخَلْق من تتوالى منه اعمال البر, فهناك مبالغة, فمن تتوالى منه اعمال البر من الخلق يسمى بَرا, اما اذا كان هذا الاسم منسوبا الى الله فهو بالفتح فاعل البر المحسن الى الخلق الذي اسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة, والله هو البر الرحيم, فتعرف على بره واحسانه ترضى عنه ويرضى عنك, وتعرف على اسمه البَرُ. البَرُ من اسماء الله الحسنى البر اسم من اسماء الله الحسنى ورد في القرآن الكريم مرة واحدة, وجاء في حديث ابي هريرة عند الترمذي واجمعت عليه الائمة, ويجوز اجراؤه على العبد, فقد ورد في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (٧) وفي قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ (٨) ومعنى هذا الاسم البَر: المحسن فهو البر المطلق الذي منه كل مبرة واحسان, فهو يحسن

стр. 847

الى الخلق ويصلح احوالهم الذي عم جميع الخلق ببره وغمرهم باحسانه فهو الذي لايقطع الاحسان بسبب العصيان, وهو الذي من على السائلين بحسن عطائه, وعلى العابدين بجميل جزائه (١) , وهو الذي يحسن الى من اساء, ويعفو عمن ظلم, ويغفر لمن اذنب, ويتوب على من تاب اليه, ويقبل عذر من اعتذر اليه, وهو سبحانه يتفضل على عباده, ويتم نعمته عليهم ويريهم مواقع بره وكرمه, فهو اللطيف الخبير, قال الخطابي: البر هو العطوف على عباده المحسن إليهم، عم بره جميع خلقه فلم يبخل عليهم برزقه، وهو البر بأوليائه إذ خصهم بولايته واصطفاهم لعبادته، وهو البر بالمحسن في مضاعفة الثواب له، والبر بالمسيء في الصفح والتجاوز عنه. وقال الحليمي: ومعناه الرفيق بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ويعفو عن كثير من سيئاتهم ولا يؤاخذهم بجميع جناياتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجزيهم بالسيئة إلا مثلها ويكتب لهم الهم بالحسنة ولا يكتب عليهم الهم بالسيئة (٢) وقيل البر هو اللطيف بعباده, والبر هو الصادق وهو المحسن وهو المتفضل المعطي سبحانه فهو المحسن والبر على الاطلاق لايشابه بره بر المخلوقين ولاكرمه كرمهم ولا فضله فضلهم ولا احسانه احسانهم, فله الاحسان الكبير والفضل العظيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير, فكل بر واحسان وفضل وعطاء منه لاشريك له, اما الانسان فان بر واحسن فمما وهبه الله وتفضل به عليه

стр. 848

ووفقه اليه لا اله الا هو وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فهو البر الذي شمل الكائنات باسرها ببره وهبابته وكرمه فهو مولى الجميل ودائم الاحسان وواسع العطاء والكرم والرفق والبر فكل النعم الظاهرة والباطنة على الخلق اجمعين منه لايستغني مخلوق عن احسانه وبره طرفة عين, فله الحمد على ذلك كله في الدنيا والاخرة عدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته وعدد ذرات الوجود تدوم بدوام الله وتتجدد في كل لحظة ووقت وحين وسبحان الله العظيم وبحمده مثل ذلك. ثمرة معرفه اسمه الله البَر اذا عرف المكلف ان الله هو البر الرحيم المحسن الى جميع عباده الرفيق بهم المكرم لهم الخالق لهم الرازق لهم المتفضل عليهم المدبر لشؤنهم الذي يعفو ويصفح عنهم, وجب عليه ان يؤمن به وان يبره بالتقرب اليه بعمل الطاعة واجتناب المعصية وان يبر بأهل طاعته وبوالديه فاذا كانت مبرة والدي الانسان واجبة فمبرة الرب الاعلى احرى واولى, فيتضاءل لعظمته, ويتصاغر لكبريائه, ويؤدي حقه اليه, ويقف نفسه عند حدها, ويبر ولاة الامر بالسمع والطاعة, ويبر عامة المسلمين بالنصح لهم (١) , ولك ان ترجو بر الله بكل انواعة وان تسارع الى عمل البر لتنال رضوانه وان تبر كل من تقدر على بره باحب اموالك اليك, وانفسها

стр. 849

لديك, فان البر الرحيم المتفضل الكريم يقول في محكم الذكر الحكيم: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١) وتدبر في ثناء العزيز العليم على يحيى وعيسى عليهما افضل الصلاة والتسليم حيث يقول في وصف عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (٢) ويقول سبحانه في وصف يحيى ﵇: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ (٣) فتخلق اخي باخلاق أهل البر يرضى الله عنك وتكون بارا مع الابرار في دار النعيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٤) . وكن مشتغلا بأعمال البر واستباق الخير, ولا تضمر الشر لاحد او تؤذه فان البر هو الذي يحسن ولا يؤذي, وتذكر ان من كان الله بارا به فانه قد يعصم عن المخالفات نفسه, ويديم بفنون اللطائف انسه, ويوفق في طريق الخير اجتهاده, ويجعل التوفيق زاده, ويجعل قصده سداده, ويحميه من الوقوع في الموبقات بيمن اقباله, وبالتوبة فيما يقع فيه من الذنوب, وتذكر اخي ان انواع البر لاتحصى, فلا تنس المسارعة اليها, لكي ترضي الله فترضى, وفي الحديث النبوي: (البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت فكما تدين تدان) (٥) .

стр. 850

دعاء الله باسمه البَر يا الله يابر ياكريم يارحيم ارزقني من برك ما انال به رضاك ورحمتك واحسانك ياكريم واجعلني بارا بوالدي وباخواني المؤمنين وبالخلق اجمعين ياالله يا بر يارحمن يارحيم تفضل علي بالخلق الكريم, وغفرلي ولوالدي وللمؤمنين, وتوفني مسلما والحقني بالصالحين, ياالله اسالك من برك ما انال به رضاك وفضلك واحسانك وتوفيقك واكرامك لي في الدنيا والاخرة واسالك الدرجات العلى في الجنة ياسميع ياعليم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصلحبه وازواجه وذريته ومن تبعه باحسان الى يوم الدين.

стр. 851

الفصل الرابع والاربعون الابتهاج والسرو ر الابتهاج والسرور الابتهاج والسرور هما الصورة المشرقة المريحة الجميلة لكل وجه, وعكسهما العبوس وتقطيب الحاجبين وهما الصورة المزعجة لكل انسان, فقد عد بعض العلماء السرور, والحبور, والجذل, والغبطة, والبهج, والفرح, والارتياح, والاغتباط, والاستبشار, الفاظا مترادفة (١) , وقد ذكر العلامة محمد محمود الرافعي: في شرحه للالفاظ المترادفة (فائدة) مما ذكر في ترتيب السرور: أول مراتبه الجذل والابتهاج ومنه (البهج) ثم الاستبشار ثم الارتياح ثم الفرح. وهو ترتيب حسن, ومما لاريب فيه ان المرء الذي يستشعر نعم الله الذي تحيطه من كل مكان لابد ان يكون راضيا مبتهجا مسرورا, والله جل وعلا خلق البشَر واغدق عليهم بنعمه وسخر لهم مافي السماوات والارض ووسعت رحمته كل شيء فكيف لايكون الانسان مبتهجا راضيا مسرورا, وقد سخر الحق لامتاع الانسان وتوفير مطعمه وماكله وملبسه ومسكنه ومركبه مافي السماوات والارض ويسّر له مايجعل حياته سهلة ممتعة وذلك كله يدعو الى الابتهاج والسرور وشكر المنعم انعامه, وان من الد اعداء القلب والسرور هو ضيق الافق, وعدم ادراك نعم الله وما تفيض به هذه الحياة وتشرق به من الانوار والخير, فنعم الله في هذه الحياة كثيرة, فما اروعها وما

стр. 852

اجملها اذا تعرفت عليها وعلى العالم الذي تعيش فيها من خلال سنن الله فانك ستكون بفضل الله فارحا مسرورا تؤدي حق الله وتسعى في ادخال السرور الى قلوب المؤمنين, فهذا انس بن مالك يقول قال رسول الله ﵌: (من قضى لأحد من أمتي حاجة يريد أن يسره بها فقد سرني ومن سرني فقد سر الله ومن سر الله أدخله الله الجنة) (١) . قال الإمام أحمد: سرور الله تعالى حسن قبوله لطاعة عبده وارتضاؤه إياها. فالابتهاج والسرور الذي تحاول ان تدخله الى قلوب اخوانك وابنائك واهلك وابناء مجتمعك هو عمل يحبه الله وهو عمل يزرع في القلوب المودة والمحبة والاخاء, فاسع الى اكتساب هذا الخير العظيم, واياك والتضجر والتأفف والحزن والغضب واظهار الاكتئاب ومحاولة ادخال الحزن والالم الى قلوب الاخرين واظهار السرور بذلك فان ذلك سيكون سببا في هلاكك, فقد ورد مايدل على ذلك, فلا تغتر بزمن ساعدك, ولا بسلطان رفعك, ولا بكثرة عدتك وعددك, فان الامور تتحول وتتبدل, قال الشاعر: لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ ... فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ ... مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ ... وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ أَينَ المُلوكُ ذَوو التيجانِ مِن يَمَنٍ ... وَأَينَ مِنهُم أَكالِيلٌ وَتيجَانُ وَأَينَ ما شادَهُ شَدّادُ في إِرَمٍ ... وَأينَ ما ساسَه في الفُرسِ ساسانُ

стр. 853

وَأَينَ ما حازَهُ قارونُ من ذَهَبٍ.....وَأَينَ عادٌ وَشدّادٌ وَقَحطانُ أَتى عَلى الكُلِّ أَمرٌ لا مَرَدّ لَهُ ... حَتّى قَضوا فَكَأنّ القَوم ما كانُوا (١) اما الامام علي بن ابي طالب ﵁ فهو يقول: رَأَيتُ الدَهرَ مُختَلِفاً يَدورُ ... فَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورُ وَقَد بَنَتِ المُلوكُ بِهِ قَصوراً ... فَلَم تَبقَ المُلوكُ وَلا القُصورُ من احب الاعمال الى الله ادخال السرور على عباده ان من احب الاعمال الى الله ادخال السرور على قلب المؤمن, فلا تكن عابس الوجه, ولاتسء الى لاخرين فتسء الى نفسك, فمحاوله نفع الناس واكرامهم, وادخال السرور عليهم يرفع من مكانتك ويقربك من ربك, ويجعل الحياة مضيئة تشع بالحب وتفيض بالاخلاق الحسنة, والاعمال الصالحة يشعر فيها الانسان بدفئ الاخوة وحنان الابوة ورحمة القرابة لايحزن ولا يبتئس ولا يقنط, فالليل يعقبه الفجر ونور الصباح, والشدة يعقبها الرخاء, والضعف ينتهي الى القوة, والمرض والالم ينتهي الى الصحة والعافية, فكن واثقا بالله منشرح الصدر مبتهجا مسرورا فرحا بفضل الله ورحمته, قال الشاعر: يُرَاعُ الْفَتَى لِلْخَطْبِ تَبْدُو صُدُورُهُ ... فَيَأْسَى وَفِي عُقْبَاهُ يَأْتِي سُرُورُهُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّيْلَ لَمَّا تَرَاكَمَتْ ... دُجَاهُ بَدَا وَجْهُ الصََّاحِ وَنُورُهُ فَلَا تَصْحَبَنَّ الْيَأْسَ إنْ كُنْتَ عَالِمًا ... لَبِيبًا فَإِنَّ الدَّهْرَ شَتَّى أُمُورُهُ (٢) وقال اخر: وان المساءة للمسرة موعد ... اختان رهن للعشية او غد (٣) اما محمد عثمان جلال فهو يقول: رَأَيت الدَهر في فلكٍ يَدور ... فَلا يُحزنكَ ما فَعلَ الدهور وَإِن تَبع السُرورُ الحزن يَوماً ... فَلا حُزن يَدوم وَلا سُرور وَسُكان القُصور لَهُم قُبور ... وَسُكان القُبور لَهُم قُصور وفي الحديث النبوي ان رجلا جاء الى النبي ﵌ فقال: (أي الناس أحب إلى الله وأي الأعمال أحب إلى الله فقال رسول الله ﵌ أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا) (٤) وفي رواية عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سئل رسول الله ﵌ اي الاعمال افضل قال: ادخالك السرور على مؤمن اشبعت جوعته او كسوت عريه او قضيت له حاجة (٥) . من لازم البهجة والسرور الابتسامة

стр. 854

الحياة تشرق كانها لحظة عمر الانسان فحسب؟ يرى الانسان الفجر وهو يزيح الظلام ويكشف سواده عن الناس فيرى الفجر وهو يعيد للانسان نشاطه وحيويته وطاقته وروحه في عالم الارض من جديد, ويكفي الانسان في هذه اللحظة وهو يرى الناس في بداية حياتهم في يوم جديد وفي يوم عمل ليبتسم فيه في وجه اخيه وفي وجه الحياة, وهل الحياة الا بسمة في زمن الفجر؟ فلماذا اخي لاتبتسم في وجه اخيك وانت تنظر الى هذه الصورة المشرقة المريحة الجميلة لهذه الحياة, وانت تعلم ان رسول الله ﵌ يقول (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) (١) فاعتبر الابتهاج والابتسامة عملا ايجابيا يقتضي رضا الله ومكافأة المتبسم باعتبار تبسمه نوعا من الصدقة, وهل تدري ان ابتسامتك في وجه اخيك فيه ادخال للسرور الى قلبه فهي تعبير عن الرضا والسرور والشعور بالسعادة لرؤية اخيك, وفي ذلك مدعاة للطمأنينة والثقة بالشخص المبتهج المبتسم فهي تزيد من جاذبية الانسان وقدرته على اقناع واستقطاب الاخرين دون عناء, كما ان الابتسامة والابتهاج تعبير عما يفيض من اعماق الانسان من رضا وسعادة وثقة بالنفس, وثقة بما عند الله وحبا واحتراما للاخرين ورغبة في ان يقدم لهم هدية مستمرة من خلال رؤيتهم لوجه متألق تغمره الابتسامة, ويسوده الارتياح, هذه الابتسامة والابتهاج تنعكسان من اعماق الانسان على تفكيره وروحه هدوءاً وسلاماً

стр. 855

وصفاء (١) . وفي الحديث الشريف: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) (٢) قال الشاعر: بشاشة وجه المرء خير من القرى ... فكيف بمن ياتي به وهو ضاحك وقال اخر: أَخو البِشرِ مَحمودٌ عَلى كُلِّ حالَةٍ ... وَلَن يَعدَمَ البَغضاءَ مَن كانَ عابِسا اما ابن رشيق القيرواني فهو يقول: ورب تقطب من غير بغض ... وبغض كامن تحت ابتسام وقال اخر: وَإِني لأَلقى الخَطب وَهوَ معبس ... بِوَجه نَضير ظاهر البشر باسم وقال شاعر اخر: واني لالقى المرء اعلم انه ... عدوي وفي احشائه الضغن كامن فامنحه بشري فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن وفي الحديث النبوي: (إِنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْتَ مُنْطَلِقُ الْوَجْهِ) (٣) اما المتنبي فهو يقول: إِذا نَظَرتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةً ... فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ مُبتَسِمُ وهذا شاعر اخر يقول: قالَ: «السماءُ كئيبةٌ» وتجهَّما ... قلتُ: ابتسمْ يكفي التجهُّمُ في السما

стр. 856

قالَ: الصِّبا ولَّى! فقلتُ لهُ: ابتسمْ....لن يُرجعَ الأسفُ الصبِّا المتصرِّما! قال: الليالي جرَّعتني علقماً ... قلتُ: ابتسمْ، ولئنْ جرعتَ العلقما فلعلِّ غيركَ إن رآك مرنِّماً ... طَرَحَ الكآبة جانباً وترنَّما أتُراك تغنم بالتبرُّمِ درهماً ... أم أنت تخسرُ بالبشاشةِ مغنما؟ (١) ادخال السرور على المسلمين سبب في غفران الذنب ودخول الجنة ان اجمل هدية يقدمها الانسان لاخية الانسان هي ادخال السرور والبهجة الى نفسه بكشف كربة عنه او بذل معونة له او معالجة مريض , او مؤاساة فقير او تعليم جاهل او ارشاد ضال او كفالة يتيم او مساعدة اخيك الانسان على بناء مدرسة او مستشفى او شق طريق او بناء دار او غير ذلك من الامور التي يكفر الله بها الخطيأت, ويرفع بها الدرجات, وتورث المحبة, وتدخل البهجة والسرور الى القلب, فالعاقل لايرضى ان يعيش متسخطا غاضبا لايقدم الى الناس مايسرهم ويسعدهم وينقلهم الى عالم الافراح لبناء حياة طيبة, ففي الحديث النبوي الذي رواه جابر بن عبد الله ﵄ ان رسول الله ﵌ قال (ان من موجبات المغفرة ادخال السرور على اخيك المسلم) (٢) وفي حديث اخر عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: (من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله له ثوابا دون الجنة) (٣) ان الابرار هم الذين يحبون عمل البر ويدخلون السرور على قلوب عباد الله وهم الذين يلقون من الله نضرة وسروراً وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا* عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا* يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٤) . الفرح والسرور بفضل الله ورحمته نعمة ان من النعم العظيمة على الانسان ان يفرح بفضل الله ورحمته واحسانه وكرمه ودينه وشريعته وكتابه وعزة الاسلام ونصر المسلمين وان يظهر البشر والرضا بما وهبه الله من النعم, وان يكون فرحا بفضل الله وبرحمته لعباده واحسانه اليهم واكرامه لهم وهدايته, وفي الذكر الحكيم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥) فالاكتأب والحزن يجلب التشاؤم ويتسبب في شقاء الانسان وتعاسته. وقال العلامة عائض القرني: والذين مدحوا الحزنَ وأشادوا بهِ ونسبُوا إلى الشرعِ الأمر به وتحبيذهُ؛ أخطؤوا في ذلك؛ بلْ ما ورد إلاَّ النهيَّ عنهُ، والأمرُ بضدِّه، من الفرحِ برحمةِ اللهِ تعالى وبفضلهِ، وبما أنزل على رسولِ اللهِ ﵌، والسرورِ بهدايةِ اللهِ،

стр. 857

والانشراحِ بهذا الخيرِ المباركِ الذي نَزَلَ من السماءِ على قلوبِ الأولياءِ. وصحَّ عنه- ﵌ أنه قالَ: ((للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه من أحدكم كان على راحلتِهِ، عليها طعامُهُ وشرابه، فضلَّت منهُ في الصحراء، فبحث عنها حتى أيِسَ، فنام ثم استيقظ فإذا هي عند رأسِه، فقال: اللهمَّ أنت عبدي، وأنا ربُّكَ. أخطأ من شَّدةِ الفرحِ)) . فأكثر من الاستغفارِ، لترى الفرَحَ وراحةَ البالِ، والرزق الحلالِ، والذرية الصالحةَ، والغيثَ الغزيرَ. قالَ إبراهيمُ بن أدهم: نحن في عيْشٍ لوْ علم بهِ الملوكُ لجالدونا عليهِ بالسيوفِ. وقال ابنُ تيمية: إنه ليمرُّ بالقلبِ حالٌ، أقولُ: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ حالِنا إنهم في عيشٍ طيبٍ. وقال أيضاً: إنه ليمرُّ بالقلبِ حالاتٌ يرقصُ طرباً، من الفرحِ بذكرهِ والأنس به. وممَّا يجلُب الفرح والسُّرور: الأسْفارُ والتَّنقُّلُ في الدِّيارِ ورؤيةُ الأمصارِ، وعليك بثلاثة أطباء: الفرحِ والراحةِ والحِمْيةِ وإياك وثلاثة أعداءٍ: التشاؤمِ والوهمِ والقنوطِ. فاجعل الفرح شكراً، والحزن صبراً، والصمت تفكراً، والنظر اعتباراً، والنطقِ ذِكْراً، والحياء طاعةً، والموت أمنيةً (١) .

стр. 858

الفصل الخامس والاربعون علو الهمة

стр. 859

علو الهمة علو الهمة يرفع الانسان الى اعلا مقام وارفع مكان, فبالهمة العالية تستطيع تحصيل العلوم النافعة, وتعمر الدار الواسعة, وتحصل على تجارة رابحة, وتكون عونا لابناء مجتمعك واخوانك على قضاء حوائجهم واصلاح شؤنهم, وبالهمة العالية تؤدى الفرائض والواجبات كما يحب الله ويرضى, وبالهمة العالية تبنى الجامعات والمستشفيات وتشق الطرقات وتزدهر الزراعة وتكثر الخيرات, وتضاعف الحسنات, ويسارع المؤمنون الى عمل الخيرات, فعلو الهمة خلق رفيع, وغاية نبيله تتعشقها النفوس الكريمه, واليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية, كالجد في الامور, والترفع عن الصغائر والدنايا, والطموح الى المعالي, وانما تعلو قيمة المرء وتسمو مكانته بقدر نصيبه من علو الهمة, ذلك ان علو الهمة يستلزم الجد والاباء, ونشدان المعالي, وتطلاب الكمال, والترفع عن الدنايا والصغائر ومحقرات الامور (١) , وقد قال بعض الباحثين: الهمة سلاح القلب للمعالي, وعون الجسد الى ركوب الاهوال, والحادي نحو لذائذ الامال.. وقد هتف بك ابن القيم رحمه الله تعالى قائلا: الهمة كالطائر العالي على الطيور لايرضى بمساقطهم ولاتصل اليه الافات التي تصل اليهم, فان الهمة كلما علت بعدت عن وصول الافات اليها وكلما نزلت قصرتها الآفات من كل مكان فان الافات قواطع وجواذب.. فعلو همة المرء عنوان فلاحه وسفول همته عنوان

стр. 860

حرمانه.. وهتف بك ابن الجوزي حاديا فقال الهمة ماتقف الا لخساستها, والافمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون.. وما قعد من قعد الا لدناءة الهمة وخساستها. واعلم أنك في ميدان سباق والأوقات تنتهب. ولا تخلد إلى كسل. فما فات ما فات إلا بالكسل. ولا نال من نال إلا بالجد والعزم فَكُن رَجُلاً رِجلُهُ في الثَرى ... وَهامَةُ هِمَّتِهِ في الثُرَيّا (١) علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق . ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي ويدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهر في سماع سمر ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن. والإنسان يحشر ومعه تلك الهمة، فيعطى على مقدار ما حصلت في الدنيا، فكما لم تتق إلى الكمال وقنعت بالدون قنعت في الآخرة بمثل ذلك. من علامة كمال العقل علو الهمة! والراضي بالدون دنيء!! (٢) . ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام والهمة في اللغة: ماخوذة من الهم والهم اصل صحيح قال ابن منظور: والهِمَّةُ واحدةُ الهِمَمِ والمُهِمَّاتُ من الأُمور الشدائدُ المُحْرِقةُ (٣) .

стр. 861

وقال ابن القيم في تعريف الهمة: فعلة من الهم وهو مبدأ الإرادة ولكن خصوها بنهاية الإرادة فالهم مبدأها والهمة نهايتها (١) والهمة توصف بالعلو, وتوصف بالدنو. فالهمة العالية هي النية الصادقة, والعزمة الجازمة, والارادة القوية الرفيعة (٢) , اما الهمة الدانية: فهي ضعف النفس عن طلب المراتب العالية وقصور الامل عن بلوغ الغايات. وقيل هي ايثار الدعة, والرضا بالدون, والقعود عن معالي الامور, فاشحذ همتك ولا تكسل, فان العزيمة تأتي على قدر همم الرجال قال الشاعر: عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ... وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ بالهمم العالية تنال المراد فاستعذ بالله من الكسل ان الهمة تولد مع الانسان وانما تقصر بعض الههم في بعض الاوقات او تفتر, فمتى رايت في نفسك عجزا فاسأل المنعم واستعن بالله ولا تهن ولا تحزن, وان اصابك كسل فاستعذ بالله منه فلن تنال خيرا الا بطاعة الله فمن الذي استعان بالله ولم يعنه ومن الذي اعرض عن الله فمضى بفائدة؟ فلا يغرك الشيطان ويشجعك على الكسل والبعد عن العمل, وفي الدعاء المأثور: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ) (٣) وفي الذكر الحكيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ

стр. 862

وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) فاعمل اخي ولاتعجز وتستسلم للاوهام فالسر الكامن وراء كل المتميزين هو الهمم العالية وعدم الاستسلام لوسوسة الشيطان فالحياة افسح من لحظة يكتظ فيها مشاعر الاسى وكتل اليأس وتوهم حب السلامة والبقاء في القعود عن الهمم العالية قال الشاعر: حبُّ السلامةِ يُثْني همَّ صاحِبه ... عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ فإن جنحتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً ... في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ رضَا الذليلِ بخفضِ العيشِ يخفضُه ... والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ (٢) اما صفي الدين الحلي فهو يقول: حُبُّ السَلامَةِ يَثني عَزمَ صاحِبِهِ ... عن المعالي ويغيري المرء بالكسل ويقول عبد الحميد الرافعي مخمسا لقصيدة صفي الدين الحلي (حب السلامة) : ذو الحزم من يتغالى في مآربه ... ولو دهته المنايا في مذاهبه فقل لمن قد توانى عن مطالبه ... حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل لا يدرك المجد إلا من طوى السبلا ... كدا يحاول في الدنيا ثناً وعلا فان لزمت الحشايا فاقصر الاملا ... ودع غمار العلى للمقدمين على ركوبها واقتنع منهن بالبلل

стр. 863

وسر على اسم العلى والنفس واثقة ... بالعز مهماأعاقت عنه عائقة ولا يهجك إلى الأوطان بارقة ... ان العلى حدثتني وهي صادقه فيما تحدث ان العز في النقل ان عظيم الهمة لايشغل باله بامر صغير, ولا يقلب فكره في امر يسير, بل يقوم بجلائل الاعمال, وقد جرت سنة الله في خلقه الا ينهض الى المقاصد الجليلة, ويرمي الى الغايات البعيدة غير النفوس التي عظم حجمها, وكبرت هممها, قال الشاعر: وَمَنْ تَكُنِ العَلْياءُ هِمَّةَ نَفْسِهِ ... فَكُلُّ الَّذِي يَلْقَاهُ فيها مُحَبَّبُ (١) ولما كان مجد الاخرة اعظم المجد كان ابتغاؤه اعظم الغايات وكان هو الهم الاكبر لذوي الهمم العالية ممن يرجو الله والدار الاخرة قال الشاعر: ولِمْ أَنا راض أَن أُرَى وَاطِئَ الثَّرى ... ولي هِمَّةٌ لا ترتضي الأُفْقَ مَقْعَدا (٢) والى هذا المعنى يشير قول النابغة الجعدي: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَا ... وَإِنَّا لَنَبْغِي فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: إلى الْجَنَّةِ. قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣) وقال الامام الشوكاني: (وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهد الطبع عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه

стр. 864

بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم: إذا غامرت في شرف مدوم ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم وقال آخر مشيرا إلى هذا المعنى إذا لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لخالقه مطيعا وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فاتركها جميعا هما شيئان من ملك ونسك ... ينيلان الفتى شرفا رفيعا وقال آخر: فإما مكانا يضرب النجم دونه ... سرادقه أو باكيا لحمام وقد ورد هذا المعنى كثيرا في النظم والنثر وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة وتقبله النفوس العلية (١) الهمة المضيئة والارادة القوية ان كثيرا من الناس تكمن فيه الهمة كمون النار في الزند, فهذه الهمة بحاجة الى من يوريها ويقدح زندها, فمهما حفظ الإنسان من الحكم وكانت رغباته صالحة فلن يكون منتجا الا اذا شحذ همته وقويت ارادته, وانتهز فرصته, فلاتصغرن همتهك, فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ انه قال: "لاتصغرن همتكم, فاني لم ار اقعد عن المكرمات من صغر الهمم" (٢) وقال الامام مالك ﵀: "عليك بمعالي الامور وكرائمها واتق رذائلها وما سف منها فان الله تعالى يحب معالي الامور ويكره سفاسفها" وقال بعض الحكماء: "الهمة راية الجد" وقال بعض البلغاء: "علو الهمم بذر النعم" (٣) وقال الامام علي ﵁: إِذا أَظمَأتَكَ أَكُفُّ الرِجالِ ... كَفَتكَ القَناعَةُ شبعاً وَريّا فَكُن رَجُلاً رِجلُهُ في الثَرى ... وَهامَةُ هِمَّتِهِ في الثُرَيّا وقال اخر: إِنَّ لي هِمَّةً أَشَدَّ مِنَ الصَخ ... رِ وَأَقوى مِن راسِياتِ الجِبالِ (٤) وقال احمد شوقي: "الطير يطير بجناحيه, والمرء يطير بهمته", وقال ابن القيم ﵀: "انما تفاوت القوم بالهمم لابالصور" (٥) فمن علت همته, وخشعت نفسه, اتصل بكل جميل, ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل (٦) وقال الفت عجز العدة؛ فلو علت بك همتك ربا

стр. 865

المعالي راحت لك انوار العزائم (١) وقال الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب (٢) وفي امثال العرب: "الارادة سر النجاح, وقدر الرجل على قدر همته, والهمة تلقح الجد العقيم" وقيل "الهمة جناح الحظ" (٣) وقيل "من جد وجد" وللهمم العالية اسباب تبعثها وتعين على اسبابها وتحركها, منها حب الله والايمان به وابتغاء ثوابه ومحبته ومحبه عباده, ومحبة العمل واتقانه, فاذا استيقضت القلوب نشطت الاعضاء للاعمال الصالحة وتسابقت النفوس الى اكتساب الفضائل والمحامد, فالنفوس الشريفة لاترضى من الاشياء الا باعلاها وافضلها, واحمدها عاقبة, فهي لاترضى الهمم الدنيئه والاعمال الرذيلة فهي تتوق الى ما ينفعها وتحرص على ما يرفعها, قال ابو فراس الحمداني: إِنّي أَبيتُ قَليلَ النَومِ أَرَّقَني ... قَلبٌ تَصارَعَ فيهِ الهَمُّ وَالهِمَمُ وَعَزمَةٌ لايَنامُ اللَيلَ صاحِبُها ... إِلّا عَلى ظَفَرٍ في طَيِّهِ كَرَمُ وقال اخر: الجد في الجد والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل (٤)

стр. 866

قال ابن منظور العزم هو: الجِدُّ, عَزَمَ على الأَمر يَعْزِمُ عَزْماً, وقال الليث العَزْمُ ما عَقَد عليه قَلْبُك من أَمْرٍ أَنَّكَ فاعِلُه, وهَمَّ بالشيءَ يهمُّ هَمّاً نواه وأَرادَه وعزَم عليه (١) . قال الشاعر: اذا هم لم تردع عزيمة همه ... ولم يات ما يأتي من الأمر هائبا اذا هم القى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا (٢) وقال الخر: إِذا هَمَّ هَمّاً لَم يَر اللَيلَ غُمَّةً ... عَلَيهِ وَلَم تَصعُب عَلَيهِ المَراكِبُ (٣) اسباب كسب الهمم العالية ان الايمان بالله اعظم باعث للهمة فهو من اقوى الاسباب على بعث الهمم على الاقدام والحزم والجد والتشمير, فهو يقوي الادراك, ويشحذ القريحة, فكلما قوي ايمان الإنسان علت همته, وكلما ضعف ايمانه ضعفت ارادته ووهنت همته في السعي الى المعالي, واستولى عليه الهم والحزن, فراحة القلب وسروره وزوال همومه وغمومه مما يبعث على السرور والابتهاج, ويحفز الهمم على العمل والانتاج, والاعراض عن الهموم وتسليم الأمر للحي القيوم, قال الشاعر: كن عن همومك معرضا ... وكل الأمور إلى القضا

стр. 867

وابشر بخير عاجل..... تنسى به ما قد مضى فلرب أمر مسخط ... لك في عواقبه رضا ولربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا الله يفعل ما يشاء ... فلا تكن متعرضا الله عودك الجميل ... فقس على ما قد مضى (١) اما الامام الشافعي فهو يقول: سَهِرَت أَعيِنٌ وَنامَت عُيونُ ... في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ فَاِدرَأِ الهَمَّ ما اِستَطَعتَ عَن النَف ... سِ فَحِملانُكَ الهُمومَ جُنونُ إِنَّ رَبّاً كَفاكَ بِالأَمسِ ماكا ... نَ سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ وقال اخر: قل لمن يحمل هما ... ان هما لايدوم مثلما تفنى المسرة ... هكذا تفنى الهموم قراءة القرآن تبعث الهمم العالية ومن اعظم الاسباب على بعث الهمم هو قراءة القرآن والتدبر لما فيه من القصص والاحكام, فبه حياة النفوس وهداية القلوب وشحذ العزائم والهمم, قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)

стр. 868

دعاء الله والاستعانة به تبعث الهمم ومن اعظم الاسباب التي تقوي العزائم والهمم, وتدفع الهم والحزن, الدعاء والاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه فان ذلك يذهب الهم ويشرح الصدر ويقوي العزيمة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال: (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا) قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ (بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) (١) . الارادة القوية تبعث الهمم العالية ومن اسباب بعث الهمم الارادة القوية فهي من اعظم ما يبعث على الهمم ومن الدوافع الجوهرية التي تضيف الى مشاعر الإنسان قوة معنوية والانسان بلا ارادة قوية انهزامي مستسلم, يسلم قيادته للاخرين دون ان يشعر بحقيقة امره, فالاشخاص بارادتهم وتصميمهم وايمانهم تعلو هممهم وترتفع اقدارهم, فيحسن بي وبك ان يكون لنا ارادة واقداما على فعل الخير, فالارادة قوة دافعة تجعل صاحبها كبير الثقة بنفسه عظيم الهمة في

стр. 869

علمه وعمله, فلا شيء يستحيل تحقيقه مع العزم والارادة, وتحمل المسؤلية بشجاعة وعدم الخوف الذي يبعث على التردد والحيرة والهم والحزن, فمن راقب الناس مات هما ومن راقب الناس لم يظفر بحاجته, فانت بحاجة الى اردة وهمة عاليه لتنجز دراستك وعملك ومسؤلياتك, فالانكماش والتردد يثبط الهمم ويضعف العزائم. التوازن في الغذاء يساعد على بعث الهمم الغذاء له اثر على نشاط الإنسان وبعث الهمة فيه على القيام بواجباته, ومن اهم البواعث على الهمم التوازن في المأكل والمشرب, فالغذاء له تاثير على صحتك فحافظ على توازن الغذاء في جسدك كي تكون نشيطا تتمتع بصحة جيدة وهمة عالية لا يعتري قلبك هم او حزن يبعدك ويفتر همتك, الا ترى ان النبي صلى الله عليه واله وسلم: (يَقُولُ التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ) (١) والحق سبحانه وتعال يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) . الهمم العالية لاتعيقها الاحداث ان اصحاب الهمم العلية لاتعيقهم احداث الماضي ولو كانت كبيرة, ولا تثنيهم العراقيل ولو كانت كثيرة, فابدأ صفحة جديدة من حياتك بهمة عالية, ففي عالم الإنسان روح مفقودة, واسرار مخفية, وحين يكتب الله لك

стр. 870

النجاح ستنجح فكن ذا همهة عالية, وتوقع الافضل من فضل الله, فان اكثر مايقتل الناس وهم احياء ويؤخرهم وهم قادرون على التقدم ضعف هممهم والهموم التي تجثم على قلوبهم, وما ينزل احيانا من المصائب والعثرات التي يجب ان تكون حافزا لهم على النهوض من كبوتهم والخروج من عثرتهم, فالعثرات في حياة الرجال هي شرارة النجاح وهل يتصور انسان يتعثر قاعدا او يسقط نائما؟ كلا ان الإنسان حينما يتعثر ينهض او يستيقض من سباته فتلك لحظة الامتحان التي يجب ان يشخذ الإنسان فيها همته, ويعيد حسابه, ويجدد حياته, ويخطو الى المجد ويتطلع للمعالي وينهض من الكبوة بهمة وعزيمة وارادة مستعينا بالله, فالنصر مع الصبر, والفرج مع الكرب, فلا اظن ان هناك من ناجج على وجه الارض تجده وقد تنزلت عليه هبة السماء وهو راقد لم ينهض بعد من فراشه الا اذا كان قد اخذ بالاسباب, فاشحذ همتك وشمر عن ساعد الجد فانك ان وجدت من يزعم ان الحظ ساعده من غير همة ولاجد ولا سعي ولا اخذ بالاسباب فلا تقتد به لان ذلك خلاف السنة الربانية, فقد بلغك ان الكون كله مبني على سنن الآهية لاتتغير البته ياتي في مقدمة هذه السنن قول العزيز الحكيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) فهل بقي معنى ابلغ من تلك الآية دليلا على ماقلت لك, ان الهمة والسعي بجد وعزيمة شرط للوصول الى لااهداف فلا تكسل.

стр. 871

الغريزة تبعث الهمم ان الغرائز الطبيعية التي اودعها الله في كيان الإنسان هي من الدوافع القوية التي تبعث على الهمة العالية, فالغريزة عنصر جوهري في الكائن البشري, فكل غريزة من الغرائز تؤدي دورا هاما في حياة الإنسان باعتبار ان وجودها يمثل جزأ من وجوده يبعث في الهمة على اداء دوره في الارض في الاعمار والتكاثر والبناء في مختلف مجالات الحياة, فان الله جلت قدرته خلق الإنسان وخلق له سلسلة متكاملة من المتع التي يحبها ويسعى اليها, فحب البقاء والاستمتاع بنعم الحياة غريزة تجعل منه إنساناً يحب العمل ويجد في تنمية قدراته العلمية والعملية, فهو يسعى بهمة عالية ليوفر لنفسه واسرته دخلاً مناسبا للعيش بصورة عزيزة وكريمة, وحب المال غريزة تبعث الهمة الى اكتساب المال ليحقق الاكتفاء ولينفق على غيره باعتبار ان اليد العليى خير من اليد السفلى, والذي يعطي افضل من الذي ياخذ, وكذلك حب القوة وحب السيطرة غريزة موجودة تبعث في الإنسان الهمة على التضحية والسعي نحو الامور التي تجعل الإنسان يسهم بفاعلية في المجالات الاقتصادة والاجتماعية والثقافية والدينية مما يجعل الامم تنهض بهممها وترقى وتتألق كقوى اقتصادية او صناعية او علمية, وترقى بقدراتها وتنهض بشعوبها, وبالهمم العالية يشعل فتيل التنافس الذي يحقق التقدم العلمي والحضاري للعالم اجمع, قال الشافعي: أَمطِري لُؤلُؤاً جِبالَ سَرَندي ... بَ وَفيضي آبارُ تَكرورَ تِبرا

стр. 872

أَنا إِن عِشتُ لَستُ أَعدَمُ قوتاً.....وَإِذا مُتُّ لَستُ أَعدَمُ قَبرا هِمَّتي هِمَّةُ المُلوكِ وَنَفسي ... نَفسُ حُرٍّ تَرى المَذَلَّةَ كُفرا وقد كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم مثلا يحتذى ونهجا يكتفا في كرم نفسه وشرف همته فهو اعلى البشرية همة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى اجل من الدهر فالشريعة الاسلامية تحث على علو الهمة بل ان الحق توعد هذه الأمة ان هي اخلت بامانتها وعزفت هممها عن اداء واجبها بقوله جلت قدرته: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١)

стр. 873

الفصل السادس والاربعون الوقت الوقت الوقت نعمة عظيمة, ومنة كبيرة, فمن حافظ على وقته فقد احتاط في امره وحافظ على نفسه, ومن اضاع وقته فقد اضاع ايامه وخسر زمانه, ولم يتعظ في نفسه. والوقت: اللحظات التي يعيشها المرء, ويمكث فيها على ظهر الارض. والوقت هو الحياة, وهواغلا من الذهب. اما الزمن فهو عمر الحياة, وميدان وجود الانسان, وساحة ظله وبقائه, ونفعه وانتفاعه. والوقت اثمن مايملكه الانسان, وفي الامثال السائرة: "الوقت من ذهب" والوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك, وللوقت خاصيتان الاولى: انه يجري جري الرياح ويمر مر السحاب فهو سريع الانقضاء. والثانية: ان الوقت لا يستطيع احد من الناس استعادته وبالتالي لايمكن تعويضه, ولهذا قيل: "الايام خمسة: يوم مفقود, ويوم مشهود, ويوم مورود, ويوم موعود, ويوم ممدود" (١) فاللبيب من انتفع بوقته, وذكر نعمة ربه, واستغفر من ذنبه, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) وفي سورة الروم يقول الحي القيوم: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٣) وفي سورة الاحزاب يامرنا العزيز الوهاب بذكره وتسبيحه في البكرة والاصيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ

стр. 874

ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (١) وفي سورة التكوير يقسم بالوقت العزيزُ القديرُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (٢) فلا تنس انبلاج الصبح وظهور الفجر وصلاة الفجر لتكسب الاجر قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ* هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٣) فاعبد ربك اخي وكن من الذاكرين, ولاتكن من الغافلين, وتدبر قول العزيز الحكيم: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٤) واعلم اخي ان خير عملك مااستصلحت به يومك واشره ما استفسدت به قومك, وقديما قيل: "ايام الدهر ثلاثة: يوم مضى لايعود اليك, ويوم انت فيه لايدوم عليك, ويوم مستقبل لاتدري من اهله, ولاتعرف ما حاله" فتعرّ عن امسك الماضي, وتزود من يومك الفاني لغدك الآتي. كل يوم يسوق الى غده, وكل انسان ماخوذ بجناية لسانه ويده, فالوقت يمضي على من دخل فيه, ويمر على من اشتغل عنه, فلاتضيعه تضع, قال الشاعر: والوقت انفس ماعنيت بحفظه ... وأراه أسهل ماعليك يضيع اما شوقي فهو يقول: المَجدُ وَالشَرَفُ الرَفيعُ صَحيفَةٌ ... جُعِلَت لَها الأَخلاقُ كَالعُنوانِ

стр. 875

وَأَحَبُّ مِن طولِ الحَياةِ بِذِلَّةٍ.....قِصَرٌ يُريكَ تَقاصُرَ الأَقرانِ دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها ... فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني وقال اخر: واصبر على نعم الحياة وبؤسها ... نعم الحياة وبؤسها سيان وناد مولاك عند البكور والاصباح, اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحا واوسطه فلاحا واخره نجاحا , ففي الحديث: (ليس من يوم إلا وهو ينادي: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، أنا فيما تعمل في عليك شهيد، فاعمل في خيرا أشهد لك به، فإني لو مضيت لم ترني؛ ويقول الليل مثل ذلك) (١) وفي حديث اخر: (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك) (٢) . ادارة الوقت سبيل للنجاح إدارة الوقت بحكمة منة ونعمة فهي سبيل للنجاح, وطريق للعزة والفلاح, فالوقت في مفهومه المجرد شيء ثمين يتحكم في جميع أعماك فقسمه بين العمل والراحة وبين النوم والصحوة, فاجعل من ليلك وقتا لراحة بدنك, ومداعبة اهلك, وتعليم ولدك, وتقييم عملك, وعبادة ربك, واجعل منه سويعات لنومك, وسكون جسمك وقلبك, وفي الذكر الحكيم:

стр. 876

﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (١) فادارة الوقت تعني تنظيمه وضبطه واستغلاله فيما يعود عليك نفعه فاجعل من النهار ما يحقق امالك, ويتسع لاعمالك, وابدأه بذكر الله وحمده والاستعانة به واداء ماافترض الله عليك فيه من العبادة, والجد في العمل لتشعر بالسعادة, فاذا استثمرت نهارك باصلاح معاشك واداء امانتك في وظيفتك ومزرعتك ومدرستك ومصنعك ومتجرك عاد ذلك عليك وعلى مجتمعك واهلك بالخير العميم, فلا تكن من الغافلين وفي الذكر الحكيم يقول العزيز الحكيم: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (٢) فأيامك معارة فلاتضيعها قال الشاعر: لَعَمرُكَ ما الأَيامُ إِلّا مُعارَةٌ ... فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها فَتَزَوَّدِ (٣) اما ابوالعلاء المعري فهو يقول: ثلاثةُ أيّامٍ هيَ الدّهرُ كلّه ... وما هُنّ غيرَ الأمسِ واليومِ والغَدِ (٤) وقال الشريف الرضي: يَغُرُّ الفَتى ما طالَ مِن حَبلِ عُمرِهِ ... وَتُرخي المَنايا بُرهَةً ثُمَّ تَجذِبُ وقال اخر:

стр. 877

يغر الفتى مر الليالي سليمة ... وهن به عما قليل عواثرُ اما ابوالطيب المتنبي فهو يقول: صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا ... وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنهُ ... وَإِن سَرَّ بَعضُهُم أَحيانا رُبَّما تُحسِنُ الصَنيعَ لَياليهِ ... وَلَكِن تُكَدِّرُ الإِحسانا وَكَأَنّا لَم يَرضَ فينا بِرَيبِ ال ... دَهرِ حَتّى أَعانَهُ مَن أَعانا كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً ... رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن ... نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانى غَيرَ أَنَّ الفَتى يُلاقي المَنايا ... كالِحاتٍ وَلا يُلاقي الهَوانا وَلَوَ أَنَّ الحَياةَ تَبقى لِحَيٍّ ... لَعَدَدنا أَضَلَّنا الشُجعانا وَإِذا لَم يَكُن مِنَ المَوتِ بُدٌّ ... فَمِنَ العَجزِ أَن تَكونَ جَبانا كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَعبِ في الأَن ... فُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا ومفهوم الوقت في الإدارة الحديثة يتمثل في توفير واستغلال وقت العمل الرسمي للتركيز على النشاطات التي تجعل من المدير قائدا فعالا ومن المسئولين الآخرين من موظفين وعمال أشخاصا منجزين للأعمال المطلوبة منهم بكفاءة وإنتاجية عالية وإخلاص وأمانة لكي تعم فائدة عملهم وتنفع المجتمع كله, فلا تترك عمل اليوم الى الغد فانك لاتدري اتدركه ام لا, فجد واجتهد فربما جاء الغد بما لاتحب قال الامام علي بن ابي طالب ﵁:

стр. 878

عَجَباً لِلزَمانِ في حالَتَيهِ ... وَبلاءٌ ذَهَبتُ مِنهُ إِلَيهِ رُبَّ يَومٍ بَكَيتُ مِنهُ فَلَّما ... صُرتُ في غَيرِهِ بَكَيتُ عَلَيهِ الوقت هو الحياة، وإذا ذهب لا يمكن تعويضه، لذا لا بد من التخطيط الناجح للاستفادة المثلى من الوقت, فإدارة الوقت تعتبر من العمليات الإدارية التي لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في مجال التحليل والتخطيط. اما العلامة محمد بن محمد المنصور فهو ينصح أولاده فيقول: بني فلا تضيعوا اي وقت ... فإن الوقت انفس كل غالي فإن لم تكسبوا فيه فعفوا ... عن الشر المزين في الخيال وحسبكم الاضاعة لا تضيفوا ... اليها السوء وامتثلوا مثالي اسباب ضياع الوقت ان التحسر على الماضي والبكاء عليه قد يشغل عن الحاضر فيكون سببا لضياع الوقت, فلا تلتفت الى الماضي فالوقت الذي مضى لا يعود, والفائت لايستدرك, وفي الامثال السائرة: "ذهب امس بما فيه, ومن يقدر على رد امس وتطيين عين الشمس" (١) وقيل ايضا: "ما ابعد مافات, وما اقرب ماهو آت" وقد قيل ان لصوص الوقت الذين يمنعون الإنسان من استغلال وقته على الوجه الأكمل هم:- ١. التردد: ويؤدي التردد في إصدار القرار اللازم خوفا من الفشل في النهاية إلى إضاعة الجهد والوقت. ٢. ٣.

стр. 879

٤. التوتر. ٥. عدم تنظيم البيئة الإدارية. ٦. عدم الاهتمام باجتماعات اللجان في اوقاتها مما يؤدي إلى إضاعة الوقت. ٧. التشاؤم والتباطؤ. واذا كان لا يوجد وقت كافي لعمل كل شئ، فتقبل هذه الحقيقة ببساطه. لذا من الضروري التركيز على الأشياء الأكثر أهمية. وإذا فعلت ذلك فى كل من عملك وحياتك الشخصية، فإنك ستنجز أكثر ما تريد بحسن إدارة الوقت. فصفِّ ذهنك. واهدأ. وركز على مهمتك. تجاهل أي شئ آخر. فالتوتر الزائد يجعل مهمتك تبدو أصعب مما هى عليه. يمكنك التحكم فى صفائك الذهنى بحيث لا تجعل الضغوط الخارجية تؤثر عليك. تفهم جيداً ما يجب عليك فعله وقم به فى هدوء وراحة وثقة. وحاول أن تنشد الكمال وتسعى اليه واعلم ان إتقان فنِّ إدارة الوقت يتطلب الجدَّ والمثابرة والصبر على الطلب واحرص على اغتنام العمر في سبيل العلم وتحصيله. ويرحم الله الشافعي حيث يقول: سَهَري لِتَنقيحِ العُلومِ أَلَذُّ لي ... مِن وَصلِ غانِيَةٍ وَطيبِ عِناقِ وَصَريرُ أَقلامي عَلى صَفَحاتِها ... أَحلى مِنَ الدَوكاءِ وَالعُشّاقِ وَأَلَذُّ مِن نَقرِ الفَتاةِ لِدَفِّها ... نَقري لِأُلقي الرَملَ عَن أَوراقي

стр. 880

وَتَمايُلي طَرَباً لِحَلِّ عَويصَةٍ....في الدَرسِ أَشهى مِن مُدامَةِ ساقِ وَأَبيتُ سَهرانَ الدُجى وَتَبِيتُهُ ... نَوماً وَتَبغي بَعدَ ذاكَ لِحاقي فأغلب المسلمين اليوم يسيئون إدارة أوقاتهم، بالرغم من نظرة الإسلام إلى الوقت وإعطائه أهمية كبيرة، فتضييع الشاب العاطل عن العمل لعمره ووقته وهو ينتظر فرصة العمل التي تتناسب مع المواصفات التي يضعها ومع مؤهله العلمي الذي حصل عليه خسارة كبيرة, فمن الاخطاء الشائعة في كثير من البلدان ان لا يرتبط العلم بالتنمية وان لا يتم التخطيط مسبقا بحيث لايتخرج الدارس في اي مجال علمي الا وهناك فرصة عمل تنتظره كي لاتضيع اوقات العلماء والمتخصصين في شتا المجالات وتهدر اوقاتهم, فضياع اوقات العلماء والمتعلمين حسرة على الشعوب وضياع انفس ما يكون مفيدا واغلب مايكون سديدا. وقد كان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم انا نسالك صلاح الساعات والبركة في الاوقات". وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: "ان الليل والنهار يعملان فيك, فاعمل فيهما". وقال عبد الله بن مسعود: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه نقص فيه اجلي ولم يزدد فيه عملي". وقال الحسن البصري ﵀: "ياابن ادم, انما انت ايام, فاذا ذهب يوم ذهب بعضك". وقال: "ادركت اقواما ما كانوا على اوقاتهم اشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم". (١) ولله در القائل:
следующие страницы →