← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (١) فادارة الوقت تعني تنظيمه وضبطه واستغلاله فيما يعود عليك نفعه فاجعل من النهار ما يحقق امالك, ويتسع لاعمالك, وابدأه بذكر الله وحمده والاستعانة به واداء ماافترض الله عليك فيه من العبادة, والجد في العمل لتشعر بالسعادة, فاذا استثمرت نهارك باصلاح معاشك واداء امانتك في وظيفتك ومزرعتك ومدرستك ومصنعك ومتجرك عاد ذلك عليك وعلى مجتمعك واهلك بالخير العميم, فلا تكن من الغافلين وفي الذكر الحكيم يقول العزيز الحكيم: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (٢) فأيامك معارة فلاتضيعها قال الشاعر: لَعَمرُكَ ما الأَيامُ إِلّا مُعارَةٌ ... فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها فَتَزَوَّدِ (٣) اما ابوالعلاء المعري فهو يقول: ثلاثةُ أيّامٍ هيَ الدّهرُ كلّه ... وما هُنّ غيرَ الأمسِ واليومِ والغَدِ (٤) وقال الشريف الرضي: يَغُرُّ الفَتى ما طالَ مِن حَبلِ عُمرِهِ ... وَتُرخي المَنايا بُرهَةً ثُمَّ تَجذِبُ وقال اخر:

стр. 877

يغر الفتى مر الليالي سليمة ... وهن به عما قليل عواثرُ اما ابوالطيب المتنبي فهو يقول: صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا ... وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنهُ ... وَإِن سَرَّ بَعضُهُم أَحيانا رُبَّما تُحسِنُ الصَنيعَ لَياليهِ ... وَلَكِن تُكَدِّرُ الإِحسانا وَكَأَنّا لَم يَرضَ فينا بِرَيبِ ال ... دَهرِ حَتّى أَعانَهُ مَن أَعانا كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً ... رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن ... نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانى غَيرَ أَنَّ الفَتى يُلاقي المَنايا ... كالِحاتٍ وَلا يُلاقي الهَوانا وَلَوَ أَنَّ الحَياةَ تَبقى لِحَيٍّ ... لَعَدَدنا أَضَلَّنا الشُجعانا وَإِذا لَم يَكُن مِنَ المَوتِ بُدٌّ ... فَمِنَ العَجزِ أَن تَكونَ جَبانا كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَعبِ في الأَن ... فُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا ومفهوم الوقت في الإدارة الحديثة يتمثل في توفير واستغلال وقت العمل الرسمي للتركيز على النشاطات التي تجعل من المدير قائدا فعالا ومن المسئولين الآخرين من موظفين وعمال أشخاصا منجزين للأعمال المطلوبة منهم بكفاءة وإنتاجية عالية وإخلاص وأمانة لكي تعم فائدة عملهم وتنفع المجتمع كله, فلا تترك عمل اليوم الى الغد فانك لاتدري اتدركه ام لا, فجد واجتهد فربما جاء الغد بما لاتحب قال الامام علي بن ابي طالب ﵁:

стр. 878

عَجَباً لِلزَمانِ في حالَتَيهِ ... وَبلاءٌ ذَهَبتُ مِنهُ إِلَيهِ رُبَّ يَومٍ بَكَيتُ مِنهُ فَلَّما ... صُرتُ في غَيرِهِ بَكَيتُ عَلَيهِ الوقت هو الحياة، وإذا ذهب لا يمكن تعويضه، لذا لا بد من التخطيط الناجح للاستفادة المثلى من الوقت, فإدارة الوقت تعتبر من العمليات الإدارية التي لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في مجال التحليل والتخطيط. اما العلامة محمد بن محمد المنصور فهو ينصح أولاده فيقول: بني فلا تضيعوا اي وقت ... فإن الوقت انفس كل غالي فإن لم تكسبوا فيه فعفوا ... عن الشر المزين في الخيال وحسبكم الاضاعة لا تضيفوا ... اليها السوء وامتثلوا مثالي اسباب ضياع الوقت ان التحسر على الماضي والبكاء عليه قد يشغل عن الحاضر فيكون سببا لضياع الوقت, فلا تلتفت الى الماضي فالوقت الذي مضى لا يعود, والفائت لايستدرك, وفي الامثال السائرة: "ذهب امس بما فيه, ومن يقدر على رد امس وتطيين عين الشمس" (١) وقيل ايضا: "ما ابعد مافات, وما اقرب ماهو آت" وقد قيل ان لصوص الوقت الذين يمنعون الإنسان من استغلال وقته على الوجه الأكمل هم:- ١. التردد: ويؤدي التردد في إصدار القرار اللازم خوفا من الفشل في النهاية إلى إضاعة الجهد والوقت. ٢. ٣.

стр. 879

٤. التوتر. ٥. عدم تنظيم البيئة الإدارية. ٦. عدم الاهتمام باجتماعات اللجان في اوقاتها مما يؤدي إلى إضاعة الوقت. ٧. التشاؤم والتباطؤ. واذا كان لا يوجد وقت كافي لعمل كل شئ، فتقبل هذه الحقيقة ببساطه. لذا من الضروري التركيز على الأشياء الأكثر أهمية. وإذا فعلت ذلك فى كل من عملك وحياتك الشخصية، فإنك ستنجز أكثر ما تريد بحسن إدارة الوقت. فصفِّ ذهنك. واهدأ. وركز على مهمتك. تجاهل أي شئ آخر. فالتوتر الزائد يجعل مهمتك تبدو أصعب مما هى عليه. يمكنك التحكم فى صفائك الذهنى بحيث لا تجعل الضغوط الخارجية تؤثر عليك. تفهم جيداً ما يجب عليك فعله وقم به فى هدوء وراحة وثقة. وحاول أن تنشد الكمال وتسعى اليه واعلم ان إتقان فنِّ إدارة الوقت يتطلب الجدَّ والمثابرة والصبر على الطلب واحرص على اغتنام العمر في سبيل العلم وتحصيله. ويرحم الله الشافعي حيث يقول: سَهَري لِتَنقيحِ العُلومِ أَلَذُّ لي ... مِن وَصلِ غانِيَةٍ وَطيبِ عِناقِ وَصَريرُ أَقلامي عَلى صَفَحاتِها ... أَحلى مِنَ الدَوكاءِ وَالعُشّاقِ وَأَلَذُّ مِن نَقرِ الفَتاةِ لِدَفِّها ... نَقري لِأُلقي الرَملَ عَن أَوراقي

стр. 880

وَتَمايُلي طَرَباً لِحَلِّ عَويصَةٍ....في الدَرسِ أَشهى مِن مُدامَةِ ساقِ وَأَبيتُ سَهرانَ الدُجى وَتَبِيتُهُ ... نَوماً وَتَبغي بَعدَ ذاكَ لِحاقي فأغلب المسلمين اليوم يسيئون إدارة أوقاتهم، بالرغم من نظرة الإسلام إلى الوقت وإعطائه أهمية كبيرة، فتضييع الشاب العاطل عن العمل لعمره ووقته وهو ينتظر فرصة العمل التي تتناسب مع المواصفات التي يضعها ومع مؤهله العلمي الذي حصل عليه خسارة كبيرة, فمن الاخطاء الشائعة في كثير من البلدان ان لا يرتبط العلم بالتنمية وان لا يتم التخطيط مسبقا بحيث لايتخرج الدارس في اي مجال علمي الا وهناك فرصة عمل تنتظره كي لاتضيع اوقات العلماء والمتخصصين في شتا المجالات وتهدر اوقاتهم, فضياع اوقات العلماء والمتعلمين حسرة على الشعوب وضياع انفس ما يكون مفيدا واغلب مايكون سديدا. وقد كان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم انا نسالك صلاح الساعات والبركة في الاوقات". وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: "ان الليل والنهار يعملان فيك, فاعمل فيهما". وقال عبد الله بن مسعود: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه نقص فيه اجلي ولم يزدد فيه عملي". وقال الحسن البصري ﵀: "ياابن ادم, انما انت ايام, فاذا ذهب يوم ذهب بعضك". وقال: "ادركت اقواما ما كانوا على اوقاتهم اشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم". (١) ولله در القائل:

стр. 881

إِنَّما دُنياكَ يَومٌ واحِدٌ ... فَإِذا يَومُكَ وَلّى لَم يَعُد وقال ابن طباطبا العلوي: دُنياكَ يَومك دونَ امسك فَاعتبر ... ما السالف المَفقود مِثل الغابر وقال اخر: لاعيش الا ماتقر به عين ... ولاحال الا سوف تنتقل اما العلامة محمد بن محمد المنصور فهو يقول عن ماهية الزمن: ملايين السنين متى تولت ... كيوم واحد ليست بأكثر متى كان الذي فيها كما كا ... ن فيه من مباني الخير والشر وان خليت وجاء اليوم يطوي ... صوالح او طوالح فهي اقصر ولا تعجب لحلم الله عمن ... طغى الامد الطويل ومن تجبر الست مُمَّهلا زمنا طويلا ... ولم تشعر كانك لست مشعر ولست بمهمل فأفق وابصر ... فقد آنَ الأَوَانُ لِأَنْ تَبصَّرْ تمتع بنعمة وقتك ان الله قد جعل لك وقتا واياما تعيشها فانظر الى تقلب الزمان واشكر الرحمن, ترى ربيع الايام تزهر, وخريفها بالخير يزخر, وشتاؤها بالثلوج تمخر, وصيفها بالمزن يقطر, نعم لاتحصى وفضل لاينسى فاشكر الله ﵎, قال الشاعر: أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً ... مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّما وَقَد نَبَّهَ النَوروزُ في غَلَسِ الدُجى ... أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُوَّما

стр. 882

يُفَتِّقُها بَردُ النَدى فَكَأَنَّهُ.....يَبُثُّ حَديثاً كانَ أَمسِ مُكَتَّما وَمِن شَجَرٍ رَدَّ الرَبيعُ لِباسَهُ ... عَلَيهِ كَما نَشَّرتَ وَشياً مُنَمنَما (١) فتمتع بفصل الربيع وازهاره وبجميل الورد في نيسانه واذاره, واسبح في بحوره وانهاره, واكثر من ذكر الله في غدو الوقت واصاله, فعسى يهزك الربيع وينعشك بريحانه وازهاره فتغتنم الوقت في عمل الصالحات, فان الربيع يهز النفوس ويذهب البؤس ويبعد عنك التشاؤم والنحوس وهذا الخبز ارزي يقول قدم الرَّبيع فحطَّ في آذارِ ... بعساكرٍ للزهر والأنوارِ فتناثرت لقدومها بتفصحٍ ... بعد العجومةِ ألسُن الأطيارِ وكأنَّ إقبالَ الزمان من الشتا ... إقبالُ مسحور من الأسحار خلعَ الربيعُ على الرياض وألبَسَت ... خِلَع الربيعِ مُشَهَّرَ الأقطارِ فاذا جاء الخريف تضاعف خيره وضحك طيره وطاب صباحه وبرد نسيمه قال الشاعر: طاب شرب الصبوح في ايلول ... برج الظل في الضحى والاصيل وخبت جمرة الهواجر عنا ... واسترحنا من النهار الطويل وخرجنا من السموم الى برد ... نسيم وطيب ظل ظليل فكأنا نزداد قربا من الجنة ... في كل شارق وأصيل ووجوه البقاع تنتظر الغيث ... انتظار المحب رد الرسول (٢) وقال اخر:

стр. 883

ولا زلت في عيشة كالخريف ... فان الخريف جميعا سحر فاذا جاء الشتاء فتمتع بنعمة الكساء والحذاء والغذاء, واحرص على العمل فيه فقد جاء وقته وزمانه, فاجعل منه للعمل دليله وعنوانه, فالبرد اذا جر ذيوله وجاء بجنده وخيوله فتمتع بنعمة الكساء, والدفاء, واجعل لكل وقت من العمل مايناسبه, واعلم ان اسباغ الوضوء على المكاره, والسعي الى المساجد, والمدارس, والجامعات, والمؤسسات, والمزارع لضرورة العمل والعبادة في البرد القارس مما يضاعف الله به الحسنات في تلك الاوقات فلا تكسل, وقد جعل الله لك وسائل للتدفئة, وجعل سرابيل تقيك البرد والحر, وانعم عليك بنعم لاتحصى فاشكر الله على ذلك ولاتعرض نفسك للمهالك, قال احمد شوقي ﵀: وَاِتَّقِ البَردَ فَكَم خَلقٍ قَتَل ... مَن تَوَقّاهُ اِتَّقى نِصفَ العِلَل اِتَّخِذ سُكناكَ في تَلقِ الجَواء ... بَينَ شَمسٍ وَنَباتٍ وَهَواء خَيمَةٌ في البيدِ خَيرٌ مِن قُصور ... تَبخَلُ الشَمسُ عَلَيها بِالمُرور في غَدٍ تَأوي إِلى قَفرٍ حَلِك ... يَستَوي الصُعلوكُ فيهِ وَالمَلِك وَاِترُكِ الخَمرَ لِمَشغوفٍ بِها ... لا يَرى مَندوحَةً عَن شُربِها لا تُنادِم غَيرَ مَأمونٍ كَريم ... إِنَّ عَقلَ البَعضِ في كَفِّ النَديم وَعَنِ المَيسِرِ ما اِسطَعتَ اِبتَعِد ... فَهوَ سُلُّ المالِ بَل سُلُّ الكَبِد وَتَعَشَّق وَتَعَفَّف وَاِتَّقِ ... مادَرى اللَذَّةَ مَن لَم يَعشَقِ

стр. 884

ولبعضهم في كافات الشتاء جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا كن وكيس وكانون وكاس طلا ... بعد الكباب وكس ناعم وكسا (١) وهذه ليست كل حاجات الشتاء ولم تعد كلها مطلوبة ولا مرغوبة وقد انعم الله على الإنسان بالملابس القطنية والصوفية المنسوجة باتقان على اجمل مثال وهدى الله الإنسان للاختراع وسائل التدفئة التي تضمها البيوت والمساجد والسيارات, وانعم الله بوجود الغذاء والكساء على الكثير من الناس فالماء البارد يمكن تدفئته وكذا المكان البارد, فاستشعر النعمة وادم الشكر واغتنم الوقت في العمل الذي ينفعك ولاتضيعه, فليس لك من عذر ينفعك فوقتك راس مالك ان تاجرت به ربحت, وان جعلته كاسدا كنت لوقتك خاسرا, واصبر على مضض الادلاج في السحر, واسع الى عملك في البكر, ورضي الله عن الامام على بن ابي طالب حيث يقول: إِصبِر عَلى مَضَضِ الإِدلاجِ في السَحَرِ ... وَفي الرَواحِ إِلى الحاجاتِ وَالبُكرِ لا تَضجَرَنَّ وَلا يَحزُنكَ مَطلَبُها ... فَالنَجحُ يَتلَفُ بَينَ العَجزِ والضَجَرِ واذا جاء الصيف بنهاره المشمس وسحابه الممطر, ونمت الاشجار, وتكاثرت الانهار, فاستمتع بنهاره الدافئ وتنقل بين ظل الاشجار وعلى ظفاف الانهار, وجد في عملك في الليل والنهار, ولاتنس ذكر ربك اطراف الليل وآناء النهار, ولا تضيع وقتك وزمانك, وتنس اهلك واخوانك:

стр. 885

لَهفَ نَفسي عَلى الزَمانِ وَفي أَيِّ ... زَمانٍ دَهَتنِيَ الأَزمانُ حينَ جاءَ الرَبيعُ وَاِستُقبِلَ الصَيفُ ... وَطابَ الطِلاءُ وَالريحانُ (١) اما ابن شيخان فهو يرى ان في رياح الصيف برؤ فيقول: خليلي ما للقلب لجَّ به العَنا ... أما في رياح الصيف بُرْءٌ لذي الضَنا ويقول ايضا: ما الروح للروح إذا ... بَكّر إلا تغذيهْ ونفحة الصيف بمسْكِ ... ها تعمُّ الأنديهْ اما ابن هذيل فهو يقول: إن في الصَّيف راحةً للنفوسِ ... وشفاءً من حر داء الرسيس وقال اخر: أبكي على الصّيفِ كالباكي على الطَّللِ ... وإنّه كالصِّبا يمضي على عجَلِ جاءَ الشتاءُ فأذوى بردُه حبقاً ... قد كان في الصيفِ ذا نضرٍ وذا ميل كم كنتُ أقطفهُ أو كنتُ أنشقُه ... والعطرُ والنضرُ مثلُ الحبّ والأمل (٢) واما ابو طالب المأموني فهو يصف ثمار الصيف فيقول: وضرب من ثمار الصيف يحكي ... وقد طلعت لنا منه نجوم قناديلٌ تضيء لها رؤوس ... مثقبة وليس لها جروم وقال اخر: وان راقَ لي في الصيفِ حرّ هجيرهِ ... أرى السحبَ تتلوهُ فينهمرُ القطرُ

стр. 886

سعيتُ وانَّ السعيَ فرضٌ عَلَى الفتى...........وليس عليهِ ان يساعدهُ الدهرُ (١) فاستمتع بصيفك في اقامتك وترحالك, واشكر ربك على ذلك, وتدبر ماامتن الله على قريش من النعمة في رحلة الشتاء والصيف قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢) . وعن قيمة الوقت واغتنام العمر في الطاعة وعدم تضييعه يقول العلامة محمد بن محمد المنصور: فعمرك فرصة لك فاغتنمها ... ولاتضع الثواني والثوال (٣) ففي الميزان ثانية بوزر ... وفي الميزان ثالثة بمال وإن جالست فالأخيار واهرب ... من الأشرار في شعف (٤) الجبال فكم طبع سليم أفسدته ... مُجَالسَة الغَوِيِّ مِنَ الرجالِ وكم من صالحات أوبقتها ... غويات بأدنى الإتصالِ وقل خيرا أو اصمت وانه عما ... نهاك الشرع من قيل وقالِ ولاتنطق ولاتفعل سواه ... تخير منه واسطة اللآلِ فعاقبة الجميل حميد فوز ... وعاقبة القبيح الى الوبالِ حياتك فانتهزها فهي سوق ... فخذ منها الأطايب والغواليِ فبادر أيها المسكين واغنم ... حياتك قبل تطوى في الرمالِ

стр. 887

فلست بمستطيع كسب خير.......إِذا مازلت عن دارِ الزوالِ ولست بمصلحٍ ما أفسدته ... يداك فذاك من صورِ المُحَالِ فَقُمْ بِالفرضِ واجتنب المناهي ... بخ لك إِن وعيت لِذا المقالِ وقال فلا تستبدل الادنى باعلى ... ولاتزن الحقيقة بالخيال وخذ بيتين أهداها حكيم ... حوت جل الفضائل والجمال (اذا ما شئت أن تدعى حكيما ... وتلحق بالرجال ذوي الكمال) (فلاتغتر في الدنيا بشيء ... ولاتخطر لك الدنيا بحال) كتاب الله رتل كل يوم ... وقم متدبرا جنح الليالي فافضل ما به اوصيك هذا ... تنل بكتابه اعلى منال وروض العلم لاتبرحه الا ... لنفع اخيك او كسب العيال (١)

стр. 888

الفصل السابع والاربعون الأطفال

стр. 889

الأطفال الاطفال زينة الحياة وزهرتها, وعماد الأمة في المستقبل واساس مستقبلها, وآمال الشعوب في استعادة مجدها وكرامتها , والاطفال ريحانة القلوب وبهجة النفوس, فطالما تشوقت القلوب لرؤيتهم وانشرحت الصدور لوجودهم, واستبشرت الارواح باستقبالهم, فسبحان من صورهم في الارحام وجعل خلقهم اية تدل على بقاء نوع الإنسان وان اصل خلقه من طين وان الذي خلقه قادر على بعثه بعد الممات يقين وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (١) . ويعتبر الطفل انسانا يحترم في دمه وماله وعرضه فقد سواه الله واحياه وجعله زينة للحياة كما خلق ادم من طين واسجد له الملائكة اجمعين فتبارك الله احسن الخالقين القائل: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٢) . ويرحم الله شوقي حيث يقول: اُذكُرِ الآيَةَ إِذ أَنتَ جَنين ... لَكَ في الظُلمَةِ لِلنورِ حَنين كُلَّ يَومٍ لَكَ شَأنٌ في الظُلَم ... حارَ فيهِ كُلُّ بُقراطٍ عَلَم كانَ في جَنبِكَ شَيءٌ مِن عَلَقَ ... حينَ مَسَّتهُ يَدُ اللَهِ خَفَق صارَ حِسّاً وَحَياةً بَعدَما ... كانَ في الأَضلاعِ لَحماً وَدَما أَحبِبِ الطِفلَ وَإِن لَم يَكُ لَك ... إِنَّما الطِفلُ عَلى الأَرضِ مَلَك هُوَ لُطفُ اللَهِ لَو تَعلَمُهُ ... رَحِمَ اللَهُ اِمرَءاً يَرحَمُهُ

стр. 890

عَطفَةٌ مِنهُ عَلى لُعبَتِهِ.......تُخرِجُ المَحزونَ من كُربَتِهِ وَحَديثٌ ساعَةَ الضيقِ مَعَه ... يَملؤ العَيشَ نَعيماً وَسَعَه الطفل ان تلقى الرشاد نما على الخير الطفل ينمو جسداً وروحا وقلبا وعقلا وعواطف وجوارح فاذا نمت هذه القوى فيه نموا متناسبا, وتربى على الفضيلة والخلق الحسن كان فخرا لقومه وزينة لاهله, ونافعا لمجتمعه ونفسه, وعن الطفل نقول: عمر الطفولة نبتة الأزهار ... وزمان ودٍّ طيب الآثارِ حيث الطفولة بالبراءة تبتدي ... أيامها بطهارة الأبرارِ فترى الملائكة الصغار كأنهم ... درر تشع بأجمل الأنوارِ فنشيدهم يجلي الهموم سماعه ... أنغامهم فاقت غنا القيثارِ أُسّ الفضائل في بنا اجسامهم ... واساس بنيتهم بنا الافكارِ يأيها الآباء ان صغاركم ... نور الحياة وآلة الابصارِ فأذا أردتم ان يكونوا امة ... تُعلي البنا في سائر الأمصارِ فاسعوا الى تعليمهم أُسّ البنا ... وأساس كل فضيلة وفخارِ فالطفل ان لقي الرشاد سرى به ... نحو العلا في حكمة ووقارِ واذا تلقى الغي سار بنفسه ... نحو الضلال مواطن الأشرارِ فالعقل يعجب للشروع فلا تكن ... في غفلة عن حكمة الجبّارِ الخالق البر الرحيم إلهنا ... ملك الملوك البارِي وقل السلام على ثرا أطفالنا ... نبت الحياة ومهبط الأسرارِ ثم الصلاة على النبي وآله ... وصحابه بعشية ونهارِ

стр. 891

اما العلامة عبد الملك عبد الله الجنداري (١) فهو يقول: عهد الطفولة زهرة الاعمار ... واساس بنيتها لدى الاعمار فالنبت كل جماله في زهره ... وعلى الاساس تقوم كل الدار والطفل نبع في سواقي اهله ... من حيثما تجري ففيها جار ويصيبه اسن اذا اسنت وان ... نزهت تنزه عن قذى الاقذار يامن يروم ابوة وامومة ... مااسهل الانجاب في الاسحار واشد من حفظ الصغير عن الردى ... فحذار ياهذا والف حذار واحرص على ان تستقيم فانه ... ظل لشخصك قد بدا بازار فالطفل زينة هذه الدنيا فكن ... متزينا من اكرم الاحجار من هنا يجب عدم نسيان حقيقة مهمة وهي أن الإسلام أحدث انقلاباً شاملاً في الحياة البشرية, سواء على مستوى السلوك أو التصور, واستطاع الإنسان من خلالها أن يتحرر من عالم القيود الذي كان يكبله, فالدين الإسلامي هو دين الفطرة, فإذا وجه الطفل إلى حقائق الحياة عرف أن الله وحده هو الخالق, والحديث النبوي يدل على ذلك (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) (٢) , والحديث يدل على ان الطفل المولود اذا تلقى الرشاد من والديه اتبعه واصابه وان تلقى الغي اتخذه سبيله, أما مرحلة الكبر فقد دل

стр. 892

التتبع والاستقراء من قبل العلماء والباحثين أنها مرحلة تفهم لحقائق الأشياء أكثر منها مرحلة تلقين واعتقاد, فالخطورة هو الا يترك لطفل التفكر في خلق السماوات والارض ويوجه نحو خالقه بل يدلس عليه بعبادة غير الله وتزيف حينئذ حريته فيضل في معتقده والعقل كما سبق الإشارة الى ذلك يعجب للشروع وهذا ابو العلى المعري يقول: وَالعَقلُ يَعجَبُ لِلشُروعِ تَمَجُّسٍ ... وَتَحَنُّفٍ وَتَهَوُّدٍ وَتَنَصُّرِ فَاِحذَر وَلا تَدَعِ الأُمورَ مُضاعَةً ... وَاِنظُر بِقَلبِ مُفَكِّرٍ مُتَبَصِّرِ فالطفل يجب ان توجه مداركه بالا يخضع الا لله, وبهذه العزة تبنى الحرية وينتفض عن كاهل حاملها أي طاعة إلا طاعة الله, ولهذا كان النبي ﵌ يشير إلى هذه الحرية وإلى عدم الانقياد والتبعية إلا لأوامر الله، فقد روى أحمد في المسند قوله: (لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ (١) وفي رواية للبخاري ومسلم عن علي ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) (٢) .

стр. 893

الطفل في لغة العرب جاء في المصباح المنير: الطفل الولد الصغير من الانسان والدواب قال ابن الأنباري: ويكون الطفل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والجمع (١) وفي المختار: الطفل المولود والجمع أطفال وقد يكون الطفل واحداً وجمعاً مثل الجنب, قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ (النور:٣١) (٢) . وقال ابن فارس: طفل: الطاء والفاء واللام اسمٌ صحيح مطرد, ثم يقاس عليه, والأصل المولود الصغير, يقال هو طفل والأنثى طفلة (٣) . وقال الراغب: الطفل الولد ما دام ناعماً وقد يقع على الجمع قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (٤) , وقد يجمع على أطفال (٥) . ورحم الله البوصيري (٦) حيث يقول: والنفس كالطفل إن تهمله شَبَّ على ... حُبِ الرضاع وإن تَفطِمه ينفطم

стр. 894

قال بعضهم يبقى هذا الاسم للولد حتى يميز ثم لايقال له بعد ذلك طفل بل صبي وحزوّر ويافع ومراهق وبالغ, وفي التهذيب يقال له طفل إلى ان يحتلم. اما الثعالبي في فقه اللغة فقد ذكر بانه: يقال للصبي إذا ولد رضيع وطفل ونقل عن الأئمة أنه مادام في الرحم فهو جنين, فإذا ولد فهو وليد, ثم مادام يرضع فهو رضيع ثم اذا قطع عنه البن فهو فطيم, ثم إذا ثبتت اسنانه فهو مثقر فإذا كان يتجاوز العشر السنين فهو مُترَعرعٌ فإذا كاد يبلغ الحلم او بلغه فهو يافعٌ ومراهقٌ فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حُزور واسمه في جميع هذه الاحوال غلام (١) , ولم يحدد الثعالبي زمنا معينا لكل مرحلة من المراحل التي ذكرها. ولكن الامام ابراهيم بن اسماعيل الطرابلسي ذكر ان الولد مادام في بطن امه فهو جنين فإذا ولد سمي صبي فإذا فطم سمي غلاما الى سبع سنين ثم يصير يافعا الى عشر حجج ثم يصير حُزورا الى خمس عشرة سنة وذكر ان من قارب الاحتلام فهو مراهق فإذا بلغ فهو محتلم (٢) وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) . التسمية الحسن للطفل وتكنيته مما يرفع من معنوياته من حق الطفل على ابويه أن يختارا له اسما حسنا جميلا في مبناه ومعناه, وذلك لانه لما كانت الاسماء قوالب للمعاني, ودالة عليها أقتضت الحكمة أن يكون بين هذه الاسماء وبين معانيها ارتباطا وتناسب, وألا يكون الاسم معها بمنزلة الاجنبي المحض الذي لاتعلق له بها, فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك, والواقع يشهد بخلافه, بل للاسماء تأثير في المسميات وللمسميات تأثير عن أسمائها في الحسن والقبح, والخفة والثقل واللطافة والكثافة, كما قيل وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه (٤) ولقد أرشدت السنة النبوية إلى ضرورة تحسين أسماء الأبناء, وأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآباء أن يحسنوا تسمية أبنائهم كما جاء في الحديث (من ولد له ولد فليحسن اسمه) (٥) , وفي رواية عن ابن عباس ﵄ أنهم قالوا: (يا رسول الله قد علمنا ما حق الوالد على الولد, فما حق الولد على الوالد؟ قال: أن يحسن اسمه وأن يحسن أدبه) (٦) , ويفهم من هذين النصين أن من حق الطفل على أبيه أن يحسن اسمه, لأن الأسماء القبيحة تؤثر على نفسية الطفل, إذ أن بعض الأطفال يعانون من أسمائهم وقد يلحقهم البؤس والتعاسة بسبب ما يتعرضون له من

стр. 895

الناس وما يصيبهم من الأذى بسبب ذلك, ولأن أول ما يتعلمه الطفل ويحاول كتابته هو اسمه، فإذا كان اسمه جميلاً عاد عليه ذلك بهجة وسعادة, بخلاف ما إذا كان الاسم غير جميل إذ يعرض الاسم القبيح للسخرية والأذى، وكثيراً ما يعاني الطفل من عدم تحسين اسمه، وهي عادة جاهلية حاربها الإسلام ونبذها وعلّم البشرية كيفية تحسين الأسماء. فقد روى أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم) (١) . ويستحب تكنية الصغار بغير كنية النبي تأسيا برسول الله صلى الله عية وآله وسلم فهذا انس يقول قدم النبي ﷺ المدينة وأنا بن عشر سنين وأن أمه أم سليم أتت به النبي ﵌ لما قدم فقالت له هذا أنس غلام يخدمك فقبله وأن النبي ﵌ كناه أبا حمزة ببقلة كان يجتنبها ومازحه النبي ﵌ فقال له ياذا الأذنين) (٢) ولهذة التكنية أثار نفسية رائعة, وفوائد تربوية عظيمة وهي تنمية شعور التكريم والاحترام في نفسية الولد قال الشاعر:

стр. 896

أكنيه حين أناديه لأكرمهُ ... ولا ألقبه والسوأة اللقبُ (١) كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... إني رأيت ملاك الشيمة الأدبُ وقال أخر: وقد تلتقي الاسماء في الناس والكنى ... كثيرا ولكن لاتلاقي الخلائق (٢) وهناك فرق بين الاسم والكنية واللقب قال ابن القيم رحمة الله هذه الثلاثة وإن اشتركنت في تعريف المدعو بها فإنها تفترق في امر اخر وهو ان الاسم اما ان يفهم مدحا او ذما او لايفهم واحدا منهما, فإن افهم ذلك فهو اللقب, وغالبا استعماله في الذم ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (٣) ولا خلاف في تحريم تلقيب الانسان بما يكرهه, سواء كان فيه او لم يكن, واما اذا عرف ذلك واشتهر به كالاعمش والأعرج, اطرط استعماله على السنة اهل العلم قديما وحديثا ونقل عن الامام احمد ان اللقب اذا كان لايعرف الا به فإنه لايكره, واما ان لايفهم مدحا وذما, فإن صدر بأب وام فهو الكنية وان لم يصدر بذلك فهو الاسم (٤) فيستحب تحسين الاسم والابتعاد عن اللقب.

стр. 897

تهنئة من رزق طفلا ويحسن تهنئة من رزقه الله مولودا لما في ذلك من اظهار السرور والشكر للواهب وما يترتب على ذلك من الود الذي تزرعه التهنئه بين الاسر المسلمة والحب والتآلف وأظهار شكر الخالق الواهب والفرق بين البشارة والتهنئة هو ان البشارة تعني ابلاغ الأب والأم بما تفضل الله به من قدوم المولود, والتهنئة تعني الدعاء بالخير بعد ان علم, ففي التهنئة مشاركة للمسلمين في افراحهم واشعارهم بالسرور لحصول الخير لهم ولهذا فإنه يحسن التهنئة بأن يقال: بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب, وبلغ رشده ورزقت بره ففي مسند بن الجعد: قال (قال رجل عند الحسن: يهنيك الفارس فقال الحسن وما يهنيك الفارس لعله أن يكون بقارا أو حمارا ولكن قل شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب وبلغ رشده ورزقت بره) (١) , وفي ذلك دعاء بالبركة للمولود وشكر للواهب وتضرع لله ان يكون الولد من البارين لآبائهم, وفي ذلك ايضا دفن لأثار الجاهلية الذين كان الناس فيها يقتلون ابناءهم خشية الفقر او خشية العار اذا اكان المولود انثى فكان التمييز العنصري سمة العصر الجاهلي ولهذا جاء القرءان فمحا هذه العادات السيئه ووجه الاباء الى الفطرة السوية قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ

стр. 898

أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١) . وبسبب عادات الجاهلية السيئه يروى ان شيخا من الاعراب تزوج جارية من رهطه, وطمع ان تلد له غلاما فولدت له جارية فهجرها وهجر منزلها, وسار يأوي الى غير بيتها, فمر بخبائها بعد حول, واذا هي ترقص بنيتها منه وهي تقول: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في بالبيت الذي يلينا غضبان الا نلد البنينا ... وإنما نأخذ ما أعطينا وفي رواية أخرى للابيات: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا بل نحن في الارض لزارعينا ... يلبث ماقد زرعوه فينا وأنما نأخذ ما أعطينا فعرف أبوحمزة قبح مافعل وراجع امراته (٢) , ويروى انه كان لرجل امراتان في داره ولدت احداهن غلاما وولدت الاخرى بنتا-والحسد بين الضرائر معلوم- فكانت ام الغلام اذا رقصت ابنها قالت: عافاني اليوم من الجواري ... من كل سوداء كش بالي لاتدفع الضيم عن العيال وكانت ام الجارية اذا سمعت هذا رقصت ابنتها وقالت:

стр. 899

تحفظ بيتي وترد العارية ... وما علي ان تكون جارية تمشط رأسي وتكون الفالية ... وتحمل الفاضل من خمارية حتى اذا ما بلغت ثمانية ... أزرتها بنقبة يمانية وانكحتها مروان او معاوية ... اصهار صدق بمهور غالية (١) فالتمييز بين الذكر والانثى الذي يقصد منه التنقص من حق الانثى وعدم شكر الواهب قد محته الشريعة الإسلامية كما سبق بيان ذلك فالله هو الواهب قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٢) . ادب الطفل وتعليمه ادب الطفل وتربيته تعني رعاية نموه في جوانبه الجسمية والعقلية والاجتماعية والدينية وتوجيهها نحو الاصلاح والوصول بها الى الكمال, فإن هذه التربية تحتاج الى تعليم وتدريب وادراك المربي للغرض من تربيته للطفل, ولعل من أهم هذه الاغراض الحصول على العلم والحصول على الرزق والنهوض بالاخلاق من أجل إيجاد المواطن الصالح والمؤمن التقي وليس ذلك بعسير فالطفل خلق ولديه كل المؤهلات التي تمكنه من النمو وعمل المربي تكمن أهميته في أنه يهيؤ الفرد ليكون انسانا تقيا فهو يطبع في ذهن الطفل بفن ومهارة ماينفعه أو يضره ولله در القائل: خير ماورث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن ثناء

стр. 900

هو خير من الدنانير والاوراق......في يوم شدة او رخاء تلك تفنى والدين والادب الصالح ... لايفنيان حتى اللقاء اما شوقي فهو يقول: فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ ... سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً ... وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا فَعَلِّم ما اِستَطَعتَ لَعَلَّ جيلاً ... سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا ويرحم الله ابن عبد البر حيث يقول في أرجوزته: واعلم بأن العلم بالتعلم ... والحفظ والإتقان والتفهم والعلم قد يُرزقه الصغير ... في سنه ويُحرم الكبير فإنما المرء بأصغريه ... ليس برجليه ولا يديه لسانه وقلبه المركب ... في صدره فذلك خلق عجب والعلم بالفهم وبالمذاكرة ... والدرس والفكرة والمناظرة فالتمس العلم وأجمل في الطلب ... والعلم لا يَحسن إلا بالأدب اما العلامة يحيى بن محمد الهادي فهو ينصح ولده فيقول: العلم مجلبة للخير أجمعه ... ودافع عن بنيه الشر والوصبا فالزم عليه صفي الدين تارك ما ... يلهيك عنه تكن من زمرة الأُدبا ولا تخوضن مع الأنذال في لعب ... فساعة عدلت ملىء الفضاء ذهبا من عاش في الجهل أضحى في الورى ذنباً ... فعش بعلمك رأساً لا تكن ذنبا وقد قال ابن الجوزي ﵀: (أقوم التقويم ما كان في الصغر) ، فأما إذا ترك الولد وطبعه ومشى عليه ومرن كان رده صعباً، قال الشاعر: إنَّ الغُصُونَ إذا قوَّمتها اعتَدَلَت ... ولا يَلِينَ إذا قَوَّمتَهُ الخُشُبُ

стр. 901

قد ينفعُ الأدَبُ الأحداثَ في مَهَلٍ.......وليس يَنفَعُ عند الكَبرَة الأدَبُ (١) وقال آخر: والطفل يحفظ ما يلقى إليه ولا ... ينساه إذ قلبه كالجوهر الصافي فانقش على قلبه ما شئت من خبر ... فسوف يأتي به من حفظه وافي لعب الطفل وراحته مما ينعشه ويشرح نفسه إن الطفل بحاجة ماسة الى مايقوي عضلاته ويشرح نفسه ومن حسن سياسة الأمم في تربية الاطفال ان ترقصهم بما يلائم فطرتهم التي فطرهم الله عليها فهم بحاجة الى ما يهز جوارحهم ويخفف أجسامهم ويوافق بناءهم الجسمي, فالاصوات المنغمة على نسب منتظم التي ترافق ترقيص الطفل تحقق له قدرا كبيرا من الراحة النفسية والجسمية وللعب أهميته, وخاصة للاطفال؛ فهو يسهم بشكل مباشر وغير مباشر في عملية النمو, ولذلك قيل: اللعب أساس النمو, كما أنه يشبع وينمي غرائز الأبوة والأمومة عند الأطفال, ومن هنا قيل: أمة لالعب لها أطفالها محرومون (٢) وبهذه الملاطفة النبوية يتعلم المربون كيف يبعدون الأبناء عن سماع فحش القول وذميمة, وكيف يلاطفون أطفالهم في سفرهم وإقامتهم.

стр. 902

وهذا ابن سعد في الطبقات الكبرى يروي لنا أنه: بعد ولادة النبي ﵌ أخذه عبد المطلب -جد النبي ﵌ والمتكفل به- بعد وفاة والده عبد الله وحمله إلى البيت وأخذ يطوف به وأحاطه به بنوه وهو يقول: الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردانِ قد ساد في المهد على الغلمانِ ... أعيذه بالبيت ذي الأركانِ حتى أراه بالغ البنيانِ ... أعيذه من شر ذي شنأنِ من حاسد مضطرب العنانِ (١) وهذه حليمة السعدية كانت ترقص النبي ﵌ وتقول: يا رب إذ أُعطيته فأبقهِ ... وأعله إلى العلا ورقهِ وادحض أباطيل العدا بحقه (٢) وروي أيضاً أن الشيماء بنت الحارث أخت النبي ﵌ من الرضاعة وكانت أكبر منه سناً كانت ترقصه فتقول: هذا أخ لي لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي فأنمه اللهم فيما تنمي

стр. 903

وقد كانت فاطمة الزهراء رضوان الله عنها ترقص ابنها الحسن بن علي ﵄ وتقول: إن بني شبه النبي ... ليس شبيه بعلي وهذه أسماء بنت أبي بكر ترقص ولدها عبد الله فتقول: ابيض كسيف الحسام الابريق ... بين الحواري وبين الصديق ظني به ورب ظني تحقيق ... والله أهل الفضل اهل التوفيق إن يحكم الخطبة يعى المسليق ... ويفرج الكربة في ساع الضيق (١) وهذه أم الفضل بنت الحارث الهلالية ترقص ابنها عبد الله بن العباس ﵃ وكانت تتوسم فيه علائم السؤدد والشرف والعلم خاصة وأن النبي صلى الله علية واله وسلم دعاء له بالعلم والفقة فتقول: ثكلت نفسي وثكلت بكري ... إن لم يسد فهرا وغير فهر بالحسب العد وبذل الوفر ... حتى يوارى في ضريح القبر وهذا ابن سيناء في أرجوزته في الطب يسرد بعض النصائح في تربية الاود فيقول: الزمه ان اردت أن يناما ... مهدا وطيأ يؤد الظلاما الزمه في يقظته الضياء ... كما يرى النجوم والسماء كثر له الالوان بالنهار ... لكي تدربه على الابصار ناغه بالاصوات في تعلم ... كيما تدر به على التكلم

стр. 904

فلعب الأطفال في غير إسراف ولا مضيعة محبب مشروع, ألا ترى أن أخوة يوسف طلبوا من والدهم يعقوب أن يرسل معهم يوسف يرتع ويلعب ولم ينكر عليهم يعقوب ﵇ ذلك وإنما أبدى خشيته من الاهمال والتفريط وإليك من القصة شيئا مما ذكره الله في كتابه العزيز وفيه من الحكم والتشويق ماينبهر به اللبيب: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (١) ومن حق الطفل أن يبنى جسمه بناءً سليما وأن يعطى حظاً من الراحة واللعب والدعابة حتى يشعر بالسعادة ويستعد للإبداع والتفكير. وما أجمل هدير الأطفال ونشيدهم, وهذا شوقي يصف الصغار بحلوان في فرحهم ولعبهم فيقول: صِغارٌ بِحُلوانَ تَستَبشِرُ ... وَرُؤيَتُها الفَرَحُ الأَكبَرُ فَهَذا بِلُعبَتِهِ يَزدَهي ... وَهَذا بِحُلَّتِهِ يَفخَرُ وَهَذا كَغُصنِ الرُبا يَنثَني ... وَهَذا كَريحِ الصَبا يَخطِرُ إِذا اِجتَمَعَ الكُلُّ في بُقعَةٍ ... حَسِبتَهُمو باقَةً تُزهِرُ أَوِ اِفتَرَقوا واحِداً واحِداً ... حَسِبتَهُمو لُؤلُؤاً يُنثَرُ فَلاسِفَةٌ كُلُّهُم في اِتِّفاقٍ ... كَما اِتَّفَقَ الآلُ وَالمَعشَرُ

стр. 905

دَسَمبِرُ شَعبانُ عِندَ الجَميعِ.........وَشَعبانُ لِلكُلِّ ديسَمبِرُ وَلا لُغَةٌ غَيرَ صَوتٍ شَجِيٍّ ... كَرَوضٍ بَلابِلُهُ تَصفِرُ وَلا يَزدَري بِالفَقيرِ الغَنِيُّ ... وَلا يُنكِرُ الأَبيَضَ الأَسمَرُ فَيا لَيتَ شِعري أَضَلَّ الصِغارُ ... أَمِ العَقلُ ما عَنهُمو يُؤثَرُ سُؤالٌ أُقَدِمُهُ لِلكِبارِ ... لَعَلَّ الكِبارَ بِهِ أَخبَرُ وقال المُعلّي الطائي: لولا بُنيّات كزغْب القطَا ... رددن من بعْض إلى بَعْض لكان لي مُضطَرَب واسعٌ ... في الأرض ذاتِ الطّول والعَرْض وإنما أولادُنا بيننا ... أكبادُنا تمشي على الأرض إن هَبَّت الريحُ على بَعْضهم ... لم تَشْبع العينُ من الغَمْض

стр. 906

الفصل الثامن والاربعون التوبة التوبة التوبة تجعل من الانسان شخصا سويا قادرا على ان يتحمل اعباء المسؤلية, والتوبة تفتح بابا للانسان يتصالح مع ربه ومع نفسه ومع اهله ومع مجتمعه, يحب الخير ويحب الرجوع الى الحق ويحب الشفاء من سقم المعصية, والتوبة في حقيقة اللغة هي الرجوع, واذا اضيفت التوبة الى الانسان اريد بها رجوعه عن الزلات والندم على فعلها فقد يضل ضال في فهم نصوص الاستغفار فيخيل ليه ان المغفرة متيسرة للانسان الخاطئ بلا نظام مهما فسق واقترف من الاثام, والامر ليس كما يظن هذا الظان فليست التوبة كلمات ترددها الشفة بلاندم على ماسبق وبلاارتداع عما يسؤ وبلا عزم اكيد على الاستقامة. ولهذا فانه يشترط لنيل مغفرة الله ورضوانه التوبة النصوح, والتوبة النصوح تعني: الاقلاع عن الذنب في الحاضر, والندم على مابدر في الماضي, والعزم على عدم اتيانه في المستقبل, واذا كانت المعصية بحق ادمي فلها شرط يضاف الى هذه الشروط الثلاثة المتقدمة وهو: البرؤ من حق صاحبها ويجب على الانسان العاقل ان يتوب من جميع الذنوب وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . وفي الحديث النبوي عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ

стр. 907

بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (١) قال ابوالعتاهية: يا نَفسُ توبي قَبلَ أَن ... لا تَستَطيعي أَن تَتوبي وَاستَغفِري لِذُنوبِكِ الرَ ... حمَنَ غَفّارَ الذُنوبِ أَمّا الحَوادِثُ فَالرِيا ... حُ بِهِنَّ دائِمَةُ الهُبوبِ وله ايضا: لَهَونا لَعَمرُ اللَهِ حَتّى تَتابَعَت ... ذُنوبٌ عَلى آثارِهِنَّ ذُنوبُ فَيا لَيتَ أَنَّ اللَهَ يَغفِرُ ما مَضى ... وَيَأذَنُ في تَوباتِنا فَنَتوبُ وقال محمود الوراق: قَدِّم لِنَفسِكَ تَوبَةً مَرجُوَّةً ... قَبلَ المَماتِ وَقَبلَ حَبسِ الأَلسُنِ بادِر بِها عُلَقَ النُفوسِ فَإِنَّها ... ذُخرٌ وَغُنمٌ لِلمُنيبِ المُحسِنِ وقال اخر: خذ من شبابك قبل الموت والهرم ... وبادر التوب قبل الفوت والندم واعلم بانك مجزي ومرتهن ... فراقب الله واحذر زلة القدم (٢) اما ابن عبدربه الاندلسي فهو يقول: بادِرْ إِلى التَّوبَةِ الخَلصاءِ مُجْتَهِداً ... وَالمَوْتُ وَيْحَكَ لم يَمْدُدْ إِليكَ يَدا وَارْقُبْ مِنَ اللَّهِ وَعْداً لَيْسَ يُخْلِفُهُ ... لا بُدَّ ِللَّهِ مِنْ إِنْجازِ ما وَعَدا التوبة فرض عين التوبة نور يشرح الله بها الصدور, ويرفع الوزر الذي يقصم الظهور, فبادر اليها ولا تكن مسوفا مغرورا فهي فرض عين في حق كل شخص مكلف, وكل بشر لايخلو عن معصية بجوارحه, وفي الحديث النبوي (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (٣) وفي الذكر الحكيم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) . فلايخلو إنسان من مقارفة ذنب او الهم به, فالقلب لايخلو من ذنب او وسوسة شيطان او ظن سيء او توارد خواطر متفرقة تذهل عن ذكر الله تعالى, ومن ذا الذي خلى عن الغفلة والقصور اومن ذا الذي يخلو عن الشهوات ومقارفة العادات السيئات في كل الاوقات, وقد حكى الله عن ابليس (لاحتنكن ذريته الا قليلا) وقديما قيل: فلاتحسبن هندا لها العذر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند فسارع اخي الى تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة, ولايتم ذلك الا بالتوبة النصوح, الخالصة لله عن الشوائب, حتى تنصلح الأحوال, وتنشرح الصدور, ويظهر السرور, وتضاعف الاجور وتكون محببا مشكورا

стр. 908

وتدبر في قول اللطيف الخبير: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) . فالتوبة يمحو الله بها الذنب ويصلح بها العبد. قال الشاعر: يارب بك استجير ومن يجير سواك ... فارحم ضعيفا يحتمي بحماك يارب قد اذنبت فاقبل توبتي ... من يغفر الذنب العظيم سواك وقال اخر: انت الذي تهب الكثير وتجبر ... القلب الكسير وتغفر الزلات وتقول هل من تائب مستغفر ... اوسائل اقضي له الحاجات وفي الذكر الحكيم يقول العزيز الحكيم: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢) . وفي سورة النصر يقول الغفور الرحيم: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣) فسبحان من يقبل التوبة عن عباده, ويضاعف لمن تاب اجره وثوابه, وفي سورة الشورى النبأ اليقين عن قبول العزيز الرحيم توبة التائبين: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) وفي سورة التوبة البشرى للتائبين المؤمنين: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) . فوائد التوبة واثارها للتوبة منافع جليلة, وفوائد كثيرة, وخيرات وفيرة, يتجلى الله على التائب برضوانه واحسانه ويبسط له يده في ليله ونهاره, ويفتح له ابوب رحماته, فتدركه نعمه, وتوبة المرء تدل على سعادته وانعامه, وانشراح صدره واكرامه, الا ترى ان ادم عله السلام تلقى كلماة من ربه فتاب عليه واكرمه, واصطفاه وعافاه, فالتائب من خيار الناس, تزيل التوبة الصدى من قلبه, والعمى من بصره, ويُقبل الله على التائب ويفرح به, وفي الحديث النبوي: (للَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ) (٦) وقال عمر بن الخطاب ﵁: (جَالِسُوا التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً) (٧) وقال علي بن ابي طالب ﵁ (عجباَ لمَن يَهْلك ومعه النجاةُ) قيل له: وما هي؟ قال: (التوبة والاستغفار) (٨) ومن فوائد التوبة ان التائب يغير صفائح اعماله باحسن منها ويشيد الصالحات, ويبتعد عن السيئات, فهو يامل ان ينال من خيرات الله وكرمه, فيحسن الى نفسه والى مجتمعه, وربما تقوده عناية الله الى دخول الجنة, فالتوبة تكون سببا لغفران الماضي والاحسان في المستقبل, وقد سؤل الامام الشافعي ﵁: ايهما افضل: الكافر اذا اسلم؟ ام العاصي اذا تاب؟ قال الامام: العاصي اذا تاب, لان الكافر اذا اسلم ينتقل من درجة الجهل بالله الى درجة العلم بالله, اما العاصي اذا تاب فينتقل من درجة العلم بالله الى درجة محبة

стр. 909

الله (١) . ومن فوائد التوبة ومنافعها ان التائب يوسع على نفسه, ويزيل الضيق والحرج من صدره, ويذهب الهم والكرب من قلبه, ويكون مخلصا لله في عبادته, يتبع السيئة الحسنة, ولهذا فان الرسول صلى الله عليه واله وسلم يامر بالتوبة ويحث عليها, ففي الحديث النبوي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ) (٢) . التوبة من اهم الدعائم الخلقية فسارع اليها التوبة من اهم الدعائم الخلقية فسارع اليها فكل تاخير فيها هو انحلال في الشخصية الانسانية, وكل اسراع وصدق فيها هو اصلاح للنفس, وسبب قوي للقضاء على الشر, فالتوبة يجب ان تكون عقب ارتكاب المعصية, فلا سبيل الى طلب المغفرة الا بالاستغفار ثم بالتوبة, قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٣) ويقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٤) . قصة في الحديث النبوي جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَبَاشَرْتُهَا وَقَبَّلْتُهَا وَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا قَالَ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً (فَقَالَ بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً (٥)) وهذه القصة يتبين منها ان الله يتوب على عباده ويعود عليهم بالرحمة والاحسان, فهو الذي يقبل التوبة ويعفو عن السيئات فما على الإنسان الا ان يتوب الى الله ويتبع السيئة الحسنة تمحها ولا يكون من المقصرين حتى لاتدركه الشدة, ويسوق ربه اليه من البلاء ما يحمله على التوبة او يكون له فتنة, فلا يتوب ولايتذكر, فتدبر قول الحق ﵎: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٦) . فالله قد يسوق من الشدائد ما يحمل عباده على التوبة, قال الدكتور محمد راتب النابلسي: اذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد فتعني الشدائد التي يسوقها للعبد, واذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد فتعني قبول التوبة, يحملك على التوبة, ثم يقبل توبتك, فأنت بين دافع الى التوبة وبين قبول لهذهِ التوبة (٧) . فالله يريد ان يتوب على عباده, فهو التواب الذي يعود بالخير على عباده, وبالاحسان

стр. 910

اليهم, وبالعفو عنهم, والاكرام لهم, وأنت بحاجة الى رحمة الله والى عفوه والى كرمه والى احسانه, فانت بحاجة الى ربك التواب الذي يريدك ان تتوب ليتوب عليك, فمن رجع وتاب فقد اصطلح مع الله واليه اناب, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١) . اما اذا امد الله امد امة بصحة جيدة وامطار غزيره وبلاد جميلة وهم غارقون في شهواتهم وملذاتهم في سكرهم وانحرافهم يتطاولون على الحق, ويؤذون الخلق يفسدون ولايصلحون ولايتوبون ولايتذكرون فانهم يكونون مستحقين للعقاب والعذاب, وانما يتوب الله على من عاد اليه, واعتذر وبين واصلح, فمن تاب من بعد ظلمه واصلح فان الله يتوب عليه ويصلح, قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) . فتعرف اخي على اسم الله التواب يفتح لك الابوب ويضاعف لك الثواب ويصرف عنك العذاب ويعود عليك برحمته واحسانه وكرمه وامتنانه, فالرزق من التواب والامطار من التواب عاد به علينا والهواء الذي تستنشقه من التواب عاد به علينا واذا تاب العبد الى الله بسؤاله تاب الله عليه بنواله. التواب من اسماء الله الحسنى

стр. 911

التواب من اسماء الله الحسنى جاء في كتاب الله مقترنا باسم الله الرحيم والحكيم وورد ذكره في القرآن احدى عشرة مرة منها قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وقولة تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥) وجاء في السنة النبوية في حديث ابي هريرة عند الترمذي ان النَّبِيِّ ﵌ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وعد منها (التواب) (٦) ومعنى اسم الله التواب, اي الذي يعود على عباده بالخيرات ويعود على عباده بالاحسان, وبالرحمة والغفران, والتواب فعّال من ابنية المبالغة فهو كثير التوبة على عباده فمن تاب اليه من عباده المذنبين ترك مجازاته بإنابته الى طاعته, فهو الذي يعود على عباده بالرحمة والاحسان والعفو والانابة, وقال الخطابي: التواب هو الذي يتوب على عباده فيقبل توبتهم كلما تكررت التوبة تكرر القبول، وهو يكون لازما ويكون متعديا بحرف يقال: تاب الله على العبد بمعنى وفقه للتوبة فتاب العبد كقوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) ومعنى التوبة عود العبد إلى الطاعة بعد المعصية (٧) وفي المقصد الاسنى للغزالي: (التواب) هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته ويسوق إليهم من تنبيهاته ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه فرجعوا إلى التوبة فرجع إليهم فضل الله تعالى بالقبول (٨) . اما ابن قيم الجوزية فهو يقول: وَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِن أوصَافِهِ ... وَالتَّوبُ فِي أوصَافِهِ نَوعَانِ إذنٌ بتَوبَةِ عَبدِهِ وَقَبُولِهَا ... بَعدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ ثمرة معرفة اسم لله التواب اذا عرف المكلف ان الله هو التواب الحكيم الرحيم الذي يتوب على التائبين ويغفر ذنوب المذنبين وأنه الذي يوفق من شاء للتوبة والانابة وأنه الذي يقبل التوبة ويعفو عن السيئات وجب عليه ان يؤمن به وان يتوب الى الله من جميع ذنوبه وأخطائه وان يسأل الله التوبة والعفو والغفران فهو التواب الذي يقبل الدعاء بالاجابة والعطاء والاعتذار بالاستغفار والانابة بالاجابة والتوبة بغفران الحوبة, فاذا تاب العبد الى الله

стр. 912

بسؤاله تاب الله عليه بنواله, ومن كان هذا حاله فانه ينبغي عليه ان يحث المسيئ على التوبة ويحرضه على الاوبة, واذا كان الله تعالى يقبل التوبة عن عباده بعد اجترائهم عليه فحري بالعبد ان يقبل معاذير الخلق ممن اساء اليه, وندم من جرأته عليه ولو مرة بعد اخرى, ففي الحديث (التائب من الذنب كمن لاذنب له) فكما تحب ان يقبل الله توبتك فكن حريصا على قبول توبة الاخرين والعفو عن المذنبين تكن من المحسنين فاقبل معاذير التائبين فذلك خلق كريم, وكن حريصا على اكتساب الحسنات, ومؤاساة ذوي الحجات, واقالة العثرات, فذلك دليل على التوبة النصوح, واكتمال الايمان, الا ترى ان الله يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١) . دعاء الله باسمه التواب ياالله ياتواب يارحيم ياعفو ياغفار ياكريم اسألك ان تتوب علي توبة من اتاك من النادمين وان تغفرلي جميع ماعلمته مني من الذنوب ياخير الغافرين, ياتواب يارحيم ياكريم انت الذي تقبل توبة التائبين فتب علي وعلى والدي وجميع المؤمنين, واصلح لي جميع امور الدنيا والدين, واكفني شرور المذنبين والخلق اجمعين, واسألك ياالله ان تغفرلي كل شيء ولاتسألني عن شيء, واسألك ياالله ياتواب ياوهاب يارحيم ياكريم الفردوس الأعلى في الجنة مع

стр. 913

النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) . وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد. وقد: (كَانَ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) (٣) وكان يقول (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَايَ وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) (٤)

стр. 914

الفصل التاسع والاربعون الموت

стр. 915

الموت الموت راحة من التعب, وتوقف عن المعاناة والنصب, به تنتهي مرحلة الإبتلا, وتبتدي مرحلة الثواب والجزاء, والموت عظة واعتبار, ودليل على قدرة القوي القهار, وفي الذكر الحكيم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (١) وفي الحديث النبوي الشريف: (عش ما شئت فإنك ميت واحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به -وفيه - شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس) (٢) فمن تذكر الموت احسن العمل, وابتعد عن الكسل, وأحب فعل الخيرات واجتناب المقبحات, وراى في الموت راحة من التعب, ونجاة من الوصب, واستبشر لقدومه واستعد, قال العلامة محمد بن احمد المهدي (٣) : ألآ مرحبا بالموت ياخير نازل ... لمن كان يحيي ليله بالنوافل وماالموت الا راحة من متاعب ... واهوال دهر زعزعت كل فاضل
следующие страницы →