← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

التواب من اسماء الله الحسنى جاء في كتاب الله مقترنا باسم الله الرحيم والحكيم وورد ذكره في القرآن احدى عشرة مرة منها قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وقولة تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥) وجاء في السنة النبوية في حديث ابي هريرة عند الترمذي ان النَّبِيِّ ﵌ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وعد منها (التواب) (٦) ومعنى اسم الله التواب, اي الذي يعود على عباده بالخيرات ويعود على عباده بالاحسان, وبالرحمة والغفران, والتواب فعّال من ابنية المبالغة فهو كثير التوبة على عباده فمن تاب اليه من عباده المذنبين ترك مجازاته بإنابته الى طاعته, فهو الذي يعود على عباده بالرحمة والاحسان والعفو والانابة, وقال الخطابي: التواب هو الذي يتوب على عباده فيقبل توبتهم كلما تكررت التوبة تكرر القبول، وهو يكون لازما ويكون متعديا بحرف يقال: تاب الله على العبد بمعنى وفقه للتوبة فتاب العبد كقوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) ومعنى التوبة عود العبد إلى الطاعة بعد المعصية (٧) وفي المقصد الاسنى للغزالي: (التواب) هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته ويسوق إليهم من تنبيهاته ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه فرجعوا إلى التوبة فرجع إليهم فضل الله تعالى بالقبول (٨) . اما ابن قيم الجوزية فهو يقول: وَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِن أوصَافِهِ ... وَالتَّوبُ فِي أوصَافِهِ نَوعَانِ إذنٌ بتَوبَةِ عَبدِهِ وَقَبُولِهَا ... بَعدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ ثمرة معرفة اسم لله التواب اذا عرف المكلف ان الله هو التواب الحكيم الرحيم الذي يتوب على التائبين ويغفر ذنوب المذنبين وأنه الذي يوفق من شاء للتوبة والانابة وأنه الذي يقبل التوبة ويعفو عن السيئات وجب عليه ان يؤمن به وان يتوب الى الله من جميع ذنوبه وأخطائه وان يسأل الله التوبة والعفو والغفران فهو التواب الذي يقبل الدعاء بالاجابة والعطاء والاعتذار بالاستغفار والانابة بالاجابة والتوبة بغفران الحوبة, فاذا تاب العبد الى الله

стр. 912

بسؤاله تاب الله عليه بنواله, ومن كان هذا حاله فانه ينبغي عليه ان يحث المسيئ على التوبة ويحرضه على الاوبة, واذا كان الله تعالى يقبل التوبة عن عباده بعد اجترائهم عليه فحري بالعبد ان يقبل معاذير الخلق ممن اساء اليه, وندم من جرأته عليه ولو مرة بعد اخرى, ففي الحديث (التائب من الذنب كمن لاذنب له) فكما تحب ان يقبل الله توبتك فكن حريصا على قبول توبة الاخرين والعفو عن المذنبين تكن من المحسنين فاقبل معاذير التائبين فذلك خلق كريم, وكن حريصا على اكتساب الحسنات, ومؤاساة ذوي الحجات, واقالة العثرات, فذلك دليل على التوبة النصوح, واكتمال الايمان, الا ترى ان الله يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١) . دعاء الله باسمه التواب ياالله ياتواب يارحيم ياعفو ياغفار ياكريم اسألك ان تتوب علي توبة من اتاك من النادمين وان تغفرلي جميع ماعلمته مني من الذنوب ياخير الغافرين, ياتواب يارحيم ياكريم انت الذي تقبل توبة التائبين فتب علي وعلى والدي وجميع المؤمنين, واصلح لي جميع امور الدنيا والدين, واكفني شرور المذنبين والخلق اجمعين, واسألك ياالله ان تغفرلي كل شيء ولاتسألني عن شيء, واسألك ياالله ياتواب ياوهاب يارحيم ياكريم الفردوس الأعلى في الجنة مع

стр. 913

النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) . وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد. وقد: (كَانَ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) (٣) وكان يقول (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَايَ وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) (٤)

стр. 914

الفصل التاسع والاربعون الموت

стр. 915

الموت الموت راحة من التعب, وتوقف عن المعاناة والنصب, به تنتهي مرحلة الإبتلا, وتبتدي مرحلة الثواب والجزاء, والموت عظة واعتبار, ودليل على قدرة القوي القهار, وفي الذكر الحكيم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (١) وفي الحديث النبوي الشريف: (عش ما شئت فإنك ميت واحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به -وفيه - شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس) (٢) فمن تذكر الموت احسن العمل, وابتعد عن الكسل, وأحب فعل الخيرات واجتناب المقبحات, وراى في الموت راحة من التعب, ونجاة من الوصب, واستبشر لقدومه واستعد, قال العلامة محمد بن احمد المهدي (٣) : ألآ مرحبا بالموت ياخير نازل ... لمن كان يحيي ليله بالنوافل وماالموت الا راحة من متاعب ... واهوال دهر زعزعت كل فاضل

стр. 916

وقال اخر: كفا واعظا بالموت للمتكاسل ... ومذكِّرا للقاعد المتغافل اما ابو العتاهية فهو يقول: وَما هُوَ إِلّا المَوتُ يَأتي لِوَقتِهِ ... فَما لَكَ في تَأخيرِهِ عَنكَ مَدفَعُ وله ايضا: وَما المَوتُ إِلّا رِحلَةٌ غَيرَ أَنَّها ... مِنَ المَنزِلِ الفاني إِلى المَنزِلِ الباقي وقال ابو الفضل الوليد: فما الموتُ إِلا راحةُ الجسمِ في الثَّرَى ... وما اليأسُ إِلا أن تعيشَ وتجمَدا اما ابو بكر الصديق ﵁ فهو يقول: كُلُّ امرئٍ مصبحٌ في أَهلِهِ ... وَالمَوت أَدنى مِن شِراكِ نَعله وقال اخر: ومن لم يمت بالسيفِ ماتَ بغيرهِ ... تنوعتِ الأسبابُ والموت واحِدُ (١) اما شيخ الاسلام ابن تيمية فهو يقول: تموت النفوس باوصابها ... ولم يدر عوادها ما بها وما انصفت مهجتي تشتكي ... اذاها الى غير اربابها ويقول اخر وَيَموتُ راعي الضَأنِ عِندَ ثُمامِهِ ... مَوتَ الطَبيبِ الفَيلَسوفِ العالِمِ

стр. 917

ويقول المتنبي: يَموتُ راعي الضَأنِ في جَهلِهِ ... مَوتَةَ جالينوسَ في طِبِّهِ الموت تحفة المؤمن يتذكر المؤمن الموت فيعمل صالحا في حياته, ويسعى لتحصيل ما ينفعه عند مماته, فهو يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه, وفي الحديث النبوي (تحفة المؤمن الموت) (١) فتلقه اخي بالرضا والسرور اذا نزل حبا للقاء الله , فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ان النبي ﵌ قال: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) (٢) فالموت باب وكل الناس داخله, والموت كأس وكل الناس شاربه, والموت حق وانتقال الى القبر فإما روضة من رياض الجنة بسبب الاعمال الطبية في الحياة او حفرة من حفر النار بسبب الاعمال السيئة, قال الامام علي بن ابي طالب ﵁: لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها ... إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها ... وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بانيها

стр. 918

وقال اخر: كتبَ الموتَ على الخلقِ فكمْ ... فلَّ مِنْ جَمْعٍ وأفنى منْ دُولْ أينَ نمرودُ وكنعانُ ومَنْ ... ملكَ الأمرَ وولّى وعزَلْ أينَ عادٌ أينَ فرعونُ ومَنْ ... رفعَ الأهرامَ مَنْ يسمعْ يخلْ أينَ مَنْ سادوا وشادوا وبنوا ... هلكَ الكلُّ ولمْ تغنِ القللْ أينَ أربابُ الحجا أهلُ النّهى ... أينَ أهلُ العلمِ والقومُ الأُوَلْ سيعيدُ اللهُ كلاًّ منهمُ ... وسيجزي فاعلاً ما قدْ فعلْ (١) اما محمد الحميري فهو يقول: نُراعُ لذكرِ الموتِ ساعةَ ذِكرِهِ ... ونعترضُ الدنيا فنلهُو ونلعبُ وقال اخر: هَل لِلفَتى مِن بَناتِ الدَّهرِ مِن واقِ ... أَم هَل لَهُ مِن حِمَامِ المَوتِ مِن رَاقِ (٢) ويرحم الله الامام علي حيث يقول: وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا ... لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا ... وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيِّ اما عدي بن الرعلاء فهو يقول: لَيْسَ مَنْ ماتَ فاِستراحَ بِمَيْتٍ ... إنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ إنَّما المَيْتُ مَنْ يعيشُ ذليلاً ... سِيّئاً بالُهُ قليلَ الرّجاءِ ويقول اخر: لقد أَسمعتَ لوناديتَ حيّاً ... ولكن لا حياةَ لمن تُنادي

стр. 919

ولو نارٌ نفختَ بها أضاءت...........ولكن أنتَ تنفُخُ في رَمَادِ (١) اما العلامة عبد الحميد بن محمد المهدي فهو يقول: الكُلُّ عن دنيا الدَنَاءةِ راحِلُ ... مَن صَدَّها فهْو اللبيبُ العاقلُ مَهْمَا أَرَتْكَ من البشاشِ فإنَّها ... تَسْقِيكَ شهْدًا فيه سُمٌّ قاتلُ بل حُبُّها رأسُ الخطايا مثلما ... قال النبيُّ الطُّهْرُ (طه) الكامل لا تَفْتَتِنْ ياذا الحِجَا بالجَاهِ إنَّ ... الجاهَ مَهْمَا كان يوماً زائل والمال لا تركن إليه لأنه ... قد كان عند سواك فهو المائل انظُرْ إلى مَن كان فيهِ مًنَعَّماً ... ولأجْلِه تأتي إليه قوافل لَمَّا رماه الدهرُ منه بنكبةٍ ... أضحى مَعوْلاً وهْو أمس العائل فالدهرُ ذُو غِيَرٍ فلا تَثِقَنْ به ... في لَحظةٍ تأتيك منه غوائل كَمْ مِن مَلِيكٍ كان يمشي تائهًا ... وبه تَحُفُّ مواكبٌ ومحافل لمّا أتاه الموت لم يُمْهَل ولَم ... تمنعْه أجنادٌ وجيشٌ صائل فالموت وِرْدٌ للجميع وإنه الـ ... ـحق اليقين وما سواه الباطل فاز المشمِّر للعبادة ساقَهُ ... وثوى بقعر جَهَنَّمَ المتكاسل فاعملْ لما بعد الممات فإنما الـ ... أعمالُ تنفعُ يوم يأتي السائل (يا أيها الإنسان إنك كادحٌ) ... كدحًا إلى رب العباد فَنَائِلُ واحذر من التسويف فهو مَضِيْعَةٌ ... للعمر إن الدَّور عندك واصل

стр. 920

حياتك وموتك لله ان حياتك وموتك بيدي الله, فاجعلهما لله تفز في حياتك, وتسعد بمماتك, وتظفر بمرادك, وتكون آمنا في كل اوقاتك, مصلحا في كل تصرفاتك, مخلصا لله في كل اعمالك, سعيدا بحياتك, وسعيدا في مماتك, وفي الذكر الحكيم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) والمؤمن لاينكأ جرحا ولا يقول هجرا ولايتحسر على مافات, ولايخاف مماهو آت, ولايقول (ليت ولو) ولايكون من الحيارى ولا من المترددين ولامن الذين قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) ولا من الذين حكى الله عنهم: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣) فالمؤمن يدرك ان الموت والحياة كلها لله, قال الشاعر: فَكَم مِن صَحيحٍ ماتَ مِن غَيرِ عَلَّةٍ ... وَكَم مِن عَليلٍ عاشَ دَهراً إِلى دَهرِ وَكَم مِن فَتىً يُمسي وَيُصبِحُ آمِناً ... وَقَد نُسِجَت أَكفانُهُ وَهوَ لا يَدري وقال اخر: ولا تدري وان ازمعت امرا ... بأي الارض يدركك المقيل

стр. 921

اما امرؤ القيس فهو يقول: وما تدري اذا يممت ارضا ... بأي الارض يدركك المقيل واذا كان الإنسان لايدري اين يموت ولاما يكسب في غده فحري ان يستعد لقدوم اجله وان يحسن في عمله, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (١) . الخلود مستحيل فلا تغتر اذا علم العاقل ان الحياة فانية وانه لاخلود وان هناك حياة باقية اكثر من ذكر الموت واحسن الاستعداد له, وكان كريما في خلقه قويا في دينه يدرك انها ماانقضت ساعة من امسه الا بقطعة من نفسه, ولا مضت ساعة من دهره الا بقطعة من عمره, فيغتنم فعل الخير لنفسه واهله ومجتمعه, وهو بذلك يكون سائرا على طريق النجاح, عامرا من امور اخرته ما يحرز به الفلاح, فمن عَمَر آخرتَه بلغ اماله, واستظهر لنفسه, فالرب لايموت, والجزاء لايفوت, فكلٌّ يحصد ما زرع, ويجزى بما صنع, فلا تغرنك صحة نفسك, وسلامة امسك فمدة العمر قليلة, وسلامة المرء مستحيلة, فكلٌّ يجري من امله الى غاية تنتهي اليها مدة امله, وينطوي عليها صحيفة عمله. فزد في حسناتك وأنقص من سيئاتك قبل ان تستوفي مدة الاجل, فالخلود مستحيل, فتقصّر عن الزيادة في السيئات وتذكر هادم الذات ومفرق الجماعات, فقد سئل رسول الله ﵌: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 922

أَكْيَسُ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ (١) وفي الذكر الحكيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢) وفي الحديث النبوي (أكثروا من ذكر هادم اللذات فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه ولا ذكره وهو في سعة إلا ضيقه عليه) (٣) وليس ذكر الموت يعني افساد الحياة واساءة العمل فيها, بل للتخفيف من غلوائها وكفكفة الاغترار بها. فاذا اعتدل التفكير فلن تتحول السعة الى فوضى, ولن يتحول الضيق الى سجن, وانما المراد انتزاع الغرور من قلب الإنسان وصرفه عن الفتنة الى النعمة, وان البقاء والخلود مستحيل, ومن ايقن بذلك احسن العمل, وفي امثال العرب: "لكل جنب مصرع, ومن لم يمت عاجلا مات اجلا" وقديما قيل:"الموت باب الاخرة, والموت حوض مورود, والموت مع الناس رحمة" قال الشاعر: وما تؤخر من نفس وان حرصت ... على الحياة اذا ماجاء داعيها (٤) وقال اخر: وَالناسُ في الدُنيا كَظِلٍّ زائِلٍ ... كُلٌّ إِلى حُكمِ الفَناءِ يَصيرُ فَالناسُ وَالمَلكُ المُتَوَّجُ واحِدٌ ... لا آمِرٌ يَبقى وَلا مَأمورُ

стр. 923

عَجَباً لِمَن تَرَكَ التَذَكُّرَ وَانثَنى.......في الأَمنِ وَهوَ بِعَينِهِ مَغرورُ (١) وفي الذكر الحكيم يقول العزيز الرحيم مخاطبا للنبي الكريم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٢) وفي الامثال السائرة:"ليس حي على الزمان بباقي" وقديما قيل:"من حدث نفسه بطول البقاء فليوطن نفسه على المصائب" وفي امثال العرب: "من طال امده نفد جَلَدُه" (٣) وقال الشاعر: ترجو البَقاءَ بدارِ لا ثَباتَ لها ... فهل سَمِعْتَ بظلٍّ غيرِ منتقلِ (٤) وفي الذكر الحكيم: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦) قال الشاعر: يُحِبُّ الفَتى طولَ البَقاءِ وَإِنَّهُ ... عَلى ثِقَةٍ أَنَّ البَقاءَ فَناءُ زِيادَتُهُ في الجِسمِ نَقصُ حَياتِهِ ... وَلَيسَ عَلى نَقصِ الحَياةِ نَماءُ إذا ما طَوى يَوماً طَوى اليَومُ بَعضَهُ ... وَيَطويهِ إِن جَنَّ المَساءُ مَساءُ جَديدانِ لا يَبقى الجَميعُ عَلَيهِما ... وَلا لَهُما بَعدَ الجَميعِ بَقاءُ (٧) اما شوقي فهو يقول: وَلَيسَ الخُلدُ مَرتَبَةً تَلَقّى ... وَتُؤخَذُ مِن شِفاهِ الجاهِلينا وَلَكِن مُنتَهى هِمَمٍ كِبارٍ ... إِذا ذَهَبَت مَصادِرُها بَقينا وَسِرُّ العَبقَرِيَّةِ حينَ يَسري ... فَيَنتَظِمُ الصَنائِعَ وَالفُنونا وَآثارُ الرِجالِ إِذا تَناهَت ... إِلى التاريخِ خَيرُ الحاكِمينا وَأَخذُكَ مِن فَمِ الدُنيا ثَناءً ... وَتَركُكَ في مَسامِعِها طَنينا فكن اخي حريصا على عمارة الحياة بالصالحات فإنهن بعد الممات الباقيات, وتجنب الجزع والجبن والتحسر عند الممات, فالواقع انما ينتاب بعض الضالين من الجزع والجبن والتحسر والعويل وشتى العواطف التي تنتابهم بازاء الموت مما يسيء للانسان انما يعود الى نظرتهم وفهمهم للموت, فهم يظنون انه انتقال من وجود الى عدم, فهم لايدركون حقيقه الموت, وان هذه الحياة الدنيا بما فيها ومن فيها ستكون ذكريات, وان يوما لابد منه ستعود الارواح فيه الى الاجساد, وسيتلاقى فيه الصالحون فيقول بعضهم لبعض ما حكاه الله عنهم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٨) وسيكون حديثهم عن الضالين والجاحدين: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا

стр. 924

وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١) الموت ومفارقة الروح الجسد الموت ضد الحياة, وقد عد الرماني (٢) الموت والحتف والمنون والسّام والحمام والردى والحين والثكل والوفاة والهلك وشعوب والمنية الفاظا مترادفة, والموت يعني مفارقة الروح للجسد, فاذا كانت الروح تدْخل في الإنسان بعد تخلقه بدنيا وبعد ان يتخلق المخ في رأسه اي بعد اربعين يوما الا ان الروح هي اول مايخرج من الإنسان عند وفاته, يتلوها موت الدماغ, ثم موت الجسد, فاذا خرجت الروح فقد الجسد بعدها القدرة على الحياة والتفاعل ويفقد طاقته ويتوقف القلب عن الحركة, وفي الذكر الحكيم: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ

стр. 925

الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) قال الشاعر: يا أيها الروح التي في جثتي ... أغرقتها في أبحر الآثام لو كنت ذا حزم وعقل كامل ... لم تغترر يا أنوم النوام اطرح بكف الموت أطراف الخطا ... تعل لك الألواح للاسلام واعلم بأن النفس من حزب الهوى ... فاحذرهما تنج من الآثام وقال اخر: يا باكياً فُرقة الأَحبابِ عن شَحَطٍ ... هَلا بكَيتَ فِراقَ الرُّوحِ للبَدنِ نُورٌ تَقَيَّد في طِينٍ إلى أجَلٍ ... وانحاز عَنواً وخلَّى الطينَ في الكفَنِ اما ابن الجنان فهو يقول: هل العلم إلا الروحُ والخلق جثة ... وما الجسم بعد الروح بالمتماسك اما ابن علوي الحداد فهو يقول: فإن الروح من ملكوت غيب ... تنزلها بمتجرها الربيح وإن الجسم من طين وماء ... يميل إلى الحظوظ بكل ريح فوجه حيث شئت فأنت مما ... له وجهت فاختر للمليح وله ايضا: فارجع إلى اللَه في سر وفي علن ... واترك هواك وهي الزاد للسفر فقد دنا سفر لا بد منه إلى ... قبر وبعث وحشر الروح والصور

стр. 926

اما ابو العتاهية فهو يقول: ياصاحِبَ الروحِ ذي الأَنفاسِ في بَدَنِ ... بَينَ النَهارِ وَبَينَ اللَيلِ مُرتَهَنِ لَقَلَّما يَتَخَطّاكَ اِختِلافُهُما ... حَتّى يُفَرِّقَ بَينَ الروحِ وَالبَدَنِ طيبُ الحَياةِ لِمَن خَفَّت مَؤونَتُهُ ... وَلَم تَطِب لِذَوي الأَثقالِ وَالمُؤَنِ الروح سر من اسرار الرحمن ان روح الإنسان سر من سر الرحمن حير فهمها بني الإنسان فلو كانت الروح مادة او كهرباء او مغناطيس او امواج كهرومغناطيسي او طيف ضوئي او تفاعلات كيماوية لما وجد العلم والمختبرات العلمية الحديثة في هذا العصر صعوبة في قياسها, ومعرفة اهتزازها ومقدار طاقتها ومكان وجودها في جسم الإنسان. ولكن العلم لم يتوصل الى هذه الاثار الدالة على طبيعة هذا الروح وان كان وجود الروح في الإنسان محط اتفاق, واثر الروح تظهر في اعمال الجسد والعقل فهناك مظهر واضح من خلال الطاقة الدافعة في اعماق الإنسان فالعدل والكرم والابتهاج كسلوك ليس مصدره الجسم والدماغ, كما ان دوافع التأمل والايمان والرحمة والحب والرضا, كلها مشاعر كامنة يتفاعل معها العقل والجسد, وكذا الحب والكره والنفور والفرح والحزن والضحك والبكاء هما تفاعلات روحية يدعمها العقل ببعض الذكريات والاحداث ويعبر الجسد عنها, وقد لاحظ بعض الباجثين ان النظر والسمع والشم ثم الشفاة واللمس اعضاء تشترك في ارسال المعلومات الى المخ وهي بدورها ترسلها الى الروح التي تفيض انشراحا وبهجة او العكس, ومما لاريب فيه ان الروح تسكن البدن منذ ان يكون الإنسان جنينا في بطن امه, وقد جاء في الحديث النبوي, (أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ) (١) . وقد سلك بعض الفقهاء المعاصرين منهج دراسة جميع النصوص الشرعية الواردة حول حياة الجنين ونفخ الروح فيه ودرسوا التوفيق والترجيح بين الاحاديث النبوية وتحميل بعضها على بعض ... كما درسوا معطيات التقدم العلمي المعاصر في علم الاجنة ثم خرجوا باستنتاجات فقهية تشير الى ان نفخ الروح في الجنين انما تتم بين اليوم الاربعين والخامس والاربعين من وقت التلقيح وهذا هو اقرب ما تدل علية الاحاديث النبوية الشريفة. (٢) وفي الذكر الحكيم ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٣) فالانسان جسد وروح ولايعتبر حيا الا اذابقيت الروح في الجسد, وهي وان كانت تعمل متضامنة مع الجسد والعقل وتعتمد على المعلومات التي تجمعها حواس الجسد وتمر بالتحليل والمقارنة من قبل العقل وحين تفضيل الروح لدافع معين فانها توعز للعقل بنوع السلوك المطلوب فهي مستقلة, وقد ذكر بعض الباحثين انه لم يتمكن العلم حتى الآن من تحديد مكان الروح في جسد الانسان وان كان بعض الدراسات الحديثة تميل الى ان الروح مكانها

стр. 927

القلب والبعض يرى ان مكانها في العمود الفقري أو ربما هي متوزعة في مناطق متفرقة في جسم الانسان الحي (١) , والحق ان الروح من امر الله وقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢) ولم يكشف الرحمن للانسان عن ماهية الروح التي هي من امره ومن روحه ولم يستطع الإنسان ان يتعرف على كنهها وطريقة عملها وكيفية ارتباطها باجزاء الجسم الاخرى وكيفية تاثرها بكل من الجسم والعقل فهي طاقه من امره اودعها الحق في جسم الإنسان ليكون الإنسان واعيا مسؤلا عما يعمل, عنده القدرة على التمييز بين الخير والشر, وقد وصف الله حال المؤمنين يوم الاحزاب بقوله: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٣) وهي لاتعمل الا من خلال الجسد فاذا ضعف جسد الإنسان وضعفت مداركه ضعف عملها لانها لاتعمل الا من خلاله, فقو صلتك بالله تحصل لك القوة والعزيمة والارادة ويحيي الله روحك وجسدك حياة طيبة, وقد تطلق النفس على الروح قال الشاعر: يا خادِمَ الجِسم كمْ تشقى بخِدْمَتهِ ... لِتطلُبَ الرَّبحَ في ما فيه خُسْرانُ أقبِلْ على النَّفسِ فاستكمِلْ فضائلَها ... فأنتَ بالنَّفسِ لا بالجِسمِ إنسانُ

стр. 928

وقد قال ابو الدرداء ﵁: اذا ذكرت الموتى فعد نفسك كاحدهم. وقال كعب ﵁: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها. وقال الحسن ﵀: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا. وقال يحيى بن معاذ ﵀: لايكره الموت الا مُليم فهو الذي يقرب الحبيب من الحبيب. وقال الربيع بن خيثم ﵀: ماغائب ينتظره المؤمن خير له من الموت. قصة لأعرابي قيل لأعرابي اشتد مرضه: انك ستموت, فقال: الى اين يذهب بي بعد الموت؟ قالوا: الى الله, فقال: ويحكم وكيف اخاف الذهاب الى من لاأرى الخير الا عنده؟! وفي الذكر الحكيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١) ملك وكل بقبض الارواح اذا كان الموت يعني انقطاع تعلق الروح بالبدن, ومفارقته والحيلولة بينهاما, وتبدل الحال وانتقال من دار الفناء الى دار الخلد, وهو حتم لازم لامناص منه لكل حي من المخلوقات وهو مدرك الإنسان اينما كان قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (٢) قال ابو العتاهية: وَما هُوَ إِلّا المَوتُ يَأتي لِوَقتِهِ ... فَما لَكَ في تَأخيرِهِ عَنكَ مَدفَعُ

стр. 929

فاذا اراد الله انتقال الإنسان من هذه الدار ارسل ملك الموت ليقبض روح الإنسان فيموت حينئذ الجسد ويفقد طاقته ويتوقف القلب عن الحركة وتتحلل بعد ذلك اجزاء الجسم في التراب وفي الذكر الحكيم: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١) فسبحان من خلق الإنسان وخلق له ما في الارض جميعا وجعل له روحاً هي سر من اسراره كما جعل للنبات طاقة تتغذى وتنموا على الماء جعل الانسان يتغذى وينمو بالنبات والحيوان قال احمد شوقي ﵀: الروحُ لِلرَحمَنِ ﷻ ... هِيَ مِن ضَنائِنِ عِلمِهِ وَغِيابِهِ وقال ايضا: وَلَم أَرَ حُكماً كَالمَقاديرِ نافِذاً ... وَلا كَلِقاءِ المَوتِ مِن بَينِها حَتما إِلى حَيثُ آباءُ الفَتى يَذهَبُ الفَتى ... سَبيلٌ يَدينُ العالَمونَ بِها قِدما وَما العَيشُ إِلّا الجِسمُ في ظِلِّ روحِهِ ... وَلا المَوتُ إِلّا الروحُ فارَقَتِ الجِسما فسبحان العزيز الرحمن المحيي المميت للانسان القائل في محكم الفرقان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) فسبحان من احي العوالم بسره, وغمر الموجودات بوافر بره المحيي المميت فتعرف عليه اخي وعلى اسمه المحيي المميت, فانت لاتدري متى

стр. 930

ستموت, ولا باي سبب ستموت ولافي اي مكان سوف تموت, صباحا او مساء ليلا او نهارا ولامن يكون حولك حين تموت وما دام الأمر كذلك فانه ينبغي ان تستعد للموت حتى لاياتيك الا وانت في اعلى درجات الايمان والاستسلام لله المحيي المميت قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (١) المحيي المميت من اسماء الله الحسنى المحيي المميت من اسماء الله الحسنى, ورد اسم الله المحيي في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) ولم يرد اسم الله المميت في القرآن اسما وورد في القرآن ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ (٤) وقد ورد الاسمان الجليلان في سنن الترمذي من حديث ابي هريرة ﵁. والصفتان فعليتان؛ لان الاحياء والاماتة من فعل الله, والمحيي خالق الحياة ومعطيها لمن يشاء فهو خالق الحياة في كل شيء حي, فاحيا الاجسام بايجاد الارواح فيها, وهو الذي يحيي النفوس بعد موتها يوم البعث والنشور, وهو الذي يحيي القلوب بمعرفته والاقبال عليه, قال تعالى:

стр. 931

﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١) . وهو الذي يحيي الارض بعد موتها قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) واما المميت فهو مقدر الموت على كل من أماته, ولامميت الا الله, فليس هناك في الكون جهة تقرر إنهآء الحياة الا الله سبحانه فهو الذي قهر عباده بالموت والفناء, فالخلق كلهم يموتون فالطغاة يموتون, والانبياء يموتون, والصالحون يموتون, والاشرار يموتون, والاذكياء يموتون, والاغبياء يموتون, والرجال يموتون, والنساء يمتن, والناس كلهم يموتون, فسبحان من تمدح بالاحياء والاماتة ليعلم الخلق ان الله قادر على التصرف بالإحيآء والإماتة متى شاء ومتى اراد, فالخير كله بيده . وقال الخطابي: في معنى المحيي: هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها النسمة الحياة ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث ويحيي القلوب بنور المعرفة ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق وقال في معنى المميت: هو الذي يميت الأحياء ويوهن بالموت قوة الأصحاء الأقوياء: (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) (٣)

стр. 932

ثمرة التعرف على اسم الله المحيي المميت اذا عرف المكلف ان الله المحيي المميت وانه الذي احياه وانه هو الذي سيميته وانه يحيي الاجسام البالية بعد الممات وانه يحيي الارض بعد موتها, وجب عليه ان يؤمن به وان يطلب منه ان يحيي قلبه ويحييه حياة طيبة ويعبده, ويذكره ويشكره على نعمة الحياة, والاماتة كلها لله, وان يكون اكثر رحمة لعباد الله لانه يعلم ان الله وحده يميت الاحياء ويجازيهم, ويوهن بالموت قوة الاصحا, ويحيي الارض بالنبات والامطار والانهار والارزاق, ويحيي القلوب بنور المعرفة, ويحيي الاجسام بالصحة والعافية والهداية, والخروج من ظلمات الجهل والكفر والغفلة والنسيان الى حياة الايمان والذكر والمعرفة والرحمة والانس والصفا وحب الخير للناس وحب الله وعباده المؤمنين وحب كتاب الله وما يحبه الله, وحب العمل والاصلاح, وكراهية كل ماهو ضد ذلك. دعاء الله باسمه المحيي المميت اللهم يامحيي يامميت أحي ماكان لك مني ميتا, أحي قلبي بذكرك واجعلني من الشاكرين لآلائك المتبعين لنبيك محمد ﵌ وأحي أمته حياة طيبة انك سميع الدعاء, وأحي فينا شريعتك وأحي قلوبنا ووالدينا والمؤمنين بالايمان والاحسان ياكريم, واسئلك ياالله يامحيي يامميت ان تحيي قلبي بخوفك فقد قسى, وامت فيه البدع والاهواء, واشغلني وعبادك المؤمنين بذكرك الاسنا, وأحي دينك وشريعتك بالصالحين والمتقين

стр. 933

من عبادك المؤمنين واجعلني منهم ياارحم الراحمين ولاحول ولاقوة الابالله العلي العظيم, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الامين وعلى آله الطاهرين وازواجه امهات المؤمنين واصحابه الراشدين, واستجب دعاءنا ياارحم الراحمين.

стр. 934

الفصل الخمسون الصلاة الصلاة الصلاة في الغة: الدعاء بخير ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (١) وسميت صلاة: لانها صلة بين العبد وربه, وفيها ثناء وتمجيد ودعاء, او هي دعاء نتقرب به الى الله استغفارا لذنب, او شكرا لنعمة, او دفعا لضيم, او قياما بفرض عبادة. كما انها اظهار الحاجة الى المعبود بالقول والعمل, وقد فرضها الله على عباده ليذكرهم بأوامره, وليستعينوا بها على تخفيف مايلقونه من انواع المشقة والبلاء في الحياة الدنيا, كما ان من معانيها الثناء على الله سبحانه بما يستحقه من الحمد والتمجيد. (٢) وتعتبر الصلاة الركن الثاني من اركان الإسلام بعد الشهادتين وعماده المتين. وتكون الصلاة اما فرضا: كالصلوات الخمس وصلاة الجمعة, واما نوافل: كالرواتب المسنونة, وفي الذكر الحكيم يقول العزيز الرحيم: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٤) ويقول: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥) وفي الحديث النبوي: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ

стр. 935

الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (١) ففي الصلاة خير الدنيا والاخرة فهي جامعة للفضائل وتبعد المصلي عن الفحشاء والرذائل ولله در القائل: ألا في الصلاةِ الخيرُ والفضل أجمع ... لأنّ بها الآراب للهِ تخضعُ وأولُ فرض من شريعة ديننا ... واخر مايبقى اذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ... وكان كعبد باب مولاه يقرع وقال اخر: وَشاهِدٌ خالِقي أَنَّ الصَلاةَ لَهُ ... أَجَلُّ عِندِيَ مِن دُرّ وَياقوتِ (٢) اما احمد محرم فهو يقول: ألا إنّ الصلاةَ لَخيرُ زادٍ ... وإنّ الركبَ آذنَ بارتحالِ ويقول ابوا لعلاء المعري: إِركَع لِرَبِّكَ في نَهارِكَ وَاِسجُدِ ... وَمَتى أَطَقتَ تَهَجُّداً فَتَهَجَّدِ في الصلاة راحة وسعادة ان الإنسان معرض للآلام والمحن, فهو بحاجة الى الخروج من معضلاته والخروج من ألآمه والخروج من حيرته, وهو بحاجة الى استدامة النعمة, واتقاء النقمة والاسترواح الى مايجعل الله من يسر وبركة وسكينة, ولن يجد ذلك الا في الصلاة, ففي الصلاة القرب الى الله ولذة المناجاة له , وفيها الترويح على النفس, وقد كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله

стр. 936

وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى) (١) وكان يقول: (حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) (٢) ان الإسلام نظم وقفات كريمة يناجي الإنسان فيها ربه عدة مرات في اليوم الواحد يستريح فيها من الشقاء والعناء ويمجد فيها ربه ويستعينه ويسترضيه في صلاته التي حدد لها وقتا وزمنا معلوما, قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٤) . الحكمة من الصلاة ان المجتمع الانساني بحاجة الى قوة روحية ترفع من نفسية الافراد على وجه الاستمرار الى مُثل عليا, وذلك خشية ان تنحصر روابط الافراد في الحاجات المادية والمصالح الشخصية مما يؤدي الى الفساد في الارض, والصلاة هي التي تمد الجماعة الانسانية بالقوة الروحية التي لابد منها لصلاح المجتمع, اما من الناحية النفسية فالانسان اذا لم تتصل روحه بمبدعها ظهرت فيه مظاهر الوحشة والاكتئاب وعدم القناعة بشيء. وربما ظن ان وحشته واكتئابه حصل من عدم اخذ حظه من الملهيات فالقى بنفسه بين احضانها وجره ذلك الى تعاطي المسكرات, واقتراف المقبحات, والقنوط واليأس عن الخيرات, والاعراض عن فضل رب الارض السماوات, فيكثر الجزع والهلع,

стр. 937

وفي القرآن الحكيم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (١) من هنا يتبين لنا ان اتصال روح الإنسان بخالقها ولو لحظات في اليوم من الضروريات, ولهذا شرع الله الصلاة في الإسلام, وبهذا يدرك العقل الحكمة من الصلاة, فقد جعلها الله مفرجة للكروب, مزيلة للهموم, ميسرة للرزق مجلبة للخير, ومعينة على البر, وسبباً للرحمة, ووسيلة للراحة, ومفتاحا للصحة, ومزيلة للهلع, وسبباً لتوطين النفس على الثبات وقوة الجاش, لعلم المصلي ان كل شيء من الله جل او دق, وهي وسيلة للركون الى الله, وصلة للانسان بربه, ألا ترى ان الحق خاطب نبيه بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٢) وقد جعل الله الصلاة سببا لنيل السعادة والفلاح في الدنيا والاخرة, فبالصلاة تنصلح الأحوال, وتتحقق الامال, وترتفع الدرجات, وبها يحصل للمؤمن ميراث الفردوس الأعلى من الجنة, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) فمن ترك الصلاة كانت خسارته كبيرة, ومعيشته ضنكة, واحواله غير مستقرة, وعاقبته الخسران المبين, قال الشاعر: خسرَ الذي تركَ الصلاةَ وخابا ... وأبلى مَعاداً صالحاً ومآبا

стр. 938

إِن كان يجحدُها فحسْبُكَ أنه..........أضحى بربكَ كافراً مُرْتابا أو كان يتركُها لنوعٍ تكاسلٍ ... غَطىَّ على وجهِ الصوابِ حجابا وقد قال الله في وصف اصحاب النار عندما يُسألون عن سبب عذابهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (١) . في الصلاة طهارة القلب والبدن ان الركض في ميادين الحياة بقدر مايجلل البدن بالغبار والعرق يجلل القلب والروح بالغيوم والاكدار, والانسان اثر كل شوط طويل يحتاج الى ساعة يلم فيها شعثه ويجدد طاقته ويستعيد نشاطه ويعيد النظافة والنظام الى ماتعكر وانتكث من شانه كله, وليست الصلاة الا لحظات لاسترجاع هذا الكمال المفقود او المنشود, ولكنه قبل الدخول فيها يحتاج الى الطهارة البدنية الى الطهارة من الحدث الاكبر والاصغر, ولهذا امر الله الإنسان بالوضوء قبل الصلاة فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) فالطهور شطر الايمان, والمرء بحاجة الى طهارة ثوبه وبدنه, ففي ذلك طاعة لربه, وطهارة لبدنه, وراحة لجسمه, وزينة بين اخوانه, وقد افترضه الله الوضوء ليتزين به المرء عند وفوده الى ربه وادائه لصلاته, قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣) ومن الزينة الطهارة والنظافة والتجمل ولبس ثياب طاهرة نظيفة او جديدة, فيشترط في صحة الصلاة طهارة بدن المصلي وثوبه ومكان صلاته وستر عورته, وهي بالنسبة للذَّكَر مابين السرة والركبة, وللانثى جميع بدنها ماعدى الوجه والكفين, فاقرأ اخي باب الوضوء وتمعن في تفهمه, وتروّى في درسه تجد حلاوة الوضوء بهاءً وجمالا ونظافة وكمالا وصحة ونورا, ففي الوضوء والسواك طهارة الفم من الاقذار والجراثيم من الطعام والشراب والمحافظة على الاسنان وحفظها من السوس والوسخ والضرر ونظافتها من الغبار والتراب وحفظ العينين ونظافة الخدين ونضارتها, وفي القرآن الكريم في وصف أهل النعيم: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٤) وفي مسح الرأس زوال العرق وذهاب الوسخ والمحافظة على رونق الشعر وجماله, وفي غسل القدمين وتخليل الاصابع ونظافتها وازالة تفثها واوساخها تجديد نشاطها, وبهذا تعلم ان الله جل وعلى ما افترض الوضوء والطهارة الاسياجا للحكمة وثمرة للصحة وبابا للنظافة, وعنوانا للخير والبر والاحسان والكمال, وفي الحديث النبوي

стр. 939

الشريف: (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) (١) وهل تجد ابدع فائدة للوضوء من ميزة خاصة ونور يتلألؤُ يوم الشدائد والاهول: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) واذا ران على قلب الإنسان وروحه من اكدار الذنوب والمعاصي فانه لن يجد مايزيل هذه الغيوم والاكدار الا في الصلاة, وفي الحديث النبوي: (الصلوات الخمس كفارة ما بينها أرأيتم لو أن رجلا كان له مغتسل بين منزله ومعتمله خمسة أنهار فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله فأصابه الوسخ والعرق فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك يبقى من درنه وكذلك الصلوات كلما عمل خطيئة أو ما شاء الله ثم صلى ودعا واستغفر غفر له ما كان فيه) (٣) . الصلاة تغرس في الانسان الفضيلة وتبعده عن الرذيلة ان طبيعة الإنسان غير مستقرة فهو يتقلب بين الصحة والمرض, والسهو والغفلة, والفقر والغنى, والخير والشر, والانسان بطبيعته يقتحم ساحة الحياة المائجة بمختلف الغرائز والشهوات, فهو يركض في طلب حوائجه وحوائج اسرته وارحامه يبتغي الرزق والمجد, ويسعى لتحقيق وطره وقضاء رغبته,

стр. 940

وهو بحاجة الى من يعينه ويرشده ويذكره اعمال البر والايثار والتراحم التي قل ماتبدو صورها النبيلة, وهو بحاجة الى من يهديه الى افضل الاعمال والاخلاق حتى يكون انسانا سويا, وهو بحاجة ايضا الى من يعينه, ويوطن نفسه على الثبات وقوة الجاش, ولن يجد ذلك الا في الصلاة التي يناجي فيها ربه ويثني عليه, فهو الذي يعين ويبصر ويسدد ويوفق ويرزق ويعطي ويمنع, فهو يقف امام ذي القوة والعلم الشامل ليكمل له قصور معرفته, وما يعجز عنه لضعف قواه, يحمده ويمجده ويسترضيه, ثم يسأله بعد ذلك هداية تحفها النعمة ويجانبها السخط, وفي الحديث القدسي قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) (١) فالانسان حينما يقوم مبكرا الى صلاة الفجر يكون قد ارتبط بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون فيكون قد ارتبط بالله الذي خلقه يمنحه قبسا من العون والنشاط والنور والهدى من اول يومه , ويكون بذلك قد نال ضمانا في يومه يقضي سحابة يومه وهو في حرز منيع لانه ارضى

стр. 941

ربه ولاذ به وطلب حمايته, وفي الحديث النبوي الشريف (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) (١) ان من كان في ذمة الله كان في امن وفي سعادة وكان قويا في خلقه ودينه فكيف بالانسان الذي يحافظ على الصلوات كلها بهمة وعزيمة, انه بلاشك سيكون قاهرا لعدوه الشيطان وصولا للارحام بعيدا عن المنكرات والاثام, قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٢) قال الشاعر: طوبى لعبد بحبل الله معتصمه ... على صراط سوي ثابت قدمه رث اللباس جديد القلب مستتر ... في الارض مشتهر فوق السماء سمه مازال يستحقر الدنيا بهمته ... حتى ترقت الى الاخرى به هممه فذاك أعظم من ذي التاح متكئا ... على النمارق محتفا به حشمه (٣) فتمتع بالصلاة وتذوق لذه المناجاة لله وابتهج وانت تناجي ربك في صلاتك فان لم تكن تراه فانه يراك, فالصلاة اكبر انواع العون على تحصيل الدنيا والاخرة ودفع المفاسد فهي تنهى عن الاثم وتنير القلب وترفع الظلم وتحفظ النعمة, وتكشف الغمة فبادر اليها مستعينا بالله, وفي الذكر الحكيم:

стр. 942

﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) . استقبال عين الكعبة يشترط لصحة الصلاة ان يتوجه المصلي نحو الكعبة المشرفة امتثالا لامر الله, فهو يستقبلها في صلاته وعند ذلك تتحد وجهة الصلاة عند المسلمين جميعا, اذ لو فوض الامر الى المصلي لغلب على نفسه الاضطراب والحيرة فلا يدري اي الجهات اقرب الى الله, وليشعر جميع المسلمين بتوحد وجهتهم, فكان من حكمة الله ان عين جهه الكعبة التي هي اول بناء قام على الارض لعبادة الله وحده قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ (٣) وقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) وليس المقصود من استقبال الكعبة عبادة عينها بل المقصود بذلك هو الله وحده, لأن الشريعة تحكم بالكفر على من يقصد بتوجهه غير الله. ويرحم الله القائل: اذا لم يكن لله فعلُك خالصاً ... فكل بناء قد بنيت خراب (٥)

стр. 943

الصلاة في المساجد المساجد جمع مسجد, والمسجد: هو الموضع الذي يسجد فيه لله وحده, وكل موضع يتعبد فيه لله فهو مسجد لقوله ﵌: (وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) (١) والمساجد دور لعبادة الله ومنارات الهدى واعلام الدين يغشاها المؤمنون ليرتفعوا بها عن اوضار المادة, وليقفوا بين يدي الله ضارعين يؤدون فيها الفرائض, ويخلفون الدنيا وما فيها وراء المناكب, ويتزاحم فيها العابد والتائب, ويلتقي فيها القريب والبعيد, والفقير والغني فاذا هم سواسيه امام عظمة الله يركعون ويسجدون وبحمده يسبحون, وفي الذكر الحكيم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٢) وتعتبر المساجد ملتقى المؤمنين بها تتعلق قلوبهم وفيها تسموا ارواحهم وتتوحد صفوفهم وفيها يؤدون صلاتهم, ويعظمون ربهم ويجسدون وحدتهم, ومن المسجد انطلق المصلون من الصحابة والتابعين فأضاؤوا الدنيا عدلا ونورا, فهي مجمع المتقين, المشي اليها يرفع الله به الدرجات, ويمحو به الخطيئات, ويضاعف به الحسنات, وفي الحديث النبوي: (بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٣) فما اجمل صلاة الجماعة فيها, حيث يجتمع المسلمون في مكان واحد يحيي بعضهم بعضا, يتئالفون, ويتوادون, ويتحابون, في محل تحل فيه الألفة والمودة والمحبة, وطلب الامن من الله والطمأنينة والسلامة والانس, ففي صلاة الجماعة شعار الوحدة والتوحد, وفي اقامة صفوف المؤمنين وتراصها نيل ثواب الله رب العالمين, وسبب لادراك رحمته, ونزول البركات, وادراك الخيرات, وفي القرآن الحكيم: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٤) فالسعيد من عمرها وحافظ على اداء الفرائض فيها, وقد روي ان عمر بن الخطاب ﵁ قال: "المساجد بيوت الله في الارض, والمصلي فيها زائر لله, وحق على المزور ان يكرم زائره". وقال وهب بن منبه ﵀: "يؤتى بالمساجد يوم القيامة كامثال السفن مكللة بالدر والياقوت فتشفع لاهلها". وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٥) وفي الحديث النبوي الشريف: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ) (٦) فان كنت اخي تبحث عن السعادة والراحة والعزة والكرامة والبهجة والرضا والسكينة والمغفرة فستجد كل ذلك في المسجد, فاستعد للذهاب اليه متطيبا متطهرا متشوقا ففي

стр. 944

الحديث النبوي (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ) (١) فكم لله من رجال فازوا بخير الدنيا ونعيم الآخرة, عظموا الله في صلاتهم وفي ركوعهم وسجودهم في ليلهم ونهارهم, ويرحم الله القائل: اذا ما تنادوا للصلاة وجدتني ... يفزع من خوف الاله جنابي وقال اخر: إذا ما الليلُ أظلَمَ كابَدوه ... فيُسفِرُ عنهُم وهم ركوعُ أطارَ الخوفُ نومَهُمُ فقاموا ... وأهلُ الأمن في الدنيا هجوعُ لهُم تحتَ الظلام وهُم سجودٌ ... أنينٌ منهُ تنفرجُ الضلوعُ وخُرسٌ بالنهارِ لطولِ صمتٍ ... علَيهِم من سكينَتِهم خشوعُ (٢) الصلاة تقوي النفس الانسانية ان روح الصلاة تتمثل في حضور القلب, وخضوع الجوارح, فحري بالمسلم ان يشحذ همته ويحصر ذهنه على تدبر اذكارها واداء اركانها خاشعا لربه مستشعرا ان الصلاة ركن الدين وعماده المتين, وعنوان الاستقامة, ومثال الكمال, وباب التقوى, ومعين الاخلاص, ونور الايمان, ومجلبة الاحسان, ومظهر الإسلام, وانها تنقي صحيفة المسلم من الذنوب, وتزيل مااقترفه الإنسان من الخطايا, وتغسل ادران المعاصي, وتطفيء نار غضب

стр. 945

الرب ﵎, وان من حافظ عليها وخشع فيها كما امر الله اوصلته الى درجة الصديقين, فهي احب الاعمال الى الله ﵎, فقد روي عن ابن مسعود رضي الله انه قال: سالت رسول الله ﵌: (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا) (١) وقال عمر بن الخطاب ﵁: "ان الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما اكمل لله تعالى صلاة, قيل: وكيف ذلك؟ قال: لايتم ركوعها وسجودها وخشوعها وتواضعه واقباله على الله فيها". وقال الحسن ﵀: "كل صلاة لايحضر فيها القلب فهي الى العقوبة اسرع" (٢) . فالخشوع روح الصلاة, فالانسان عندما يهرع الى الصلاة وهو يتوجه الى الله بالعبادة تتنازعه افكار متعددة فيحاول ان يطردها فيحل محلها استحضار عظمة الله ولذة مناجاته, فالصلاة تساعد على تنمية ملكة حصر الذهن في الإنسان, فالمصلي الذي يحاول بكل قدرته ان يحصر فكره طيله الوقت الذي تستغرقه الصلاة ويدفع الوسواس والخواطر التي تنازعه وتحاول ان تقطع صلاته يكون خاشعا معظما لله خائفا منه راجيا له مستحييا من تقصيره مناجيا لله وذاكرا له ومتفهما لما يقرؤه في الصلاة, وذلك دواء القلب, ودليل على الفلاح والنجاح, وفي القرآن الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣)

стр. 946

قصة وردت في الحديث النبوي روي عن ابن مسعود ﵁: (أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ فَنَزَلَتْ ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي) (١) السعادة وصفا الذهن في الصلاة ان من يحافظ على صلاته يحافظ على نضارته وصحته, فهو يستنشق النسيم العليل, ويتطهر ويتلذذ بمناجاة العزيز الرحيم وذلك مايدعو الى البهجة, ويساعد على طول العمر وبركته وزيادة الرزق, والاستظلال برحمة الله ورعايته, فملائكة الله تورد اخبار صلاته كاملة تامة, وبالصلاة ضمان نجاة الإنسان من النار, وفي الصلاة صفاء افكاره, وتطهير باطنه, والاتصال بالله, وكلما توغلت في شيء وتوغلت فيه فانك ستجد الله الاول اظهر من كل شيء, وهو الاول ابطن من اي شيء, فاجعل من طاقتك وتوجهك الوصول الى ربك الاول الاخر الظاهر الباطن لتسعد في دنياك واخرتك, واجعل الله الذي يعلم ظاهرك وباطنك ويطلع على جميع احوالك ومقصودك, فاذا اردت ألا تشيخ ولاتهرم في افكارك وخلقك وسلوكك وان تكون في شباب دائم فاتجه الى الله واجعله مقصودك, ورضاه مطلوبك, اجعل هدفك الاخرة فانت في شباب دائم ومتجدد. حتى الناجحون في

стр. 947

حياتهم والاعلام المتألقون في الصناعة والتجارة في العلوم في مراكز القوى اي انسان متألق مادام حيا فاهدافه المادية اصغر من طاقته الكبرى, فالانسان الذي يسعد طول حياته هو انسان اتجه الى الله الاول الاخر الظاهر الباطن الذي بيده ملكوت كل شيء الظاهر العليم بمابطن والظاهر الذي ظهر فوق كل شيء الغالب الذي لايغلب, فلو انتهت الدنيا فماذا بعد الحياة؟ الله هو الاول والاخر, ولو تحركت نحو الماضي لوجدت الله هو الاول, ولو اتجهت نحو المستقبل فستجد ان الله هو الاخر وهو الباقي وهو المتصرف في جميع الاشياء, وقد كان من دعاء بعضهم.. إلهي لك البقاء, وانت الدائم والجموع هباء, فاجعل لنا قسطا من نور اسمك الاخر, فيحيي به الظواهر والسرائر فلا نشهد إلا الباقي بالباقي, ولانصل إلا الى مقام العالي الراقي (١) . واذا كانت الحياة متقلبة فاخلص في صلاتك لربك تصل الى جميع مرادك, ولله در القائل: لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ ... فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ ... مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ ... وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ (٢) من اسماء الله الحسنى الاول والاخر والظاهر والباطن ورد في القرآن العظيم: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) ووردت هذه الاسماء الاربعة في السنة النبوية كما في حديث ابي هريرة عند الترمذي ووردت ايضا في دعاء الرسول ﵌ كما في صحيح مسلم, والأمة مجمعة على تسمية الله بهذه الاسماء الاربعة, فهو الاول بلا ابتداء والاخر بلا انتها وهو الاول قبل كل شيء والاخر بعد كل شيء, والباقي بعد فناء الاشياء, وهو الظاهر على كل شيء, والعالي فوق كل شيء, والظاهر بنعمه, والظاهر بقدرته وقوته وعظيم مخلوقاته, والظاهر بحججه وبراهينه, والظاهر بافعاله وقدرته واحكام صنعته, والباطن الذي لاتدركه الابصار, فهو سبحانه الباطن العليم ببواطن الأمور وظواهرها, والقريب الى كل شيء ومن كل شيء بعلمه وقدرته, وقال الحليمي ﵀: فَالأَوَّلُ هُوَ الَّذِي لا قَبْلَ لَهُ، وَالآخِرُ هُوَ الَّذِي لا بَعْدَ لَهُ، وَهَذَا لأَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ نِهَايَتَانِ، فَقَبْلُ نِهَايَةُ الْمَوْجُودِ مِنْ قَبْلِ ابْتِدَائِهِ، وَبَعْدُ غَايَتُهُ مِنْ قَبْلِ انْتِهَائِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَلا انْتِهَاءٌ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْجُودِ قَبْلُ وَلا بَعْدُ، فَكَانَ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ (٤) .

стр. 948

وقال الامام ابن القيم: الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة, فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه (١) . قلت واحسن مايفسر به هذه الاسماء الاربعة هو تفسير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو اعلم الخلق بالله فقد روي عن ابي هريرة انه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى مُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ) زَادَ وَهْبٌ فِي حَدِيثِهِ (اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ) (٢) فقد فسر صلوات الله وسلامه عليه كل اسم بمعناه العظيم, ونفى عنه مايضاده وينافيه, فسبحان من تفرد بالاحاطة المطلقة والمعرفة التامة والكمال المطلق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد احسن ابن قيم الجوزية حيث يقول: هُوَ أولٌ هو آخِرٌ هُو ظَاهِرٌ ... هُو بَاطِنٌ هِي أربعٌ بوِزَانِ مَا قَبلَهُ شَيءٌ كَذَا مَا بَعدَه ... شَيءٌ تَعَالَى الله ذُو السُّلطَانِ مَا فَوقَهُ شَيءٌ كَذَا مَا دُونَه ... شَيءٌ وَذَا تَفسِيرُ ذِي البُرهَانِ فَانظُر إلَى تَفسِيرِهِ بِتَدَبُّرٍ ... وَتَبَصُّرٍ وَتَعَقُّلٍ لِمَعَانِ

стр. 949

وَانظُر إلَى مَا فِيهِ مِن أنوَاعِ مَع........رِفَةٍ لخَالِقِنَا العَظِيمِ الشَّانِ (١) اما عبد الرحيم البرعي فهو يقول: هُوَ أوّل هُوَ آخر هو ظاهر ... هُوَ باطِن لَيسَ العيون تَراه حجبته أَسرار الجَلال فَدونه ... تَقِف الظنون وَتخرس الافواه صمد بِلا كفء وَلا كَيفية ... أَبد فَما النظراء والاشباه شهدت غَرائب صنعه بوجوده ... لَولاه ما شهدت به لَولاه واليه أذعنت العُقول فآمنت ... با لغيب تؤثر حبها اياه سُبحان من عنت الوجوه لوجهه ... وَله سجود أَوجه وَجباه وقال اخر: هوَ أَوَّلُ آخِرٌ في فَضلِهِ ... هوَ باطِنٌ هوَ ظاهِرُ الإِنعامِ هوَ مفرَدٌ في بَذلِهِ وَنواله ... هوَ معتِقُ الأَسرى من الإِعدامِ (٢) ثمرة معرفه اسمائه الاول والاخر والظاهر والباطن اذا علم المكلف ان الله هو الاول والاخر والظاهر والباطن وجب عليه ان يؤمن به وان يفرده بالعبادة, وان يجعل عبادته وصلاته وصيامه وزكاته ودعاءه وحياته ومماته لله وحده, وان يجرد النظر الى سبق فضل الله ورحمته المبتدي بالإحسان الى الإنسان من غير وسيلة منه إذ لاوسيلة في العدم قبل وجوده فقد اتى على الإنسان حين من الدهر لم

стр. 950

يكن شيئا مذكورا, فمنه الاعداد والامداد فكيف يتعلق المرء بالوسائل التي اوجدها الحق ولايتعلق بالاول الآخر الباقي الدائم بعد فناء الاشياء, فالعاقل لايجعل تعلقه الكامل وركونه ووثوقه باي شيء ينقضي, وانما يتلق في عبادته وصلاته ودعائه وخوفه ورجائه بالاول الاخر الذي يبقى ولا يفنى, فهو الاول الاخر الذي لايموت ولا يزول, فالمتعلق به حقيق الا يخيب ولا يزول ولاينقطع ماتعلق به, بخلاف التعلق بغيره مما له اخر يفنى به, فهو سبحانه الاول الذي ابتدأت منه المخلوقات, والاخر الذي انتهت اليه عبوديتها وارادتها ومحبتها, فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله, كما انه سبحانه ليس قبله شيء يخلق, فكما كان واحدا في ايجادك فاجعله واحدا في تاليهك له لتصح عبادتك وصلاتك, وكما ابتدأ وجودك وخلقك والاحسان اليك واسباغ نعمه عليك ظاهرة وباطنة, فاجعله نهاية حبك وارادتك وتأليهك له لتصح لك عبوديتك له باسمه الاول والاخر والظاهر والباطن, فهو الظاهر على كل شيء وفوق كل شيء والغالب على كل الأمور والظاهر بقوته وقدرته وعلمه وهو الباطن القريب من كل شيئ فهو اقرب اليك من حبل الوريد فاخلص اليه في الدعاء, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) وفي الحديث النبوي الشريف: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا
следующие страницы →