← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا (١). وقد روى البخاري: حدثني إبراهيم، حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال جابر: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة. قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة: أحدهم البراء بن معرور. حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان، قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهد بي خالاي العقبة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر. قال مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول " من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة " فلا يجد أحدا يؤويه ولا بنصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم [يدعوهم إلى الله ] (٢) وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا. فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة " فقمنا إليه [نبايعه] (٣) وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي - وهو أصغر السبعين - إلا أنا، فقال رويدا يا أهل يثرب: فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم، [وأن] تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا أبط (٤) عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا

стр. 1017

نسلبها أبدا. قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة. وقد رواه الإمام أحمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار - زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم (١) كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي إدريس به نحوه. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروي عن جابر إلا من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر. قال: كان العباس آخذا بيد رسول الله ﷺ ورسول الله يواثقنا، فلما فرغنا قال رسول الله ﷺ " أخذت وأعطيت " وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان - هو الثوري - عن جابر - يعني الجعفي - عن داود - وهو ابن أبي هند - عن الشعبي عن جابر - يعني ابن عبد الله - قال قال رسول الله ﷺ للنقباء من الأنصار: " تؤووني وتمنعوني؟ " قالوا: نعم قالوا: فما لنا؟ قال: " الجنة " ثم قال: لا نعلمه يروي إلا بهذا الاسناد عن جابر، ثم قال ابن إسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع. وقد صرح ابن إسحاق - في رواية يونس بن بكير عنه - بسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا سبعين، والعرب كثيرا ما تحذف الكسر، وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة. كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة (٢)، قال منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله. قال كعب بن مالك: فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج - قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه

стр. 1018

إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام. قال: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " قال: فأخذ البراء بن معرور بيده [و] قال نعم! فوالذي بعثك بالحق [نبيا] لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (١) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب [وأهل الحلقة] (٢) ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: " بل الدم الدم، والهدم الهدم (٣). أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " قال كعب وقد قال رسول الله ﷺ : " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. قال ابن إسحاق: وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة [بن ثعلبة] (٤) بن امرئ القيس [بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر] (٤) بن مالك [الأغر] (٥) بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت المتقدم، وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن (٦) خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن

стр. 1019

كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الأوس ثلاثة وهم، أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم [بن الحارث] (١) بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير (٢) بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا، وهو كذلك في رواية يونس عن ابن إسحاق (٣). واختاره السهيلي وابن الأثير في [أسد] الغابة. ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبي زيد الأنصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة - ليلة العقبة الثانية - حين قال: أبلغ أبيا أنه فال رأيه … وحان غداة الشعب والحين واقع (٤) أبى الله ما منتك نفسك إنه … بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا … بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده … وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا … أباه عليك الرهط حين تبايعوا (٥) أباه البراء وابن عمرو كلاهما … وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ومنذر … لأنفك إن حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده … بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة … وإخفاره من دونه السم ناقع وفاء به، والقوقلي بن صامت … بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفي بمثلها … وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع … فهل أنت عن أحموقه الغي نازع

стр. 1020

وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه … ضروح لما حاولت ملامر مانع (١) أولاك نجوم لا يغبك منهم … عليك بنحس في دجى الليل طالع قال ابن هشام: فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة. قلت: وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة. وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك. قال: كان الأنصار ليلة العقبة سبعون رجلا، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وحدثني شيخ من الأنصار أن جبرائيل كان يشير إلى رسول الله ﷺ إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة. رواه البيهقي (٢). وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر [بن حزم] (٣): أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: " أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي [يعني المسلمين] (٤) " قالوا نعم! وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم! قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الاشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال " الجنة " قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه. قال عاصم بن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم وزعم عبد الله بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر [القوم] البيعة تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول سيد الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة، أسعد بن زرارة، كان أول من ضرب على يده. وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان. قال ابن إسحاق: وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك. قال: فكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع [بعد] القوم (٥) وقال

стр. 1021

ابن الأثير في [أسد] الغابة: وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك. وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك. قال: ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أكثر (١) في الناس منها. وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا [أبو] (٢) عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا أبو نعيم [الفضل بن دكين] حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: انطلق رسول الله ﷺ مع العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: " ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم " فقال قائلهم - وهو أبو أمامة - سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت. ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. قال: " أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم " قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: " لكم الجنة " قالوا فلك ذلك. ثم رواه حنبل عن الإمام أحمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن أبي مسعود الأنصاري فذكره قال: وكان أبو مسعود أصغرهم. وقال أحمد عن يحيى عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها. وقال البيهقي: أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش (٣) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام، أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي، أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي، حدثنا زهير، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد الله (٤) بن رفاعة عن أبيه قال: قدمت روايا خمر، فأتاها عبادة بن الصامت فخرقها (٥) وقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله ﷺ التي بايعناه عليها، وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه. وقد روى يونس عن ابن إسحاق [قال] حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت. قال: بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا،

стр. 1022

وأثرة علينا (١)، وأن لا ننازع الامر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. قال ابن إسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك. قال: فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط؟ يا أهل الجباجب - والجباجب المنازل - هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسول الله ﷺ : " هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب " (٢). قال ابن هشام: ويقال ابن أزيب. " أتسمع أي عدو الله؟ أما والله لا تفرغن لك (٣). ثم قال رسول الله ﷺ : " ارفضوا إلى رحالكم " قال: فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : " لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ". قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا (٤)، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا. وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا، من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شئ وما علمناه، قال: وصدقوا لم يعلموا، قال وبعضنا ينظر إلى بعض. قال ثم قال القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان له جديدان (٥)، قال فقلت له كلمة - كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا - يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي. قال: والله لتنتعلنهما، قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى فاردد إليه نعليه. قال: قلت والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم أتوا عبد الله بن أبي بن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا (٦) علي مثل هذا وما علمته كان. قال فانصرفوا عنه. قال ونفر الناس من منى فتنطس (٧) القوم الخبر فوجدوه قد كان،

стр. 1023

فخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى؟ عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته - وكان ذا شعر كثير -. قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضئ أبيض، شعشاع، حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة، فقلت في نفسي لا والله ما عندهم بعد هذا من خير، فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى (١) لي رجل ممن معهم. قال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال: قلت: بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجاره وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي. وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس: فقال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما، قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الان ليضرب بالأبطح ليهتف بكما [ويذكر أن بينه وبينكما جوار]، قالا ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق والله، إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده، قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو. قال ابن هشام: وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام (٢). وروى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبي عيسى بن جبير (٣) قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم (٤)؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول: أيا [يا] سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا … على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى … جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.

стр. 1024

فصل قال ابن إسحاق: فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها. وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم، عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة [وبايع رسول الله ﷺ بها]، وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة (١) كما كانت الاشراف يصنعون، تتخذه إلها يعظمه ويظهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه. فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه. ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من [رجال] قومه فأسلم برحمة الله، وحسن إسلامه، فقال حين أسلم، وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول: والله لو كنت إلها لم تكن … أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لملقاك إلها مستدن … الآن فتشناك عن سوء الغبن (٢) الحمد لله العلي ذي المنن … الواهب الرزاق ديان الدين (٣) هو الذي أنقذني من قبل أن … أكون في ظلمة قبر مرتهن

стр. 1025

فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان (١) فمن الأوس أحد عشر رجلا، أسيد بن حضير أحد النقباء [لم يشهد بدرا]، وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا (٢)، وسلمة بن سلامة بن وقش بدري، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن دينار (٣) بدري، ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري وقتل بها شهيدا، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير (٤) نقيب بدري، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث (٥) بن ضبيعة البلوي حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها. ومن الخزرج اثنان وستون رجلا، أبو أيوب خالد بن زيد وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا، ومعاذ بن الحارث وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون، وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر، وسهل بن عتيك بدري، وأوس بن ثابت بن المنذر بدري، وأبو طلحة زيد بن سهل بدري، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا على الساقة يوم بدر، وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد، وخارجة بن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحدا والخندق، وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد بدري، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه (٦) الذي أري النداء [للصلاة] وهو بدري، وخلاد بن سويد بدري أحدي خندقي وقتل يوم بني قريظة شهيدا،

стр. 1026

طرحت عليه رحى فشدخته فيقال إن رسول الله ﷺ قال: " إن له لاجر شهيدين وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري قال ابن إسحاق: وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا (١)، وزياد بن لبيد (٢) بدري، وفروة بن عمرو بن وذفة (٣)، وخالد بن قيس بن مالك بدري، ورافع بن مالك أحد النقباء، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لأنه أقام عند رسول الله ﷺ بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد (٤) بن عامر بن زريق بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا، والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة وقد مات قبل مقدم النبي ﷺ المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله ﷺ على ورثته، وابنه بشر بن البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله ﷺ من تلك الشاة المسمومة ﵁، وسنان بن صيفي بن صخر بدري (٥)، والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح بدري، وأخوه يزيد بن المنذر بدري، ومسعود بن زيد (٦) بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خذام (٧) بن سبيع، وجبار بن صخر [بن أمية] بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري، وكعب بن مالك (٨)، وسليم بن عامر (٩) بن حديدة بدري وقطبة بن عامر بن حديدة بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري، وصيفي بن سواد بن عباد، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي (١٠) بدري واستشهد بالخندق،

стр. 1027

وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء بدري واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف، وعمير (١) بن الحارث بن ثعلبة بدري، وخديج بن سلامة (٢) حليف لهم من بلى، ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس (٣) في خلافة عمر بن الخطاب، وعبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا وقتل يوم أحد شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة (٤) بن أصرم حليف لهم [من بني غصينة] من بلى، وعمرو بن الحارث بن كندة (٥)، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري! وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم (٦) بدري وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجري أنصاري أيضا، وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء (٧)، والمنذر بن عمرو نقيب بدري أحدي وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذي يقال له أعتق ليموت، وأما المرأتان فأم عمارة نسيبة (٨) بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية. قال ابن إسحاق: وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله ﷺ وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابناها حبيب (٩) وعبد الله، وابنها خبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول نعم، فيقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك، فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قتل مسيلمة ورجعت وبها اثني عشر جرحا من بين طعنة

стр. 1028

وضربة ﵂، والأخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي [بن سنان] (١) بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ﵂. باب الهجرة من مكة إلى المدينة قال الزهري عن عروة عن عائشة، قالت قال رسول الله ﷺ وهو يومئذ بمكة - للمسلمين: " قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين " (٢) فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، ورجع إلى المدينة (٣) من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه البخاري. وقال أبو موسى عن النبي ﷺ : " رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب " وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله ورواه مسلم كلاهما عن أبي كريب زاد مسلم وعبد الله بن مراد كلاهما عن أبي أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن النبي ﷺ الحديث بطوله. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو، حدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا عيسى بن عبيد الكندي، عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير: أن النبي ﷺ قال: " إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين " قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة إليها (٤).

стр. 1029

هذا حديث غريب جدا وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبي عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن جرير. قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله أوحى إلي أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين " ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار. قلت: وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال: روى عنه أبي زرعة حديثا منكرا في الهجرة والله أعلم. قال ابن إسحاق: لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) [الحج: ٣٩ - ٤٠] الآية. فلما أذن الله في الحرب وتابعه (١) هذا الحي من الأنصار على الاسلام والنصرة له، ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين. أمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: " إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها " فخرجوا إليها أرسالا وأقام رسول الله بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين من قريش: من بني مخزوم، أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع إليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانا فعزم إليها. قال ابن إسحاق: فحدثني أبي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة [زوج النبي ﷺ ] قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيرة ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه، قالت وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي. قالت فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي - سنة أو قريبا منها - حتى مر بي رجل من بني

стр. 1030

عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون (١) هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت فرد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، قالت فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله. حتى إذا كنت بالتنعيم (٢) لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معك أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله وبني هذا، فقال: والله مالك من مترك فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة (٣) ثم تنحى [عني] إلى شجرة فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني، وقال: اركبي فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقادني حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة، أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية، وهاجر هو وخالد بن الوليد معا، وقتل يوم أحد أبوه وأخوته، الحارث وكلاب ومسافع، وعمه عثمان بن أبي طلحة. ودفع إليه رسول الله ﷺ يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الاسلام كما كانت في الجاهلية، ونزل في ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) الآية [النساء: ٥٨]. قال ابن إسحاق. ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عمار بن ربيعة حليف بني عدي، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير (٤) بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد، أبي أحمد، اسمه عبد كما ذكره ابن إسحاق وقيل ثمامة. قال السهيلي: والأول أصح. وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن

стр. 1031

عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال: وكل دار وإن طالت سلامتها … يوما ستدركها النكباء والحوب (١) قال ابن هشام: وهذا البيت لأبي دواد الأيادي في قصيدة له. قال السهيلي: واسم أبي دواد حنظلة بن شرقي وقيل حارثة. ثم قال عتبة: أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها. فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من فل بن فل (٢) ثم قال - يعني للعباس - هذا من عمل ابن أخيك، هذا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا. قال ابن إسحاق: فنزل أبو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون أرسالا، قال: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة هجرة، رجالهم ونساؤهم وهم: عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد، وعكاشة بن محصن، وشجاع، وعقبة ابنا وهب، وأربد بن جميرة (٣) ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، وزيد (٤) بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف بن عمرو وربيعة بن أكثم. والزبير بن عبيدة، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن جحش. ومن نسائهم زينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجد أمة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم. قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة: ولما رأتني أم أحمد غاديا … بذمة من أخشى بغيب وأرهب تقول: فإما كنت لا بد فاعلا … فيمم بنا البلدان ولننا يثرب فقلت لها ما يثرب بمظنة (٥) … وما يشأ الرحمن فالعبد يركب إلى الله وجهي والرسول ومن يقم … إلى الله يوما وجهه لا يخيب فكم قد تركنا من حميم مناصح … وناصحة تبكي بدمع وتندب ترى أن وترا نائيا عن بلادنا … ونحن نرى أن الرغائب نطلب (٦) دعوت بني غنم لحقن دمائهم … وللحق لما لاح للناس ملحب

стр. 1032

أجابوا بحمد الله لما دعاهم … إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى … أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا كفوجين إما منهما فموفق … على الحق مهدي وفوج معذب طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم … عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا ورعنا إلى قول النبي محمد … فطاب ولاة الحق منا وطيبوا نمت بأرحام إليهم قريبة … ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم … وأية صهر بعد صهري يرقب ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا … وزيل أمر الناس للحق أصوب قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة. فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه. قال: أتعدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، التناضب (١) من أضاة (٢) بني غفار فوق سرف، وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه، قال: فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش - وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما - حتى قدما إلى المدينة ورسول الله ﷺ بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها فقلت له: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. قال: فقال: أبر قسم أمي ولي هنالك مال فأخذه قال: قلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال: فأبى علي إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له

стр. 1033

أبو جهل: يا [بن] أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال عمر: فكنا نقول: لا يقبل الله ممن افتتن توبة. وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنزل الله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) [الزمر: ٥٣ - ٥٥] قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتني جعلت اقرأها بذي طوى (١) أصعد بها وأصوب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة. وذكر ابن هشام أن الذي قدم بهشام بن العاص، وعياش بن أبي ربيعة إلى المدينة، الوليد [بن الوليد] بن المغيرة سرقهما من مكة وقدم بها يحملهما على بعيره وهو ماش معهما، فعثر فدميت أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت وقال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة أنبأنا أبو إسحاق سمع البراء. قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار وبلال. وحدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب. قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نفرا من أصحاب النبي ﷺ ثم قدم النبي ﷺ . فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ ، فما قدم حتى قرأت سبح اسم ربك الاعلى في سور من المفصل. ورواه مسلم في صحيحه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب بنحوه وفيه التصريح بأن سعد بن أبي وقاص هاجر قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وقد زعم موسى بن عقبة عن الزهري أنه إنما هاجر بعد رسول الله ﷺ والصواب ما تقدم (٢). قال ابن إسحاق: ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه

стр. 1034

زيد بن الخطاب وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي زوج ابنته حفصة وابن عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وواقد بن عبد الله التميمي حليف لهم وخولى بن أبي خولي، ومالك بن أبي خولي حليفان لهم من بني عجل وبنو البكير إياس وخالد وعاقل وعامر وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بن زنير (١) في بني عمرو بن عوف بقباء. قال ابن إسحاق: ثم تتابع المهاجرون ﵃: فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف (٢) أخي بلحارث بن الخزرج بالسنح (٣). ويقال بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة. قال ابن هشام: وذكر لي عن أبي عثمان النهدي أنه قال: بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم! قال فإني قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب " (٤) وقد قال البيهقي: حدثنا الحافظ أبو عبد الله - إملاء - أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، أخبرنا عبدان الأهوازي، حدثنا زيد بن الجريش، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي بن صهيب، حدثني أبي وعمومتي عن سعيد بن المسيب عن صهيب. قال: قال رسول الله ﷺ : " أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فإما أن تكون هجر أو تكون يثرب " قال وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت معه بالخروج فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكيا - فناموا. فخرجت ولحقني منهم ناس بعدما سرت بريدا (٥) ليردوني فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي وتوفون لي ففعلوا فتبعتهم إلى مكة فقلت احفروا تحت أسكفة الباب فإن بها (٦) أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ بقباء

стр. 1035

قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: " يا أبا يحيى ربح البيع [ثلاثا:] (١) فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبرائيل ﵇ (٢). قال ابن إسحاق: ونزول حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز بن الحصين وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة، وأنسة (٣) وأبو كبشة (٤) موليا رسول الله ﷺ على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء، وقيل: على سعد بن خيثمة، وقيل بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة والله أعلم. قال ونزل عبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل وحصين ومسطح بن أثاثة وسويبط بن سعد بن حريملة أخو بني عبد الدار وطليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي، وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة أخي بلعجلان بقباء ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع (٥)، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبي رهم على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة، دار بني جحجبي، ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ، ونزل أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة. قال ابن إسحاق وقال الأموي: على خبيب بن أساف أخي بني حارثة، ونزل عتبة بن غزوان على عباد بن بشر بن وقش في بني عبد الأشهل، ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار. قال ابن إسحاق: ونزل العزاب (٦) من المهاجرين على سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا والله أعلم أي ذلك كان. وقال يعقوب بن سفيان: حدثني أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله (٧) عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قدمنا [من] مكة فنزلنا العصبة، عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة. فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنا.

стр. 1036

فصل في سبب هجرة (١) رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة قال الله تعالى: (وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [الاسراء: ٨٠] أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء [و] أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا، فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبوية حيث الأنصار والأحباب، فصارت له دارا وقرارا، وأهلها له أنصارا. قال أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة: عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان (٢) عن أبيه عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ بمكة، فأمر بالهجرة وأنزل عليه: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) (٣) وقال قتادة: (أدخلني مدخل صدق) المدينة (وأخرجني مخرج صدق) الهجرة من مكة (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) كتاب الله وفرائضه وحدوده (٤). قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن (٥)، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄ وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا " فيطمع أبو بكر أن يكونه. فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم

стр. 1037

قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير (١) عن عبد الله بن عباس. وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس. قال: لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله ﷺ ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ جليل عليه بتلة (٢) فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ؟ قال شيخ من أهل نجد (٣) سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا. قالوا أجل فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش عتبة وشيبة [ابنا ربيعة] (٤) وأبو سفيان وطعيمة بن عدي وجبير بن مطعم بن عدي، والحارث بن عامر بن نوفل، والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام وأبو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم - قيل إنه أبو البختري بن هشام - احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي. فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت (٥). قال الشيخ

стр. 1038

النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب (١)، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا (٢) فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم، قال يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هذا الرأي ولا رأي غيره (٣) فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبرائيل رسول الله ﷺ فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: " نم على فراشي وتسج (٤) ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم " وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام. وهذه القصة التي ذكرها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعلي وسراقة بن مالك بن جعشم وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدم. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي. قال: لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل قال - وهم على بابه - إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. قال فخرج رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: " نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم " وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: (يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم) إلى قوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) [يس: ١ - ٩] ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع

стр. 1039

على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنظرون ههنا؟ قالوا محمدا، فقال خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته! أفما ترون ما بكم؟ قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش مستجيا ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا (١) فقام علي عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي كان حدثنا. قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) [الأنفال: ٣٠] وقوله: (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين) [الطور: ٣٠] قال ابن إسحاق فأذن الله لنبيه ﷺ عند ذلك بالهجرة. باب هجرة رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ وذلك أول التاريخ الاسلامي كما اتفق عليه الصحابة في الدولة العمرية كما بيناه في سيرة عمر ﵁ وعنهم أجمعين. قال البخاري: حدثنا مطر بن الفضل، ثنا روح، ثنا هشام (٢)، ثنا عكرمة عن ابن عباس. قال: بعث النبي ﷺ لأربعين سنة، فمكث فيها (٣) ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد

стр. 1040

كانت هجرته ﵇ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته ﵇ وذلك في يوم الاثنين كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين (١). قال محمد بن إسحاق: وكان أبو بكر حين استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فقال له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا، قد طمع بأن يكون رسول الله ﷺ إنما يعني نفسه، فابتاع راحلتين (٢) فاحتبسهما في دار يعلفهما إعدادا لذلك. قال الواقدي: اشتراهما بثمانمائة درهم. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه رسوله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث! قالت فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ وليس عند رسول الله ﷺ (٣) أحد إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : (أخرج عني من عندك " قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي (٤)، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال: " إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة " قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: " الصحبة " قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي. ثم قال: يا نبي الله إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أرقط (٥) قال ابن هشام: ويقال عبد الله بن أريقط. رجلا من بني الدئل بن بكر، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم - فيما بلغني - بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر، أما علي، فإن رسول الله ﷺ أمره أن يتخلف حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، وكان

стр. 1041

رسول الله ﷺ وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته. قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله ﷺ [الخروج] (١) أتى بأبكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته. وقد روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق. قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة قال: " الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام. اللهم أصحبني في سفري. واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني ولك فذللني. وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، وتنزل بي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك وجميع سخطك. لك العقبى (٢) عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك ". قال ابن إسحاق: ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عامر بن فهيرة (٣) مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما [يأتيهما] إذا أمسى في الغار. فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ﷺ وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا. فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه. وسيأتي في سياق البخاري ما يشهد لهذا وقد حكى ابن جرير عن بعضهم أن رسول الله ﷺ سبق الصديق في الذهاب إلى غار ثور، وأمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناء الطريق. وهذا غريب جدا وخلاف المشهور من أنهما خرجا معا. قال ابن إسحاق: وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵂ تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، قالت أسماء: ولما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي. قالت فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدي لطمة طرح منها

стр. 1042

قرطي ثم انصرفوا. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم - أو ستة آلاف درهم - فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه؟ قالت: قلت: كلا يا أبة إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبة ضع يدك على هذا المال. قالت فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك. وقال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر قبل رسول الله ﷺ فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية، بقي رسول الله ﷺ بنفسه. وهذا فيه انقطاع من طرفيه. وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة: أن النبي ﷺ لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي ﷺ مرة، وخلفه مرة. فسأله النبي ﷺ عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك. حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر: كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شئ يؤذي رسول الله ﷺ ، وهذا مرسل. وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق ﵁. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أنا موسى بن الحسن ثنا عباد، ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين. قال: ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر. فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ فقال: " يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟ " فقال: يا رسول الله أذكر الطلب، فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد، فأمشي بين يديك. فقال: " يا أبا بكر لو كان شئ لأحببت أن يكون بك دوني؟ " قال: نعم، والذي بعثك بالحق [ما كانت لتكون من ملمة إلا أحببت أن تكون لي دونك] (١). فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار،

стр. 1043

فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان [في أعلاه] (١) ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ [الجحرة]. فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل. ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر. وقد رواه البيهقي من وجه آخر (٢) عن عمر وفيه: أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله ﷺ تارة، وخلفه أخرى، وعن يمينه وعن شماله. وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله ﷺ حمله الصديق على كاهله، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها. وبقي منها جحر واحد، فألقمه كعبه فجعلت الأفاعي تنهشه ودموعه تسيل. فقال له رسول الله ﷺ : " لا تحزن إن الله معنا " وفي هذا السياق غرابة ونكارة. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو. قالا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا أسود بن عامر: شاذان، ثنا إسرائيل، عن الأسود عن جندب بن عبد الله. قال: كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ في الغار، فأصاب يده حجر فقال: إن أنت إلا أصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت (٣) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك) (٤) قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ . وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات علي على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ﷺ . فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم. فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري. فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال. وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله رسوله ﷺ . وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر: حدثنا بشار الخفاف

стр. 1044

ثنا جعفر وسليمان (١) ثنا أبو عمران الجوني، حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري. قال: انطلق النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار. وجاءت قريش يطلبون النبي ﷺ ، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد، وكان النبي ﷺ قائما يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي ﷺ : هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أئل (٢) ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي ﷺ : " يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا " وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن بحاله من الشاهد، وفيه زيادة صلاة النبي ﷺ في الغار. وقد كان ﵇ إذا أحزنه أمر صلى وروى هذا الرجل - أعني أبو بكر أحمد بن علي القاضي -[عن] عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر. قال لابنه: يا بني إذا حدث في الناس حدث فأت الغار الذي اختبأت فيه أنا ورسول الله ﷺ فكن فيه فإنه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا. وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول: نسج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا، وقد نظم ذلك الصرصري في شعره حيث يقول: فغمى عليه العنكبوت بنسجه … وظل على الباب الحمام يبيض والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا عمرو بن علي، ثنا عون بن عمرو أبو عمرو القيسي - ويلقب بعوين (٣) - حدثني أبو مصعب المكي. قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون أن النبي ﷺ ليلة الغار أمر الله شجرة فخرجت في وجه النبي ﷺ تستره (٤)، وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله ﷺ وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من رسول الله ﷺ قدر مائتي ذراع قال الدليل - وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي - هذا الحجر ثم لا أدري أين وضع رجله. فقال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة.

стр. 1045

حتى إذا أصبحوا (١) قال: أنظروا في الغار، فاستبقه القوم حتى إذا كانوا من النبي ﷺ قدر خمسين ذراعا، فإذا الحمامتان، فرجع (٢) فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار؟ قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمعها النبي ﷺ فعرف أن الله قد درأ عنهما بهما، فسمت عليهما - أي برك عليهما وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى (٣). وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره عن عون بن عمرو - وهو الملقب بعوين - بإسناده مثله. وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الأثر سراقة بن مالك المدلجي وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الأثر كرز بن علقمة. قلت: ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الأثر والله أعلم. وقد قال الله تعالى: " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه (٤) وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) [التوبة: ٤٠] يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول: (إلا تنصروه) أنتم فان الله ناصره ومؤيده ومظفره كما نصره (إذ أخرجه الذين كفروا) من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبي بكر ليس غيره ولهذا قال: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) أي وقد لجئا إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، وذلك لان المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما - أو أحدهما - مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، وكان الذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم، فصعدوا الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذي أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما، حفظا من الله لهما. كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا همام أنا ثابت، عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه. قال قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار. لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه؟ فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به (٥). وقد ذكر بعض أهل السير أن أبا

стр. 1046

بكر لما قال ذلك قال النبي ﷺ : " لو جاؤنا من ههنا لذهبنا من هنا " فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه. وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به. والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله ﷺ فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية. ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم. قلت: وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك، وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه. وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار، وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا. فمنه قوله: قال النبي - ولم أجزع - يوقرني … ونحن في سدف من ظلمة الغار لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا … وقد توكل لي منه بإظهار وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطولة جدا، وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم. وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير. قال فمكث رسول الله ﷺ بعد الحج - يعني الذي بايع فيه الأنصار - بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، أو يحبسوه. أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية. فأمر عليا فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، وإن خروجه هو وأبو بكر إلى الغار وكان ليلا. وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك أيضا. وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل. قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (١) لقيه ابن الدغنة (٢) وهو سيد القارة، فذكرت ما كان من رده لأبي بكر إلى مكة وجواره له

стр. 1047

كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قالت والنبي ﷺ يومئذ بمكة فقال النبي ﷺ للمسلمين: " إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين: وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة. فقال له رسول الله ﷺ : " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - (١) أربعة أشهر، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر (٢) الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ [مقبلا] (٣) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ : " أخرج من عندك " فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: فإنه قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي، قال النبي ﷺ : " نعم "! قال أبو بكر: فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله ﷺ بالثمن (٤). قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين (٥). قالت ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا (٦) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج (٧) من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر

стр. 1048

منحة (١) من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيعهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الدئل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا (٢) - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال. وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل (٣). قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم. يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة (٤) ثم قمت فدخلت [بيتي] (٥) فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت، فخططت بزجه (٦) الأرض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي (٧) حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام فجعل فرسي يقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لاثر يديها غبار (٨) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الأزلام فخرج الذي أكره،

стр. 1049

فناديتهم الأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت من الحبس عنهم (١) أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ . فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع. فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا: أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم. ثم مضى رسول الله ﷺ (٢). وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الذي يكره لا يضره. حتى ناداهم بالأمان. وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة (٣) ما بينه وبين رسول الله ﷺ ، قال فكتب لي كتابا في عظم - أو رقعة أو خرقة - وذكر أنه جاء به إلى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة (٤) مرجعه من الطائف، فقال له: " يوم وفاء وبر، أدنه " فدنوت منه وأسلمت. قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد. ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال: كفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول الله ﷺ قد وصل إلى المدينة. جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي ﷺ وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه. فخاف رؤساء قريش معرته، وخشوا أن يكون ذلك سببا لاسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم، فكتب أو جهل - لعنه الله - إليهم: بني مدلج إني أخاف سفيهكم … سراقة مستغو لنصر محمد عليكم به ألا يفرق جمعكم … فيصبح شتى بعد عز وسؤدد قال: فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا: أبا حكم والله لو كنت شاهدا … لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا … رسول وبرهان فمن ذا يقاومه (٥)

стр. 1050

عليك فكف القوم عنه فإنني … أخال لنا يوما ستبدو معالمه (١) بأمر تود النصر فيه فإنهم … وإن جميع الناس طرا مسالمه (٢) وذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبي إسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا. وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام [إلى مكة] (٣)، فكسى الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى (٤) رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول (٥) بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلا صوته: يا معشر العرب (٦) هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين (٧) من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه. فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع (٨) عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين. وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل (٩) غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال

стр. 1051

رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: " هذا إن شاء الله المنزل "، ثم عاد رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما (١). ثم بناه مسجدا. فطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، وهو يقول حين ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: لا هم إن الاجر أجر الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة (٢) فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. هذا لفظ البخاري وقد تفرد بروايته دون مسلم (٣)، وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا. قال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن محمد، أبو سعيد العنقزي، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب. قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله ﷺ وأنت معه؟ فقال أبو بكر: خرجنا فأدلجنا فاحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية

стр. 1052

ظلها، فسويته لرسول الله ﷺ وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش - فسماه فعرفته - فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم! قلت هل أنت حالب لي؟ قال نعم! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة (١) من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافيته وقد استيقظ، فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت، ثم قلت هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ قال: " لا تحزن إن الله معنا " حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح - أو رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة - قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ وبكيت، قال لم تبكي؟ [قلت] أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال: " اللهم اكفناه بما شئت " فسلخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ : " لا حاجة لي فيها " ودعا له رسول الله ﷺ فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة [ليلا] (٢) وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الأناجير (٣) واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله ﷺ ، جاء محمد، قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال: فقال رسول الله ﷺ : " أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك " فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا ما فعل رسول الله؟ قال هو على أثري، ثم قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر معه. قال البراء: ولم يقدم رسول الله ﷺ حتى قرأت سورا من المفصل (٤) أخرجاه في الصحيحين

стр. 1053

من حديث إسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا الخ. فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به. وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما (١) فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به. فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك. قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله ﷺ : " إني لا أركب بعيرا ليس لي " قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي. قال: " لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به " قال كذا وكذا. قال: " أخذتها بذلك " قال هي لك يا رسول الله. وروى الواقدي بأسانيده أنه ﵇ أخذ القصواء، قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم. وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: وهي الجدعاء وهكذا حكى السهيلي عن ابن إسحاق أنها الجدعاء والله أعلم. قال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق فحدثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم. قال: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وأن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله ﷺ ، وأن وجهه إلى المدينة. قال ابن إسحاق: وكانوا أربعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي

стр. 1054

بكر، وعبد الله بن أرقد (١) كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي. وكان إذ ذاك مشركا. قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج (٢)، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا (٣)، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار (٤) ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا (٥)، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة محاج (٦) ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين، ثم بطن ذي كشد (٧)، ثم أخذ بهما على الجداجد (٨)، ثم على الأجرد (٩)، ثم سلك بهما ذا سلم، من بطن أعداء مدلجة تعهن (١٠)، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة. ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له: ابن الرداء - إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، خرج بهما [دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة - ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن ريم، ثم قدم بهما] (١١) قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل. وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل، وخالفه في بعضها والله علم قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن السراج، حدثنا محمد بن عبادة بن موسى العجلي، حدثني أخي موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار، حدثني

стр. 1055

إياس بن مالك بن الأوس الأسلمي عن أبيه. قال: لما هاجر رسول الله ﷺ وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة، فقال رسول الله ﷺ : " لمن هذه الإبل؟ " فقالوا لرجل من أسلم، فالتفت إلى أبي بكر فقال: " سلمت إن شاء الله، فقال ما اسمك؟ " قال مسعود، فالتفت إلى أبي بكر فقال: " سعدت إن شاء الله ". قال فأتاه أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء. قلت: وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين. والظاهر أن بين خروجه ﵇ من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة، قال ابن هشام. وقال يونس عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم. وقال الأموي: هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس (١) بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو، ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد، واسمه أكتم (٢) بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس، وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا. وهذه قصة أم معبد الخزاعية: قال يونس عن ابن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف (٣) بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله ﷺ ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله، وحلب في العس حتى أرغى وقال: " اشربي يا أم معبد " فقالت: اشرب فأنت أحق به فرده عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح. وطلبت قريش رسول الله ﷺ حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا: أرأيت محمدا من حليته كذا كذا؟ فوصفوه لها. فقالت: ما أدري ما تقولون، قدمنا فتى حالب الحائل. قالت قريش: فذاك الذي نريد. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عقبة، بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ثنا أبي عن أبيه عن جابر. قال: لما
следующие страницы →