← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

العلماء قديما وحديثا وبجانبها طرقا يقتصر عليها أهل الشيع وغيرهم لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي ﷺ جميعهم - إلا إبراهيم منها. وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها، وتقدير إسلامها، وكونها من الصديقات ولها مقام صدق في أول البعثة. وبذلت نفسها ومالها لرسول الله ﷺ وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات وروت بعده عنه ﵇ علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " (١) (والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره، والأحسن التوقف في ذلك إلى الله . ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول الله أعلم. وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب ﵁. قال قال رسول الله ﷺ : " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " (٢) أي خير زمانهما. وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن إياس ﵁. قال قال رسول الله ﷺ : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (٣) رواه ابن مردويه في

стр. 982

تفسيره. وهذا إسناد صحيح إلى شعبة وبعده. قالوا والقدر المشترك بين الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت إليه وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل. وخديجة رغبت في تزويج رسول الله ﷺ بها وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله . وقوله: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة الطيب الهمداني عن أبي موسى الأشعري. قال قال رسول الله ﷺ : " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون. ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد هو الخبز واللحم جميعا وهو أفخر طعام العرب كما قال بعض الشعراء: إذا ما الخبز تأدمه بلحم … فذاك، أمانة الله الثريد ويحمل قوله " وفضل عائشة على النساء " أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوف يحتمل التسوية بينهن فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج والله أعلم. فصل في تزويجه ﷺ بعد خديجة ﵂[بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة ﵄] (١) والصحيح أن عائشة تزوجها أولا كما سيأتي. قال البخاري في باب تزويج عائشة … حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: " أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة من حرير، ويقول هذه امرأتك. فاكشف عنها فإذا هي أنت، فأقول إن كان هذا (٢) من عند الله يمضه " قال البخاري باب نكاح الأبكار. وقال ابن أبي مليكة قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي ﷺ بكرا غيرك … حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: " في التي (٣) لم يرتع منها " تعني أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها. انفرد

стр. 983

به البخاري ثم قال حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " أريتك في المنام فيجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت إن يكن هذا من عند الله يمضه " (١) وفي رواية " أريتك في المنام ثلاث ليال " وعند الترمذي أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. وقال البخاري [في باب] تزويج الصغار من الكبار، حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن يزيد عن عراك عن عروة أن رسول الله ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال: " أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال " (٢) هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل وهو عند البخاري والمحققين متصل لأنه من حديث عروة عن عائشة ﵂، وهذا من إفراد البخاري ﵀. وقال يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: تزوج رسول الله ﷺ عائشة بعد خديجة بثلاث سنين وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبني بها وهي ابنة تسع. ومات رسول الله ﷺ وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة. وهذا غريب. وقد روى البخاري عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ بثلاث سنين، فلبث سنتين (٣) أو قريبا من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين، وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الامر. وقوله تزوجها وهي ابنت ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع ما لا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في الصحاح وغيرها - وكان بناؤه بها ﵇ في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة. وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو من ثلاث سنين ففيه نظر. فإن يعقوب بن سفيان الحافظ قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة، وأنا ابنة سبع - أو ست سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مجممة (٤)، فهيآنني وصنعنني ثم أتين بي إلى رسول الله ﷺ [فبنى بي] وأنا ابنة تسع سنين. فقوله في هذا الحديث متوفى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج. فوعكت فتمزق

стр. 984

شعري وقد وفت لي جميمة فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها ما أدري ما تريد مني فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمست (١) به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار قال: فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمنني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين. وقال الإمام أحمد في مسند عائشة أم المؤمنين حدثنا محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمرو [حدثنا] أبو سلمة ويحيي. قالا [قالت عائشة] (٢): لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قالت أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر. قال ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة. قد آمنت بك واتبعتك. قال: فاذهبي فاذكريهما علي. فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: أنظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قال وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة قال: وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له قال: " ارجعي إليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الاسلام، وابنتك تصلح لي " فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي. فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصبى صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي أقول هذه تقول؟ [قال] (٣) إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال لخولة ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك؟ قالت أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك إليه. قالت وددت أدخلي إلى أبي - بكر - فاذكري ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية، فقال من هذه؟ قالت خولة بنت حكيم. قال فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. فقال كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت تحب ذلك. قال ادعيها إلي فدعتها قال: أي بنية إن هذه تزعم إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفؤ

стр. 985

كريم أتحبين أن أزوجك به؟ قالت نعم. قال أدعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل (١) يحثي على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وأنا لفي أرجوحة بين عذقين يرجح بي فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشئ من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجرة ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك. فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا ما نحرت علي جزور، ولا ذبحت علي شاة. حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين (٢). وهذا السياق كأنه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي: من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس الأزدي (٣) عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال: قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم [إلى رسول الله ﷺ ] فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: ومن؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال من البكر ومن الثيب؟ قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك [: عائشة]، وأم الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك. قال: فاذكريهما علي (٤). وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم. وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود حدثنا شريك عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله ﷺ يقسم لي بيومها مع نسائه. قالت وكانت أول امرأة تزوجها بعدي. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثني شهر حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصبية، كان لها خمس صبية - أو ست - من بعلها مات. فقال رسول الله ﷺ : " ما يمنعك مني؟ " قالت والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكني

стр. 986

أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية. قال فهل منعك مني غير ذلك؟ قالت لا والله، قال لها رسول الله ﷺ يرحمك الله إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل، صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده. قلت وكان زوجها قبله ﵇ السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدم، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة ﵁. هذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل. ورواه يونس عن الزهري واختار ابن عبد البر أن العقد على سودة قبل عائشة (١) وحكاه عن قتادة وأبي عبيد. قال ورواه عقيل عن الزهري. فصل قد تقدم ذكر موت أبي طالب عم رسول الله ﷺ وأنه كان ناصرا له وقائما في صفه ومدافعا عنه بكل ما يقدر عليه من نفس ومال ومقال وفعال، فلما مات اجترأ سفهاء قريش على رسول الله ﷺ ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون إليه ولا يقدرون عليه. كما قد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني (٢) حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا محمد بن إسحاق، عمن حدثه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر. قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: " أي بنية لا تبكين فإن الله مانع أباك " ويقول ما بين ذلك " ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ثم شرعوا " (٣). قد رواه زياد البكائي عن محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا والله أعلم. وروى البيهقي أيضا عن الحاكم وغيره (٤) عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: " ما زالت قريش كاعين (٥) حتى مات أبو طالب " ثم رواه عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين، حدثنا عقبة

стр. 987

المجدر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب " وقد روى الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بسنده عن ثعلبة بن صعير (١) وحكيم بن حزام أنهما قالا: لما توفي أبو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة أيام - اجتمع على رسول الله ﷺ مصيبتان ولزم بيته وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا في صنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت. وسب ابن الغيطلة رسول الله ﷺ فأقبل إليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح يا معشر قريش صبا أبو عتبة. فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد. فقالوا لقد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم فمكث رسول الله ﷺ كذلك أياما يأتي ويذهب لا يعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إذ جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال مع قومه. فخرج إليهما فقال قد سألته فقال مع قومه. فقالا يزعم أنه في النار. فقال يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله ﷺ ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار. فقال أبو لهب - لعنه الله - والله لا برحت لك إلا عدوا أبدا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار. واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه. قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ في بيته: أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن الحمراء، وابن الأصداء الهذلي. وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص. وكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا يستتر به منهم إذا صلى، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول: يا بني عبد مناف أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق. قلت: وعندي أن غالب ما روي مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي كما رواه ابن مسعود وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه وأقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول الله ﷺ دعا على سبعة منهم كما تقدم. وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له ﵇ خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله. وكذلك عزم أبي جهل - لعنه الله - على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك، مما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبي طالب والله أعلم. فذكرها ههنا أنسب وأشبه.

стр. 988

فصل في ذهابه ﷺ إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحده. [قال ابن إسحاق] فحدثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي. قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف وعمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة، عبد يا ليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك؟ وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك (٢) فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم (٣) ذلك عليه. فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد إلى ظل حبلة (٤) من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله ﷺ فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها ماذا لقينا من أحمائك. فلما اطمأن قال - فيما ذكر [لي]- " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجمهني أم إلى عدو ملكته أمري. إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات (٥)، وصلح عليه أمر

стр. 989

الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك ". قال فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس [وقالا له] (١) خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله ﷺ يده فيه قال: " بسم الله " ثم أكل، ثم نظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله ﷺ ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله ﷺ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ ذلك أخي، كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه (٢). قال يقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويلك يا عداس! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شئ خير من هذا لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه. وقد ذكر موسى بن عقبة نحوا من هذا السياق إلا أنه لم يذكر الدعاء وزاد، وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى ظل نخلة وهو مكروب وفي ذلك الحائط عتبة (٣) وشيبة ابنا ربيعة، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله. ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم. وقد روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: " والسماء والطارق " حتى ختمها. قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ثم قرأتها في الاسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم،

стр. 990

فقال من معهم من قريش نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه (١). وثبت في الصحيحين من طريق عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة حدثته: " أنها قالت لرسول الله ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: " ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم. ثم ناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد! قد بعثني الله إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرني ما شئت إن شئت تطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ : " أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا " (٢). فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله ﷺ وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة (٣) وصلى بأصحابه الصبح فاستمع الجن الذين صرفوا إليه قراءته هنالك. قال ابن إسحاق وكانوا سبعة نفر [من جن أهل نصيبين] (٤)، وأنزل الله تعالى فيهم قوله: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن). قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير، وتقدم قطعة من ذلك والله أعلم. ثم دخل رسول الله ﷺ مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي وازداد قومه عليه حنقا وغيظا وجرأة وتكذيبا وعنادا والله المستعان وعليه التكلان. وقد ذكر الأموي في مغازيه أن رسول الله ﷺ بعث أريقط إلى الأخنس بن شريق، فطلب

стр. 991

منه أن يجيره بمكة. فقال: إن حليف قريش لا يجير على صميمها. ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال نعم! قل له فليأت. فذهب إليه رسول الله ﷺ فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعا فدخلوا المسجد وقال لرسول الله ﷺ : طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم. فقال: أمجير أو تابع؟ قال لا بل مجير. قال إذا لا تخفر. فجلس معه حتى قضى رسول الله ﷺ طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه. وذهب أبو سفيان إلى مجلسه. قال فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة توفي مطعم بن عدي بعده بيسير فقال حسان بن ثابت والله لأرثينه فقال فيما قال: فلو كان مجد مخلد اليوم واحد … من الناس نحى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا … عبادك ما لبى محل وأحرما فلو سئلت عنه معد بأسرها … وقحطان أو باقي بقية جرهما لقالوا هو الموفي بخفرة جاره … وذمته يوما إذا ما تجشما وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم … على مثله فيهم أعز وأكرما إباء إذا يأبى وألين شيمة … وأنوم عن جار إذا الليل أظلما قلت ولهذا قال النبي ﷺ يوم أسارى بدر: " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء (١) لوهبتهم له ". فصل في عرض رسول الله ﷺ نفسه الكريمة على أحياء العرب قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله ﷺ مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. قال ابن إسحاق: فحدثني من أصحابنا، من لا أتهم عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد

стр. 992

الدؤلي - أو (١) من حدثه أبو الزناد عنه - وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي. قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: " يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا وأن تخعلوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به ". قال وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه. قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال فقلت لأبي: يا أبت، من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب (٢). وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي العباس: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد. عن أبيه: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الدئل - وكان جاهليا فأسلم - قال رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب - يتبعه حيث ذهب - فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب. ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الدئلي: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت من هذا؟ قالوا هذا أبو لهب. وكذا رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن أبي ذئب وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه. ثم رواه البيهقي من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة. قال: رأيت رسول الله ﷺ يسوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، فإذا هو أبو جهل وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى. كذا قال في هذا السياق أبو جهل. وقد يكون وهما ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا وأنهما كانا يتناوبان على إذائه ﷺ . قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري: أنه ﵇ أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه: قال ابن

стр. 993

إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن [عبد الله بن] حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: " يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم " فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم. وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه. فقال له رجل منهم يقال له: بيحرة بن فراس (١): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك (٢) على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الامر من بعدك؟ قال: " الامر لله يضعه حيث يشاء ". قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه. فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلا بلادنا قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب (٣)؟ والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم (٤)؟. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه ويقول: " لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء ". فلم يقبله أحد منهم، وما يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟! وكان ذلك مما ذخره الله للأنصار وأكرمهم به (٥). وقد روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الله بن الأجلح ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن

стр. 994

محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن العباس. قال: قال لي رسول الله ﷺ : " لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منعة فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا حتى نقر في منازل قبائل الناس " وكانت مجمع العرب. قال فقلت هذه كندة ولفها وهي أفضل من يحج البيت من اليمن وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك؟ قال فبدأ بكندة فأتاهم فقال ممن القوم؟ قالوا من أهل اليمن. قال من أي اليمن؟ قالوا من كندة. قال من أي كندة؟ قالوا من بني عمرو بن معاوية، قال فهل لكم إلى خير؟ قالوا وما هو؟ قال: " تشهدون أن لا إله إلا الله وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله ". قال عبد الله بن الأجلح: وحدثني أبي عن أشياخ قومه أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟ فقال رسول الله ﷺ : " إن الملك لله يجعله حيث يشاء " فقالوا لا حاجة لنا فيما جئتنا به. وقال الكلبي فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا وننابذ العرب، الحق بقومك فلا حاجة لنا بك. فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال ممن القوم؟ قالوا من بكر بن وائل. فقال من أي بكر بن وائل؟ قالوا من بني قيس بن ثعلبة. قال كيف العدد؟ قالوا كثير مثل الثرى. قال فكيف المنعة؟ قالوا لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال: " فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه أربعا وثلاثين " قالوا ومن أنت؟ قال أنا رسول الله. ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبي: وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله، ثم مر أبو لهب فقالوا هل تعرف هذا الرجل؟ قال نعم هذا في الذروة منا فعن أي شأنه تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا زعم أنه رسول الله، قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه. قالوا قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر. قال الكلبي: فأخبرني عبد الرحمن المعايري (١) عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله ﷺ ونحن بسوق عكاظ، فقال ممن القوم؟ قلنا من بني عامر بن صعصعة. قال من أي بني عامر بن صعصعة؟ قالوا (٢): بنو كعب بن ربيعة. قال كيف المنعة [فيكم]؟ قلنا لا يرام ما قبلنا، ولا يسطلي بنارنا. قال فقال لهم: " إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي ولا أكره أحدا منكم على شئ " قالوا ومن أي قريش أنت؟ قال من بني عبد المطلب. قالوا فأين أنت من عبد مناف؟ قال هم أول من كذبني وطردني. قالوا ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك قال فنزل إليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بيحرة (٣) بن فراس

стр. 995

القشيري فقال من هذا الرجل أراه عندكم أنكره؟ قالوا محمد بن عبد الله القرشي قال فما لكم وله؟ قالوا زعم لنا أنه رسول الله ﷺ فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه. قال ماذا رددتم عليه؟ قالوا بالترحيب والسعة، نخرجك إلى بلادنا ونمنعك ما نمنع به أنفسنا. قال بيحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشئ أشد من شئ ترجعون به بدأتم (١) ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به، أتعمدون إلى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه؟ فبئس الرأي رأيتم. ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك. قال فقام رسول الله ﷺ إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول الله ﷺ فألقته. وعند بني عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت يا آل عامر - ولا عامر لي - أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة من بني عمها إلى بيحرة واثنين أعاناه، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما، فقال رسول الله ﷺ : " اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء " قال فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء وهم: غطيف (٢) وغطفان ابنا سهل، وعروة - أو عذرة - بن عبد الله بن سلمة ﵃. وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه به. وهلك الآخرون وهم: بيحرة بن فراس، وحزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير، ومعاوية بن عبادة أحد بني عقيل لعنهم الله لعنا كثيرا. وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته والله أعلم. وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة عامر بن صعصعة وقبيح ردهم عليه. وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي - والسياق لأبي نعيم ﵏ من حديث أبان بن عبد الله البجلي (٣)، عن أبان بن تغلب (٤)، عن عكرمة عن ابن عباس [قال]: حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله رسوله [ص] أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه، وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر ﵁ فسلم، وكان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة، فقال: ممن القوم؟ قالوا من ربيعة، قال: وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها؟

стр. 996

قالوا بل من هامها العظمى. قال أبو بكر: فمن أي هامتها العظمى [أنتم] فقالوا (١) ذهل الأكبر، قال لهم أبو بكر: منكم عوف الذي كان يقال [له] لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال فمنكم بسطام بن قيس: أبو اللواء (٢) ومنتهى الاحياء؟ قالوا: لا. قال فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال فأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال لهم أبو بكر ﵁: فلستم بذهل الأكبر، بل أنتم [من] ذهل الأصغر. قال فوثب إليه منهم غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلي - حين بقل (٣) وجهه - فأخذ بزمام ناقة أبي بكر وهو يقول: إن على سائلنا أن نسأله … والعبء لا نعرفه أو نحمله (٤) يا هذا إنك سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئا، ونحن نريد أن نسأل فمن أنت؟ قال رجل من قريش. فقال الغلام: بخ بخ أهل السؤدد والرئاسة، قادمة العرب وهاديها (٥) فمن أنت من قريش؟ فقال له رجل من بني تيم بن مرة. فقال له الغلام: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة؟ أفمنكم قصي بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلبين عليها وأجلى بقيتهم وجمع قومه من كل أوب حتى أوطنهم مكة ثم استولى على الدار وأنزل قريشا منازلها فسمته العرب بذلك مجمعا، وفيه يقول الشاعر: أليس أبوكم كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر فقال أبو بكر لا. قال فمنكم عبد مناف الذي انتهت إليه الوصايا وأبو الغطاريف السادة؟ فقال أبو بكر: لا. قال فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم الذي هشم الثريد لقومه ولأهل مكة، ففيه يقول الشاعر: عمرو العلا هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف سنوا إليه الرحلتين كليهما … عند الشتاء ورحلة الأصياف كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمخ خالصة لعبد مناف الرايشين وليس يعرف رايش … والقائلين هلم للأضياف

стр. 997

والضاربين الكبش يبرق بيضه … والمانعين البيض بالأسياف لله درك لو نزلت بدارهم … منعوك من أزل ومن إقراف (١) فقال أبو بكر: لا. قال فمنكم عبد المطلب شيبة الحمد، وصاحب عير مكة، ومطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا الذي كأن وجهه قمر يتلألأ في الليلة الظلماء.؟ قال: لا. قال أفمن أهل الإفاضة أنت؟ قال: لا. قال أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال فمن المفيضين أنت؟ قال: لا ثم جذب أبو بكر ﵁ زمام ناقته من يده، فقال له الغلام: صادف در السيل در يدفعه … يهيضه حينا وحينا يرفعه (٢) ثم قال: أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذوائب. قال فأقبل إلينا رسول الله ﷺ يتبسم قال علي: فقلت له يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة. فقال أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالقول. قال ثم انتهينا إلى مجلس عليه (٣) السكينة والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم - قال علي وكان أبو بكر مقدما في كل خير - فقال لهم أبو بكر ممن القوم؟ قالوا من بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم، وفي رواية ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم، وهؤلاء غرر في قومهم، وهؤلاء غرر الناس. وكان في القوم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره (٤). فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال له: فكيف المنعة فيكم؟ فقال: علينا الجهد ولكل قوم جد. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله. يديلنا مرة ويديل علينا [أخرى] (٥). لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو هذا فقال مفروق قد بلغنا

стр. 998

أنه يذكر ذلك [فإلى ما تدعو يا أخا قريش] (١)، ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال ﷺ : " أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد ". قال له وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) إلى قوله: (ذلك وصاكم به لعلكم تتقون) [الانعام: ١٥١] فقال له مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله ﷺ : (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النحل: ٩٠] فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال له هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وصدقت قولك، وإني أرى إن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لم نتفكر في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعو إليه زلة في الرأي، وطيشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا. ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به. والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا وإنا إنما نزلنا بين صريين (٢) أحدهما اليمامة، والآخر السماوة (٣). فقال له رسول الله ﷺ وما هذان الصريان؟ فقال له أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا. ولعل هذا الامر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من

стр. 999

حاطه من جميع جوانبه ". ثم قال رسول الله ﷺ : " أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ " فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش! فتلا رسول الله ﷺ : (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) [الأحزاب: ٤٥] ثم نهض رسول الله ﷺ قابضا على يدي أبي بكر. قال علي ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: " يا علي أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية - ما أشرفها - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا " (١). قال ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ . قال علي: وكانوا صدقاء صبراء فسر رسول الله ﷺ من معرفة أبي بكر ﵁ بأنسابهم (٢). قال فلم يلبث رسول الله ﷺ إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: " احمدوا لله كثيرا فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نصروا ". قال وكانت الوقعة بقراقر (٣) إلى جنب ذي قار وفيها يقول الأعشى: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي … وراكبها عند اللقاء وقلت هموا ضربوا بالحنو حنو قراقر … مقدمة الهامرز حتى تولت (٤) فلله عينا من رأى من فوارس … كذهل بن شيبان بها حين ولت (٥) فثاروا وثرنا والمودة بيننا … وكانت علينا غمرة فتجلت

стр. 1000

هذا حديث غريب جدا كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب وقد ورد هذا من طريق أخرى وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم قراقر - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم اسم محمد ﷺ فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الاسلام. وقال الواقدي: أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله ﷺ في منازلنا بمنى ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف وهو على راحلته مردفا خلفه زيد بن حارثة، فدعانا فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا، قال وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي. فقال لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي. فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ. فقال القوم دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به. وطمع رسول الله ﷺ في ميسرة فكلمه فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجل بقومه فإذا لم يعضدوه فالعدى (١) أبعد. فانصرف رسول الله ﷺ وخرج القوم صادرين إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة: ميلوا نأتي فدك فإن بها يهودا نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سفرا لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله ﷺ النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزي بالكسرة ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالسبط، وفي عينيه حمرة مشرق اللون. فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه فإنا نحسده ولا نتبعه، وإنا [منه] في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه. فقال ميسرة: يا قوم ألا [إن] هذا الامر بين، فقال القوم نرجع إلى الموسم ونلقاه فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه أحد منهم فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقاه ميسرة فعرفه. فقال: يا رسول الله والله ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا حتى كان ما كان وأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامي، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معي فأين مدخلهم يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : " كل من مات على غير دين الاسلام فهو في النار " فقال: الحمد لله الذي أنقذني. فأسلم وحسن إسلامه، وكان له عند أبي بكر مكان. وقد استقصى الإمام محمد بن عمر الواقدي فقص [خبر] القبائل واحدة واحدة، فذكر عرضه ﵇ نفسه على بني عامر، وغسان، وبني فزارة، وبني مرة، وبني حنيفة، وبني سليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبني الحارث بن كعب، وبني عذرة، وقيس بن الحطيم وغيرهم. وسياق أخبارها مطولة وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا ولله الحمد والمنة.

стр. 1001

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنا إسرائيل [بن يونس] عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله. قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: " هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ؟ " (١) فأتاه رجل من همدان فقال ممن أنت؟ قال الرجل من همدان. قال فهل عند قومك من منعة؟ قال نعم! ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه فأتى رسول الله ﷺ فقال آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل! قال نعم! فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب (٢). وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن إسرائيل به، وقال الترمذي حسن صحيح. فصل [في] قدوم وفد الأنصار عاما بعد عام حتى بايعوا رسول الله ﷺ بيعة بعد بيعة ثم بعد ذلك تحول إليهم رسول الله ﷺ إلى المدينة حديث سويد بن صامت الأنصاري وهو سويد بن الصامت (١) بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأمه ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم. فسويد هذا ابن خالة عبد المطلب جد رسول الله ﷺ . قال محمد بن إسحاق بن يسار: وكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره كلما اجتمع الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به [من الله] من الهدى والرحمة ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى، وعرض عليه ما عنده. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة [الأنصاري]

стр. 1002

عن أشياخ من قومه. قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا - أو معتمرا - وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، وهو الذي يقول: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى … مقالته بالغيب ساءك ما يفري مقالته كالشهد ما كان شاهدا … وبالغيب مأثور على ثغرة النحر (١) يسرك باديه وتحت أديمه … تميمة غش تبتري عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم … من الغل والبغضاء بالنظر الشزر فرشني بخير ظالما قد بريتني … وخير الموالي من يريش ولا يبري (٢) قال فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به فدعاه إلى الله والاسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله ﷺ : وما الذي معك؟ قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان - فقال لرسول الله ﷺ : أعرضها علي، فعرضها عليه فقال: " إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور " فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الاسلام. فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج (٣). فإن كان رجال من قومه ليقولون إنا لنراه قتل وهو مسلم. وكان قتله قبل بعاث (٤). وقد رواه البيهقي (٥) عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بأخصر من هذا. إسلام إياس بن معاذ قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد. قال: لما قدم أبو الحيسر، أنس بن رافع، مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس إليهم، فقال [لهم]: " هل لكم في خير مما جئتم له؟ قال: قالوا: وما ذاك؟

стр. 1003

قال: أنا رسول الله إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب. ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال فقال: إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - يا قوم (١) هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال فصمت إياس وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج. قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع (٢). قلت: كان يوم بعاث - وبعاث موضع بالمدينة - كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل. وقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة (٣) عن هشام عن أبيه عن عائشة. قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد افترق ملاؤهم، وقتل سراتهم (٤). باب بدء إسلام الأنصار ﵃ قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه. وانجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم " من أنتم؟ " قالوا نفر من الخزرج. قال: " أمن موالي يهود؟ " قالوا نعم! قال " أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن. قال وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كان معهم في بلادهم. وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا

стр. 1004

[لهم] إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله. قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له: إنا د تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا [عن رسول الله ﷺ ] راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا. قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة (١) بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. قال أبو نعيم: وقد قيل إنه أول من أسلم من الأنصار من الخزرج. ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان. وقيل إن أول من أسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم. وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار - وهو ابن عفراء - النجاريان، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو [بن عامر] بن زريق الزرقي وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد (٢) بن جشم بن الخزرج السلمي ثم من بني سواد، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بني حرام. وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بني عبيد ﵃. وهكذا روي عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج. وذكر موسى بن عقبة في ما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه ﵇ بهم كانوا ثمانية (٣) وهم: معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان - وهو ابن عبد قيس - وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. فأسلموا وواعدوه إلى قابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الاسلام،

стр. 1005

وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن أبعث إلينا رجلا يفقهنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن إسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة. والله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدم، وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك المتقدم أيضا. وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي. قال ابن هشام: وهو أنصاري مهاجري. وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم (١) بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة (٢) بن أصرم البلوي، والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم، وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس اثنان وهما، عويم بن ساعدة. وأبو الهيثم مالك بن التيهان. قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميت وميت. قال السهيلي: أبو الهيثم بن التيهان: اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعون (٣) بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس (٤). قال وقيل إنه أراشي وقيل بلوي. وهذا لم ينسبه ابن إسحاق ولا ابن هشام. قال: والهيثم فرخ العقاب، وضرب من النبات، والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الأولى. وروى أبو نعيم أن رسول الله ﷺ قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم: " وإذ قال إبراهيم رب

стр. 1006

اجعل هذا البلد آمنا) إلى آخرها. وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن [أبي] (١) مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة - وهو ابن الصامت - قال: كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا. فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به نحوه (٢). قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني أن عبادة بن الصامت حدثه. قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه. وقوله على بيعة النساء - يعني وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية - وكان هذا مما نزل علي وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة. وليس هذا عجيب فإن القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير، وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر. والله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب (٣) بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين. وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ إنما بعث مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم، وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلا أنه جعل المرة الثانية هي الأولى. قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم. وقال ابن إسحاق: فكان عبد الله بن أبي بكر

стр. 1007

يقول: لا أدري ما العقبة الأولى. ثم يقول ابن إسحاق: بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة. قالوا كلهم: فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض ﵃ أجمعين. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الآذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال: فمكث حينا على ذلك لا يسمع لاذان الجمعة إلا صلى عليه واستغفر له. قال فقلت في نفسي والله أن هذا بي لعجز، ألا أسأله؟ فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الاذان للجمعة صليت على أبي أمامة؟ فقال أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت (١) من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات قال: قلت وكم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجة من طريق محمد بن إسحاق ﵀. وقد روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة (٢)، وفي إسناده غرابة والله أعلم. قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة؟ فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال له: بئر مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد لأسيد: لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكمله. قال فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟

стр. 1008

اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. وقال موسى بن عقبة: فقال (١) له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد. الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه. قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، قال: ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه (٢) مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا - فيما يذكر عنهما - والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا. قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا. وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك (٣)، قال: فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما سعد فلما رآهما مطمئنين، عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف [عليهما] متشمتما؟ ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه [من] قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن. وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف (٤). قال فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل فتطهر

стр. 1009

وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير (١)، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيدنا [وأوصلنا] وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو (٢) مسلمة، ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس وهم من الأوس بن حارثة وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسلت واسمه صيفي. وقال الزبير بن بكار: اسمه الحارث، وقيل عبيد الله واسم أبيه الأسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس. وكذا نسبه الكلبي أيضا. وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الاسلام حتى كان بعد الخندق. قلت: وأبو قيس بن الأسلت هذا ذكر له ابن إسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن [أبي] الصلت الثقفي. قال ابن إسحاق فيما تقدم: ولما انتشر أمر رسول الله ﷺ في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود. فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف - قال السهيلي: هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس واسم أبي أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو (٣) بن غنم بن عدي بن النجار، قال وهو الذي أنزل فيه وفي عمر: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) الآية. قال ابن إسحاق (٤): وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا. كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته. قال قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحروب ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه

стр. 1010

عنهم الفيل وكيده ويأمرهم بالكف عن رسول الله ﷺ : أيا راكبا إما عرضت فبلغن … مغلغلة عني لؤي بن غالب (١) رسول امرئ قد راعه ذات بينكم … على النأي محزون بذلك ناصب وقد كان عندي للهموم معرس … ولم اقض منها حاجتي ومآربي (٢) نبيتكم شرجين، كل قبيلة … لها أزمل من بين مذك وحاطب (٣) أعيذكم بالله من شر صنعكم … وشر تباغيكم ودس العقارب وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة … كوخز الاشافي وقعها حق صائب (٤) فذكرهم بالله أول وهلة … واحلال أحرام الظباء الشوازب (٥) وقل لهم والله يحكم حكمه … ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب متى تبعثوها تبعثوها ذميمة … هي الغول للأقصين أو للأقارب تقطع أرحاما وتهلك أمة … وتبري السديف من سنام وغارب وتستبدلوا بالأتحمية بعدها … شليلا وأصداء ثياب المحارب (٦) وبالمسك والكافور غبرا سوابغا … كأن قتيريها عيون الجنادب (٧) فإياكم والحرب لا تعلقنكم … وحوضا وخيم الماء مر المشارب تزين للأقوام ثم يرونها … بعاقبة إذ بيتت أم صاحب تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي … ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … فتعتبروا أو كان في حرب حاطب وكم ذا أصابت من شريف مسود … طويل العماد ضيفه غير خائب عظيم رماد النار يحمد أمره … وذي شيمة محض كريم المضارب وماء هريق في الضلال كأنما … أذاعت به ريح الصبا والجنائب يخبركم عنها امرؤ حق عالم … بأيامها والعلم علم التجارب فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا … حسابكم والله خير محاسب ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن … عليكم رقيبا غير رب الثواقب

стр. 1011

أقيموا لنا دينا حنيفا فانتموا … لنا غاية، قد يهتدى بالذوائب وأنتم لهذا الناس نور وعصمة … تؤمون والأحلام غير عوازب وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر … لكم سرة البطحاء شم الأرانب تصونون أنسابا كراما عتيقة … مهذبة الأنساب غير أشائب (١) يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم … عصائب هلكى تهتدي بعصائب لقد علم الأقوام أن سراتكم … على كل حال خير أهل الجباجب (٢) وأفضله رأيا وأعلاه سنة … وأقوله للحق وسط المواكب فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا … بأركان هذا البيت بين الأخاشب (٣) فعندكم منه بلاء ومصدق … غداة أبي يكسوم هادي الكتائب كتيبته بالسهل تمشي ورجله … على القاذفات في رؤوس المناقب فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم … جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين ولم يؤب … إلى أهله ملحبش غير عصائب فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم … يعاش بها، قول امرئ غير كاذب وحرب داحس التي (٤) ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة، وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره: أن فرسا يقال له داحس كانت لقيس (٥) بن زهير بن جذيمة بن رواحة الغطفاني. أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤبة الغطفاني أيضا يقال لها الغبراء، فجاءت داحس سابقا فأمر حذيفة من ضرب وجهه فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا، ثم إن أبا جنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله، فشبت الحرب بين بني عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر وجماعات آخرون، وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها. قال ابن هشام: وأرسل قيس داحسا والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، والأول أصح (٦) قال وأما حرب حاطب [فيعني حاطب] بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن

стр. 1012

أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج إليه يزيد (١) بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن فسحم (٢) في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج، وقتل يومئذ الأسود (٣) بن الصامت الأوسي، قتله المجذر بن ذياد حليف بني عوف بن الخزرج، ثم كانت بينهم حروب يطول ذكرها أيضا. والمقصود أن أبا قيس بن الأسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الاسلام، فأسلم من أهلها بشر كثير ولم يبق دار - أي محلة - من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غير دار بني واقف قبيلة أبي قيس ثبطهم عن الاسلام وهو القائل أيضا: أرب الناس أشياء ألمت … يلف الصعب منها بالذلول أرب الناس إما أن ضللنا … فيسرنا لمعروف السبيل فلولا ربنا كنا يهودا … وما دين اليهود بذي شكول (٤) ولولا ربنا كنا نصارى … مع الرهبان في جبل الجليل ولكنا خلقنا إذ خلقنا … حنيفا ديننا عن كل جيل نسوق الهدي ترسف مذعنات … مكشفة المناكب في الجلول (٥) وحاصل ما يقول أنه حائر فيما وقع من الامر الذي قد سمعه من بعثة رسول الله ﷺ فتوقف الواقفي في ذلك مع علمه ومعرفته. وكان الذي ثبطه عن الاسلام أولا عبد الله بن أبي بن سلول بعدما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر [به] يهود فمنعه عن الاسلام. قال ابن إسحاق: ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج، وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم. وكذا الواقدي. قال: كان عزم على الاسلام أول ما دعاه رسول الله ﷺ ، فلامه عبد الله بن أبي فحلف لا يسلم إلى حول فمات في ذي القعدة (٦). وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن

стр. 1013

لأثير في كتابه [أسد] الغابة، أنه لما حضره الموت دعاه النبي ﷺ إلى الاسلام فسمع يقول: لا له إلا الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من الأنصار، فقال " يا خال: قل لا إله إلا الله " فقال: أخال أم عم؟ قال بل خال قال: فخير لي أن أقول لا إله إلا الله؟ فقال رسول الله ﷺ نعم! تفرد به أحمد (١) ﵀ وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفي أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم، فسألت رسول الله ﷺ في ذلك فأنزل الله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) [النساء: ٢٢] الآية. وقال ابن إسحاق وسعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهر من الحائض من النساء، وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب وقال: أعبد إله إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها، حتى قدم رسول الله ﷺ فأسلم فحسن إسلامه (٢)، وكان شيخا كبيرا وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته يقول في ذلك أشعارا حسانا وهو الذي يقول: يقول أبو قيس وأصبح غاديا … ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا فأوصيكم بالله والبر والتقى … وأعراضكم والبر بالله أول وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم … وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم … فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا وإن ناب. غر فادح فارفقوهم … وما حملوكم في الملمات فاحملوا وإن أنتم أمعزتم فتعففوا … وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا (٣) وقال أبو قيس أيضا: سبحوا الله شرق كل صباح … طلعت شمسه وكل هلال عالم السر والبيان جميعا … ليس ما قال ربنا بضلال (٤) وله الطير تستزيد وتأوي … في وكور من آمنات الجبال

стр. 1014

وله الوحش بالفلاة تراها … في حقاف وفي ظلال الرمال (١) وله هودت يهود ودانت … كل دين مخافة من عضال (٢) وله شمس النصارى وقاموا … كل عيد لربهم واحتفال وله الراهب الحبيس تراه … رهن بؤس وكان أنعم بال (٣) يا بني الأرحام لا تقطعوها … وصلوها قصيرة من طوال واتقوا الله في ضعاف اليتامى … وبما يستحل غير الحلال واعلموا أن لليتيم وليا … عالما يهتدي بغير سؤال ثم مال اليتيم لا تأكلوه … إن مال اليتيم يرعاه والي يا بني التخوم لا تخزلوها … إن جزل التخوم ذو عقال (٤) يا بني الأيام لا تأمنوها … واحذروا مكرها ومر الليالي واعلموا أن مرها (٥) لنفاد … الخلق ما كان من جديد وبالي واجمعوا أمركم على البر والتقوى … وترك الخنا وأخذ الحلال قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله ﷺ عندهم. ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة. قصة بيعة العقبة الثانية (٦) قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين [إلى الموسم] مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا

стр. 1015

رسول الله ﷺ العقبة من أواسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه واعزاز الاسلام وأهله [وإذلال الشرك وأهله]. فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدثه أن أباه كعبا حدثه - وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ بها -. قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور (١) سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوا فقونني عليه أم لا؟ قلنا وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها. قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن خالفه. فقال: إني لمصل إليها، قال فقلنا له: لكنا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة. [قال: وقد كنا قد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك. فلما قدمنا مكة] قال لي يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فإنه قد وقع في نفسي منه شئ. لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ قال هل تعرفانه؟ فقلنا لا، فقال هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال: قلنا نعم! وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا، قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال: فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ " قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ الشاعر؟ قال: نعم! فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شئ فماذا ترى؟ قال: " قد كنت على قبلة لو صبرت عليها " قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ فصلى معنا إلى الشام، قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم. قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ فيها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا،

стр. 1016

فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا (١). وقد روى البخاري: حدثني إبراهيم، حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال جابر: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة. قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة: أحدهم البراء بن معرور. حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان، قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهد بي خالاي العقبة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر. قال مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول " من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة " فلا يجد أحدا يؤويه ولا بنصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم [يدعوهم إلى الله ] (٢) وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا. فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة " فقمنا إليه [نبايعه] (٣) وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي - وهو أصغر السبعين - إلا أنا، فقال رويدا يا أهل يثرب: فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم، [وأن] تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا أبط (٤) عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا

стр. 1017

نسلبها أبدا. قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة. وقد رواه الإمام أحمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار - زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم (١) كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي إدريس به نحوه. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروي عن جابر إلا من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر. قال: كان العباس آخذا بيد رسول الله ﷺ ورسول الله يواثقنا، فلما فرغنا قال رسول الله ﷺ " أخذت وأعطيت " وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان - هو الثوري - عن جابر - يعني الجعفي - عن داود - وهو ابن أبي هند - عن الشعبي عن جابر - يعني ابن عبد الله - قال قال رسول الله ﷺ للنقباء من الأنصار: " تؤووني وتمنعوني؟ " قالوا: نعم قالوا: فما لنا؟ قال: " الجنة " ثم قال: لا نعلمه يروي إلا بهذا الاسناد عن جابر، ثم قال ابن إسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع. وقد صرح ابن إسحاق - في رواية يونس بن بكير عنه - بسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا سبعين، والعرب كثيرا ما تحذف الكسر، وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة. كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة (٢)، قال منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله. قال كعب بن مالك: فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج - قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه

стр. 1018

إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام. قال: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " قال: فأخذ البراء بن معرور بيده [و] قال نعم! فوالذي بعثك بالحق [نبيا] لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (١) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب [وأهل الحلقة] (٢) ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: " بل الدم الدم، والهدم الهدم (٣). أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " قال كعب وقد قال رسول الله ﷺ : " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. قال ابن إسحاق: وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة [بن ثعلبة] (٤) بن امرئ القيس [بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر] (٤) بن مالك [الأغر] (٥) بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت المتقدم، وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن (٦) خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن

стр. 1019

كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الأوس ثلاثة وهم، أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم [بن الحارث] (١) بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير (٢) بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا، وهو كذلك في رواية يونس عن ابن إسحاق (٣). واختاره السهيلي وابن الأثير في [أسد] الغابة. ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبي زيد الأنصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة - ليلة العقبة الثانية - حين قال: أبلغ أبيا أنه فال رأيه … وحان غداة الشعب والحين واقع (٤) أبى الله ما منتك نفسك إنه … بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا … بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده … وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا … أباه عليك الرهط حين تبايعوا (٥) أباه البراء وابن عمرو كلاهما … وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ومنذر … لأنفك إن حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده … بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة … وإخفاره من دونه السم ناقع وفاء به، والقوقلي بن صامت … بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفي بمثلها … وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع … فهل أنت عن أحموقه الغي نازع

стр. 1020

وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه … ضروح لما حاولت ملامر مانع (١) أولاك نجوم لا يغبك منهم … عليك بنحس في دجى الليل طالع قال ابن هشام: فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة. قلت: وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة. وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك. قال: كان الأنصار ليلة العقبة سبعون رجلا، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وحدثني شيخ من الأنصار أن جبرائيل كان يشير إلى رسول الله ﷺ إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة. رواه البيهقي (٢). وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر [بن حزم] (٣): أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: " أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي [يعني المسلمين] (٤) " قالوا نعم! وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم! قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الاشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال " الجنة " قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه. قال عاصم بن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم وزعم عبد الله بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر [القوم] البيعة تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول سيد الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة، أسعد بن زرارة، كان أول من ضرب على يده. وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان. قال ابن إسحاق: وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك. قال: فكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع [بعد] القوم (٥) وقال
следующие страницы →