رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: " هذا إن شاء الله المنزل "، ثم عاد رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما (١). ثم بناه مسجدا. فطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، وهو يقول حين ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
لا هم إن الاجر أجر الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة (٢)
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. هذا لفظ البخاري وقد تفرد بروايته دون مسلم (٣)، وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا.
قال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن محمد، أبو سعيد العنقزي، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب. قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله ﷺ وأنت معه؟ فقال أبو بكر: خرجنا فأدلجنا فاحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية
стр. 1052
ظلها، فسويته لرسول الله ﷺ وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش - فسماه فعرفته - فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم! قلت هل أنت حالب لي؟ قال نعم! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة (١) من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافيته وقد استيقظ، فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت، ثم قلت هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ قال: " لا تحزن إن الله معنا " حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح - أو رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة - قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ وبكيت، قال لم تبكي؟ [قلت] أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال: " اللهم اكفناه بما شئت " فسلخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ : " لا حاجة لي فيها " ودعا له رسول الله ﷺ فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة [ليلا] (٢) وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الأناجير (٣) واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله ﷺ ، جاء محمد، قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال: فقال رسول الله ﷺ : " أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك " فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا ما فعل رسول الله؟ قال هو على أثري، ثم قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر معه. قال البراء: ولم يقدم رسول الله ﷺ حتى قرأت سورا من المفصل (٤) أخرجاه في الصحيحين
стр. 1053
من حديث إسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا الخ. فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به.
وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما (١) فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به. فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك.
قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله ﷺ : " إني لا أركب بعيرا ليس لي " قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي. قال: " لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به " قال كذا وكذا. قال: " أخذتها بذلك " قال هي لك يا رسول الله.
وروى الواقدي بأسانيده أنه ﵇ أخذ القصواء، قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم. وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: وهي الجدعاء وهكذا حكى السهيلي عن ابن إسحاق أنها الجدعاء والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق فحدثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم. قال: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وأن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله ﷺ ، وأن وجهه إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وكانوا أربعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي
стр. 1054
بكر، وعبد الله بن أرقد (١) كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي. وكان إذ ذاك مشركا.
قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج (٢)، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا (٣)، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار (٤) ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا (٥)، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة محاج (٦) ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين، ثم بطن ذي كشد (٧)، ثم أخذ بهما على الجداجد (٨)، ثم على الأجرد (٩)، ثم سلك بهما ذا سلم، من بطن أعداء مدلجة تعهن (١٠)، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة. ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له: ابن الرداء - إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، خرج بهما [دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة - ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن ريم، ثم قدم بهما] (١١) قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل.
وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل، وخالفه في بعضها والله علم قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن السراج، حدثنا محمد بن عبادة بن موسى العجلي، حدثني أخي موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار، حدثني
стр. 1055
إياس بن مالك بن الأوس الأسلمي عن أبيه. قال: لما هاجر رسول الله ﷺ وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة، فقال رسول الله ﷺ : " لمن هذه الإبل؟ " فقالوا لرجل من أسلم، فالتفت إلى أبي بكر فقال: " سلمت إن شاء الله، فقال ما اسمك؟ " قال مسعود، فالتفت إلى أبي بكر فقال: " سعدت إن شاء الله ". قال فأتاه أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء.
قلت: وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين. والظاهر أن بين خروجه ﵇ من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة، قال ابن هشام. وقال يونس عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم. وقال الأموي: هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس (١) بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو، ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد، واسمه أكتم (٢) بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس، وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا.
وهذه قصة أم معبد الخزاعية: قال يونس عن ابن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف (٣) بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله ﷺ ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله، وحلب في العس حتى أرغى وقال: " اشربي يا أم معبد " فقالت: اشرب فأنت أحق به فرده عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح. وطلبت قريش رسول الله ﷺ حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا: أرأيت محمدا من حليته كذا كذا؟ فوصفوه لها. فقالت: ما أدري ما تقولون، قدمنا فتى حالب الحائل. قالت قريش: فذاك الذي نريد. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عقبة، بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ثنا أبي عن أبيه عن جابر. قال: لما
стр. 1056
خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ منه شئ. فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فأرسلت إليه أم معبد إني أرى وجوها حسانا، وإن الحي أقوى على كرامتكم مني، فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله ﷺ : " أردد الشفرة وهات لنا فرقا " يعني القدح فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد. قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث فيه إلى أم معبد. ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد. وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد وإن كان معروفا في النسب.
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق [﵁]. قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله ﷺ إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد الله! إنما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال فلم يجبها وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز [لها] يسوقها، فقالت: يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا، فلما جاء قال له النبي ﷺ : " انطلق بالشفرة وجئني بالقدح " قال إنها قد عزبت وليس بها لبن، قال انطلق، [فانطلق] فجاء بقدح فمسح النبي ﷺ ضرعها، ثم حلب حتى ملا القدح، ثم قال: انطلق به إلى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى. ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي ﷺ [قال] فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا. فكانت تسميه المبارك. وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه، فقال: يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟ قال أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال هو نبي الله. قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها رسول الله ﷺ وأعطاها - زاد ابن عبدان (١) في روايته - قالت فدلني عليه، فانطلقت معي وأهدت لرسول الله ﷺ شيئا من أقط ومتاع الاعراب. قال فكساها وأعطاها. قال: ولا أعلمه إلا قال وأسلمت (٢). إسناد حسن.
وقال البيهقي: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، والظاهر أنها هي والله أعلم (٣). وقال
стр. 1057
البيهقي (١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس الأصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو أحمد بشر (٢) بن محمد السكري ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح (٣) عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة (٤) جلدة تحتبى وتجلس بفناء الخيمة (٥) فتطعم وتسقى، فسألوها هل عندها لحم أو لين (لبن) يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك. وقالت: لو كان عندنا شئ ما أعوذكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون (٦). فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة في كسر خيمتها، فقال: " ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: فهل بها من لبن " قالت هي أجهد من ذلك. قال تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت إن كان بها حلب فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بأناء لها يربض الرهط فتفاجت واجترت فحلب فيها ثجا حتى ملأه (٧) فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال " ساقي القوم آخرهم " ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن (٨) هزلى لا نقي بهن، مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب وقال من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاء عازب (٩)؟ فقالت: لا والله
стр. 1058
إنه مر بنا رجل ملوك كان من حديثه كيت وكيت. فقال صفيه لي فوالله إني لا رآه صاحب قريش الذي تطلب. فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة. حسن الخلق مليح (١) الوجه لم تعبه ثجلة (٢) ولم تزر به صعلة قسيم وسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف (٣)، وفي صوته صحل (٤). أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة. إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر (٥) كأن منطقه خرزات نظم ينحدرون، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب. ربعة لا تنساه (٦) عين من طول، ولا تقتحمه (٧) عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنصر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا (٨) له رفقاء يجفون به إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لامره. محفود (٩) محشود، لا عابس ولا معتد (١٠) فقال يعني بعلها: هذا والله صاحب قريش الذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولا جهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد (١١)
هما نزلا بالبر وارتحلا به (١٢) … فأفلح من أمسى رفيق محمد
стр. 1059
فيال قصي ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجارى وسؤدد (١)
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت … له بصريح ضرة الشاة مربد
فغادره رهنا لديها لحالب … يدر لها في مصدر ثم مورد (٢)
قال وأصبح الناس - يعني بمكة - وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله ﷺ قال وأجابه حسان بن ثابت:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم (٣) … وقد سر (٤) من يسري إليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم … وحل على قوم بنور مجدد
[هداهم به بعد الضلالة ربهم … وأرشدهم من يتبع الحق يرشد] (٥)
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا … عمى وهداة يهتدون بمهتد؟
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلو كتاب الله في كل مشهد (٦)
وإن قال في يوم مقالة غائب … فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد (٧)
ليهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته، من يسعد الله يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد (٨)
قال - يعني عبد الملك بن وهب - فبلغني أن أبا (٩) معبد أسلم وهاجر إلى النبي ﷺ . وهكذا روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله ﷺ ثم رواه أبو نعيم (١٠) من
стр. 1060
طرق عن بكر بن محرز الكلبي الخزاعي عن أبيه محرز بن مهدي عن حرام بن هشام عن (١) حبيش بن خالد عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ حين أخرج من مكة خرج منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمة (٢) أم معبد وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء القبة، وذكر مثل ما تقدم سواء. قال وحدثناه - فيما أظن - محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا محمد بن يونس بن موسى - يعني الكديمي - ثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري: حدثني أبي عن أبيه سليط البدري. قال: لما خرج رسول الله ﷺ في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق، مر بأم معبد الخزاعية وهي لا تعرفه فقال لها: " يا أم معبد هل عندك من لبن؟ " قالت: لا والله إن الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة؟ قالت خلفها الجهد عن الغنم؟ ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم.
ثم قال البيهقي: يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة، ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ - إملاء - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن غالب، ثنا أبو الوليد، ثنا عبد الله (٣) بن إياد بن لقيط، ثنا إياد بن لقيط عن قيس بن النعمان. قال لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت (٤) وما بقي لها من لبن، فقال ادع بها، فدعا بها فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم جلس فشرب. فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما أريت مثلك قط. قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم! قال فإني محمد رسول الله. فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك. قال: فإني أشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا. ورواه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي عن عبد الله بن إياد بن لقيط به. وقد ذكر أبو نعيم ههنا قصة عبد الله بن مسعود فقال: حدثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود. قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة (٥) بن أبي معيط بمكة، فأتى رسول الله ﷺ وأبو بكر - وقد فرا من المشركين - فقال: " يا
стр. 1061
غلام عندك لبن تسقينا؟ " فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما، فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا فحفل الضرع، وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها. ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع: أقلص أقلص. فلما كان بعد، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني من هذا القول الطيب - يعني القرآن - فقال رسول الله ﷺ إنك غلام معلم " فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد (١). فقوله في هذا السياق وقد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة. فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم، وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها والله أعلم.
[وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بمن مصعب بن عبد الله - هو الزبيري - حدثني أبي عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع [إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة فأرسل] إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد - وسعد هو الذي دل رسول الله ﷺ على طريق ركوبه (٢) - فقال إبراهيم] أخبرني] ما حدثك أبوك؟ قال ابن سعد: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ أتاهم ومعه أبو بكر - وكانت لأبي بكر عندنا بنت مسترضعة - وكان رسول الله ﷺ أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال لها سعد: هذا الغائر (٣) من ركوبه وبه لصان من أسلم يقال لهما المهانان. فإن شئت أخذنا عليهما، فقال النبي ﷺ " خذ بنا عليهما " قال سعد فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه هذا اليماني. فدعاهما رسول الله ﷺ فعرض عليهما الاسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان. فقال: " بل أنتما المكرمان " وأمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرج [نا] حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول الله ﷺ : " أين أبو أمامة أسعد بن زرارة؟ " فقال سعد بن خيثمة. إنه أصاب قبلي يا رسول الله أفلا أخبره ذلك؟ ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا طلع على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسول الله إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل. رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بنى مدلج " انفرد به أحمد (٤)
стр. 1062
فصل في دخوله ﵇ المدينة وأين استقر منزله [بها] (١)
قد تقدم فيما رواه البخاري عن الزهري عن عروة أن النبي ﷺ دخل المدينة عند الظهيرة. قلت: ولعل ذلك كان بعد الزوال لما ثبت في الصحيحين من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب عن أبي بكر في حديث الهجرة قال فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله ﷺ : " أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك " وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا، فإن العشى من الزوال، وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء كما سيأتي فسار فما انتهى إلى بني النجار إلا عشاء كما سيأتي بيانه والله أعلم.
وذكر البخاري عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الأيام، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده، وكان مربدا لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدا. وذلك في دار بني النجار ﵃.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير [عن عروة بن الزبير] (٢) عن عبد الرحمن بن عويم (٣) بن ساعدة قال: حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي ﷺ قالوا: لما بلغنا مخرج النبي ﷺ من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح، إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي ﷺ فوالله، ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا - وذلك في أيام حارة - حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه من رجل من اليهود [وقد رأى ما كنا نصنع، وأنا ننتظر قدوم رسول الله ﷺ علينا] (٤) فصرخ بأعلا صوته: يا بني قيلة! هذا جدكم قد جاء، فخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك: وركبه (٥) الناس وما يعرفونه من أبي بكر،
стр. 1063
حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم ثنا سليمان [بن المغيرة]، عن ثابت عن أنس بن مالك. قال: إني لا سعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، قال: حتى جاء رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر. فكمنا في بعض خراب (١) المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق (٢) لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض. فلم أر يومين شبيها بهما ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه - أو مثله (٣) - وفي الصحيحين من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة. قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله. فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر (٤). وقال البيهقي أخبرنا أبو عمرو الأديب أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي: سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع (٥)
قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ فيما يذكرون يعني حين نزل - بقباء على كلثوم (٦) بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد، ويقال بل نزل على سعد بن
стр. 1064
خيثمة، ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول الله ﷺ إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته بيت الأعزاب (١) والله أعلم. ونزل أبو بكر ﵁ على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح وقيل على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج.
قال ابن إسحاق: وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن الهدم. فكان علي بن أبي طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين. يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف. وقد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا، فكان علي ﵁ يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده، ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك. وقال عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه ﵇ أقام فيهم ثماني عشر ليلة.
قلت: وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة أنه ﵇ وأقام فيهم بضع عشرة ليلة، وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه. قال: أقام رسول الله ﷺ فينا - يعني في بني عمرو بن عوف بقباء - اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: ويقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
قال ابن إسحاق: فأدركت رسول الله ﷺ الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي - وادي رانوناء (٢) - فكان أول جمعة صلاها بالمدينة (٣). فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " لناقته فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت (٤) دار بني
стр. 1065
بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة؟ قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا في العدد والمنعة. قال " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار - وهم أخواله - دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن خارجة (١) في رجال من بني عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة؟ قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده ﵇ اليوم، وكل يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراء.
قلت: وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم.
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ مر في طريقه بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في بيت. فوقف رسول الله ﷺ ينتظر أن يدعوه إلى المنزل - وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم - فقال عبد الله: أنظر الذين دعوك فأنزل عليهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لنفر من الأنصار. فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا (٢).
قال موسى بن عقبة: وكانت الأنصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله ﷺ من بني عمرو بن عوف فمشوا حول ناقته لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله ﷺ وتعظيما له، وكلما مر بدار من دور الأنصار دعوه إلى المنزل فيقول ﷺ : " دعوها فإنها مأمورة فإنما أنزل حيث أنزلني الله " فلما انتهت [الناقة] إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه.
стр. 1066
قال ابن إسحاق: لما بركت الناقة برسول الله ﷺ لم ينزل عنها حتى وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت [إلى] خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت (١) ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله ﷺ . فأحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله ﷺ وسأل عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله ﷺ أن يبني ونزل رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب حتى بني مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون من المهاجرين والأنصار.
وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله. وقال البيهقي في الدلائل: وقال أبو عبد الله أخبرنا أبو الحسن علي بن عمرو الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد ثنا إبراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس. قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله. فقال: " دعوا الناقة فإنها مأمورة " فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن:
نحن جوار من بني النجار … يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال " أتحبونني؟ " فقالوا: أي والله يا رسول الله. فقال: " وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم " هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى (٢). ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد، ثنا عمر بن الحسن الحلبي، حدثنا أبو خيثمة المصيصي، ثنا عيسى بن يونس، عن عوف الأعرابي، عن ثمامة عن أنس. قال: مر النبي ﷺ بحي من بني النجار، وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بني النجار … يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله ﷺ : " يعلم الله أن قلبي يحبكم " (٣) ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به. وفي صحيح البخاري عن معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز،
стр. 1067
عن أنس قال: رأى النبي ﷺ النساء والصبيان مقبلين - حسبت أنه قال من عرس - فقام النبي ﷺ ممثلا فقال: " اللهم أنتم من أحب الناس إلي " قالها ثلاث مرات. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صهيب ثنا أنس بن مالك. قال: أقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله ﷺ شاب لا يعرف (١)، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله ﷺ فقال: " اللهم أصرعه " فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم، ثم قال: مرني يا نبي الله بما شئت. فقال: " قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا ". قال فكان أول النهار جاهدا على رسول الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له. قال فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين. فركب رسول الله ﷺ وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح، وقيل في المدينة: جاء نبي الله ﷺ فاستشرفوا نبي الله ينظرون إليه ويقولون: جاء نبي الله. قال فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب، قال فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يحترف (٢) لهم، فعجل أن يضع الذي يحترف فيها فجاء وهي معه، وسمع من نبي الله ﷺ ورجع إلى أهله، وقال نبي الله: أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بأبي قال فانطلق فهيئ لنا مقيلا، فذهب فهيأ [لهما مقيلا] (٣) ثم جاء فقال يا رسول الله قد هيأت مقيلا قوما على بركة الله فقيلا، فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك نبي الله حقا، وأنك جئت بحق ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم (٤)، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ : " يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئت بحق أسلموا ". فقالوا: ما نعلمه، ثلاثا. وكذا رواه البخاري منفردا به عن محمد (٥) غير منسوب عن عبد الصمد به.
стр. 1068
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم السماعي حدثني أبو أيوب. قال: لما نزل علي رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فأظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: " يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت " فكان رسول الله ﷺ في سفله وكنا فوقه في المسكن. فلقد انكسر حب (١) لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شئ فيؤذيه، قال وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا - أو ثوما - فرده رسول الله ﷺ فلم أر ليده فيه أثرا، قال فجئته فزعا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فقال: " إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فأما أنتم فكلوه " قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد (٢). وكذلك رواه البيهقي من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسن - أو أبي الخير - مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم عن أبي أيوب فذكره. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمرو الحيري، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو النعمان، ثنا ثابت بن يزيد (٣) ثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب: أن رسول الله ﷺ نزل عليه فنزل في السفل، وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ! فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي ﷺ يعني في ذلك - فقال [النبي ﷺ ]: " السفل أرفق بنا " فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله ﷺ طعاما، فإذا جئ به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله ﷺ فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله ﷺ فقيل له لم يأكل ففزع وصعد إليه فقال أحرام؟ فقال النبي ﷺ : " لا ولكني أكرهه " قال فإني أكره ما تكره - أو ما كرهت - قال وكان النبي ﷺ يأتيه الملك (٤). رواه
стр. 1069
مسلم عن أحمد بن سعيد به، وثبت في الصحيحين عن انس بن مالك قال: جئ رسول الله ﷺ ببدر (١) وفي رواية بقدر فيه خضروات من بقول، قال فسأل فأخبر بما فيها فلما رآها كره أكلها، قال: " كل فإني أناجي من لا تناجي " وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب أخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ فكانت عنده، وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: أول هدية أهديت إلى رسول الله ﷺ حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها، قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن، فقلت أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: " بارك الله فيك " ودعا أصحابه فأكلوا، ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم، وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول الله ﷺ الثلاث والأربعة يحملون الطعام يتناوبون، وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر قال وبعث رسول الله ﷺ وهو نازل في دار أبي أيوب - مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله ﷺ .
وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا خلف بن عمرو العكبري، ثنا سعيد بن منصور، ثنا عطاف بن خالد، ثنا صديق بن موسى، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن ريد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل. فانبعثت به راحلته فقال: " دعوها فإنها مأمورة " ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت، وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله ﷺ عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك فأنقل رحلك إلي؟ قال: نعم! فذهب برحله إلى المنزل، ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل؟ قال: " ان الرجل مع رحله حيث كان " وثبت رسول الله ﷺ في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد، وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب خالد بن زيد ﵁، حيث نزل في داره رسول الله ﷺ . وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵁ أنه لما قدم أبو أيوب البصرة - وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب ﵁ فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله ﷺ في داره، وملكه كل ما أغلق عليها بابها. ولما أراد الانصراف أعطاه ابن عباس عشرين ألفا، وأربعين عبدا. وقد صارت دار أبي بعده إلى مولاه أفلح. فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار وصلح ما وهي من بنيانها ووهبها لأهل بيت فقراء من أهل المدينة. وكذلك نزوله
стр. 1070
﵇ في دار بني النجار واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا كل دار محلة مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسول الله ﷺ دار بني مالك بن النجار.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك. قال: قال رسول الله ﷺ : " خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير " فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضل علينا فقيل قد فضلكم على كثير: هذا لفظ البخاري. وكذلك رواه البخاري ومسلم من حديث أنس وأبي سلمة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، ومن حديث عبادة بن سهل عن أبي حميد عن النبي ﷺ بمثله سواء. زاد في حديث أبي حميد، فقال أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن النبي ﷺ خير الأنصار فجعلنا آخرا، فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا؟ قال: " أوليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار " قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة وهم الأنصار الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) [التوبة: ١٠٠] وقال تعالى: (والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) [الحشر: ٩] وقال رسول الله ﷺ : " لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار شعار والناس دثار " وقال: " الأنصار كرشي وعيبتي " وقال: " أنا سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم " وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال ثنا شعبة حدثني عدي بن ثابت قال سمعت البراء بن عازب يقول سمعت رسول الله ﷺ أو قال: قال رسول الله ﷺ : " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق. فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله " وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به. وقال البخاري أيضا حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " آية الايمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار " ورواه البخاري أيضا عن أبي الوليد [و] الطيالسي ومسلم من حديث خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن مهدي أربعتهم عن شعبة به. والآيات والأحاديث في فضائل الأنصار كثيرة جدا. وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس المتقدم ذكره أحد شعراء الأنصار في قدوم رسول الله ﷺ إليهم ونصرهم إياه ومواساتهم له ولأصحابه ﵃ أجمعين.
قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة بن أبي أنس أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام وما خصهم به من رسوله ﵇:
стр. 1071
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واطمأنت به النوى (١) … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنت به النوى … وكان له عونا من الله باديا
يقص لنا ما قال نوح لقومه … وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من الناس واحدا … قريبا ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتآسيا (٢)
نعادي الذي عادى من الناس كلهم … جميعا ولو كان الحبيب المواسيا
ونعلم أن الله لا شئ غيره … وإن كتاب الله أصبح هاديا (٣)
أقول إذا صليت في كل بيعة … حنانيك لا تظهر علينا الأعاديا (٤)
أقول إذا جاوزت أرضا مخيفة … تباركت اسم الله أنت المواليا
فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة … وانك لا تبقي لنفسك باقيا (٥)
فوالله ما يدري الفتى كيف سعيه … إذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولا تحفل النخل المعيمة ربها … إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا (٦)
ذكرها ابن إسحاق وغيره، ورواها عبد الله بن الزبير الحميدي وغيره عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عجوز من الأنصار قالت: رأيت عبد الله بن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يروي هذه الأبيات. رواه البيهقي.
فصل
وقد شرفت المدينة أيضا بهجرته ﵇ إليها وصارت كهفا لأولياء الله وعباده
стр. 1072
الصالحين، ومعقلا وحصنا منيعا للمسلمين، ودار هدى للعالمين. والأحاديث في فضلها كثيرة جدا لها موضع آخر نوردها فيه إن شاء الله. وقد ثبت في الصحيحين من طريق حبيب بن يساف عن جعفر بن عاصم عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الايمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها " (١) ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن شبابة عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ نحوه. وفي الصحيحين أيضا من حديث مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع أبا الحباب سعيد بن يسار سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : " أمرت بقرية تأكل القرى، يقول: يثرب، وهي المدينة، تنقي الناس كما ينقي الكير خبث الحديد " (٢) وقد انفرد الامام مالك عن بقية الأئمة الأربعة بتفضيلها على مكة. وقد قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الوليد، وأبو بكر بن عبد الله قالا ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو موسى الأنصاري، ثنا سعيد بن سعيد، حدثني أخي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فاسكني أحب البلاد إليك " فأسكنه الله المدينة " (٣)،. وهذا حديث غريب جدا والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة إلا المكان الذي ضم جسد رسول الله ﷺ ، وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها ههنا ومحلها ذكرناها في كتاب المناسك من الاحكام إن شاء الله تعالى. وأشهر دليل لهم في ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي ﷺ وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " وكذا رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به. وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الليث عن عقيل عن الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه يونس عن الزهري به. ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وحديث الزهري عندي أصح. قال الإمام أحمد: حدثنا
стр. 1073
عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: وقف رسول الله ﷺ على الحزورة فقال: " علمت أنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " (١) وكذا رواه النسائي من حديث معمر به. قال الحافظ البيهقي وهذا وهم من معمر، وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو أيضا وهم والصحيح رواية الجماعة (٢). وقال أحمد أيضا حدثنا إبراهيم بن خالد، ثنا رباح، عن معمر. عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن بعضهم أن رسول الله ﷺ قال وهو في سوق الحزورة: " والله إنك لخير أرض الله وأحب الأرض إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " ورواه الطبراني عن أحمد بن خليد الحلبي عن الحميدي عن الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي بن الحمراء به. فهذه طرق هذا الحديث، وأصحها ما تقدم والله أعلم.
وقائع السنة الأولى من الهجرة
اتفق الصحابة ﵃ في سنة ست عشرة - وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رفع إليه صك - أي حجة - لرجل على آخر وفيه، إنه يحل عليه في شعبان. فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك. فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم. وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك. وقال آخرون أرخوا بمولد رسول الله ﷺ وقال آخرون بل بمبعثه، وقال آخرون بل بهجرته، وقال آخرون بل بوفاته ﵇. فمال عمر ﵁ إلى التاريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره. واتفقوا معه على ذلك.
وقال البخاري في صحيحة: التاريخ ومتى أرخوا التاريخ. حدثنا عبد الله بن مسلم ثنا عبد العزيز عن أبيه عن سهل بن سعد. قال: ما عدوا من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمة المدينة.
стр. 1074
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه. قال: استشار عمر في التاريخ فأجمعوا على الهجرة.
وقال أبو داود الطيالسي عن قرة (١) بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال: قام رجل إلى عمر فقال أرخوا. فقال ما أرخوا؟ فقال شئ تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسن فأرخوا، فقالوا من أي السنين نبدأ. فقالوا من مبعثه، وقالوا من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا وأي الشهور نبدأ؟ قالوا رمضان، ثم قالوا المحرم فهو مصرف (٢) الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا (٣) على المحرم.
وقال ابن جرير: حدثنا قتيبة ثنا نوح بن قيس الطائي (٤) عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في قوله تعالى: (والفجر وليال عشر) هو المحرم فجر السنة وروى عن عبيد بن عمير. قال: إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة يكسي البيت، ويؤرخ به الناس (٥)، ويضرب فيه الورق.
وقال أحمد: حدثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار قال: إن أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وأن رسول الله ﷺ قدم المدينة في ربيع الأول وأن الناس أرخوا لأول السنة.
وروى محمد بن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي أنهما قالا: أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم وإسماعيل البيت (٦)، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من الفيل، ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة - أو ثماني عشرة - وقد ذكرنا هذا الفصل محررا بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد، والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الأئمة.
стр. 1075
وحكى السهيلي وغيره عن الامام مالك أنه قال: أول السنة الاسلامية ربيع الأول لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله ﷺ .
وقد استدل السهيلي على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) أي من أول يوم حلول النبي ﷺ المدينة، وهو أول يوم من التاريخ كما اتفق الصحابة على أول سني التاريخ عام الهجرة. ولا شك أن هذا الذي قاله الامام مالك ﵀ مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لان أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الأولى سنة الهجرة. وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم.
فنقول وبالله المستعان: استهلت سنة الهجرة المباركة ورسول الله ﷺ مقيم بمكة، وقد بايع الأنصار بيعة العقبة الثانية كما قدمنا في أوسط أيام التشريق وهي ليلة الثاني عشر من ذي الحجة قبل سنة الهجرة، ثم رجع الأنصار وأذن رسول الله ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة فهاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة حتى لم يبق بمكة من يمكنه الخروج إلا رسول الله ﷺ ، وحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه في الطريق كما قدمنا ثم خرجا على الوجه الذي تقدم بسطه وتأخر علي بن أبي طالب بعد النبي ﷺ بأمره ليؤدي ما كان عنده ﵇ من الودائع ثم لحقهم بقباء فقدم رسول الله ﷺ يوم الاثنين قريبا من الزوال وقد اشتد الضحاء.
قال الواقدي وغيره: وذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وحكاه ابن إسحاق إلا أنه لم يعرج عليه ورجح أنه لثنتي عشرة ليلة خلت منه، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور. وقد كانت مدة إقامته ﵇ بمكة بعد البعثة (١) ثلاث عشرة سنة في أصح الأقوال، وهو رواية حماد بن سلمة عن أبي جمرة (٢) الضبعي عن ابن عباس. قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة. وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن معمر عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة. وتقدم أن ابن عباس كتب أبيات صرمة بن أبي أنس بن قيس:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وقال الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه استشهد بقول صرمة:
стр. 1076
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وهكذا رواه ابن جرير عن الحارث عن محمد بن سعد عن الواقدي خمس عشرة حجة، وهو قول غريب جدا، وأغرب منه ما قال ابن جرير: حدثت عن روح بن عبادة ثنا سعيد عن قتادة قال: نزل القرآن على رسول الله ﷺ ثماني سنين بمكة، وعشرا بالمدينة. وكان الحسن يقول: عشرا بمكة، وعشرا بالمدينة، وهذا القول الآخر الذي ذهب إليه الحسن البصري من أنه أقام بمكة عشر سنين ذهب إليه أنس بن مالك وعائشة وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار فيما رواه ابن جرير عنهم، وهو رواية عن ابن عباس رواها أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس. قال: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا وقد قدمنا عن الشعبي أنه قال: قرن إسرافيل برسول الله ﷺ ثلاث سنين يلقى إليه الكلمة والشئ وفي رواية يسمع حسه ولا يرى شخصه، ثم كان بعد ذلك جبريل. وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا، وحاول ابن جرير (١) أن يجمع بين قول من قال إنه ﵇ أقام بمكة عشرا، وقول من قال ثلاث عشرة بهذا الذي ذكره الشعبي والله أعلم.
فصل
ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، وكان أول نزوله بها في دار بني عمرو بن عوف وهي قباء كما تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة، وقيل ثماني عشرة ليلة. وقيل بضع عشرة ليلة وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ أقام فيهم بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء، وقد ادعى السهيلي أن رسول الله ﷺ أسسه في أول يوم قدم إلى قباء وحمل على ذلك قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) ورد قول من أعربها: من تأسيس أول يوم، وهو مسجد شريف فاضل نزل فيه قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) [التوبة: ١٠٨] كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير وذكرنا الحديث الذي في صحيح (٢) مسلم أنه مسجد المدينة والجواب عنه. وذكرنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسن بن محمد ثنا أبو إدريس ثنا
стр. 1077
شرحبيل عن عويم بن ساعدة أنه حدثه أن رسول الله ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (١). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وله شواهد أخر. وروى عن خزيمة بن ثابت ومحمد بن عبد الله بن سلام وابن عباس. وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين). قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال الترمذي غريب من هذا الوجه.
قلت: ويونس بن الحارث هذا ضعيف والله أعلم. وممن قال بأنه المسجد الذي أسس على التقوى ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير. ورواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وحكى عن الشعبي والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير وعطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقد كان النبي ﷺ يزوره فيما بعد ويصلي فيه، وكان يأتي قباء كل سبت تارة راكبا وتارة ماشيا وفي الحديث: " صلاة في مسجد قباء كعمرة " وقد ورد في حديث أن جبرائيل ﵇ هو الذي أشار للنبي ﷺ إلى موضع قبلة مسجد قباء، فكان هذا المسجد أو مسجد بني في الاسلام بالمدينة، بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة. واحترزنا بهذا عن المسجد الذي بناه الصديق بمكة عند باب داره يتعبد فيه ويصلي لان ذاك كان لخاصة نفسه لم يكن للناس عامة والله أعلم. وقد تقدم اسلام سلمان في البشارات، [و] أن سلمان الفارسي لما سمع بقدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة ذهب إليه وأخذ معه شيئا فوضعه بين يديه وهو بقباء قال هذا صدقة فكف رسول الله ﷺ فلم يأكله وأمر أصحابه فأكلوا منه، ثم جاء مرة أخرى ومعه شئ فوضعه وقال هذه هدية فأكل منه وأمر أصحابه فأكلوا. تقدم الحديث بطوله.
فصل
في إسلام عبد الله بن سلام
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف، عن زرارة، عن عبد الله بن سلام. قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب. فكان أول شئ سمعته يقول: " [يا أيها الناس] (٢) أفشوا السلام وأطعموا
стр. 1078
الطعام [وصلوا الأرحام] (١) وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " (٢) ورواه الترمذي وابن ماجة من طرق عن عوف الأعرابي عن زرارة بن أبي أوفى به عنه. وقال الترمذي صحيح. ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبي ﷺ ورآه أول قدومه حين أناخ بقباء في بني عمرو بن عوف. وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار كما تقدم، فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجار. والله أعلم. وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس. قال: فلما جاء النبي ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فأدعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت فإنهم إن يعلموا اني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم: " يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق فأسلموا " قالوا ما نعلمه. قالوا [ذلك] للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار. قال: " فأي رجل فيكم عبد الله (٣) بن سلام؟ قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا حاش لله ما كان ليسلم (٤). قال: " يا ابن سلام اخرج عليهم " فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ (٥). هذا لفظه. وفي رواية (٦) فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه فقال: يا رسول الله هذا الذي كنت أخاف. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني (٧) ثنا عبد الله بن أبي بكر، ثنا حميد. عن أنس. قال: سمع عبد الله بن سلام
стр. 1079
بقدوم النبي ﷺ . - وهو في أرض له - فأتى النبي ﷺ : فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله (١) أهل الجنة؟ وما بال الولد إلى أبيه أو إلى أمه (٢)؟ قال: " أخبرني بهن جبريل آنفا " قال جبريل؟ قال: " نعم! " قال: عدو اليهود من الملائكة. ثم قرأ: " من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) [البقرة: ٩٧] قال: " أما أول أشراط الساعة: فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم (٣) إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد [إلى أبيه] (٤)، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد " فقال. أشهد أن لا إله إلا الله أو (و) أنك رسول الله. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني. فجاءت اليهود. فقال: " أي رجل عبد الله [بن سلام] (٥) فيكم؟ " قالوا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: " أرأيتم إن أسلم؟ " قالوا أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه. قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. ورواه البخاري عن عبد بن منير (٦) عن عبد الله بن أبي بكر به ورواه عن حامد بن عمر عن بشر بن المفضل عن حميد به.
قال محمد ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله عن رجل من آل عبد الله بن سلام: قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم - وكان حبرا عالما -. قال: لما سمعت برسول الله وعرفت صفته واسمه وهيئته و [زمانه] الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسرا بذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله ﷺ ، المدينة فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف. فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت [لي] عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها: أي عمة. والله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به. قال فقالت له: يا ابن أخي أهو الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: قلت لها: نعم! قالت فذاك إذا. قال فخرجت إلى
стр. 1080
رسول الله ﷺ فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود وقلت (١): يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن يعلموا بذلك بهتوني وعابوني، وذكر نحو ما تقدم. قال فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث [فحسن إسلامها] (٢). وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثني محدث عن صفية بنت حيي قالت: لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ قباء - قرية بني عمرو بن عوف - غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس. فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال تعرفه بنعته وصفته؟ قال نعم والله! قال: فماذا في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت (٣). وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعون فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بني النضير - فجلس إلى رسول الله وسمع منه، ثم رجع إلى قومه - وكان فيهم مطاعا - فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا. فقال له أخوه أبو ياسر يا ابن أم أطعني في هذا الامر واعصني فيما شئت بعده لا تهلك، قال لا والله لا أطيعك أبدا، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه.
قلت: أما أبو ياسر واسمه وأما حيي بن أخطب فلا أدري ما آل إليه أمره، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوة النبي ﷺ وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبه لعنه الله حتى قتل صبرا بين يدي رسول الله ﷺ يوم قتل مقاتلة بني قريظة كما سيأتي، إن شاء الله.
فصل
ولما ارتحل ﵇ من قباء وهو راكب ناقته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادي رانواناء فكانت أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقا لأنه والله أعلم لم يكن
стр. 1081
يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه.
ذكر خطبة رسول الله ﷺ يومئذ
قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة النبي ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عمرو بن عوف ﵃: " الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره واستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الاجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد وغى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرا. وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة [من ربه] (١)، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر (٢) السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد. والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لأخلف لذلك فإنه يقول تعالى: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه: (من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) (ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما) وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه. وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت (٣) فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه،
стр. 1082
الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " هكذا أوردها ابن جرير وفي السند إرسال (١).
وقال البيهقي: باب - أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ حين قدم المدينة -:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان والأخنس (٢) بن شريق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أن قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه - ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام على رسول الله (٣) ورحمة الله وبركاته " ثم خطب رسول الله ﷺ مرة أخرى فقال: " أن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] (٤)، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الاسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم [ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسى عنه قلوبكم] (٥) فإنه من (٦) يختار الله ويصطفي فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (٧).
وهذه الطريق أيضا مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها وإن اختلفت الألفاظ.
стр. 1083
فصل
في بناء مسجده الشريف ومقامه بدار أبي أيوب
وقد اختلف في مدة مقامه بها، فقال الواقدي: سبعة أشهر، وقال غيره أقل من شهر والله أعلم. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال سمعت أبي يحدث فقال حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد الضبي، حدثنا أنس بن مالك. قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملا بني النجار فجاؤوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملا بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملا بني النجار فجاؤوا فقال: " يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا " فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، قال (١): فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. قال فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم يقول (٢):
"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة … فانصر الأنصار والمهاجرة "
وقد رواه البخاري (٣) في مواضع أخر ومسلم من حديث أبي عبد الصمد وعبد الوارث بن سعيد. وقد تقدم في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الذي كان مربدا - وهو بيدر التمر - ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة وهما سهل وسهيل، فساومهما فيه رسول الله ﷺ فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا. قال وجعل رسول الله ﷺ يقول وهو ينقل معهم التراب:
هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
ماجة في الصلاة.
стр. 1084
ويقول:
لا هم إن الاجر أجر الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة
وذكر موسى بن عقبة أن أسعد بن زرارة عوضهما منه نخلا له في بياضة، قال وقيل ابتاعه منهما رسول الله ﷺ .
قلت: وذكر محمد بن إسحاق أن المربد كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو فالله أعلم.
وروى البيهقي: من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الحسن بن حماد الضبي، ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن. قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، فقال: " ابنوه عريشا كعريش موسى " فقلت للحسن: ما عريش موسى؟ قال إذا رفع يديه بلغ العريش - يعني السقف - وهذا مرسل. وروى من حديث حماد بن سلمة عن أبي سنان عن يعلى بن شداد بن أوس، عن عبادة: أن الأنصار جمعوا مالا فأتوا به النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: " ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى " (١) وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبد الله بن موسى عن سنان (٢) عن فراس عن عطية العوفي عن ابن عمر أن مسجد النبي ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها تخربت (٣) في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع وبجريد النخل، ثم إنها تخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر، فما زالت ثابتة حتى الآن. وهذا غريب. وقد قال أبو داود أيضا: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي عن أبي صالح ثنا نافع عن ابن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا. وغيره عثمان ﵁ وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (٤) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن يعقوب بن إبراهيم به (٥).
стр. 1085
قلت: زاده عثمان بن عفان ﵁ متأولا قوله ﷺ : " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال إليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر بن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم.
قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه؟ وعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغب المسلمين في العمل فيه. فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه. فقال قائل من المسلمين:
لئن قعدنا والنبي يعمل … لذلك منا العمل المضلل
وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون:
لا عيش إلا عيش الآخرة … اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة
فيقول رسول الله ﷺ : " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار " قال فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول قتلوني يحملون علي ما لا يحملون. قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده - وكان رجلا جعدا - وهو يقول: " ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما يقتلك الفئة الباغية " وهذا منقطع من هذا الوجه بل هو معضل بين محمد بن إسحاق وبين أم سلمة وقد وصله مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن خالد الحذاء عن سعيد والحسن - يعني ابني أبي الحسن البصري - عن أمهما خيرة مولاة أم سلمة عن أم سلمة قالت: قال: رسول الله ﷺ : " تقتل عمار الفئة الباغية " ورواه من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار وهو ينقل الحجارة: " ويح لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " (١) وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن يحدث عن أمه عن أم سلمة قالت: لما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب النبي ﷺ يحمل كل واحد لبنة لبنة، وعمرا يحمل لبنتين لبنة عنه ولبنة عن النبي ﷺ فمسح ظهره. وقال " ابن سمية، للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة
стр. 1086
الباغية " (١) وهذا إسناد على شرط الصحيحين. وقد أورد البيهقي وغيره من طريق جماعة عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي سعيد الخدري. قال: كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن (٢). لكن روى هذا الحديث الامام البخاري عن مسدد عن عبد العزيز بن المختار عن خالد الحذاء، وعن إبراهيم بن موسى عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به إلا أنه لم يذكر قوله تقتلك الفئة الباغية.
قال البيهقي: وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم من طريق عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: " بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية " (٣) وقد رواه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال حدثني من هو خير مني - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر " بؤسا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ لما حفر الخندق كان الناس يحملون لبنة لبنة، وعمار - ناقة من وجع كان به - فجعل يحمل لبنتين لبنتين قال أبو سعيد فحدثني بعض أصحابي أن رسول الله ﷺ كان ينفض التراب عن رأسه ويقول: " ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " (٤). قال البيهقي: فقد فرق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه (٥).
стр. 1087
قال: ويشبه أن يكون قوله: الخندق وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق والله أعلم.
قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه. وقد كان علي أحق بالامر من معاوية. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الامر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة. وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالامر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم. وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن تأييده وتوفيقه والمقصود ههنا أنما هو قصة بناء المسجد النبوي على بانيه أفضل الصلاة والتسليم.
وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل (١): حدثنا أبو عبد الله الحافظ املاء، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن شريك، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ . قال: [لما بنى رسول الله ﷺ المسجد] (٢) جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه. فقال رسول الله ﷺ : " هؤلاء ولاة الامر بعدي ". ثم رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حشرج عن سعيد عن سفينة. قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع حجرا. ثم قال " ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر " فقال رسول الله ﷺ : " هؤلاء الخلفاء من بعدي " وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا، والمعروف ما رواه الإمام أحمد عن أبي النضر عن
стр. 1088
حشرج بن نباتة العبسي (١) وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله يقول: " الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك " ثم قال سفينة أمسك، خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة علي ست سنين، هذا لفظ أحمد. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن جمهان، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا " وذكر بقيته.
قلت: ولم يكن في مسجد النبي ﷺ أول ما بني منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي ﷺ يخطب الناس وهو مستندا إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما اتخذ له ﵇ المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل إليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار لما كان يسمع من خطب الرسول ﵇ عنده، فرجع إليه النبي ﷺ فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذي يسكت كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة ﵃. وما أحسن ما قال الحسن البصري بعدما روي هذا الحديث عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه، أوليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه (٢)؟!
تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي. قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله ﷺ وقال العمري هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد " لمسجد رسول الله ﷺ وقال " في ذلك خير كثير " يعني مسجد قباء. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى الأسلمي به وقال حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى، عن الليث بن سعد والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه. قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى،
стр. 1089
وذكر نحو ما تقدم. وفي صحيح مسلم من حديث حميد الخراط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد كيف سمعت أباك في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال أبي أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن المسجد الذي أسس على التقوى فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض. ثم قال: " هو مسجدكم هذا " وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التميمي، عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد. قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد في الذي أسس على التقوى. فقال أحدهما هو مسجد رسول الله ﷺ وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه فقال: " هو مسجدي هذا " وقال الإمام أحمد حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: " المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا " فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول ﷺ وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير. وقال آخرون لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء كما تقدم بيانه، وبين هذه الأحاديث. لان هذا المسجد أولى بهذه الصفة. من ذلك لان هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس " وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " وذكرها. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وفي مسند أحمد بإسناد حسن زيادة حسنة وهي قوله: " فإن ذلك أفضل " وفي الصحيحين من حديث يحيى القطان عن حبيب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي " والأحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقد ذهب الامام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام لان ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمد ﷺ ، ومعلوم أن محمدا ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇. وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك وقرروا أن المسجد الحرام أفضل لأنه في بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وحرمه إبراهيم الخليل ﵇، ومحمد خاتم المرسلين، فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، وبسط هذه المسألة موضع آخر وبالله المستعان.
فصل
وبنى لرسول الله ﷺ حول مسجده الشريف حجر لتكون مساكن له ولأهله وكانت مساكن
стр. 1090
قصيرة البناء قريبة الفناء قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة - لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا ﵀.
وقال السهيلي في الروض: كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين بعضها من حجارة مرضومة (١) وسقوفها كلها م جريد. وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم. قال وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه ﵇ كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. قال وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله ﷺ إلى المسجد. قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبد الله بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول الله ﷺ وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد، فذهبوا فجاؤوا ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان وأهل النبي ﷺ وآل أبي بكر صحبة عبد الله بن أبي بكر وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه! قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلت خطامه فوقف بإذن الله وسلمنا الله . فتقدموا فنزلوا بالسنح. ثم دخل رسول الله ﷺ بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، وقدمت معهم أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير بن العوام وهي حامل متم بعبد الله بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.
فصل
فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن وهب بن يوسف، ثنا مالك عن (٢) هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله (٣)