الباغية " (١) وهذا إسناد على شرط الصحيحين. وقد أورد البيهقي وغيره من طريق جماعة عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي سعيد الخدري. قال: كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن (٢). لكن روى هذا الحديث الامام البخاري عن مسدد عن عبد العزيز بن المختار عن خالد الحذاء، وعن إبراهيم بن موسى عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به إلا أنه لم يذكر قوله تقتلك الفئة الباغية.
قال البيهقي: وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم من طريق عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: " بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية " (٣) وقد رواه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال حدثني من هو خير مني - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر " بؤسا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ لما حفر الخندق كان الناس يحملون لبنة لبنة، وعمار - ناقة من وجع كان به - فجعل يحمل لبنتين لبنتين قال أبو سعيد فحدثني بعض أصحابي أن رسول الله ﷺ كان ينفض التراب عن رأسه ويقول: " ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " (٤). قال البيهقي: فقد فرق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه (٥).
стр. 1087
قال: ويشبه أن يكون قوله: الخندق وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق والله أعلم.
قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه. وقد كان علي أحق بالامر من معاوية. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الامر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة. وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالامر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم. وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن تأييده وتوفيقه والمقصود ههنا أنما هو قصة بناء المسجد النبوي على بانيه أفضل الصلاة والتسليم.
وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل (١): حدثنا أبو عبد الله الحافظ املاء، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن شريك، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ . قال: [لما بنى رسول الله ﷺ المسجد] (٢) جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه. فقال رسول الله ﷺ : " هؤلاء ولاة الامر بعدي ". ثم رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حشرج عن سعيد عن سفينة. قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع حجرا. ثم قال " ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر " فقال رسول الله ﷺ : " هؤلاء الخلفاء من بعدي " وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا، والمعروف ما رواه الإمام أحمد عن أبي النضر عن
стр. 1088
حشرج بن نباتة العبسي (١) وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله يقول: " الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك " ثم قال سفينة أمسك، خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة علي ست سنين، هذا لفظ أحمد. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن جمهان، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا " وذكر بقيته.
قلت: ولم يكن في مسجد النبي ﷺ أول ما بني منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي ﷺ يخطب الناس وهو مستندا إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما اتخذ له ﵇ المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل إليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار لما كان يسمع من خطب الرسول ﵇ عنده، فرجع إليه النبي ﷺ فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذي يسكت كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة ﵃. وما أحسن ما قال الحسن البصري بعدما روي هذا الحديث عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه، أوليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه (٢)؟!
تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي. قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله ﷺ وقال العمري هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد " لمسجد رسول الله ﷺ وقال " في ذلك خير كثير " يعني مسجد قباء. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى الأسلمي به وقال حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى، عن الليث بن سعد والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه. قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى،
стр. 1089
وذكر نحو ما تقدم. وفي صحيح مسلم من حديث حميد الخراط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد كيف سمعت أباك في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال أبي أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن المسجد الذي أسس على التقوى فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض. ثم قال: " هو مسجدكم هذا " وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التميمي، عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد. قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد في الذي أسس على التقوى. فقال أحدهما هو مسجد رسول الله ﷺ وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه فقال: " هو مسجدي هذا " وقال الإمام أحمد حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: " المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا " فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول ﷺ وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير. وقال آخرون لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء كما تقدم بيانه، وبين هذه الأحاديث. لان هذا المسجد أولى بهذه الصفة. من ذلك لان هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس " وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " وذكرها. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وفي مسند أحمد بإسناد حسن زيادة حسنة وهي قوله: " فإن ذلك أفضل " وفي الصحيحين من حديث يحيى القطان عن حبيب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي " والأحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقد ذهب الامام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام لان ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمد ﷺ ، ومعلوم أن محمدا ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇. وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك وقرروا أن المسجد الحرام أفضل لأنه في بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وحرمه إبراهيم الخليل ﵇، ومحمد خاتم المرسلين، فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، وبسط هذه المسألة موضع آخر وبالله المستعان.
فصل
وبنى لرسول الله ﷺ حول مسجده الشريف حجر لتكون مساكن له ولأهله وكانت مساكن
стр. 1090
قصيرة البناء قريبة الفناء قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة - لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا ﵀.
وقال السهيلي في الروض: كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين بعضها من حجارة مرضومة (١) وسقوفها كلها م جريد. وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم. قال وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه ﵇ كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. قال وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله ﷺ إلى المسجد. قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبد الله بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول الله ﷺ وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد، فذهبوا فجاؤوا ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان وأهل النبي ﷺ وآل أبي بكر صحبة عبد الله بن أبي بكر وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه! قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلت خطامه فوقف بإذن الله وسلمنا الله . فتقدموا فنزلوا بالسنح. ثم دخل رسول الله ﷺ بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، وقدمت معهم أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير بن العوام وهي حامل متم بعبد الله بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.
فصل
فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن وهب بن يوسف، ثنا مالك عن (٢) هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله (٣)
стр. 1091
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته (١) ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي اذخر وجليل (٢)
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل (٣)
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة (٤). ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن هشام مختصرا. وفي رواية البخاري (٥) له عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره وزاد بعد شعر بلال ثم يقول: اللهم العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا [من أرضنا] (٦) إلى أرض الوباء (٧). فقال رسول الله ﷺ : " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها وفي مدها (٨) وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة " قالت وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلا (٩) - يعني ماء آجنا - وقال زياد عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير [عن عروة بن الزبير] (١٠) عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم (١١) وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك فدنوت من أبي بكر فقلت [له] كيف تجدك يا أبه؟ فقال (١٢):
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
стр. 1092
قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، قالت ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت [له] كيف تجدك يا عامر؟ قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه … كالثور يحمي جلده بروقه
قال فقلت والله ما يدري ما يقول، قالت وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم وقلت إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة " ومهيعة هي الجحفة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي بكر بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت لما قدم رسول الله ﷺ المدينة اشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وبلال، فاستأذنت عائشة رسول الله ﷺ في عيادتهم فأذن لها، فقالت لأبي بكر كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
وسألت عامرا فقال:
إني وجدت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه (١)
وسألت بلالا فقال:
يا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بفخ وحولي إذخر وجليل (٢)
فأتت رسول الله ﷺ فأخبرته، فنظر إلى السماء وقال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها وفي مدها، وانقل وباءها إلى مهيعة. وهي الجحنة فيما زعموا. وكذا رواه النسائي عن قتيبة عن الليث به ورواه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن الحارث عنها مثله. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو. قالا: ثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن
стр. 1093
أبيه، عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض الله، وواديها بطحان نجل [يجري عليه الأثل] (١). قال هشام: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيئا فأشرف عليها الانسان قيل له أن ينهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي. وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة:
لعمري لئن عبرت من خيفة الردى … نهيق الحمار إنني لجزوع (٢)
وروى البخاري (٣) من حديث موسى بن عقبة: عن سالم [بن عبد الله] عن أبيه أن النبي ﷺ قال: " رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة - وهي الجحفة فأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة - وهي الجحفة - " هذا لفظ البخاري ولم يخرجه مسلم ورواه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة من حديث موسى بن عقبة. وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي وبيئة، فذكر الحديث بطوله إلى قوله وانقل حماها إلى الجحفة. قال هشام: فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٤). وقال يونس عن ابن إسحاق: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي وبيئة. فأصاب أصحابه بها بلاء وسقم حتى أجهدهم ذلك، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة - يعني مكة - عام عمرة القضاء. فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا [الأشواط الثلاثة] (٥) وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم.
قلت: وعمرة القضاء كانت في سنة سبع في ذي القعدة (٦) فأما أن يكون تأخر دعاؤه
стр. 1094
﵇ بنقل الوباء إلى قريب من ذلك، أو أنه رفع وبقي آثار منه قليل. أو أنهم بقوا في خمار وما كان أصابهم من ذلك إلى تلك المدة والله أعلم. وقال زياد عن ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة حتى جهدوا مرضا، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ حتى كانوا وما يصلون إلا وهم قعود، قال: فخرج رسول الله ﷺ وهم يصلون كذلك فقال لهم: " إعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم " فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل (١).
فصل في عقده ﵇ الألفة بين المهاجرين والأنصار بالكتاب الذي أمر به فكتب بينهم والمؤاخاة التي أمرهم بها وقررهم عليها وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة
وكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأنصار أيام بخت نصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبري. ثم لما كان سيل العرم وتفرقت شذر مذر نزل الأوس والخزرج المدينة عند اليهود فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء لكن من الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والاسلام وخذل أولئك لحسدهم وبغيهم واستكبارهم عن اتباع الحق.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، ثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك. قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك. وقد رواه الإمام أحمد أيضا والبخاري ومسلم وأبو داود من طرق متعددة عن عاصم بن سليمان الأحول عن أنس بن مالك. قال: حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داري. وقال الإمام أحمد: حدثنا نصر بن باب عن حجاج - هو ابن أرطأة - قال وحدثنا سريج ثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا
стр. 1095
معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والاصلاح بين المسلمين. قال أحمد: وحدثنا سريج ثنا عباد عن حجاج عن الحكم عن قاسم عن ابن عباس مثله، تفرد به الإمام أحمد، وفي صحيح مسلم عن جابر. كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقولة.
[دستور المدينة] (١)
وقال محمد بن إسحاق: " وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم.
"بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.
١ - أنهم أمة واحدة من دون الناس (٢).
٢ - المهاجرون من قريش على ربعتهم (٣) يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم (٤) بالمعروف والقسط [بين المؤمنين] (٥).
٣ - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقبون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين (٦).
ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار:
٤ - [وبنو الحرث على ربعتهم] (٧) (حسب المقطع الثالث).
٥ - وبنو ساعدة على ربعتهم (حسب المقطع الثالث).
стр. 1096
٦ - وبنو جشم على ربعتهم (حسب المقطع الثالث).
٧ - وبنو النجار على ربعتهم (حسب المقطع الثالث).
٨ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم (حسب المقطع الثالث).
٩ - وبنو النبيت على ربعتهم (حسب المقطع الثالث).
١٠ - [وبنو أوس على ربعتهم] (١) (حسب المقطع الثالث).
إلى أن قال:
١١ - وان المؤمنين لا يتركون مفرحا (٢) بينهم وان يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
١٢ - ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٣ - وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى، دسيعة (٣) ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم.
١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة: يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس
١٦ - وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا تناصر عليهم.
١٧ - وإن سلم المؤمنين واحدة: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
١٨ - وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا (٤).
١٩ - وإن المؤمنين يبئ (٥) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
٢٠ - وانه لا يجبر مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن.
٢١ - وانه من اعتبط (٦) مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي القتول، وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
٢٢ - وانه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا (٧) ولا
стр. 1097
يأويه وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
٢٣ - وانكم مهما اختلفتم فيه من شئ فان مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ .
٢٤ - وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٥ - وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (١) إلا نفسه وأهل بيته.
٢٦ - وان ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
٢٧ - وان ليهود بني الحرث مثل ما ليهود بني عوف.
٢٨ - وان ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
٢٩ - وان ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
٣٠ - وان ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
٣١ - وان ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم واثم فإنه لا يوتع إلا نفسه وأهل بيته.
٣٢ - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم (٢).
٣٣ - وإن لبني الشطيبة (٣) مثل ما ليهود بني عوف وان البر دون الاثم (٤).
٣٤ - وان موالي ثعلبة كأنفسهم.
٣٥ - وان بطانة يهود كأنفسهم (٥)
٣٦ - وانه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد وانه لا ينحجر (٦) على ثأر جرح وانه من فتك نفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم وان الله على ابر (٧) من هذا.
٣٧ - وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وان بينهم النصر على من حارب أهل
стр. 1098
هذه الصحيفة، وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم، وانه لم يأثم امرؤ بحليفه وان النصر للمظلوم.
٣٨ - [وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين] (١).
٣٩ - وان يثرب حرام جوفها (٢) لأهل هذه الصحيفة.
٤٠ - وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤١ - وانه لا تجار حرمة إلا باذن أهلها.
٤٢ - وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله وان الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وإبره.
٤٣ - وانه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٤ - وان بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٥ - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين (٣) إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
[٤٦ - وان يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر الحسن من أهل هذه الصحيفة، وان البر دون الاثم.
٤٧ - لا يكسب كاسب إلا على نفسه (٤)، وان الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وابره] (٥) وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وانه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم واثم وان الله جار لمن بر واتقى، [ومحمد رسول الله ﷺ ] (٦)(٧).
كذا أورده ابن إسحاق بنحوه. وقد تكلم عليه أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتاب الغريب وغيره بما يطول.
стр. 1099
فصل في مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار
كما قال تعالى [والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون] [الحشر: ٩] وقال تعالى: [والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا] [النساء: ٣٣].
قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، ثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس [ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة (والذين عاقدت أيمانكم) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للاخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت ثم قال: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. وقال الإمام أحمد قرئ على سفيان سمعت عاصما عن أنس قال: حالف النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا قال سفيان: كأنه يقول آخي.
وقال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: - فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - " تأخوا في الله أخوين أخوين " ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال " هذا أخي " فكان رسول الله ﷺ سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس له خطير (١) ولا نظير من العباد، وعلي بن أبي طالب أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعم رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أخوين وإليه أوصى حمزة يوم أحد، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين ومعاذ بن جبل أخوين. قال ابن هشام: كان جعفر يومئذ غائبا بأرض الحبشة (٢). قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجي أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين، ويقال بل كان الزبير وعبد الله بن مسعود (٣) أخوين،
стр. 1100
وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر النجاري أخوين، وطلحة [بن عبيد الله] (١) وكعب بن مالك أخوين، وسعيد (٢) بن زيد وأبي بن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار وحذيفة بن اليمان العبسي حليف عبد الأشهل أخوين. ويقال بل كان عمار وثابت بن قيس بن شماس أخوين.
قلت: وهذا السند من وجهين. قال: وأبو ذر برير بن جنادة (٣) والمنذر بن عمرو المعنق ليموت أخوين، وحاطب بن أبي بلتعة (٤) وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان وأبو الدرداء [عويمر بن ثعلبة] أخوين وبلال وأبو رويحة (٥) عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ثم أحد الفزع (٦) أخوين. قال فهؤلاء ممن سمى لنا ممن كان رسول الله ﷺ آخى بينهم من أصحابه ﵃.
قلت: وفي بعض ما ذكره نظر، أما مؤاخاة النبي ﷺ وعلي فإن من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخاة إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي ﷺ لاحد منهم، ولا مهاجري لمهاجري آخر كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة اللهم إلا أن يكون النبي ﷺ لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله ﷺ من صغره في حياة أبيه أبي طالب كما تقدم عن مجاهد وغيره. وكذلك يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار والله أعلم.
وهكذا ذكره لمؤاخاة جعفر ومعاذ بن جبل فيه نظر كما أشار إليه عبد الملك بن هشام، فان جعفر بن أبي طالب إنما قدم في فتح خيبر في أول سنة سبع كما سيأتي بيانه، فكيف يؤاخي بينه وبين
стр. 1101
معاذ بن جبل أول مقدمه ﵇ إلى المدينة اللهم إلا أن يقال إنه أرصد لاخوته إذا قدم حين يقدم، وقوله وكان أبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين يخالف لما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة. وكذا رواه مسلم منفردا به عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وهذا أصح مما ذكره ابن إسحاق من مؤاخاة أبي عبيدة وسعد بن معاذ والله أعلم (١).
وقال البخاري باب كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه. وقال عبد الرحمن بن عوف: آخى النبي ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة. وقال أبو جحيفة: آخى النبي ﷺ بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء ﵄: حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن حميد، عن أنس قال: قدم عبد الرحمن بن عوف [المدينة] فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق. فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ : " مهيم يا عبد الرحمن؟ " قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: " فما سقت فيها؟ " قال وزن نواة من ذهب، قال النبي ﷺ : " أولم ولو بشاة " تفرد به من هذا الوجه. وقد رواه أيضا في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن حميد به (٢). وقال الإمام أحمد حدثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت وحميد عن أنس: أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشئ من أقط وسمن. ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ودع زعفران (٣) فقال رسول الله ﷺ " مهيم؟ " فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: " ما أصدقتها؟ " قال وزن نواة من ذهب، قال " أولم ولو بشاة ". قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن
стр. 1102
أصيب ذهبا وفضة (١). وتعليق البخاري هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف غريب فإنه لا يعرف مسندا إلا عن أنس اللهم إلا أن يكون أنس تلقاه عنه فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا حميد عن أنس. قال: قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالاجر كله. قال: " لا! ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم " هذا حديث ثلاثي الاسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه، وهو ثابت في الصحيح من (٢). وقال البخاري: أخبرنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال قالت الأنصار: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. قالوا أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا سمعنا وأطعنا. تفرد به. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال رسول الله ﷺ للأنصار " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم " فقالوا أموالنا بيننا قطائع فقال رسول الله ﷺ " أو غير ذلك؟ " قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر ". قالوا نعم! وقد ذكرنا ما ورد من الأحاديث والآثار في فضائل الأنصار وحسن سجاياهم عند قوله تعالى: (والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم) الآية.
فصل في موت أبي أمامة أسعد بن زرارة (٣)
ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه بني النجار، وقد شهد العقبات الثلاث وكان أول من بايع رسول الله ﷺ ليلة العقبة الثانية في قول وكان شابا وهو أول من جمع بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم النبيت كما تقدم.
قال محمد بن إسحاق: وهلك في تلك الأشهر (٤) أبو أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى أخذته الذبحة - أو الشهقة -. وقال ابن جرير في التاريخ: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ثنا يزيد بن
стр. 1103
زريع عن معمر عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ كوى أسعد بن زرارة في الشوكة. رجاله ثقات.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة. قال: قال رسول الله ﷺ : " بئس الميت أبو أمامة، ليهود ومنافقي العرب، يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا " وهذا يقتضي أنه أول من مات بعد مقدم النبي ﷺ ، وقد زعم أبو الحسن بن الأثير في [أسد] الغابة أنه مات في شوال بعد مقدم النبي ﷺ بسبعة أشهر. فالله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق: عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني النجار سألوا رسول الله ﷺ أن يقيم لهم نقيبا بعد أبي أمامة أسعد بن زرارة فقال: " أنتم أخوالي وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم " وكره أن يخص بها بعضهم دون بعض. فكان من فضل بني النجار الذي يعتدون به على قومهم أن كان رسول الله ﷺ نقيبهم. قال ابن الأثير: وهذا يرد قول أبي نعيم وابن منده في قولهما أن أسعد بن زرارة كان نقيبا على بني ساعدة، إنما كان على بني النجار، وصدق ابن الأثير فيما قال. وقد قال أبو جعفر بن جرير في التاريخ (١): كان أول من توفي بعد مقدمه ﵇ المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب منزله كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات، ثم توفي بعده أسعد بن زرارة وكانت وفاته في سنة مقدمه قبل أن يفرغ بناء المسجد بالذبحة أو الشهقة.
قلت: وكلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي وهو من بني عمرو بن عوف وكان شيخا كبيرا أسلم قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل بقباء نزل في منزل هذا في الليل، وكان يتحدث بالنهار مع أصحابه في منزل سعد بن الربيع (٢) ﵄ إلى أن ارتحل إلى دار بني النجار كما تقدم. قال ابن الأثير: وقد قيل إنه أول من مات من المسلمين بعد مقدم رسول الله ﷺ ، ثم بعده أسعد بن زرارة. ذكره الطبري (٣).
стр. 1104
فصل في ميلاد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة
فكان أول مولود ولد في الاسلام من المهاجرين كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ﵄. وقد زعم بعضهم أن ابن الزبير ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا قاله أبو الأسود. ورواه الواقدي: عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه عن جده، وزعموا أن النعمان ولد قبل الزبير بستة أشهر على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة، والصحيح ما قدمنا. فقال البخاري حدثنا زكريا بن يحيى ثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير قالت فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة ونزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شئ دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه. فكان أول مولود ولد في الاسلام. تابعه خالد بن مخلد عن علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها هاجرت إلى النبي ﷺ وهي حبلى. حدثنا قتيبة عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أول مولود ولد في الاسلام عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها ثم أدخلها في فيه فأول ما دخل بطنه ريق النبي ﷺ فهذا حجة على الواقدي وغيره لأنه ذكر أن النبي ﷺ بعث مع عبد الله بن أريقط لما رجع إلى مكة زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتوا بعياله وعيال أبي بكر فقدموا بهم أثر هجرة النبي ﷺ وأسماء حامل متم أي مقرب قد دنا وضعها لولدها، فلما ولدته كبر المسلمون تكبيرة عظيمة فرحا بمولده لأنه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب الله اليهود فيما زعموا.
فصل وبنى رسول الله ﷺ بعائشة في شوال من هذه السنة
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع [بن الجراح] ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال. ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن سفيان الثوري به (١). وقال
стр. 1105
الترمذي حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري فعلى هذا يكون دخوله بها ﵇ بعد الهجرة بسبعة أشهر - أو ثمانية أشهر - وقد حكى القولين ابن جرير، وقد تقدم في تزويجه ﵇ بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعد ما قدموا المدينة وان دخوله بها كان بالسنح نهارا وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم، وفي دخوله ﵇ بها في شوال ردا لما يتوهمه (١) بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين وهذا ليس بشئ لما قالته عائشة رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت: تزوجني في شوال، وبنى بي في شوال - أي دخل بي - في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ فدل هذا على أنها فهمت منه ﵇ أنها أحب نسائه إليه، وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إلا الحديث الثابت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص: قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة " قلت من الرجال قال " أبوها ".
فصل
قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعني السنة الأولى من الهجرة - زيد في صلاة الحضر - فيما قيل - ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي ﷺ المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضي ثنتي عشرة ليلة مضت، وقال: وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.
قلت: قد تقدم الحديث الذي رواه البخاري: من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وروى من طريق الشعبي عن مسروق عنها. وقد حكى البيهقي عن الحسن البصري أن صلاة الحضر أول ما فرضت فرضت أربعا والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) الآية [النساء: ١٠١].
стр. 1106
فصل في الاذان ومشروعيته
قال ابن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع كبائر (١) الأنصار استحكم أمر الاسلام، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الاسلام بين أظهرهم وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوؤا الدار والايمان وقد كان رسول الله ﷺ حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ أن يجعل بوقا (٢) كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينا هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه (٣) أخو بلحارث بن الخزرج، النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قال قلت ندعو به إلى الصلاة، قال ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت وما هو؟ قال تقول، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: " إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه، فليؤذن بها فإنه أندى (٤) صوتا منك " فلما أذن بها بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبي الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله فلله الحمد [على ذلك]. قال ابن إسحاق: فحدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه عن أبيه. وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة من طرق عن محمد بن إسحاق به، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما. وعند أبي داود أنه علمه الإقامة قال: ثم تقول إذا أقمت
стр. 1107
الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. وقد روى ابن ماجة هذا الحديث: عن أبي عبيد محمد بن عبيد بن ميمون عن محمد بن سلمة الحراني عن ابن إسحاق كما تقدم (١). ثم قال: قال أبو عبيد: وأخبرني أبو بكر الحكمي أن عبد الله بن زيد الأنصاري قال في ذلك:
الحمد لله ذي الجلال وذي الا … كرام حمدا على الاذان كبيرا
إذ أتاني به البشير من الله … فأكرم به لدي بشيرا
في ليال والى بهن ثلاث … كلما جاء زادني توقيرا
قلت: وهذا الشعر غريب وهو يقتضي أنه رأى ذلك ثلاث ليال حتى أخبر به رسول الله ﷺ
فالله أعلم. ورواه الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق قال: وذكر الزهري عن سعيد بن
المسيب عن عبد الله بن زيد به نحو رواية ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي ولم يذكر الشعر وقال ابن ماجة: حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، ثنا أبي، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ استشار الناس لما يهمهم من الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى. فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب، فطرق الأنصاري رسول الله ﷺ ليلا فأمر رسول الله ﷺ بلالا فأذن به. قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة، الصلاة خير من النوم مرتين، فأقرها رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله رأيت مثل الذي رأى ولكنه سبقني، وسيأتي تحرير هذا الفصل في باب الاذان من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى وبه الثقة. فأما الحديث الذي أورده السهيلي بسنده من طريق البزار: حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد ثنا أبي، عن زياد بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب فذكر حديث الاسراء وفيه: فخرج ملك من وراء الحجاب فأذن بهذا الاذان وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد ﷺ فقدمه فأم بأهل السماء وفيهم آدم ونوح. ثم قال السهيلي وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ويشاكله من حديث الاسراء. فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح بل هو منكر تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية (٢) وهو من المتهمين. ثم لو كان هذا قد سمعه
стр. 1108
رسول الله ﷺ ليلة الاسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة والله أعلم. قال ابن هشام: وذكر ابن جريج. قال: قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبي ﷺ وأصحابه [بالناقوس] (١) للاجتماع للصلاة، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة. فذهب عمر إلى النبي ﷺ ليخبره بما رأى وقد جاء النبي ﷺ الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن: فقال رسول الله ﷺ حين أخبره بذلك " قد سبقك بذلك الوحي " وهذا يدل على أنه قد جاء الوحي بتقرير ما رآه عبد الله بن زيد بن عبد ربه كما صرح به بعضهم والله تعالى أعلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت ثم يؤذن، قالت والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة - يعني هذه الكلمات - ورواه أبو داود من حديثه منفردا به (٢).
فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن رسول الله ﷺ عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين (٣) ليعترض لعيرات قريش وأن حمزة لقي أبا جهل (٤) في ثلاثمائة رجل من قريش فحجز بينهم مجدي بن عمرو ولم يكن بينهم قتال، قال وكان الذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد الغنوي (٥).
стр. 1109
فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أيضا أن النبي ﷺ عقد في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر في شوال لعبيدة بن الحارث [بن المطلب بن عبد مناف] لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ (١). وكان لواؤه مع مسطح بن أثاثة فبلغ ثنية المرة وهي بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء (٢) وكان بينهم الرمي دون المسابقة. قال الواقدي: وكان المشركون مائتين عليهم أبو سفيان صخر بن حرب وهو المثبت عندنا، وقيل كان عليهم مكرز بن حفص (٣).
فصل [في سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار] (٤)
قال الواقدي: وفيها - يعني في السنة الأولى في ذي القعدة (٥) - عقد رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار (٦) لواء أبيض يحمله المقداد بن الأسود، فحدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد [عن أبيه] (٧). قال: خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا، أو قال أحد وعشرين رجلا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحنا الخرار صبح خامسة، وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلي أن لا أجاوز الخرار، وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم. قال
стр. 1110
الواقدي: كانت العير ستين وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين. قال أبو جعفر بن جرير (رح) وعند ابن إسحاق (رح) أن هذه السرايا الثلاث التي ذكرها الواقدي كلها في السنة الثانية من الهجرة من وقت التاريخ.
قلت: كلام ابن إسحاق ليس بصريح فيما قاله أبو جعفر (رح) لمن تأمله كما سنورده في أول كتاب المغازي في أول السنة الثانية من الهجرة وذلك تلوما نحن فيه إن شاء الله، ويحتمل أن يكون مراده أنها وقعت هذه السرايا في السنة الأولى، وسنزيدها بسطا وشرحا إذا انتهينا إليها إن شاء الله تعالى. والواقدي (رح) عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبا فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار وهو صدوق في نفسه مكثار كما بسطنا القول في عدالته وجرحه في كتابنا الموسوم بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ولله الحمد والمنة.
فصل
وممن ولد في هذه السنة المباركة - وهي الأولى من الهجرة - عبد الله بن الزبير فكان أول مولود ولد في الاسلام بعد الهجرة كما رواه البخاري عن أمه أسماء وخالته عائشة أم المؤمنين ابنتي الصديق ﵄، ومن الناس من يقول ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، فعلى هذا يكون ابن الزبير أول مولود ولد بعد الهجرة من المهاجرين ومن الناس من يقول إنهما ولدا في السنة الثانية من الهجرة والظاهر الأول كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة، وسنشير في آخر السنة الثانية إلى القول الثاني إن شاء الله تعالى.
قال ابن جرير: وقد قيل إن المختار بن أبي عبيد وزياد بن سمية ولدا في هذه السنة الأولى (١) فالله أعلم. وممن توفي في هذه السنة الأولى من الصحابة، كلثوم بن الهدم الأوسي الذي نزل رسول الله ﷺ في مسكنه بقباء إلى حين ارتحل منها إلى دار بني النجار كما تقدم، وبعده - - فيها أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار توفي ورسول الله ﷺ يبني المسجد كما تقدم ﵄ وأرضاهما.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعني الأولى من الهجرة - مات أبو أحيحة بما له بالطائف ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي فيها بمكة. قلت: وهؤلاء ماتوا على شركهم لم يسلموا لله .
стр. 1111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة
وقع فيها كثير من المغازي والسرايا ومن أعظمها وأجلها بدر الكبرى التي كانت في رمضان منها، وقد فرق الله بها بين الحق والباطل، والهدى والغي. وهذا أوان ذكر المغازي والبعوث فنقول وبالله المستعان
كتاب المغازي
قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة بعد ذكر أحبار اليهود ونصبهم العداوة للاسلام وأهله وما نزل فيهم من الآيات، فمنهم حيي بن أخطب وأخواه أبو ياسر وجدي، وسلام (١) بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق وهو أبو رافع الأعور، تاجر أهل الحجاز وهو الذي قتله الصحابة بأرض خيبر كما سيأتي، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف وهو من طئ ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير، وقد قتله الصحابة قبل أبي رافع كما سيأتي، وحليفاه الحجاج بن عمرو وكردم بن قيسم لعنهم الله فهؤلاء من بني النضير، ومن بني ثعلبة بن الفطيون عبد الله بن صوريا، ولم يكن بالحجاز - بعد - أعلم بالتوراة منه.
قلت: وقيل إنه أسلم، وابن صلوبا ومخيريق وقد أسلما يوم أحد كما سيأتي وكان حبر قومه، ومن بني قينقاع زيد بن اللصيت، وسعد بن حنيف، ومحمود بن شيخان (٢) وعزيز بن أبي عزيز وعبد الله بن ضيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص وأشيع ونعمان بن ضا، وبحري بن عمرو، وشاش بن عدي، وشاش بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمير (٣) وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس، ومحمود بن
стр. 1112
دحية، ومالك بن صيف (١) وكعب بن راشد، وعازر ورافع بن أبي رافع، وخالد وازار بن أبي ازار. قال ابن هشام: ويقال آزر بن أبي آزر، ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد الله بن سلام.
قلت: وقد تقدم إسلامه ﵁. قال ابن إسحاق: وكان حبرهم وأعلمهم، وكان اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله. قال ابن إسحاق: ومن بني قريظة الزبير بن باطا بن وهب، وعزال بن شموال وكعب بن أسد وهو صاحب عقدهم الذي نقضوه عام الأحزاب وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة، والنحام بن زيد، وكردم بن كعب (٢) ووهب بن زيد ونافع بن أبي نافع، [وأبو نافع] (٣) وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن زميلة (٤)، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا. قال ومن بني زريق، لبيد بن أعصم وهو الذي سحر (٥) رسول الله ﷺ ، ومن يهود بني حارثة، كنانة بن صوريا. ومن يهود بني عمرو بن عوف قردم بن عمرو، ومن يهود بني النجار، سلسلة ابن برهام.
قال ابن إسحاق: فهؤلاء أحبار يهود وأهل الشرور والعداوة لرسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃، وأصحاب المسألة الذين يكثرون الأسئلة لرسول الله ﷺ على وجه التعنت والعناد والكفر قال وأصحاب النصب لأمر الاسلام ليطفئوه إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق، ثم ذكر إسلام عبد الله بن سلام (٦) واسلام عمته خالدة [بنت الحارث] كما قدمناه وذكر إسلام مخيريق يوم أحد كما سيأتي وأنه قال لقومه - وكان يوم السبت - يا معشر يهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه وخرج
стр. 1113
وعهد إلى من وراءه من قومه إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد يرى فيها ما أراه الله - وكان كثير الأموال - ثم لحق برسول الله ﷺ فقاتل حتى قتل ﵁، قال فكان رسول الله ﷺ يقول فيما بلغني " مخيريق خير يهود " (١).
فصل
ثم ذكر ابن إسحاق من مال إلى هؤلاء الأضداد من اليهود من المنافقين من الأوس والخزرج فمن الأوس زوى بن الحارث، وجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري وفيه نزل: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) [التوبة: ٧٤] وذلك أنه قال حين تخلف عن غزوة تبوك لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر، فنماها ابن امرأته عمير بن سعد إلى رسول الله ﷺ فأنكر الجلاس ذلك وحلف ما قال فنزل فيه ذلك. قال وقد زعموا أنه تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الاسلام والخير قال وأخوه الحارث بن سويد، وهو الذي قتل المجذر بن ذياد البلوي وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد، خرج مع المسلمين وكان منافقا فلما التقى الناس عدا عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش.
قال ابن هشام: وكان المجذر قد قتل أباه سويد بن الصامت في بعض حروب (٢) الجاهلية فأخذ بثأر أبيه منه يوم أحد، كذا قال ابن هشام. وقد ذكر ابن إسحاق أن الذي قتل سويد بن الصامت إنما هو معاذ بن عفراء قتله في غير حرب قبل يوم بعاث رماه بسهم فقتله. وأنكر ابن هشام أن يكون الحارث قتل قيس بن زيد، قال لان ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد.
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ . أمر عمر بن الخطاب بقتله ان هو ظفر به، فبعث الحارث إلى أخيه الجلاس يطلب له التوبة ليرجع إلى قومه، فأنزل الله - فيما بلغني عن ابن عباس (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين) [آل عمران: ٨٦] إلى آخر القصة. قال: وبجاد بن عثمان بن عامر، ونبتل بن الحارث وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : " من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا " وكان جسيما أدلم (٣) ثائر شعر الرأس أحمر العينين أسفع الخدين، وكان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ثم ينقله إلى المنافقين وهو الذي قال: إنما محمد أذن، من حدثه بشئ صدقه.
стр. 1114
فأنزل الله فيه: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) [التوبة: ٦١] الآية. قال: وأبو حبيبة بن الأزعر وكان ممن بنى مسجد الضرار، وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ثم نكثا، فنزل فيهما ذلك، ومعتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا فنزل فيه (١) الآية. وهو الذي قال يوم الأحزاب كان محمد يعدنا أنا نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يؤمن أن يذهب إلى الغائط فنزل فيه: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا).
قال ابن إسحاق: والحراث بن حاطب. قال ابن هشام. ومعتب بن قشير وثعلبة والحارث ابنا حاطب، وهما من بني أمية بن زيد من أهل بدر وليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم. قال وقد ذكر ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد في أسماء أهل بدر (٢).
قال ابن إسحاق: وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وبخرج وكان ممن بنى مسجد الضرار وعمرو بن حرام (٣) وعبد الله بن نبتل، وجارية بن عامر بن العطاف، وابناه يزيد (٤) ومجمع ابنا جارية وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع أكثر القرآن و [كان] يصلي بهم فيه، فلما خرب مسجد الضرار - كما سيأتي بيانه بعد غزوة تبوك - وكان في أيام عمر سأل أهل قباء عمر أن يصلي بهم مجمع فقال: لا والله، أوليس إمام المنافقين في مسجد الضرار؟ فحلف بالله ما علمت بشئ من أمرهم فزعموا أن عمر تركه فصلى بهم. قال ووديعة بن ثابت وكان ممن بنى مسجد الضرار وهو الذي قال: إنما كنا نخوض ونلعب فنزل فيه ذلك (٥). قال وخذام بن خالد وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره. قال ابن هشام مستدركا على ابن إسحاق في منافقي بني النبيت من الأوس وبشر ورافع ابنا زيد. قال ابن إسحاق: ومربع بن قيظي - وكان أعمى - وهو الذي قال لرسول الله ﷺ حين أجاز في حائطه وهو ذاهب إلى أحد: لا أحل لك إن كنت نبيا أن تمر في حائطي وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أني لا
стр. 1115
أصيب بها غيرك لرميتك بها، فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ : " دعوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر " (١) وقد ضربه سعد بن زيد الأشهلي بالقوس فشجه. قال وأخوه أوس بن قيظي وهو الذي قال [لرسول الله ﷺ يوم الخندق] (٢): إن بيوتنا عورة. قال الله: (وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا) [الأحزاب: ١٣] قال وحاطب بن أمية بن رافع وكان شيخا جسيما قد عسا (٣) في جاهليته، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له يزيد بن حاطب أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بني ظفر. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة فإنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت فجعلوا يقولون: أبشر بالجنة يا ابن حاطب. قال: فنجم نفاق أبيه فجعل يقول: أجل جنة من حرمل، غررتم والله هذا المسكين من نفسه. قال وبشير بن أبيرق أبو طعمة سارق الدرعين الذي أنزل الله فيه: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) الآيات (٤). قال وقزمان حليف لبني ظفر الذي قتل يوم أحد سبعة (٥) نفر، ثم لما آلمته الجراحة قتل نفسه وقال: والله ما قاتلت إلا حمية على قومي ثم مات لعنه الله. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة يعلم إلا أن الضحاك بن ثابت كان يتهم بالنفاق وحب يهود فهؤلاء كلهم من الأوس. قال ابن إسحاق: ومن الخزرج رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو بن سهل، والجد بن قيس وهو الذي قال: [يا محمد] ائذن لي ولا تفتني، وعبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأس المنافقين ورئيس الخزرج والأوس أيضا، كانوا قد أجمعوا على أن يملكوه عليهم في الجاهلية، فلما هداهم الله للاسلام قبل ذلك شرق اللعين بريقه وغاظه ذلك جدا، وهو الذي قال (٦): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقد نزلت فيه آيات كثيرة جدا، وفيه وفي وديعة - رجل من بني عوف - ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس وهتم من رهطة نزل قوله تعالى: (لئن أخرجوا لا يخرجون
стр. 1116
معهم) الآيات حين مالوا في الباطن إلى بني النضير.
فصل
[في إسلام بعض أحبار يهود نفاقا] (١)
ثم ذكر ابن إسحاق من أسلم من أحب ا ر اليهود على سبيل التقية فكانوا كفارا في الباطن فاتبعهم بصنف المنافقين وهم من شرهم، سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وهو الذي قال حين ضلت ناقة رسول الله ﷺ يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ " والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها فهي في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها " فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك. قال ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، ورافع بن حريملة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم مات - فيما بلغنا -: " قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين " ورفاعة بن زيد بن التابوت: وهو الذي هبت الريح الشديدة يوم موته عند مرجع رسول الله ﷺ من تبوك (٢) فقال: " إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار " فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم وسلسلة بن برهام وكنانة بن صوريا. فهؤلاء ممن أسلم من منافقي اليهود قال: فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد ويسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع في المسجد يوما منهم أناس فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا، فقام أبو أيوب إلى عمرو بن قيس أحد بني النجار - وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه وهو يقول - لعنه الله - أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة؟ ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجاري فلببه بردائه، ثم نتره نترا شديدا (٣) ولطم وجهه فأخرجه من المسجد وهو يقول: أف لك منافقا خبيثا. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو - وكان طويل اللحية - فأخذ بلحيته وقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعا فلدمه بهما لدمة في صدره خر منها قال يقول: خدشتني يا عمارة، فقال عمارة. أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ وقام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار - وكان بدريا - إلى قيس بن عمرو بن سهل وكان شابا - وليس في المنافقين شاب سواه - فجعل يدفع
стр. 1117
في قفاه حتى أخرجه. وقام رجل من بني خدرة (١) إلى رجل يقال له الحارث بن عمرو - وكان ذا جمة - فأخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا على ما مر به من الأرض حتى أخرجه، فجعل يقول المنافق: قد أغلظت يا أبا (٢) الحارث، فقال: إنك أهل لذلك أي عدو الله لما أنزل فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ فإنك نجس، وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوى بن الحارث فأخرجه إخراجا عنيفا وأفف منه وقال: غلب عليك الشيطان وأمره، ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل فيهم من الآيات من سورة البقرة، ومن سورة التوبة، وتكلم على تفسير ذلك فأجاد وأفاد ﵀ (٣).
أول المغازي وهي غزوة الأبواء أبو غزوة ودان
وهو بعث حمزة بن عبد المطلب أو عبيدة بن الحارث كما سيأتي في المغازي. قال البخاري " كتاب المغازي " (٤). قال ابن إسحاق: أول ما غزا رسول الله ﷺ الأبواء. ثم بواط، ثم العشيرة. ثم روى عن زيد بن أرقم أنه سئل كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة شهد منها سبع عشرة أولهن العسيرة - أو العشيرة -. وسيأتي الحديث باسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة إن شاء الله وبه الثقة. وفي صحيح البخاري عن بريدة قال: غزا رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة ولمسلم عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، وفي رواية له عنه أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وقاتل في ثماني منهن. قال الحسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ غزا سبع عشرة غزوة وقاتل في ثمان، يوم بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، ومكة، وحنين. وبعث أربعا وعشرين سرية وقال يعقوب بن سفيان حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي التنوخي ثنا الهيثم بن حميد أخبرني النعمان عن مكحول أن رسول الله ﷺ غزا ثمانية عشر غزوة، قاتل في ثمان غزوات، أولهن بدر، ثم أحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة، ثم حنين والطائف (٥) قوله بئر معونة بعد قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أحد كما سيأتي. قال يعقوب حدثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله ﷺ ثماني عشرة غزوة، وسمعته مرة أخرى يقول أربعا
стр. 1118
وعشرين. فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك. وقد روى الطبراني عن الدبري (١) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال: غزا رسول الله ﷺ أربعا وعشرين غزوة وقال عبد الرحمن بن حميد في مسنده: حدثنا سعيد بن سلام ثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير عن جابر. قال: غزا رسول الله ﷺ إحدى وعشرين غزوة. وقد روى الحاكم من طريق هشام عن قتادة: أن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه كانت ثلاثا وأربعين. ثم قال الحاكم: لعله أراد السرايا (٢) دون الغزوات، فقد ذكرت في الإكليل على الترتيب بعوث رسول الله ﷺ وسراياه زيادة على المائة. قال وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبي عبد الله بن نصر، السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين. وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال فيه نظر. وقد روى الإمام أحمد: عن أزهر بن القاسم الراسبي عن هشام الدستوائي عن قتادة أن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ثلاث وأربعون: أربع وعشرون بعثا، وتسع عشرة غزوة. خرج في ثمان منها بنفسه، بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وخيبر، وفتح مكة وحنين. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان (٣)، ثم حج أبو بكر سنة تسع، ثم حج رسول الله ﷺ حجة الوداع سنة عشر، وغزا ثنتي عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال، وكانت أول غزاة غزاها
стр. 1119
الأبواء. وقال حنبل بن هلال عن إسحاق بن العلاء عن عبد الله بن جعفر الرقي عن مطرف بن مازن اليماني عن معمر عن الزهري قال: أول آية نزلت في القتال: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) الآية بعد مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فكان أول مشهد شهده رسول الله ﷺ يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان، إلى أن قال ثم غزا بني النضير، ثم غزا أحدا في شوال - يعني من سنة ثلاث - ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع (١)، ثم قاتل بني لحيان في شعبان سنة خمس (٢)، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست (٣)، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان (٤) سنة ثمان، وكانت حنين في رمضان (٥) سنة ثمان. وغزا رسول الله ﷺ إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها، فكانت أول غزوة غزا رسول الله ﷺ الأبواء. ثم العشيرة، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة الأبواء (٦) ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة الصفراء، ثم غزوة تبوك آخر غزوة. ثم ذكر البعوث، هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر وهو غريب جدا، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتبا. وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له كما رواه محمد بن عمر الواقدي عن عبد الله بن عمر بن علي عن أبيه سمعت علي بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازي النبي ﷺ كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدي: وسمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا وقال محمد بن إسحاق (رح) في المغازي بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه من تعيين رؤس الكفر من اليهود والمنافقين لعنهم الله أجمعين وجمعهم في أسفل سافلين. ثم إن رسول الله ﷺ تهيأ لحربه وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من المشركين، قال: وقد قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة فأقام بقية شهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر وجمادين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون. والمحرم، ثم خرج رسول الله ﷺ غازيا في صفر على رأس اثني عشر (٧) شهرا من مقدمه المدينة. قال ابن
стр. 1120
هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودان (١) وهي غزوة الأبواء (٢)، قال ابن جرير: ويقال لها غزوة ودان أيضا، يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذي وادعه (٣) منهم مخشى بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها ﵇. قال الواقدي وكان لواؤه مع عمه حمزة، وكان أبيض.
[سرية عبيدة بن الحارث] (٤)
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين - أو ثمانين - راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقي بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله في الاسلام. ثم انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية. وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار قال ابن إسحاق: وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل. وروى ابن هشام عن أبي عمرو بن العلاء (٥) عن أبي عمرو المدني أنه قال: كان عليهم مكرز بن حفص.
قلت: وقد تقدم عن حكاية الواقدي قولان، أحدهما أنه مكرز، والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب وأنه رجح أنه أبو سفيان فالله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق القصيدة المنسوبة إلى أبي [بكر] الصديق في هذه السرية التي أولها:
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث … أرقت وأمر في العشيرة حادث
стр. 1121
ترى من لؤي فرقة لا يصدها … عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا … عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا … وهروا هرير المحجرات اللواهث (١)
القصيدة إلى آخرها، وذكر جواب عبد الله بن الزبعري في مناقضتها التي أولها:
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث … بكيت بعين دمعها غير لابث (٢)
ومن عجيب الأيام - والدهر كله … له عجب - من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده … عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث
لنترك أصناما بمكة عكفا … مواريث موروث كريم لوارث
وذكر تمام القصيدة وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أن الامام عبد الملك بن هشام (رح) وكان إماما في اللغة ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين (٣). قال ابن إسحاق وقال سعد بن أبي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون:
ألا هل أتى رسول الله أني … حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيادا … بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدو … بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق … وذو حق أتيت به وفضل (٤)
ينجى المؤمنون به ويخزى … به الكفار عند مقام مهل
فمهلا قد غويت فلا تعبني … غوي الحي ويحك يا ابن جهل (٥)
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة - فيما بلغنا - أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الاسلام لاحد من المسلمين. وقد خالفه الزهري وموسى بن عقبة والواقدي فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث والله أعلم وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص أن أول امراء السرايا عبد الله بن جحش الأسدي.
стр. 1122
قال ابن إسحاق: وبعض العلماء يزعم أن رسول الله ﷺ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري.
فصل
[في سرية حمزة بن عبد المطلب] (١)
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار (٢) أحد فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال.
قال ابن إسحاق: وبعض الناس يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لاحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس.
قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزهري أن بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونص على أن بعث حمزة كان قبل غزوة الأبواء. فلما قفل ﵇ من الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين، وذكر نحو ما تقدم. وقد تقدم عن الواقدي أنه قال: كانت سرية حمزة في رمضان من السنة الأولى، وبعدها سرية عبيدة في شوال منها والله أعلم. وقد أورد ابن إسحاق عن حمزة ﵁ شعرا يدل على أن رايته أول راية عقدت في الاسلام، لكن قال ابن إسحاق: فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال، لم يكن يقول إلا حقا، والله أعلم أي ذلك كان. فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول. والقصيدة هي قوله:
ألا يا لقومي للتحلم والجهل … وللنقض من رأي الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ … لهم حرمات من سوام ولا أهل
كأنا بتلناهم ولا بتل (٣) عندنا … لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل
стр. 1123
وأمر باسلام فلا يقبلونه … وينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت لغارة … لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق … عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذي كرامة … إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا … مراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا … مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الاله نصيرنا … وما لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا … فخاب ورد الله كيد أبي جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكبا … وهم مائتمان بعد واحدة فضل
فيال لؤي لا تطيعوا غواتكم … وفيئوا إلى الاسلام والمنهج السهل
فإني أخاف أن يصب عليكم … عذاب فتدعوا بالندامة والثكل
قال فأجابه أبو جهل بن هشام لعنه الله فقال:
عجبت لأسباب الحفيظة والجهل … وللشاغبين بالخلاف وبالبطل
وللتاركين ما وجدنا جدودنا … عليه ذوي الأحساب والسؤدد الجزل
ثم ذكر تمامها. قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة ﵁ ولأبي جهل لعنه الله.
غزوة بواط (١) من ناحية رضوى
قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول - يعني من السنة الثانية - يريد قريشا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص وكان مقصده أن يعترض لعير قريش وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث
стр. 1124
بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى [الأولى].
غزوة العشيرة (١)
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد. قال الواقدي: وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب. قال وخرج ﵇ يتعرض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام.
قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخيار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها: ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده، فصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فرسوم أثافي البرمة معلوم هناك، واستسقى له من ماء يقال له المشيرب ثم ارتحل فترك الخلائق (٢) بيسار وسلك شعبة عبد الله، ثم صب للشاد (٣) حتى هبط ملل (٤)، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام،، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادى الأولى وليال من جمادى الآخرة ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. وقد قال البخاري (٥): حدثنا عبد الله [بن محمد] ثنا وهب ثنا شعبة عن أبي إسحاق. قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له كم غزا رسول الله ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة. قلت كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة غزوة، قلت فأيهن كان أول؟ قال العشير - أو العسير - فذكرت لقتادة فقال: العشير. وهذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة، ويقال بالسين وبهما مع حذف التاء، وبهما مع المد اللهم إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبي ﷺ زيد بن أرقم العشيرة وحينئذ لا ينفي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق: ويومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي ما قال. فحدثني يزيد بن محمد بن خثيم (٦) عن محمد بن كعب القرظي، حدثني أبو يزيد محمد بن خثيم عن عمار بن ياسر. قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزلها رسول الله ﷺ أقام
стр. 1125
بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم، فقال لي علي بن أبي طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر - من بني مدلج يعملون في عين لهم - ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء (١) من الأرض فنمنا فيه. فوالله ما أهبنا إلا ورسول الله ﷺ يحركنا بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي: " يا أبا تراب " لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: " ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين؟ " قلنا بلى يا رسول الله فقال: " أحيمر (٢) ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله ﷺ يده على رأسه - حتى تبل منها هذه - ووضع يده على لحيته - " وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية علي أبا تراب كما في صحيح البخاري: أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله ﷺ فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول: " قم أبا تراب قم أبا تراب " (٣).
غزوة بدر - الأولى (٤)
قال ابن إسحاق: ثم لم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا تبلغ العشرة، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الأولى، وفاته كرز فلم يدركه. وقال الواقدي: وكان لؤلؤه مع علي بن أبي طالب. قال ابن هشام والواقدي: وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة.
قال ابن إسحاق: فرجع رسول الله ﷺ فأقام جمادى ورجبا وشعبان وقد كان بعث بين يدي ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز. قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة ثم رجع ولم يلق كيدا. هكذا ذكره