ترى من لؤي فرقة لا يصدها … عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا … عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا … وهروا هرير المحجرات اللواهث (١)
القصيدة إلى آخرها، وذكر جواب عبد الله بن الزبعري في مناقضتها التي أولها:
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث … بكيت بعين دمعها غير لابث (٢)
ومن عجيب الأيام - والدهر كله … له عجب - من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده … عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث
لنترك أصناما بمكة عكفا … مواريث موروث كريم لوارث
وذكر تمام القصيدة وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أن الامام عبد الملك بن هشام (رح) وكان إماما في اللغة ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين (٣). قال ابن إسحاق وقال سعد بن أبي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون:
ألا هل أتى رسول الله أني … حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيادا … بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدو … بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق … وذو حق أتيت به وفضل (٤)
ينجى المؤمنون به ويخزى … به الكفار عند مقام مهل
فمهلا قد غويت فلا تعبني … غوي الحي ويحك يا ابن جهل (٥)
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة - فيما بلغنا - أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الاسلام لاحد من المسلمين. وقد خالفه الزهري وموسى بن عقبة والواقدي فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث والله أعلم وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص أن أول امراء السرايا عبد الله بن جحش الأسدي.
стр. 1122
قال ابن إسحاق: وبعض العلماء يزعم أن رسول الله ﷺ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري.
فصل
[في سرية حمزة بن عبد المطلب] (١)
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار (٢) أحد فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال.
قال ابن إسحاق: وبعض الناس يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لاحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس.
قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزهري أن بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونص على أن بعث حمزة كان قبل غزوة الأبواء. فلما قفل ﵇ من الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين، وذكر نحو ما تقدم. وقد تقدم عن الواقدي أنه قال: كانت سرية حمزة في رمضان من السنة الأولى، وبعدها سرية عبيدة في شوال منها والله أعلم. وقد أورد ابن إسحاق عن حمزة ﵁ شعرا يدل على أن رايته أول راية عقدت في الاسلام، لكن قال ابن إسحاق: فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال، لم يكن يقول إلا حقا، والله أعلم أي ذلك كان. فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول. والقصيدة هي قوله:
ألا يا لقومي للتحلم والجهل … وللنقض من رأي الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ … لهم حرمات من سوام ولا أهل
كأنا بتلناهم ولا بتل (٣) عندنا … لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل
стр. 1123
وأمر باسلام فلا يقبلونه … وينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت لغارة … لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق … عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذي كرامة … إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا … مراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا … مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الاله نصيرنا … وما لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا … فخاب ورد الله كيد أبي جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكبا … وهم مائتمان بعد واحدة فضل
فيال لؤي لا تطيعوا غواتكم … وفيئوا إلى الاسلام والمنهج السهل
فإني أخاف أن يصب عليكم … عذاب فتدعوا بالندامة والثكل
قال فأجابه أبو جهل بن هشام لعنه الله فقال:
عجبت لأسباب الحفيظة والجهل … وللشاغبين بالخلاف وبالبطل
وللتاركين ما وجدنا جدودنا … عليه ذوي الأحساب والسؤدد الجزل
ثم ذكر تمامها. قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة ﵁ ولأبي جهل لعنه الله.
غزوة بواط (١) من ناحية رضوى
قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول - يعني من السنة الثانية - يريد قريشا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص وكان مقصده أن يعترض لعير قريش وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث
стр. 1124
بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى [الأولى].
غزوة العشيرة (١)
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد. قال الواقدي: وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب. قال وخرج ﵇ يتعرض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام.
قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخيار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها: ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده، فصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فرسوم أثافي البرمة معلوم هناك، واستسقى له من ماء يقال له المشيرب ثم ارتحل فترك الخلائق (٢) بيسار وسلك شعبة عبد الله، ثم صب للشاد (٣) حتى هبط ملل (٤)، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام،، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادى الأولى وليال من جمادى الآخرة ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. وقد قال البخاري (٥): حدثنا عبد الله [بن محمد] ثنا وهب ثنا شعبة عن أبي إسحاق. قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له كم غزا رسول الله ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة. قلت كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة غزوة، قلت فأيهن كان أول؟ قال العشير - أو العسير - فذكرت لقتادة فقال: العشير. وهذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة، ويقال بالسين وبهما مع حذف التاء، وبهما مع المد اللهم إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبي ﷺ زيد بن أرقم العشيرة وحينئذ لا ينفي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق: ويومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي ما قال. فحدثني يزيد بن محمد بن خثيم (٦) عن محمد بن كعب القرظي، حدثني أبو يزيد محمد بن خثيم عن عمار بن ياسر. قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزلها رسول الله ﷺ أقام
стр. 1125
بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم، فقال لي علي بن أبي طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر - من بني مدلج يعملون في عين لهم - ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء (١) من الأرض فنمنا فيه. فوالله ما أهبنا إلا ورسول الله ﷺ يحركنا بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي: " يا أبا تراب " لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: " ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين؟ " قلنا بلى يا رسول الله فقال: " أحيمر (٢) ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله ﷺ يده على رأسه - حتى تبل منها هذه - ووضع يده على لحيته - " وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية علي أبا تراب كما في صحيح البخاري: أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله ﷺ فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول: " قم أبا تراب قم أبا تراب " (٣).
غزوة بدر - الأولى (٤)
قال ابن إسحاق: ثم لم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا تبلغ العشرة، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الأولى، وفاته كرز فلم يدركه. وقال الواقدي: وكان لؤلؤه مع علي بن أبي طالب. قال ابن هشام والواقدي: وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة.
قال ابن إسحاق: فرجع رسول الله ﷺ فأقام جمادى ورجبا وشعبان وقد كان بعث بين يدي ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز. قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة ثم رجع ولم يلق كيدا. هكذا ذكره
стр. 1126
ابن إسحاق مختصرا وقد تقدم ذكر الواقدي لهذه البعوث الثلاثة، أعني بعث حمزة في رمضان، وبعث عبيدة في شوال، وبعث سعد في ذي القعدة كلها في السنة الأولى.
وقد قال الإمام أحمد: حدثني عبد المتعال بن عبد الوهاب، حدثني يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا أبي، ثنا المجالد، عن زياد بن علاقة عن سعد بن أبي وقاص. قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءته جهينة فقالوا إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم فأسلموا قال فبعثنا رسول الله ﷺ في رجب ولا نكون مائة وأمرنا أن نغير على حي من بني كنانة إلى جنب جهينة فأغرنا عليهم وكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقال بعضنا لبعض ما ترون؟ فقال بعضنا نأتي نبي الله فنخبره، وقال قوم لا بل نقيم ههنا، وقلت أنا في أناس معي لا بل نأتي عير قريش فنقتطعها. وكان الفئ إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له، فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه الخبر فقام غضبان محمر الوجه. فقال: " أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش " فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أمير في الاسلام. وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث يحيى بن أبي زائدة عن مجالد به نحوه وزاد بعد قولهم لأصحابه: لم تقاتلون في الشهر الحرام فقالوا نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام ثم رواه من حديث أبي أسامة عن مجالد عن زياد بن علاقة عن قطبة بن مالك عن سعد بن أبي وقاص فذكر نحوه. فأدخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك وهذا أنسب والله أعلم (١). وهذا الحديث يقتضي أن أول السرايا عبد الله بن جحش الأسدي وهو خلاف ما ذكره ابن إسحاق أن أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وللواقدي حديث زعم أن أول الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب والله أعلم.
باب سرية عبد الله بن جحش
التي كان سببها لغزوة بدر العظمى (٢) وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش بن رئاب (٣) الأسدي في
стр. 1127
رجب مقفله من بدر الأولى وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وهم أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن بن حرثان حليف بني أسد بن خزيمة، وعتبة بن غزوان حليف بني نوفل، وسعد بن أبي وقاص الزهري، وعامر بن ربيعة الوائلي حليف بني عدي، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التميمي حليف بني عدي أيضا، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف بني عدي أيضا، وسهل بن بيضاء الفهري (١) فهؤلاء سبعة ثامنهم أميرهم عبد الله بن جحش ﵁. وقال يونس عن ابن إسحاق: كانوا ثمانية وأميرهم التاسع فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. فلما سار بهم يومين فتح الكتاب فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة وأخبر أصحابه بما في الكتاب. وقال: قد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد. وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت عير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي، قال ابن هشام: واسم الحضرمي عبد الله بن عباد [أحد] (٢) الصدف (٣) وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وأخوه نوفل والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه. فلما رأوه أمنوا، وقال عمار: لا بأس عليكم منهم، وتشاور الصحابة فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقالوا: والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم، وهابوا الاقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وقابل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ . وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش
стр. 1128
أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ فيما غنمنا الخمس فعزله، وقسم الباقي بين أصحابه وذلك قبل أن ينزل الخمس. قال لما نزل الخمس نزل كما قسمه عبد الله بن جحش كما قاله ابن إسحاق، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا (١) فلما قال ذلك رسول الله ﷺ أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفائل بذلك على رسول الله ﷺ عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله ذلك عليهم لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ : (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) [البقرة: ٢١٧] أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم والفتنة أكبر من القتل أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، ولهذا قال الله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) الآية.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا الامر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ : " لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا " يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما. فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله ﷺ . فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا. قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الاجر، فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله فيهم: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) [البقرة: ٢١٨] فوصفهم (٢) الله من ذلك على أعظم الرجاء. قال ابن إسحاق: والحديث في ذلك
стр. 1129
عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وكذا روى شعيب عن الزهري عن عروة نحوا من هذا وفيه، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين. وقال عبد الملك بن هشام: هو أول قتيل قتله المسلمون، وهذه أول غنيمة غنمها المسلمون، وعثمان والحكم بن كيسان أول من أسره المسلمون (١).
قلت: وقد تقدم فيما رواه الإمام أحمد: عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: فكان عبد الله بن جحش أول أمير في الاسلام. وقد ذكرنا في التفسير لما أورده ابن إسحاق شواهد مسندة فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح. أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن [لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا. وقال " لا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك " فلما قرأ الكتاب استرجع وقال سمعا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع منهم رجلان (٢) وبقي بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) الآية. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره: عن أبي مالك، عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن جماعة من الصحابة (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وسهل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فإنني موص وماض لأمر رسول الله ﷺ فسار وتخلف عنه سعد وعتبة أضلا راحلة لهما فأقاما (٣) يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة. فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرمي ورجعوا بالغنيمة والأسيرين فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون. وقال المشركون إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب. وقال المسلمون إنما
стр. 1130
قتلناه في جمادي. قال السدي (١): وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى الآخرة.
قلت: لعل جمادى كان ناقصا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين، وقد كان الهلال رؤي تلك الليلة فالله أعلم. وهكذا روى العوفي عن ابن عباس أن ذلك كان في آخر ليلة من جمادى، وكانت أول ليلة من رجب ولم يشعروا وكذا تقدم في حديث جندب الذي رواه ابن أبي حاتم. وقد تقدم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة دخل أولئك في الحرم فيتعذر عليهم ذلك فأقدموا عليهم عالمين بذلك وكذا قال الزهري عن عروة رواه البيهقي فالله أعلم أي ذلك كان: قال الزهري عن عروة فبلغنا أن رسول الله ﷺ عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل الله براءة رواه البيهقي (٢).
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق في غزوة عبد الله بن جحش جوابا للمشركين فيما قالوا من إحلال الشهر الحرام. قال ابن هشام هي لعبد الله بن جحش:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد
فانا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالاسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غل من القيد عاند
فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر
وقال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين وبه قال قتادة وزيد بن أسلم وهو رواية عن محمد بن إسحاق. وقد روى أحمد عن ابن عباس ما يدل على ذلك وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي والله أعلم. وقيل في شعبان منها. قال ابن إسحاق بعد غزوة عبد الله بن جحش: ويقال صرفت القبلة (٣) في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ
стр. 1131
المدينة. وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدي فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. قال الجمهور الأعظم: إنما صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة. ثم حكى عن محمد بن سعد عن الواقدي أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفي هذا التحديد نظر والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وأن الذين أورثوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون) [البقرة: ١٤٤]. وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك لأنه أول نسخ وقع في الاسلام هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله: (ما ننسخ من آية، أو ننسأها (١) نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) وقد قال البخاري: حدثنا أبو نعيم سمع زهيرا عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا - وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: (وما كان ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم) [البقرة: ١٤٣] رواه مسلم من وجه آخر (٢). وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. قال: كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فأنزل الله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) [البقرة: ١٤٤]. قال فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فأنزل الله: (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وحاصل الامر أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵁، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا - أو سبعة شهرا - وهذا
стр. 1132
يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم. وكان ﵇ يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فأنزل الله : (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآية. فلما نزل الامر بتحويل القبلة خطب رسول الله ﷺ المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر. وقال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها ﵇ إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر. قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك (١). والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء قالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد ﷺ في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال: (وإن الذين أورثوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم) الآية وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) أي هو المالك المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه الذي يفعل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم ثم قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي خيارا (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلي بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلناكم خيار الأمم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لإجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم كما ثبت في صحيح البخاري: عن أبي سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الأولى والأحرى. ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة. وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة. فقال: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول). قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع
стр. 1133
الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة أي وإن كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الامر إلا على الذي هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لأنهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه (إن الله بالناس لرؤف رحيم) والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا الاحكام الكبير. وقد روى الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يعني في أهل الكتاب -: " إنهم لم يحسدونا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الامام آمين ".
فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان وقد قيل إنه فرض في شعبان (٢) منها، ثم حكى أن رسول الله ﷺ حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى [وغرق فيه آل فرعون] (٣). فقال: " نحن أحق بموسى منكم " فصامه وأمر (٤) الناس بصيامه، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) الآية [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥] وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية من إيراد الأحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والاحكام المستفادة منه ولله الحمد.
стр. 1134
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل. قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة. وقال وأما أحوال الصيام فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) إلى قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان. قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا. ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله ﷺ قد جهد جهدا شديدا فقال: " مالي أراك قد جهدت جهدا شديدا " فأخبره، قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم) إلى قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل). ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله. ولتحرير هذا، موضع آخر من التفسير ومن الاحكام الكبير وبالله المستعان.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل إن رسول الله ﷺ خطب الناس قبل الفطر بيوم - أو يومين - وأمرهم بذلك، قال وفيها صلى النبي ﷺ صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة (١) وكان للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ في الأعياد.
قلت: وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب (٢) كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غزوة بدر العظمى … يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
قال الله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) [آل عمران: ١٢٣] وقال الله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الأنفال وقد تكلمنا عليها هنالك وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه.
قال ابن إسحاق ﵀ بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش: ثم إن رسول الله ﷺ سمع بأبي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة، وفيها ثلاثون رجلا - أو أربعون - منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص. قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرمي بشهرين، قال وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريش بأسرها إلا حويطب بن عبد العزى فلهذا تخلف عن بدر.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث (١) بدر قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: " هذه عير قريش فيها أموالهم، فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس (٢) من لقي من الركبان تخوفا على أموال (٣) الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن
стр. 1136
محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن (١) عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عكرمة، عن ابن عباس، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني (٢) وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم علي ما أحدثك، قال لها وما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلا صوته ألا انفروا يا آل غدر (٣) لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها. ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها لا تذكريها لاحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة - وكان له صديقا - فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه (٤) عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش [في أنديتها]، قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط (٥) من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: قلت: وما رأت؟ قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير شئ (٦) إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال: ثم تفرقنا فلما
стр. 1137
أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت؟ قال: قلت: قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لا تعرضن له، فإذا عاد لأكفيكنه، قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لامشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، قال: قلت في نفسي: ماله لعنه الله أكل هذا فرق مني أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره، وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة (١)، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الامر، فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ [كلا] (٢) والله ليعلمن غير ذلك. وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن إسحاق. قال فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب والذلول.
قال ابن إسحاق: فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها. قال ابن إسحاق: وحدثني ابن أبي نجيح: أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبي معيط (٣) وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا علي، استجمر فإنما أنت من النساء قال: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال ثم تجهز وخرج مع الناس هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصة. وقد رواها البخاري على نحو آخر فقال: حدثني أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه عن أبي إسحاق، حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية
стр. 1138
بمكة، قال سعد لأمية أنظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال يا [أبا] (١) صفوان من هذا معك؟ قال هذا سعد. قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أو يتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد - ورفع صوته عليه - أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة. فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، قال سعد دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنهم قاتلوك " قال بمكة؟ قال لا أدري؟ ففزع لذلك أمية فزعا شديدا فلما رجع إلى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له بمكة. قال: لا أدري. فقال أمية والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر. استنفر أبو جهل الناس فقال أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال أما إذ عبتني (٢) فوالله لأشترين (٣) أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر. وقد رواه البخاري في موضع آخر عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به نحوه، تفرد به البخاري. وقد رواه الإمام أحمد: عن خلف بن الوليد وعن أبي سعيد كلاهما عن إسرائيل وفي رواية إسرائيل قالت له امرأته: والله إن محمدا لا يكذب (٤).
قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان (٥) بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب. فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر في ابن لحفص بن الأخيف من بني عامر بن لؤي قتله رجل من بني بكر بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص فقتل عامرا
стр. 1139
وخاص بسيفه في بطنه ثم جاء من الليل فعلقه بأستار الكعبة فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي وكان من أشراف بني كنانة. فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا. قلت: وهذا معنى قوله تعالى: " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب) [الأنفال: ٤٧ - ٤٨] غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم منزلة منزلة ومعه جنوده وراياته كما قاله غير واحد منهم، فأسلمهم لمصارعهم. فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله. وهذا كقوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين) [الحشر: ١٦] وقد قال الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الاسراء: ٨١] فإبليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا فكان أول من هزم يومئذ بعد أن كان هو المشجع لهم المجير لهم كما غرهم ووعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. وقال يونس عن ابن إسحاق: خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس (١) يقودونها ومعهم القيان (٢) يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين. وذكر المطعمين لقريش يوما يوما، وذكر الأموي أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل نحر لهم عشرا (٣)، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا، ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا، ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشرا، [ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعا] (٤) ونحر لهم على ماء بدر أبو البختري عشرا، [ونحر لهم مقبس الجمحي
стр. 1140
على ماء بدر تسعا] (١) ثم أكلوا من أزوادهم. قال الأموي: حدثنا أبي حدثنا أبو بكر الهذلي قال: كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع وكان مع رسول الله ﷺ فرسان وستون درعا.
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر. وأما رسول الله ﷺ فقال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ في ليال (٢) مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وكان أبيض، وبين يدي رسول الله ﷺ رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها العقاب، والأخرى مع بعض الأنصار. قال ابن هشام كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ وقال الأموي كانت مع الحباب بن المنذر. قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار. وقال الأموي: وكان معهم فرسان على إحداهما مصعب بن عمير وعلى الأخرى الزبير بن العوام (٣) ومن سعد بن خيثمة ومن المقداد بن الأسود. وقد روى الإمام أحمد من حديث أبي إسحاق: عن حارثة بن مضرب عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد (٤).
وروى البيهقي: من طريق ابن وهب عن أبي صخر عن أبي معاوية البلخي (٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود - يعني يوم بدر - وقال الأموي: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن التيمي قال: كان مع رسول الله ﷺ يوم بدر فارسان، الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن الأسود على الميسرة (٦).
قال ابن إسحاق: وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله ﷺ وعلي ومرثد بن
стр. 1141
أبي مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة (١) يعتقبون بعيرا. كذا قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة حدثنا عاصم بن بهدلة عن زربن حبيش عن عبد الله بن مسعود. قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله ﷺ . قال فكانت عقبة رسول الله ﷺ فقالا نحن نمشي عنك. فقال: " ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الاجر منكما " وقد رواه النسائي عن الفلاس عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة به (٢). قلت: ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء، ثم كان زميلاه علي ومرثد بدل أبي لبابة (٣) والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر، وهذا على شرط الصحيحين. وإنما رواه النسائي عن أبي الأشعث، عن خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. قال شيخنا الحافظ المزي في الأطراف وتابعه سعيد بن بشر عن قتادة. وقد رواه هشام عن قتادة عن زرارة عن أبي هريرة فالله أعلم. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب. قال سمعت كعب بن مالك يقول: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد تفرد به (٤).
قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله ﷺ طريقه من المدينة إلى مكة، على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش ثم مر على تربان (٥) ثم على ملل ثم على غميس الحمام ثم على صخيرات اليمامة ثم على السيالة ثم على فج الروحاء ثم على شنوكة، وهي الطريق المعتدلة حتى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلا من الاعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله ﷺ قال أوفيكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: نعم! فسلم عليه ثم قال: لئن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه، قال له سلمة بن
стр. 1142
سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله ﷺ وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلة. فقال رسول الله ﷺ مه أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلمة. ونزل رسول الله ﷺ سجسج وهي بئر الروحاء ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف (١) ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا؟ فسلك في ناحية منها حتى إذا جزع (٢) واديا يقال له وحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق ثم انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس (٣) بن عمرو الجهني، حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان (٤) الاخبار عن أبي سفيان صخر بن حرب وعيره. وقال موسى بن عقبة بعثهما قبل أن يخرج من المدينة فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس إليها فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين والله أعلم.
قال ابن إسحاق ﵀: ثم ارتحل رسول الله ﷺ وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما (٥)؟ فقالوا: يقال لأحدهما: مسلح وللآخر: مخرئ، وسأل عن أهلهما فقيل بنو النار، وبنو حراق، بطنان من غفار، فكرههما رسول الله ﷺ والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد، يقال له: ذفران فجزع فيه، ثم نزل وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له. ثم قال رسول الله ﷺ : " أشيروا علي أيها الناس " وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى: عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:
стр. 1143
" أجل " قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله. قال: فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ثم قال: " سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم " هكذا رواه ابن إسحاق ﵀. وله شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لان أكون صاحبه [كان] أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين. فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، [قال] فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه [لذلك] وسره انفرد به البخاري دون مسلم فرواه في مواضع من صحيحه من حديث مخارق به (١) ورواه النسائي من حديثه وعنده: وجاء المقداد بن الأسود يوم بدر على فرس فذكره. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبيدة - هو ابن حميد - عن حميد الطويل عن أنس قال: استشار النبي ﷺ مخرجه إلى بدر فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله يا معشر الأنصار. فقال بعض الأنصار: يا رسول الله إذا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك. وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح. وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ شاور (٢) حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة، إيانا يريد رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لاخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها (٣) إلى برك الغماد لفعلنا، فندب رسول الله ﷺ الناس. قال فانطلقوا
стр. 1144
حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول مالي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه فإذا ضربوه. قال: نعم! أنا أخبركم هذا أبو سفيان فإذا تركوه فسألوه قال مالي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية، فإذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف فقال والذي نفسي بيده انكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذبكم. قال: وقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان يضع يده على الأرض ههنا وههنا، فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ (١) ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به نحوه. وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه - واللفظ له - من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: " إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها؟ " فقلنا نعم! فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: " ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ " فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكنا أردنا العير، ثم قال: " ترون في قتال القوم؟ " فقلنا مثل ذلك. فقام المقداد بن عمرو [فقال]: إذا لا نقول لك يا رسول كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، قال فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله: (كما أخرجك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) وذكر تمام الحديث. وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده. قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ " فقال أبو بكر يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا، قال ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ " فقال عمر مثل قول أبي بكر ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ " فقال سعد بن معاذ يا رسول الله إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعل أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره فانظر الذي أحدث الله إليك فامض فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وعاد من شئت وسالم من شئت وخذ من أموالنا ما شئت. فنزل القرآن على قول سعد: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) الآيات. وذكره الأموي في مغازيه وزاد بعد قوله وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت. وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك
стр. 1145
فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك (١).
قال ابن إسحاق: ثم ارتحل رسول الله من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية (٢) وترك الحنان بيمين وهو كئيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه (٣). قال ابن هشام هو أبو بكر. قال ابن إسحاق - كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم. فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أو ذاك بذاك؟ قال: نعم! قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله ﷺ وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا. للمكان الذي به قريش، فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ نحن من ماء " ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء أمن ماء العراق؟ قال ابن هشام: يقال لهذا الشيخ سفيان الضمري.
قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام (٤) وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج (٥) وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله ﷺ قائم يصلي فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما (٦) قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه وسلم. وقال: " إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش؟ قالا: هم [والله] وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة
стр. 1146
القصوى، والكثيب العقنقل. فقال لهما رسول الله ﷺ كم القوم؟ قالا كثير. قال ما عدتهم، قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. فقال رسول الله ﷺ : " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. قال: فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ".
قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه. ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي الذي لك. قال مجدي: صدقت ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء. فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا؟ قال ما رأيت أحدا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى. فقال: هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا. فقال: إني رأيت فيما يرى النائم، واني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، وفلان وفلان فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. فبلغت أبا جهل لعنه الله فقال هذا أيضا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا وقال الأخنس بن
стр. 1147
شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - وكان حليفا لبني زهرة - وهم بالجحفة (١): يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة (٢) لا ما يقول هذا. قال فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد (٣). قال: ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب (٤) - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة. فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع. وقال في ذلك:
لا هم إما يغزون طالب … في عصبة محالف محارب (٥)
في مقنب من هذه المقانب … فليكن المسلوب غير السالب (٦)
وليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن إسحاق: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل، الكثيب الذي خلفه قريش، والقليب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.
قلت: وفي هذا قال تعالى: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم) أي من ناحية الساحل (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا) الآيات [الأنفال: ٤٢]. وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا (٧) فأصاب رسول الله ﷺ
стр. 1148
وأصحابه منها ماء لبدلهم الأرض ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
قلت وفي هذا قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام) [الأنفال: ١٢] فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا، وأنه ثبت أقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر، وهذا تثبيت الباطن والظاهر وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق) [الأنفال: ١٣] أي على الرؤوس (واضربوا منهم كل بنان) أي لئلا يستمسك منهم السلاح (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب، ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار) [الأنفال: ١٤].
قال ابن جرير: حدثني هارون بن إسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي بن أبي طالب. قال: أصابنا من الليل طش من المطر - يعنى الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يعني قائما يصلي - وحرض على القتال. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي (١). قال: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، وسيأتي هذا الحديث مطولا. ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به (٢): وقال مجاهد: أنزل عليهم المطر فأطفأ به الغبار وتلبدت به الأرض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم.
قلت: وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وقد بات رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك، ويكثر في سجوده أن يقول " يا حي يا قيوم " يكرر ذلك ويلظ به ﵇.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به. قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح. قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر
стр. 1149
عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فأمض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور (١) ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ : " لقد أشرت بالرأي ". قال الأموي: حدثنا أبي قال: وزعم الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. قال بينا رسول الله ﷺ يجمع الأقماص (٢) وجبريل عن يمينه إذا أتاه ملك من الملائكة فقال يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام فقال رسول الله ﷺ : " هو السلام ومنه السلام وإليه السلام " فقال الملك (٣) إن الله يقول لك أن الامر [هو] الذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول الله ﷺ يا جبريل هل تعرف هذا؟ فقال ما كل أهل السماء أعرف وأنه لصادق وما هو بشيطان فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية. وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما أشار بما أشار به على رسول الله ﷺ نزل ملك من السماء وجبريل عند النبي ﷺ فقال الملك يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الرأي ما أشار به الحباب، فنظر رسول الله ﷺ إلى جبريل فقال ليس كل الملائكة أعرفهم وأنه ملك وليس بشيطان. وذكر الأموي (٤) أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل وأنهم نزلوا فيه واستقوا منه وملؤا الحياض حتى أصبحت ملاء وليس للمشركين ماء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث: أن سعد بن معاذ. قال: يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبالك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله ﷺ عريش كان فيه.
قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله ﷺ
стр. 1150
تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي - قال: " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك (١) وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم (٢) الغداة ". وقد قال رسول الله ﷺ وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له أحمر " إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر " إن يطيعوه يرشدوا قال: وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري، بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم. وقال: " إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا " قال: فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذي عليك، فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة. قال: فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله ﷺ : دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر.
قلت: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كما سيأتي بيان ذلك في فصل نعقده بعد الوقعة، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء الله.
ففي صحيح البخاري عن البراء. قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمائة ويضع عشرة على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه معه إلا مؤمن (٣). وللبخاري أيضا عنه. قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والأنصار نيفا وأربعون ومائتان (٤). وروى الإمام أحمد: عن نصر بن رئاب عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، وكان المهاجرون ستة وسبعين وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة. وقال الله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم) [الأنفال: ٤٣] الآية. وكان ذلك في منامه تلك الليلة وقيل إنه نام في العريش وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه ويقول يا رسول الله دنوا منا فاستيقظ، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا. ذكره الأموي (٥) وهو غريب جدا. وقال تعالى:
стр. 1151
(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا) [الأنفال: ٤٤]. فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء) فإن المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة (١) أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا. ولهذا قال: (والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار). قال إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيد (٢) وعبد الله [قال]: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أني لأقول لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ فقال أراهم مائة.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا: احزر لنا القوم أصحاب محمد، قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة (٣) رجل يزيدون قليلا، أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد. قال: فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا (٤) تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم، حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم [يا معشر قريش] (٥)؟ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك يا حكيم؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال: قد فعلت. أنت علي بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله. فأت ابن الحنظلية (٦) - يعني أبا جهل - فإني لا أخشى أن يشجر (٧) أمر الناس غيره، ثم قام عتبة
стр. 1152
خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه - أو ابن خاله - أو رجلا من عشيرته فارجوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها (١) فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا. فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه، ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي. فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس، وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرمي فأكتشف ثم صرخ: وا عمراه وا عمراه. قال: فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا (٢) على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل انتفخ والله سحره قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له (٣).
وقد روى ابن جرير: من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزام يستأذن، قال: ائذن له فلما دخل قال: مرحبا يا أبا خالد أدن، فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة ثم استقبله فقال: حدثنا حديث بدر. فقال: خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال أفعل ماذا؟ قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك، فتحمل بديته ويرجع الناس. فقال أنت علي بذلك وأذهب إلى ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول: فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي اليوم إلى بني مخزوم فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم بمن معك؟ قال أما وجد رسولا غيرك؟ قلت: لا! ولم أكن لأكون رسولا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرا إلى
стр. 1153
عتبة لئلا يفوتني من الخبر شئ وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر. فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة: انتفخ سحرك؟ فقال له عتبة: ستعلم، فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال إيماء بن رحضة بئس الفأل هذا، فعند ذلك قامت الحرب (١). وقد صف رسول الله ﷺ أصحابه وعباهم أحسن تعبية فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف. قال: صفنا رسول الله ﷺ يوم بدر ليلا. وروى الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن أسلم أبا عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب يقول: صفنا رسول الله ﷺ يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر إليهم النبي ﷺ فقال: " معي معي " تفرد به أحمد وهذا إسناد حسن.
وقال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله ﷺ عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي ابن النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال " استويا سواد " فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه فقال: استقد، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله بخير ﷺ وقاله. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال: " غمسه يده في العدو حاسرا " فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل ﵁. قال ابن إسحاق: ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره. وقال ابن إسحاق: وغيره وكان سعد بن معاذ ﵁ واقفا على باب العريش متقلدا بالسيف ومعه رجال من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله ﷺ إن احتاج إليها ركبها ورجع إلى المدينة كما أشار به سعد بن معاذ. وقد روى البزار في مسنده من حديث محمد بن عقيل عن علي أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا أنت يا أمير المؤمنين، فقال أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش فهذا يحاده، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلها واحدا فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم
стр. 1154
رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه. ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار ﵁ وأرضاه. ورسول الله ﷺ يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدعو به " اللهم إنك أن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض " وجعل يهتف بربه ويقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك " ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه. وجعل أبو بكر ﵁ يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت أن الصديق إنما قال بعض مناشدتك ربك من باب الاشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال: بعض هذا يا رسول الله أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر، وكان ﵁ رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله ﷺ . وحكى السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي بأنه قال: كان رسول الله ﷺ في مقام الخوف والصديق في مقام الرجاء وكان مقام الخوف في هذا الوقت - يعني أكمل - قال لان لله أن يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها، فخوفه ذلك عبادة. قلت وأما قول بعض الصوفية إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار فهو قول مردود على قائله إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه والله أعلم.
هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن واستغاث بربه سيد الأنبياء وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء فكان أول من قتل من المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي. قال ابن إسحاق: وكان رجلا شرسا سئ الخلق فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن (١) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد - زعم - أن تبر يمينه (٢) واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. قال الأموي: فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز فخرج إليهم فتية من الأنصار ثلاثة وهم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما عفراء،
стр. 1155
والثالث عبد الله بن رواحة (١) - فيما قيل - فقالوا من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار. فقالوا مالنا بكم من حاجة. وفي رواية فقالوا: أكفاء كرام ولكن أخرجوا إلينا من بني عمنا، ونادى مناديهم: يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبي ﷺ : " قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي " وعند الأموي أن النفر من الأنصار لما خرجوا كره (٢) ذلك رسول الله ﷺ لأنه أول موقف واجه فيه رسول الله ﷺ أعداءه فأحب أن يكون أولئك من عشيرته فأمرهم بالرجوع وأمر أولئك الثلاثة بالخروج.
قال ابن إسحاق فلما دنوا منهم قالوا من أنتم؟ - وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح - فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا نعم! كفاء كرام. فبارز عبيدة وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما (٣) ﵁.
وقد ثبت في الصحيحين: من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) [الحج: ١٩] نزلت في حمزة وصاحبه، وعتبة وصاحبه يوم برزوا في بدر (٤). هذا لفظ البخاري في تفسيرها. وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي ثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب. أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن في الخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، تفرد به البخاري (٥). وقد أوسعنا الكلام عليها في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
وقال الأموي: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي. قال: برز عتبة وشيبة والوليد وبرز إليهم حمزة وعبيدة وعلي. فقالوا تكلموا نعرفكم. فقال حمزة: أنا أسد الله وأسد رسول الله أنا حمزة بن عبد المطلب. فقال كفؤ
стр. 1156
كريم. وقال علي: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقال عبيدة: أنا الذي في الحلفاء (١)، فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوهم فقتلهم الله. فقالت هند [بنت عتبة] في ذلك:
أعيني جودي بدمع سرب … على خير خندف لم ينقلب (٢)
تداعى له رهطه غدوة … بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حد أسيافهم … يعلونه بعد ما قد عطب (٣)
ولها نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة.
قلت: وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولما جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله ﷺ فأشرفه (٤) رسول الله ﷺ قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع دونه … ونذهل عن أبنائنا والحلائل (٥)
ثم مات ﵁ فقال رسول الله ﷺ : " أشهد أنك شهيد " رواه الشافعي ﵀. وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع (٦) مولى عمر بن الخطاب رمي بسهم فقتله. قال ابن إسحاق فكان أول من قتل، ثم رمي بعده حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فمات. وثبت في الصحيحين عن أنس أن حارثة بن سراقة قتل
стр. 1157
يوم بدر وكان في النظارة أصابه سهم غرب فقتله، فجاءت أمه فقالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع - يعني من النياح - وكانت لم تحرم بعد. فقال لها رسول الله ﷺ " ويحك أهبلت، إنها جنان ثمان وان ابنك أصاب الفردوس الاعلى ".
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وقد (١) أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. وفي صحيح البخاري عن أبي أسيد. قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر إذا أكثبوكم - يعني المشركين فارموهم واستبقوا نبلكم (٢). وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم حدثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن (٣) إسحاق حدثني عبد الله بن الزبير. قال: جعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين يوم بدر يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله، وسمى خيله خيل الله. قال ابن هشام: كان شعار الصحابة يوم بدر أحد أحد.
قال ابن إسحاق: ورسول الله ﷺ في العريش معه أبو بكر ﵁ يعني وهو يستغيث الله كما قال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) [الأنفال: ٩ - ١٠]. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا " فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا رسول الله كفاك (٤) مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [الأنفال: ٩] وذكر تمام الحديث كما سيأتي (٥) وقد رواه مسلم
стр. 1158
وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني وصححه على ابن المديني والترمذي، وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جرير وغيرهم إن هذه الآية نزلت في دعاء النبي ﷺ يوم بدر، وقد ذكر الأموي وغيره أن المسلمين عجوا إلى الله في الاستعانة بجنابه والاستعانة به وقوله تعالى: (بألف من الملائكة مردفين) أي ردفا لكم ومددا لفئتكم رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم. وقال أبو كدينة عن قابوس عن ابن عباس (مردفين) وراء كل ملك ملك. وفي رواية عنه بهذا الاسناد (مردفين) بعضهم على أثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة. وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وهذا هو المشهور. ولكن قال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي. قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة على ميمنة النبي ﷺ وفيهما أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي ﷺ وأنا في الميسرة، ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن علي فزاد: ونزل إسرافيل في الف من الملائكة وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة، وهذا غريب وفي إسناده ضعف ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الأقوال ويؤيدها قراءة من قرأ (بألف من الملائكة مردفين) بفتح الدال والله أعلم. وقال البيهقي أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عبيد الله (١) بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخبرني إسماعيل بن عوف (٢) بن عبد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده [عن علي بن أبي طالب ﵁] (٣) قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لأنظر إلى رسول الله ﷺ ما فعل، قال: فجئت فإذا هو ساجد يقول: " يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم " لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده (٤). وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود. قال ما سمعت مناشدا ينشد [حقا له] (٥) أشد من مناشدة
стр. 1159
محمد ﷺ يوم بدر، جعل يقول: " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم التفت وكأن شق وجهه القمر. وقال " كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية " (١) رواه النسائي من حديث الأعمش به. وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله ﷺ فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله ﷺ وذكره. وقد ثبت إخباره ﵇ بمواضع مصارع رؤوس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم، وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب. ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب، وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر، وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم. وقد روى البخاري (٢): من طرق عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر: " اللهم أنشدك عهدك ووعدك، الله إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [القمر: ٤٥ - ٤٦] وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) قال عمر: أي جمع يهزم وأي جمع يغلب؟ قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة - وإني لجارية العب - (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر).
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك، وقد خفق النبي ﷺ [خفقة] (٣) وهو في العريش ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع " يعني الغبار. قال ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم. وقال: " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة " قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟
стр. 1160
قال: ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل ﵀ (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال: بعث رسول الله ﷺ بسبسا (٢) عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي ﷺ قال لا أدري ما استثني من بعض نسائه، قال فحدثه الحديث. قال فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: " إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضر فليركب معنا " فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال " لا إلا من كان ظهره حاضرا " وانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ : " لا يتقد من أحد منكم إلى شئ حتى أكون أنا دون " فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض " قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم! قال بخ بخ؟ فقال رسول الله: " ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها " قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل ثمراتي هذه إنها حياة طويلة، قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ﵀ (٣). ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به، وقد ذكر ابن جرير (٤) أن عميرا قاتل وهو يقول ﵁:
ركضا إلى الله بغير زاد … إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد … وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي. قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها (٥) وأصابنا بها وعك، وكان رسول الله ﷺ يتحيز (٦) عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر - وبدر