كريم. وقال علي: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقال عبيدة: أنا الذي في الحلفاء (١)، فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوهم فقتلهم الله. فقالت هند [بنت عتبة] في ذلك:
أعيني جودي بدمع سرب … على خير خندف لم ينقلب (٢)
تداعى له رهطه غدوة … بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حد أسيافهم … يعلونه بعد ما قد عطب (٣)
ولها نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة.
قلت: وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولما جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله ﷺ فأشرفه (٤) رسول الله ﷺ قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع دونه … ونذهل عن أبنائنا والحلائل (٥)
ثم مات ﵁ فقال رسول الله ﷺ : " أشهد أنك شهيد " رواه الشافعي ﵀. وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع (٦) مولى عمر بن الخطاب رمي بسهم فقتله. قال ابن إسحاق فكان أول من قتل، ثم رمي بعده حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فمات. وثبت في الصحيحين عن أنس أن حارثة بن سراقة قتل
стр. 1157
يوم بدر وكان في النظارة أصابه سهم غرب فقتله، فجاءت أمه فقالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع - يعني من النياح - وكانت لم تحرم بعد. فقال لها رسول الله ﷺ " ويحك أهبلت، إنها جنان ثمان وان ابنك أصاب الفردوس الاعلى ".
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وقد (١) أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. وفي صحيح البخاري عن أبي أسيد. قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر إذا أكثبوكم - يعني المشركين فارموهم واستبقوا نبلكم (٢). وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم حدثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن (٣) إسحاق حدثني عبد الله بن الزبير. قال: جعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين يوم بدر يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله، وسمى خيله خيل الله. قال ابن هشام: كان شعار الصحابة يوم بدر أحد أحد.
قال ابن إسحاق: ورسول الله ﷺ في العريش معه أبو بكر ﵁ يعني وهو يستغيث الله كما قال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) [الأنفال: ٩ - ١٠]. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا " فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا رسول الله كفاك (٤) مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [الأنفال: ٩] وذكر تمام الحديث كما سيأتي (٥) وقد رواه مسلم
стр. 1158
وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني وصححه على ابن المديني والترمذي، وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جرير وغيرهم إن هذه الآية نزلت في دعاء النبي ﷺ يوم بدر، وقد ذكر الأموي وغيره أن المسلمين عجوا إلى الله في الاستعانة بجنابه والاستعانة به وقوله تعالى: (بألف من الملائكة مردفين) أي ردفا لكم ومددا لفئتكم رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم. وقال أبو كدينة عن قابوس عن ابن عباس (مردفين) وراء كل ملك ملك. وفي رواية عنه بهذا الاسناد (مردفين) بعضهم على أثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة. وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وهذا هو المشهور. ولكن قال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي. قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة على ميمنة النبي ﷺ وفيهما أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي ﷺ وأنا في الميسرة، ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن علي فزاد: ونزل إسرافيل في الف من الملائكة وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة، وهذا غريب وفي إسناده ضعف ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الأقوال ويؤيدها قراءة من قرأ (بألف من الملائكة مردفين) بفتح الدال والله أعلم. وقال البيهقي أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عبيد الله (١) بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخبرني إسماعيل بن عوف (٢) بن عبد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده [عن علي بن أبي طالب ﵁] (٣) قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لأنظر إلى رسول الله ﷺ ما فعل، قال: فجئت فإذا هو ساجد يقول: " يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم " لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده (٤). وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود. قال ما سمعت مناشدا ينشد [حقا له] (٥) أشد من مناشدة
стр. 1159
محمد ﷺ يوم بدر، جعل يقول: " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم التفت وكأن شق وجهه القمر. وقال " كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية " (١) رواه النسائي من حديث الأعمش به. وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله ﷺ فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله ﷺ وذكره. وقد ثبت إخباره ﵇ بمواضع مصارع رؤوس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم، وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب. ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب، وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر، وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم. وقد روى البخاري (٢): من طرق عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر: " اللهم أنشدك عهدك ووعدك، الله إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [القمر: ٤٥ - ٤٦] وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) قال عمر: أي جمع يهزم وأي جمع يغلب؟ قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة - وإني لجارية العب - (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر).
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك، وقد خفق النبي ﷺ [خفقة] (٣) وهو في العريش ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع " يعني الغبار. قال ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم. وقال: " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة " قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟
стр. 1160
قال: ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل ﵀ (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال: بعث رسول الله ﷺ بسبسا (٢) عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي ﷺ قال لا أدري ما استثني من بعض نسائه، قال فحدثه الحديث. قال فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: " إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضر فليركب معنا " فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال " لا إلا من كان ظهره حاضرا " وانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ : " لا يتقد من أحد منكم إلى شئ حتى أكون أنا دون " فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض " قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم! قال بخ بخ؟ فقال رسول الله: " ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها " قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل ثمراتي هذه إنها حياة طويلة، قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ﵀ (٣). ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به، وقد ذكر ابن جرير (٤) أن عميرا قاتل وهو يقول ﵁:
ركضا إلى الله بغير زاد … إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد … وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي. قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها (٥) وأصابنا بها وعك، وكان رسول الله ﷺ يتحيز (٦) عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر - وبدر
стр. 1161
بئر - فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين: رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت، وأما المولى فوجدناه فجعلنا نقول له كم القوم؟ فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال له كم القوم؟ قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجهد النبي ﷺ أن يخبره كم هم فأبى ثم إن النبي ﷺ سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم. فقال النبي ﷺ " القوم ألف، كل جزور لمائة وتبعها " (١) ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف (٢) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: " اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد " فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله (٣) فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال ثم قال " إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل " فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله ﷺ : " يا علي ناد حمزة " وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهي عن القتال ويقول لهم يا قوم أعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم (٤). فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك والله لو غيرك يقوله لأعضضته (٥) قد ملأت رئتك جوفك رعبا. فقال: إياي تعير يا مصفر استه (٦)؟ سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا: من يبارز فخرج فتية من الأنصار مشببة فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله ﷺ : " قم يا حمزة، وقم يا علي، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب " فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول الله والله إن هذا ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: " اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم " قال: فأسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث هذا سياق حسن وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي.
стр. 1162
وقد تفرد بطوله الإمام أحمد (١). وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به، ولما نزل رسول الله ﷺ من العريش وحرض الناس على القتال والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثير كما قال الله تعالى آمرا لهم: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) الآية [الأنفال: ٤٥].
وقال الأموي: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق. قال: قال الأوزاعي: كان يقال قلما ثبت قوم قياما، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم - يعني أصحاب النبي ﷺ جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما تتلمظ الحيات - أو قال الأفاعي -. قال الأموي في مغازيه: وقد كان النبي ﷺ حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب. وقال " والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [فيقتل] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " وذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم، وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال وقاتلا بالأبدان جمعا بين المقامين الشريفين. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا. ورواه النسائي من حديث أبي إسحاق عن حارثة عن علي قال: كنا إذا حمى البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله ﷺ (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن أبي عون، عن أبي صالح الحنفي عن علي. قال: قيل لعلي ولأبي بكر ﵄ يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل - أو قال يشهد الصف (٣) - وهذا يشبه ما تقدم من الحديث أن أبا بكر كان في الميمنة ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة، فكان في الميمنة من ناحية أبي بكر الصديق، وكان ميكائيل على المجنبة الأخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في المسيرة وكان علي بن أبي طالب فيها (٤) وفي حديث رواه أبو يعلى من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن علي. قال: كنت أسبح على القليب يوم بدر فجاءت ريح شديدة ثم
стр. 1163
أخرى ثم أخرى فنزل ميكائيل في ألف من الملائكة فوقف على يمين رسول الله ﷺ وهناك أبو بكر، وإسرافيل في ألف في الميسرة وأنا فيها، وجبريل في ألف قال ولقد طفت يومئذ حتى بلغ إبطي وقد ذكر صاحب العقد وغيره أن أفخر بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت:
وببئر بدر إذ يكف مطيهم … جبريل تحت لوائنا ومحمد
وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. انفرد به البخاري. وقد قال الله تعالى: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق - يعني الرؤس - واضربوا منهم كل بنان) وفي صحيح مسلم: من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل حدثني ابن عباس. قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس [يقول:] أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو حطم [أنفه] وشق وجهه كضربة السوط واخضر (١) ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث ذاك رسول الله ﷺ فقال " صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة " فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين (٢).
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عمن حدثه عن ابن عباس عن رجل من بني غفار. قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا، وإنا لفي جبل (٣) ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة (٤)، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل، وسمعنا قائلا يقول: (قدم حيزوم، فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا لكدت أن أهلك ثم انتعشت (٥). بعد ذلك. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض
стр. 1164
بني ساعدة (١)، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة - وكان شهد بدرا - قال - بعد أن ذهب بصره - لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب (٢) الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى. فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم: (أني معكم فثبتوا الذي آمنوا). وتثبتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشروا فإنهم ليسوا بشئ والله معكم كروا عليهم.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود (٣) بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون [من الناس يثبتونهم] (٤) فيقول: إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشئ، إلى غير ذلك من القول فذلك قوله: (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا) الآية [الأنفال: ١٢]. ولما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نفرق محمدا وأصحابه في الجبال (٥) فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا. وروى البيهقي: من طريق سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال أبو أسيد - بعدما ذهب بصره - يا ابن أخي والله لو كنت أنا وأنت ببدر ثم أطلق الله بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة من غير شك ولا تمار. وروى البخاري (٦) عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب، عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر " هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه أداة الحرب ".
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وأخبرني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه. وحدثني عابد (٧) بن يحيى عن أبي الحويرث عن عمارة بن أكيمة الليثي عن عكرمة عن حكيم بن حزام قالوا: لما حضر القتال ورسول الله ﷺ
стр. 1165
رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول " اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين " وأبو بكر يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فأنزل الله ألفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو. قال رسول الله ﷺ " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته ". وروى البيهقي عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه. قال: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا ليشير إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف (١).
وقال ابن إسحاق: حدثني والدي، حدثني رجال من بني مازن عن أبي واقد (٢) الليثي قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله. وقال يونس بن بكير عن عيسى بن عبد الله التيمي عن الربيع بن أنس. قال: كان الناس [يوم بدر] يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار وقد أحرق به (٣).
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم (٤) عن ابن عباس. قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء. وقد قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون (٥). وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن موسى [بن عبد الله] بن أبي أمية عن مصعب بن عبد الله عن مولى لسهيل بن عمرو سمعت سهيل بن عمرو يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون. وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره. قال: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري. قال: وحدثني خارجة بن إبراهيم عن أبيه. قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: " من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم؟ " فقال جبريل: يا محمد ما كل أهل السماء أعرف (٦). قلت: وهذا الأثر مرسل، وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل كما قاله السهيلي وغيره والله أعلم. وقال الواقدي حدثني إسحاق بن
стр. 1166
ي حيى عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال فما أدري كم يد مقطوعة وضربة جائفة (١) لم يدم كلمها وقد رأيتها يوم بدر. وحدثني محمد بن يحيى عن أبي عقيل (٢) [عن رافع بن خديج] عن أبي بردة بن نيار قال: جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله ﷺ فقلت أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا طويلا [ضربه فتدهدى أمامه] فأخذت رأسه. فقال رسول الله ﷺ : " ذاك فلان من الملائكة " وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه. قال: كان السائب بن أبي حبيش يحدث في زمن عمر يقول: والله ما أسرني أحد من الناس، فيقال فمن؟ يقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها فأدركني رجل أشعر طويل على فرس أبيض (٣) فأوثقني رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا فنادى في العسكر من أسر هذا؟ حتى انتهى بي إلى رسول الله ﷺ فقال: من أسرك؟ قلت: لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذي رأيت فقال رسول الله ﷺ : " أسرك ملك من الملائكة " اذهب يا ابن عوف بأسيرك. وقال الواقدي: حدثني عابد بن يحيى (٤) حدثنا أبو الحويرث عن عمارة بن أكيمة عن حكيم بن حزام قال: لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بجاد (٥) من السماء قد سد الأفق فإذا الوادي يسيل نهلا فوقع في نفسي أن هذا شئ من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة ولقي الملائكة وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني أبي عن جبير بن مطعم. قال: رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود قد نزل من السماء مثل النمل الأسود، فلم أشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله ﷺ حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ وبشر بذلك أبا بكر وقال: " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع " يعني من المعركة ثم خرج رسول الله ﷺ من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم حصل لهم السكينة والطمأنينة وقد حصل النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة والثبات والايمان، كما قال: " (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن، ولهذا قال ابن مسعود: النعاس في المصاف من الايمان. والنعاس في الصلاة من النفاق. وقال الله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين) [الأنفال: ١٩]. قال
стр. 1167
الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال - حين التقى القوم - اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة ورواه النسائي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري (١)، ورواه الحاكم من حديث الزهري أيضا ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الأموي حدثنا أسباط بن محمد القرشي عن عطية عن مطرف في قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) قال: قال أبو جهل: اللهم [اعن] أعز الفئتين، وأكرم القبيلتين، وأكثر الفريقين. فنزلت: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) [الأنفال: ٧] قال أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ ذلك أهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول ﷺ يريدون العير، فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها لكيلا يغلب عليها النبي ﷺ وأصحابه فسبقت العير رسول الله ﷺ وكان الله قد وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا يحبون أن يلقوا العير، وسار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريد القوم، وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم. فنزل النبي ﷺ والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمون ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذا (٢)! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا فاذهب الله عنهم رجز الشيطان فصار الرمل لبدا (٣) ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأيد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة. فكان
стр. 1168
جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة (١) مجنبة وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه ذريته (٢) وهم في صورة رجال من بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما اصطف الناس قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ". فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين. وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه - وكانت يده في يد رجل من المشركين - انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار؟ قال: (إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب) [الأنفال: ٤٨] وذلك حين رأى الملائكة رواه البيهقي في الدلائل (٣).
وقال الطبراني حدثنا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا عبد العزيز بن عمران، ثنا هشام بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري عن رفاعة بن رافع. قال: لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل إليه. وأقبل أبو جهل فقال: يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال، فلا ألفين رجلا منكم قتل رجلا ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى. ثم قال أبو جهل متمثلا:
ما تنقم الحرب الشموس مني … بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
وروى الواقدي عن موسى بن يعقوب الزمعي [عن عمه] عن أبي بكر بن أبي سليمان بن (٤) أبي حثمة سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر فجعل الشيخ يكره ذلك، فألح عليه فقال حكيم: التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل وقعة الحصاة
стр. 1169
في الطست، وقبض النبي ﷺ القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا. قال الواقدي: وحدثنا [أبو] (١) إسحاق عن محمد عن (٢) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (٣) عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير سمعت نوفل بن معاوية الديلي يقول: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا (٤)، وكان ذلك من أشد الرعب علينا.
وقال الأموي: حدثنا أبي، ثنا ابن أبي إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل حين التقى القوم قال: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح. فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته " وأمر رسول الله ﷺ فأخذ كفا من الحصى بيده ثم خرج فاستقبل القوم فقال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها ثم قال لأصحابه " احملوا فلم تكن إلا الهزيمة " فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم. وقال زياد عن ابن إسحاق ثم إن رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال: " شدوا " فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم. وقال السدي الكبير قال رسول الله ﷺ لعلي يوم بدر " أعطني حصباء من الأرض " فناوله حصباء عليها تراب فرمى به في وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله في ذلك: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وهكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس وقتادة وابن زيد وغيرهم إن هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر، وقد فعل ﵇ مثل ذلك في غزوة حنين كما سيأتي في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله وبه الثقة. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما حرض أصحابه على القتال ورمى المشركين بما رماهم به من التراب وهزمهم الله تعالى صعد إلى العريش أيضا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الأنصار على باب العريش ومعهم السيوف خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي ﷺ قال ابن إسحاق: ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله ﷺ فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: " كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ " قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك. فكان الاثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. قال ابن إسحاق: وحدثني
стр. 1170
العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومئذ: " إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها " فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر: " يا أبا حفص " قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ " فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق. فقال أبو حذيفة: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا ﵁.
مقتل أبي البختري بن هشام
قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة (١). كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الأنصار فقال له: إن رسول الله ﷺ نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة وهو من بني ليث. قال وزميلي؟ فقال له المجذر (٢) لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك، قال لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا يتحدث عني نساء قريش بمكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة. وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر:
لن يترك (٣) ابن حرة زميله … حتى يموت أو يرى سبيله
قال: فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد وقال في ذلك:
إما جهلت أو نسيت نسبي … فأثبت النسبة إني من بلى
الطاعنين برماح اليزني … والطاعنين الكبش حتى ينحني (٤)
стр. 1171
بشر بيتم من: أبوه البختري … أو بشرن بمثلها مني بني
أنا الذي يقال أصلي من بلى … أطعن بالصعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعصب مشرفي … أرزم للموت كإرزام المري (١)
فلا يرى مجذرا يفري فرى
ثم أتى المجذر رسول الله ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك
به فأبى إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.
فصل في مقتل أمية بن خلف
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف. قال: كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟ قال: فأقول: نعم! قال: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه، قال فقلت له: يا أبا علي اجعل ما شئت. قال: فأنت عبد الاله، قال: قلت: نعم! قال: فكنت إذا مررت به قال يا عبد الاله فأجيبه فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه علي وهو آخذ بيده، قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها فلما رآني. قال يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال يا عبد الاله فقلت: نعم! قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعم ها الله (٢)، قال: فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن (٣)؟ [قال]: ثم خرجت أمشي بهما. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن (٤) عبد الرحمن بن عوف. قال: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما: يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة
стр. 1172
في صدره؟ قال: قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على [ترك] الاسلام - فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أي بلال أسيري، قال لا نجوت إن نجا، ثم قال صرخ بأعلا صوته يا أنصار الله! رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (١) فأنا أذب عنه، قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء [بك]، فوالله ما أغني عنك شيئا. قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا فجعني بأدراعي وبأسيري. وهكذا رواه البخاري في صحيحه قريبا من هذا السياق فقال في الوكالة حدثنا عبد العزيز - هو ابن عبد الله - حدثنا يوسف - هو ابن الماجشون - عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية فكاتبته عبد عمرو فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس [من] الأنصار فقال: أمية بن خلف؟! لا نجوت إن نجا أمية بن خلف فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه ثم أتوا حتى تبعونا وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له أبرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه فكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك في ظهر قدمه سمع يوسف صالحا وإبراهيم أباه. تفرد به البخاري من بينهم كلهم. وفي مسند رفاعة بن رافع أنه هو الذي قتل أمية بن خلف (٢).
مقتل أبي جهل لعنه الله
قال ابن هشام: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز [وهو يقاتل] ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني … بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله ﷺ من عدوه، أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى،
стр. 1173
وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد (١) عن عكرمة، عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا. قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (٢) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى (٣) حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان. ثم مر بأبي جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق. وقاتل معوذ (٤) حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله ﷺ أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله ﷺ فيما بلغني - أنظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش (٥) في أحدهما جحشا لم يزل أثره به. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته. فوضعت رجلي على عنقه. قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فأذاني ولكزني ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال وبماذا أخزاني؟ قال: أعمد من رجل قتلتموه (٦) أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: قلت لله ولرسوله.
قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لي: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، قال: ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله ﷺ فقلت:
стр. 1174
ي ا رسول الله هذا رأس عدو الله. فقال: " الله الذي لا إله غيره؟ ". وكان يمين رسول الله صلى الله عليه سلم فقلت نعم! والله الذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ فحمد الله. هكذا ذكر ابن إسحاق ﵀. وقد ثبت في الصحيحين (١) من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف. قال: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أظلع منهما فغمزني أحدهما فقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ فقلت نعم وما حاجتك إليه؟ قال أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس فقلت ألا تريان؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فأخبراه فقال: " أيكما قتله ". قال كل منهما أنا قتلته. قال: هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا. قال فنظر النبي ﷺ في السيفين فقال: " كلاهما قتله " وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح - والآخر معاذ بن عفراء. وقال البخاري حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده. قال: قال عبد الرحمن: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت يا ابن أخي ما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء. وفي الصحيحين أيضا: من حديث أبي (٢) سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من ينظر ماذا صنع أبو جهل " قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: فأخذ بلحيته قال فقلت: أنت أبو جهل؟ فقال وهل فوق رجل قتلتموه - أو قال قتله قومه (٣) - وعند البخاري: عن أبي أسامة عن إسماعيل بن قيس (٤) عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال: هل أخزاك الله؟ فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال انتهيت إلى أبي جهل وهو
стр. 1175
صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد. ومعي سيف ردئ فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة حتى ضعفت يده فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال: على من كانت الدائرة لنا أو علينا ألست رويعينا بمكة؟ قال: فقتلته، ثم أتيت النبي ﷺ فقلت قتلت أبا جهل، فقال الله الذي لا إله إلا هو؟ فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي إليهم فدعا عليهم (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له، فقلت الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله. قال: هل هو إلا رجل قتله قومه، فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فندر (٢) سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته قال ثم خرجت حتى أتيت النبي ﷺ كأنما أقل من الأرض فأخبرته فقال " الله الذي لا إله إلا هو؟ " فرددها ثلاثا، قال: قلت الله الذي لا إله إلا هو قال فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال: " الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا كان فرعون هذه الأمة " وفي رواية أخرى قال ابن مسعود فنفلني سيفه. وقال أبو إسحاق الفزاري عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: أتيت رسول الله ﷺ يوم بدر فقلت: قد قتلت أبا جهل فقال: " الله الذي لا إله إلا هو؟ " فقلت الله الذي لا إله إلا هو مرتين - أو ثلاثا - قال فقال النبي ﷺ : " الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم قال: " انطلق فأرنيه " فانطلقت فأريته فقال: " هذا فرعون هذه الأمة " (٣). ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي إسحاق السبيعي به. وقال الواقدي وقف رسول الله ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال: " رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر " فقيل يا رسول الله ومن قتله معهما؟ قال " الملائكة وابن مسعود قد شرك في قتله " رواه البيهقي (٤).
وقال البيهقي أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الأزهر عن أبي إسحاق قال: لما جاء رسول الله ﷺ البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا؟ فحلف له فخر رسول الله ﷺ ساجدا. ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم، عن سلمة بن رجاء، عن الشعثاء - امرأة من بني أسد (٥) - عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جئ
стр. 1176
برأس أبي جهل. وقال ابن ماجة حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا هشام (١) أخبرنا مجالد، عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا. فقال رسول الله ﷺ : " ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة " (٢). وقال الأموي في مغازيه: سمعت أبي، ثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ : فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الأرض، فقال رسول الله ﷺ : " ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " وقال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات قال هشام فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قبض رسول الله ﷺ أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل. وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص - ومر به - إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أني قتلت أباك إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدث عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله (٣).
قال ابن إسحاق وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي حليف بني عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا (٤) من حطب فقال: " قاتل بهذا يا عكاشة " فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض
стр. 1177
الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى: العون. ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتله طليحة الأسدي أيام الردة، وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله:
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة الغنمي عند مجال (١)
وقد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه. قال ابن إسحاق: وعكاشة هو الذي قال حين بشر رسول الله ﷺ أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أدع الله أن يجعلني منهم قال: " اللهم اجعله منهم " وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما. قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني - " منا خير فارس في العرب " قالوا ومن هو يا رسول الله؟ قال " عكاشة بن محصن " فقال ضرار بن الأزور: ذاك رجل منا يا رسول الله، قال ليس منكم ولكنه منا للحلف. وقد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني عمر بن عثمان الخشني (٢) عن أبيه عن عمته قالت: قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله ﷺ عودا فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين، ولم يزل عنده حتى هلك. وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل عدة قالوا: انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب (٣) فقال: اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد (٤).
رده ﵇ عين قتادة
قال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد [عبد الله] بن عدي حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الحماني ثنا عبد العزيز (٥) بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن
стр. 1178
قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان: أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله ﷺ فقال " لا " فدعاه فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيب (١) - وفي رواية فكانت أحسن عينيه -. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه … فردت بكف المصطفى أيما رد
فقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عند ذلك منشدا قول أمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا:
تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فصل قصة أخرى شبيهة بها
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن صالح، أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا إبراهيم بن المنذر، أخبرنا عبد العزيز بن عمران، [حدثني رفاعة بن رافع بن مالك] (٢). قال: لما كان يوم بدر تجمع الناس على أمية (٣) بن خلف، فأقبلت إليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه، قال فطعنته بالسيف فيها طعنة، ورميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي فما أذاني منها شئ. وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد ولم يخرجوه (٤). ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر. قال ابن هشام (٥): ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد فقال: أين مالي يا خبيث فقال عبد الرحمن:
لم يبق إلا شكة ويعبوب … وصارم يقتل ضلال الشيب
يعني لم يبق إلا عدة الحرب، وحصان وهو اليعبوب يقاتل عليه شيوخ الضلالة، هذا يقوله في حال كفره. وقد روينا في مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمشى هو وأبو بكر الصديق بين
стр. 1179
القتلى ورسول الله ﷺ يقول: " نفلق هاما " فيقول الصديق:
من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل [لحمه] فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " قالت فقال له أصحابه: يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال: " لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق " قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله ﷺ لقد علموا (١) قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: سمع أصحاب النبي ﷺ رسول الله من جوف الليل وهو يقول: " يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " فقال المسلمون: يا رسول الله ﷺ أتنادي قوما قد جيفوا؟ فقال: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني " وقد رواه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه. وهذا على شرط الشيخين قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال: " يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " (٢).
قلت: وهذا مما كانت عائشة ﵂ تتأوله من الأحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الأحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله: (وما أنت بمسمع من في القبور) وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم للأحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه ﵂ وأرضاها. وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت: ﵀، إنما قال رسول الله ﷺ إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن " قالت وذاك مثل قوله
стр. 1180
إن رسول الله ﷺ قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال، قال إنهم ليسمعون ما أقول وإنما قال إنهم الآن ليعلمون إنما كنت أقول لهم حق، ثم قرأت: (وإنك لا تسمع الموتى) [النمل: ٨١] (وما أنت بمسمع من في القبور) [فاطر: ٢٢] تقول حين تبوؤا مقاعدهم من النار (١). وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة به، وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من الاحكام الكبير إن شاء الله. ثم قال البخاري: حدثني عثمان ثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال: وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا " ثم قال: " إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم " وذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت (إنك لا تسمع الموتى) حتى قرأت الآية. وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة. وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع كلاهما عن هشام بن عروة. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي (٢) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ". فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال النبي ﷺ : " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما (٣): وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن سعيد بن أبي عروبة. ورواه الإمام أحمد: عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك فذكر مثله. فلم يذكر أبا طلحة وهذا إسناد صحيح، ولكن الأول أصح وأظهر والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: " يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " قال فسمع عمر صوته فقال يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون؟ يقول الله تعالى: (إنك لا
стр. 1181
تسمع الموتى) فقال: " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا ". ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به. وقال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت:
عرفت ديار زينب بالكثيب … كخط الوحي في الورق القشيب (١)
تداولها الرياح وكل جون … من الوسمي منهمر سكوب
فأمسى رسمها خلقا وأمست … يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم … ورد حرارة القلب الكئيب (٢)
وخبر بالذي لا عيب فيه … بصدق غير إخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر … لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء … بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع … كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه … على الأعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات … وكل مجرب خاظي الكعوب
بنو الأوس الغطارف آزرتها … بنو النجار في الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا … وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبة قد تركنا في رجال … ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما … قذفناهم كباكب في القليب (٣)
ألم تجدوا كلامي كان حقا … وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا: … صدقت وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله ﷺ أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة، فسحب في القليب فنظر رسول الله ﷺ فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال: " يا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ - أو كما قال رسول الله ﷺ فقال: لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرا. وقال
стр. 1182
البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان ثنا عمرو عن عطاء عن ابن عباس (الذين بدلوا نعمة الله كفرا) قال: هم والله كفار قريش. قال عمرو: هم قريش، ومحمد نعمة الله (وأحلوا قومهم دار البوار) قال: النار يوم بدر. قال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت:
قومي الذين هم آووا نبيهم … وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام هم سلف … للصالحين من الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم … لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة … نعم النبي ونعم القسم والجار (١)
وقاسموهم بها الأموال إذ قدموا … مهاجرين وقسم الجاهل النار (٢)
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم … لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
والاهم بغرور ثم أسلمهم … إن الخبيث لمن والاه غرار (٣)
وقال إني لكم جار فأوردهم … شر الموارد فيه الخزي والعار
ثم التقينا فولوا عن سراتهم … من منجدين ومنهم فرقة غاروا
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكر. وعبد الرزاق. قالا: حدثنا إسرائيل، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من القتلى قيل له عليك العير ليس دونها شئ، فناداه العباس وهو في الوثاق: إنه لا يصلح لك. قال لم؟ قال لان الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك. وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين، هذا مع حضور ألف من الملائكة وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم أن سيسلم منهم بشر كثير. ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فأهلكهم عن آخرهم، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية، وقد كان في الملائكة جبريل الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا فيهن من الأمم والدواب والأراضي والمزروعات، وما لا يعلمه إلا الله، فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات واتبعهن بالحجارة التي سومت لهم كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط. كما تقدم.
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين وبين تعالى حكمه في ذلك فقال: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) [محمد: ٤] الآية. وقال
стр. 1183
تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء) الآية [التوبة: ١٤ - ١٥]. فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الأنصار، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ومسك بلحيته وصعد على صدره حتى قال له لقد رقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله فشفى الله به قلوب المؤمنين، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه والله أعلم.
وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما ولكنه خرج معهم تقية منهم لأنه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه جماعة منهم، الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه [وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة] (١) وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج. قال وفيهم نزل قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) [النساء: ٩٧] وكان جملة الأسارى يومئذ سبعين أسيرا كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله منهم من آل رسول الله ﷺ عمه العباس بن عبد المطلب، وابن عمه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه وعارضوا به حديث الحسن عن ابن سمرة في ذلك فالله أعلم. وكان فيهم أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أمية زوج زينب بنت النبي ﷺ .
فصل
وقد اختلف الصحابة في الأسارى أيقتلون أو يفادون على قولين، كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس - وذكر رجل - عن الحسن. قال استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم " قال فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم، قال فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم عاد النبي فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول نرى أن تعفو عنهم وأن نقبل منهم الفداء. قال فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء. قال وأنزل الله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم) الآية، انفرد به أحمد (٢). وقد روى الإمام أحمد - واللفظ له - ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وكذا علي بن المديني وصححه من حديث عكرمة بن عمار حدثنا
стр. 1184
سماك الحنفي - أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه يوم بدر وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فذكر الحديث كما تقدم إلى قوله: فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعليا وعمر، فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله ﷺ : " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ : " [أبكي] (١) للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن (٢) في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم) [الأنفال: ٦٧] من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة، عن [أبي] (٤) عبيدة عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : " ما تقولون في هؤلاء الاسرى؟ قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا. قال فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئا. فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج عليهم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه، حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك
стр. 1185
غفور رحيم) [إبراهيم: ٣٦] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: ١١٨] وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) [نوح: ٢٦] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس: ٨٨] أنتم عالة فلا يبقين (١) أحد إلا بفداء أو ضربة عنق قال عبد الله: فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء (٢) فإني قد سمعته يذكر الاسلام قال فسكت، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال: " إلا سهيل بن بيضاء " قال فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم) إلى آخر الآيتين. وهكذا رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي معاوية. وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك. وقد روى عن أبي أيوب الأنصاري بنحوه (٣). وقد روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر قال: لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر أسره رجل من الأنصار قال وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه " قال عمر أفآتيهم؟ قال: نعم فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله رضى؟ قالوا: فإن كان له رضى فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده قال له عمر: يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك. قال واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم واستشار عمر فقال اقتلهم، ففاداهم رسول الله ﷺ فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) الآية. ثم قال الحاكم في صحيحه هذا حديث صحيح
стр. 1186
الاسناد ولم يخرجاه، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال خير أصحابك في الأسارى إن شاؤوا الفداء وإن شاؤوا القتل على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم، قالوا الفداء أو يقتل منا. وهذا حديث غريب جدا، ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة والله أعلم. وقد قال ابن إسحاق: عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وهكذا روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا واختاره ابن إسحاق وغيره وقال الأعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا. وهكذا روى عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وقال مجاهد والثوري: (لولا كتاب من الله سبق) أي لهم بالمغفرة. وقال الوالبي عن ابن عباس سبق في أم الكتاب الأول أن المغانم وفداء الأسارى حلال لكم، ولهذا قال بعده: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) وهكذا روي عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والأعمش، واختاره ابن جرير وقد ترجح هذا القول بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحدا من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة ". وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا " ولهذا قال تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فأذن الله تعالى في أكل الغنائم وفداء الأسارى وقد قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي (١) ثنا سفيان بن حبيب، ثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة (٢)، وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم (٣). وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة فقال تعالى: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم) الآية [الأنفال: ٧٠]. وقال الوالبي عن ابن عباس نزلت في العباس ففادي نفسه بالأربعين أوقية من ذهب قال العباس، فأتاني الله أربعين عبدا - يعني كلهم يتجر له - قال وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه (٤). وقال ابن إسحاق: حدثني العباس بن
стр. 1187
عبد الله بن مغفل (١) عن بعض أهله عن ابن عباس قال لما أمسى رسول الله ﷺ يوم بدر والأسارى محبوسون بالوثاق، بات النبي ﷺ ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه مالك لا تنام يا رسول الله؟ [وقد أسر العباس رجل من الأنصار] (٢) فقال: " سمعت أنين عمي العباس في وثاقه " فأطلقوه فسكت فنام رسول الله ﷺ ، قال ابن إسحاق: وكان رجلا موسرا ففادي نفسه بمائة أوقية من ذهب. قلت: وهذه المائة كانت عن نفسه وعن ابني أخويه عقيل ونوفل، وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر كما أمره بذلك رسول الله ﷺ حين ادعى أنه كان قد أسلم فقال له رسول الله ﷺ : " أما ظاهرك فكان علينا والله أعلم باسلامك وسيجزيك " فادعى أنه لا مال عنده قال: " فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل وقلت لها: إن أصبت في سفري فهذا لبني الفضل وعبد الله وقثم؟ " فقال والله إني لاعلم أنك رسول الله إن هذا شئ ما علمه إلا أنا وأم الفضل رواه ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس. وثبت في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة: قال الزهري حدثني أنس بن مالك قال: إن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ قالوا إيذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. فقال: " لا والله لا تذرون منه درهما " (٣) قال البخاري وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن النبي ﷺ أتى بمال من البحرين فقال: " انثروه في المسجد " فكان أكثر مال أتى به رسول الله ﷺ ، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا فقال " خذ " فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي. قال " لا " قال فارفعه أنت علي، قال " لا " فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال " لا " قال فارفعه أنت علي، قال " لا " فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق. فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم. وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن أسباط بن نصر عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي. قال: كان فداء العباس وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب كل رجل أربعمائة دينار (٤)، ثم توعد تعالى الآخرين فقال: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم).
فصل
والمشهور أن الأسارى يوم بدر كانوا سبعين، والقتلى من المشركين سبعين كما ورد في غير ما
стр. 1188
حديث مما تقدم وسيأتي إن شاء الله، وكما في حديث البراء بن عازب في صحيح البخاري أنهم قتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين. وقال موسى بن عقبة: قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة ومن الأنصار ثمانية (١)، وقتل من المشركين تسعة وأربعين، وأسر منهم تسعة وثلاثين. هكذا رواه البيهقي عنه. قال: وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين (٢). ثم قال أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق. قال واستشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا، أربعة من قريش وسبعة من الأنصار وقتل من المشركين بضعة وعشرون (٣) رجلا وقال في موضع آخر: وكان مع رسول الله ﷺ أربعون (٤) أسيرا، وكانت القتلى مثل ذلك. ثم روى البيهقي: من طريق أبي صالح كاتب الليث عن الليث عن عقيل عن الزهري قال: وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر، ورجل من الأنصار وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك، قال ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: قال البيهقي - وهو الأصح - فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم، ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أمر رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، فأصابوا منا سبعين [يعني يوم أحد] (٥). وكان النبي ﷺ وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا (٦). قلت والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف وقد صرح قتادة بأنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وكأنه أخذه من هذا الذي ذكرناه والله أعلم. وفي حديث عمر المتقدم أنهم كانوا زيادة على الألف، والصحيح الأول لقوله ﵇: " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا كما سيأتي التنصيص على ذلك وعلى أسمائهم إن شاء الله، وتقدم في حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وقاله أيضا عروة بن الزبير وقتادة وإسماعيل
стр. 1189
والسدي الكبير وأبو جعفر الباقر. وروى البيهقي من طريق قتيبة عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود في ليلة القدر قال: " تحروها لإحدى عشرة بقين فإن صبيحتها يوم بدر " (١). قال البيهقي: وروي عن زيد بن أرقم أنه سئل عن ليلة القدر فقال ليلة تسع عشرة ما شك، وقال يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. قال البيهقي: والمشهور عن أهل المغازي أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان. ثم قال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق ثنا أبو نعيم ثنا عمرو بن عثمان سمعت موسى بن طلحة يقول: سئل أبو أيوب الأنصاري عن يوم بدر فقال: إما لسبع عشرة خلت، أو ثلاث عشرة خلت أو لإحدى عشرة بقيت. وإما لسبع (٢) عشرة بقيت. وهذا غريب جدا.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثي من طريق الواقدي وغيره بإسنادهم إليه أنه شهد يوم بدر مع المشركين فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله ﷺ قال: وجعلت أقول في نفسي ما رأيت مثل هذا الامر فر منه إلا النساء والله لو خرجت نساء قريش بالسهاء (٣) ردت محمدا وأصحابه. فلما كان بعد الخندق قلت لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد وقد وقع في نفسي الاسلام، قال فقدمتها فسألت عنه فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد في ملا من أصحابه، فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه فسلمت. فقال: يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الامر فر منه إلا النساء، فقلت: أشهد أنك رسول الله فإن هذا الامر ما خرج مني إلى أحد قط، ولا تزمزمت (٤) به إلا شيئا حدثت به نفسي، فلولا أنك نبي ما أطلعك [الله] (٥) عليه، هلم أبايعك على الاسلام فأسلمت.
فصل
وقد اختلفت الصحابة ﵃ يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ لمن تكون منهم وكانوا ثلاثة أصناف حين ولى المشركون. ففرقة أحدقت برسول الله ﷺ تحرسه خوفا من أن يرجع
стр. 1190
أحد من المشركين إليه. وفرقة ساقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون، وفرقة جمعت المغانم من متفرقات الأماكن. فادعى كل فريق من هؤلاء أنه أحق بالمغنم من الآخرين لما صنع من الامر المهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه بين المسلمين عن بواء، يقول عن سواء. وهكذا رواه أحمد عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق به ومعنى قوله على السواء أي ساوى فيها بين الذين جمعوها وبين الذين اتبعوا العدو وبين الذين ثبتوا تحت الرايات لم يخصص بها فريقا منهم ممن ادعى التخصيص بها، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه كما قد يتوهمه بعض العلماء منهم أبو عبيدة وغيره والله أعلم. بل قد تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذو الفقار من مغانم بدر (١). قال ابن جرير: وكذا اصطفى جملا لأبي جهل كان في أنفه برة من فضة، وهذا قبل إخراج الخمس أيضا. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم، نحن حويناها وليس لاحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق به منا نحن نفينا منها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فأنزل الله: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ولرسوله فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) [الأنفال: ١ - ٥] فقسمها رسول الله بين المسلمين. وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفل الربع فإذا أقبل راجعا نفل الثلث وكان يكره الأنفال. وقد روى الترمذي وابن ماجة من حديث الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث آخره وقال الترمذي هذا حديث حسن. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا، فسارع في ذلك شبان الرجال وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، قال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم
стр. 1191
إلينا، فتنازعوا فأنزل الله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله وللرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (١). وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارا أخر يطول بسطها ههنا ومعنى الكلام أن الأنفال مرجعها إلى حكم الله ورسوله يحكما فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد ولهذا قال تعالى: (قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) ثم ذكر ما وقع في قصة بدر وما كان من الامر حتى انتهى إلى قوله: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) الآية فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الأنفال الذي جعل مرده إليه وإلى رسوله ﷺ ، فبينه تعالى وحكم فيه بما أراد تعالى، وهو قول أبي زيد وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر على السواء بين الناس، ولم يخمسها. ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخا لما تقدم، وهكذا روى الوالبي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي وفي هذا نظر. والله أعلم. فإن سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها كلها في غزوة بدر فيقتضي أن ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضي نسخ بعضه بعضا، ثم في الصحيحين: عن علي ﵁ أنه قال في قصة شار فيه اللذين اجتب أسنمتهما حمزة إن إحداهما كانت من الخمس يوم بدر ما يرد صريحا على أبي عبيد أن غنائم بدر لم تخمس والله أعلم. بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير وغيرهما وهو الصحيح الراجح. والله أعلم.
فصل
في رجوعه ﵇ من بدر إلى المدينة وما كان من الأمور في مسيره إليها مؤيدا منصورا عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام
وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة،
стр. 1192
وثبت في الصحيحين أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام، وقد أقام ﵇ بعرصة بدر ثلاثة أيام كما تقدم وكان رحيله منها ليلة الاثنين، فركب ناقته ووقف على قليب بدر فقرع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدم ذكره، ثم سار ﵇ ومعه الأسارى والغنائم الكثيرة وقد بعث ﵇ بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر، أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثاني زيد بن حارثة (١) إلى السافلة. قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا [التراب] على رقية بنت رسول الله ﷺ وكان زوجها عثمان بن عفان ﵁ قد احتبس عندها يمرضها بأمر رسول الله ﷺ ، وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر. قال أسامة: فلما قدم أبي - زيد بن حارثة - جئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة. وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قال قلت: يا أبة أحق هذا؟ قال إي والله يا بني. وروى البيهقي: من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ خلف عثمان وأسامة بن زيد على [رقية] (٢) بنت رسول الله ﷺ [أيام بدر] (٣)، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله ﷺ بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة (٤) فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى. وضرب رسول الله ﷺ لعثمان بسهمه (٥) وقال الواقدي صلى رسول الله ﷺ مرجعه من بدر العصر بالأثيل (٦) فلما صلى ركعة تبسم فسئل عن تبسمه فقال: مر بي (٧) ميكائيل وعلى جناحه النقع فتبسم إلي وقال: إني كنت في طلب القوم، وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر، على فرس أنثى معقود الناصية وقد عصم ثنييه الغبار، فقال: يا محمد إن ربي بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: نعم. قال الواقدي قالوا: وقدم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأثيل فجاءا يوم الأحد حين
стр. 1193
اشتد الضحى، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته، يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وأبو جهل، وقتل زمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو. قال عاصم بن عدي: فقمت إليه فنحوته فقلت: أحقا يا ابن رواحة؟ فقال إي والله وغدا يقدم رسول الله ﷺ بالأسرى مقرنين. ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم دارا دارا والصبيان ينشدون معه يقولون: قتل أبو جهل الفاسق، حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله ﷺ القصواء يبشر أهل المدينة، فلما جاء المصلى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وقتل أمية بن خلف وأبو جهل وأبو البختري وزمعة بن الأسود، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير، فجعل بعض الناس لا يصدقون زيدا ويقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا (١) حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا. وقد زيد حين سوينا [التراب] على رقية بنت رسول الله ﷺ بالبقيع، وقال رجل من المنافقين لأسامة: قتل صاحبكم ومن معه؟ وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا وقد قتل علية أصحابه وقتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ماذا يقول من الرعب، وجاء فلا فقال أبو لبابة: يكذب الله قولك. وقالت اليهود: ما جاء زيد إلا فلا. قال أسامة: فجئت حتى خلوت بأبي فقلت أحق ما تقول؟ فقال إي والله حق ما أقول يا بني فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم فليضربن عنقك، فقال إنما هو شئ سمعته من الناس يقولونه. قال فجئ بالأسرى وعليهم شقران مولى رسول الله ﷺ وكان قد شهد معهم بدرا وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا. قال الواقدي: وهم سبعون في الأصل مجتمع عليه لا شك فيه. قال ولقي رسول الله ﷺ إلى الروحاء رؤوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه. فقال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكن ظننت أنها عير ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت. فقال له رسول الله " صدقت " (٢). قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار. فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام [يقال إنه] هو عدي بن أبي الزغباء -:
أقم لها صدورها يا بسبس … ليس بذي الطلح لها معرس
ولا بصحراء عمير محبس … إن مطايا القوم لا تحبس
стр. 1194
فحملها على الطريق أكيس … قد نصر الله وفر الأخس
قال: ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بني المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به. فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثني عاصم بن عمرو ويزيد بن رومان ما الذي تهنئوننا به. والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول رسول الله ﷺ ثم قال: " أي ابن أخي أولئك الملا " قال ابن هشام: يعني الاشراف والرؤساء (١).
مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء (٢) قتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية (٣) قتل عقبة بن أبي معيط. قال ابن إسحاق: فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال " النار " وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. وكذا قال موسى بن عقبة في مغازيه وزعم أن رسول الله ﷺ لم يقتل من الأسارى أسيرا غيره. قال ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت. قال: يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟ قال على عداوتك الله ورسوله. وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: لما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟. قال: " نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي " قال ابن هشام ويقال بل قتل عقبة علي بن أبي طالب فيما ذكره الزهري وغيره من أهل العلم. قلت: كان هذان الرجلان من شر عباد الله وأكثرهم كفرا وعنادا وبغيا وحسدا وهجاء للاسلام وأهله لعنهما الله وقد فعل. قال ابن هشام: فقالت قتيلة بنت الحارث أخت (٤) النضر بن
стр. 1195
الحارث في مقتل أخيها:
يا راكبا أن الأثيل مظنة … من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية … ؟ إن تزال بها النجائب تخفق (١)
مني إليك وعبرة مسفوحة … جادت بوابلها وأخرى تخنق (٢)
هل يسمعن النضر إن ناديته … أم كيف يسمع ميت لا ينطق (٣)
أمحمد يا خير ضئ كريمة … من قومها والفحل فحل معرق (٤)
ما كان ضرك لو مننت وربما … من الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن … بأعز ما يغلو به ما ينفق (٥)
والنضر أقرب من أسرت قرابة … وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه … لله أرحام هنالك تشقق
صبرا يقاد إلى المنية متعبا … رسف المقيد وهو عان موثق
قال ابن هشام: ويقال والله أعلم أن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: " لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه ".
قال ابن إسحاق: وقد تلقى رسول الله ﷺ بهذا الموضع أبو هند، مولى فروة بن عمرو البياضي حجامه ﵇ ومعه زق خمر (٦) مملوء حيسا - وهو التمر والسويق بالسمن - هدية لرسول الله ﷺ فقبله منه ووصى به الأنصار. قال ابن إسحاق ثم مضى رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم. قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار: أن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه، وقال " استوصوا بهم خيرا " قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى، قال أبو عزيز: مر بي