← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

شعبة. هكذا رواه البخاري معلقا عن عبد الله. وقد رواه مسلم عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى عن أبي داود عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل كلاهما عن شعبة به. ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم منها (١). تفرد به البخاري وسيأتي هذا السياق بتمامه والمقصود أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب إليه ابن إسحاق من أن أصحاب الحديبية كانوا سبع مائة، وهو والله أعلم إنما قال ذلك تفقها من تلقاء نفسه من حيث أن البدن كن سبعين بدنة وكل منها عن عشرة على اختياره، فيكون المهلون سبع مائة، ولا يلزم أن يهدي كلهم، ولا أن يحرم كلهم أيضا، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بعث طائفة منهم فيهم: أبو قتادة ولم يحرم أبو قتادة حتى قتل ذلك الحمار الوحشي فأكل منه هو وأصحابه وحملوا منه إلى رسول الله ﷺ في أثناء الطريق فقال: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من الحمار. وقد قال البخاري: حدثنا شعبة بن الريع، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم. وقال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا شبابة بن سوار الفزاري، حدثنا شعبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا طارق، عن سعيد بن المسيب عن أبيه: أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا. وقال البخاري أيضا حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم! فأنتم أعلم؟ ورواه البخاري ومسلم من حديث الثوري وأبي عوانة وشبابة عن طارق (٢). وقال البخاري: حدثنا سعيد، حدثني أخي عن سليمان عن عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن زيد:: على ما يبايع ابن حنظلة الناس قيل له على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ ،

стр. 1437

وكان شهد معه الحديبية. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن عمرو بن يحيى به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شئ بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت (١). ورواه مسلم من حديث يزيد بن أبي عبيد. وفي صحيح مسلم: عن سلمة أنه بايع ثلاث مرات في أوائل الناس ووسطهم وأواخرهم. وفي الصحيح (٢) عن معقل بن يسار أنه كان آخذا بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله ﷺ وهو يبايع الناس، وكان أول من بايع رسول الله ﷺ يومئذ أبو سنان وهو وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن وقيل سنان بن أبي سنان. وقال البخاري: حدثني شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد، حدثنا صخر بن الربيع، عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، فانطلق فذهب معه، حتى بايع رسول الله ﷺ ، وهي التي تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. وقال هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمري: أخبرني نافع عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجرة، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع. تفرد به البخاري من هذين الوجهين. سياق البخاري لعمرة الحديبية قال في كتاب المغازي: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه، قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره (٣) وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة (٤)، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس علي أترون

стр. 1438

أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركنا لهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا نريد قتل أحد ولا حرب فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال امضوا على اسم الله. هكذا رواه هاهنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا. وقال في كتاب الشهادات (١): حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل (٢)، فألحت. فقالوا: خلات القصواء (٣) خلات القصواء، فقال رسول الله ﷺ : ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه [الناس] (٤) تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال بجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة - فقال، إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وان هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (٥) ولينفذن أمر الله. قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال

стр. 1439

سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لستم بالولد؟ قالوا بلى قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فان هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك. أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابا (١) من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومع السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الاسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شئ ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم. فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة دعوني آتية. فقالوا ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آتيه. قالوا ائته. فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل ابن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول الله ﷺ :

стр. 1440

لقد سهل لكم من أمركم. قال معمر قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل فقال هات فاكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن أكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله ﷺ والله إني لرسول الله وان كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها؟ فقال له النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. قال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب. فقال سهيل وعلي أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي ﷺ إنا لم نقض الكتاب بعد. قال فوالله إذا لم أصالحك على شئ أبدا. قال النبي ﷺ : فأجزه لي. قال ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله - فقال عمر ﵁ فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن. قال: إني رسول الله ﷺ ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قال: قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن. قال: إيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصى ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام. فقلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد

стр. 1441

بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر) [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ونزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لاحد الرجلين: والله اني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه " لقد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ " ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد " فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم، لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل الله تعالى (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية) [الفتح: ٢٦] وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت. فهذا سياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهري، فقد رواه عن الزهري عن جماعة منهم سفيان بن عيينة ومعمر ومحمد بن إسحاق كلهم عن الزهري عن عروة عن مروان ومسور فذكر القصة. وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة عن أصحاب رسول الله ﷺ فذكر القصة. وهذا هو الأشبه فإن مروان ومسورا كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة ﵃ أجمعين. وقال البخاري: حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مغول، سمعت أبا حصين قال: قال أبو وائل: لما قدم سهيل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا عن عواتقنا لأمر يقطعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، قبل هذا الامر ما نسد منها خصما إلا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له.

стр. 1442

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شئ، فلم يجبه رسول الله ﷺ ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال " لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب ألي مما طلعت عليه الشمس " ثم قرأ (انا فتحنا لك فتحا مبينا) (١). قلت: وقد تكلمنا على سورة الفتح بكمالها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، ومن أحب أن يكتب ذلك هنا فليفعل. فصل في السرايا (٢) التي كانت في سنة ست من الهجرة وتلخيص ذلك ما أورده الحافظ البيهقي (٣) عن الواقدي: في ربيع الأول منها أو الآخر بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى [الغمر، وفيهم ثابت بن أقرم وسباع بن وهب، فأغذا السير ونذر القوم بهم] (٤) فهربوا منه ونزل على مياههم، وبعث في آثارهم وأخذ منهم مائتي بعير فاستقاها إلى المدينة.

стр. 1443

وفيها كان بعث أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة بأربعين رجلا أيضا فساروا إليهم مشاة، حتى أتوها في عماية الصبح، فهربوا منه في رؤوس الجبال فأسر منهم رجلا فقدم به على رسول الله ﷺ وبعثه محمد بن مسلمة في عشرة نفر وكمن القوم لهم حتى باتوا [فما شعروا إلا بالقوم، فقتل] (١) أصحاب محمد بن مسلمة كلهم وأفلت هو جريحا (٢). وفيها كان بعث زيد بن حارثة بالحموم فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا منها نعما وشاء وأسروا [جماعة من المشركين] (٣) وكان فيهم زوج حليمة هذه فوهبه رسول الله ﷺ لزوجها وأطلقهما. وفيها كان بعث زيد بن حارثة أيضا في جمادى الأولى (٤) إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربت منه الاعراب فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا ثم رجع بعد أربع ليال. وفيها خرج زيد بن حارثة في جمادى الأولى إلى العيص (٥). قال وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع، فاستجار بزينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته. وقد ذكر ابن إسحاق قصته حين أخذت العير التي كانت معه وقتل أصحابه بينهم حتى قدم المدينة، وكانت امرأته زينب بنت رسول الله ﷺ قد هاجرت بعد بدر فلما جاء المدينة استجار بها فأجارته بعد صلاة الصبح فأجاره لها رسول الله ﷺ وأمر الناس برد ما أخذوا من غيره فردوا كل شئ كانوا أخذوه منه حتى لم يفقد منه شيئا. فلما رجع إلى مكة وأدى إلى أهلها ما كان لهم معه من الودائع أسلم وخرج من مكة راجعا إلى المدينة فرد عليه رسول الله ﷺ زوجته بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا ولا عقدا كما تقدم بيان ذلك. وكان بين إسلامه وهجرتها ست سنين ويروى سنتين. وقد بينا أنه لا منافاة بين الروايتين وأن إسلامه تأخر عن وقت تحريم المؤمنات على الكفار بسنتين وكان إسلامه في سنة ثمان في سنة الفتح لا كما تقدم في كلام الواقدي من أنه سنة ست. فالله أعلم. وذكر الواقدي في هذه السنة أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من عند قيصر قد أجازه بأموال وخلع، فلما كان بحسمى لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئا، فبعث

стр. 1444

إليهم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة أيضا ﵁ (١). قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة قال: خرج علي ﵁ في مائة رجل إلى أن نزل إلى حي من بني أسد (٢) بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فسار إليهم بالليل وكمن بالنهار وأصاب عينا لهم فأقر له أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. قال الواقدي رحمه الله تعالى وفي سنة ست في شعبان كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، وقال له رسول الله ﷺ إن هم أطاعوا فتزوج بنت ملكهم، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن بنت ملكهم تماضر بنت الإصبع (٣) الكلبية وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال الواقدي في شوال سنة ست: كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا النعم، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم كرز بن جابر في عشرين فارسا فردوهم (٤). وكان من أمرهم ما أخرجه البخاري ومسلم: من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس بن مالك أن رهطا من عكل وعرينة - وفي رواية من عكل أو عرينة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا أناس أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا (٥) المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبو الها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم، فبعث النبي ﷺ في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر (٦) أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا وهم كذلك. قال قتادة فبلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب بعد ذلك حض على الصدقة ونهى عن المثلة (٧). وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة ورواه جماعة عن أنس بن مالك. وفي رواية مسلم: عن معاوية بن قرة عن أنس أن نفرا من عرينة أتوا رسول الله ﷺ فأسلموا وبايعوه، وقد

стр. 1445

وقع في المدينة الموم - وهو البرسام فقالوا هذا الموم، قد وقع يا رسول الله، لو أذنت لنا فرجعنا إلى الإبل. قال نعم فأخرجوا فكونوا فيها. فخرجوا فقتلوا الراعيين وذهبوا بالإبل. وعنده سار من الأنصار قريب عشرين فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم (١). وفي صحيح البخاري من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس أنه قال قدم رهط من عكل فأسلموا واجتووا المدينة فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال الحقوا بالإبل واشربوا من أبو الها وألبانها. فذهبوا وكانوا فيها ما شاء الله، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فجاء الصريخ إلى رسول الله ﷺ فلم ترتفع الشمس حتى أتى بهم فأمر بمسامير فأحميت فكواهم بها وقطع أيديهم وأرجلهم وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا ولم يحمهم. وفي رواية عن أنس قال فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش. قال أبو قلابة فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله ﷺ . وقد روى البيهقي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن (٢) بن سليمان عن محمد بن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ لما بعث في آثارهم قال " اللهم عم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل، قال: فعمى الله عليهم السبيل فأدركوا فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. وفي صحيح مسلم إنما سملهم لأنهم سملوا أعين الرعاء (٣). فصل فيما وقع من الحوادث في هذه السنة أعني سنة ست من الهجرة فيها نزل فرض الحج كما قرره الشافعي ﵀ زمن الحديبية في قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦] ولهذا ذهب إلى أن الحج على التراخي لا على الفور، لأنه ﷺ لم يحج إلا في سنة عشر. وخالفه الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد، فعندهم: أن الحج يجب على كل من استطاعه على الفور، ومنعوا أن يكون الوجوب مستفادا من قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وإنما في هذه الآية الامر بالاتمام بعد الشروع فقط، واستدلوا بأدلة قد أوردنا كثيرا منها عند تفسير هذه الآية من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة بما فيه كفاية. وفي هذه السنة حرمت المسلمات على المشركين تخصيصا لعموم ما وقع به الصلح عام الحديبية على أنه لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته علينا، فنزل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهم، فان علمتموهن مؤمنات فلا

стр. 1446

ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) الآية [الممتحنة ١٠]. وفي هذه السنة كانت غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الإفك ونزول براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ كما تقدم. وفيها كانت عمرة الحديبية وما كان من صد المشركين رسول الله ﷺ وكيف وقع الصلح بينهم على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فأمن الناس فيهن بعضهم بعضا، وعلى أنه لا إغلال ولا إسلال. وقد تقدم كل ذلك مبسوطا في أماكنه ولله الحمد والمنة. وولي الحج في هذه السنة المشركون. قال الواقدي وفيها في ذي الحجة منها: بعث رسول الله ﷺ ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وشجاع بن وهب بن أسد بن جذيمة شهد بدرا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يعني ملك عرب النصارى، ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك النصارى بالحبشة وهو أصحمة ابن الحر. سنة سبع من الهجرة غزوة خيبر (١) في أولها قال شعبة: عن الحاكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله (وأثابهم فتحا قريبا) قال خيبر. وقال موسى بن عقبة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية مكث عشرين يوما أو قريبا من ذلك ثم خرج إلى خيبر وهي التي وعده الله إياها. وحكى موسى عن الزهري أن افتتاح خيبر في سنة ست (٢)، والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع كما قدمنا: قال ابن إسحاق. ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر فنزل بالرجيع واد بين [خيبر و] (٣) غطفان

стр. 1447

فتخوف أن تمدهم غطفان [فبات به] (١) حتى أصبح فغدا عليهم. قال البيهقي: وبمعناه رواه الواقدي عن شيوخه في خروجه أول سنة سبع من الهجرة (٢) وقال عبد الله بن إدريس، عن [ابن] (٣) إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: كان (٤) افتتاح خيبر في عقيب المحرم وقدم النبي ﷺ في آخر صفر. قال ابن هشام واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي (٥). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خيثم، يعني ابن عراك، عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي ﷺ في خيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة يعني الغطفاني على المدينة قال فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى كهيعص وفي الثانية ويل للمطففين، فقلت في نفسي ويل لفلان إذا اكتال [اكتال] (٦) بالوافي وإذا كال كال بالناقص قال: فلما صلى رددنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي ﷺ خيبر. قال فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم. وقد رواه البيهقي من حديث سليمان بن حرب، عن وهيب، عن خيثم بن عراك، عن أبيه عن نفر من بني غفار قال: إن أبا هريرة قدم المدينة فذكره. قال ابن إسحاق. وكان رسول الله ﷺ حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر وبنى له فيها مسجدا ثم على الصهباء (٧) ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ ، فبلغني أن غطفان لما سمعوا بذلك جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أموالهم وأهليهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير، أن سويد بن النعمان أخبره: أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي من أدنى خيبر - صلى العصر ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ (٨). وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي

стр. 1448

عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هنياتك - وكان عامر رجلا شاعرا - فنزل يحدوا بالقوم يقول: لا هم (١) لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما أبقينا … وألقين سكينة علينا وثبت الاقدام إن لاقينا … إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله ﷺ من هذا السائق؟ قالوا عامر بن الأكوع، قال: يرحمه الله. فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به. فأتينا خيبر فناصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة. ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : ما هذه النيران على أي شئ توقدون؟ قالوا: على لحم قال: على أي لحم؟ قالوا: لحم الحمر الانسية، قال النبي ﷺ : أهريقوها واكسروها فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها فقال أو ذاك. فلما تصاف الناس كان سيف عامر قصيرا، فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه. فلما قفلوا، قال سلمة رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي قال مالك؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله قال النبي ﷺ : كذب من قاله، إن له لأجرين - وجمع بين أصبعيه - إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله (٢). ورواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل وغيره عن يزيد بن أبي عبيد مثله. ويكون منصوبا على الحالية من نكرة وهو سائغ إذا دلت على تصحيح معنى كما جاء في الحديث فصلى وراءه رجل قياما. وقد روى ابن إسحاق قصة عامر بن الأكوع من وجه آخر فقال حدثني: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع: انزل يا بن الأكوع فخذ لنا من هناتك، فقال: فنزل يرتجز لرسول الله ﷺ : والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا إنا إذا قوم بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا … وثبت الاقدام إن لاقينا فقال رسول الله ﷺ يرحمك ربك. فقال عمر بن الخطاب: وجبت يا رسول الله، لو أمتعتنا به. فقتل يوم خيبر شهيدا. ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاري. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه عن أبي معتب بن عمرو: أن رسول الله ﷺ لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: قفوا، ثم قال: اللهم رب السماوات

стр. 1449

وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، نعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ البيهقي: عن الحاكم عن الأصم عن العطاردي عن يونس بن بكير عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن صالح بن كيسان، عن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه عن جده قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر حتى إذا كنا قريبا، وأشرفنا عليها قال رسول الله ﷺ للناس: قفوا فوقف الناس فقال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله الرحمن الرحيم (١). قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار، فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول الله ﷺ حتى أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركبنا معه، وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ ، واستقبلنا عمال خيبر غادين، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش قالوا: محمد والخميس معه! فأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (٢)، قال ابن إسحاق حدثنا هارون عن حميد عن أنس بمثله. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلا وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بسماحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله. محمد والخميس! فقال رسول الله ﷺ : خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (٣). تفرد به دون مسلم. وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا أبو عيينة، حدثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: صبحنا خيبر بكرة فخرج أهلها بالمساحي فلما بصروا بالنبي ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخميس! فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادي النبي ﷺ : إن الله

стр. 1450

ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس (١). تفرد به البخاري دون مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة عن أنس قال: لما أتى النبي ﷺ خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومساحيهم فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا فرجعوا إلى حصنهم فقال النبي ﷺ الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيحين. وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: [صلى النبي] (٢) ﷺ : الصبح قريبا من خيبر بغلس، ثم قال: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فخرجوا يسعون بالسكك فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبى الذرية وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز بن صهيب لثابت: يا أبا محمد أأنت قلت لانس: ما أصدقها، فحرك ثابت رأسه تصديقا له (٣). تفرد به دون مسلم. وقد أورد البخاري ومسلم النهي عن لحوم الحمر الأهلية من طرق تذكر في كتاب الأحكام. وقد قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو طاهر الفقيه، أنبأنا حاجب (٤) بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حميد الأبيوردي، حدثنا محمد بن الفضيل (٥) عن مسلم الأعور الملائي، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، وكان يوم بني قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف وتحته إكاف من ليف. وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذي: عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، وابن ماجة: عن محمد بن الصباح عن سفيان، وعن عمر بن رافع عن جرير كلهم عن مسلم وهو ابن كيسان الملائي الأعور الكوفي عن أنس به. وقال الترمذي لا نعرفه إلا من حديثه وهو يضعف. قلت: والذي ثبت في الصحيح عند البخاري عن أنس: أن رسول الله ﷺ أجرى في رفاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس (٦) لا على حمار. ولعل

стр. 1451

هذا الحديث إن كان صحيحا محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها. والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي، حدثنا زياد بن الربيع، عن أبي عمران الجوني قال: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة فقال كأنهم الساعة يهود خيبر. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي بن أبي طالب تخلف عن رسول الله ﷺ في خيبر، وكان رمدا فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ ؟ فلحق به. فلما بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال: لأعطين الراية غدا (أو ليأخذن الراية غدا) رجل يحب الله ورسوله يفتح عليه. فنحن نرجوها. فقيل هذا علي فأعطاه ففتح عليه (١). وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن حاتم به. ثم قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال فبات الناس يدوكون (٢) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على النبي ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسل إليه فأتى فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال ﷺ أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (٣). وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة به. وفي صحيح مسلم والبيهقي من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله عليه، قال عمر: فما أحببت الامارة إلا يومئذ، فدعا عليا فبعثه ثم قال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت. قال علي: على ما أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٤) لفظ البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن المقدام، وجحش بن المثنى قالا: حدثنا إسرائيل، حدثنا عبد الله بن عصمة العجلي: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان فقال: أنا، قال:

стр. 1452

امض، ثم جاء رجل آخر فقال امض، ثم قال النبي ﷺ : والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلا لا يفر، فقال هاك يا علي. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها وقديدها. تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به، وفيه غرابة وعبد الله بن عصمة، ويقال ابن أعصم، وهكذا يكنى بأبي علوان العجلي وأصله من اليمامة سكن الكوفة وقد وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة لا بأس به، وقال أبو حاتم شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ كثيرا وذكره في الضعفاء، وقال يحدث عن الاثبات مما لا يشبه حديث الثقات حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن أبيه عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ﵁ قال: بعث النبي ﷺ أبا بكر ﵁ إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد. ثم بعث عمر ﵁ فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح. فقال رسول الله ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه وليس بفرار. قال سلمة: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك، فخرج بها والله يصول (١) يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: غلبتم وما أنزل على موسى، فما رجع حتى فتح الله على يديه. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم الأصم أنبأنا العطاردي (٢) عن يونس بن بكير عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة أخبرني أبي قال: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر، فرجع ولم يفتح له [ولما كان الغد أخذه عمر فرجع ولم يفتح له] (٣) وقتل محمود بن مسلمة، ورجع الناس، فقال رسول الله ﷺ : لأدفعن لوائي غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لن يرجع حتى يفتح الله له، فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا، فصلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة، ثم دعا باللواء وقام قائما فما منا من رجل له منزلة من رسول الله ﷺ إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنا لها ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، فدعا علي بن أبي طالب وهو يشتكي عينيه قال فمسحها ثم دفع إليه اللواء ففتح له، فسمعت عبد الله بن بريدة يقول: حدثني أبي أنه كان صاحب مرحب. قال يونس قال ابن إسحاق: كان أول حصون خيبر حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته.

стр. 1453

ثم روى البيهقي عن يونس بن بكير، عن المسيب بن مسلمة الأزدي، حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (١) فلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله ﷺ ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع، فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ثم رجع، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال لأعطينها غدا [رجلا] (٢) يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة. وليس ثم علي، فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك، فأصبح وجاء علي بن أبي طالب على بعير له حتى أناخ قريبا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري، فقال رسول الله ﷺ : مالك؟ قال: رمدت بعدك، قال ادن مني فتفل في عينه فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه جبة أرجوان حمراء، قد أخرج خملها فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاك سلاحي بطل مجرب إذا الليوث أقبلت تلهب … وأحجمت عن صولة المغلب فقال علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدره … كليث غابات شديد القسوره أكيلكم بالصاع كيل السندرة قال: فاختلفا ضربتين، فبدره علي بضربة فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة (٣). وقد روى الحافظ البزار: عن عباد بن يعقوب، عن عبد الله بن بكر، عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قصة بعث أبي بكر ثم عمر يوم خيبر ثم بعث علي فكان الفتح على يديه. وفي سياقه غرابة ونكارة وفي إسناده من هو متهم بالتشيع. والله أعلم. وقد روى مسلم والبيهقي واللفظ له: من طريق عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه فذكر حديثا طويلا وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة قال: فلم نمكث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر. قال: وخرج عامر فجعل يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

стр. 1454

ونحن من فضلك ما استغنينا … فأنزلن سكينة علينا وثبت الاقدام إن لاقينا قال فقال رسول الله ﷺ : من هذا القائل؟ فقالوا عامر. فقال غفر لك ربك. قال: وما خص رسول الله ﷺ قط أحدا به إلا استشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متعتنا بعامر. قال فقدمنا خيبر فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: فبرز له عامر ﵁ وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر … شاكي السلاح بطل مغامر قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب يسعل (١) له فرجع على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه، قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال مالك؟ فقلت قالوا: إن عامرا بطل عمله. فقال من قال ذلك؟ فقلت نفر من أصحابك. فقال: كذب أولئك بل له الاجر مرتين. قال وأرسل رسول الله ﷺ إلى علي ﵁ يدعوه وهو أرمد وقال لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله. قال: فجئت به أقوده قال: فبصق رسول الله ﷺ في عينه فبرأ فأعطاه الراية فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال فبرز له علي وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره … كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندرة (٢) قال فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله. وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق أن عليا هو الذي قتل مرحبا اليهودي لعنه الله (٣). وقال أحمد: حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثني قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عن جده عن علي قال: لما قتلت مرحبا جئت برأسه إلى رسول الله ﷺ . وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة. وكذلك

стр. 1455

قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن سهل أحد بني حارثة، عن جابر بن عبد الله قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب … إذا الليوث أقبلت تلهب إن حماي للحمى لا يقرب (١) قال: فأجابه كعب بن مالك: قد علمت خيبر أني كعب … مفرج الغماء جري صلب إذ شبت الحرب وثار الحرب … معي حسام كالعقيق عضب يطأكمو حتى يذل الصعب … بكف ماض ليس فيه عيب (٢) قال وجعل مرحب يرتجز ويقول: هل من مبارز. فقال رسول الله ﷺ من لهذا: فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور والثائر قتلوا أخي بالأمس. فقال: قم إليه، اللهم أعنه عليه. قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية (٣) من شجر العشر (٤) المسد فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه. فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها، فعضت فاستله وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله (٥). وقد رواه الإمام أحمد: عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق بنحوه. قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن محمدا ارتجز حين ضربه وقال: قد علمت خيبر أني ماض … حلو إذا شئت وسم قاض وهكذا رواه الواقدي: عن جابر وغيره من السلف: أن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا ثم ذكر الواقدي أن محمدا قطع رجلي مرحب فقال له أجهز علي. فقال: لأذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة. فمر به علي وقطع رأسه فاختصما في سلبه إلى رسول الله ﷺ فأعطى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال وكان مكتوبا على سيفه: هذا سيف مرحب … من يذقه يعطب (٦) ثم ذكر ابن إسحاق: أن أخا مرحب وهو ياسر خرج بعده وهو يقول، هل من مبارز؟

стр. 1456

فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له، فقالت أمه (١) صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابني يا رسول الله! فقال: بل ابنك يقتله إن شاء الله فالتقيا فقتله الزبير. قال فكان الزبير إذا قيل له والله إن كان سيفك يومئذ صارما يقول: والله ما كان بصارم ولكني أكرهته. وقال يونس عن ابن إسحاق [حدثني عبد الله بن الحسن] (٢) عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع علي إلى خيبر، بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل منهم من يهود، فطرح ترسه من يده، فتناول علي باب الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده. فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه. وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر الباقر عن جابر: أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وانه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. وفيه ضعف أيضا. وفي رواية ضعيفة عن جابر ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب (٣). وقال البخاري: حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة (٤). ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه عن سهل قال: التقى النبي ﷺ والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل يا رسول الله ما أجزأ منا أحد ما أجزأ فلان. قال إنه من أهل النار. فقالوا أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لأتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل إلى النبي ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله. وقال وما ذاك؟ فأخبره فقال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وأنه من أهل الجنة (٥).

стр. 1457

رواه أيضا عن قتيبة عن يعقوب عن أبي حازم عن سهل فذكره مثله أو نحوه. ثم قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: شهدنا خيبر فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدعي الاسلام هذا من أهل النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة حتى كاد بعض الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم جراحه فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله صدق الله حديثك انتحر فلان فقتل نفسه. فقال قم يا فلان فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر (١). وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري قصة العبد الأسود الذي رزقه الله الايمان والشهادة في ساعة واحدة. وكذلك رواها ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قالا: وجاء عبد حبشي أسود من أهل خيبر كان في غنم لسيده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم، قال ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه ذكر النبي فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله ﷺ فقال إلى ما تدعو؟ قال أدعوك إلى الاسلام إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﷺ وأن لا تعبدوا إلا الله. قال: فقال العبد: فماذا يكون لي إن شهدت بذلك وآمنت بالله. قال رسول الله ﷺ : الجنة إن مت على ذلك. فأسلم العبد فقال: يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله ﷺ أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصا فإن الله سيؤدي عنك أمانتك. ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها فعرف اليهودي أن غلامه أسلم. فقام رسول الله ﷺ فوعظ الناس فذكر الحديث في إعطائه الراية عليا ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا وقتل مع علي ذلك العبد الأسود فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم فأدخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط ثم اطلع على أصحابه فقال: لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير قد كان الاسلام في قلبه حقا وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين (٢) وقد روى الحافظ البيهقي: من طريق ابن وهب عن حياة بن شريح، عن ابن الهاد عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها، فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود وقال فيه: قتل شهيدا وما سجد لله سجدة. ثم قال البيهقي: حدثنا محمد بن محمد بن محمد (٣) الفقيه: حدثنا أبو بكر القطان، حدثنا

стр. 1458

أبو الأزهر، حدثنا موسى (١) بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني رجل أسود اللون قبيح الوجه لا مال لي فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال:: نعم، فتقدم فقاتل حتى قتل فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو مقتول فقال: لقد حسن الله وجهك وطيب روحك وكثر مالك وقال: لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلده وجبته. ثم روى البيهقي من طريق ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد، عن ابن أبي عمار عن شداد بن الهاد: أن رجلا من الاعراب جاء رسول الله ﷺ فآمن به واتبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ فقسمه، وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه، فقال ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ [فأخذه فجاء به النبي ﷺ فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: قسم قسمته لك] (٢) فقال: ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمي هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك. ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتى به رسول الله ﷺ يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ هو هو؟ قالوا: نعم. قال صدق الله فصدقه. وكفنه النبي ﷺ في جبة النبي ﷺ ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد (٣). وقد رواه النسائي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن ابن جريج به نحوه. فصل قال ابن إسحاق: وتدنى (٤) رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا، وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فقتله، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله ﷺ صفية فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها. قال: وفشت السبايا من خيبر في المسلمين وأكل الناس لحوم الحمر، فذكر نهي رسول الله ﷺ إياهم عن أكلها (٥). وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل فأورد النهي عنها من طرق جيدة وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا وهو مذهب الأئمة الأربعة. وقد ذهب بعض

стр. 1459

السلف منهم ابن عباس إلى إباحتها وتنوعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهي عنها فقيل لأنها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة، وقيل لأنها لم تكن خمست بعد، وقيل لأنها كانت تأكل العذرة يعني جلالة. والصحيح أنه نهى عنها لذاتها فإن في الأثر الصحيح أنه نادى منادي رسول الله ﷺ إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس فاكفئوها والقدور تفور بها. وموضع تقرير ذلك في كتاب الأحكام. قال ابن إسحاق: حدثني سلام بن كركرة عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ولم يشهد جابر خيبر: أن رسول الله ﷺ حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر، أذن لهم في لحوم الخيل. وهذا الحديث أصله ثابت في الصحيحين من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي، عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل. لفظ البخاري. قال ابن إسحاق: وحدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مكحول: أن النبي ﷺ نهاهم يومئذ عن أربع: عن إتيان الحبالى من النساء، وعن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. وهذا مرسل. وقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حسن الصنعاني قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري المغرب، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة (١)، فقام فيها خطيبا فقال: أيها الناس، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فينا يوم خيبر، قام فينا رسول الله ﷺ فقال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماء زرع غيره، يعني إتيان الحبالى من السبي، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس يوما من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه (٢). وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق. ورواه الترمذي عن حفص بن عمرو الشيباني عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ربيعة بن سليم عن بشر بن عبيد الله عن رويفع بن ثابت مختصرا. وقال حسن. وفي صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل الثوم. وقد حكى ابن حزم عن علي وشريك بن الحنبل أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثوم النئ. والذي نقله الترمذي عنهما الكراهة فالله فأعلم. وقد تكلم الناس في الحديث الوارد في الصحيحين من طريق الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن

стр. 1460

لحوم الحمر الأهلية. هذا لفظ الصحيحين من طريق مالك وغيره عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين: أحدهما أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة. الثاني: أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة عن معبد عن أبيه أن رسول الله ﷺ أذن لهم في المتعة زمن الفتح، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها وقال: إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد. ومع هذا فقد نص الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم ثم أبيح ثم حرم غير نكاح المتعة وما حداه على هذا ﵀ إلا اعتماده على هذين الحديثين كما قدمناه (١) … وقد حكى السهيلي وغيره عن بعضهم: أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات وقال آخرون أربع مرات وهذا بعيد جدا والله أعلم. واختلفوا أي وقت أول ما حرمت فقيل في خيبر وقيل في عمرة القضاء وقيل في عام الفتح وهذا يظهر وقيل في أوطاس وهو قريب من الذي قبله وقيل في تبوك وقيل في حجة الوداع. رواه أبو داود. وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي ﵁ بأنه وقع فيه تقديم وتأخير وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليا قال لابن عباس: إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر. قالوا فاعتقدنا الراوي أن قوله خيبر ظرف للمنهى عنهما وليس كذلك، إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا وإنما جمعه معه لان عليا ﵁ بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية كما هو المشهور عنه، فقال له أمير المؤمنين علي: إنك امرؤ تائه أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة. وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته آمين. ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب [إليه] من [إباحة] الحمر والمتعة، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم، وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الاسفار، وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية والوجدان وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز إلى زمن ابن جريج وبعده. وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس وهي ضعيفة وحاول بعض من صنف في الحلال نقل رواية عن الامام بمثل ذلك ولا يصح أيضا والله أعلم. وموضع تحرير ذلك في كتاب الأحكام وبالله المستعان.

стр. 1461

قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول الله ﷺ يتدنى الحصون والأموال، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم: أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شئ، فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا يعطيهم إياه، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست لهم قوة وأن ليس بيدي شئ أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غنى، وأكثرها طعاما وودكا. فغدا الناس، ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه (١). قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشر ليلة. قال ابن هشام: وكان شعارهم يوم خيبر: يا منصور أمت أمت (٢). قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان الأسدي الأسلمي عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال: إني لمع رسول الله ﷺ بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، فقال رسول الله ﷺ من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟ قال أبو اليسر: فقلت: أنا يا رسول الله قال: فافعل. قال فخرجت أشتد مثل الظليم (٣) فلما نظر إلي رسول الله ﷺ موليا قال: اللهم أمتعنا به قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن (٤)، فأخذت شاتين من أخراها، فاحتضنتهما تحت يدي، ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شئ حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ فذبحوهما فأكلوهما، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا وكان إذا حدث الحديث بكى، ثم قال: امتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم (٥). وقال الحافظ البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي أو عن أبي قلابة قال: لما قدم النبي ﷺ خيبر قدم والثمرة خضرة قال فأسرع الناس إليها، فحموا فشكوا ذلك إليه فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان (٦) ثم يجرونه عليهم إذا أتى الفجر، ويذكرون اسم الله عليه، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل. قال البيهقي ورويناه عن

стр. 1462

عبد الرحمن بن رافع موصولا وعنه بين صلاتي المغرب والعشاء (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى وبهز قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا عبد الله بن مغفل قال: دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت لا أعطي أحدا منه شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم (٢). وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل قال: كنا نحاصر قصر خيبر فألقي إلينا جراب فيه شحم، فذهبت فأخذته فرأيت النبي ﷺ فاستحيت وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة (٣). ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ، عن عثمان بن المغيرة. وقال ابن إسحاق: وحدثني من لا اتهم عن عبد الله بن مغفل المزني قال: أصبت من فئ خيبر جراب شحم، قال: فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي، قال: فلقيني صاحب المغانم، الذي جعل عليها فأخذ بناحيته وقال: هلم حتى نقسمه بين المسلمين، قال: وقلت لا والله لا أعطيكه قال: وجعل يجاذبني الجراب قال: فرآنا رسول الله ﷺ ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم: خل بينه وبينه، قال: فأرسله فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه. وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الامام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود وما كان غلبهم عليه غيرهم من المسلمين لان الله تعالى قال: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال لكم. قال وليس هذا من طعامهم فاستدلوا عليه بهذا الحديث وفيه نظر وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم والله أعلم. وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس ويعضد ذلك ما رواه الإمام أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قلت: كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله ﷺ فقال أصبنا طعاما يوم خيبر وكان الرجل يجئ فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف. تفرد به أبو داود وهو حسن (٤). ذكر قصة صفية بنت حيي النضرية كان من شأنها أنه لما أجلى رسول الله ﷺ يهود بني النضير من المدينة كما تقدم، فذهب عامتهم إلى خيبر وفيهم حيي بن أخطب وبنو أبي الحقيق، وكانوا ذوي أموال وشرف في قومهم وكانت صفية إذ ذاك طفلة دون البلوغ، ثم لما تأهلت للتزويج تزوجها بعض بني عمها فلما زفت إليه، وأدخلت إليه بنى بها ومضى على ذلك ليالي رأت في منامها كأن قمر السماء قد سقط في حجرها فقصت رؤياها على ابن عمها فلطم وجهها وقال أتتمنين ملك يثرب أن يصير بعلك. فما

стр. 1463

كان إلا مجئ رسول الله ﷺ وحصاره إياهم فكانت صفية في جملة السبي وكان زوجها في جملة القتلى. ولما اصطفناها رسول الله ﷺ وصارت في حوزه وملكه كما سيأتي، وبنى بها بعد استبرائها وحلها، وجد أثر تلك اللطمة في خدها فسألها ما شأنها، فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصالحة ﵂ وأرضاها. قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: صلى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فخرجوا يسعون في السكك فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها. ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن زيد وله طرق عن أنس. وقال البخاري: حدثنا آدم عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سبى النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها. قال ثابت لانس ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها، فأعتقها تفرد به البخاري من هذا الوجه (١). وقال البخاري: حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، ح. وحدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك قال: قدمنا خيبر فلما فتح ﷺ الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغ بها سد الصهباء حلت، فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال لي: آذن من حولك فكانت تلك وليمته على صفية. ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب (٢). تفرد به دون مسلم. وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول: أقام رسول الله ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولحم وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالأنطاع فبسطت فألقي عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وان لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب (٣). انفرد به البخاري. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله ﷺ . وقال أبو داود: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية، عن

стр. 1464

عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جمع السبي - يعني بخيبر - فجاء دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي قال: اذهب فخذ جارية. فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا نبي الله أعطيت دحية قال يعقوب صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك. قال: ادعوا بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال خذ جارية من السبي غيرها، وإن رسول الله ﷺ أعتقها وتزوجها. وأخرجاه من حديث ابن علية. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن خلاد الباهلي حدثنا بهز بن أسد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت عن أنس قال: وقع في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سلمة تصنعها وتهيئها قال حماد: وأحسبه قال وتعتد في بيتها صفية بنت حيي. تفرد به أبو داود. قال ابن إسحاق: فلما افتتح رسول الله ﷺ القموص، حصن بني أبي الحقيق، أتي بصفية بنت حيي بن أخطب وأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت، وصكت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله ﷺ قال: أعزبوا عني هذه الشيطانة. وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه. وقال رسول الله ﷺ لبلال - فيما بلغني حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال، حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟ وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا " إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا، فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها. فأتي بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه، فسألها ما هذا، فأخبرته الخبر. قال ابن إسحاق: وأتي رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه. فأتى رسول الله ﷺ رجل (١) من اليهود فقال لرسول الله ﷺ : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك؟ قال: نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده. وكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة (٢). فصل قال ابن إسحاق وحاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا

стр. 1465

أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيرهم (١) وأن يحقن دماءهم ففعل، وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ [يسألونه] أن يسيرهم، ويحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل. وكان ممن مشى بين رسول الله ﷺ وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وعامل أهل فدك بمثل ذلك. فصل فتح حصونها وقسيمة أرضها قال الواقدي لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ إلى قلعة الزبير حاصرهم رسول الله ﷺ ثلاثة أيام فجاء رجل من اليهود يقال له غزال (٢) فقال: يا أبا القاسم، تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق، فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك؟ قال: فأمنه رسول الله ﷺ على أهله وماله، فقال له اليهودي: إنك لو أقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا بك، إن لهم تحت الأرض دبولا (٣) يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم. فأمر رسول الله ﷺ بقطع دبولهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود عشرة وافتتحه رسول الله ﷺ وكان آخر حصون النطاة. وتحول إلى الشق وكان به حصون ذوات عدد، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي، فقام رسول الله ﷺ على قلعة يقال لها سموان (٤) فقاتل عليها أشد القتال فخرج منهم رجل يقال له عزول (٥) فدعا إلى البراز، فبرز إليه الحباب بن المنذر فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ووقع السيف من يده وفر اليهودي راجعا فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه وبرز منهم آخر، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله اليهودي فنهض إليه أبو دجانة فقتله، وأخذ سلبه وأحجموا عن البراز، فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، وأمامهم أبو دجانة فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما وهرب من كان فيه

стр. 1466

من المقاتلة، وتقحموا الجزر كأنهم الضباب (١) حتى صاروا إلى حصن البزاة (٢) بالشق وتمنعوا أشد الامتناع، فزحف إليهم رسول الله ﷺ وأصحابه فتراموا ورمى معهم رسول الله ﷺ بيده الكريمة حتى أصاب نبلهم بنانه ﵊ فأخذ ﵇ كفا من الحصا فرمى حصنهم بها فرجف بهم حتى ساخ في الأرض وأخذهم المسلمون أخذا باليد. قال الواقدي: ثم تحول رسول الله ﷺ إلى أهل الأخبية (٣) والوطيح والسلالم حصني [ابن] (٤) أبي الحقيق وتحصنوا أشد التحصن، وجاء إليهم كل من كان انهزم من النطاة إلى الشق فتحصنوا معهم في القموص وفي الكتيبة وكان حصنا منيعا، وفي الوطيح والسلالم، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم حتى هم رسول الله ﷺ أن ينصب المنجنيق عليهم، فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله ﷺ أربعة عشر يوما نزل إليه ابن أبي الحقيق فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من الأرض والأموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البز، إلا ما كان على ظهر إنسان - يعني لباسهم - فقال رسول الله ﷺ وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتم شيئا فصالحوه على ذلك (٥). قلت: ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفوا ذلك المسك (٦) الذي كان فيه أموال جزيلة تبين أنه لا عهد لهم فقتل ابني أبي الحقيق وطائفة من أهله بسبب نقض العهود منهم والمواثيق. وقال الحافظ البيهقي: حدثني أبو الحسن علي بن محمد المقري الأسفرايني، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبيد الله بن عمر فيما يحسب أبو سلمة عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء [والحلقة] ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ حينئذ [لعم حيي]: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير

стр. 1467

فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد إجلاءهم منهما، فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه [غلمان] (١) يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشئ ما بدا لرسول الله ﷺ . وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها (٢) عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. قال فرأى رسول الله ﷺ بعين صفية خضرة فقال: يا صفية ما هذه الخضرة؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة فرأيت كأن قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تتمنين ملك يثرب. قالت: وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلي قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إلي ويقول إن أباك ألب علي العرب، وفعل ما فعل حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير، فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها فقسمها بينهم. فقال رئيسهم لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله ﷺ وأبو بكر. فقال عمر: أتراني سقط علي قول رسول الله ﷺ كيف بك إذا وقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية. وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة. قال البيهقي: وعلقه البخاري في كتابه فقال: ورواه حماد بن سلمة (٣). قلت: ولم أره في الأطراف فالله أعلم وقال أبو داود: وحدثني سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن نقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها فقال رسول الله ﷺ أقركم فيها على ذلك ما شئنا، فكانوا على ذلك وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله ﷺ

стр. 1468

الخمس، وكان أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق من تمر وعشرين وسقا من شعير. فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل إلى أزواج النبي ﷺ فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لها مائة وسق فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها ومن الزرع مزرعة عشرين وسقا من شعير فعلنا، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا. وقد روى أبو داود: من حديث محمد بن إسحاق حدثني نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر قال أيها الناس إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء فمن كان له مال فليلحق به فإني مخرج يهود. فأخرجهم. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ فقلنا أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك. فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد. قال جبير بن مطعم ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا. تفرد به دون مسلم. وفي لفظ أن رسول الله ﷺ قال: إن بني هاشم وبني عبد المطلب شئ واحد، انهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام (١). قال الشافعي دخلوا معهم في الشعب وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم. قلت وقد ذم أبو طالب بني عبد شمس ونوفلا حيث يقول: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل وقال البخاري: حدثنا الحسن بن إسحاق، ثنا محمد بن ثابت، ثنا زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما. قال فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه فرس فله سهم (٢). وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا (٣) ليس لهم شئ ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ ، خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها. وقد رواه البخاري أيضا من حديث مالك. وأبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر به. وهذا السياق يقتضي أن خيبر بكمالها قسمت بين الغانمين. وقد قال أبو داود: ثنا ابن السرح، أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال:

стр. 1469

بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله افتتح خيبر عنوة بعد القتال وترك من ترك من أهلها [على الجلاء] بعد القتال، وبهذا قال الزهري خمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها. وفيما قاله الزهري نظر فإن الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم وإنما قسم نصفها بين الناس كما سيأتي بيانه، وقد احتج بهذا مالك ومن تابعه على أن الامام مخير في الأراضي المغنومة إن شاء قسمها وإن شاء أرصدها لمصالح المسلمين وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح. قال أبو داود (١): حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا أسد بن موسى حدثنا يحيى بن زكريا، حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين، نصفا لنوائبه، ونصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما. تفرد به أبو داود، ثم رواه أبو داود من حديث بشير بن يسار مرسلا فعين نصف النوائب الوطيح والكتيبة والسلالم وما حيز معها، ونصف المسلمين الشق والنطاة وما حيز معهما وسهم رسول الله ﷺ فيما حيز معهما (٢). وقال أيضا: حدثنا حسين بن علي ثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. تفرد به أبو داود (٣). قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري سمعت أبي يعقوب بن مجمع يقول، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن - قال قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما (٤). تفرد به أبو داود. وقال مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن النبي ﷺ افتتح بعض خيبر عنوة. ورواه أبو داود ثم قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد أخبركم ابن وهب: حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب أن خيبر بعضها كان عنوة وبعضها صلحا والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح، قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق (٥). قال أبو داود والعذق النخلة. والعذق العرجون. ولهذا قال البخاري: حدثنا محمد بن

стр. 1470

بشار ثنا حرمي، ثنا شعبة ثنا عمارة، عن عكرمة عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر. حدثنا الحسن ثنا قرة بن حبيب ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال: ما شبعنا - يعني من التمر - حتى فتحنا خيبر. وقال محمد بن إسحاق: كانت الشق والنطاة في سهمان المسلمين الشق ثلاثة عشر سهما ونطاة خمسة أسهم قسم الجميع على ألف وثمانمائة سهم ودفع ذلك إلى من شهد الحديبية من حضر خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد الله فضرب له بسهمه (١)، قال وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان فصرف إلى كل مائة رجل سهم من ثمانية عشر سهما، وزيد المائتا فارس أربعمائة سهم لخيولهم (٢). وهكذا رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان أنهم كانوا ألفا وأربعمائة معهما مائتا فرس (٣). قلت: وضرب رسول الله ﷺ معهم بسهم وكان أول سهم من سهمان الشق مع عاصم ابن عدي. قال ابن إسحاق: وكانت الكتيبة خمسا لله تعالى وسهم للنبي ﷺ وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعمة أزواج النبي ﷺ وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك، منهم محيصة بن مسعود أقطعه رسول الله ﷺ ثلاثين وسقا من تمر وثلاثين وسقا من شعير، قال وكان وادياها اللذان قسمت عليه يقال لهما: وادي السرير ووادي خاص (٤). ثم ذكر ابن إسحاق تفاصيل الاقطاعات منها فأجاد وأفاد ﵀. قال وكان الذي ولي قسمتها وحسابها جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة وزيد بن ثابت ﵄. قلت: وكان الأمير على خرص نخيل خيبر عبد الله بن رواحة فخرصها سنتين، ثم لما قتل ﵁ كما سيأتي في يوم مؤتة ولي بعده جبار بن صخر (٥) ﵁ وقد قال البخاري: حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب، فقال رسول صلى الله عليه وآله " أكل تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا

стр. 1471

بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال " لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ". قال البخاري: وقال الدراوردي عن عبد المجيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه: أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر وأمره عليها، وعن عبد المجيد عن أبي صالح السمان عن أبي سعيد وأبي هريرة مثله. قلت: كان سهم النبي ﷺ الذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه. وأموال بني النضير المتقدم ذكرها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت هذه الأموال لرسول الله ﷺ خاصة وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلما مات صلوات الله وسلامه عليه اعتقدت فاطمة وأزواج النبي ﷺ أو أكثرهن - أن هذه الأراضي تكون موروثة عنه ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله ﷺ " نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة " ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي ﷺ والعباس نصيبهم من ذلك وسألوا الصديق أن يسلمه إليهم، وذكر لهم قول رسول الله ﷺ " لا نورث ما تركنا صدقة " وقال: أنا أعول من كان يعول رسول الله ﷺ والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وصدق ﵁ وأرضاه فإنه البار الراشد في ذلك التابع للحق، وطلب العباس وعلي على لسان فاطمة إذ قد فاتهم الميراث أن ينظرا في هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي ﷺ يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله ﷺ وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سننه. فتغضبت فاطمة ﵂ عليه في ذلك ووجدت في نفسها بعض الموجدة ولم يكن لها ذلك. والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله ﷺ وقيامه في نصرة النبي ﷺ في حياته وبعد وفاته فجزاه الله عن نبيه وعن الاسلام وأهله خيرا، وتوفيت فاطمة ﵂ بعد ستة أشهر ثم جدد على البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى علي والعباس وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ففعل عمر ﵁ ذلك، وذلك لكثرة اشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته، فتغلب على علي عمه العباس فيها ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة وسألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع وخشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث، وقال: انظرا فيها وأنتما جميع فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، والذي تقوم السماء والأرض بأمره لا أقضي فيها قضاء غير هذا. فاستمرا فيها ومن بعدهما إلى ولدهما إلى أيام بني العباس تصرف في المصارف التي كان رسول الله ﷺ ، يصرفها فيها، أموال بني النضير وفدك وسهم رسول الله ﷺ من خيبر.

стр. 1472

فصل وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء فرضخ (١) لهم رسول الله ﷺ شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا بشر بن الفضل، عن محمد بن زيد حدثني عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله ﷺ فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك فأمر لي بشئ من طريق (٢) المتاع. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن بشر بن المفضل به وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه ابن ماجة عن علي بن محمد عن وكيع عن هشام بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر عن منقذ عن عمير به. وقال محمد بن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء فرضخ لهن [من الفئ] (٣) ولم يضرب لهن بسهم. حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي، قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال " على بركة الله " قالت فخرجنا معه، قالت وكنت جارية حدثة السن، فأردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، [قالت فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله، قالت] (٣) وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحيت. فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال " مالك؟ لعلك نفست " قالت: قلت: نعم، قال " فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك " قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفئ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا. وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها، قالت: وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث محمد بن إسحاق به. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه ورواه الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم

стр. 1473

علي بنت أبي الحكم عن أمية بنت [قيس بن] (١) أبي الصلت عن النبي ﷺ به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، ثنا رافع بن سلمة الأشجعي حدثني حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت: فبلغ النبي ﷺ أن معه نساء، قالت فأرسل إلينا فدعانا. قالت: فرأينا في وجهه الغضب فقال " ما أخرجكن وبأمر من خرجتن؟ " قلنا خرجنا نناول السهام ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله. قال فمرن فانصرفن، قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال، فقلت لها يا جدة وما الذي أخرج لكن؟ قالت تمرا. قلت: إنما أعطاهن من الحاصل، فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام الرجال فلا! والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي وفي كتابي عن أبي عبد الله الحافظ بأن عبد الله الأصبهاني أخبره حدثنا الحسن (٢) بن الجهم، ثنا الحسين بن الفرج، ثنا الواقدي: حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه عن جده عن عبد الله بن أنيس قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ومعي زوجتي وهي حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال لي " انقع لها تمرا فإذا انغمر فأمر به لتشربه " ففعلت فما رأت شيئا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم لهن، فأجدى (٣) زوجتي وولدي الذي ولد، قال عبد السلام: لست أدري غلام أو جارية (٤). ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومسلمو الحبشة المهاجرون قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، ثنا يزيد بن عبد الله (٥) " عن أبي بردة عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين (٦) أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى

стр. 1474

النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء ابنة عميس، قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء نعم! قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا قالت قال " فما قلت له؟ " قالت: قلت: كذا وكذا، قال " ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان " قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني ارسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به افرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث مني. وقال أبو بردة: عن أبي موسى قال النبي ﷺ " إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم بن حزام إذا لقي العدو أو قال الخيل - قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم " (١). وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وعبد الله بن براد عن أبي أسامة به. ثم قال البخاري: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا حفص بن غياث ثنا [بريد بن عبد الله عن] (٢) أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لاحد لم يشهد الفتح غيرنا. تفرد به البخاري دون مسلم. ورواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث يزيد به. وقد ذكر محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي ﷺ خيبر. قال: وقد ذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح عن الشعبي أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال " ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " (٣). وهكذا رواه سفيان الثوري عن الأجلح عن الشعبي مرسلا. وأسند البيهقي من طريق حسن بن حسين العرزمي عن الأجلح عن الشعبي عن جابر قال: لما قدم رسول الله ﷺ من خيبر قدم جعفر من الحبشة، فتلقاه وقبل جبهته وقال " والله ما أدري بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " ثم قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسين بن أبي إسماعيل العلوي، ثنا أحمد

стр. 1475

ابن محمد البيروتي، ثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة، حدثني مكي بن إبراهيم الرعيني، ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله ﷺ ، فلما نظر جعفر إليه حجل - قال مكي: يعني مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله ﷺ ، فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه. ثم قال البيهقي: في إسناده من لا يعرف إلى الثوري (١). قال ابن إسحاق: وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة إلى أن قدموا معه خيبر: ستة عشر رجلا، وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم، جعفر بن أبي طالب الهاشمي، وامرأته أسماء بنت عميس، وابنه عبد الله ولد بالحبشة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وامرأته أمينة (٢) بنت خلف بن أسعد، وولداه سعيد، وأمة بنت خالد ولدا بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص (٣) ومعيقيب بن أبي فاطمة وكان إلى آل سعيد بن العاص، قال وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة، وأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد الأسدي، وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل العبدري، وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بأرض الحبشة، وابنه عمرو، وابنته خزيمة ماتا بها (٤) ﵏، وعامر بن أبي وقاص الزهري، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث رحمها الله، وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي، ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بني سهم، ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدوي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان، ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي، والحارث بن عبد شمس (٥) بن لقيط الفهري. قلت: ولم يذكر ابن إسحاق أسماء الأشعريين الذين كانوا مع أبي موسى الأشعري وأخويه أبا بردة وأبا رهم وعمه أبا عامر، بل لم يذكر من الأشعريين غير أبي موسى ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه كما تقدم في صحيح البخاري. وكأن ابن إسحاق ﵀ لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك والله أعلم. قال: وقد كان معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك من المسلمين هنالك. وقد حرر هاهنا شيئا كثيرا حسنا. قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان سمعت الزهري وسأله إسماعيل بن أمية قال أخبرني عنبسة بن سعيد: أن أبا هريرة أتى رسول الله ﷺ
следующие страницы →