← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

" أما حقي منها فلك " فقال الرجل: أما إذا بلغ الامر فيها فلا حاجة لي بها فرمى بها من يده. وهذا السياق يقتضي أنه ﵇ رد إليهم سبيهم قبل القسمة كما ذهب إليه محمد بن إسحاق ابن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره. وفي صحيح البخاري: من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله ﷺ " معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال؟ وقد كنت استأنيت بكم " وكان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حنى قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال " أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ الله علينا فليفعل " فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال لهم " إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا. فهذا ما بلغنا عن سبي هوازن (١). ولم يتعرض البخاري لمنع الأقرع وعيينة وقومهما بل سكت عن ذلك والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت. وروى البخاري: من حديث الزهري أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله ﷺ يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله ﷺ ثم قال " أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا " تفرد به البخاري. وقال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي: أن رسول الله ﷺ أعطى علي ابن أبي طالب جارية، يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبد الله. وقال ابن إسحاق: فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال: بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح، ليصلحوا لي منها ويهيؤوها حتى أطوف بالبيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فجئت من المسجد حين فرغت، فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا، قلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح فاذهبوا فخذوها فذهبوا إليها فأخذوها (٢). قال ابن إسحاق:

стр. 1647

وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أوى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها، فلما رد رسول الله ﷺ السبايا بست فرائض (١) أبي أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (٢)، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة فردها بست فرائض قال الواقدي: ولما قسم رسول الله ﷺ الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة (٣). وقال سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن رجلا ممن شهد حنين قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله ﷺ على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله ﷺ ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال: " أوجعتني فتأخر عني " فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله ﷺ يلتمسني قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله ﷺ بالأمس، قال فجئته وأنا أتوقع فقال " إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لأعوضك منها " فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني، والمقصود من هذا أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره، وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبي وركب علقت الاعراب برسول الله ﷺ يقولون له أقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال " ردوا علي ردائي أيها الناس فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا " كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه. وكأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نساءهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها ﵊ بالجعرانة كما أمره الله وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم فعتب عليه أناس من الأنصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطبيبا لقلوبهم، وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذي الخويصرة وأشباهه قبحه الله كما سيأتي تفصيله وبيانه في الأحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان. قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقول: ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال:

стр. 1648

فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف (١) وعلى مجنبة (٢) خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوذ (٣) خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ يا للمهاجرين (٤) يا للمهاجرين يا للأنصار؟ - قال أنس هذا حديث عمية (٥) - قال قلنا لبيك يا رسول الله قال: وتقدم رسول الله ﷺ ، قال وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة، قال فنزلنا فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل المائتين، قال فتحدث الأنصار بينها أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه؟! فرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه ثم قال " لا يدخلن علي إلا أنصاري - أو الأنصار " قال فدخلنا القبة حتى ملأناها قال نبي الله ﷺ " يا معشر الأنصار " أو كما قال " ما حديث أتاني؟ " قالوا ما أتاك يا رسول الله قال " ما حديث أتاني " قالوا ما أتاك يا رسول الله، قال " ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله، قال فرضوا أو كما قال (٦) وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما كانوا في اثني عشر ألفا، وقوله إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة فالله أعلم. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام، ثنا معمر، عن الزهري حدثني أنس بن مالك قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي ﷺ يعطي رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم،

стр. 1649

فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال " ما حديث بلغني عنكم؟ " قال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ " فإني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا: يا رسول الله قد رضينا فقال لهم النبي ﷺ " فستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " قال أنس: فلم يصبروا (١). تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه البخاري ومسلم: من حديث ابن عون (٢) عن هشام بن زيد، عن جده أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا فقال " يا معشر الأنصار " قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك. فنزل رسول الله ﷺ فقال " أنا عبد الله ورسوله " فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا، فقالوا، فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال " أما ترضون أن تذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله؟ " ﷺ [قالوا بلى] فقال رسول الله ﷺ " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ". وفي رواية للبخاري من هذا الوجه قال لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بن عمهم وذراريهم ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال " يا معشر الأنصار؟ " قالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال " يا معشر الأنصار؟ " فقالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: " أنا عبد الله ورسوله " فانهزم المشركون، وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء. ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال " يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني؟ " فسكتوا فقال " يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى، فقال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ". قال هشام: قلت يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك؟ قال وأين أغيب عنه (٣) ثم رواه البخاري ومسلم أيضا: من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار فقال " إن

стр. 1650

قريشا حديثوا (١) عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى، قال " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار " (٢) وأخرجاه أيضا: من حديث شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم، والغنائم تقسم فيهم، فخطبهم وذكر نحو ما تقدم. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال " فيكم أحد من غيركم؟ " قالوا لا إلا أبن أختنا، قال " ابن أخت القوم منهم " ثم قال " أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، قال " أنتم الشعار والناس الدثار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى دياركم؟ " قالوا: بلى، قال " الأنصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار " (٣) وقال: قال حماد: أعطى مائة من الإبل فسمى كل واحد من هؤلاء. تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال " أفلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا فأويناك، ومخذولا فنصرناك؟ " قالوا بل لله المن علينا ولرسوله. وهذا إسناد ثلاثي على شرط الصحيحين فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك. وقد روي عن غيره من الصحابة. قال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصيبهم. ما أصاب الناس، فخطبهم فقال " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن،

стр. 1651

قال " لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار والناس دثار (١)، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ". ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازني به وقال يونس بن بكير، عن محمد ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أصاب رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش، وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم؟ فقال " فيم؟ " قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شئ، فقال رسول الله ﷺ " فأين أنت من ذلك يا سعد؟ " قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، قال: فقال رسول الله ﷺ " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فاعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فاذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا: بلى ثم قال رسول الله ﷺ " ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ " قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله قال: " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك " فقالوا: المن لله ولرسوله فقال رسول الله ﷺ " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب (٢) الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار (٣)، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " قال:

стр. 1652

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا (١). وهكذا رواه الإمام أحمد: من حديث ابن إسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح وقد رواه الإمام أحمد: عن يحيى بن بكير، عن الفضل بن مرزوق، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال رجل من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الأمور قد آثر عليكم، قال فردوا عليه ردا عنيفا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها قالوا: بلى يا رسول الله، قال " وكنتم لا تركبون الخيل " وكلما قال لهم شيئا قالوا: بلى يا رسول الله ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم. تفرد به أحمد أيضا. وهكذا رواه الإمام أحمد منفردا به من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بنحوه ورواه أحمد أيضا عن موسى بن عقبة عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مختصرا. وقال سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن جده رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين مائة من الإبل، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة. وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة. وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، ولم يبلغ به أولئك فأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع (٢) فما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرئ … فلم أعط شيئا ولم أمنع قال فأتم له رسول الله ﷺ مائة. رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه وهذا لفظ البيهقي (٣) وفي رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن إسحاق فقال: كانت نهابا تلافيتها … بكري على المهر في الأجرع (٤) وإيقاظي الحي أن يرقدوا … إذا هجع الناس لم أهجع

стр. 1653

فأصبح نهي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرئ … فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفايل أعطيتها … عديد قوائمها الأربع (١) وما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع (٢) وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع (٣) قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال له " أنت القائل أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ " فقال أبو بكر: ما هكذا قال يا رسول الله ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغي لك، فقال " كيف قال؟ " فأنشده أبو بكر فقال رسول الله ﷺ "هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت" ثم قال رسول الله ﷺ " اقطعوا عني لسانه" فخشي بعض الناس أن يكون أراد المثلة به وإنما أراد النبي ﷺ العطية، قال وعبيد فرسه (٤)، وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة عن أبي موسى قال: كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة (٥) ومعه بلال، فأتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له "أبشر" فقال: قد أكثرت على من أبشر! فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال"رد البشرى فاقبلا أنتما" ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ثم قال: " اشربا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا " فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما. فأفضلا لها منه طائفة. هكذا رواه. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وقد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول الله ﷺ يومئذ مائة من الإبل وهم: أبو سفيان صخر بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث (٦) بن كلدة أخو بني عبد

стр. 1654

الدار، وعلقمة بن علاثة، والعلاء بن حارثة (١) الثقفي حليف بني زهرة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم (٢)، ومالك بن عوف النصري، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وعيينة بن حصن، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس، قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن قائلا قال لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري (٣)؟! فقال رسول الله ﷺ " أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكن تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه " ثم ذكر ابن إسحاق من أعطاه رسول الله ﷺ دون المائة ممن يطول ذكره. وفي الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال: ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه. قدوم مالك بن عوف النصري على الرسول قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال " أخبروه إنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل " فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة (٤). أو بمكة - فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه أهله وماله ولما أعطاه مائة فقال مالك بن عوف ﵁: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى … ومتى تشأ يخبرك عما في غد (٥) وإذا الكتيبة عردت أنيابها … بالسمهري وضرب كل مهند (٦) فكأنه ليث على أشباله … وسط الهباءة خادر في مرصد (٧) قال واستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه وتلك القبائل ثمالة وسلمة

стр. 1655

وفهم (١)، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرج إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم. وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن حدثني عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال " إني أعطى قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب " قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم، زاد أبو عاصم عن جرير: سمعت الحسن ثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتي بمال أو سبي - فقسمه بهذا. وفي رواية للبخاري قال: أتي رسول الله بمال - أو بشئ - فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " أما بعد " فذكره مثله سواء. تفرد به البخاري وقد ذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت ﵁ قال فيما كان من أمر الأنصار وتأخرهم عن الغنيمة: ذر الهموم (٢) فماء العين منحدر … سحا إذا حفلته عبرة درر وجدا بشماء إذ شماء بهكنة … هيفاء لا ذنن فيها ولا خور (٣) دع عنك شماء إذ كانت مودتها … نزرا وشر وصال الواصل النزر وائت الرسول وقل يا خبر مؤتمن … للمؤمنين إذا ما عدد (٤) البشر علام تدعى سليم وهي نازحة … قدام قوم هموا آووا وهم نصروا (٥) سماهم الله أنصارا بنصرهم … دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترضوا … للنائبات وما خانوا وما ضجروا والناس إلب علينا فيك ليس لنا (٦) … إلا السيوف وأطراف القناوزر تجالد الناس لا نبقي على أحد … ولا نضيع ما توحي به السور ولا تهز جناة الحرب نادينا (٧) … ونحن حين تلظى نارها سعر كما رددنا ببدر دون ما طلبوا … أهل النفاق وفينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد … إذ حزبت بطرا أحزابها مضر فما ونينا وما خمنا وما خبروا … منا عثارا وكل الناس قد عثروا

стр. 1656

اعترض بعض أهل الشقاق على الرسول قال البخاري: ثنا قبيصة ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: لما قسم النبي ﷺ قسمة حنين قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله، قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فتغير وجهه ثم قال " رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ". ورواه مسلم من حديث الأعمش به. ثم قال البخاري ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسا، أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله. فقلت: لأخبرن النبي ﷺ ، [فأخبرته] (١) فقال " رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ". وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به. وفي رواية البخاري: فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ فأتيته فأخبرته فقال " من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " (٢). وقال محمد ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم، أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثي، حتى أتينا عبد الله بن عمرو ابن العاص، وهو يطوف بالبيت، معلقا نعله بيده، فقلنا له هل حضرت رسول الله ﷺ حين كلمه التميمي يوم حنين؟ قال: نعم جاء رجل من بني تميم، يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ " أجل فكيف رأيت؟ " قال لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي ﷺ فقال " ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ " فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال " دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل، فلا يوجد شئ ثم في القدح فلا يوجد شئ، ثم في الفوق، (٣) فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم " وقال الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: " ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل " فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل

стр. 1657

هذا المنافق؟ فقال " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية " (١) ورواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث. وقال أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا قرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم مغانم حنين إذ قام إليه رجل فقال اعدل، فقال " لقد شقيت إذ لم أعدل " (٢) ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن قرة بن خالد السدوسي به. وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ " ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت، إذ لم أعدل فمن يعدل؟ " فقال عمر ابن الخطاب: يا رسول الله إيذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال رسول الله ﷺ " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدر در ويخرجون على حين فرقة من الناس " قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فألتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت (٣). ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد به نحوه. مجئ أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة عليه بالجعرانة قال ابن إسحاق: وحدثني بعض بني سعد بن بكر: أن رسول الله ﷺ قال يوم هوازن " إن قدرتم على نجاد (٤) - رجل من بني سعد بن بكر - فلا يفلتنكم " وكان قد أحدث حدثا، فلما

стр. 1658

ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، قال: فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين: تعلمون والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة؟ فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدي - هو أبو وجزة - قال: فلما انتهي بها إلى رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله إني أختك من الرضاعة، قال: " وما علامة ذلك؟ " قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، قال: فعرف رسول الله ﷺ العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال " إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت؟ " قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله ﷺ وردها إلى قومها، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية (١). وروى البيهقي من حديث الحكم بن عبد الملك، عن قتادة قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أنا أختك أنا شيماء بنت الحارث، فقال لها " إن تكوني صادقة فإن بك مني أثر لا يبلى " قال: فكشف عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله [حملتك] (٢) وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، قال: فبسط لها رسول الله ﷺ رداءه، ثم قال " سلي تعطي واشفعي تشفعي ". وقال البيهقي: أنبأ أبو نصر ابن قتادة، أنبأ عمرو بن إسماعيل بن عبد السلمي ثنا مسلم (٣) ثنا أبو عاصم ثنا جعفر بن يحيى ابن ثوبان أخبرني عمي عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله ﷺ يقسم نعما بالجعرانة، قال: فجاءته امرأة فبسط لها رداءه، فقلت: من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته (٤). هذا حديث غريب ولعله يريد أخته وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا فان من وقت أرضعت رسول الله ﷺ إلى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته ﷺ ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك، وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبو يه من الرضاعة قدما عليه والله أعلم بصحته. قال أبو داود في المراسيل (٥) ثنا أحمد بن سعيد الهمداني، ثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق

стр. 1659

ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه، وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بني سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن، فقال خطيبهم زهير بن صرد: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك وقال فيما قال: أمنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك يملؤه من محضها درر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم فعادت فواضله ﵇ عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما. وقد ذكر الواقدي: عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال: كان النضير بن الحارث بن كلدة من أجمل الناس فكان يقول: الحمد لله الذي من علينا بالاسلام، ومن علينا بمحمد ﷺ ، ولم نمت على ما مات عليه الآباء، وقتل عليه الاخوة، وبنو العم. ثم ذكر عداوته للنبي ﷺ وأنه خرج مع قومه من قريش إلى حنين وهم على دينهم بعد، قال ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه فلم يمكنا ذلك، فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله ﷺ فقال " أنضير؟ " قلت لبيك، قال " هلك لك إلى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه؟ " قال فأقبلت إليه سريعا فقال " قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع " قلت قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال رسول الله ﷺ " اللهم زده ثباتا " قال النضير: فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين، وتبصرة بالحق. فقال رسول الله ﷺ " الحمد لله الذي هداه " (١). عمرة الجعرانة في ذي القعدة قال الإمام أحمد: ثنا بهز وعبد الصمد المعنى قالا: ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات. عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة، حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته (٢). ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله

стр. 1660

ﷺ أربع عمر، عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار به. وحسنه والترمذي. وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الجحر. (الحجر) غريب من هذا الوجه وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة وإن أراد ابتداء الاحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية لأنه صد عنها ولم يفعلها. والله أعلم. قلت: وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله ﷺ اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري: ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به، قال وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال فمن رسول الله ﷺ على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا؟ قال من رسول الله ﷺ على السبي، قال اذهب فأرسل الجاريتين. قال نافع: ولم يعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله، وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر به. ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد ابن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها. وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وذكر ذلك أصحاب المغازي والسنن كلهم. وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله إن رسول الله ﷺ اعتمر في رجب وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط. وقال الإمام أحمد: ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش، عن مجاهد قال سأل عروة بن الزبير ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ : قال في رجب فسمعتنا عائشة فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر عمرة قط إلا في ذي القعدة، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبي إسحاق عن مجاهد سئل ابن عمركم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال مرتين، فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع. قال الإمام أحمد ثنا يحيى بن آدم، ثنا مفضل، عن منصور عن مجاهد قال: دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس

стр. 1661

يصلون الضحى، فقال عروة: أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة؟ قال بدعة، فقال له عروة أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله؟ فقال أربعا إحداهن في رجب، قال وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب؟ فقلت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط (١). وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور وقال حسن صحيح غريب. وقال الإمام أحمد: ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي: أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضي عمرته، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق - طريق المدينة - بسرف قال مخرش: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس (٢). ورواه الإمام أحمد: عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج كذلك وهو من إفراده والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها والله أعلم. ثم وهم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين، وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير قائلا: حدثنا الحسن بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا وفي إسناده نظر والله أعلم. وقال البخاري: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا إسماعيل، ثنا ابن جريج أخبرني عطاء أن صفوان ابن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه، قال فبينا رسول الله ﷺ بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه اعرابي عليه جبة متضمخ بطيب، قال فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده، أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي ﷺ محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال " أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ " فالتمس الرجل فأتي به، قال " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى ن أمية به. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو أسامة، أنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى. وقال أبو داود: ثنا موسى أبو سلمة، ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من

стр. 1662

الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. تفرد به أبو داود ورواه أيضا وابن ماجة من حديث ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس مختصرا. وقال الامام: أحمد ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن مسلم، عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص أو قال: رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به. ورواه مسلم أيضا: من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس عن معاوية به. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة. والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله ﷺ بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه ﵇ بها تلك الثلاثة الأيام، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق، فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان ﵄ من رأس رسول الله ﷺ عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا والله تعالى أعلم. وقال محمد بن إسحاق ﵀. ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا وأمر ببقاء (١) الفئ فحبس بمجنة بناحية مر الظهران. قلت: الظاهر أنه ﵇ إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الاعراب فيما بين مكة والمدينة. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله ﷺ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل (٢) يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن. وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة. وقال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال لما استعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله ﷺ درهما كل يوم فليست لي حاجة إلى أحد. قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله ﷺ في ذي القعدة وقدم المدينة في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة. قال ابن هشام: قدمها لست (٣)

стр. 1663

بقين من ذي القعدة فيما قال أبو عمرو المديني. قال ابن إسحاق: وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان. قال وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع. إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى وذكر قصيدته: بانت سعاد قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله ﷺ من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير ابن أبي سلمى إلى أخيه لأبويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش، ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض. وكان كعب قد قال: ألا بلغا عني بجيرا رسالة … فويحك (١) فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل … على أي شئ غير ذلك دلكا على خلق لم ألف يوما أبا له … عليه وما تلقى عليه أبا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف … ولا قائل إما عثرت لعالكا سقاك بها المأمون كأسا روية … فأنهلك المأمون منها وعلكا (٢) قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: من مبلغ عني بجيرا رسالة … فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية … فأنهلك المأمون منها وعلكا وخالفت أسباب الهدى واتبعته … على أي شئ ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا (٣) … عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فان أنت لم تفعل فلست بآسف … ولا قائل إما عثرت لعالكا قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير أكره أن يكتمها رسول الله ﷺ فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ لما سمع سقاك بها المأمون " صدق وإنه لكذوب أنا المأمون "

стр. 1664

ولما سمع على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه. قال " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه " (١) قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له: من مبلغ كعبا فهل لك في التي … تلوم عليا باطلا وهي أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده … فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت … من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شئ دينه … ودين أبي سلمى علي محرم قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا هو مقتول، فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله ﷺ في صلاة الصبح فصلى مع رسول الله ﷺ ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه، فذكر لي: أنه قام إلى رسول الله ﷺ فجلس إليه ووضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ " نعم " فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه؟ فقال رسول الله ﷺ " دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا " قال: فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ﷺ : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم عندها (٢) لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا … إلا أغن غضيض الطرف مكحول (٣) هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة … لا يشتكي قصر منها ولا طول (٤) تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت … كأنه مهل بالراح معلول (٥) شجت بذي شيم من ماء محنية … صاف بأبطح أضحى وهو مشمول (٦)

стр. 1665

تنفي الرياح القدى عنه وأفرطه … من صوب عادية بيض يعاليل (١) فيا لها خلة لو أنها صدقت … بوعدها أو لو آن النصح مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها … فجع وولع وإخلاف وتبديل (٢) فما تدوم على حال تكون بها … كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالعهد الذي زعمت … إلا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يعرنك ما منت وما وعدت … إن الأماني والأحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا … وما مواعدها إلا الأباطيل (٣) أرجو وآمل أن تدنو مودتها … وما لهن أخال الدهر تعجيل (٤) أمست سعاد بأرض لا تبلغها … إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرة … فيها على الابن إرقال وتبغيل (٥) من كل نضاحة الذفري إذا عرقت … عرضتها طامس الاعلام مجهول (٦) ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق … إذا توفدت الحزان والميل (٧) ضخم مقلدها فعم مقيدها … في خلقها عن بنات الفحل تفضيل حرف أخوها أبوها من مهجنة … وعمها خالها قوداء شمليل (٨) يمشي الفراد عليها ثم يزلقه … منها لبان وأقراب زهاليل (٩) عيرانة قذفت بالنحض عن عرض … مرفقها عن بنات الزور مفتول (١٠) فنواء في حريتها للبصير بها … عتق مبين وفي الخدين تسهيل (١١)

стр. 1666

كأنما فات عينيها ومذبحها … من خطمها ومن اللحيين برطيل (١) تمر مثل عسيب النخل ذا خصل … في غادر لم تخونه الأحاليل (٢) تهوي على يسرات وهي لاهية … ذوابل وقعهن الأرض تحليل (٣) يوما تظل به الحرباء مصطخدا … كأن ضاحيه بالشمس محلول (٤) وقال للقوم حاديهم وقد جعلت … ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا (٥) أوب يدي فاقد شمطاء معولة (٦) … قامت فجاء بها نكر مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها … لما نعى بكرها الناعون معقول (٧) تفري اللبان بكفيها ومدرعها … مشقق عن تراقيها رعابيل (٨) تسعى الغواة جنابيها وقولهم … إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول (٩) وقال لكل صديق كنت آمله … لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم … فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول (١٠) نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول (١١) مهلا هداك الذي أعطاك نافلة … القرآن فيه مواعيظ وتفصيل

стр. 1667

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم … أذنب ولو كثرت في الأقاويل (١) لقد أقوم مقاما لو يقوم به … أرى وأسمع ما قد يسمع الفيل لظل يرعد من وجد موارده (٢) … من الرسول بإذن الله تنويل حتى وضعت يميني ما أنازعها … في كف ذي نقمات قوله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه … وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الأرض مخدره … في بطن عثر غيل ذونه غيل (٣) يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما … لحم من الناس معفور خراديل (٤) إذا يساور قرنا لا يحل له … أن يترك القرن إلا وهو مغلول منه تظل حمير الوحش نافرة … ولا تمشي بواديه الأراجيل (٥) ولا يزال بواديه أخو ثقة … مضرج البز والدرسان مأكول (٦) إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم … ببطن مكة لما أسلموا زولوا (٧) زالوا فما زال أنكاس ولا كشف … عند اللقاء ولا ميل معازيل (٨) يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم … ضرب إذا عرد السود التنابيل شم العرانين أبطال لبوسهم … من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض موابغ قد شكت لها حلق … كأنها حلق القفعاء مجدول (٩) ليسوا معاريج إن نالت رماحهم … قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم … ولا لهم عن حياض الموت تهليل

стр. 1668

قال ابن هشام: هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا، وقد رواها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة بإسناد متصل فقال: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسدي بهمذان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى عن أبيه عن جده قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير، حتى أتيا أبرق العزاف (١) فقال بجير لكعب: أثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرجل - يعني رسول الله ﷺ فأسمع ما يقول فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله ﷺ فعرض عليه الاسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبا فقال: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة … على أي شئ ويب غيرك دلكا (٢) على خلق لم تلف ء أما ولا أبا … عليه ولم تدرك عليه أخالكا سقاك أبو بكر بكأس روية … وأنهلك المأمون منها وعلكا فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أهدر دمه وقال " من لقي كعبا فليقتله " فكتب بذلك بجير إلى أخيه وذكر له أن رسول الله ﷺ قد أهدر دمه ويقول له: النجاء وما أراك تنفلت، ثم كتب إليه بعد ذلك: أعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل، قال: فأسلم كعب وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ ثم دخل المسجد ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم [والقوم] متحلقون معه حلقة خلف حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم. قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد، [ثم دخلت المسجد] فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة، حتى جلست إليه فأسلمت، وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنك محمد رسول الله الأمان يا رسول الله، قال " ومن أنت؟ " قال: كعب بن زهير، قال " الذي يقول " ثم التفت رسول الله ﷺ [إلى أبي بكر] فقال " كيف قال يا أبا بكر؟ " فأنشده أبو بكر: سقاك بها المأمون (٣) كأسا روية … وأنهلك المأمون منها وعلكا قال يا رسول الله ما قلت هكذا، قال " فكيف قلت؟ " قال قلت:

стр. 1669

سقاك بها المأمون (١) كأسا روية … وأنهلك المأمون منها وعلكا فقال رسول الله ﷺ " مأمون والله " ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وهي هذه القصيدة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم عندها لم يفد مكبول وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقي (٢) رحمهما الله . وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول قال: فأشار رسول الله ﷺ إلى من معه أن اسمعوا. وقد ذكر ذلك (٣) قبله موسى بن عقبة في مغازيه ولله الحمد والمنة. قلت: ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ أعطاه بردته حين أنشده القصيدة، وقد نظم ذلك الصرصري في بعض مدائحه وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الأثير في الغابة قال وهي البردة التي عند الخلفاء. قلت: وهذا من الأمور المشهورة جدا ولكن لم أر ذلك في شئ من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه فالله أعلم. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال له لما قال: بانت سعاد ومن سعاد؟ قال زوجتي يا رسول الله، قال لم تبن ولكن لم يصح ذلك وكأنه على ذلك توهم أن باسلامه تبين امرأته والظاهر أنه إنما أراد البينوتة الحسية لا الحكمية والله تعالى أعلم. قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب - يعني في قصيدته - إذا عرد السود التنابيل وإنما يريدنا معشر الأنصار، لما كان صاحبنا صنع به [ما صنع] (٤) وخص المهاجرين من قريش بمدحته غضبت عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار، ويذكر بلاءهم من رسول ﷺ وموضعهم من اليمن:

стр. 1670

من سره كرم الحياة فلا يزل … في مقنب من صالحي الأنصار (١) ورثوا المكارم كابرا عن كابر … إن الخيار هموا بنوا الأخيار المكرهين السمهري بأذرع … كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة … كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم لنبيهم … للموت يوم تعانق وكرار (٢) يتطهرون يرونه نسكا لهم … بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت بطون خفية … غلب الرقاب من الأسود ضواري (٣) وإذا حللت لينعوك إليهم … أصبحت عند معاقل الأعفار (٤) ضربوا عليا يوم بدر ضربة … دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام علمي كله … فيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم … للطارقين النازلين مقارى (٥) قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله ﷺ قال له حين أنشده بانت سعاد " لو ذكرت الأنصار بخير فإنهم لذلك أهل " فقال كعب هذه الأبيات وهي في قصيدة له. قال وبلغني عن علي ابن زيد بن جدعان: أن كعب بن زهير أنشد رسول الله ﷺ في المسجد بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. وقد رواه الحافظ البيهقي باسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني معن بن عيسى، حدثني محمد بن عبد الرحمن الأفطس (٦) عن ابن جدعان فذكره وهو مرسل. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال: وقد كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير وكعب أشعرهما وأبو هما زهير فوقهما ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله: لو كنت أعجب من شئ لأعجبني … سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها … فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل … لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر (٧)

стр. 1671

ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها ولم يؤرخ وفاته، وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الأثير في كتاب الغابة في معرفة الصحابة ولكن حكى أن أباه توفي قبل المبعث بسنة فالله أعلم. وقال السهيلي ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله ﷺ : تجري به الناقة الادماء معتجرا … بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم ففي عطافيه أو أثناء بردته … ما يعلم الله من دين ومن كرم الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات فكان في جمادى منها وقعة مؤتة، وفي رمضان غزوة فتح مكة، وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين، وبعده كان حصار الطائف. ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة. قال الواقدي: رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة لليالي بقين من ذي الحجة في سفرته هذه. قال الواقدي: وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الاعراب، قال وفيها تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه ﵇ ففارقها، وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها. قال وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله ﷺ فأعطاه مملوكا ودفعه رسول الله ﷺ إلى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش (١) ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول، وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف وذلك لخمس بقين من رمضان منها. قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل برهاط، هدمه عمرو بن العاص ﵁ ولم يجد في خزائنه شيئا، وفيها هدم مناة بالمشلل، كانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه، هدمه سعد بن زيد الأشهلي ﵁ وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى). قلت: وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية (٢) ولتلك -

стр. 1672

الكعبة اليمانية. فقال البخاري: ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قبس (قيس)، عن جرير قال قال لي رسول الله ﷺ " ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " (١) فقلت: بلى فانطلقت في خمسين ومائة (٢) فارس من أحمس (٣) وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال فما وقعت عن فرس بعد. قال وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية. قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرتها، قال: فلما قدم جرير اليمن. كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول الله ﷺ ها هنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك؟ فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة (٤) إلى النبي ﷺ يبشره بذلك، قال: فلما أتى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. ورواه مسلم من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه (٥). تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير ويتلوه الجزء الخامس وأوله ذكر غزوة تبوك في رجب منها.

стр. 1673

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك (١) في رجب منها قال الله تعالى … (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) … [التوبة: ٢٨ - ٢٩] روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره. قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قلت: فعزم رسول الله ﷺ على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الاسلام وأهله. وقد قال الله تعالى … (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم

стр. 1674

من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) … [التوبة: ١٢٣] فلما عزم رسول الله ﷺ على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال، جلى للناس أمرها ودعى من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين ألفا وتخلف آخرون فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى • (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) … [التوبة: ٤١ - ٤٢] ثم الآيات بعدها: ثم قال تعالى … (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) … [التوبة: ١٢٢] فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعني من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري (١) ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض: أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في (٢) الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله ﷺ قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد إليه، ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمرهم بالجهاد (٣) وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة " يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ " فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال " قد أذنت لك " ففي الجد أنزل الله هذه الآية … (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) … [التوبة: ٤٩]. وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكا في الحق، وإرجافا بالرسول ﷺ فأنزل الله فيهم … (وقالوا لا تنفروا في

стр. 1675

الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) … [التوبة: ٨١ - ٨٢]. قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة. فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمد … يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم … أنوء على رجلي كسيرا ومرفق (١) سلام عليكم لا أعود لمثلها … أخاف ومن تشمل به النار يحرق قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش (٢) وحص أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به: أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار. فقال رسول الله ﷺ " اللهم أرض عن عثمان فإني عنه راض " (٣). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة، ثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير (٤) مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء: عثمان بن عفاف إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي ﷺ جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع، عن ضمرة به. وقال حسن غريب. وقاله عبد الله بن أحمد في مسند أبيه. حدثني أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي. قال: خطب النبي ﷺ فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله ﷺ يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب " ما

стр. 1676

على عثمان ما عمل بعد هذا " (١) وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه. ورواه البيهقي: من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة (٢) به وقال ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: فأنا شهدت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر " ما ضر عثمان بعدها - أو قال - بعد اليوم " وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الأحنف بن قيس قال: سمعت عثمان بن عفاف يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا: اللهم نعم! ورواه النسائي من حديث حصين به (٣). فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم قال الله تعالى … (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم، وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) … [براءة: ٨٦ - ٩٣] قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا

стр. 1677

على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه. قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فمن بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري (١). قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير (٢) بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضجا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع النبي ﷺ زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله ﷺ " أين المتصدق هذه الليلة " فلم يقم أحد ثم قال " أين المتصدق فليقم " فقام إليه فأخبره فقال رسول الله ﷺ " أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة " (٣). وقد أورد الحافظ البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الأشعري فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد المازني (٤) حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة وهي (٥) غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله! إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال " والله لا أحملكم على شئ " ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله ﷺ ، ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله ﷺ ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال " خذ هذين القرينين (٦) وهذين القرينين وهذين القرينين " لستة أبعرة

стр. 1678

ابتاعهن حينئذ من سعد فقال " انطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء [فاركبوهن. قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي] (١) فقلت: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم، ومنعه لي في أول مرة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، قال: فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله ﷺ من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء (٢). وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين ليحملنا " فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه " قال ثم جئ رسول الله ﷺ بنهب أبل فأمر لنا بست ذودعر الذرى فأخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله ﷺ يمينه والله لا يبارك لنا، فرجعنا له فقال " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " ثم قال " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها ". قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة (٣) حتى تخلفوا عن رسول الله ﷺ من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن ربيع، أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خثيمة أخو بني سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم. قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى وهم الذين أنزل الله فيهم … (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) … وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله ﷺ كما سيأتي. فصل قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله ﷺ سفره، وأجمع السير. فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه - وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين - فلما سار رسول

стр. 1679

الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي، في طائفة من المنافقين وأهل الريب. قال ابن هشام: واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري قال: وذكر الدراوردي: أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا، ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف (١) فأخبره بما قالوا فقال: " كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " فرجع علي ومضى رسول الله ﷺ في سفره. ثم قال ابن إسحاق. حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لعلي هذه المقالة. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث: من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به (٢). وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ". وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه، وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول له - وخلفه في بعض مغازيه - فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال " يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا أنه لا نبي بعدي " ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة: زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه. قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله ﷺ أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف! والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيئا زادا ففعلتا. ثم قدم ناضحة فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل

стр. 1680

تبوك، وكان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ " كن أبا خيثمة " فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة. فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ فقال له " أولى لك يا أبا خيثمة " ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير. وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط وذكر أن خروجه ﵇ إلى تبوك كان في زمن الخريف. فالله أعلم. قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا … أتيت التي كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدي لمحمد … فلم أكتسب إثما لم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة … صفايا كراما بسرها قد تحمما (١) وكنت إذا شك المنافق أسمحت … إلى الدين نفسي شطره حيث يمما قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق، عن بريدة (٢)، عن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود قال: لما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف، فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان فيقول " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره فقال " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله ﷺ ماشيا، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق، فقال رسول الله ﷺ " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ " يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده " قال فضرب [الدهر من] (٣) ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا؟ فقيل جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكى وقال: صدق رسول الله ﷺ يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل

стр. 1681

فوليه بنفسه حتى أجنه (١). إسناده حسن ولم يخرجوه قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله [ ] … (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) * [التوبة: ١١٧] قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر (٢)، قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد (٣) بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال " أو تحب ذلك؟ " قال: نعم! قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت (٤) السماء فأطلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٥). اسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه: أن هذه القصة كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شئ؟! فقال سحابة مارة، وذكر أن ناقة رسول الله ﷺ ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله ﷺ لعمارة بن حزم الأنصاري - وكان عنده - " إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها " فانطلقوا فجاؤوا بها فرجع عمارة إلى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله ﷺ من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت (٦) وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري، أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك. قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من

стр. 1682

حديث الأعمش وقد رواه الإمام أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري - شك الأعمش - قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذنت فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ (١) فقال رسول الله ﷺ " افعلوا " فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة، فقال رسول الله " نعم! " فدعا بنطع فبسطه ثم عاد بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة، ويجئ الآخرة بكف من التمر، ويجئ الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال لهم " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضله فقال رسول الله ﷺ " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش به. ورواه الإمام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها (٢). مروره ﷺ في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود بالحجر قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر، نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله ﷺ " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا " هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ لما مر بالحجر قال " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم " وتقنع بردائه وهو على الرجل. ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه. وقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " (٣). ورواه البخاري من حديث مالك، ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار. ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال: نزل رسول

стр. 1683

الله ﷺ بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله ﷺ فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [فقال] " إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم " وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض، عن أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله. ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " قيل من هو يا رسول الله؟ قال " هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " إسناده صحيح ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنودي في الناس: الصلاة جامعة قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره، وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل نعجب منهم؟ قال " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " (٢) اسناده حسن ولم يخرجوه. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك مني - أن رسول الله ﷺ حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له " ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح

стр. 1684

حتى ألقته بحبل طئ، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له " ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ من تبوك وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله ﷺ حين رجع إلى المدينة. قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما (١). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: " أخرصوا " فخرص القوم وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال رسول الله ﷺ للمرأة: " احصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك أن شاء الله " قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله ﷺ " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله " قال أبو حميد: فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام فيها رجل فألقته في جبل طئ، ثم جاء رسول الله ملك إيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (٢) ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة " كم جاءت حديقتك؟ " قالت عشرة أوسق خرص رسول الله، فقال رسول الله " إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأى أحدا قال " هذا أحد (٣) يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ " قلنا بلى يا رسول الله قال " خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل (٤)، ثم دار بني ساعدة، ثم في كل دور الأنصار خير " (٥). وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه. وقال الامام مالك ﵀ عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال " إنكم ستأتون غذا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي "

стр. 1685

قال فجئناها وقد سبق مائها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ " هل مسستما من مائها شيئا "، قالا: نعم فسبهما وقال لهما: ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﷺ " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا " أخرجه مسلم من حديث مالك به (١). ذكر خطبته ﷺ إلى تبوك إلى نخلة هناك روى الإمام أحمد: عن أبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله ﷺ عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شئ منه " (٢) ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه. وروى البيهقي: من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران، حدثنا مصعب بن عبد الله عن (٣) منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامر الجهني: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله ﷺ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر " فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول الله ﷺ من منزله غير بعيد، ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال " أيها الناس أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها (٤) وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا. ومن الناس من لا يذكر
следующие страницы →