فوليه بنفسه حتى أجنه (١). إسناده حسن ولم يخرجوه قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله [ ] … (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) * [التوبة: ١١٧] قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر (٢)، قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد (٣) بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال " أو تحب ذلك؟ " قال: نعم! قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت (٤) السماء فأطلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٥). اسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه: أن هذه القصة كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شئ؟! فقال سحابة مارة، وذكر أن ناقة رسول الله ﷺ ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله ﷺ لعمارة بن حزم الأنصاري - وكان عنده - " إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها " فانطلقوا فجاؤوا بها فرجع عمارة إلى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله ﷺ من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت (٦) وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري، أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك.
قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من
стр. 1682
حديث الأعمش وقد رواه الإمام أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري - شك الأعمش - قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذنت فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ (١) فقال رسول الله ﷺ " افعلوا " فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة، فقال رسول الله " نعم! " فدعا بنطع فبسطه ثم عاد بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة، ويجئ الآخرة بكف من التمر، ويجئ الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال لهم " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضله فقال رسول الله ﷺ " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش به. ورواه الإمام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها (٢).
مروره ﷺ في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود بالحجر
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر، نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله ﷺ " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا " هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ لما مر بالحجر قال " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم " وتقنع بردائه وهو على الرجل. ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه. وقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " (٣). ورواه البخاري من حديث مالك، ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار. ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال: نزل رسول
стр. 1683
الله ﷺ بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله ﷺ فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [فقال] " إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم " وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض، عن أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله. ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " قيل من هو يا رسول الله؟ قال " هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " إسناده صحيح ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنودي في الناس: الصلاة جامعة قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره، وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل نعجب منهم؟ قال " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " (٢) اسناده حسن ولم يخرجوه. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك مني - أن رسول الله ﷺ حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له " ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح
стр. 1684
حتى ألقته بحبل طئ، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له " ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ من تبوك وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله ﷺ حين رجع إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما (١). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: " أخرصوا " فخرص القوم وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال رسول الله ﷺ للمرأة: " احصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك أن شاء الله " قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله ﷺ " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله " قال أبو حميد: فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام فيها رجل فألقته في جبل طئ، ثم جاء رسول الله ملك إيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (٢) ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة " كم جاءت حديقتك؟ " قالت عشرة أوسق خرص رسول الله، فقال رسول الله " إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأى أحدا قال " هذا أحد (٣) يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ " قلنا بلى يا رسول الله قال " خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل (٤)، ثم دار بني ساعدة، ثم في كل دور الأنصار خير " (٥). وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه. وقال الامام مالك ﵀ عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال " إنكم ستأتون غذا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي "
стр. 1685
قال فجئناها وقد سبق مائها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ " هل مسستما من مائها شيئا "، قالا: نعم فسبهما وقال لهما: ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﷺ " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا " أخرجه مسلم من حديث مالك به (١).
ذكر خطبته ﷺ إلى تبوك إلى نخلة هناك
روى الإمام أحمد: عن أبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله ﷺ عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شئ منه " (٢) ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه. وروى البيهقي: من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران، حدثنا مصعب بن عبد الله عن (٣) منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامر الجهني: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله ﷺ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر " فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول الله ﷺ من منزله غير بعيد، ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال " أيها الناس أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها (٤) وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا. ومن الناس من لا يذكر
стр. 1686
الله إلا هجرا. ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حثاء جهنم [والسكركي من النار] (١) والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وأنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والامر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه. ومن يكظم [الغيظ] (٢) يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغي (٣) السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي " قالها ثلاثا ثم قال: " استغفر الله لي ولكم " (٤) وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي اسناده ضعف والله أعلم بالصواب. وقال أبو داود ثنا أحمد بن سعيد الهمداني، وسليمان بن داود. قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي، إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا ثم صلى إليها، قال: فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال قطع صلاتنا قطع الله أثره. قال فما قمت عليها إلى يومي هذا (٥) ثم رواه أبو داود: من حديث سعيد بن (٦) عبد العزيز التنوخي، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران. قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول الله ﷺ وأنا على حمار وهو يصلي فقال: " اللهم اقطع أثره فما مشيت عليها بعد " (٧). وفي رواية " قطع صلاتنا قطع الله أثره ".
الصلاة على معاوية بن أبي معاوية (٨)
روى البيهقي: من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، قال: سمعت
стр. 1687
أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء ولها شعاع ونور، لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: " يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بيضاء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى " قال: ذلك أن معاوية بن أبي معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال " ومم ذاك؟ " قال: بكثرة قراءته … (قل هو الله أحد) … بالليل والنهار، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال " نعم! " قال فصلى عليه ثم رجع. وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة، والناس يسندون أمرها إلى العلاء بن زيد هذا وقد تكلموا فيه. ثم قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هاشم (١) بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم، حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبي معاوية المزني، أفتحب أن تصلي عليه؟ قال " نعم! " فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له، قال فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت " يا جبريل بما نال هذه المنزلة من الله؟ " قال بحبه … (قل هو الله أحد) … يقرأها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال. قال عثمان: فسألت أبي أين كان النبي ﷺ ؟ قال بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه (٢): وهذا أيضا منكر من هذا الوجه.
قدوم رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ بتبوك
قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى بن سليم (٣)، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال لقيت التنوخي رسول الله هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص وكان جارا لي شيخنا كبيرا قد بلغ العقد (٤) أو قرب. فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال بلى: قدم رسول الله ﷺ تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول الله ﷺ دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه
стр. 1688
وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم؟ وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ما تحت قدمي] (١) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز. فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم (٢) ولم يكد وقال: إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال: ادع لي رجلا حافظا للحديث، عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بي فدفع إلي هرقل كتابا فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال، انظر هل يذكر صحيفته إلي التي كتب بشئ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شئ يريبك. قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت أين صاحبكم؟ قيل ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ قال " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟ " قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك وقال " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين، يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ويخرق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير " قلت هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية فإذا في كتاب صاحبي تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ " سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار " قال: فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال " إن لك حقا وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون " قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله " أيكم ينزل هذا الرجل؟ " فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال " تعال يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال " هاهنا امض لما أمرت
стр. 1689
به " فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحمحمة (١) الضخمة. هذا حديث غريب واسناده لا بأس به تفرد به الإمام أحمد (٢).
مصالحته (٣) ﵇ ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك
قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح (٤) وأعطوه الجزية، كتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فهو عندهم، وكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله [وذمة] (٥) محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه. وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يردونه من بر أو بحر. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا، وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله.
قال يونس عن ابن إسحاق. وكتب لأهل جرباء وأذرح: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب (٦)، ومائة أوقية طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين. قال: وأعطى النبي ﷺ أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم، قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار.
بعثة ﵇ خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو
стр. 1690
أكيدر بن عبد الملك، رجل من بني كنانة (١) كان ملكا عليها وكان نصرانيا، وقال رسول الله ﷺ لخالد " إنك ستجده يصيد البقر " فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته (٢). وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم (٣). فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي ﷺ فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به (٤) إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله ﷺ فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله ﷺ : " أتعجبون من هذا [فوالذي نفسي بيده] (٥) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ".
قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته (٦)، فقال رجل من بني طئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك:
تبارك سائق البقرات إني … رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك … فإنا قد أمرنا بالجهاد
وقد حكى البيهقي أن رسول الله ﷺ قال لهذا الشاعر " لا يفضض الله فاك " فأتت عليه سبعون (٧) سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن. وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة أن رسول الله ﷺ بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما
стр. 1691
تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر أقبل قادما إلى رسول الله ﷺ يصالحه فاجتمعا عند رسول الله ﷺ بتبوك فالله أعلم (١). وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى: أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل، فالله أعلم (٢).
فصل
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، قال: وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله ﷺ : " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه " قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال " من سبقنا إلى هذا الماء؟ " فقيل له يا رسول الله فلان وفلان (٣)، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل (٤)، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما أن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله ﷺ " لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ".
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر إليها، قال: فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وإذا هو يقول " أدنيا إلي أخاكما " فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال " اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه " قال يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة. قال ابن هشام: إنما سمي ذو البجادين، لأنه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا
стр. 1692
بجاد - وهو الكساء الغليظ - فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله ﷺ فسمي ذو البجادين.
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي، عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالأخضر والقى الله علي النعاس (١) وطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي ﷺ فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله " حس " فقلت: يا رسول الله استغفر لي، قال " سر " فجعل رسول الله ﷺ يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فأخبره به. فقال وهو يسألني " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط (٢) الذين لا شعر لهم في وجوههم؟ " فحدثته بتخلفهم، قال " فما فعل النفر السود الجعاد القصار " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا قال " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ " (٣) فتذكرتهم في بني غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا. فقال رسول الله ﷺ " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله، إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم ".
قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله ﷺ وأبصر حذيفة فرجع إليهم ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله ﷺ لحذيفة " هل عرفت هؤلاء القوم؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟ " قالا: لا، فأخبرهما بما كانوا تملأوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما
стр. 1693
ذلك؟ فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " (١) وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الأشبه والله أعلم ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد - يعني عمارا - وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال لا ولا أبرئ بعدك أحدا - يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي ﷺ .
قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا، وقيل كانوا اثني عشر رجلا، وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم وبما تمالاوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم قال وفيهم أنزل الله : … (وهموا بما لم ينالوا) … [التوبة: ٧٤].
وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة (٢) عن أبي إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به، وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله ﷺ فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله " هل عرفتم القوم؟ " قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ " قلنا: لا قال: " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها " قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال " لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم " ثم قال " اللهم ارمهم بالدبيلة " (٣) قلنا يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال " هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك " (٤). وفي صحيح مسلم: من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عبادة. قال، قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأي رأيتموه أم شئ عهده إليكم رسول الله؟ فقال: ما عهد
стр. 1694
إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله ﷺ أنه قال: " في أصحابي اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " (١) وفي رواية من وجه آخر عن قتادة " إن في أمتي أثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ". قال الحافظ البيهقي (٢): وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر - وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد. وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل. قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة " قد قد " حتى هبط رسول الله ﷺ من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال " يا عمار هل عرفت القوم؟ " قال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال " هل تدري ما أرادوا؟ " قال الله ورسوله أعلم، قال: " أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه " قال فسار عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال أربعة عشر رجلا، فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر (٣) الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد.
قصة مسجد الضرار
قال الله تعالى … (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه
стр. 1695
أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين، لا يزال بنينهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم) … [التوبة: ١٠٦ - ١١٠] وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد. وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله ﷺ بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة، ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول ﷺ فيه حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله ﷺ من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى … (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) … الآية. أما قوله ضرارا فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، وكفرا بالله لا للايمان به، وتفريقا للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله وذلك أنه لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الاسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم، فجاؤوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله ﷺ وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين. ولهذا قال تعالى … (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) … ثم قاتل … (وليحلفن) … أي الذين بنوه … (إن أردنا إلا الحسنى) … أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال الله تعالى … (والله يشهد إنهم لكاذبون) … ثم قال الله تعالى إلى رسوله … (لا تقم فيه أبدا) … فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله ﷺ لا ينافي ما تقدم لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد. والمقصود أن رسول الله ﷺ لما نزل بذي أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي ﵄ فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله.
قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا وهم، خذام بن خالد - وفي جنب داره
стр. 1696
كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب: ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، ويخرج وهو إلى بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية [بن زيد] (١).
قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله ﷺ ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول الله ﷺ " أحسنتم وأصبتم " وذلك فيما رواه البخاري ﵀ قائلا حدثنا. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " فقالوا يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال " وهم بالمدينة حبسهم العذر " تفرد به من هذا الوجه (٢). قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال " هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه " (٣) ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك (٤). ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي حسن صحيح. وقال البيهقي أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
стр. 1697
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم. فذكرناه ها هنا أيضا (١). قال البخاري ﵀ حديث كعب بن مالك ﵁: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حتى تواثبنا (٢) على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن يستخفي له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ [تلك الغزوة] (٣) حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فارجع ولم اقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم اقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك " ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ قال كعب بن مالك: قال: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من
стр. 1698
أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادما، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي " ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك " فقلت بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك " فقمت فثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أراجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا: [لي] فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا، ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان (١) [في سرقة من
стр. 1699
حرير] (١) فإذا فيه، أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدر هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك (٢)، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال " لا ولكن لا يقربك " قالت إنه والله ما به حركة إلى شئ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع [يقول] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله [للناس] بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين (٣) فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله؟ قال " لا بل من عند الله " وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه. قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني
стр. 1700
بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا، واني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ … (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) … إلى قوله … (وكونوا مع الصادقين) * [التوبة: ١١٧ - ١١٩] فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لاحد، قال الله تعالى … (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) … إلى قوله … (فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) … [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم (١) واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى … (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) … ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منهم (٢)، وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه. وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الإمام أحمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة.
ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء
قال علي بن طلحة (٣) الوالبي، عن ابن عباس في قوله تعالى … (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم) … [التوبة: ١٠٢] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فلما مر بهم رسول الله قال " من هؤلاء؟ " قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله
стр. 1701
* (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) … الآية. و … (عسى) … من الله واجب. فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال " ما أمرت أن آخذ أموالكم " فأنزل الله … (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ونزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وان الله سميع عليم) … [التوبة: ١٠٣] إلى قوله … (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) … وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فارجئوا حتى نزل قوله تعالى … (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين خلفوا) … [التوبة: ١١٧] إلى آخرها. وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه (١).
وقد ذكر سعيد بن المسيب، ومجاهد، ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله ﷺ " يكفيك من ذلك الثلث " قال مجاهد وابن إسحاق: وفيه نزل … (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) … الآية: قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام إلا خيرا ﵁ وأرضاه.
قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم. وروى الحافظ البيهقي: من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن سليمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال " إن منكم منافقين فمن سميت فليقل قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان " حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال " إن فيكم - أو أن منكم - منافقين فسلوا الله العافية " قال: فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله ﷺ ، فقال بعدا لك سائر اليوم (٢).
قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام، مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاؤون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، أبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون.
ما كان من الحوادث بعد منصرفه من تبوك
قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، إملاء، أخبرنا أبو العباس محمد بن
стр. 1702
يعقوب، حدثنا أبو البحتري عبد الله بن شاكر (١)، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عم أبي زخر بن حصن، عن جده حميد بن منهب (٢) قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك! فقال رسول الله ﷺ " قل لا يفضض الله فاك " فقال:
من قبلها طبت في الضلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لأبشر … أنت ولا نطفة (٣) ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد … ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بينك المهيمن من … خندق علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض … فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي … النور وسبل الرشاد يخترق (٤)
ورواه البيهقي من طريق أخرى عن أبي السكن، زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروي عنه. قال البيهقي وزاد: ثم قال رسول الله ﷺ " هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، وهذه الشيماء بنت نفيلة (٥) الأزدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود " فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال " هي لك " قال: ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الاسلام فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طلحة بن خويلد، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا:
جزى الله عنا طيئا في ديارها … بمعترك الابطال خير جزاء
هموا أهل رايات السماحة والندى … إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
هموا ضربوا قيسا على الدين بعدما … أجابوا منادي ظلماء؟ وعماء
قال: ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد (٦) من العجم أعدى للعرب
стр. 1703
والاسلام من هرمز، فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز فبرز له فقتله خالد وكتب يخبره إلى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم، قال: ثم قفلنا على طريق الطف إلى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله ﷺ على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها وقلت هذه وهبها لي رسول الله، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الأنصاري فسلمها إلي، فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعنيها، فقلت لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم وسلمتها إليه، فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها إليك، فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة (١).
قدوم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ في رمضان من سنة تسع
تقدم أن رسول الله ﷺ لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله ﷺ حين أسلم مالك بن عوف النضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم إلى الدخول في الاسلام، وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله ﷺ ، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله ﷺ له في ذلك. وقال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف، وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم. اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام، فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه - " إنهم قاتلوك " وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على عيلة له، وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف (٢) أخو بني سالم بن مالك، ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة: ما ترى في دينك (٣)؟ قال كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم فزعموا أن
стр. 1704
رسول الله ﷺ قال فيه " إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه "؟ كذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم (١).
قال ابن إسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الاحلاف وثلاثة من بني مالك، وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة. وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر (٢) رجلا فيهم كنانة بن عبد يا ليل - وهو رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد. قال ابن إسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، فما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والاسلام، إن شرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضربت عليهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله. فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنه سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدفعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم فقال " أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه " فقالوا
стр. 1705
سنؤتيكها وإن كانت دناءة (١). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، محمد بن مسلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله ﷺ " لكم أن لا تحشروا (٢) ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه " (٣) وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي: عن حماد بن سلمة، عن حميد به. وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن وهب سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " (٤).
قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم (٥) أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان
стр. 1706
أحدثهم سنا - لان الصديق قال: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام، وتعلم القرآن. وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله ﷺ فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فإن وجده، نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام (١) وأحبه رسول الله ﷺ حبا شديدا.
قال ابن إسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص. قال: كان من آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ حين بعثني إلى ثقيف قال " يا عثمان تجوز في الصلاة، وأقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة " وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: " أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " رواه أبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق كما تقدم. وروى أحمد: عن عفان، عن وهب، وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن داود بن أبي عاصم، عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال " إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقت لي أقرأ باسم ربك الذي خلق، وأشباهها من القرآن " وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد بن المسيب قال: حدث عثمان بن أبي العاص. قال: آخر ما عهد إلي رسول الله أن قال: " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة " (٢) ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه. وقال أحمد حدثنا: أبو أحمد الزبيري، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، فكان آخر ما عهد إلي أن قال " خفف عن الناس الصلاة " تفرد به من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا عمرو بن
стр. 1707
عثمان، حدثني موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبي العاص حدثه أن رسول الله ﷺ أمره أن يؤم قومه ثم قال: " من أم قوما فليخفف بهم فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء " ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به. وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت أشياخا من ثقيف قالوا: حدثنا عثمان بن أبي العاص أنه قال قال لي رسول الله ﷺ وأم قومك وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة " وقال أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: " ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا " قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (١). ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به. وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده في جسده فقال له " ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم (٢). وقال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا محمد بن يسار (٣)، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني عيينة بن عبد الرحمن - وهو ابن جوشن - حدثني أبي، عن عثمان بن أبي العاص. قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شئ في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال " ابن أبي العاص؟ " قلت نعم! يا رسول الله! قال " ما جاء بك؟ " قلت يا رسول الله عرض لي شئ في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي قال " ذاك الشيطان أدن " فدنوت منه فجلست على صدور قدمي، قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال " أخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال " الحق بعملك ". قال فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد (٣). تفرد به ابن ماجة.
قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله، عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله ﷺ ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا فيأتينا بالسحور فإنا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع؟ فيقول: قد تركت رسول الله ﷺ يتسحر لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله ﷺ ، ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها. وروى
стр. 1708
الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول " لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا " فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة؟ فقال: " إنه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجئ حتى أتمه " قال أوس سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يجزئون القرآن؟ فقالوا ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع وإحدى عشر، وثلاث عشرة. وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود. قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم (١)، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بني معتب دونه، خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، قال وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن:
• لنبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع (٢) *
قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان: والمغيرة يضربها بالفأس وآها لك آها لك، فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان فقال: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية يقضي ذلك عنهما.
قلت: كان الأسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الأسود ﵁. وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها؟ قال " اهدموها " قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا بن عبد يا ليل ما أجهلك، إنما الربة حجر
стр. 1709
فقالوا: إنا لم نأتك يا بن الخطاب، ثم قالوا: يا رسول الله تول أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا، فقال " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاؤوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن، وأنهم إنما جاؤوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا، قال فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه، فافهموا القضية واقبلوا عافية الله، قالوا: فلم كتمتمونا هذا أولا؟ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ وقد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره. ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، وجعل سادنها يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله (١).
قال ابن إسحاق: وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج (٢) وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا وإن هذا أمر النبي محمد، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه، عن عروة بن الزبير قال: أقبلنا مع
стр. 1710
رسول الله ﷺ من لية (١) حتى إذا كنا عند السدرة، وقف رسول الله ﷺ في طرف القرن حذوها فاستقبل محبسا ببصره - يعني واديا - ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال " إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله " وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، وقد رواه أبو داود: من حديث محمد بن عبد الله بن انسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في ثقاته. وقال ابن معين ليس به بأس. تكلم فيه بعضهم وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه والله أعلم.
موت عبد الله بن أبي، قبحه الله
قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد. قال: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله ﷺ " أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه (٢)؟. وقال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه فقال " قد نهيتك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه وصل علي واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله ﷺ (٣). وروى البيهقي: من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فالله أعلم. وقد قال إسحاق بن راهويه (٤): قلت لأبي أسامة أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ وسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ يصلي عليه فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك الله عنه، فقال رسول الله " إن ربي خيرني فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين " فقال إنه منافق أتصلي عليه؟ فأنزل الله … (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله) … [التوبة: ٨٤] فأقر به أبو أسامة وقال نعم! وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي أسامة (٥)، وفي رواية للبخاري وغيره قال عمر:
стр. 1711
فقلت يا رسول الله تصلي عليه وقد قال في يوم كذا وكذا، وقال في يوم كذا وكذا وكذا!! فقال " دعني يا عمر فإني بين خيرتين، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت " ثم صلى عليه فأنزل الله … (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) … الآية. قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه سلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. فالله أعلم (١). وفي صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله وعنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبي (٢). وقد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة (٣)، وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى … (ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله) … الآية. [التوبة: ٧٥].
فصل
قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ وقال حسان بن ثابت ﵁ يعدد أيام الأنصار مع رسول الله ﷺ ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه، قال ابن هشام وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان:
ألست خير معد كلها نفرا … و؟ شرا إن هموا عموا وإن حصلوا
قوم هموا شهدوا بدرا بأجمعهم … مع الرسول فما ألوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد … منهم ولم يك في إيمانه دخل (٤)
ويوم صبحهم في الشعب من أحد … ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذي قرد يوم استثار بهم … على الجياد فما خانوا وما نكلوا (٥)
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم … مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا أهله رقصا … بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
стр. 1712
وليلة طلبوا فيها عدوهم … لله والله يجزيهم بما عملوا
وليلة بحنين جالدوا معه … فيها يعلهم في الحرب إذ نهلوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم … مع الرسول بها الأسلاب والنفل
وغزوة القاع فرقنا العدو به … كما يفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته … على الجلاد فآسوة وما عدلوا
وغزوة الفتح كانوا في سريته … مرابطين فما طاشوا وما عجلوا
ويوم خيبر كانوا في كتيبته … يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض نرعش الايمان عارية … تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل
ويوم سار رسول الله محتسبا … إلى تبوك وهم راياته الأول
وساسة الحرب إن حرب بدت لهم … حتى بدا لهم الاقبال والقفل
أولئك القوم أنصار النبي وهم … قومي أصير إليهم حين أتصل
ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم … وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
ذكر بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة
قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله ﷺ في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا. قال: أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر ﵁ بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله هذه الآيات من أول سورة التوبة … (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) … إلى قوله … (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر إن الله برئ من المشركين ورسوله) … إلى آخر القصة. ثم شرح ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة، والمقصود أن رسول الله ﷺ بعث عليا ﵁ بعد أبي بكر الصديق ليكون معه ويتولى علي بنفسه ابلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله ﷺ لكونه ابن عمه من عصبته.
قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر الصديق ﵁ ليقيم للناس الحج، قيل له يا رسول الله ﷺ لو بعثت بها إلى بكر فقال " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " ثم دعا علي بن أبي طالب فقال " اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك: ولا يطوف بالبيت عريان، ومن
стр. 1713
كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته " فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ وأجل [الناس] (١) أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ (٢). وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال البخاري: باب حج أبي بكر ﵁ بالناس سنة تسع: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمره عليه النبي ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن في البيت عريان. وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. قال حميد ثم أردف النبي ﷺ بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة قال: أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان (٣). وقال البخاري في كتاب الجهاد: حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب، عن الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس العمرة الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله ﷺ مشرك. ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه. قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ فقال ما كنتم تنادون؟ قالوا كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف في البيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر
стр. 1714
فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال فكنت أنادي حتى صحل صوتي (١). وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية والله تعالى أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بعث براءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " فبعث بها مع علي بن أبي طالب. وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة وقال حسن غريب من حديث أنس. وقد روى عبد الله بن أحمد: عن لوين، عن محمد بن جابر، عن سماك عن حلس (٢) عن علي أن رسول الله ﷺ لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شئ؟ قال " لا ولكن جبريل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " وهذا ضعيف الاسناد ومتنه فيه نكارة والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع (٣) - رجل من همدان - قال: سألنا عليا بأي شئ بعثت يوم بعثه رسول الله ﷺ مع أبي بكر في الحجة؟ قال بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا (٤). وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به وقال حسن صحيح. ثم قال وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال عن زيد بن أثيل، ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن علي.
قلت: ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حياة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال إن رسول الله صلى الله عليه سلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه سلم
стр. 1715
فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر ﵁ يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال علي فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة. وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
قال الواقدي (١) وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بدنة ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج (٢) فنادى ببراءة امام الموسم.
فصل
كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الأمور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه. قال الواقدي وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله ﷺ إلى الناس. وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بن عبد المطلب، وقيل غسلها نسوة من الأنصار فيهن أم عطية.
قلت: وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضا أنه ﵇ لما صلى عليها وأراد دفنها قال: " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " فامتنع زوجها عثمان لذلك ودفنها أبو طلحة الأنصاري ﵁ ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم فقال " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء " إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، هذا بعيد والله أعلم وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه.
وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد وهو دار حرب في الباطن فأمر به ﵇ فحرق. وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالأمان وكسرت اللات كما تقدم. وفيها توفي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها، وقبله بأشهر (٣) توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول
стр. 1716
الله ﷺ وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك. وفيها حج أبو بكر ﵁ بالناس عن إذن رسول الله ﷺ له في ذلك. وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره.
стр. 1717
كتاب الوفود (١)
الواردين إلى رسول الله ﷺ
قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كنت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص باسلامها أمر هذا الحي من قريش، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت به قريش ودوخها الاسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال … (أفواجا) * يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ … (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) … أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا، وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم باسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر - أي قومي - باسلامهم، فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا، وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري.
قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى … (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) … [الحديد: ١٠] وتقدم قوله ﷺ يوم الفتح " لا هجرة ولكن جهاد ونية " فيجب التمييز
стр. 1718
بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم. على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بايراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله ﷺ من مضر أربعمائة من مزينة وذاك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله ﷺ الهجرة في دارهم وقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم " فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده: أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه فبايع رسول الله ﷺ على إسلام قومه، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا (١) فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم إلى رسول الله ﷺ فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله ﷺ لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا، قال وهو أخو عبد الله ذو البجادين. وقال البخاري ﵀: باب وفد بني تميم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي صخرة، عن صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حصين، قال: أتى نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال، " اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قبلنا يا رسول الله. ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت … (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) … حتى انقضت. ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى … (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) … الآية.
وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الأهتم، والحتحات (٢) بن يزيد، ونعيم بن يزيد،
стр. 1719
وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا، المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل " فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد الله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكن نخشى (١) من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [بذلك] (٢). أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: " قم، فأجب الرجل في خطبته " فقام ثابت فقال: الحمد الله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا … منا الملوك وفينا تنصب البيع (٣)
وكم قسرنا من الاحياء كلهم … عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا … من الشواء إذا لم يؤنس القزع (٤)
بما ترى الناس تأتينا سراتهم … من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا … للنازلين إذا ما أنزلوا شعبوا (٥)
стр. 1720
فما ترانا إلى حي نفاخرهم … إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه … فيرجع القوم والاخبار تستمع
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد … إنا كذلك عند الفخر ترتفع
قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله ﷺ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ". فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم … قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته … تقوى الاله وكل الخير يصطنع (١)
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة … إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم … فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم … عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم … أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (٢)
أعفه ذكرت في الوحي عفتهم … لا يطعمون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم … ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم … كما يدب إلى الوحشية الذرع (٣)
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها … إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم … وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع … أسد بحلية في أرساعها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا … ولا يكن همك الامر الذي منعوا
فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - … شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم … إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره … فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الاحياء كلهم … إن جد في الناس جد القول أو شمعوا (٤)
وقال ابن هشام: وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم: أن الزبرقان لما قدم على