← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الله ﷺ وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك. وفيها حج أبو بكر ﵁ بالناس عن إذن رسول الله ﷺ له في ذلك. وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره.

стр. 1717

كتاب الوفود (١) الواردين إلى رسول الله ﷺ قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كنت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص باسلامها أمر هذا الحي من قريش، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت به قريش ودوخها الاسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال … (أفواجا) * يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ … (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) … أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا، وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم باسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر - أي قومي - باسلامهم، فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا، وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري. قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى … (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) … [الحديد: ١٠] وتقدم قوله ﷺ يوم الفتح " لا هجرة ولكن جهاد ونية " فيجب التمييز

стр. 1718

بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم. على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بايراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله ﷺ من مضر أربعمائة من مزينة وذاك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله ﷺ الهجرة في دارهم وقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم " فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده: أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه فبايع رسول الله ﷺ على إسلام قومه، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا (١) فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم إلى رسول الله ﷺ فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله ﷺ لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا، قال وهو أخو عبد الله ذو البجادين. وقال البخاري ﵀: باب وفد بني تميم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي صخرة، عن صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حصين، قال: أتى نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال، " اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قبلنا يا رسول الله. ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت … (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) … حتى انقضت. ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى … (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) … الآية. وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الأهتم، والحتحات (٢) بن يزيد، ونعيم بن يزيد،

стр. 1719

وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا، المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل " فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد الله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكن نخشى (١) من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [بذلك] (٢). أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: " قم، فأجب الرجل في خطبته " فقام ثابت فقال: الحمد الله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا … منا الملوك وفينا تنصب البيع (٣) وكم قسرنا من الاحياء كلهم … عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا … من الشواء إذا لم يؤنس القزع (٤) بما ترى الناس تأتينا سراتهم … من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا … للنازلين إذا ما أنزلوا شعبوا (٥)

стр. 1720

فما ترانا إلى حي نفاخرهم … إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه … فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد … إنا كذلك عند الفخر ترتفع قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله ﷺ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ". فقال حسان: إن الذوائب من فهر وإخوتهم … قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته … تقوى الاله وكل الخير يصطنع (١) قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة … إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم … فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم … عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم … أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (٢) أعفه ذكرت في الوحي عفتهم … لا يطعمون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم … ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم … كما يدب إلى الوحشية الذرع (٣) نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها … إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم … وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع … أسد بحلية في أرساعها فدع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا … ولا يكن همك الامر الذي منعوا فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - … شرا يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم … إذا تفاوتت الأهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره … فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الاحياء كلهم … إن جد في الناس جد القول أو شمعوا (٤) وقال ابن هشام: وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم: أن الزبرقان لما قدم على

стр. 1721

رسول الله ﷺ في وفد بني تميم قام فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا … إذا اختلفوا (١) عند احتضار المواسم بأنا فروع الناس في كل موطن … وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا … ونضرب رأس الأصيد المتفاقم وإن لنا المرباع في كل غارة … تغير بنجد أو بأرض الأعاجم قال فقام حسان فأجابه فقال: هل المجد إلا السؤدد العود والندى … وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا … على أنف راض من معد وراغم بحي حريد أصله وثراؤه … بجابية الجولان وسط الأعاجم نصرناه لما حل بين بيوتنا … بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا … وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا … على دينه بالمرهفات الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها … ولدنا نبي الخير من آل هاشم (٢) بني دارم لا تفخروا إن فخركم … يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم … لنا خول من بين ظئر وخادم فان كنتم جئتم لحقن دمائكم … وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا … ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم قال ابن إسحاق. فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي، إن هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلا من أصواتنا. قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الأهتم - يا رسول الله، إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم، قال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه: ظللت مفترش الهلباء تشتمني … عند الرسول فلم تصدق ولم تصب سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم … باد نواجذه مقع على الذنب

стр. 1722

وقد روى الحافظ البيهقي: من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن يزيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي. قال: قدم على رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: " أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه " وأراه كان عرف قيسا، قال فقال: مطاع في أذنيه شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال، قال فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال، ثم قال: يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم. قال: فقال رسول الله ﷺ : " إن البيان سحرا " وهذا مرسل من هذا الوجه. قال البيهقي وقد روي من وجه آخر موصولا: أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، ثنا محمد بن محمد بن محمد (١) بن أحمد بن عثمان البغدادي، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن (٢) العلاف ببغداد، حدثنا علي بن حرب الطائي، أنبأنا أبو سعد (٣) بن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. قال: جلس إلى رسول الله ﷺ قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان، فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك - يعني عمرو بن الأهتم - قال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو بن الأهتم: أنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا. ولكني رجل إذا رأيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا. فقال رسول الله ﷺ " إن من البيان سحرا " (٤) وهذا اسناد غريب جدا. وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة فبعث إليهم رسول الله ﷺ عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فقدم رؤساهم بسبب أسرائهم ويقال قدم منهم تسعين - أو ثمانين - رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورباح بن الحارث وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد

стр. 1723

أذن بلال الظهر، والناس ينتظرون رسول الله ﷺ ليخرج إليهم فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات، فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه ﵊ أجازهم على كل رجل اثني عشر أوقية ونشا إلا عمرو بن الأهتم فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم (١). قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى … (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) … [الحجرات: ٤] قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله … (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) *. قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن حمدي زين، وذمي شين. فقال: " ذاك الله " وهذا إسناد جيد متصل. وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الإمام أحمد: حدثنا عفاف، ثنا وهب، ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية يا رسول الله فلم يجبه. فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين. فقال: " ذاك الله ". حديث في فضل بني تميم قال البخاري: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم: " هم أشد أمتي على الدجال " وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال: " أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " وجاءت صدقاتهم فقال: " هذه صدقات قوم - أو قومي - " (٢) وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به. وهذا حديث يرد على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول: تميم بطرق اللوم أهدى من القطا … ولو سلكت طرق الرشاد لضلت ولو أن برغوثا على ظهر قملة … رأته تميم من بعيد لولت

стр. 1724

وفد بني عبد القيس ثم قال البخاري بعد وفد بني تميم: باب وفد عبد القيس حدثنا أبو إسحاق (١) حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا قرة، عن أبي جمرة (٢) قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة ينتبذ لي فيها فاشربه حلوا في جر إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح؟ فقال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال " مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى " فقال: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فحدثنا بجميل (٣) من الامر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا به من وراءنا. قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الايمان بالله هل تدرون مع الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهلكم عن أربع، ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت " (٤). وهكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبي جمرة وله طرق في الصحيحين عن أبي جمرة. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن أبي جمرة سمعت ابن عباس يقول: إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه قال " ممن القوم؟ " قالوا من ربيعة. قال: " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى " فقالوا يا رسول الله: إنا حي من ربيعة وإنا نأتيك شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ندعوا إليه من وراءنا وندخل به الجنة. فقال رسول الله ﷺ : " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان بالله وحده أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع، عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال والمقير - فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم " (٥) وقد أخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه، وقد رواه مسلم من

стр. 1725

حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد بحديث فصتهم بمثل هذا السياق، وعنده أن رسول الله ﷺ قال لأشج عبد القيس " إن فيك لخلتين يحبهما الله ، الحلم والأناة " (١) وفي رواية " يحبهما الله ورسوله " فقال يا رسول الله تخلقتهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: " جبلك الله عليهما " فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا مطر بن عبد الرحمن، سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: أتيت رسول الله ﷺ والأشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول الله ﷺ فلما رأوا رسول الله ﷺ وثبوا من رواحلهم فأتوا رسول الله ﷺ فقبلوا يده، ثم نزل الأشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها فأتى رسول الله ﷺ فقال: " يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله، الحلم والأناة " فقال يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: " بل الله جبلك عليهما ". قال الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. فقال الوازع يا رسول الله إن معي خالا لي مصابا فادع الله له فقال: " أين هو آتيني به " قال: فصنعت مثل ما صنع الأشج ألبسته ثوبيه وأتيته فأخذ من ورائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال " أخرج عدو الله " فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح (٢). وروى الحافظ البيهقي: من طريق هود بن عبد الله بن سعد، أنه سمع جده مزيدة العبدي (٣). قال بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابه إذ قال لهم " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق " فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال من القوم؟ فقالوا: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد التجارة؟ قالوا: لا قال: أما أن النبي ﷺ قد ذكركم آنفا فقال خيرا، ثم مشوا معه حتى أتوا النبي ﷺ فقال عمر للقوم: وهذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول، ومنهم من سعى حتى أتوا رسول الله ﷺ فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الأشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله ﷺ فقبلها، فقال النبي ﷺ " إن فيك خلتين يحبهما

стр. 1726

الله ورسول ". قال: جبل جبلت [عليه] أن تخلقا مني؟ قال: بل جبل فقال: الحمد الله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله (١). وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو بن حنش، أخو عبد القيس. قال ابن هشام: وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا، قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن قال: لما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه، فعرض عليه الاسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله ﷺ الحملان فقال: " والله ما عندي ما أحملكم عليه ". قال: يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالا من ضوال الناس: أفنتبلغ عليها إلى بلادنا، قال: لا إياك وإياها، فإنما تملك حرق النار. قال فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك، وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور (٢) بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد. وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله ﷺ قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين (٣). ولهذا روى البخاري: من حديث إبراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة (٤) عن ابن عباس. قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجوانا (٥) من البحرين، وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها (٦).

стр. 1727

قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام. والله أعلم. قصه ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب قال البخاري: باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أثال: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: " ما عندك يا ثمامة "؟ قال عندي خير، يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم. وان تنعم تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد، ثم قال له: " ما عندك يا ثمامة)؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: " ما عندك يا ثمامة "؟ فقال عندي ما قلت لك. فقال: " أطلقوا ثمامة " فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك بأحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت؟ قال: لا! ولكن أسلمت مع محمد ﷺ ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ (١). وقد رواه البخاري في في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه، وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنه تسع نظر آخر. وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لان أهل مكة عيروه بالاسلام وقالوا أصبوت فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب، لم يسلم أهلها بعد والله أعلم، ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه ولكن ذكرناه هاهنا اتباعا للبخاري ﵀. وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس: قال: قدم مسيلمة الكذاب (٢) على عهد رسول الله ﷺ فجعل القول: إن جعل لي محمد

стр. 1728

الامر من بعده اتبعته، وقدم في بشر كثير من قومه فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: " لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليقرنك الله، وإني لأراك الذي رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني " ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ إنك الذي رأيت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحى إلي في المنام إن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: أحدهما الأسود العنسي (١) والآخر مسيلمة " (٢). ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر (٣) ثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر، عن همام بن منبه (٤) أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأوحي إلي أن أنفخهما، فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة " (٥). ثم قال البخاري: ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح عن ابن عبيدة بن (٦) نشيط - وكان في موضع آخر اسمع عبد الله - أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته بنت الحارث بن كريز وهي أم عبد الله بن الحارث (٧) بن كريز فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وهو الذي يقال له خطيب رسول الله ﷺ ، وفي يد رسول الله ﷺ قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة إن شئت خليت بينك وبين الامر، ثم جعلته لنا بعدك. فقال رسول الله ﷺ " لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه وإني لأراك الذي رأيت فيه ما رأيت (٨)، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك

стр. 1729

عني " فانصرف رسول الله ﷺ قال [عبيد الله بن] (١) عبد الله سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله ﷺ الذي ذكر فقال ابن عباس: ذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: " بينا أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما (٢) وكرهتهما فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان " فقال عبيد الله: [أحمدهما العنسي الذي قتله] (٣) فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب (٤). وقال محمد بن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزوال بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون وكان قد تسمى بالرحمان فكان يقال له رحمان اليمامة وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من النيرجات فكان يدخل البيضة إلى القارورة وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها. قلت: وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه الله. قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار ثم من بني النجار، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله ﷺ " لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه " قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا. وزعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، وقال " أما أنه؟ يس بشركم مكانا " أي لحفظه ضيعة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله ﷺ قال: ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله ﷺ ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم. وقال: إني أشركت في الامر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الامر معه، ثم جعل يسجع لهم السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله ﷺ بأنه نبي. فأصفقت (٥) معه بنو حنيفة على ذلك.

стр. 1730

قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان (١). وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة - واسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله ﷺ مدة، وقد مر عليه رسول الله ﷺ وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد " فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله ﷺ أشركه في الامر معه، وألقى إليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي. قال السهيلي: وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل، وأضيف إليهم سجاح وكانت تكنى أم صادر تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل جنبة بن طارق، ويقال إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا ثم أسلم وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت في الامر معك، فإن لنا نصف الامر، ولقريش نصف الامر، ولكن قريشا قوم يعتدون (٢). فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب. فكتب إليه رسول الله ﷺ ، بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قال وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعني ورود هذا الكتاب - قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: " وأنتما تقولان مثل ما يقول؟ " قالا: نعم! فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما (٣). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله ﷺ . فقال لهما: " أتشهدان أني رسول الله " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ " آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما " قال عبد الله بن مسعود فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. قال عبد الله: فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه. قال الحافظ البيهقي أما أسامة (٤) بن أثال فإنه أسلم وقد مضى الحديث في اسلامه. وأما ابن النواحة [فإن ابن مسعود قتله بالكوفة حين أمكن الله منه] (٥)

стр. 1731

فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي (١) أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرأون قراءة ما أنزلها الله على محمد ﷺ : والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما. قال: فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة، قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم (٢). وقال الواقدي كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال بن عنفوة وطلق بن علي، وعلي بن سنان، ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومره خبزا وسمنا، ومره تمرا ينزلهم. فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، لما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنه في رحالهم فقال " أما أنه ليس بشركم مكانا " فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه فقال: إنما قال ذلك لأنه عرف الامر لي من بعده، وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة. قال الواقدي: وقد كان رسول الله ﷺ بعث معهم بأداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذوه مسجدا ففعلوا (٣). وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله ﷺ ، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق، وما كان من أمر بني حنيفة إن شاء الله تعالى. وفد أهل نجران (٤) قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة. قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وأبعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال: " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ . وقال قم يا أبا عبيدة الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ : " هذا أمين هذه

стр. 1732

الأمة " (١) وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق به. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يشوع (٢) عن أبيه عن جده - قال يونس وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله ﷺ كتب إلى [أهل] نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان (٣)، باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران [وأهل نجران] (٤) أسلم أنتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام. فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من [أهل] همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله، لا الاتهم (٥)، ولا السيد ولا العاقب - فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي، وجهدت لك، فقال له الأسقف تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته، وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحيته. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس، ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف

стр. 1733

مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله ﷺ ، قال: فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم¬ السلام، وتصدوا لكلامه نهار طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهما (١) فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس. فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن! إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهار طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي بن أبي طالب، وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه، ففعلوا فسلموا فرد سلامهم. ثم قال: " والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وأن إبليس لمعهم، ثم ساءلهم وسائلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه. فقال رسول الله ﷺ " ما عندي فيه شئ يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى " فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الآية • (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) … [آل عمران: ٥٩ - ٦١] فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يؤمئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عيبته ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة وإنا أدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، فقال " وما هو "؟ فقال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمك فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ " لعل وراءك أحد يثرب عليك؟ " فقال

стр. 1734

شرحبيل: سل صاحبي، فقالا: ما ترد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل، [فقال رسول الله ﷺ : كافر أو قال: جاحد موفق] (١) فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي الأمي رسول الله لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء [وسوداء] ورقيق، فافضل عليهم، وترك ذلك كله على ألفي حلة [من حلل الأواقي]، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، وذكر تمام الشروط (٢). إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة (٣)، وكتب حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله ﷺ إلى الأسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله ﷺ ، فقال له الأسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا، فقال له بشر: لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى أتى رسول الله ﷺ ، فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنى الأسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نجعنا (٤) لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب نحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته وهو مولي الأسقف ظهره وارتجز يقول:

стр. 1735

إليك تغدوا وضينها … معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال ودخل الوفد نجران فأتي الراهب بن أبي شمر الزبيدي، وهو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم فقال الراهب أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة قال: فأنزلوه فأخذ معه هدية وذهب إلى رسول الله ﷺ منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء وقعب وعصا. فأقام مدة عند رسول الله ﷺ يسمع الوحي ثم رجع إلى قومه ولم يقدر له الاسلام ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفي رسول الله ﷺ وأن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله ﷺ ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه وكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفة نجران بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين وكتب المغيرة بن شعبة (١). وذكر محمد بن إسحاق: أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم: وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الأتهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤل إلى ثلاثة منهم وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه والسيد وكان ثمالهم وصاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وخيرهم وكان رجل من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل في دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله ﷺ ولكن صده الشرف والجاه من اتباع الحق. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز بن علقمة. قال: قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدارستهم وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن

стр. 1736

علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز: تعس الأبعد - يريد رسول الله ﷺ . فقال أبو حارثة: بل أنت تعست فقال له كرز ولم يا أخي فقال والله أنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز وما يمنعك وأنت تعلم هذا. فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا واخدمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى قال فاضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك. وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق. فقال رسول الله ﷺ دعوهم فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر من سورة آل عمران والمباهلة فأبوا ذلك وسألوا أن يرسل معهم أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح كما تقدم في رواية البخاري وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة. وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل واربد بن مقيس قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن مقيس بن جزء بن جعفر (١) بن خالد وجبار (٢) بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. وقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله ﷺ وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا أبا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فانا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد: إن قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف، فلما قدموا على رسول الله ﷺ . قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني قال: " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " قال: يا محمد خالني، قال: وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالني، قال " لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له " فلما أبى عليه رسول الله ﷺ . قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فلما ولى قال رسول الله ﷺ " اللهم اكفني عامر بن الطفيل " فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر بن الطفيل لأربد: أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبالك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول؟

стр. 1737

قال ابن هشام: ويقال أغدة كغدة الإبل وموت في بيت سلولية (١). وروى الحافظ البيهقي: من طريق الزبير بن بكار، حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤمل عن أبيها عن جدها مؤمل بن جميل (٢) قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله ﷺ فقال له " يا عامر أسلم " فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر: قال: " لا " ثم قال: أسلم، فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر، قال: لا فولى وهو يقول: والله يا محمد لأملأنها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اكفني عامرا واهد قومه. فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها: سلولية فنزل عن فرسه، ونام في بيتها، فأخذته عدة في حلقه، فوثب على فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجول، وهو يقول غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا (٣). وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بني عامر بن صعصعة، أتى رسول الله ﷺ وهو ابن عشرين سنة فأسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. قال الزبير بن بكار: حدثتني ظميا بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن جميل بن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت: حدثني أبي عن أبيه عن موءلة أنه أتى رسول الله ﷺ فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله ﷺ ومسح يمينه وساق إبله إلى رسول الله ﷺ فصدقها بنت لبون ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله ﷺ وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته. قلت والظاهر أن قصة عامر بن لطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي: عن الحاكم عن الأصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم. قال الأوزاعي قال يحيى: فمكث رسول الله ﷺ يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت، وابعث عليه ما يقتله فبعث الله عليه الطاعون. وروي عن همام عن إسحاق بن عبد الله عن أنس في قصة ابن

стр. 1738

ملحان قال: وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ويكون لي أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال: فطعن في بيت امرأة، فقال: غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه (١). قال ابن إسحاق ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم: فقالوا وما وراءك يا أربد؟ قال لا شئ: والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت لو أنه عندي الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه (٢) فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه فقال لبيد يبكي أربد: ما أن تعدي (٣) المنون من أحد … لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السماك والأسد فعين هلا بكيت أربد إذ … قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم … أو يقصدوا في الحكوم يقتصد حلو أريب وفي حلاوته … مر لصيق الأحشاء والكبد وعين هلا بكيت أربد إذ … ألوت رياح الشتاء بالعضد (٤) وأصبحت لاقحا مصرمة … حتى تجلت غوابر المدد أشجع من ليث غابة لحم … ذو نهمة في العلا ومنتقد لا تبلغ العين كل نهمتها … ليلة تمسى الجياد كالقدد (٥) الباعث النوح في مآتمه … مثل الظباء الأبكار بالجرد فجعني البرق والصواعق بالفارس … يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا … جاء نكيبا وإن يعد يعد (٦) يعفو على الجهد والسؤال كما … ينبت غيث الربيع ذو الرصد كل بني حرة مصيرهم … قل وإن كثروا من العدد

стр. 1739

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا … يوما فهم للهلاك والنفد وقد روى ابن إسحاق: عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه والله الموفق للصواب. قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال فأنزل الله في عامر وأربد … (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) … [الرعد: ٨] يعني محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى • (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال هو الذي يريكم البرق خوفا وطعما وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) … [سورة الرعد: ١١]. قلت وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد ولله الحمد والمنة، وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام ﵀ فروينا من طريق الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله ﷺ فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت فقال رسول الله ﷺ : " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ". قال عامر: أتجعل لي الامر إن أسلمت من بعدك. فقال رسول الله ﷺ : " ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل ". قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، أجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله ﷺ : " لا " فلما قفل (١) من عنده، قال عامر أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فقال رسول الله ﷺ : " يمنعك الله " فلما خرج أربد وعامر قال عامر: يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد افعل. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك فقام معه رسول الله ﷺ فخليا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله ﷺ يكلمه، وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطيع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة، حرة وأقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدوا الله لعنكما الله، فقال عامر من هذا

стр. 1740

يا سعد؟ قال أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه بالليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب (١) أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا فأنزل الله فيهما … (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد) … إلى قوله … (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) … يعني محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وما قتله به فقال … (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) … الآية، وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم من قصة عامر وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه والله أعلم. وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسي رضي عنه على رسول الله ﷺ بمكة وإسلامه وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه وبسطنا ذلك هنالك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كما صنع البيهقي وغيره. قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا [عن قومه بني سعد بن بكر] (٢) قال ابن إسحاق حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب عن ابن عباس. قال: بعث بنو سعيد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخله المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ " أنا ابن عبد المطلب " فقال: يا محمد قال: نعم. قال: يا بن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال " لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك " فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: " اللهم نهم! " قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وان نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال: اللهم نعم! قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس. قال " نعم! " قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الاسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره راجعا. قال: فقال رسول الله ﷺ " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم أن قال: بئست اللات

стр. 1741

والعزى. فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا أستنقذكم به مما كنتم فيه. واني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١). وهكذا رواه الإمام أحمد: عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره، وقد روى هذا الحديث أبو داود: من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح لان العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح. وقد قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس. قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا غديرتين وافدا إلى رسول الله ﷺ فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فسأله فأغلظ في المسألة سأله عمن أرسله وبما أرسله؟ عن شرائع الاسلام فأجابه رسول الله ﷺ في ذلك كله فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الأنداد فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما وبنو المساجد وأذنوا بالصلاة (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت، عن أنس بن مالك. قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: صدق! قال: فمن خلق السماوات؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم! قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم! قال وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم! قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم! قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق، قال: ثم ولى فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص عليهن شيئا. فقال النبي ﷺ " إن صدق ليدخلن الجنة ". وهذا

стр. 1742

الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك ﵁. وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه وأخرجه من وجه آخر بنحوه. فقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال. أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، قال: فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا بن عبد المطلب، فقال رسول الله ﷺ قد أجبتك فقال الرجل: يا محمد إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل ما بدا لك. فقال الرجل: أسألك بربك ورب من كان قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله ﷺ " اللهم نعم! " قال فأنشدك الله. آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ فقال رسول الله ﷺ " اللهم نعم " [قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال رسول الله ﷺ :: " اللهم نعم!] (١) قال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. وقد رواه البخاري: عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري به وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن الليث به. والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث قال: حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا. فصل وقد قدمنا ما رواه الإمام أحمد: عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الأزدي على رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة وإسلامه وإسلام قومه كما ذكرنا مبسوطا بما أغنى عن إعادته ها هنا ولله الحمد والمنة. وفد طئ مع زيد الخيل ﵁ [وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب، أبو مكنف الطائي، وكان من أحسن العرب وأطوله

стр. 1743

رجلا. سمي زيد الخيل لخمس أفراس كن له (١). قال السهيلي: ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها] (٢). قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ وفد طئ وفيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله ﷺ الاسلام، فأسلموا فحسن إسلامهم. وقال رسول الله ﷺ كما " حدثني من لا أتهم من رجال طئ، ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ الذي فيه ثم سماه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه، وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعا إلى قومه فقال رسول الله ﷺ " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه قال " وقد سماها رسول الله ﷺ باسم غير الحمى، وغير أم ملدم - لم يثبته - قال فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها ولما أحس بالموت قال: أمر تحل قومي المشارق غدوة … واترك في بيت بفردة منجد الإرب يوم لو مرضت لعادني … عوائد من لم يبر منهن يجهد (٣) قال: ولما مات عمدت امرأته بجلهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار. قلت: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد: أن علي بن أبي طالب بعث. رسول الله ﷺ من اليمن بذهبية في تربتها فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والأقرع بن حابس، وعتبة بن بدر الحديث. وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن إن شاء الله تعالى. قصة عدي بن حاتم الطائي قال البخاري: في الصحيح وفد طئ وحديث عدي بن حاتم: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن عدي بن حاتم. قال: أتينا عمر ابن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ نكروا. فقال

стр. 1744

عدي: لا أبالي إذا (١)، وقال ابن إسحاق: وأما عدي بن حاتم فكان يقول، فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله ﷺ حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع (٢) وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لإبلي: لا أبالك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن. فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. قال: قلت. فقرب إلي أجمالي فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الحوشية (٣) وخلفت بنتا (٤) لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله ﷺ فتصيبت ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طئ وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام. قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله ﷺ فقامت إليه وكانت امرأة جزلة. فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد: فامنن علي من الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله: قالت: ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالأمس، قالت حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلميه. قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك. فقال ﷺ قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك كم يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني، فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن كلميه فقيل لي: علي بن أبي طالب قالت: فقمت حتى قدم من بلي أو قضاعة قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام، فجئت فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا قال: فقلت: ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت علي انتحلت (٥) تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك؟ قال قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرا فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت قال: ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها: وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل، قالت

стр. 1745

أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرأي قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه. فقال: من الرجل؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام رسول الله ﷺ ، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال: قلت في نفسي والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال " اجلس على هذه " قال قلت: بل أنت فاجلس عليها. قال " بل أنت " فجلست وجلس رسول الله ﷺ بالأرض، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال " إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا (١) " قال قلت: بلى! قال: " أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع " قال: قلت: بلى! قال " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " قال قلت: أجل! والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال " لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ". قال: فأسلمت، قال: فكان عدي يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه (٢). هكذا أورد ابن إسحاق ﵀ هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر. فقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم. قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ وأنا بعقرب (٣) فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم رسول الله ﷺ قال فصفوا له. قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك. فقال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الذي فر من الله ورسوله؟ قالت: فمن علي فلما رجع ورجل إلى جنبه - ترى أنه علي - قال سليه حملانا، قال فسألته فأمر لها عدي: فأتتني فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت إيته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر. فقال

стр. 1746

ل هـ: يا عدي بن حاتم ما أفرك؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله، ما أفرك؟ أفرك أن يقال الله أكبر فهل شئ هو أكبر من الله ، فأسلمت فرأيت وجهه استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى. قال: ثم سألوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ أمرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة. قال شعبة - وأكثر علمي أنه قال: بتمرة، بشق تمرة - وإن أحدكم لاقى الله فقائل، ما أقول ألم أجعلك سميعا بصيرا ألم أجعل لك مالا وولدا فماذا قدمت: فينظر من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا، فما يتقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوه فبكلمة لينة، إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يخاف السرق على ظعينتها (١). وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس كلاهما عن سماك ثم قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال الإمام أحمد. أيضا حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل. قال قلت لعدي بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك قال: نعم! لما بلغني خروج رسول الله ﷺ كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية حتى قدمت على قيصر - قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه قال قلت: والله لو أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبا لم يضرني وإن كان صادقا علمت، قال: فقدمت فأتيته فلما قدمت قال الناس عدي بن حاتم؟ فدخلت على رسول الله ﷺ فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثا قال قلت: إني على دين. قال أنا أعلم بدينك منك فقلت أنت تعلم بديني مني؟ قال: نعم! ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟ قلت: بلى! قال هذا لا يحل لك في دينك قال: نعم! فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال: أما أني أعلم الذي يمنعك من الاسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الامر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال قلت: كنوز ابن هرمز؟ قال: نعم! كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد. قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة [تخرج] (٢)! من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لان رسول الله ﷺ قد قالها. ثم قال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة

стр. 1747

عن رجل. وقال حماد وهشام عن محمد بن أبي عبيدة ولم يذكر عن رجل. قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته فقال: نعم! فذكر الحديث. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عمرو الأديب، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا إسرائيل، أنبأنا سعد الطائي أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم. قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل. قال: يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة؟ قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله . قال قلت في نفسي: فإن ذعار طيئ - الذين سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة ليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبين ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله قلا يرى إلا جهنم. قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة " قال عدي: فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم ﷺ (١). وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل به بطوله. وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر، عن سعد أبي مجاهد الطائي، عن محل بن خليفة عن عدي به. ورواه الإمام أحمد والنسائي من حديث شعبة عن سعد أبي مجاهد الطائي به. وممن روى هذه القصة عن عدي: عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه. وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها (٢). وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة. وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة " ولفظ مسلم " من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل " طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم. وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر (٣) محمد بن عبد الله بن يوسف، ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي، ثنا ضرار بن صرد، ثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي. قال: قال علي بن أبي طالب: يا سبحان الله! ما أزهد كثيرا من الناس خير، عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له

стр. 1748

أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح، فقام إليه رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم! وما هو خير منه: لما أتي بسبايا طيئ وقفت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شماء الانف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لأطلبن إلى رسول الله ﷺ يجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها [لما رأيت] (١) من فصاحتها. فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ فقال رسول الله ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق. فقام أبو بردة بن نيار. فقال: يا رسول الله تحب مكارم الأخلاق (٢) فقال رسول الله " والذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق ". هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج. وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيئ أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والاحسان إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالايمان (٣) وهو ممن لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وقد زعم الواقدي أن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدي بن حاتم وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لأحدهما الرسوب والآخر المخذم كان الحارث بن أبي سمر (٤) قد نذرهما لذلك الصنم. قال البخاري ﵀: قصة دوس والطفيل بن عمرو حدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن ابن ذكوان - هو عبد الله بن زياد (٥) - عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقال إن دوسا قد هلكت، وعصت وأبت فادع الله عليهم. فقال رسول الله ﷺ : " اللهم اهد دوسا وأت

стр. 1749

بهم ". انفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم قال: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل، عن قيس عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها … على أنها من دارة الكفر نجت وأبق لي غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي ﷺ وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لي النبي ﷺ : يا أبا هريرة، هذا غلامك. هو حر لوجه الله فأعتقته (١). انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم وهذا الذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو فقد كان قبل الهجرة ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح لان دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة وكان قدوم أبي هريرة ورسول الله ﷺ محاصر خيبر ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله ﷺ خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه. قال البخاري ﵀: قدوم الأشعريين وأهل اليمن ثم روى من حديث شعبة، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن ذكوان أبي صالح السمان، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم " ورواه مسلم من حديث شعبة. ثم رواه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال " أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة. الفقه يمان، والحكمة يمانية ". ثم روى عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور عن أبي الغيث (٢) عن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: " الايمان يمان، والفتنة ها هنا، ها هنا يطلع قرن الشيطان " ورواه مسلم عن شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. ثم روى البخاري من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " الايمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، من حديث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر " وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. ثم روى من حديث سفيان الثوري، عن أبي صخرة جامع بن شداد، ثنا صفوان بن محرز عن عمران بن حصين. قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فقال " أبشروا يا بني تميم " فقالوا: أما إذ

стр. 1750

بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله ﷺ ، فجاء ناس من أهل اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قبلنا يا رسول الله (١) وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بني تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الأشعريين بل الأشعريين متقدم وفدهم على هذا فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الأشعري في صحبة جعفر بن أبي طالب، وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله ﷺ خيبر كما قدمناه مبسوطا في موضعه، وتقدم قوله ﷺ : " والله ما أدري بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر " والله أعلم. قال البخاري (٢): قصة عمان والبحرين حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان سمع محمد بن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله ﷺ : " لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " ثلاثا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله ﷺ فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى: من كان له عند النبي ﷺ دين أو عدة فليأتني. قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله ﷺ قال: " لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا " قال: فأعرض عني قال جابر فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ثم أتيته فلم يعطني ثم أتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له: قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، فأما أن تعطني وإما أن تبخل عني. قال: قلت تبخل عني؟ قال: وأي داء أدوأ من البخل؟ قالها ثلاثا ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك وهكذا رواه البخاري ها هنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة به ثم قال البخاري بعده: وعن عمرو عن محمد بن علي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: جئته فقال لي أبو بكر: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة، فقال: خذ مثلها مرتين. وقد رواه البخاري أيضا عن علي بن المديني، عن سفيان هو ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر، عن جابر كروايته له عن قتيبة ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر عن سفيان بن عيينة عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر بنحوه. وفي رواية أخرى له: أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدها فإذا هي خمسمائة فأضعفها له مرتين يعني فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم.

стр. 1751

وفود فروة بن مسيك المرادي إلى رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادي (١) مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، إلى رسول الله ﷺ وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم وكان ذلك في يوم يقال له الردم وكان الذي قاد همدان إليهم الأجدع بن مالك قال ابن هشام ويقال مالك بن خريم الهمداني. قال ابن إسحاق فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم: مررن على لفات وهن خوص … ينازعن الأعنة ينتحينا (٢) فإن نغلب فغلابون قدما … وان نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن … منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال … تكز صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى … ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر … فألفى في الأولى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم … يجد ريب الزمان له خؤنا فلو خلد الملوك إذا خلدنا … ولو بقي الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي … كما أفنى القرون الأولينا قال ابن إسحاق ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله ﷺ مفارقا ملوك كندة قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت … كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا … أرجو فواضلها وحسن ثرائها (٣) قال: فلما انتهى فروة إلى رسول الله ﷺ قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ : " أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا " واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ (٤).

стр. 1752

قدوم عمر بن معد يكرب في أناس من زبيد قال ابن إسحاق: وقد كان عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ : يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال (١) إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدقه وآمن به، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال: خالفني وترك أمري ورأيي. فقال عمرو بن معدي كرب في ذلك: أمرتك يوم ذي … صنعاء أمرا باديا رشده (٢) أمرتك باتقاء الله … والمعروف تتعده خرجت من المنى مثل … الحمير غره وتده تمناني على فرس … عليه جالسا أسده علي مفاضة كالنهي … أخلص ماءه جدده ترد الرمح منثني … السنان عوائرا قصده (٣) فلو لاقيتني للقيت … ليثا فوقه لبده تلاقى شنبثا شثن … البراثن ناشزا كتده (٤) يسامي القرن إن قرن … تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه … فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه … فيخمضه فيزدرده ظلوم الشرك فيما … أحرزت أنيابه ويده قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد، وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد عمرو بن معدي كرب فيمن ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال: وجدنا ملك فروه شر ملك … حمار ساف منخره بثفر (٥)

стр. 1753

وكنت إذا رأيت أبا عمير … ترى الحولاء من خبث وغدر قلت: ثم رجعت إلى الاسلام وحسن إسلامه وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق ﵄ وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين توفي سنة إحدى وعشرين بعدما شهد فتح نهاوند وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ قال أبو عمر بن عبد البر وكان وفوده إلى رسول الله ﷺ سنة تسع وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي. قلت: وفي كلام الشافعي ما يدل عليه. فالله أعلم. قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معدي كرب لم يأت النبي ﷺ وقد قال في ذلك: إنني بالنبي موقنة نفسي … وإن لم أر النبي عيانا سيد العالمين طرا وأدناهم … إلى الله حين بان مكانا جاء بالناموس من لدن الله … وكان الأمين فيه المعانا حكمة بعد حكمه وضياء … فاهتدينا بنورها من عمانا وركبنا السبيل حين ركبناه … جديدا بكرهنا ورضانا وعبدنا الاله حقا وكنا … للجهالات نعبد الأوثانا وائتلفنا به وكنا عدوا … فرجعنا به معنا إخوانا فعليه السلام والسلام منا … حيث كنا من البلاد وكانا إن نكن لم نر النبي فإنا … قد تبعنا سبيله إيمانا قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن إسحاق وقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس، في وفد كندة فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال لهم: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى! قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشقوه منها فألقوه. ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنوا آكل المرار وأنت ابن آكل المرار، قال، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وكانا تاجرين إذا شاعا (١) في العرب فسئلا ممن أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يعني ينسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد لان كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة نحن بنو آكل المرار وهو الحارث بن عمرو (٢) بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن

стр. 1754

معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة - ثم قال رسول الله ﷺ لهم. " لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا (١) أمنا ولا ننتفي من أبينا ". فقال لهم الأشعث بن قيس والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. وقد روي هذا الحديث متصلا من وجه آخر فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، حدثني عقيل بن طلحة وقال عفان في حديثه أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي: عن مسلم بن هيضم، عن الأشعث بن قيس أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد كندة - قال عفان - لا يروني أفضلهم، قال قلت يا رسول الله: أنا ابن عم إنكم منا. قال فقال رسول الله ﷺ : " نحن بنو النضر بن كنانة لا نفقوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ". قال وقال الأشعث: فوالله لا أسمع أحد نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد (٢). وقد رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى عن سليمان بن حرب. وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس. قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: هل لك من ولد؟ قلت غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع القوم. قال: لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك أنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة. تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الاسناد (٣). قدوم أعشى بن مازن على النبي ﷺ قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي، حدثني أبي أمين عن أبيه ذروة عن أبيه نضلة: أن رجلا منهم يقال له الأعشى، واسمه عبد الله الأعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، خرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا فعادت برجل منهم يقال له مطرف بن نهشل (٤) بن كعب بن قميثع (٥) بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها

стр. 1755

نشزت عليه، وأنها عاذت بمطرف بن نهشل، فأتاه فقال: يا بن عم، أعندك امرأتي فادفعها إلي قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك، قال وكان مطرف أعز منه قال: فخرج الأعشى حتى أتى النبي ﷺ ، فعاذ به فأنشأ يقول: يا سيد الناس وديان العرب … إليك أشكو ذربة من الذرب كالذئبة العنساء (١) في ظل السرب … خرجت أبغيها الطعام في رجب فخلفتني بنزاع وهرب … أخلفت الوعد ولطت بالذنب وقذفتني بين عصر مؤتشب … وهن شر غالب لمن غلب فقال النبي ﷺ عند ذلك: " وهن شر غالب لمن غلب ". فشكى إليه امرأته وما صنعت به وانها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل. فكتب له النبي ﷺ : إلى مطرف انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه، فأتاه كتاب النبي ﷺ فقرئ عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب النبي ﷺ فيك فأنا دافعك إليه، فقالت: خذ لي عليه العهد والميثاق وذمة نبيه، أن لا يعاقبني فيما صنعت فأخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف إليه فأنشأ يقول: لعمرك ما حبي معاذة بالذي … يغيره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها … غواة الرجال إذ يناجونها بعدي قدوم صرد بن عبد الله الأزدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم قال ابن إسحاق وقدم صرد بن عبد الله الأزدي على رسول الله ﷺ في وفد من الأزد، فأسلم وحسن إسلامه، وأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم، من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فذهب فحاصر جرش (٢) وبها قبائل من اليمن وقد ضوت إليهم خثعم، حين سمعوا بمسيره إليهم فأقام عليهم قريبا من شهر، فامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل: يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال بأي بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسمية أهل جرش فقال أنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما شأنه يا رسول الله فقال إن بدن الله لتنحر عنده الآن، قال فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما، ويحكما إن رسول الله ﷺ الآن لينعى إليكما قومكما فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: " اللهم أرفع عنهم " فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر
следующие страницы →