فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة. يا عائشة حبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة … ثم قال: هذا حديث غريب … قلت: وفي إسناده ضعف وفي متنه نكارة والله أعلم … وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، [قال حد] ثنا أبو عبد الرحمن - يعني - عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سعيد بن سعد أنه قيل له: هل رأى النقي بعينه - يعني الحوارى - فقال له ما رأى رسول الله النقي بعينه حتى لقي الله ، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله؟ فقال: ما كانت لنا مناخل، فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: ننفخه فيطير [منه] ما طار … وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به وزاد ثم نذريه ونعجنه، ثم قال حسن صحيح … وقد رواه مالك عن أبي حازم. قلت: وقد رواه البخاري عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن مطرف بن غسان المدني، عن أبي حازم عن سهل بن سعد به، ورواه البخاري أيضا والنسائي عن شيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم عن سهل به، وقال الترمذي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا جرير بن عثمان، عن سليم بن عامر سمعت أبا أمامة يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشعير، ثم قال: حسن صحيح غريب … وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم قال: رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا: والذي نفسي أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا، ورواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث يزيد بن كيسان … وفي الصحيحين: من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله (١) … وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا محمد بن طلحة، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض … وقال أحمد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا مطيع الغزال عن كردوس عن عائشة قالت: قد مضى رسول الله لسبيله وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر … وقال الإمام أحمد: ثنا حسن، ثنا زويد، عن أبي سهل عن سليمان بن رومان - مولى عروة - عن عروة عن عائشة أنها قالت: والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله [ ] إلى أن قبض. قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف (٢) … تفرد به أحمد من هذا الوجه * وروى البخاري: عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن
стр. 2102
أبيه عن عائشة قالت: إن كنا لنخرج الكراع (١) بعد خمسة عشر يوما فنأكله، قلت: ولم تفعلون ذلك؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى لحق بالله … وقال أحمد: ثنا يحيى، ثنا هشام، أخبرني أبي عن عائشة قالت: كان يأتي على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه نارا ليس إلا التمر والماء إلا أن يؤتى باللحم … وفي الصحيحين: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا إنما هو الأسودان، التمر والماء إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن (٢) … ورواه أحمد عن بريدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنها بنحوه … وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا حسين، ثنا محمد بن مطرف، عن أبي حازم عن عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله ﷺ نار، قال قلت: يا خالة على أي شئ كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين التمر والماء تفرد به أحمد … وقال أبو داود الطيالسي: عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض (٣)، وقد رواه مسلم من حديث شعبة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا بهز، ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: قالت عائشة: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا فأمسكت وقطع رسول الله ﷺ أو قالت: أمسك رسول الله ﷺ وقطعت قالت - تقول للذي تحدثه - هذا على غير مصباح وفي رواية لو كان عندنا مصباح لا تدمنا به، قال: قالت عائشة: إنه ليأتي على آل محمد الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا، وقد رواه أيضا عن بهز بن أسد، عن سليمان بن المغيرة، وفي رواية شهرين تفرد به أحمد … وقال الإمام أحمد: ثنا خلف، ثنا أبو معشر، عن سعيد - هو ابن أبي سعيد - عن أبي هريرة قال: كان يمر بآل رسول الله هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا بخبز ولا بطبخ، قالوا: بأي شئ كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: الأسودان التمر والماء، وكان لهم جيران من الأنصار جزاهم الله خيرا لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن، تفرد به أحمد … وفي صحيح مسلم من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه، عن عائشة قالت: توفي رسول الله وقد شبع الناس من الأسودين: التمر والماء (٤) … وقال ابن ماجة: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: أتي
стр. 2103
رسول الله ﷺ يوما بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال: (الحمد لله) ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا (١) … وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا [عمار] أبو هاشم صاحب الزعفراني، عن أنس بن مالك: أن فاطمة ناولت رسول الله ﷺ كسرة من خبز الشعير فقال، هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام (٢)، تفرد به أحمد … وروى الإمام أحمد عن عفان والترمذي وابن ماجة جميعا عن عبد الله بن معاوية كلاهما عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم خبز الشعير، وهذا لفظ أحمد … وقال الترمذي في الشمائل: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثنا عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن يزيد، عن أبي أمية الأعور، عن أبي يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت رسول الله أخذ كسرة من [خبز ال] شعير فوضع عليها تمرة، وقال: هذه إدام هذه وأكل … وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله الحلو البارد … وروى البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا شاة سميطا بعينه قط (٣) … وفي رواية له عنه أيضا: ما أكل رسول الله ﷺ على خوان ولا سكرجة ولا خبز له مرقق، فقلت لانس: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر (٤) … وله من حديث قتادة أيضا عن أنس: أنه مشى إلى رسول الله ﷺ بخبز شعير وإهالة (٥) سنخة ولقد رهن درعه من يهودي فأخذ لأهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب … وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبان بن يزيد، ثنا قتادة عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف … ورواه الترمذي في الشمائل عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عفان، وهذا الاسناد على شرط الشيخين … وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فذكر ما فتح الله على الناس، فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يلتوي من الجوع ما يجد من من الدقل ما يملا بطنه (٦)،
стр. 2104
وأخرجه مسلم من حديث شعبة … وفي الصحيح أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ أعرف فيه الجوع، وسيأتي الحديث في دلائل النبوة وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان: أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله، فقال: ما أخرجكما؟ فقالا: الجوع، فقال: والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما، فذهبوا إلى حديقة الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطبا وذبح لهم شاة فأكلوا وشربوا الماء البارد، وقال رسول الله ﷺ : هذا من النعيم الذي تسألون عنه … وقال الترمذي: ثنا عبد الله بن أبي زياد، ثنا سيار، ثنا يزيد بن أسلم عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ [عن بطنه] عن حجرين، ثم قال غريب … وثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها سئلت عن فراش رسول الله ﷺ فقالت: كان من أدم حشوه ليف (١) … وقال الحسن بن عرفة: ثنا عباد بن عباد المهلبي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوة الصوف، فدخل علي رسول الله فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: قلت: يا رسول الله: فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا فقال: رديه قالت: فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة فوالله لو شئت لا جرى الله معي جبال الذهب والفضة (٢) … وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، ثنا عبد الله بن مهدي، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: سئلت عائشة ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف، وسئلت حفصة ما كان فراش رسول الله ﷺ ؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال " ما فرشتم لي الليلة؟ قالت: قلنا هو فراشك إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك، قال: ردوه لحالته الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة … وقال الطبراني: حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة عن حكيم بن حزام قال: خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن فأهديتها إلى النبي ﷺ فردها، فبعتها فاشتراها فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها، فما ملكت نفسي أن قلت:
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما … بدا واضح من غرة وحجول (٣)
стр. 2105
إذا قايسوه الجد أربى عليهم … بمستفرع ماض الذباب سجيل (١)
فسمعها النبي ﷺ فالتفت إلي يتبسم ثم دخل فكساها أسامة بن زيد … وقال الإمام أحمد: حدثه [حسين بن] علي، عن زائدة عن عبد الملك بن عمير [قال: حدثني] ربعي بن خراش عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وهو ساهم الوجه، قالت: فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله أراك ساهم الوجه، أفمن وجع؟ فقال: لا، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها [أمس أمسينا] ولم ننفقها نسيتها في خضم الفراش (٢) ". تفرد به أحمد … وقال الإمام أحمد: ثنا أبو سلمة، [قال: أنا بكر] (٣) بن مضر، ثنا موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير يوما على عائشة فقالت: لو رأيتما نبي الله ﷺ ذات يوم في مرض مرضه؟ قالت: وكان له عندي ستة دنانير، قال موسى أو سبعة، قالت: فأمرني رسول الله ﷺ أن أفرقها، قالت: فشغلني وجع نبي الله ﷺ حتى عافاه الله ، قالت: ثم سألني عنها فقال: ما فعلت الستة؟ قال: أو السبعة، قلت: لا والله لقد شغلني عنها وجعك، قالت: فدعا بها ثم صفها في كفه، فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده. تفرد به أحمد … وقال قتيبة: ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ لا يدخر شيئا لغد (٤) … وهذا الحديث في الصحيحين، والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها لما ثبت في الصحيحين عن عمر أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله … ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية، [قال: أخبرني] هلال بن سويد أبو معلى [قال]: سمعت أنس بن مالك وهو يقول أهديت لرسول الله ﷺ ثلاثة طوائر فأطعم خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله ﷺ : ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فإن الله [ ] يأتي برزق كل غد (٥).
حديث بلال في ذلك
قال البيهقي: ثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو محمد بن جعفر بن نصير، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، ثنا بكار بن محمد، أنا عبد الله بن عون، عن ابن سيرين عن أبي هريرة: أن
стр. 2106
رسول الله دخل على بلال فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمر أدخره، قال ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن تكون له بخار في النار! أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا (١). قال البيهقي بسنده عن أبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي كلاهما عن أبي توبة الربيع بن نافع، حدثني معاوية بن سلام عن يزيد (٢) بن سلام، حدثني عبد الله الهوزني (٣) قال: لقيت بلالا مؤذن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ فقال: ما كان له شئ إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، فكان إذا أتاه الانسان المسلم فرآه عاريا (٤)، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة والشئ فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي، قال: قلت يا لبيه، فتجهمني، وقال قولا عظيما أو غليظا، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع ليال فآخذك بالذي لي عليك، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك، وإنما أعطيتك لتصير لي عبدا فأذرك ترعى في الغنم كما كنت قبل ذلك، قال فأخذني في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت فناديت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة ورجع رسول الله ﷺ إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي ذكرت لك أني كنت أتدين منه قد قال كذا وكذا، وليس عندك ما يقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الاحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله ﷺ ما يقضي عني، فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي وحرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، فاستقبلت بوجهي الأفق. فكلما نمت انتبهت، فإذا رأيت علي ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الأول، فأردت أن أنطلق فإذا إنسان يدعو: يا بلال، أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتى آتيه، فإذا أربع ركائب عليهن أحمالهن، فأتيت رسول الله فاستأذنت، فقال لي رسول الله: أبشر، فقد جاءك الله بقضاء دينك، فحمدت الله وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع؟. قال قلت: بلى، قال: فإن لك رقابهن وما عليهن - فإذا عليهن كسوة وطعام أهداهن له عظيم فدك - فاقبضهن إليك ثم اقض دينك، قال: ففعلت، فحططت عنهن أحمالهن، ثم علفتهن (٥)
стр. 2107
ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول الله ﷺ خرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعي في أذني [فناديت] فقلت: من كان يطلب من رسول الله ﷺ دينا فليحضر، فما زلت أبيع وأقضي، وأعرض حتى لم يبق على رسول الله ﷺ دين في الأرض، حتى فضل عندي أوقيتان أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، فسلمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك؟ قلت: قد قضى الله كل شئ كان رسول الله ﷺ فلم يبق شئ، قال: فضل شئ؟ قلت: نعم ديناران، قال: انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما، فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتى أصبح، وظل في المسجد اليوم الثاني، حتى إذا كان في آخر النهار، جاء راكبان فانطلقت بهما، فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني، فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه، فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة، حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه (١) … وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة المديني، حدثني أبي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن ابتع علي شيئا فإذا جاءني شئ قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله ﷺ ، وعرف التبسم في وجهه لقول الأنصاري وقال: بهذا أمرت، وفي الحديث ألا إنهم ليسألوني ويأبى الله علي البخل … وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم: والله لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمتها فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا ضأنا ولا كذابا ﷺ … وقال الترمذي: ثنا علي بن حجر، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عمر قالت: أتيت رسول الله بقناع من رطب، وأجرز عنب، فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا … وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر، قال المسلمون: يا رسول الله فما نقول؟ قال: قولوا … (حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا) … [آل عمران: ١٧٣] ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن مطرف. ومن حديث خالد بن طهمان، كلاهما عن عطية وأبي سعيد العوفي البجلي، وأبو الحسن الكوفي عن أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي حسن … قلت. وقد روي من وجه آخر عنه ومن حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه.
ومن تواضعه ﵊. قال أبو عبد الله بن ماجة (٢): حدثنا أحمد بن محمد بن
стр. 2108
يحيى بن سعيد القطان، ثنا عمرو بن محمد، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب في قوله تعالى: … (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) … [الانعام: ٥٢] إلى قوله … (فتكون من الظالمين) * قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول رسول الله حقروهم، فأتوا فخلوا به فقالوا: نريد أن تجعل لنا منك مجلسا، تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت. قال نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل ﵇ فقال: … (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين) … ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: … (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) … [الانعام: ٥٣] ثم قال: … (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) … [الانعام: ٥٤] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله : … (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم) … ولا تجالس الاشراف … (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) … يعني عيينة والأقرع … (واتبع هواه وكان أمره فرطا) … قال: هلاكا، قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا، قال خباب: فكنا نقعد مع رسول الله ﷺ فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم … ثم قال ابن ماجة (١): حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح، عن أبيه عن سعد (٢) قال: نزلت هذه الآية فينا. ستة: في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. قال قالت قريش: يا رسول الله إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم. فاطردهم عنك، قال، فدخل قلب رسول الله ﷺ من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله : … (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) … الآية * وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو محمد: عبد الله بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا أبو الحسن: خلف بن محمد الواسطي الدوسي (٣)، ثنا يزيد بن هارون، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا المعلى بن زياد - يعني عن العلاء بن بشير المازني [عن] أبي الصديق الناجي - عن
стр. 2109
أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نستمع (١) إلى كتاب الله، فقال رسول الله: الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم نفسي، قال [ثم جلس رسول الله ﷺ وسطنا ليعدل نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا] فاستدارت الحلقة وبرزت وجوههم، قال: فما عرف رسول الله أحدا منهم غيري، فقال رسول الله: أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور [التام] يوم القيامة، تدخلون [الجنة] قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام (٢) وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
فصل
عبادته ﵇ واجتهاده في ذلك
قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان لا تشاء تراه من الليل قائما إلا رأيته، ولا تشاء تراه نائما إلا رأيته، قالت: وما زاد رسول الله ﷺ في رمضان وفي غيره إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث. قالت: وكان رسول الله ﷺ يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، قالت: ولقد كان يقوم حتى أرثي له من شدة قيامه … وذكر ابن مسعود أنه صلى معه ليلة فقرأ في الركعة الأولى بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع قريبا من ذلك، ورفع نحوه وسجد نحوه … وعن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: … (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) … رواه أحمد … وكل هذا في الصحيحين وغيرهما من الصحاح، وموضع بسط هذه الأشياء في كتاب الأحكام الكبير … وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا (٣) … وتقدم في حديث
стр. 2110
سلام بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة. رواه أحمد والنسائي … وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أخبرني علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن جبريل قال لرسول الله ﷺ : " قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت " … وثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة. وفي الصحيحين من حديث منصور، وعن إبراهيم عن علقمة قال: سألت عائشة هل كان رسول الله يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع (١)؟ … وثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة أن رسول الله ﷺ كان يواصل ونهى أصحابه عن الوصال وقال: إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني (٢) … والصحيح أن هذا الاطعام والسقيا معنويان كما ورد في الحديث الذي رواه ابن عاصم عن … أن رسول الله ﷺ قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم … وما أحس ما قال بعضهم:
لها أحاديث من ذكراك يشغلها … عن الشراب ويلهيها عن الزاد
وقال النضر بن شميل عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة (٣) وروى البخاري: عن الفريابي، عن الثوري. عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : اقرأ علي، فقلت: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت سورة النساء حتى بلغت: … (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) … [الآية: ٤١] قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان (٤) … وثبت في الصحيح: أنه ﵇ كان يجد التمرة على فراشه فيقول: لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وجد تحت جنبه تمرة من الليل، فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا
стр. 2111
رسول الله أرقت الليلة، قال: إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه، تفرد به أحمد. وأسامة بن زيد هو الليثي من رجال مسلم. والذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته ﵇ ولكن من كمال ورعه ﵇ أرق تلك الليلة، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: [والله إني] لأتقاكم لله وأعلمكم بما أتقى. وفي الحديث الآخر أنه قال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك … وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل (١)، وفي رواية: وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء (٢). وروى البيهقي من طريق أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني، ثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله أراك شبت، فقال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت (٣). وفي رواية له عن أبي كريب عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن فراس، عن عطية عن أبي سعيد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني هود وأخواتها: الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت.
فصل في شجاعته ﷺ
ذكرت في التفسير عن بعض من السلف أنه استنبط من قوله تعالى: … (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين) … [النساء: ٨٨] أن رسول الله ﷺ كان مأمورا أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه ولو كان وحده من قوله … (لا تكلف إلا نفسك) … وقد كان رسول الله ﷺ من أشجع الناس وأصبر الناس وأجلدهم، ما فر قط من مصاف ولو تولى عنه أصحابه. قال بعض أصحابه: كنا إذا اشتد الحرب وحمى الناس، نتقي برسول الله ﷺ ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصا فنالتهم أجمعين حين قال: شاهت الوجوه، وكذلك يوم حنين كما تقدم، وفر أكثر أصحابه في ثاني الحال يوم أحد وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه ولم يبق معه إلا اثنا عشر قتل منهم سبعة وبقي الخمسة. وفي هذا الوقت قتل أبي بن خلف لعنه الله فعجله الله إلى النار. ويوم حنين ولى الناس كلهم وكانوا يومئذ اثنا عشر ألفا وثبت هو في نحو من مائة من الصحابة وهو راكب يومئذ بغلته وهو يركض بها إلى نحو العدو، وهو ينوه باسمه ويعلن بذلك قائلا: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. حتى جعل العباس وعلي وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطئوا سيرها
стр. 2112
خوفا عليه من أن يصل أحد من الأعداء إليه. وما زال كذلك حتى نصره الله وأيده في مقامه ذلك وما تراجع الناس إلا والأشلاء مجندلة بين يديه ﷺ .
وقال أبو زرعة: حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي، حدثنا مروان - يعني ابن محمد - حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ فضلت على الناس بشدة البطش.
فصل
فيما يذكر من صفاته ﵇ في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
قد أسلفنا طرفا صالحا من ذلك في البشارات قبل مولده، ونحن نذكر هنا غررا من ذلك، فقد روى البخاري والبيهقي واللفظ له من حديث فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في الفرقان (١): يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك: المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (٢) بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، أن يقولوا: (لا إله إلا الله) وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. قال عطاء بن يسار ثم لقيت كعبا الحبر (٣) فسألته، فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا قال أعينا [عمويا، وآذانا صمومي، وقلوبا غلوفى] (٤) … ورواه البخاري أيضا عن عبد الله غير منسوب، قيل: هو ابن رجاء، وقيل: عبد الله بن صالح، وهو الأرجح، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن هلال بن علي به. قال البخاري: وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام كذا علقه البخاري. وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح - هو عبد الله بن صالح كاتب الليث - حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أسامة، عن عطاء بن يسار عن ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ … (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا) … أنت عبدي ورسولي، سميته: المتوكل ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في
стр. 2113
الأسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها، ولكن يعفو (ويغفر) (١) ويتجاوز، ولن (٢) أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء: بأن تشهد … (أن لا إله إلا الله) … يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، قال عطاء ابن يسار: وأخبرني الليثي (٣): أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام. وقد روي عن عبد الله بن سلام من وجه آخر فقال الترمذي: حدثنا زيد بن أخرم الطائي البصري، ثنا أبو قتيبة - مسلم بن قتيبة -، حدثني أبو مودود المدني، ثنا عثمان الضحاك، عن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة " محمد وعيسى بن مريم يدفن معه " فقال أبو مودود: قد بقي في البيت موضع قبر، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. هكذا قال الضحاك والمعروف الضحاك بن عثمان المدني، وهكذا حكى شيخنا الحافظ المزي في كتابه الأطراف عن ابن عساكر أنه قال مثل قول الترمذي، ثم قال: وهو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان، فقد روي هذا عن عبد الله بن سلام، وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك، فكان يحدث منهما عن أهل الكتاب، وعن كعب الأحبار، وكان بصيرا بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط، وتحريف وتبديل، فكان يقولها بما فيها من غير نقد، وربما أحسن بعض السلف بها الظن فنقلها عنه مسلمة، وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة، لكن لا يتفطن لها كثير من الناس. ثم ليعلم أن كثيرا من السلف يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب المتلوة عندهم، أو أعم من ذلك، كما أن لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصا ويراد به غيره، كما في الصحيح: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع والله أعلم. وقال البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: نجده محمد رسول الله، اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عميا (٤)، ويسمع به آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة حتى تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه. وبه عن يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حريث (٥) عن عائشة: أن رسول الله ﷺ مكتوب في الإنجيل: لا فظ، ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي
стр. 2114
بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا قيس (١) البجلي، حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم. جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع يا ابن الطاهر البتول، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فبين لأهل سوران أني أنا الحق القائم الذي لا أزول (٢)، صدقوا بالنبي العربي، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعج العينين، الأقنى الانف الواضح الخدين (٣) الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفخ منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره، شثن الكفين والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما ينقلع من الصخر، وينحدر في صبب ذو النسل القليل (٤) … وروى الحافظ البيهقي بسنده عن وهب بن منبه اليمامي قال: إن الله لما قرب موسى نجيا، قال: رب إني أجد في التوراة أمة: خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم خير الأمم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في التوراة أناجيلهم في صدورهم يقرؤنها، وكان من قبلهم يقرؤن كتبهم نظرا ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر ويقاتلون رؤوس الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها نارا فأكلتها، فإن لم تقبل لا تقربها النار، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن علمها كتب له عشر أمثالها إلى سبعمائة (٥) ضعف، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال وذكر وهب بن منبه: في قصة داود ﵇ وما أوحى إليه في الزبور: يا داود: إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه: أحمد ومحمد، صادقا سيدا، لا
стр. 2115
أ غضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أمته مرحومة، أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني بوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك اني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم. يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم: لا آخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شئ ضيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعافا مضاعفة ولهم في المدخر عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك وأعطيتهم، على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلا، وإما أن أصرف عنهم سوءا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود! من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صادقا بها، فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كب محمدا أو كذب بما جاء به، واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار (١). وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا الشريف أبو الفتح العمري، ثنا عبد الرحمن بن أبي شريح الهروي، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد [الربعي]، حدثني محمد بن عمر بن سعيد - يعني ابن محمد بن جبير بن مطعم - قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيها عن أبيه قال: سمعت أبي جبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه ﷺ وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: أنظر هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، فإذا فيه تماثيل وصورا أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله ﷺ ، فقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، قالوا: هو هذا؟ - وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ قلت: (اللهم) نعم، أشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده (٢). ورواه البخاري في التاريخ عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا باسناده
стр. 2116
فذكره مختصرا، وعنده فقالوا: إنه لم يكن نبي إلا بعده نبي إلا هذا النبي … وقد ذكرنا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى في سورة الأعراف: … (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) … الآية. ذكرنا ما أورده البيهقي وغيره من طريق أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الاسلام، فذكر اجتماعهم به وأن عرفته تنغصت (١) حين ذكروا الله ، فأنزلهم في دار ضيافته ثم استدعاهم بعد ثلاث فدعا بشئ نحو الربعة العظيمة فيها بيوت صغار عليها أبواب، وإذا فيها صور الأنبياء ممثلة في قطع من حرير من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فجعل يخرج لهم واحدا واحدا ويخبرهم عنه، وأخرج لهم صورة آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم تعجل إخراج صورة رسول الله ﷺ قال: ثم فتح بابا آخر فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله ﷺ ، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله، قال: وبكينا قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كما ننظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه بقية صور الأنبياء وتعريفه إياهما بهم، وقال في آخره قلنا له: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها ما على صورت عليه الأنبياء ﵈، لأنا رأينا صورة نبينا ﵇ مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت، قال: ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁ حدثناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر فقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم (٢).
وقال الواقدي: حدثني علي بن عيسى الحكيمي عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أو من به وأصدقه وأشهد برسالته، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفي عليك. قلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قوم منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب
стр. 2117
فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من سأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وذاك، وينعتونه مثل ما نعته لك،، ويقولون لم يبق نبي غيره … قال عامر بن ربيعة. فلما أسلمت أخبرت النبي ﷺ ، قول زيد بن عمرو بن نفيل واقرائه منه السلام، فرد عليه¬ السلام وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا.
كتاب دلائل النبوة
وهي معنوية وحسية: فمن المعنوية إنزال القرآن عليه، وهو أعظم المعجزات، وأبهر الآيات، وأبين الحجج الواضحات، لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضته. وفصاحتهم وبلاغتهم، ثم تحداهم بعشر سور منه فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدي بسورة من مثله، فعجزوا عنه وهم يعلمون عجزهم وتقصيرهم عن ذلك، وأن هذا ما لا سبيل لاحد إليه أبدا، قال الله تعالى: … (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) … [الاسراء: ٨٨] وهذه الآية مكية وقال في سورة الطور وهي مكية: • (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) … [الطور: ٣٣] أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم فأتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله. وقال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية - معيدا للتحدي -: … (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) … [البقرة: ٢٣ - ٢٤] وقال تعالى: … (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) … [هود: ١٣ - ١٤] وقال تعالى: … (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين … أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين … بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) … [يونس: ٣٧ - ٣٩] فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه، وأنهم لا يستطيعون ذلك أبدا كما قال تعالى: … (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) … أي فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذا تحد ثان وهو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته ولا الاتيان بمثله، ولو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض، فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له، ومعلوم لكل ذي لب أن محمدا ﷺ من أعقل خلق الله بل أعقلهم وأكملهم على الاطلاق في نفس الامر، فما كان ليقدم على هذا الامر إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته،
стр. 2118
وهكذا وقع، فإنه من لدن رسول الله ﷺ وإلى زماننا هذا لم يستطيع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدا، فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شئ من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟ وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله: … (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) … [الأنفال: ٣١] كذب منهم دعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان، ولو كانوا صادقين لاتوا بما يعارضه، بل هم يعلمون كذب أنفسهم، كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم … (أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) … [الفرقان: ٥] قال الله تعالى … (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما) … [الفرقان: ٦] أي أنزله عالم الخفيات، رب الأرض والسماوات، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فإنه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النبي الأمي، الذي كان لا يحسن الكتابة ولا يدريها بالكلية، ولا يعلم شيئا من علم الأوائل وأخبار الماضين، فقص الله عليه خبر ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء، وهو في ذلك يفصل بين الحق والباطل الذي اختلف في إيراده جملة الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: … (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) … وقال تعالى: … (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا … من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) … [طه: ٩٩ - ١٠٠] وقال تعالى: … (وأنزلنا عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) … [المائدة: ٤٨] الآية وقال تعالى: … (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون … بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون … وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين … أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون … قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون) … [العنكبوت: ٤٧ - ٥٢] … فبين تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون وحكم ما هو كائن بين الناس على مثل هذا النبي الأمي وحده، كان من الدلالة على صدقه، وقال تعالى: … (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم … قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون … ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) … [يونس: ١٥ - ١٧] يقول لهم: إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي، وإنما الله هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت وأنا مبلغ عنه، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به، لأني نشأت بين أظهركم وأنتم تعلمون نسبي وصدقي وأمانتي،
стр. 2119
وأني لم أكذب على أحد منكم يوما من الدهر، فكيف يسعني أن أكذب على الله ، مالك الضر والنفع، الذي هو على كل شئ قدير، وبكل شئ عليم؟ وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، ونسبة ما ليس منه إليه، كما قال تعالى: … (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين) … أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه ويمنعنا منه، وقال تعالى: … (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) * [الانعام: ٩٣] وقال تعالى: … (قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) … [الانعام: ١٩] وهذا الكلام فيه الاخبار بأن الله شهيد على كل شئ، وأنه تعالى أعظم الشهداء، وهو مطلع علي وعليكم فيما جئتكم به عنه، وتتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له كما قال تعالى: … (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) … [هود: ١٧] ففي هذا القرآن من الاخبار الصادقة عن الله وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية كالسماوات والأرضين وما بينهما وما فيهن أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح، كما قال تعالى: … (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس الا كفورا) … [الاسراء: ٨٩] وقال تعالى: … (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) … [العنكبوت: ٤٣] وقال تعالى: … (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون) … [الزمر: ٢٧] وفي القرآن العظيم الاخبار عما مضى على الوجه الحق وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاهدا له، مع كونه نزل على رجل أمي، لا يعرف الكتابة، ولم يعان يوما من الدهر شيئا من علوم الأوائل، ولا أخبار الماضين، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الاخبار النافعة، التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء، وما كان منهم من أمورهم معهم، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين، ودهر الداهرين، ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان والفصاحة، وتارة تبسط، فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السياق حتى كأن التالي أو السامع مشاهد لما كان، حاضر له، معاين للخبر بنفسه كما قال تعالى: … (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون) … [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى: … (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذا يختصمون) … [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى: في سورة يوسف، … (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون … وما أكثر الناس ولو حرصت
стр. 2120
بمؤمنين … وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين) … [يوسف: ١٠٢] إلى أن قال في آخرها … (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) … [يوسف: ١١١] وقال تعالى: … (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) … [طه: ١٣٣] وقال تعالى: … (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) … [فصلت: ٥٢ - ٥٣] وعد تعالى أنه سيظهر الآيات: القرآن وصدقه وصدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب، وفي نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصادق، ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله: • (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) … [فصلت: ٥٣] أي في العلم بأن الله يطلع على هذا الامر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك. وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا التفسير، وما سنذكره من الملاحم والفتن كقوله تعالى: • (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) … (المزمل: ٢٠] وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت وهي مكية بلا خلاف: … (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) … [القمر: ٤٥] وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك … إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة، وسيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده ﵇ طبق ما أخبر به … وفي القرآن الاحكام العادلة أمرا ونهيا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخيرات، الرحيم بعباده، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته، وإحسانه، قال تعالى … (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) … [الانعام: ١١٥] أي صدقا في الاخبار وعدلا في الأوامر والنواهي، وقال تعالى … (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) … [هود: ١] أي أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، وقال تعالى • (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) … [الفتح: ٢٨] أي العلم النافع والعمل الصالح … وهكذا روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لكميل بن زياد: هو كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم … وقد بسطنا هذا كله في كتابنا التفسير بما فيه كفاية (ولله الحمد والمنة) فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة: من فصاحته، وبلاغته، ونظمه، وتراكيبه، وأساليبه، وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة، وما اشتمل عليه من الاحكام المحكمة الجلية، والتحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع [أهل
стр. 2121
الأرض] من الملتين، أهل الكتاب وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأمصار. وأما من زعم من المتكلمين: أن الاعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلب قدرتهم على ذلك، فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه الله في بعض الأجرام، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق، وقولهم: هذا كفر وباطل وليس مطابقا لما في نفس الامر، بل القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الامر عن الاتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق وأعظم الخلق وأكملهم، أن يتكلموا بمثل كلام الله وهذا القرآن [الذي] يبلغه الرسول ﷺ عن الله، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول الله ﷺ ، وأساليب كلامه ﵇ المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل وأسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين، وهلم جرا إلى زماننا. [و] علماء السلف أفصح وأعلم، وأقل تكلفا، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك، ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى وهو فيما رواه الإمام أحمد قائلا: [حدثنا] حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (١). وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به. ومعنى هذا أن الأنبياء ﵈ كل منهم قد أوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، وقوله: وإنما كان الذي أوتيت، أي جله وأعظمه، الوحي الذي أوحاه إليه، وهو القرآن، الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده، فإن البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعه السامع من في رسول الله ﷺ فحجة الله قائمة به في حياته ﵇ وبعد وفاته، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، أي لاستمرار ما آتاني الله من الحجة البالغة والبراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعا.
стр. 2122
فصل
ومن الدلائل المعنوية أخلاقه ﵇ الطاهرة، وخلقه الكامل، وشجاعته وحلمه وكرمه وزهده وقناعته وإيثار وجميل صحبته، وصدقه وأمانته، وتقواه وعبادته، وكرم أصله، وطيب مولده ومنشئه ومرباه. كما قدمناه مبسوطا في مواضعه، وما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀ في كتابه الذي رد فيه على فرق النصارى واليهود وما أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله وفهمه. قال في آخر هذا الكتاب المذكور:
فصل
وسيرة الرسول ﷺ وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته، أي من دلائل نبوته. قال وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته من آياته، ودينهم من آياته، وكرامات صالحي أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن مات، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله، فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبا من صميم سلالة إبراهيم، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، وجعل الله له ابنين: إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره، ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث الله فيهم رسولا منهم. ثم الرسول ﷺ من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجه، ولم يزل محجوبا من عهد إبراهيم، مذكروا في كتب الأنبياء بأحسن وصف. وكان ﷺ من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفا بالصدق والبر [ومكارم الأخلاق] والعدل وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة، ولا يعرف له شئ يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط، ولا ظلم ولا فاحشة، وقد كان ﷺ خلقه وصورته من أحسن الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أميا من قوم أميين لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب [من] التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئا من علوم الناس، ولا جالس أهلها، ولم يدع نبوة إلى أن أكمل [الله] له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله، ثم أتبعه أتباع الأنبياء وهم ضعفاء الناس، وكذبه أهل الرياسة وعادوه، وسعوا في هلاكه من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم، والذين أتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم، ولا جهات يوليهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم، لما خالط قلوبهم
стр. 2123
من حلاوة الايمان والمعرفة، وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي يخبرهم به اليهود، وكانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة. فآمنوا به وبايعوه على هجرته، وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه، فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، ولا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها، من الصدق والعدل والوفاء. لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لاحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال، من حرب وسلم، [وأمن] وخوف، وغنى وفقر، وقدرة وعجز، وتمكن وضعف، وقلة وكثرة، وظهور على العدو تارة، وظهور العدو تارة، وهو على ذلك كله لازم لأكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان، ومن أخبار الكهان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المحرمة، وقطيعة الأرحام، لا يعرفون آخرة ولا معادا، فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم، حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء. وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الامرين. وهو ﷺ مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الأنفس والأموال، مات ولم يخلف درهما ولا دينارا، ولا شاة ولا بعيرا، إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرع الشريعة شيئا بعد شئ، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشئ فقيل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شئ فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب وليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والاحكام وسائر الشرائع، وأمته
стр. 2124
أكمل الأمم في كل فضيلة، وإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله، ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا، وإذا قيس سخاؤهم وبرهم وسماحة أنفسهم بغيرهم، ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم. وهذه الفضائل به نالوها، ومنه تعلموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبلا متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور، وبعضها من النبوات، وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده من الحواريين ومن بعض الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا [من] دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المتناقضة لدين المسيح. وأما أمة محمد ﷺ فلم يكونوا قبله يقرؤن كتابا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: … (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) … [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧] وقال تعالى: … (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) … [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] الآية * وأمته ﵇ لا يستحلون أن يوجدوا شيئا من الدين غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، لكن ما قصه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم. اعتبروا به، وما حدثهم أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه، وما لم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا بأنه باطل كذبوه، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الالحاد والابتداع. وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، الظاهرين إلى قيام الساعة، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة " (١) وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو
стр. 2125
دين الرسل عموما، ودين محمد ﷺ خصوصا، ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدا مذموما، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم وعبادهم وقاتل عليه ملوكهم، ودان به جمهورهم، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح، ولا دين غيره من الأنبياء، والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع، والعمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما وعملا … ولما بعث الله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون [من أمته]، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل، العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو في الأصل المعلم، وهذا يقتضي أنه ﵇ كان أكمل الناس علما ودينا … وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله: " إني رسول الله إليكم جميعا " لم يكن كاذبا مفتريا، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم، إن كان صادقا، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبا، وما ذكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله: … (إني رسول الله إليكم جميعا) * [الأعراف: ١٥٨] لان الذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا والأول يوجب أنه كان ظالما غاويا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا، ومحمد ﷺ كان عمله ينافي جهله، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب ولم يكن جاهلا يكذب بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق ولهذا نزهه الله عن هذين الامرين بقوله تعالى: … (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) … [النجم: ١ - ٤] وقال تعالى عن الملك الذي جاء به: • (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) … [التكوير: ١٩ - ٢١] ثم قال عنه: … (وما صاحبكم بمجنون: ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون، إن هو إلا ذكر للعالمين) … [التكوير: ٢٢ - ٢٧] وقال تعالى • (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) … [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] إلى قوله: … (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) … [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، فإن الشيطان يقصد الشر، وهو الكذب والفجور، ولا يقصد الصدق والعدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا وإما خطأ وفجورا أيضا فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا: كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة: أقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله، وأن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: والله ورسوله بريئان منه، فإن رسول الله برئ من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ، بخلاف غير الرسول فإنه قد
стр. 2126
يخطئ ويكون خطؤه من الشيطان، وإن كان خطؤه مغفورا له، فإذا لم يعرف له خبرا أخبر به كان فيه مخطئا، ولا أمرا أمر به كان فيه فاجرا علم أن الشيطان لم ينزل عليه وإنما ينزل عليه ملك كريم، ولهذا قال في الآية الأخرى عن النبي: … (إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين) … [الحاقة: ٤٠ - ٤٣].
باب دلائل النبوة الحسية
ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال الله تعالى: … (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر، ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغنى النذر) … [القمر: ١ - ٥] وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله ﷺ ، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة.
رواية أنس بن مالك … قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر بمكة فرقتين، فقال: … (اقتربت الساعة وانشق القمر) … (١). ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان عن قتادة، ومسلم من حديث شعبة عن قتادة.
رواية جبير بن مطعم
قال أحمد: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا
стр. 2127
يستطيع أن يسحر الناس … تفرد به أحمد … ورواية ابن جرير والبيهقي من طرق (١) عن حصين بن عبد الرحمن به.
رواية حذيفة بن اليمان
قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: إن الله تعالى يقول: … (اقتربت الساعة وانشق القمر) … ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق. فقلت لأبي: أتستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالاعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرها فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله يقول: … (اقتربت الساعة وانشق القمر) … ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ورواه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة من غير وجه عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن حذيفة فذكر نحوه، وقال: ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله ﷺ ألا وإن المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة.
رواية عبد الله بن عباس
قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي ﷺ (٢). ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة به.
طريق أخرى - قال ابن جرير: ثنا ابن مثنى، ثنا عبد الأعلى، ثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه. وروى العوفي عن ابن عباس نحوا من هذا. وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس فقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن عمرو البزار، ثنا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سحر القمر، فنزلت: … (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) … وهذا سياق غريب … وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره والله أعلم.
стр. 2128
رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس الأصنم، ثنا العباس بن محمد الدوري: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش [عن مجاهد] عن عبد الله بن عمر [بن الخطاب] في قوله: … (اقتربت الساعة وانشق القمر) … قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق فلقتين فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل فقال رسول الله ﷺ : اللهم أشهد (١) وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد قال: مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله بن مسعود
قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ أشهدوا (٢).
ورواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجاه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به. قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله بمكة. وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده أبو داود الطيالسي في مسنده، فقال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انظروا ما يأتينا به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك (٣). وروى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن ابن عباس الدوري، عن سعيد بن سليمان، عن هشيم (٤)، عن مغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: أنشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقالت كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا المسافرين فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار - وقدموا من كل وجه - فقالوا: رأيناه. ورواه ابن جرير من حديث المغيرة وزاد: فأنزل الله: … (اقتربت الساعة وانشق القمر) وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، عن
стр. 2129
إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل بين فرقتي القمر. وروى ابن جرير عن يعقوب الدوري عن ابن علية، عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود كان يقول: لقد انشق القمر، ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه كان يقول: خمس قد مضين: الروم، واللزام، والبطشة والدخان والقمر، في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة الدخان، وقال أبو زرعة في الدلائل: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي عن ابن بكير قال: انشق القمر بمكة والنبي ﷺ قبل الهجرة فخر شقتين فقال المشركون: سحره ابن أبي كبشة، وهذا مرسل من هذا الوجه فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الامر تغني في إسناده مع وروده في الكتاب العزيز. وما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ وخرج من كمه، ونحو هذا الكلام فليس له أصل يعتمد عليه، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء بل انفرق باثنتين وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والأخرى من الناحية الأخرى، وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السماء وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شئ سحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه. فإن قيل: فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الأرض؟ فالجواب ومن ينفي ذلك، ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله، ولعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه، على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها. ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفي أمره على كثير من الناس لأمور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة، من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم، ولنوم كثير منهم، أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس وغير ذلك من الأمور والله أعلم. وقد حررنا هذا فيما تقدم في كتابنا التفسير.
فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الامناء بن عساكر [إذنا] وقال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسابة، قال: أخبرنا أبو المظفر بن القشيري وأبو القاسم المستملي قالا: ثنا أبو عثمان المحبر أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الد؟ ا؟ عا؟ ى (١) بها، أنا محمد بن أحمد بن محبوب. وفي حديث ابن القشيري: ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود ح، قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر وأنا أبو الفتح الماهاني، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن منده، أنا عثمان بن أحمد الننسي، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ثنا
стр. 2130
فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن، زاد أبو أمية بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله ﷺ يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ صليت العصر؟ وقال أبو أمية: صليت يا علي؟ قال: لا، قال رسول الله ﷺ ، وقال أبو أمية: فقال النبي ﷺ : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك، وقال أبو أمية: رسولك، فاردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت. وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي عبد الله بن مندة كما تقدم ومن طريق أبي جعفر العقيلي: ثنا أحمد بن داود، ثنا عمار بن مطر، ثنا فضيل بن مرزوق فذكره، ثم قال: وهذا حديث موضوع، وقد اضطرب الرواة فيه فرواه سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسن، عن فاطمة بنت علي عن أسماء. وهذا تخليط في الرواية. قال: وأحمد بن داود ليس بشئ، قال الدارقطني متروك كذاب، وقال ابن حبان كان يضع الحديث … وعمار بن مطر قال فيه العقيلي: كان يحدث عن الثقات بالمناكير، وقال ابن عدي: متروك الحديث. قال: وفضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى، قال ابن حبان: يروي الموضوعات ويخطئ عن الثقات، وبه قال الحافظ بن عساكر. قال: وأخبرنا أبو محمد، عن طاوس، أنا عاصم بن الحسن أنا أبو عمرو بن مهدي، أنا أبو العباس بن عقدة، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين غليظتين - وهي عجوز كبيرة - فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال، ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها: أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي ﷺ وقد أوحى إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس يقول: غابت أو كادت أن تغيب، ثم إن نبي الله ﷺ سرى عنه فقال: أصليت يا علي؟ قال: لا، فقال النبي ﷺ : اللهم رد على علي الشمس، فرجعت حتى بلغت نصف المسجد، قال عبد الرحمن: وقال أبي حدثني موسى الجهني نحوه. ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل. وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات: وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة فذكره، ثم قال: وهذا باطل، والمتهم به ابن عقدة، فإنه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة، قال الخطيب: ثنا علي بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول: كان ابن عقدة بجامع براثا (١) يملي مثالب الصحابة أو قال: الشيخين فتركته، وقال الدارقطني: كان ابن عقدة رجل سوء، وقال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخا
стр. 2131
بالكوفة على الكذب فيسوي لهم نسخا ويأمرهم أن يرووها، وقد بينا كذبه عن غير (١) شيخ بالكوفة … وقال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه " الذرية الطاهرة ": حدثنا إسحاق بن يونس، ثنا سويد بن سعيد، ثنا المطلب بن زياد عن إبراهيم بن حبان، عن عبد الله بن حسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين قال: كان رأس رسول الله ﷺ في حجر علي وهو يوحى إليه فذكر الحديث بنحو ما تقدم، إبراهيم بن حبان هذا تركه الدارقطني وغيره، وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ: هذا الحديث موضوع، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وصدق ابن ناصر، وقال ابن الجوزي: وقد رواه ابن مردويه من طريق حديث داود بن فراهيج (٢) عن أبي هريرة قال: نام رسول الله ﷺ ورأسه في حجر علي ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس فلما قام رسول الله دعا له فردت عليه الشمس حتى صلى ثم غابت ثانية. ثم قال: وداود ضعفه شعبة، ثم قال ابن الجوزي ومن تغفيل واضح هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمح عدم الفائدة، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ : أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع. قلت: هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده، لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى وبالنسبة إلى جناب رسول الله ﷺ ، فقد ثبت في الصحيح أنها ردت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيت المقدس، واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة وكانوا لا يقاتلون يوم السبت فنظر إلى الشمس وقد تنصفت للغروب فقال: إنك مأمورة، وأنا مأمور. اللهم احبسها علي، فحبسها الله عليه حتى فتحوها. ورسول الله ﷺ أعظم جاها وأجل منصبا وأعلى قدرا من يوشع بن نون، بل من سائر الأنبياء على الاطلاق ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا [عنه] ولا نسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صح لكنا من أول القائلين به، والمعتقدين له وبالله المستعان. قال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه " إثبات إمامة أبي بكر الصديق " فإن قال قائل من الروافض: إن أفضل فضيلة لأبي الحسن وأدل [دليل] على إمامته ما روى عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله ﷺ يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ لعلي: صليت؟ قال: لا، فقال رسول الله: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت. قيل له: كيف لنا لو صح هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى، ولكن الحديث ضعيف جدا لا أصل له، وهذا مما كسبت أيدي الروافض، ولو ردت الشمس بعدما
стр. 2132
غربت لرآها المؤمن والكافر ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعدما غربت. ثم يقال للروافض: أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والأنصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق؟. قال: وأيضا مرة أخرى عرس رسول الله ﷺ بالمهاجرين والأنصار حين قفل من غزوة خيبر. فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس، قال: فلم يرد الليل على رسول الله وعلى أصحابه، قال: ولو كان هذا فضلا أعطيه رسول الله وما كان الله ليمنع رسوله شرفا وفضلا - يعني أعطيه علي بن أبي طالب - ثم قال: وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي ما تقول فيمن يقول: رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلى العصر؟ فقال: من قال هذا فقد كذب، وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت: إن ناسا عندنا يقولون: إن عليا وصي رسول الله ﷺ ورجعت عليه الشمس، فقال: كذب هذا كله.
فصل
"إيراد هذا الحديث من طرق متفرقة "
أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني يصنف فيه
"تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس "
وقال: قد روي ذلك من طريق أسماء بنت عميس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري، وأحمد بن الوليد الأنطاكي، والحسن بن داود ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو ثقة أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني وهو ثقة أيضا عن عون بن محمد، قال: وهو ابن محمد بن الحنفية عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة فجاء وقد صلى رسول الله العصر فوضع رأسه في حجر علي ولم يحركه حتى غربت الشمس فقال رسول الله ﷺ : اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها، قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس. وهذا الاسناد فيه من يجهل حاله فإن عونا هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما هو دون هذا المقام، فكيف يثبت بخبرهما هذا الامر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة فالله أعلم. ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أو لا، ثم أورده هذا المص من طريق الحسين بن الحسن الأشقر وهو شيعي جلد وضعفه غير واحد عن الفضيل بن مرزوق. عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن. عن فاطمة بنت الحسين الشهيد عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث. قال وقد رواه عن فضيل بن
стр. 2133
مرزوق جماعة منهم، عبيد الله بن موسى، ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي من طريق عبد الله. وقد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود وأبي أمية الطرسوسي عن عبيد الله بن موسى العبسي، وهو من الشيعة. ثم أورده هذا المص من طريق أبي جعفر العقيلي عن أحمد بن داود، عن عمار بن مطر، عن فضيل بن مرزوق، والأغر الرقاشي ويقال الرواسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة وثقة الثوري وابن عيينة، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرا وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح ولكنه شديد التشيع، وقال مرة: لا بأس به، وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال: إنه ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات. وقد روى له مسلم وأهل السنن الأربعة. فمن هذه ترجمته لا يهتم بتعمد الكذب ولكنه قد يتساهل ولا سيما فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن فيدلس حديثه ويسقطه ويذكر شيخه ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه وتوقي الكذب فيه " عن " بصيغة التدليس،، ولم يأت بصيغة التحديث فلعل بينهما من يجهل أمره، على أن شيخه هذا - إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ليس بذلك المشهور في حاله ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، ولا روى عنه غير الفضيل بن مرزوق هذا ويحيى بن المتوكل، قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل. وأما فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - وهي أخت زين العابدين - فحديثها مشهور روى لها أهل السنن الأربعة، وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق، وهي من الثقات ولكن لا يدري أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا؟ فالله أعلم. ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكناني: ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي، حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم، ثنا خلف بن سالم، ثنا عبد الرزاق سفيان الثوري، عن أشعث أبي الشعثاء عن أمه عن فاطمة - يعني بنت الحسين - عن أسماء أن رسول الله ﷺ دعا لعلي حتى ردت عليه الشمس، وهذا إسناد غريب جدا. وحديث عبد الرزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الأئمة لا يكاد يترك منه شئ من المهمات فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إلا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط والعدالة كغيرهم؟ ثم إن أم أشعث مجهولة فالله أعلم. ثم ساقه هذا المص من طريق محمد بن مرزوق: ثنا حسين الأشقر - وهو شيعي وضعيف كما تقدم - عن علي بن هاشم بن الثريد - وقد قال فيه ابن حبان: كان غالبا في التشيع يروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن علي بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس فذكره، وهذا إسناد لا يثبت. ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن عروة بن عبد الله عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت
стр. 2134
ع ميس فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد الرحمن بن شريك، عن عبد الله النخعي. وقد روى عنه البخاري في كتاب الأدب وحدث عنه جماعة من الأئمة وقال فيه أبو حاتم الرازي كان واهي الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات و [قال]: ربما أخطأ، وأرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين وقد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال: إنما اتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة، ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن والجرح وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها. والله أعلم. قلت: في سياق هذا الاسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد، وهذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر، ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه. ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي: ثنا علي بن العباس بن الوليد، ثنا عبادة بن يعقوب الرواجي، ثنا علي بن هاشم، عن صباح، عن عبد الله بن الحسن - أبي جعفر - عن حسين المقتول عن فاطمة عن أسماء بنت عميس قالت: لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم المغنم حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول الله ﷺ : أما صليت؟ قال: لا، فدعا الله فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء فصلى علي، فلما غربت الشمس سمعت لها صريرا كصرير الميشار في الحديد. وهذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة مع أن إسناده مظلم جدا فإن صباحا هذا لا يعرف وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيدا عن واحد عن واحد عن أسماء بنت عميس؟ هذا تخبيط إسنادا ومتنا، ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة، وهذا لم يقله أحد ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب، وإن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال كما حكاه البخاري عن مكحول والأوزاعي وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه، واحتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق وأمره ﵇ أن لا يصلي أحد منهم العصر، إلا في بني قريظة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف، والمقصود أنه لم يقل أحد من العلماء إنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع علي ﵁، وهو الراوي عن رسول الله ﷺ أن الوسطى هي العصر، فإن كان [هذا] ثابتا على ما رواه هؤلاء الجماعة وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري، لان هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا، لأنه كان بخيبر سنة سبع، وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك، وإن كان علي ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس بل وقتها بعد الغروب والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث. والله أعلم … وهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث، ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدم، فقد تعدد رد الشمس غير مرة ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء ولا رواه أهل الكتب المشهورة وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم والله أعلم. ثم أورد هذا المص من طريق أبي العباس بن
стр. 2135
عقدة: حدثنا يحيى بن زكريا، ثنا يعقوب بن سعيد، ثنا عمرو بن ثابت قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسين بن علي [بن أبي طالب] عن حديث رد الشمس على علي بن أبي طالب: هل يثبت عندكم؟ فقال لي: ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشمس، قلت: صدقت (جعلني الله فداك) ولكني أحب أن أسمعه منك، فقال: حدثني أبي - الحسن - عن أسماء بنت عميس أنها قالت: أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله ﷺ فوافق رسول الله ﷺ قد انصرف ونزل عليه الوحي فأسنده إلى صدره [فلم يزل مسنده إلى صدره] حتى أفاق رسول الله ﷺ فقال: أصليت العصر يا علي؟ قال: جئت والوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة - وقد غربت الشمس - وقال: اللهم إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه، قالت أسماء: فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر، فقام علي متمكنا فصلى، فلما فرغ رجعت الشمس ولها صرير كصرير الرحى، فلما غابت اختلط الظلام وبدت النجوم. وهذا منكر أيضا إسنادا ومتنا وهو مناقض لما قبله من السياقات، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل، ويعرف بعمرو بن المقدام الحداد، روى عن غير واحد من التابعين وحدث عنه جماعة منهم سعيد بن منصور وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، قال: تركه عبد الله بن المبارك وقال: لا تحدثوا عنه فإنه كان يسب السلف، ولما مرت به جنازته توارى عنها، وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، وقال أبو معين والنسائي: ليس بثقة ولا مأمون ولا يكتب حديثه. وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم: كان ضعيفا، زاد أبو حاتم: وكان ردئ الرأي شديد التشيع لا يكتب حديثه، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال أبو داود: كان من شرار الناس كان رافضيا خبيثا رجل سوء قال هنا: ولما مات لم أصل عليه، لأنه قال لما مات رسول الله ﷺ : كفر الناس إلا خمسة، وجعل أبو داود يذمه، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات [عن الاثبات] وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بين، وأرخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجل قدرا من أن يحدثا بهذا الحديث قال هذا المصنف المنصف: وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أنا أبو محمد صالح بن الفتح النسائي، ثنا أحمد بن عمير بن حوصاء، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه، ثنا داود بن فراهيج، وعن عمارة بن برد وعن أبي هريرة فذكره. وقال: اختصرته من حديث طويل، وهذا إسناده مظلم ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود ابن فراهيج عن أبي هريرة وضعف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما. والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر (والله أعلم) قال: وأما
стр. 2136
حديث أبي سعيد فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة: أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم: أنا محمد بن أحمد بن متيم، أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: [حدثني أبي عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله عن أبيه عمر قال:] قال الحسين بن علي سمعت أبا سعيد الخدري يقول: دخلت على رسول الله ﷺ فإذا رأسه في حجر علي. وقد غابت الشمس فانتبه النبي ﷺ وقال: يا علي أصليت العصر؟ قال: لا يا رسول الله ما صليت كرهت أن أضع رأسك من حجري وأنت وجع، فقال رسول الله: يا علي ادع يا علي أن ترد عليك الشمس، فقال علي يا رسول الله ادع أنت وأنا أؤمن، فقال: يا رب إن عليا في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس، قال أبو سعيد: فوالله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية. وهذا إسناد مظلم أيضا ومتنه منكر، ومخالف لما تقدمه من السياقات، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل يسرقه هؤلاء الرافضة بعضهم من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج وغير ذلك من فضائل علي. قال: وأما حديث أمير المؤمنين علي فأخبرنا أبو العباس الفرغاني، أنا أبو الفضل الشيباني، ثنا رجاء بن يحيى الساماني، ثنا هارون بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين، ثنا عبد الله بن عمرو بن الأشعث، عن داود بن الكميت، عن عمه المستهل بن زيد، عن أبيه زيد بن سلهب عن جويرية بنت شهر قالت: خرجت مع علي بن أبي طالب فقال: يا جويرية إن رسول الله ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجري فذكر الحديث، وهذا الاسناد مظلم وأكثر رجاله لا يعرفون والذي يظهر والله أعلم أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم الله ولعن من كذب على رسول الله ﷺ وعجل له ما توعده الشارع من العذاب والنكال حيث قال وهو الصادق في المقال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه علي بن أبي طالب وفيه منقبة عظيمة له ودلالة معجزة باهرة لرسول الله ﷺ ، ثم لا يروي عنه إلا بهذا الاسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون، وهل لهم وجود في الخارج أم لا؟ الظاهر (والله أعلم) لا، ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال فأين أصحاب علي الثقات كعبيدة السلماني وشريح القاضي وعامر الشعبي وأضرابهم، ثم في ترك الأئمة كمالك وأصحاب الكتب الستة وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم وهو مفتعل مأفوك بعدهم، وهذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص علي بن أبي طالب ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكم في مستدركه وكلاهما ينسب إلى شئ من التشيع ولا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقع مثل هذا نهارا جهرة وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة وأكثرها مركبة موضوعة
стр. 2137
وأجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف. وقد اغتر بذلك أحمد بن صالح ﵀ ومال إلى صحته، ورجح ثبوته، قال الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: عن علي بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصري أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس، لأنه من علامات النبوة. وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا فيما قيل. ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا فيما يقتضي نقله، لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة وهو مقارن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة. وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا، وهذا حق لو كان الحديث صحيحا، ولكنه لم ينقله كذلك فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الامر والله أعلم. قلت: والأئمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ، كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين، وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر والشيخ أبي الفرج بن الجوزي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس بن تيمية، وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي: ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى، ثنا عبد الله بن علي [بن] المديني قال: سمعت أبي يقول: خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله ﷺ حديث: لو صدق السائل ما أفلح من رده، وحديث لا وجع إلا وجع العين، ولا غم إلا غم الدين، وحديث أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب، وحديث أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام، وحديث أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابان. والطحاوي ﵀ وإن كان قد اشتبه عليه أمره فقد روى عن أبي حنيفة ﵀ إنكاره والتهكم بمن رواه، قال أبو العباس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عباد، سمعت بشار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال: عمن رويت حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه: يا سارية الجبل، فهذا أبو حنيفة ﵀ وهو من الأئمة المعتبرين وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضله الله به ورسوله وهو مع هذا ينكر على راويه وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث وهو إن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا سارية الجبل. وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام (قد شهد الشارع له بأنه محدث) بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر
стр. 2138
علامات الساعة؟ والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه، بل حبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح والله تعالى أعلم. وتقدم ما أورده هذا المص من طرق هذا الحديث عن علي وأبي هريرة وأبي سعيد وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في الذرية الطاهرة: من حديث الحسين بن علي، والظاهر أنه عنه عن أبي سعيد الخدري كما تقدم والله أعلم. وقد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الإمامة الذي رد عليه فيه شيخنا [العلامة] أبو العباس ابن تيمية قال ابن المطهر: التاسع رجوع الشمس مرتين إحداهما في زمن النبي ﷺ والثانية بعده، أما الأولى فروى جابر وأبو سعيد: أن رسول الله ﷺ نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عنده الله، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس، فصلى علي العصر بالايماء فلما استيقظ رسول الله ﷺ قال له: سل الله أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما. فدعا فردت الشمس فصلى العصر قائما. وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بدوابهم وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر وفات كثيرا منهم فتكلموا في ذلك فسأل الله رد الشمس فردت قال وقد نظمه الحميري فقال:
ردت عليه الشمس لما فاته … وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
حتى تبلج نورها في وقتها … للعصر ثم هوت هوى الكوكب
وعليه قد رت ببابل مرة … أخرى وما ردت لخلق مقرب
قال شيخنا أبو العباس [ابن تيمية] ﵀: فضل علي وولايته وعلو منزلته عند الله معلوم ولله الحمد بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب، وحديث رد الشمس قد ذكره طائفة كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات رسول الله ﷺ ، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع، ثم أورد طرقه واحدة [واحدة] كما قدمنا وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم، وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه والله الموفق. واعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه [هذا الحديث] بأنه اغتر بسنده، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقل جيد للأسانيد كجهابذة الحفاظ، وقال في عيون كلامه: والذي يقطع به أنه كذب مفتعل. قلت: وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب. ولكن لم يسنده وفي سياقه ما يقتضي أن عليا [هو الذي] دعا برد الشمس في الأولى والثانية، وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه (والله أعلم) من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلوا العصر بل قاموا إلى بطحان وهو واد هناك فتوضأوا وصلوا العصر بعد ما غربت الشمس، وكان علي أيضا فيهم ولم ترد لهم، وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس ولم ترد لهم،
стр. 2139
وكذلك لما نام رسول الله ﷺ وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار ولم يرد لهم الليل، فما كان الله ليعطي عليا وأصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول الله ﷺ وأصحابه. وأما نظم الحميري فليس [فيه] حجة بل هو كهذيان بن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم بل كلاهما كما قال الشاعر:
إن كنت أدري فعلى بدنه … من كثرة التخليط أني من أنه
والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود ﵀ في سننه عن علي: أنه مر بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر فلم يصل حتى جاوزها، وقال: نهاني خليلي ﷺ أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة. وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل والنحل مبطلا لرد الشمس على علي بعد كلام ذكره رادا على من أدعى باطلا من الامر فقال ولا فرق بين من أدعى شيئا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال:
فردت علينا الشمس والليل راغم … بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى … لبهجتها نور السماء المرجع (١)
فوالله ما أدري علي بدا لنا فردت … له أم كان في القوم يوشع
هكذا أورده ابن حزم في كتابه، وهذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب وأنه مصنوع والله أعلم.
ومما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة، استسقاؤه ﵇ ربه [ ] لامته حين تأخر المطر فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته ﵇ وكذلك استصحاؤه.
قال البخاري: ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٢)
قال البخاري: وقال أبو عقيل الثقفي عن عمر بن حمزة: ثنا سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب … تفرد به البخاري وهذا الذي علقه قد أسنده ابن ماجة في سننه فرواه
стр. 2140
عن أحمد بن الأزهر عن أبي النضر عن أبي عقيل، عن عمر بن حمزة، عن سالم عن أبيه (١). وقال البخاري: ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يذكر: أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وتقطعت السبل، فادع الله لنا يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، [اللهم اسقنا] قال أنس: ولا [والله] ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، وقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، ادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الآكام والجبال [والظراب] ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسا أهو الرجل الذي سأل أولا؟ قال: لا أدري (٢) وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به. وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ : اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون ولا يمطر [أهل] المدينة (٣)، تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: هلكت المواشي وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء فقال: تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي [فادع الله أن يمسكها] فقال: اللهم، على الآكام والظراب والأودية ومنابت