← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

تقع الفتن … قال البيهقي: تابعه يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله (١) مسلم بن مشكم (٢) عن أبي الدرداء إلى قوله: لست منهم، قلت: قال سعيد بن عبد العزيز توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد: توفي سنة ثنتين وثلاثين، ﵁. ذكر إخباره ﷺ عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان وخلافة علي ﵄ ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر (٣) … وروى الإمام أحمد ومسلم من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: والله إني لاعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما ذاك أن يكون رسول الله ﷺ حدثني من ذلك شيئا أسره إلي لم يكن حدث به غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال: - وهو يحدث مجلسا أنا فيه - سئل عن الفتن وهو يعد الفتن فيهن ثلاث لا تذوق شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (٤)، وهذا لفظ أحمد … قال البيهقي: مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمان، وقيل الفتنتين الآخرتين في أيام علي، قلت: قال العجلي وغير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما، وهو الذي قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالة فاحتلبت به الأمة دما، وقال: لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص … وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قال سفيان أربع نسوة، قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وحلق بأصبعه الابهام والتي تليها - قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث (٥) … هكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به،

стр. 2277

وكذلك رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعد بن عمرو والأشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة به سواء … ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد: كلهم عن سفيان بن عيينة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الترمذي: قال الحميدي عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الاسناد أربع نسوة، قلت وقد أخرجه البخاري عن مالك بن إسماعيل ومسلم عن عمرو الناقد عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش فلم يذكروا حبيبة في الاسناد، وكذلك رواه عن الزهري شعيب وصالح بن كيسان وعقيل ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبي عتيق، ويونس بن يزيد فلم يذكروا عنه في الاسناد حبيبة والله أعلم … فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفيان بن عيينة، يكون قد اجتمع في هذا الاسناد تابعيان، وهما الزهري وعروة بن الزبير، وأربع صحابيات وبنتان وزوجتان وهذا عزيز جدا … ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدم: عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري فذكره إلى آخره، ثم قال: وعن الزهري حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة قالت: استيقظ رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟! … وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق عن الزهري به … ورواه الترمذي من حديث معمر عن الزهري وقال: حسن صحيح … وقال أبو داود الطيالسي: ثنا الصلت بن دينار، ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي قالا: سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية … (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) … [الأنفال: ٢٥] قال: لقد تلوت هذه الآية زمنا وما أراني من أهلها، فأصبحنا من أهلها (١) … وهذا الاسناد ضعيف، ولكن روي من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا جرير قال: سمعت أنسا قال: قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي ﷺ … (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) … فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ وما نشعر أنها تقع حيث وقعت … ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن مهدي، عن جرير بن حازم به، وقد قتل الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى … وقال أبو داود السجستاني في سننه: ثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص - سلام بن سليم - عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد، قال: كنا عند النبي ﷺ فذكر فتنة وعظم أمرها، فقلنا: يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا؟ فقال: كلا إن بحسبكم القتل، قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا (٢) … تفرد به أبو داود، وقال أبو داود السجستاني: حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد، أنا هشام عن محمد. قال قال: حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 2278

لا تضرك الفتنة (١)، وهذا منقطع … وقال أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن أشعث بن أبي أشعث: سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن أبي ضبيعة سمعت حذيفة يقول: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة، فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروب، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري، فسألته فقال: لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين (٢) … قال البيهقي: ورواه أبو داود - يعني السجستاني - عن عمرو بن مرزوق عن شعبة به … وقال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبي بردة … عن ضبيعة بن حصين الثعلبي عن حذيفة بمعناه (٣)، قال البخاري في التاريخ: هذا عندي أولى … وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي بردة قال: مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة، فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت: رحمك الله إنك من هذا الامر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله، فقد كان ما قال رسول الله ﷺ ، وفعلت ما أمرني به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه فإذا سيف من خشب فقال قد فعلت ما أمرني به واتخذت هذا أرهب به الناس، تفرد به أحمد … وقال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا علي بن عيسى المدني، أنا أحمد بن بحرة القرشي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، أنا إبراهيم بن سعد، ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن محمود بن لبيد عن محمد بن مسلمة أنه قال: يا رسول الله كيف أصنع إذا اختلف المضلون؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة … وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا زياد بن مسلم أبو عمر، ثنا أبو الأشعث الصنعاني قال: بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - نسي زياد اسمه - فقال: إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فأكسر به حد سيفك ثم اقعد في بيتك، فإن دخل عليك أحد البيت فقم إلى المخدع، فإن دخل عليك المخدع فأجثو على ركبتيك وقل: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي (٤) … هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد، ولكن وقع إبهام اسمه، وليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابي آخر، فإن محمد بن مسلمة ﵁ لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفي فيما بين

стр. 2279

الأربعين إلى الخمسين، فقيل سنة ثنتين وقيل: ثلاث، وقيل، سبع وأربعين، ولم يدرك أيام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف، فتعين أنه صحابي آخر خبره كخبر محمد بن مسلمة … وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، ثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاري أن عليا أتى أهبان فقال: ما يمنعك أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي وابن عمك ﷺ : أن ستكون فرقة وفتنة واختلاف، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك واقعد في بيتك واتخذ سيفا من خشب … وقد وراه أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به، وزاد مؤمل في روايته بعد قوله: واتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية … ورواه الإمام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبيد الديلي عن عديسة بنت أهبان بن صيفي عن أبيها به، قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد، كذا قال، وقد تقدم من غير طريقه … وقال البخاري: ثنا عبد العزيز الأويسي، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به (١) … وعن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية مثل حديث أبي هريرة هذا (٢)، وقد روى مسلم حديث أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري، وكذلك حديث نوفل بن معاوية بإسناده البخاري ولفظه، ثم قال البخاري: ثنا محمد بن كثير، أخبرني سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها، فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم (٣) … ورواه مسلم من حديث الأعمش به … وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا سلمة (٤) بن أبي بكرة عن أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنها ستكون فتنة ثم تكون فتنة، ألا فالماشي فيها خير من الساعي إليها، والقاعد فيها خير من القائم فيها، ألا والمضطجع فيها خير من القاعد، ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ألا ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ألا ومن كانت له إبل فليلحق بإبله، فقال رجل من القوم: يا نبي الله جعلني الله فداك، أرأيت من ليست له غنم ولا أرض ولا إبل كيف يصنع؟

стр. 2280

قال: ليأخذ سيفه ثم ليعمد به إلى صخرة، ثم ليدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ إذ قال رجل: يا رسول الله جعلني الله فداك، أرأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين؟ - شك عثمان - فيحذفني رجل بسيفه فيقتلني، ماذا يكون من شأني؟ قال: يبوء بإثمك وإثمه ويكون من أصحاب النار … وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه، وهذا إخبار عن إقبال الفتن، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا … وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس قال: لما أقبلت عائشة - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - وبلغت مياه بني عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب (١) … ورواه أبو نعيم بن حماد في الملاحم عن يزيد بن هارون عن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم به … ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب، فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس (٢) … وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه * وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى، عن عصام بن قدامة البجلي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل إلا دبب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير … ثم قال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد … وقال الطبراني: ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا نوح بن دراج عن الأجلح بن عبد الله، عن زيد بن علي، عن أبيه عن ابن الحسين عن ابن عباس قال: لما بلغ أصحاب علي، حين ساروا إلى البصرة، أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزبير، شق عليهم، ووقع في قلوبهم، فقال علي: والذي لا إله غيره ليظهرنه على أهل البصرة، وليقتلن طلحة والزبير، وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، شك الأجلح، قال ابن عباس: فوقع ذلك في نفسي، فلما أتى الكوفة خرجت فقلت: لأنظرن، فإن كان كما يقول فهو أمر سمعه، وإلا فهو خديعة الحرب، فلقيت رجلا من الجيش فسألته، فوالله ما عتم أن قال ما قال علي، قال ابن عباس: وهو ما كان رسول الله ﷺ يخبره … وقال البيهقي: أنا عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد (٣)، ثنا أحمد بن نصر، ثنا أبو نعيم الفضل،

стр. 2281

ثنا عبد الجبار بن الورد، عن عمار الدهني (١) عن سالم بن أبي الجعد، عن أم سلمة قالت: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي وقال: يا علي إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها … وهذا حديث غريب جدا، وأغرب منه ما رواه البيهقي أيضا عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصنعاني، عن أبي نعيم، عن عبد الجبار بن العباس الشبامي (٢) عن عطاء بن السائب، عن عمر بن الهجنع (٣) عن أبي بكرة قال: قيل له ما يمنعك أن لا تكون قاتلت على نصرتك يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة (٤)، وهذا منكر جدا … والمحفوظ ما رواه البخاري من حديث الحسن البصري عن أبي بكرة قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ وبلغه أن فارس ملكوا عليهم امرأة كسرى - فقال: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة … وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن الحكم، سمعت أبا وائل قال: لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لاعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، لكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (٥) … ورواه البخاري عن بندار عن غندر، وهذا كله وقع في أيام الجمل، وقد ندمت عائشة ﵂ ما كان من خروجها، على ما سنورده في موضعه، وكذلك الزبير بن العوام أيضا، تذكر وهو واقف في المعركة أن قتاله في هذا الموطن ليس بصواب، فرجع عن ذلك … قال عبد الرزاق: أنا معمر عن قتادة قال: لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا، فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى، وذلك أن النبي ﷺ لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال: أتحبه يا زبير؟ فقال: وما يمنعني؟ قال: فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟ قال: فيرون أنه إنما ولى لذلك (٦)، وهذا مرسل من هذا الوجه … وقد أسنده الحافظ البيهقي من وجه آخر فقال: أنا أبو بكر - أحمد بن الحسن القاضي - ثنا أبو عمرو بن مطر، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي، ثنا منجاب بن الحرث، ثنا عبد الله بن الأجلح، ثنا أبي، عن يزيد الفقير، عن أبيه قال: وسمعت فضل بن فضالة يحدث أبي عن حرب بن أبي الأسود الدئلي عن أبيه، دخل

стр. 2282

حديث أحدهما في حديث صاحبه، قال: لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض، وخرج علي وهو على بغلة رسول الله ﷺ ، فنادى: ادعوا لي الزبير بن العوام، فأتى علي، فدعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي: يا زبير ناشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ مكان كذا وكذا فقال: يا زبير تحب عليا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني؟ فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له، فقال الزبير: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير فقال: مالك؟ فقال: ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته وهو يقول: لتقاتلنه وأنت ظالم له، فلا أقاتلنه، فقال وللقتال جئت؟ إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح الله هذا الامر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: فأعتق غلامك جرجس (١) وقف حتى تصلح بين الناس، فأعتق غلامه ووقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه (٢) … قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ؟ أنا الإمام أبو الوليد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قطن بن بشير، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عبد الله بن محمد الرقاشي، ثنا جدي - وهو عبد الملك بن مسلم - عن أبي جرو (٣) المازني، قال: سمعت عليا والزبير وعلي يقول له: ناشدتك الله يا زبير، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك تقاتلني وأنت لي ظالم؟ قال: بلى ولكني نسيت … وهذا غريب كالسياق الذي قبله، وقد روى البيهقي من طريق الهذيل بن بلال - وفيه ضعف - عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان، قلت: قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية علي (٤) … وثبت في الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة (٥) … ورواه البخاري أيضا عن أبي اليمان، عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثله … ورواه البخاري أيضا عن أبي اليمان عن شعيب، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة … وهاتان

стр. 2283

الفئتان هما أصحاب الجمل، وأصحاب صفين، فإنهما جميعا يدعون إلى الاسلام، وإنما يتنازعون في شئ من أمور الملك، ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمر وقال: كان أهل الشام ستين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا (١)، ولكن كان علي وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار، تقتلك الفئة الباغية … ورواه أيضا من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : يقتل عمارا الفئة الباغية، وفي رواية: وقاتله في النار (٢) … وقد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبوية، وما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد: لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة، فليس له أصل يعتمد عليه، بل هو من اختلاق الروافض قبحهم الله … وقد روى البيهقي من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: اشتكى عمار شكوى أرق منها، فغشي عليه فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرني حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر زادي في الدنيا مذقة لبن (٣) * وقال الإمام أحمد: حدثني وكيع، ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، فإن رسول الله ﷺ قال: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، فشربها ثم تقدم فقتل … وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري، أن عمار بن ياسر أتي بشربة لبن فضحك وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: آخر شراب أشربه لبن حين أموت (٤) … وروى البيهقي من حديث عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول، إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق (٥) … ومعلوم أن عمارا كان في جيش علي يوم صفين، وقتله أصحاب معاوية من أهل الشام، وكان الذي تولى قتله رجل يقال له أبو الغادية، رجل من أفناد الناس، وقيل: إنه صحابي … وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر وغيره في أسماء الصحابة وهو أبو الغادية مسلم، وقيل:؟ سار بن أزيهر الجهني من قضاعة، وقيل: مزني، وقيل: هما اثنان، سكن الشام ثم صار إلى

стр. 2284

واسط، روى له أحمد حديثا وله عند غيره آخر، قالوا: وهو قاتل عمار بن ياسر، وكان يذكر صفة قتله لعمار لا يتحاشى من ذلك، وسنذكر ترجمته عند قتله لعمار أيام معاوية في وقعة صفين، وأخطأ من قال: كان بدريا وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا العوام، حدثني [أسود] ابن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنزي قال: بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما لصاحبه نفسا فإني سمعت النبي ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال معاوية: ألا نح عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا، قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل (١) وقال الإمام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحرث بن نوفل، قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو يا أبة، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا يزال يأتينا بهنة (٣)، أو نحن قتلناه؟ إنما قتلة من جاءوا به ثم رواه أحمد عن أبي نعيم عن الثوري عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد فذكر مثله. فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا، تأويل بعيد جدا، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله، حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء وقال عبد الرزاق أنا ابن عيينة، أخبرني عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ (وجاهدوا في الله حق جهاده) [الحج: ٧٨] في آخر الزمام، كما جاهدتم في أوله؟ فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان بنو أمية الامراء وبنو المغيرة الوزراء (٤) ذكره البيهقي ههنا، وكأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين وما كان من أمرهما، فقال: [باب ما جاء في] (٥) إخباره ﷺ عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا

стр. 2285

قتيبة ابن سعيد، عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن يسار (١) عن سويد بن غفلة قال: إني لامشي مع علي بشط الفرات فقال: قال رسول الله ﷺ : إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا من اتبعهما … وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وأضلا من اتبعهما … هكذا أورده ولم يبين شيئا من أمره، وهو حديث منكر جدا، وآفته من زكريا بن يحيى هذا - وهو الكندي الحميري الأعمى - قال يحيى بن معين: ليس بشئ، والحكمان كانا من خيار الصحابة، وهما عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، والثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين، وحقن لدمائهم، وكذلك وقع ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التحكيم، وخرجوا عليهما وكفروهما، حتى قاتلهم علي بن أبي طالب، وناظرهم ابن عباس، فرجع منهم شرذمة إلى الحق، واستمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم كما سنذكره. إخباره ﷺ عن الخوارج وقتالهم قال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ واشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعته (٢) … وهكذا رواه مسلم

стр. 2286

من حديث أبي سعيد … ورواه البخاري أيضا من حديث الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك عن أبي سعيد. وأخرجه البخاري أيضا من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه، ومسلم عن هناد عن أبي الأحوص سلام بن سليم عن سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن أبي سعيد الخدري به … وقد روى مسلم في صحيحه من حديث داود بن أبي هند، والقاسم بن الفضل، وقتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : تمرق مارقة عند فرقة المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق (١) … ورواه أيضا من حديث أبي إسحاق الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد مرفوعا. وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن مسهر، عن الشيباني، عن يسير بن عمر وقال: سألت سهل بن حنيف، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر هؤلاء الخوارج؟ فقال: سمعته وأشار بيده نحو المشرق - وفي رواية نحو العراق - يخرج قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، محلقة رؤوسهم (٢) … وروى مسلم من حديث حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي در نحوه وقال: سيماهم التحليق، شر الخلق والخليقة * وكذلك رواه محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا، وقال: سيماهم التحليق، شر الخلق والخليقة … وفي الصحيحين من حديث الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة عن علي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة (٣) … وقد روى مسلم عن قتيبة، عن حماد، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة، عن علي في خبر مثدون اليد (٤) وهو ذو الثدية * وأسنده من وجه آخر عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي وفيه: أنه حلف عليا على ذلك فحلف له أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ … ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن زيد بن وهب عن علي بالقصة مطولة وفيه قصة ذي الثدية … ورواه من حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي، ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن زيد، عن حميد بن مرة، عن أبي الوضئ (٥) والسحيمي عن علي في قصة ذي الثدية … ورواه

стр. 2287

الثوري عن محمد بن قيس، عن أبي موسى - رجل من قومه - عن علي بالقصة … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا الحميدي، ثنا سفيان حدثني العلاء بن أبي العباس أنه سمع أبا الطفيل يحدث: عن بكر بن قرقاش (١) عن سعيد بن أبي وقاص قال: ذكر رسول الله ﷺ ذا الثدية فقال: شيطان الردهة كراعي الخيل يحذره رجل من بجيلة يقال له: الأشهب، أو ابن الأشهب علامة في قوم ظلمة، قال سفيان، فأخبرني عمار الدهني أنه جاء به رجل منهم يقال له: الأشهب، أو ابن الأشهب … قال يعقوب بن سفيان: وحدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبي إسحاق عن حامد الهمداني سمعت سعد بن مالك يقول: قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة - يعني المخدج - يريد والله أعلم قتلة أصحاب علي … وقال علي بن عياش، عن حبيب عن سلمة قال (٢): لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد ﷺ ، قال ابن عياش: جيش المروة قتلة عثمان (٣) … رواه البيهقي، ثم قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، فقال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، ولكن خاصف النعل - يعني عليا (٤) - وقال يعقوب بن سفيان، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عمران بن جرير، عن لاحق قال: كان الذين خرجوا على علي بالنهروان أربعة آلاف في الحديد، فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط، وإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فإنه يشهد بذلك … قلت: الاخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله ﷺ ، لان ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن، ووقوع ذلك في زمان علي معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة، وأما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عباس لهم في ذلك، ورجوع كثير منهم إليه، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. إخباره ﷺ بمقتل علي بن أبي طالب فكان كما أخبر قال الإمام أحمد: ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي، عن محمد بن كعب [القرظي عن محمد] (٥) بن خيثم عن

стр. 2288

عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي - حين ولي غزوة العثيرة -: يا أبا تراب - لما يرى عليه من التراب - ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى يبل هذه - يعني لحيته - … وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبي النضر، عن محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري - وكان أبوه من أهل بدر - قال: خرجت مع أبي عائدا لعلي بن أبي طالب في مرض أصابه فثقل منه، قال: فقال أبي ما يقيمك بمنزلك هذا؟ فلو أصابك أجلك لم يكن إلا أعراب جهينة، تحملك إلى المدينة، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك، فقال علي: إن رسول الله ﷺ عهد إلي أن لا أموت حتى تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه - يعني هامته - فقتل وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين (١) * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: جاء رأس الخوارج إلى علي فقال له: اتق الله فأنك ميت، فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود، وقضاء مقضي، وقد خاب من افترى (٢) … وقد روى البيهقي بأسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبي سنان المدركي عن علي في إخبار النبي ﷺ بقتله، وروى من حديث هشيم (٣) عن إسماعيل بن سالم عن أبي إدريس الأزدي عن علي قال: إن مما عهد إلي رسول الله ﷺ : أن الأمة ستغدر بك بعدي، ثم ساقه من طريق قطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحمامي قال: سمعت عليا يقول: إنه لعهد النبي الأمي إلي، إن الأمة ستغدر بك بعدي (٤) * قال البخاري: ثعلبة هذا فيه نظر ولا يتابع على حديثه هذا، وروي البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي [الجواب الأحوص بن جواب] (٥) عن عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال: قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، للحيته من رأسه، فما يحبس أشقاها، فقال عبد الله بن سبيع: والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأثرنا عشيرته (٦)، فقال: أنشدك بالله أن لا تقتل بي غير قاتلي، قالوا يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ قال: ولكن أترككم كما ترككم

стр. 2289

رسول الله ﷺ ، قالوا: فما تقول لربك إذا تركتنا هملا؟ قال: أقول: اللهم استخلفني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني وتركتك فيهم، فأن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم … وهكذا روى البيهقي هذا، وهو موقوف، وفيه غرابة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، ثم المشهور عن علي أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو خارج لصلاة الصبح عند السدة، فبقي على يومين من طعنته، وحبس ابن ملجم، وأوصى علي إلي ابنه الحسن بن علي كما سيأتي بيانه وأمره أن يركب في الجنود وقال له: لا يجر على كما تجر الجارية، فلما مات قتل عبد الرحمن بن ملجم قودا، وقيل: حدا، والله أعلم، ثم ركب الحسن بن علي في الجنود وسار إلى معاوية كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. إخباره ﷺ بذلك وسيادة ولده الحسن بن علي في تركه الامر من بعده وإعطائه لمعاوية قال البخاري (١) في دلائل النبوة: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفي عن أبي موسى عن الحسن عن أبي بكرة قال. أخرج النبي ﷺ ذات يوم الحسن بن علي فصعد به على المنبر فقال: إن ابني هذا سيد: ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين * وقال في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية، فكان والله خير الرجلين: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: إذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له وأطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين … وقال البخاري: قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن بن أبي بكرة بهذا الحديث … وقد رواه البخاري أيضا في فضل الحسن وفي كتاب

стр. 2290

الفتن عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن أبي موسى وهو إسرائيل بن موسى بن أبي إسحاق - ورواه أبو داود والترمذي من حديث أشعث، وأبو داود أيضا والنسائي من حديث علي بن زيد بن جدعان كلهم عن الحسن البصري عن أبي بكرة به، وقال الترمذي: صحيح، وله طرق عن الحسن مرسلا، وعن الحسن وعن أم سلمة به، وهكذا وقع الامر كما أخبره به النبي ﷺ سواء، فإن الحسن بن علي لما صار إليه الامر بعد أبيه وركب في جيوش أهل العراق، وسار إليه معاوية، فتصافا بصفين على ما ذكره الحسن البصري، فمال الحسن بن علي إلى الصلح، وخطب الناس وخلع نفسه من الامر وسلمه إلى معاوية، وذلك سنة أربعين، فبايعه الامراء من الجيشين، واستقل بأعباء الأمة، فسمي ذلك العام عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد، وسنورد ذلك مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى … وقد شهد الصادق المصدوق للفرقتين بالاسلام، فمن كفرهم أو واحدا منهم لمجرد ما وقع فقد أخطأ وخالف النص النبوي المحمدي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد تكمل بهذه السنة المدة التي أشار إليها رسول الله ﷺ أنها مدة الخلافة المتتابعة بعده، كما تقدم في حديث سفينة مولاه أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وفي رواية عضوضا، وفي رواية عن معاوية أنه قال: رضينا بها ملكا، وقد قال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم: سمعت محمد بن فضيل عن السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن سفيان بن عيينة قال: سمعت محمد بن علي يقول: سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع القدم، ضخم البلغم، يأكل ولا يشبع وهو عري، وهكذا وقع في هذه الرواية، وفي رواية بهذا الاسناد: لا تذهب الأيام والليالي حتى تجتمع هذه الأمة على معاوية * وروي البيهقي من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر - وهو ضعيف - عن عبد الملك بن عمير (١) قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله ﷺ لي: يا معاوية إن ملكت فأحسن … ثم قال البيهقي: وله شواهد، من ذلك حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص عن جده سعيد أن معاوية أخذ الإداوة فتبع رسول الله ﷺ فنظر إليه فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل، قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول رسول الله ﷺ (٢) * ومنها حديث الثوري عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد الداري عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم، ثم يقول أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ ، فنفعه الله بها (٣) … رواه أبو داود … وروى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أبيه عن أبي هريرة

стр. 2291

قال: قال رسول الله ﷺ : الخلافة بالمدينة والملك بالشام (١) … وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا يحيى بن حمزة عن زيد بن واقد، حدثني بسر بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب رفع احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الايمان - حين تقع الفتن - بالشام ههنا (٢) رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة السلمي به، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، وروي من وجه آخر … ثم ساقه من طريق عقبة بن علقمة عن سعيد بن عبد العزيز الدمشقي عن عطية بن قيس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : إني رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا إن الايمان إذا وقعت الفتن بالشام * ثم أورده البيهقي من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ فذكر نحوه، إلا أنه قال: فأتبعته بصري حتى ظننت أنه مذهوب به، قال: وإني أولت أن الفتن إذا وقعت، أن الايمان بالشام … قال الوليد: حدثني عفير بن معدان أنه سمع سليم بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ مثل ذلك * وقال يعقوب بن سفيان: حدثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، ثنا أبي أبو ضمرة - محمد بن سليمان السلمي - حدثني عبد الله بن أبي قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام … وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال له علي: لا تسب أهل الشام جما غفيرا، فإن بها الابدال، فإن بها الابدال … وقد روي من وجه آخر عن علي (٣) … قال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني شريح - يعني ابن عبيد الحضرمي - قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الابدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا، يستسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب … تفرد به أحمد، وفيه انقطاع، فقد نص أبو حاتم الرازي على أن شريح بن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الأشعري وأنه رواية عنهما مرسلة، فما ظنك بروايته عن علي بن أبي طالب، وهو أقدم وفاة منهما.

стр. 2292

إخباره ﷺ عن غزاة البحر إلى قبرص قال مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يوما فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحاق، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: قلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، كما قال في الأولى، قالت: قلت يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، قال: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت (١) * رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به، وأخرجاه في الصحيح من حديث الليث وحماد بن زيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد. وعن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركبوا مع معاوية، أو أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت … ورواه البخاري من حديث أبي إسحاق الفزاري عن زائدة، عن أبي حوالة عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس به، وأخرجه أبو داود من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أخت أم سليم … وقال البخاري: باب ما قيل في قتال الروم حدثنا إسحاق (٢) بن يزيد الدمشقي، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل إلى ساحل حمص، وهو في بناء له، ومعه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام: فقلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، قالت: ثم قال النبي ﷺ : أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، قلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا، تفرد به البخاري دون أصحاب الكتب

стр. 2293

الستة … وقد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن أبي عمرو بن أبي جعفر، عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار الخطيب، عن يحيى بن حمزة القاضي به وهو يشبه معنى الحديث الأول (١) … وفيه من دلائل النبوة ثلاث إحداها الاخبار عن الغزوة الأولى في البحر وقد كانت في سنة سبع وعشرين مع معاوية بن أبي سفيان حين غزا قبرص وهو نائب الشام عن عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام بنت ملحان هذه صحبة زوجها عبادة بن الصامت، أحد النقباء ليلة العقبة، فتوفيت مرجعهم من الغزو قتل بالشام كما تقدم في الرواية عند البخاري، وقال ابن زيد: توفيت بقبرص سنة سبع وعشرين، والغزوة الثانية غزوة قسطنطينية مع أول جيش غزاها، وكان أميرها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وذلك في سنة ثنتين وخمسين، وكان معهم أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري، فمات هنالك ﵁ وأرضاه، ولم تكن هذه المرأة معهم، لأنها كانت قد توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى … فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النبوة، الاخبار عن الغزوتين، والاخبار عن المرأة بأنها من الأولين وليست من الآخرين، وكذلك وقع صلوات الله وسلامه عليه. الاخبار عن غزوة الهند قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن سيار بن حسين بن عبيدة، عن أبي هريرة قال: وعد؟ رسول الله ﷺ غزوة الهند فإن استشهدت كنت من خير الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هرير المحرر … رواه النسائي من حديث هشيم وزيد بن أنيسة عن يسار عن جبر، ويقال: جبير، عن أبي هريرة قال: وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند فذكره، وقال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، ثنا البراء عن الحسن عن أبي هريرة قال: حدثني خليلي الصادق المصدوق، رسول الله ﷺ أنه قال: يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند، فإن أنا أدركته فاستشهدت فذاك، وإن أنا وإن أنا فذكر كلمة رجعت فأنا أبو هريرة المحدث قد أعتقني من النار … تفرد به أحمد، وقد غزا المسلمون الهند في أيام معاوية سنة أربع وأربعين، وكانت هنالك أمور سيأتي بسطها في موضعها، وقد غرا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، في حدود أربعمائة، بلاد الهند فدخل فيها وقتل وأسر وسبى وغنم ودخل السومنات وكسر الند الأعظم الذي يعبدونه، واستلب سيونه وقلائده، ثم رجع سالما مؤيدا منصورا.

стр. 2294

فصل في الاخبار عن قتال الترك كما سنبينه إن شاء الله قال البخاري: ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الامر حتى يقع فيه، والناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام، وليأتين على أحدكم زمان لان يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله … تفرد به من هذا الوجه … ثم قال البخاري: ثنا يحيى، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر … تابعه غيره عن عبد الرزاق (١)، وقد ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: أخطأ عبد الرزاق في قوله: خوزا، بالخاء، وإنما هو بالجيم جوزا وكرمان، هما بلدان معروفان بالشرق، فالله أعلم … وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة فبلغ به النبي ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر … وقد رواه الجماعة إلا النسائي من حديث سفيان بن عيينة به … وقال البخاري (٢): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان قال: قال إسماعيل: أخبرني قيس قال: أتينا أبا هريرة ﵁ فقال: صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن، سمعته يقول: وقال هكذا بيده بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر … وهو هذا البارز، وقال سفيان مرة: وهم أهل البارز، وقد رواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة ووكيع كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم القيامة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر كأن

стр. 2295

وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين … قلت: وأما قول سفيان بن عيينة: أنهم هم أهل البارز فالمشهور في الرواية تقديم الراء على الزاي، ولعله تصحيف اشتبه على القائل البارز وهو السوق بلغتهم، فالله أعلم … وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا جرير بن حازم سمعت الحسن قال: ثنا عمرو بن ثعلب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، أو ينتعلون الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة (١) … ورواه البخاري عن سليمان بن حرب وأبي النعمان عن جرير بن حازم به، والمقصود أن قتال الترك وقع في آخر أيام الصحابة، قاتلوا القان الأعظم، فكسروه كسرة عظيمة على ما سنورده في موضعه إذا انتهينا [إليه] بحول الله وقوته وحسن توفيقه. خبر آخر عن عبد الله بن سلام قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين عن بشر (٢) بن عباد قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر خشوع فدخل فصلى ركعتين فأوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله، والله ما ينبغي لاحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك أني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديدا أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: أصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاء بنصيف - قال ابن عون: وهو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد عليه، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فقصصتها عليه فقال: أما الروضة فروضة الاسلام، وأما العمود فعمود الاسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الاسلام تموت، قال: وهو عبد الله بن سلام (٣) … ورواه البخاري من حديث عون. ثم قد رواه الإمام أحمد: من حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحر، عن عبد الله بن سلام، فذكره مطولا، وفيه قال: حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي ودحاني، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقار ولم أتماسك، وإذا عمود حديد في يدي ذروته حلقة ذهب، فأخذ بيدي ودحاني حتى أخذت بالعروة، وذكر تمام الحديث … وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن

стр. 2296

سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام فذكره (١). وقال: حتى أتى بي جبلا فقال لي: اصعد، فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على رأسي، حتى فعلت ذلك مرارا، وأن رسول الله قال له حين ذكر رؤياه: وأما الجبل فهو منزل الشهداء، ولن تناله قال البيهقي: وهذه معجزة ثانية، حيث أخبر أنه لا ينال الشهادة … وهكذا وقع، فإنه مات سنة ثلاث وأربعين فيما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره. الاخبار عن بيت ميمونة بنت الحارث بسرف قال البخاري في التاريخ: أنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد الله بن عبد الله بن الأصم، ثنا يزيد بن الأصم قال: ثقلت ميمونة بمكة وليس عندها من بني أختها أحد، فقالت: أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها، إن رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة، فحملوها حتى أتوا بها إلى سرف، الشجرة التي بنى بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع القبة، فماتت ﵂، قلت: وكان موتها سنة إحدى وخمسين (٢) على الصحيح. ما روي في إخباره عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه قال يعقوب بن سفيان ثنا ابن بكير، ثنا ابن لهيعة، حدثني الحارث بن يزيد، عن عبد الله بن زرير (٣) الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: يا أهل العراق، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء (٤)، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود … فقتل حجر بن عدي وأصحابه، وقال يعقوب بن سفيان: قال أبو نعيم ذكر زياد بن سمية علي بن أبي طالب على المنبر فقبض حجر على الحصباء ثم أرسلها وحصب من حوله زيادا فكتب إلى معاوية يقول: إن حجرا حصبني وأنا على المنبر، فكتب إليه معاوية أن يحمل حجرا، فلما قرب من دمشق بعث من يتلقاهم، فالتقى معهم بعذراء فقتلهم، قال البيهقي: لا يقول على مثل هذا إلا أنه يكون سمعه من رسول الله ﷺ … وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا حرملة ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجرا وأصحابه؟ فقال: يا

стр. 2297

أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم إصلاحا للأمة، وأن بقاءهم فسادا، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيقتل بعذراء ناس يغصب الله لهم وأهل السماء … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة ﵂، فقالت: يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبئ لك رجلا فيقتلك؟ قال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول الله ﷺ يقول: الايمان قيد الفتك لا يفتك، لا يفتك مؤمن يا أم المؤمنين، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك؟ قالت: صالح، قال: فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا (١). حديث آخر قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لعشرة من أصحابه: آخركم موتا في النار، فيهم سمرة بن جندب، قال أبو نضرة: فكان سمرة آخرهم موتا، قال البيهقي: رواته ثقات إلا أن أبا نضرة العبدي لم يثبت له من أبي هريرة سماع والله أعلم (٢) … ثم روي من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن أنس بن حكيم قال: كنت أمر بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشئ حتى يسألني عن سمرة، فلو أخبرته بحياته وصحته فرح وقال: إنا كنا عشرة في بيت، وإن رسول الله قام علينا ونظر في وجوهنا وأخذ بعضادتي الباب وقال: آخركم موتا في النار، فقد مات منا ثمانية ولم يبق غيري وغيره، فليس شئ أحب إلي من أن أكون قد ذقت الموت (٣) … وله شاهد من وجه آخر، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة: مالك إذا قدمت عليك تسألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عنك؟ فقال: إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت فجاء النبي ﷺ فقال: آخركم موتا في النار … قال: فمات أبو هريرة ثم مات أبو محذورة ثم مات سمرة (٤) … وقال عبد الرزاق: أنا معمر: سمعت ابن طاوس وغيره يقولون: قال

стр. 2298

النبي ﷺ لأبي هريرة وسمرة بن جندب ولرجل آخر: آخركم موتا في النار، فمات الرجل قبلهما وبقي أبو هريرة وسمرة، فكان الرجل إذا أراد أن يغيظ أبا هريرة يقول: مات سمرة، فإذا سمعه غشي عليه وصعق، ثم مات أبو هريرة قبل سمرة وقتل سمرة بشرا كثيرا … وقد ضعف البيهقي عامة هذه الروايات لانقطاع بعضها وإرساله، ثم قال: وقد قال بعض أهل العلم: إن سمرة مات في الحريق، ثم قال: ويحتمل أن يورد النار بذنوبه ثم ينجو منها بإيمانه فيخرج منها بشفاعة الشافعين، والله أعلم … ثم أورد من طريق هلال بن العلاء الرقي أن عبد الله بن معاوية حدثهم عن رجل قد سماه أن سمرة استجمر فغفل عن نفسه وغفل أهله عنه حتى أخذته النار (١)، قلت: وذكر غيره أن سمرة بن جندب ﵁ أصابه كرار شديد، وكان يوقد له على قدر مملوءة ماءا حارا فيجلس فوقها ليتدفأ ببخارها فسقط يوما فيها فمات ﵁، وكان موته سنة تسع وخمسين بعد أبي هريرة بسنة (٢)، وقد كان ينوب عن زياد بن سمية في البصرة إذا سار إلى الكوفة، وفي الكوفة إذا سار إلى البصرة، فكان يقيم في كل منهما ستة أشهر من السنة، وكان شديدا على الخوارج، مكثرا للقتل فيهم، ويقول: هم شر قتلى تحت أديم السماء، وقد كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما من علماء البصرة يثنون عليه ﵁. خبر رافع بن خديج روى البيهقي من حديث مسلم بن إبراهيم عن عمرو بن مرزوق الواشحي (٣)، ثنا يحيى بن عبد الحميد بن رافع، عن جدته أن رافع بن خديج رمي - قال عمر: لا أدري أيهما قال - يوم أحد أو يوم حنين بسهم في ثندوته، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله انزع لي السهم، فقال له: يا رافع إن شئت نزعت السهم والقبضة (٤) جميعا، وإن شئت نزعت السهم وتركت القبضة وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد، فقال: يا رسول الله، أنزع السهم واترك القبضة واشهد لي يوم القيامة أني شهيد، قال: فعاش حتى كانت خلافة معاوية انتقض الجرح فمات بعد العصر * هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة معاوية، والذي ذكره الواقدي وغير واحد أنه مات سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين، ومعاوية ﵁ كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف، والله أعلم.

стр. 2299

إخباره ﷺ لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرني سفيان، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله: فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم (١) … وقال البخاري: ثنا محمد بن عبد الرحيم، أنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو أسامة، ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يهلك الناس هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم (٢) … ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة، وقال البخاري: قال محمود: ثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا زرعة، وحدثنا أحمد بن محمد المكي، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم فلان وبني فلان (٣) … تفرد به البخاري … وقال أحمد: ثنا روح، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلكة أمتي على يدي غلمة، قال مروان: وهم معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا، فلعنة الله عليهم غلمة، قال: أما والله لو أشاء أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت، قال: فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان - بعد ما ملكوا - فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة، قال لنا: عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر أن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا (٤) … وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سماك، حدثني عبد الله بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش … ثم رواه أحمد عن زيد بن الخباب عن سفيان وهو الثوري عن سماك، عن مالك بن ظالم، عن أبي هريرة فذكره. ثم روى غندر وروح بن عبادة عن سفيان عن سماك بن حرب عن مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة، زاد روح: يحدث مروان بن الحكم، قال: سمعت رسول الله ﷺ الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتي على يد غلمة أمراء سفهاء من قريش (٥) … وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن،

стр. 2300

حدثنا حياة، حدثني بشر بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون خلف من بعد الستين سنة [أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا] ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر، وقال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به (١) … تفرد به أحمد، وإسناده جيد قوي على شرط السنن … وقد روى البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان عن أبي أسامة، عن مجالد، عن الشعبي قال: لما رجع علي من صفين قال: أيها الناس، لا تكوهوا إمارة معاوية إنه لو فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تنزو من كواهلها كالحنظل … ثم روى عن الحاكم وغيره عن الأصم، عن العباس بن الوليد بن مزيد (٢) عن أبيه عن جابر عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال: كان أبو هريرة يمشي في سوق المدينة وهو يقول: اللهم لا تدركني سنة الستين، ويحكم تمسكوا بصدغي معاوية، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان، قال البيهقي: وعلي وأبو هريرة إنما يقولان: هذا الشئ سمعناه من رسول الله ﷺ … وقال يعقوب بن سفيان: أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي، ثنا محمد بن سليمان عن أبي تميم البعلبكي عن هشام بن الغاز عن ابن مكحول (٣) عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال هذا الامر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية … وروى البيهقي من طريق عوف الأعرابي عن أبي خلدة عن أبي العالية عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية (٤)، وهذا منقطع بين أبي العالية وأبي ذر وقد رجحه البيهقي بحديث أبي عبيدة المتقدم، قال: ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، والله أعلم … قلت: الناس في يزيد بن معاوية أقسام فمنهم من يحبه ويتولاه، وهم طائفة من أهل الشام، من النواصب، وأما الروافض فيشنعون عليه ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ويتهمه كثير منهم بالزندقة، ولم يكن كذلك، وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة، ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة، والأمور المستنكرة البشعة الشنيعة، فمن أنكرها قتل الحسين بن علي بكربلاء، ولكن لم يكن ذلك من علم منه، ولعله لم يرض به ولم يسؤه، وذلك من الأمور المنكرة جدا، ووقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النبوية على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى.

стр. 2301

الاخبار بمقتل الحسين بن علي ﵄ وقد ورد في الحديث بمقتل الحسن فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان، ثنا عمارة - يعني ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: استأذن ملك المطر أن يأتي النبي ﷺ ، فأذن له، فقال لام سلمة: احفظي علينا الباب: لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن علي، فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي ﷺ ، فقال له الملك: أتحبه؟ فقال النبي ﷺ : نعم، قال: فإن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها، قال: فكنا نسمع يقتل بكربلاء (١) … ورواه البيهقي من حديث بشر بن موسى عن عبد الصمد عن عمارة، فذكره، ثم قال: وكذلك رواه سفيان بن فروخ عن عمارة، وعمارة بن زاذان هذا هو الصيدلاني أبو سلمة البصري اختلفوا فيه، وقد قال فيه أبو حاتم، يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين، وضعفه أحمد مرة ووثقه أخرى، وحديثه هذا قد روي عن غيره من وجه آخر، فرواه الحافظ البيهقي من طريق عمارة بن غزية (٢) عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ نحو هذا … وقد قال البيهقي: أنا الحاكم في آخرين (٣)، قالوا: أنا الأصم، أنا عباس الدوري، ثنا محمد بن خالد بن مخلد، ثنا موسى بن يعقوب، عن هاشم بن هاشم عن عتبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة، أخبرتني أم سلمة أن رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو حائر، ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل أن هذا يقتل بأرض العراق - للحسين - قلت له: يا جبريل أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها … ثم قال البيهقي: تابعه أبو موسى الجهني، عن صالح بن يزيد النخعي عن أم سلمة، وأبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة (٤) … وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، ثنا الحسين بن عيسى، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الحسين جالسا في حجر النبي ﷺ فقال جبريل: أتحبه؟ فقال: وكيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي؟ فقال؟ أما إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء … ثم قال

стр. 2302

البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد، والحسين بن عيسى قد حدث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره. قلت: هو الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري، قال البخاري: مجهول - يعني مجهول الحال - وإلا فقد روى عنه سبعة نفر، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، روي عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: قليل الحديث، وعامة حديثه غرائب، وفي بعض أحاديثه المنكرات … وروى البيهقي عن الحكم وغيره عن أبي الأحوص: محمد بن الهيثم القاضي (١): ثنا محمد بن مصعب، ثنا الأوزاعي، عن أبي عمار شداد بن عبد الله، عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة، قال. وما هو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، قال: رأيت خيرا، تلك فاطمة إن شاء الله تلد غلاما فيكون في حجرك، فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري كما قال رسول الله ﷺ ، فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله ﷺ تهريقان الدموع، قالت: قلت يا نبي الله بأبي أنت وأمي، مالك؟ قال: أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا، فقلت: هذا؟ قال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء (٢) … وقد روى الإمام أحمد، عن عفان، عن وهيب عن أيوب عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل قالت: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك، قال: تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فتكفلينه، فولدت له فاطمة حسينا، فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم، فأتيت به رسول الله ﷺ يوما أزوره، فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره، فزخخت بيدي على كتفيه، فقال: أوجعت ابني أصلحك الله، أو قال: رحمك الله، فقلت: أعطني إزارك أغسله، فقال: إنما يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلام (٣) … ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن بكير عن إسرائيل عن سماك عن قابوس بن مخارق عن أم الفضل فذكر مثله سواء، وليس فيه الاخبار بقتله فالله أعلم … وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، أنا عمار بن أبي عمارة عن ابن عباس. قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائل، أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه، لم أزل التقطه منذ اليوم، قال: فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم ﵁ (٤) … قال قتادة: قتل الحسين يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف شهر *

стр. 2303

وهكذا قال الليث وأبو بكر بن عياش الواقدي والخليفة بن خياط وأبو معشر وغير واحد: إنه قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين، وزعم بعضهم أنه قتل يوم السبت، والأول أصح … وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشمس يومئذ، وهو ضعيف، وتغيير آفاق السماء، ولم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس، وأن الورس استحال رمادا، وأن اللحم صار مثل العلقم وكان فيه النار، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة، وفي بعضها احتمال، والله أعلم … وقد مات رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، ولم يقع شئ من هذه الأشياء، وكذلك الصديق بعده، مات ولم يكن شئ من هذا، وكذا عمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر، وحصر عثمان في داره وقتل بعد ذلك شهيدا، وقتل علي بن أبي طالب شهيدا بعد صلاة الفجر، ولم يكن شئ من هذه الأشياء، والله أعلم … وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي … وهذا صحيح، وقال شهر بن حوشب: كنا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشيا عليها … وكان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة، وكثر تواتر الكتب عليه من العامة ومن ابن عمه مسلم بن عقيل، فلما ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية، فبعث إلى مسلم بن عقيل يضرب عنقه ورماه من القصر إلى العامة، فتفرق ملؤهم وتبددت كلمتهم، هذا وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق، ولم يشعر بما وقع، فتحمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا من ثلاثمائة (١)، وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، فلم يطعهم، وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك، واستدل له على أنه لا يقع ما يريده فلم يقبل، فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه قال: سمعت الشعبي يقول: كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟ قال: العراق ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خير نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله ﷺ ، والله لا يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها عنكم إلى الذي هو خير منكم، فارجعوا، فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل (٢)، وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال ويتم له الامر، وقد قال ذلك عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا … ورواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن والملاحم. قلت:

стр. 2304

وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية، فإن أكثر العلماء على أنهم أدعياء وعلي بن أبي طالب ليس من أهل البيت، ومع هذا لم يتم له الامر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله، ولا اتسعت يده في البلاد كلها، ثم تنكدت عليه الأمور، وأما ابنه الحسن ﵁ فإنه لما جاء في جيوشه وتصافي هو وأهل الشام، ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة، تركها لله ، وصيانة لدماء المسلمين، أثابه الله ورضي عنه، وأما الحسين ﵁ فإن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق وخالفه، اعتنقه مودعا وقال: أستودعك الله من قتيل، وقد وقع ما تفرسه ابن عمر، فإنه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمر (١) بن سعد بن أبي وقاص، وذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء بالطف، فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبة هنالك، وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده. فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهن، وقالوا: لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبدا، وقاتلهم دون ذلك، فقتلوه ﵀، وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه، وعنده أنس بن مالك جالس، فقال له: يا هذا، ارفع قضيبك، قد طال ما رأيت رسول الله يقبل هذه الثنايا، ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام، إلى يزيد بن معاوية، ويقال: إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم (٢): نفلق هاما من رجال أعزة (٣) … علينا وهم كانوا أعق وأظلما ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبوية، فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة شعرها، واضعة كفها (٤) على رأسها تبكي وهي تقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم … ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

стр. 2305

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي (١) … منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم (٢) ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم (٣) … أن تخلفوني بشر (٤) في ذوي رحمي وسنورد هذا مفصلا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان … وقد رثاه الناس بمراث كثيرة ومن أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وكان فيه تشيع: جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد … متزملا بدمائه تزميلا فكأنما بك يا ابن بنت محمد … قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولم يترقبوا … في قتلك التنزيل والتأويلا ويكبرون بأن قتلت وإنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا ذكر الاخبار عن وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد أيضا قال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني ابن فليح عن أبيه، عن أيوب بن عبد الرحمن عن أيوب بن بشير المعافري أن رسول الله ﷺ خرج في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه، وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما الذي رأيت؟ فقال رسول الله ﷺ : أما إن ذلك ليس من سفركم هذا، قالوا: فما هو يا رسول الله؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي (٥) * هذا مرسل، وقد قال يعقوب بن سفيان: قال وهب بن جرير: قالت جويرية: حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة … (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها) … [الأحزاب: ١٤] قال: لأعطوها، يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة (٦) … وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء … وقال نعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم: حدثنا أبو عبد الصمد العمي، ثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر أرأيت إن الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف أنت صانع؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تدخل بيتك، قال قلت: فإن أتى علي؟ قال: يأتي من أنت منه، قال قلت: وأحمل السلاح؟ قال: إذا تشرك معهم، قال قلت: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: إن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق طائفة من ردائك على وجهك يبوء

стр. 2306

بإثمك وإثمه … ورواه الإمام أحمد في مسنده عن مرحوم - هو ابن عبد العزيز - عن أبي عمران الجوني، فذكره مطولا … قلت: وكان سبب وقعة الحرة أن وفدا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم وأحسن جائزتهم، وأطلق لأميرهم - وهو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - قريبا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصلاة عن وقتها، بسبب السكر، فاجتمعوا على خلعه، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعث إليهم سرية، يقدمها رجل يقال له مسلم بن عقبة، وإنما يسميه السلف: مسرف بن عقبة، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غضون هذه الأيام بشرا كثيرا حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها (١)، وزعم بعض علماء السلف أنه قتل (٢) في غضون ذلك ألف بكر فالله أعلم … وقال عبد الله بن وهب عن الامام مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذلك في خلافة يزيد … وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري يقول: قتل يوم الحرة عبد الله بن يزيد المازني ومعقل بن سنان الأشجعي، ومعاذ بن الحارث القاري، وقتل عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر … قال يعقوب: وحدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث قال: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من الحجة سنة ثلاث وستين، ثم انبعث مسرف بن عقبة إلى مكة قاصدا عبد الله بن الزبير ليقتله بها، لأنه فر من بيعة يزيد، فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك، واستفحل أمر عبد الله بن الزبير في الخلافة بالحجاز، ثم أخذ العراق ومصر، وبويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد، وكان رجلا صالحا، فلم تطل مدته، مكث أربعين يوما، وقيل عشرين يوما، ثم مات ﵀، فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعده ابنه عبد الملك، فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الأشدق وكان نائبا على المدينة من زمن معاوية وأيام يزيد ومروان، فلما هلك مروان زعم أنه أوصى له بالامر من بعد ابنه عبد الملك، فضاق به ذرعا، ولم يزل به حتى أخذه بعدما استفحل أمره بدمشق فقتله في سنة تسع وستين، ويقال: في سنة سبعين، واستمرت أيام عبد الملك حتى ظفر بابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي عن أمره بمكة، بعد محاصرة طويلة اقتضت أن نصب المنجنيق على الكعبة من أجل أن ابن الزبير لجأ إلى الحرم، فلم يزل به حتى قتله، ثم عهد في الامر إلى بنيه الأربعة بعده الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام بن عبد الملك … وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود ويحيى بن أبي بكير، ثنا كامل

стр. 2307

أبو العلاء، سمعت أبا صالح وهو مولى ضباعة المؤذن واسمه مينا - قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : تعوذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصبيان، وقال: لا تذهب الدنيا حتى يظهر اللكع ابن لكع، وقال الأسود: يعني اللئيم ابن اللئيم (١) … وقد روى الترمذي من حديث أبي كامل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة، ثم قال: حسن غريب … وقد روى الإمام أحمد عن عفان وعبد الصمد، عن حماد بن سلمة عن علي بن يزيد: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لينعقن (٢) وقال عبد الصمد في روايته ليزعقن جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا، زاد عبد الصمد حتى يسيل رعافه، قال: فحدثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص: يرعف على منبر النبي ﷺ حتى سال رعافه، قلت: علي بن يزيد بن جدعان في روايته غرابة ونكارة وفيه تشيع، وعمرو بن سعيد هذا، يقال له: الأشدق، كان من سادات المسلمين وأشرافهم، [في الدنيا لا في الدين]. وروى عن جماعة من الصحابة، منهم في صحيح مسلم عن عثمان في فصل الطهور، وكان نائبا على المدينة لمعاوية ولابنه يزيد بعده، ثم استفحل أمره حتى كان يصاول عبد الملك بن مروان، ثم خدعه عبد الملك حتى ظفر به فقتله في سنة تسع وستين، أو سنة سبعين، فالله أعلم … وقد روى عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنها أنه لما حضرته الوفاة قال لبنيه، وكانوا ثلاثة، عمرو هذا، وأمية، وموسى، فقال لهم: من يتحمل ما علي؟ فبدر ابنه عمرو هذا وقال: أنا يا أبة، وما عليك؟ قال: ثلاثون ألف دينار، قال: نعم، قال وأخواتك لا تزوجهن إلا بالأكفاء ولو أكلن خبز الشعير، قال: نعم، قال: وأصحابي من بعدي، إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي، قال: نعم، قال: أما لئن، قلت ذلك، فلقد كنت أعرفه من حماليق وجهك وأنت في مهدك … وقد ذكر البيهقي من طريق عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن حرملة بن عمران [عن أبيه] (٣) عن يزيد بن أبي حبيب أنه سمعه يحدث عن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي، قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب الأحبار فذكر كلامه فيما يقع هناك من سفك دماء المسلمين، وأنه يجد ذلك في التوراة، وذكر عن قيس بن خرشة أنه بايع رسول الله ﷺ على أن يقول الحق، وقال: يا قيس بن خرشة عسى إن عذبك الدهر حتى يكبك (٤) بعدي من لا تستطيع أن تقول بالحق معهم، فقال: والله لا أبايعك على شئ إلا وفيت لك به، فقال له رسول الله ﷺ : إذا لا يضرك بشر، فبلغ قيس إلى

стр. 2308

أيام عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، فنقم عليه عبيد الله في شئ فأحضره فقال: أنت الذي زعم أنه لا يضرك بشر؟ قال: نعم، قال: لتعلمن اليوم أنك قد كذبت، ائتوني بصاحب العذاب، قال: فمال قيس عند ذلك فمات (١). معجزة أخرى روى البيهقي من طريق الدراوردي، عن ثور بن يزيد، موسى بن ميسرة: أن بعض بني عبد الله سايره في بعض طريق مكة، قال: حدثني العباس بن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة، فوجده عنده رجلا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان الرجل، فلقي العباس رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال: ورآه؟ قال: نعم، قال: أتدري من ذلك الرجل؟ ذاك جبريل، ولن يموت حتى يذهب بصره ويؤتي علما (٢)، وقد مات ابن عباس سنة ثمان وستين بعد ما عمي ﵁ … وروى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان، حدثتنا [نباتة بن بنت بريد بن يزيد] (٣) عن أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها، أن رسول الله ﷺ دخل على زيد يعوده في مرض كان به، قال: ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت؟ قال: إذا أحتسب وأصبر، قال: إذا تدخل الجنة بغير حساب، قال: فعمي بعد ما مات رسول الله، ثم رد الله عليه بصره، ثم مات. فصل وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، وعند مسلم عن جابر بن سمرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا، كلهم يزعم أنه نبي (٤) … وقال البيهقي عن الماليني عن أبي [أحمد بن] (٥) عدي عن أبي يعلى الموصلي: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن الحسن الأسدي، ثنا شريك، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن الزبير قال: رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، منهم مسيلمة، والعنسي، والمختار. وشر قبائل العرب بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف، قال ابن عدي: محمد بن الحسن له إفرادات، وقد حدث عنه

стр. 2309

الثقاة، ولم أر بتحديثه بأسا، وقال البيهقي: لحديثه في المختار شواهد صحيحة … ثم أورد من طريق أبي داود الطيالسي، حدثنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت للحجاج بن يوسف: أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه (١) … قال: ورواه مسلم من حديث الأسود بن شيبان، وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه … وقال البيهقي: أنا الحاكم وأبو سعيد عن الأصم … عن عباس الدراوردي عن عبد الله (٢) بن الزبير الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة عن أبي المحيا عن أمه قالت: لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير دخل الحجاج على أسماء بنت أبي بكر فقال: يا أمه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ ، يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت، فقال الحجاج: مبير المنافقين … وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شريك عن أبي علوان - عبد الله بن عصمة - عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن في ثقيف كذابا ومبيرا، وقد تواتر خبر المختار بن أبي عبيد الكذاب الذي كان نائبا على العراق وكان يزعم أنه نبي، وأن جبريل كان يأتيه بالوحي، وقد قيل لابن عمر وكان زوج أخت المختار وصفيه، إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه. قال: صدق، قال الله تعالى: … (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) … * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قرة بن خالد عن عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شداد، قال: كنت ألصق شئ بالمختار الكذاب، قال: فدخلت عليه ذات يوم فقال: دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي، قال: فأهويت إلى قائم السيف لأضربه حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق الخزاعي، أن رسول الله ﷺ قال: إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة، فكففت عنه (٣) … وقد رواه أسباط بن نصر وزائدة والثوري عن إسماعيل السدي عن رفاعة بن شداد القتباني (٤) فذكر نحوه … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، قال: فاخرت أهل البصرة فغلبتهم أهل الكوفة، والأحنف ساكت لا يتكلم، فلما رآني غلبتهم أرسل غلاما له فجاء بكتاب فقال:

стр. 2310

هاك اقرأ: فقرأته فإذا فيه: من المختار لله يذكر أنه نبي، يقول الأحنف: أنى فينا مثل هذا (١)، وأما الحجاج بن يوسف فقد تقدم الحديث أنه الغلام المبير الثقفي، وسنذكر ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه، فإنه كان نائبا على العراق لعبد الملك بن مروان، ثم لابنه الوليد بن عبد الملك، وكان من جبابرة الملوك، على ما كان فيه من الكرم والفصاحة على ما سنذكره … وقد قال البيهقي: ثنا الحاكم عن أبي نضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، [قال عبد الله بن صالح المصري] (٢) أن معاوية بن صالح حدثه عن شريح بن عبيد، عن أبي عذبة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان فصلى لنا الصلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله فلما سلم أقبل على الناس فقال: من ههنا من أهل الشام؟ فقام رجل ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا، فقال: يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم … قال عبد الله: وحدثني ابن لهيعة بمثله، قال: و [ما] ولد الحجاج يومئذ … ورواه الدارمي أيضا عن أبي اليمان عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي عذبة الحمصي عن عمر فذكر مثله، قال أبو اليمان: علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة، فلما أغضبوه استعجل لهم العقوبة، قلت: فإن كان هذا نقله عمر عن رسول الله ﷺ لقد تقدم له شاهد عن غيره، وإن كان عن تحديث، فكر أمة الولي معجزة لنبيه … وقال عبد الرزاق: أنا جعفر - يعني ابن سليمان - عن مالك بن دينار، عن الحسن قال: قال علي لأهل الكوفة: اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلط عليهم فتى ثقيف الذبال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية، قال: فتوفي الحسن وما خلق الله الحجاج يومئذ (٣) … وهذا منقطع وقد رواه البيهقي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان عن علي بن أبي طالب أنه قال: الشاب الذبال أمير المصرين، يلبس فروتها، ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته * وله من حديث يزيد بن هارون: أنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي: لا مت حتى يدرك فتى ثقيف، فقيل: يا أمير المؤمنين وما فتى ثقيف؟ فقال: ليقالن له يوم القيامة: أكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق معصية واحدة وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يفتن بمن أطاعه من عصاه (٤) … وهذا معضل، وفي صحته عن علي نظر والله أعلم *

стр. 2311

وقال البيهقي: عن الحاكم عن الحسين بن الحسن بن أيوب، عن أبي حاتم الرازي، عن عبد الله بن يوسف التنيسي (١)، ثنا هشام بن يحيى الغساني قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئناهم بالحجاج لغلبناهم … وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها (٢) الحجاج … وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس أن أباه لما تحقق موت الحجاج تلا قوله تعالى … (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) … [الانعام: ٤٥] قلت: وقد توفي الحجاج سنة خمس وتسعين. الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز تاج بني أمية قد تقدم حديث أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، يعرف منهم وينكر، الحديث، فحمل البيهقي وغيره هذا الخير الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز … وروى عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد بن مزيد (٣) عن أبيه قال: سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول الله ﷺ عن الشر الذي يكون بعد ذلك الخير، فقال الأوزاعي: هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وفي مسألة حذيفة، فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قال الأوزاعي: فالخير الجماعة، وفي ولاتهم من يعرف سيرته، وفيهم من ينكر سيرته، قال: فلم يأذن رسول الله ﷺ في قتالهم ما صلوا الصلاة (٤) … وروى أبو داود الطيالسي عن داود الواسطي، وكان ثقة، عن حبيب بن سالم عن نعمان بن سالم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم في النبوة ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها لكم إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، قال: فقدم عمر بن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان، فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبته إليه أقول: إني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الجبرية (٥)، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به وأعجبه … وقال نعيم بن حماد: حدثنا روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: قال عمر بن عبد العزيز: رأيت رسول الله ﷺ وعنده عمر

стр. 2312

وعثمان وعلي، فقال لي: ادن فدنوت حتى قمت بين يديه، فرفع بصره إلي وقال: أما إنك ستلي أمر هذه الأمة وستعدل عليهم … وسيأتي في الحديث الآخر إن شاء الله أن الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، وقد قال كثير من الأئمة إنه عمر بن عبد العزيز، فإنه تولى سنة إحدى ومائة … وقال البيهقي: أنا الحاكم، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقري، ثنا أبو عيسى، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلا، قال نافع من قبله: ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز (١) … وقد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد به، ولهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول: ليت شعري، من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟ … وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا، وقد كان هذا الامر مشهورا قبل ولايته وميلاده بالكلية أنه يلي رجل من بني أمية يقال له: أشج بني مروان، وكانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر، وكان يكرم عبد الله بن عمر، ويبعث إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلها، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذها، وقد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه وهو صغير، فرمحه فرس فشجه في جبينه، فجعل أبوه يسلت عنه الدم ويقول: أما لئن كنت أشج بني مروان، إنك إذا لسعيد، وكان الناس يقولون: الأشج والناقص أعدلا بني مروان، فالأشج هو عمر بن عبد العزيز، والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الذي يقول فيه الشاعر: رأيت اليزيد بن الوليد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله قلت: وقد ولي عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين ونصفا، فملأ الأرض عدلا، وفاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطي صدقته، وقد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم، على أيام عمر بن عبد العزيز، وعندي في ذلك نظر، والله أعلم … وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أبو معن الأنصاري، ثنا أسيد قال: بينما عمر بن عبد العزيز يمشي إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال: علي بمحفار، فقالوا: نكفيك أصلحك الله، قال: لا، ثم أخذه ثم لفه في خرقة ودفنه، فإذا هاتف يهتف: رحمة الله عليك يا سرق، فقال له عمر بن عبد العزيز: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا رجل من الجن وهذا سرق، ولم يبق ممن بايع رسول الله ﷺ غيري وغيره، وأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: تموت يا سرق بفلاة من الأرض ويدفنك خير أمتي (٢) … وقد روي هذا من وجه آخر وفيه:

стр. 2313

أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول الله ﷺ ، وفيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه، فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز … وقد رجحه البيهقي وحسنه، فالله أعلم. حديث آخر في صحته نظر في ذكر وهب بن منبه بالمدح، وذكر غيلان بالذم روى البيهقي من حديث هشام بن عمار وغيره عن الوليد بن مسلم (١) عن مروان بن سالم اليرقاني (٢) عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في أمتي رجل يقال له: وهب، يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له: غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس … وهذا لا يصح لان مروان بن سالم هذا متروك، وبه إلى الوليد: حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : ينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر … قال البيهقي: وفي هذا وأمثاله إشارة إلى غيلان وما ظهر بالشام بسببه من التكذيب بالقدر حتى قتل. الإشارة إلى محمد بن كعب القرظي وعلمه بتفسير القرآن وحفظه قال حرملة عن ابن وهب: أخبرني أبو صخر عن عبد الله بن مغيث عن أبي بردة الظفري، عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في أحد الكاهنين رجل قد درس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون من بعده (٣) … وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن إسماعيل القاضي، ثنا أبو ثابت، ثنا ابن وهب، حدثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد غيره، قال: فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي، قال أبو ثابت: الكاهنان، قريظة والنضير … وقد روى من وجه آخر مرسل: يخرج من الكاهنين رجل أعلم الناس بكتاب الله، وقد قال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب (٤).

стр. 2314

ذكر الاخبار بانخرام قرنه ﷺ بعد مائة سنة من ليلة إخباره ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة (١) عن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة في آخر عمره، فلما سلم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد، قال ابن عمر: فوهل الناس من مقالة رسول الله ﷺ ، إلى ما يحدثون من هذه الأحاديث من مائة سنة، وإنما يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن (٢)، وفي رواية: إنما أراد رسول الله ﷺ انخرام قرنه … وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بشهر: يسألون عن الساعة، وإنما علمها عند الله، فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة (٣) … وهذا الحديث وأمثاله مما يحتج به من ذهب من الأئمة إلى أن الخضر ليس بموجود الآن، كما قدمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء ﵈، وهو نص على أن جميع الاحياء في الأرض يموتون إلى تمام مائة سنة من إخباره ﵇، وكذا وقع سواء، فما نعلم تأخر أحد من أصحابه إلى ما يجاوز هذه المدة، وكذلك جميع الناس … ثم قد طرد بعض العلماء هذا الحكم في كل مائة سنة، وليس في الحديث تعرض لهذا، والله أعلم. حديث آخر قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني شريح بن يزيد، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر، قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي وقال: هذا الغلام يعيش قرنا، قال: فعاش مائة سنة … وقد رواه البخاري في التاريخ عن أبي حياة شريح بن يزيد به فذكره، قال: وزاد غيره: وكان في وجهه ثالول، فقال: ولا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه، فلم يمت حتى ذهب الثالول من وجهه … وهذا إسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه * ورواه البيهقي عن الحاكم عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى عن الفضل بن محرز الشعراني، ثنا حياة بن شريح عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر، أن رسول الله ﷺ قال له: يعيش هذا الغلام قرنا، فعاش مائة سنة (٤) … قال الواقدي وغير واحد: توفي

стр. 2315

عبد الله بن بسر بحمص سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين، وهو آخر من بقي من الصحابة بالشام. الاخبار عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد وإن صح فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس السكسكي، حدثني الوليد بن مسلم، حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة غلام فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم، إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو أضر على أمتي من فرعون على قومه … قال أبو عمرو الأوزاعي: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد، لفتنة الناس به، حتى خرجوا عليه فقتلوه، وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج (١) … وقد رواه البيهقي عن الحاكم، وغيره عن الأصم عن سعيد بن عثمان التنوخي عن بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد، فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي، ثم قال: وهذا مرسل حسن … وقد رواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم به، وعنده قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد، فهو هو، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك … وقال نعيم بن حماد: ثنا هشيم عن أبي حمزة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : سيكون رجل اسمه الوليد، يسد به ركن من أركان جهنم وزاوية من زواياها … وهذا مرسل أيضا. حديث آخر قال سليمان بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا، اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا (٢) … رواه البيهقي من حديثه، وقال نعيم بن حماد: ثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغت بنو أمية أربعين، اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله نحلا، وكتاب الله دغلا … وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبين أبي ذر … وقال إسحاق بن راهويه: أنا جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا (٣) … ورواه أحمد عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير به … وقال البيهقي:
следующие страницы →