← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وقال البيهقي: عن الحاكم عن الحسين بن الحسن بن أيوب، عن أبي حاتم الرازي، عن عبد الله بن يوسف التنيسي (١)، ثنا هشام بن يحيى الغساني قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئناهم بالحجاج لغلبناهم … وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها (٢) الحجاج … وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس أن أباه لما تحقق موت الحجاج تلا قوله تعالى … (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) … [الانعام: ٤٥] قلت: وقد توفي الحجاج سنة خمس وتسعين. الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز تاج بني أمية قد تقدم حديث أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، يعرف منهم وينكر، الحديث، فحمل البيهقي وغيره هذا الخير الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز … وروى عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد بن مزيد (٣) عن أبيه قال: سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول الله ﷺ عن الشر الذي يكون بعد ذلك الخير، فقال الأوزاعي: هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وفي مسألة حذيفة، فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قال الأوزاعي: فالخير الجماعة، وفي ولاتهم من يعرف سيرته، وفيهم من ينكر سيرته، قال: فلم يأذن رسول الله ﷺ في قتالهم ما صلوا الصلاة (٤) … وروى أبو داود الطيالسي عن داود الواسطي، وكان ثقة، عن حبيب بن سالم عن نعمان بن سالم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم في النبوة ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها لكم إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، قال: فقدم عمر بن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان، فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبته إليه أقول: إني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الجبرية (٥)، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به وأعجبه … وقال نعيم بن حماد: حدثنا روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: قال عمر بن عبد العزيز: رأيت رسول الله ﷺ وعنده عمر

стр. 2312

وعثمان وعلي، فقال لي: ادن فدنوت حتى قمت بين يديه، فرفع بصره إلي وقال: أما إنك ستلي أمر هذه الأمة وستعدل عليهم … وسيأتي في الحديث الآخر إن شاء الله أن الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، وقد قال كثير من الأئمة إنه عمر بن عبد العزيز، فإنه تولى سنة إحدى ومائة … وقال البيهقي: أنا الحاكم، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقري، ثنا أبو عيسى، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلا، قال نافع من قبله: ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز (١) … وقد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد به، ولهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول: ليت شعري، من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟ … وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا، وقد كان هذا الامر مشهورا قبل ولايته وميلاده بالكلية أنه يلي رجل من بني أمية يقال له: أشج بني مروان، وكانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر، وكان يكرم عبد الله بن عمر، ويبعث إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلها، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذها، وقد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه وهو صغير، فرمحه فرس فشجه في جبينه، فجعل أبوه يسلت عنه الدم ويقول: أما لئن كنت أشج بني مروان، إنك إذا لسعيد، وكان الناس يقولون: الأشج والناقص أعدلا بني مروان، فالأشج هو عمر بن عبد العزيز، والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الذي يقول فيه الشاعر: رأيت اليزيد بن الوليد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله قلت: وقد ولي عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين ونصفا، فملأ الأرض عدلا، وفاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطي صدقته، وقد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم، على أيام عمر بن عبد العزيز، وعندي في ذلك نظر، والله أعلم … وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أبو معن الأنصاري، ثنا أسيد قال: بينما عمر بن عبد العزيز يمشي إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال: علي بمحفار، فقالوا: نكفيك أصلحك الله، قال: لا، ثم أخذه ثم لفه في خرقة ودفنه، فإذا هاتف يهتف: رحمة الله عليك يا سرق، فقال له عمر بن عبد العزيز: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا رجل من الجن وهذا سرق، ولم يبق ممن بايع رسول الله ﷺ غيري وغيره، وأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: تموت يا سرق بفلاة من الأرض ويدفنك خير أمتي (٢) … وقد روي هذا من وجه آخر وفيه:

стр. 2313

أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول الله ﷺ ، وفيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه، فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز … وقد رجحه البيهقي وحسنه، فالله أعلم. حديث آخر في صحته نظر في ذكر وهب بن منبه بالمدح، وذكر غيلان بالذم روى البيهقي من حديث هشام بن عمار وغيره عن الوليد بن مسلم (١) عن مروان بن سالم اليرقاني (٢) عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في أمتي رجل يقال له: وهب، يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له: غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس … وهذا لا يصح لان مروان بن سالم هذا متروك، وبه إلى الوليد: حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : ينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر … قال البيهقي: وفي هذا وأمثاله إشارة إلى غيلان وما ظهر بالشام بسببه من التكذيب بالقدر حتى قتل. الإشارة إلى محمد بن كعب القرظي وعلمه بتفسير القرآن وحفظه قال حرملة عن ابن وهب: أخبرني أبو صخر عن عبد الله بن مغيث عن أبي بردة الظفري، عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في أحد الكاهنين رجل قد درس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون من بعده (٣) … وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن إسماعيل القاضي، ثنا أبو ثابت، ثنا ابن وهب، حدثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد غيره، قال: فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي، قال أبو ثابت: الكاهنان، قريظة والنضير … وقد روى من وجه آخر مرسل: يخرج من الكاهنين رجل أعلم الناس بكتاب الله، وقد قال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب (٤).

стр. 2314

ذكر الاخبار بانخرام قرنه ﷺ بعد مائة سنة من ليلة إخباره ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة (١) عن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة في آخر عمره، فلما سلم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد، قال ابن عمر: فوهل الناس من مقالة رسول الله ﷺ ، إلى ما يحدثون من هذه الأحاديث من مائة سنة، وإنما يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن (٢)، وفي رواية: إنما أراد رسول الله ﷺ انخرام قرنه … وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بشهر: يسألون عن الساعة، وإنما علمها عند الله، فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة (٣) … وهذا الحديث وأمثاله مما يحتج به من ذهب من الأئمة إلى أن الخضر ليس بموجود الآن، كما قدمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء ﵈، وهو نص على أن جميع الاحياء في الأرض يموتون إلى تمام مائة سنة من إخباره ﵇، وكذا وقع سواء، فما نعلم تأخر أحد من أصحابه إلى ما يجاوز هذه المدة، وكذلك جميع الناس … ثم قد طرد بعض العلماء هذا الحكم في كل مائة سنة، وليس في الحديث تعرض لهذا، والله أعلم. حديث آخر قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني شريح بن يزيد، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر، قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي وقال: هذا الغلام يعيش قرنا، قال: فعاش مائة سنة … وقد رواه البخاري في التاريخ عن أبي حياة شريح بن يزيد به فذكره، قال: وزاد غيره: وكان في وجهه ثالول، فقال: ولا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه، فلم يمت حتى ذهب الثالول من وجهه … وهذا إسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه * ورواه البيهقي عن الحاكم عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى عن الفضل بن محرز الشعراني، ثنا حياة بن شريح عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر، أن رسول الله ﷺ قال له: يعيش هذا الغلام قرنا، فعاش مائة سنة (٤) … قال الواقدي وغير واحد: توفي

стр. 2315

عبد الله بن بسر بحمص سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين، وهو آخر من بقي من الصحابة بالشام. الاخبار عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد وإن صح فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس السكسكي، حدثني الوليد بن مسلم، حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة غلام فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم، إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو أضر على أمتي من فرعون على قومه … قال أبو عمرو الأوزاعي: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد، لفتنة الناس به، حتى خرجوا عليه فقتلوه، وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج (١) … وقد رواه البيهقي عن الحاكم، وغيره عن الأصم عن سعيد بن عثمان التنوخي عن بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد، فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي، ثم قال: وهذا مرسل حسن … وقد رواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم به، وعنده قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد، فهو هو، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك … وقال نعيم بن حماد: ثنا هشيم عن أبي حمزة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : سيكون رجل اسمه الوليد، يسد به ركن من أركان جهنم وزاوية من زواياها … وهذا مرسل أيضا. حديث آخر قال سليمان بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا، اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا (٢) … رواه البيهقي من حديثه، وقال نعيم بن حماد: ثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغت بنو أمية أربعين، اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله نحلا، وكتاب الله دغلا … وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبين أبي ذر … وقال إسحاق بن راهويه: أنا جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا (٣) … ورواه أحمد عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير به … وقال البيهقي:

стр. 2316

أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا بسام (١) - وهو محمد بن غالب -، ثنا كامل بن طلحة، ثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل أن ابن وهب (٢) أخبره أنه كان عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان فكلمه في حاجته فقال: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فوالله إن مؤنتي لعظيمة، وإني لأبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، فلما أدبر مروان - وابن عباس جالس مع معاوية على السرير - قال معاوية: أنشدك بالله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله ﷺ قال: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا؟ فإذا بلغوا سبعة (٣) وتسعين وأربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك ثمرة؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم: قال: وذكر مروان حاجة له فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: أنشدك بالله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا فقال: أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم، وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة شديدة، وابن لهيعة ضعيف … وقد قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سعد بن زيد، أخو حماد بن زيد، عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن عن عمرو بن مرة، وكانت له صحبة، قال: جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن النبي ﷺ ، فعرف كلامه فقال: ائذنوا له، حية، أو ولد حية، عليه لعنة الله، وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين، وقليل ما هم، ليترفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعطون في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق … قال الدارمي أبو الحسن هذا حمصي (٤)، وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم: ثنا عبد الله بن مروان المرواني، عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن مروان بن الحكم لما ولد دفع إلى النبي ﷺ ليدعو له، فأبى أن يفعل ثم قال: ابن الزرقاء، هلاك أمتي على يديه ويدي ذريته … وهذا حديث مرسل. ذكر الاخبار عن خلفاء بني أمية جملة من جملة قال يعقوب بن سفيان: ثنا أحمد بن محمد أبو محمد الزرقي، ثنا الزنجي - يعني مسلم بن خالد - عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: رأيت في المنام بني الحكم - أو بني أبي العاص - ينزون على منبري كما تنزو القردة، قال: فما رآني رسول الله مستجمعا ضاحكا حتى توفي (٥) … وقال الثوري: عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب

стр. 2317

قال: رأى رسول الله ﷺ بني أمية على منابرهم فساءه ذلك، فأوحي إليه: إنما هي دنيا أعطوها، فقرت به عينه وهي قوله: … (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) … [الاسراء: ٦٠] يعني بلاء للناس. علي بن زيد بن جدعان ضعيف، والحديث مرسل أيضا … وقال أبو داود الطيالسي: ثنا القاسم بن الفضل - هو الحدائي - ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية، فقال يا مسود وجوه المؤمنين، فقال الحسن: لا تؤنبني رحمك الله، فإن رسول الله ﷺ رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا، فساءه ذلك فنزلت … (إنا أعطيناك الكوثر) … - يعني نهرا في الجنة - ونزلت: … (إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر) … يملكه بنو أمية … قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص يوما (١) … وقد رواه الترمذي وابن جرير الطبري، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في دلائل النبوة، كلهم من حديث القاسم بن الفضل الحذاء، وقد وثقه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، عن يوسف بن سعد، ويقال: يوسف بن مازن الراسبي، وفي رواية ابن جرير عيسى بن مازن، قال الترمذي: وهو رجل مجهول، وهذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فقوله: إن يوسف هذا مجهول، مشكل، والظاهر أنه أراد أنه مجهول الحال، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وقال يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عنه قال: هو ثقة، فارتفعت الجهالة عنه مطلقا، قلت: ولكن في شهوده قصة الحسن ومعاوية نظر، وقد يكون أرسلها عمن لا يعتمد عليه، والله أعلم، وقد سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ﵀ عن هذا الحديث فقال: هو حديث منكر وأما قول القاسم بن الفضل ﵀: إنه حسب دولة بني أمية فوجدها ألف شهر، لا تزيد يوما ولا تنقصه، فهو غريب جدا، وفيه نظر، وذلك لأنه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان ﵁، وكانت ثنتا عشرة سنة، في هذه المدة، لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى، وذلك أنها ممدوحة لأنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون * وهذا الحديث إنما سيق لذم دولتهم، وفي دلالة الحديث على الذم نظر، وذلك أنه دل على أن ليلة القدر خير من ألف شهر التي هي دولتهم، وليلة القدر ليلة خيرة، عظيمة المقدار والبركة، كما وصفها الله تعالى به، فما يلزم من تفضيلها على دولتهم ذم دولتهم، فليتأمل هذا فإنه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر، لأنه إنما سيق لذم أيامهم والله تعالى أعلم … وأما إذا أراد أن ابتداء دولتهم منذ ولي معاوية حين تسلمها من الحسن بن علي، فقد كان ذلك سنة أربعين، أو إحدى وأربعين، وكان يقال له عام الجماعة، لان الناس كلهم اجتمعوا على إمام واحد … وقد تقدم الحديث في صحيح البخاري عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول للحسن بن علي: إن ابني

стр. 2318

هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين … فكان هذا في هذا العام، ولله الحمد والمنة. واستمر الامر في أيدي بني أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين وثلاثين ومائة، حتى انتقل إلى بني العباس كما سنذكره، ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة، وهذا لا يطابق ألف شهر، لان معدل ألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فإن قال: أنا أخرج منها ولاية ابن الزبير وكانت تسع سنين، فحينئذ يبقى ثلاث وثمانون سنة، فالجواب أنه وإن خرجت ولاية ابن الزبير، فإنه لا يكون ما بقي مطابقا لألف شهر تحديدا، بحيث لا ينقص يوما ولا يزيده، كما قاله، بل يكون ذلك تقريبا، هذا وجه، الثاني أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز والأهواز والعراق في بعض أيامه، وفي مصر في قول، ولم تنسلب يد بني أمية من الشام أصلا، ولا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين، الثالث أن هذا يقتضي دخول دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بني أمية، ومقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة، وهذا لا يقوله أحد من أئمة الاسلام، وإنهم مصرحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، حتى قرنوا أيامه تابعة لأيام الأربعة، وحتى اختلفوا في أيهما أفضل؟ هو أو معاوية بن أبي سفيان أحد الصحابة، وقد قال أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، فإذا علم هذا، فإن أخرج أيامه من حسابه انحرم حسابه، وإن أدخلها فيه مذمومة، خالف الأئمة، وهذا مالا محيد عنه … وكل هذا مما يدل على نكارة هذا الحديث والله أعلم … وقال نعيم بن حماد: حدثنا سفيان عن العلاء بن أبي العباس، سمع أبا الطفيل، سمع عليا يقول: لا يزال هذا الامر في بني أمية ما لم يختلفوا بينهم … حدثنا ابن وهب عن حرملة بن عمران عن سعد بن سالم عن أبي سالم الجيشاني سمع عليا يقول: الامر لهم حتى يقتلوا قتيلهم، ويتنافسوا بينهم، فإذا كان ذلك بعث الله عليهم أقواما من المشرق يقتلوهم بددا ويحصروهم عددا، والله لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين، ولا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعا … وقال نعيم بن حماد: حدثنا الوليد بن مسلم عن حصين بن الوليد عن الزهري بن الوليد سمعت أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلوما، ما لم تزل طاعة يستخف بها، ودم مسفوك بغير حق - يعني الوليد بن يزيد - ومثل هذه الأشياء إنما تقال عن توقيف. الاخبار عن دولة بني العباس وكان ظهورهم من خراسان في سنة ثنتين وثلاثين ومائة قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني أبو عبد الله عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال، قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر، فأجازه فأحسن جائزته. ثم قال: يا أبا العباس هل [تكون] لكم دولة؟ فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، قال: نعم، فأخبره،

стр. 2319

قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان، ولبني أمية من بني هاشم بطحات (١) … رواه البيهقي، وقال ابن عدي: سمعت ابن حماد، أنا محمد بن عبده بن حرب، ثنا سويد بن سعيد، أنا حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: مررت بالنبي ﷺ وإذا معه جبريل، وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل للنبي ﷺ إنه لوسخ الثياب وسيلبس ولده من بعده السواد، وذكر تمام الحديث في ذهاب بصره، ثم عوده إليه قبل موته (٢) … قال البيهقي: تفرد به حجاج بن تميم وليس بالقوي … وقال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن بالويه (٣) في آخرين قالوا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن معين، ثنا عبيد الله بن أبي قرة، ثنا الليث بن سعيد عن أبي قبيل (٤) عن أبي ميسرة مولى العباس قال: سمعت العباس قال كنت عند النبي ﷺ ذات ليلة فقال: انظر هل ترى في السماء من شئ؟ قلت: نعم، قال: ما ترى؟ قلت: الثريا، قال: أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك … قال البخاري: عبيد بن أبي قرة بغدادي سمع الليث، لا يتابع على حديثه في قصة العباس … وروى البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن العامري - وهو ضعيف - عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: فيكم النبوة وفيكم الملك (٥) … وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار عن أبي معبد قال: قال ابن عباس: كما فتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا … هذا إسناد جيد، وهو موقوف على ابن عباس من كلامه … وقال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن أيوب، ثنا الوليد، ثنا عبد الملك بن حميد [بن أبي غنية] (٦) عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس ونحن نقول: إثنا عشر أميرا واثنا عشر، ثم هي الساعة، فقال ابن عباس: ما أحمقكم؟! إن منا أهل البيت بعد ذلك، المنصور، والسفاح، والمهدي، يرفعها إلى عيسى بن مريم (٧) … وهذا أيضا موقوف، وقد رواه البيهقي من طريق الأعمش عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: منا السفاح، والمنصور، والمهدي. وهذا إسناد ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئا على الصحيح، فهو منقطع والله أعلم … وقد قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : يقتتل عند كنزكم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة، لا يصير

стр. 2320

إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات السود من خراسان فيقتلونهم مقتلة لم يروا مثلها، ثم يجئ خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم فأتوه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي (١) * أخرجه ابن ماجة عن أحمد بن يوسف السلمي، ومحمد بن يحيى الذهلي، كلاهما عن عبد الرزاق به، ورواه البيهقي من طرق عن عبد الرزاق، ثم قال: تفرد به عبد الرزاق، قال البيهقي: ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء موقوفا … ثم قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن غالب، ثنا كثير بن يحيى، ثنا شريك، عن علي بن زيد، عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقبلت الرايات السود من عقب خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي (٢) … وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الفضل بن سهل، ثنا عبد الله بن داهر الرازي، ثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ ذكر فتية من بني هاشم، فاغرورقت عيناه، وذكر الرايات، قال: فمن أدركها فليأتها ولو حبوا على الثلج … ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحكم إلا ابن أبي ليلى، ولا نعلم يروى إلا من حديث داهر بن يحيى، وهو من أهل الرأي صالح الحديث، وإنما يعرف من حديث يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم … وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو هشام بن يزيد بن رفاعة، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ : تجئ رايات سود من قبل المشرق، تخوض الخيل الدم إلى أن يظهروا العدل ويطلبون العدل فلا يعطونه، فيظهرون فيطلب منهم العدل فلا يعطونه … وهذا إسناد حسن … وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، وقتيبة بن سعيد، قالا: ثنا رشدين بن سعد، قال يحيى بن غيلان في حديثه قال: حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة - هو ابن ذؤيب الخزاعي - عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شئ حتى تنصب بأيليا (٣) … وقد رواه الترمذي عن قتيبة به وقال: غريب، ورواه

стр. 2321

البيهقي والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود عن رشدين بن سعد، وقال البيهقي: تفرد به رشدين بن سعد، وقد روي قريب من هذا عن كعب الأحبار ولعله أشبه والله أعلم … ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد (١) عن أبي المغيرة عبد القدوس عن إسماعيل بن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال: تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وكل عدو لهم … وقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج عند انقطاع من الزمان، وظهور من الفتن، رجل يقال له السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثوا (٢) … ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الصمد عن أبي عوانة (٣) عن الأعمش به، وقال فيه يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح، فذكره، وهذا الاسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه … فهذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان وفي ولاية السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد وقعت ولايته في حدود سنة ثلاثين ومائة، ثم ظهر بأعوانه ومعهم الرايات السود، وشعارهم السواد، كما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر وفوقه عمامة سوداء، ثم بعث عمه عبد الله لقتال بني أمية، فكسرهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهرب من المعركة آخر خلفائهم، وهو مروان بن محمد بن مروان ويلقب بمروان الحمار، ويقال له مروان الجعدي، لاشتغاله على الجعد بن درهم فيما قيل، ودخل عمه دمشق واستحوذ على ما كان لبني أمية من الملك والأملاك والأموال، وجرت خطوب كثيرة سنوردها مفصلة في موضعها إن شاء الله تعالى … وقد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره، وقد استقصى ذلك نعيم بن حماد في كتابه، وفي بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعد، وأن ذلك يكون في آخر الزمان، كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان … وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع، قال أبو معمر: هو أبو مسلم الخراساني - يعني الذي أقام دولة بني العباس - والمقصود أنه تحولت الدولة من بني أمية إلى بني العباس في هذه السنة، وكان أول قائم منهم أبو العباس السفاح، ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور باني مدينة السلام، ثم من بعده ابنه المهدي محمد بن عبد الله، ثم من بعده ابنه الهادي، ثم ابنه الآخر هارون الرشيد، ثم انتشرت الخلافة في ذريته على ما سنفصله إذا وصلنا إلى تلك الأيام … وقد نطقت هذه الأحاديث التي أوردناها آنفا بالسفاح والمنصور والمهدي، ولا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس، ليس هو المهدي الذي وردت

стр. 2322

الأحاديث المستفيضة بذكره، وأنه يكون في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرده له أبو داود كتابا في سننه، وقد تقدم في بعض هذه الأحاديث آنفا أنه يسلم الخلافة إلى عيسى بن مريم إذا نزل إلى الأرض، والله أعلم … وأما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان، فيبعد أن يكون هو الذي بويع أول خلفاء بني العباس فقد يكون خليفة آخر، وهذا هو الظاهر، فإنه قد روى نعيم بن حماد عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري من قدوم الحميري سمع نفيع بن عامر يقول: يعيش السفاح أربعين سنة اسمه في التوراة طائر السماء قلت: وقد تكون صفة للمهدي الذي يظهر في آخر الزمان لكثرة ما يسفح أي يريق من الدماء لإقامة العدل، ونشر القسط، وتكون الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث إن صحت هي التي تكون مع المهدي، ويكون أول ظهور بيعته بمكة، ثم تكون أنصاره من خراسان، كما وقع قديما للسفاح، والله تعالى أعلم … هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث، وإلا فلا يخلو سند منها عن كلام، والله أعلم بالصواب. الاخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش وليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة، فإن هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمور الناس منهم إلا علي بن أبي طالب وابنه الحسن، وآخرهم في زعمهم المهدي المنتظر في زعمهم بسرداب سامرا وليس له وجود، ولا عين، ولا أثر، بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث، الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث. ثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون إثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أسمعها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال كلهم من قريش (١) … وقال أبو نعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى … وقد روي مثل هذا عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس وكعب الأحبار من قولهم، وقال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول لا يزال هذا الامر قائما

стр. 2323

حتى يكون عليهم إثنا عشر خليفة أو أميرا كلهم يجتمع عليهم الأمة، وسمعت كلاما من النبي ﷺ لم أفهمه، فقلت لأبي: ما يقول؟ قال: يقول: كلهم من قريش (١) … وقال أبو داود أيضا: حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوها، حتى يمضي إثنا عشرة خليفة كلهم من قريش، قال: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج (٢) … قال البيهقي: ففي الرواية الأولى بيان العدد، وفي الثانية بيان المراد بالعدد، وفي الثالثة بيان وقوع الهرج وهو القتل بعدهم، وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهر ملك العباسية، كما أشار إليه في الباب قبله، وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه * وقد قال النبي ﷺ : لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي من الناس اثنان. ثم ساقه من حديث عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ فذكره … وفي صحيح البخاري (٣): من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : إن الامر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين … قال البيهقي: أي أقاموا معالمه وإن قصروا هم في أعمال أنفسهم، ثم ساق أحاديث بقية ما ذكره في هذا والله أعلم … فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة، من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الذي قدمنا الحديث فيه بالذم والوعيد فإنه مسلك فيه نظر، وبيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن اليزيد هذا أكثر من اثني عشر على كل تقدير، وبرهانه أن الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، خلافتهم محققة بنص حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنة … ثم بعدهم الحسن بن علي كما وقع، لان علينا أوصى إليه، وبايعه أهل العراق، وركب وركبوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو ومعاوية، كما دل عليه حديث أبي بكرة في صحيح البخاري، ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فإن اعتبرنا ولاية

стр. 2324

الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، وعلى كل تقدير فهم إثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز، الذي أطبق الأئمة على شكره وعلى مدحه، وعدوه من الخلفاء الراشدين، وأجمع الناس قاطبة على عدله، وأن أيامه كانت من أعدل الأيام حتى الرافضة يعترفون بذلك، فإن قال: أنا لا أعتبر إلا من اجتمعت الأمة عليه، لزمه على هذا القول أن لا يعد علي بن أبي طالب ولا ابنه، لان الناس لم يجتمعوا عليهما وذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما، وعد حبيب معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد ولم يقيد بأيام مروان ولا ابن الزبير، كأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عادا للخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد بن سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام فهؤلاء عشرة، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، ولكن هذا لا يمكن أن يسلك، لأنه يلزم منه إخراج علي وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر وهو خلاف ما نص عليه أئمة السنة بل والشيعة، ثم هو خلاف ما دل عليه نصا حديث سفينة عن رسول الله ﷺ أنه قال، الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا … وقد ذكر سفينة تفصيل هذه الثلاثين سنة فجمعها من خلافة الأربعة، وقد بينا دخول خلافة الحسن وكانت نحوا من ستة أشهر فيها أيضا، ثم صار الملك إلى معاوية لما سلم الامر إليه الحسن بن علي، وهذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة، وبيان أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة لا مطلقا، بل انقطع تتابعها، ولا ينفي وجود خلفاء راشدين بعد ذلك، كما دل عليه حديث جابر بن سمرة … وقال نعيم بن حماد: حدثنا راشد بن سعد عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حذيفة بن اليمان قال: يكون بعد عثمان إثنا عشر ملكا من بني أمية، قيل له: خلفاء؟ قال: لا بل ملوك. وقد روى البيهقي من حديث حاتم بن [ابن أبي صغيرة] (١) عن أبي بحر قال: كان أبو الجلد جارا لي، فسمعته يقول - يحلف عليه - إن هذه الأمة لن تهلك حتى يكون فيها إثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلا من أهل البيت، أحدهما يعيش أربعين سنة، والآخر ثلاثين سنة … ثم شرع البيهقي في رد ما قاله أبو الجلد بما لا يحصل به الرد، وهذا عجيب منه، وقد وافق أبا الجلد طائفة من العلماء، ولعل قوله أرجح لما ذكرنا وقد كان ينظر في شئ من الكتب المتقدمة، وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشر إبراهيم بإسماعيل، وإنه ينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثني عشر عظيما … قال شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية: وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة، وقرر أنهم يكونون مفرقين في الأمة، ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا، وغلط كثير ممن تشرف بالاسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم … وقد قال

стр. 2325

نعيم بن حماد: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن أبي المنهال … عن أبي زياد عن كعب قال: إن الله وهب لإسماعيل من صلبه اثني عشر قيما، أفضلهم أبو بكر وعمر وعثمان … وقال نعيم: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن يحيى بن عمرو الشيباني قال: ليس من الخلفاء من لم يملك المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى. الاخبار عن أمور وقعت في دولة بني العباس فمن ذلك: حدثنا أبو جعفر عبد الله ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس الخليفة بعد أخيه الخليفة السفاح وهو المنصور الباني لمدينة بغداد، في سنة خمس وأربعين ومائة … قال نعيم بن حماد في كتابه: عن أبي المغيرة، عن أرطأة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال: يا ابن عباس قوله حمعسق. فأطرق ساعة وأعرض عنه، ثم كررها فلم يجبه بشئ، فقال له حذيفة: أن أنبئك، وقد عرفت لم كررها، إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الاله، أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، يجتمع فيهما كل جبار عنيد … وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجد الحوطي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الله بن السمط، حدثنا صالح بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: لان يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب، خير من أن يربي ولدا لصلبه … قال شيخنا الذهبي: هذا الحديث موضوع، واتهم به عبد الله بن السمط هذا … وقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، في كتابه الفتن والملاحم: حدثنا أبو عمرو البصري عن أبي بيان المعافري عن بديع عن كعب قال: إذا كانت سنة ستين ومائة انتقص فيها حلم ذوي الأحلام، ورأي ذوي الرأي. حديث آخر فيه إشارة إلى مالك بن أنس الامام روى الترمذي من حديث ابن عيينة، عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن أبي صالح عن أبي هريرة رواية: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة … ثم قال: هذا حديث حسن وهو حديث ابن عيينة، وقد روي عنه أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق، قلت: وقد توفي مالك ﵀ سنة تسع وسبعين ومائة.

стр. 2326

حديث آخر فيه إشارة إلى محمد بن إدريس الشافعي قال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان، عن النضر بن معبد الكندي أو العبدلي عن الجارود، عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما، اللهم إنك أذقت أولها وبالا، فأذق آخرها نوالا … وقد رواه الحاكم من طريق أبي هريرة، قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: وهو الشافعي، قلت، وقد توفي الشافعي ﵀ في سنة أربع ومائتين وقد أفردنا ترجمته في مجلد وذكرناه معه تراجم أصحابه من بعده. حديث آخر روى رواد بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي عن حذيفة مرفوعا: خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ، قالوا: وما خفيف الحاذ يا رسول الله؟ قال: من لا أهل له ولا مال ولا ولد. حديث آخر قال ابن ماجة: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا عون بن عمارة، حدثني عبد الله بن المثنى، ثنا ثمامة (١) بن عبد الله بن أنس بن مالك عن أبيه عن جده أنس بن مالك عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : الآيات بعد المائتين (٢) … وحدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عبد الله بن مغفل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: أمتي على خمس طبقات، فأربعون ستة أهل بر وتقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة، أهل تدابر وتقاطع. ثم الهرج الهرج النجاء النجاء (٣) … وحدثنا نصر بن علي، حدثنا حازم أبو محمد العنزي، حدثنا

стр. 2327

المسور بن الحسن عن أبي معن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : أمتي على خمس طبقات: كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية، ما بين الأربعين إلى الثمانين، فأهل بر وتقوى، ثم ذكره نحوه (١). هذا لفظه وهو حديث غريب من هذين الوجهين، ولا يخلو عن نكارة والله أعلم … وقد قال الإمام أحمد: ثنا وكيع عن الأعمش، حدثنا هلال بن بيان، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم يتسمنون يحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها (٢) … ورواه الترمذي من طريق الأعمش، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبي جمرة عن زهدم بن مضرب سمعت عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن (٣)، لفظ البخاري وقال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم يسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (٤) … وقد رواه بقية الجماعة إلا أبا دواد من طرق متعددة عن منصور به. حديث آخر قال نعيم بن حماد: حدثنا أبو عمرو البصري، عن ابن لهيعة، عن عبد الوهاب بن حسين، عن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه عن الحرث الهمداني، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: السابع من ولد العباس يدعو الناس إلى الكفر فلا يجيبونه، فيقول له أهل بيته: تريد أن تخرجنا من معايشنا؟ فيقول: إني أسير فيكم بسيرة أبي بكر وعمر، فيأبون عليه فيقتله عدو له من أهل بيته من بني هاشم، فإذا وثب عليه اختلفوا فيما بينهم فذكر اختلافا طويلا إلى خروج السفياني … وهذا الحديث ينطبق على عبد الله المأمون الذي دعا الناس إلى القول بخلق القرآن، ووقى الله شرها، كما سنورد ذلك في موضعه، والسفياني رجل يكون آخر الزمان منسوب إلى أبي سفيان يكون من سلالته، وسيأتي في آخر كتاب الملاحم.

стр. 2328

حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا ليث عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه سمعت أبا ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ أنه سمعه يقول وهو بالفسطاط في خلافة معاوية وكان معاوية أغزى الناس القسطنطينية فقال: والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطينية (١) … هكذا رواه أحمد موقوفا على أبي ثعلبة، وقد أخرجه أبي داود في سننه من حديث ابن وهب عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ : لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم (٢) … تفرد به أبو داود ثم قال أبو داود: ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبو المغيرة حدثني صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن لا يعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة (٣) … تفرد به أبو داود وإسناده جيد، وهذا من دلائل النبوة، فإن هذا يقتضي وقوع تأخير الأمة نصف يوم وهو خمسمائة سنة كما فسره الصحابي، وهو مأخوذ من قوله تعالى: … (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) … ثم هذا الاخبار بوقوع هذه المدة لا ينفي وقوع ما زاده عليها، فأما ما يذكره كثير من الناس من أنه ﵇ لا يؤلف في قبره، بمعنى لا يمضي عليه ألف سنة من يوم مات إلى حين تقام الساعة، فإنه حديث لا أصل له في شئ من كتب الاسلام والله أعلم * حديث آخر فيه الاخبار عن ظهور النار التي كانت بأرض الحجاز حتى أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، وقد وقع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة. قال البخاري في صحيحه: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: أخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى " (٤) تفرد به البخاري، وقد ذكر أهل التاريخ وغيرهم من الناس، وتواتر وقوع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة، قال الشيخ الإمام الحافظ شيخ الحديث وإمام المؤرخين في زمانه، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة في تاريخه: إنها ظهرت يوم الجمعة في خامس جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وأنها استمرت شهرا

стр. 2329

وأزيد منه، وذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة، في كيفية ظهورها شرق المدينة من ناحية وادي شظا، تلقاء أحد، وأنها ملأت تلك الأودية، وأنه يخرج منها شرر يأكل الحجاز، وذكر أن المدينة زلزلت بسببها، وأنهم سمعوا أصوات مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام، أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين (١)، فلم تزل ليلا ونهارا حتى ظهرت يوم الجمعة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا صارت مثل طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وذكر أن ضوءها يمتد إلى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل، وكأن في بيت كل منهم مصباحا، ورأى الناس سناها من مكة شرفها الله، قلت: وأما بصرى فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي قاسم التيمي الحنفي قال: أخبرني والدي، وهو الشيخ صفي الدين أحد مدرسي بصرى، أنه أخبره غير واحد من الاعراب صبيحة تلك الليلة من كان بحاضرة بلد بصرى، أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجأوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي، وتابوا إلى الله من ذنوب كانوا عليها، واستغفروا عند قبر النبي ﷺ مما سلف منهم وأعتقوا الغلمان، وتصدقوا على فقرائهم ومجاريحهم وقد قال قائلهم في ذلك: يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا … فقد أحاطت بنا يا رب بأساء نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها … حملا ونحن بها حقا أحقاء زلازل تخشع الصم الصلاد لها … وكيف تقوى على الزلزال صماء أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت … عن منظر منه عين الشمس عشواء بحر من النار تجري فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض إرساء يرى لها شرر كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت … رعبا وترعد مثل الشهب أضواء منها تكاثف في الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منها وهي دهماء قد أثرت سعفة في البدر لفحتها … فليلة التم بعد النور ليلاء فيالها آية من معجزات رسول … الله يعقلها القوم الألباء ومما قيل من هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة: سبحان من أصبحت مشيئته … جارية في الورى بمقدار

стр. 2330

أغرق بغداد بالمياه كما … أحرق أرض الحجاز بالنار حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، ثنا أفلح بن سعيد الأنصاري، شيخ من أهل قبا من الأنصار، حدثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طالت بكم مدة أوشك أن تروا قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر (١)، ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن زيد بن الخباب، عن أفلح بن سعيد به، وروى مسلم أيضا عن زهير بن حرب، عن جرير، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات. رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا (٢)، وهذان الصنفان وهما الجلادون الذين يسمون بالرجالة، والجاندارية، كثيرون في زماننا هذا ومن قبله وقبل قبله بدهر، والنساء الكاسيات العاريات أي عليهن لبس لا يواري سوأتهن، بل هو زيادة في العورة، وابداء للزينة، مائلات في مشيهن مميلات غيرهن إليهن، وقد عم البلاء بهن في زماننا هذا، ومن قبله أيضا، وهذا من أكبر دلالات النبوة إذ وقع الامر في الخارج طبق ما أخبر به ﵇، وقد تقدم حديث جابر: أما إنها ستكون لكم أنماط، وذكر تمام الحديث في وقوع ذلك واحتجاج امرأته عليه بهذا. حديث آخر روى الإمام أحمد: عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن داود بن أبي هند، وأخرجه البيهقي من حديثه عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو البصري: أنه قدم المدينة على رسول الله ﷺ فبينما هو يصلي إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله أحرق بطوننا التمر وتحرقت عنا الخنف (٣)، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لقد رأيتني وصاحبي وما لنا طعام

стр. 2331

غير البرير (١) حتى أتينا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم وكان طعامهم التمر، والذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبر والتمر لاطعمتكموه، وسيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة، ويغدي ويراح عليكم بالجفان، قالوا: يا رسول الله أنحن يومئذ خير أم اليوم؟ قال: بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض (٢)، وقد روى سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن أبي موسى يحنس (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مشت أمتي المطيطا (٤) وخدمتهم فارس والروم، سلط الله بعضهم على بعض (٥) * وقد أسنده البيهقي من طريق موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ . حديث آخر قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري عن أبي علقمة عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله ﷺ : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها … قال أبو داود: عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يحدثه شراحيل (٦) … تفرد به أبو داود، وقد ذكر كل طائفة من العلماء في رأس كل مائة سنة عالما من علمائهم ينزلون هذا الحديث عليه، وقال طائفة من العلماء هل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد فرد من آحاد العلماء من هذه الاعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين … وهذا موجود ولله الحمد والمنة إلى زماننا هذا، ونحن في القرن الثامن، والله المسؤول أن يختم لنا بخير وأن يجعلنا من عباده الصالحين، ومن ورثة جنة النعيم آمين آمين يا رب العالمين * وسيأتي الحديث المخرج من الصحيح: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك … وفي صحيح البخاري وهم بالشام وقد قال كثير من علماء السلف: أنهم أهل الحديث وهذا أيضا من دلائل النبوة فإن أهل الحديث بالشام

стр. 2332

أكثر من سائر أقاليم الاسلام، ولله الحمد، ولا سيما بمدينة دمشق حماها الله وصانها، كما ورد في الحديث الذي سنذكره أنها تكون معقل المسلمين عند وقوع الفتن، وفي صحيح مسلم: عن النواس بن سمعان أن رسول الله ﷺ أخبر عن عيسى بن مريم أنه ينزل من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق ولعل أصل لفظ الحديث على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق وقد بلغني أنه كذلك في بعض الاجزاء ولم أقف عليه إلى الآن والله الميسر، وقد جددت هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق بعد ما أحرقها النصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة فأقاموها من أموال النصارى مقاصة على ما فعلوا من العدوان وفي هذا حكمة عظيمة وهو أن ينزل على هذه المبنية من أموالهم عيسى بن مريم نبي الله فيكذبهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه وعلى الله ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية أي يتركها ولا يقبل من أحد منهم ولا من غيرهم إلا الاسلام، يعني أو يقتله وقد أخبر بهذا عنه رسول الله ﷺ وقرره عليه وسوغه له صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان. باب البينة على ذكر معجزات لرسول الله ﷺ مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، وأعلى منها، خارجة عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم يكن لاحد قبله منهم ﵈. فمن ذلك القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فإنه معجزة مستمرة على الآباد، ولا يخفى برهانها، ولا يتفحص مثلها، وقد تحدى به الثقلين من الجن والإنس على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كما تقدم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات، وقد سبق الحديث المتفق على إخراجه في الصحيحين من حديث الليث بن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة … والمعنى أن كل نبي أوتي من خوارق المعجزات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولى البصائر والنهى، لا من أهل العناد والشقاء، وإنما كان الذي أوتيته، أي جله وأعظمه وأبهره، القرآن الذي أوحاه الله إلي، فإنه لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء وانقضت بانقضاء أيامهم، فلا تشاهد، بل يخبر عنها بالتواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه فإنه معجزة متواترة عنه، مستمرة دائمة البقاء بعده، مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد … وقد تقدم في الخصائص ذكر ما اختص به رسول الله ﷺ عن بقية إخوانه من الأنبياء ﵈، كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس

стр. 2333

عامة … وقد تكلمنا على ذلك وما شاكله فيما سلف بما أغنى عن إعادته ولله الحمد. وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كل معجزة [لنبي] من الأنبياء فهي معجزة لخاتمهم محمد ﷺ وذلك أن كلا منهم بشر بمبعثه، وأمر بمتابعته، كما قال تعالى: … (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين … فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) … [آل عمران: ٨١] وقد ذكر البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما بعث الله نبي من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد والميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ولينصرنه … وذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء، لان الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه، وثواب إيمانه … والمقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أني وقفت على مولد اختصره من سيرة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيرهما شيخنا الإمام العلامة شيخ الاسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري السماكي، نسبه إلى أبي دجانة الأنصاري سماك بن حرب بن حرشة الأوسي، ﵁، شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة، المعروف بابن الزملكاني عليه رحمة الله، وقد ذكر في أواخره شيئا من فضائل رسول الله ﷺ ، وعقد فصلا في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة، ونبه على فوائد جمة، وفوائد مهمة، وترك أشياء أخرى حسنة، ذكرها غيره من الأئمة المتقدمين، ولم أره استوعب الكلام إلى آخره، فأما أنه قد سقط من خطه، أو أنه لم يكمل تصنيفه، فسألني بعض أهله من أصحابنا ممن تتأكد أجابته، وتكرر ذلك منه، في تكميله وتبويبه وترتيبه، وتهذيبه، والزيادة عليه والإضافة إليه، فاستخرت الله حينا من الدهر، ثم نشطت لذلك ابتغاء الثواب والاجر، وقد كنت سمعت من شيخنا الإمام العلامة الحافظ، أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته، أن أول من تكلم في هذا المقام الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁، وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ في كتابه دلائل النبوة، عن شيخه الحاكم أبي عبد الله، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي عن أبيه، قال عمرو بن سواد (١): قال الشافعي: مثل ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ ، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا ﷺ الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حين بني له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك (٢)، هذا لفظه ﵁ … والمراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب، البينة على ما أعطى الله أنبياءه ﵈ من الآيات البينات، والخوارق القاطعات، والحجج الواضحات، وأن الله جمع لعبده ورسوله سيد الأنبياء وخاتمهم من جميع أنواع المحاسن والآيات،

стр. 2334

مع ما اختصه الله به مما لم يؤت أحدا قبله، كما ذكرنا في خصائصه وشمائله ﷺ ، ووقفت على فصل مليح في هذا المعنى، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم، أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وهو كتاب حافل في ثلاث مجلدات، عقد فيه فصلا في هذا المعنى، وكذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد، في كتابه دلائل النبوة، وهو كتاب كبير جليل حافل، مشتمل على فرائد نفيسة … وكذا الصرصري الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي … وها أنا أذكر بعون الله مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، وأقصر إشارة، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. القول فيما أوتي نوح ﵇ قال الله تعالى: … (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر … وحملناه على ذات ألواح ودسر … تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر … ولقد تركناها آية فهل من مدكر) … [القمر: ١٠ - ١٧]، وقد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب وكيف دعا على قومه فنجاه الله ومن اتبعه من المؤمنين فلم يهلك منهم أحد، وأغرق من خالفه من الكافرين فلم يسلم منهم أحد حتى ولا ولده … قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري الزملكاني، ومن خطه نقلت: وبيان أن كل معجزة لنبي فلنبينا أمثالها، إذا تم يستدعي كلاما طويلا، وتفصيلا لا يسعه مجلدات عديدة، ولكن ننبه بالبعض على البعض، فلنذكر جلائل معجزات الأنبياء ﵈، فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين، ولا شك أن حمل الماء للناس من غير سفينة أعظم من السلوك عليه في السفينة، وقد مشى كثير من الأولياء على متن الماء، وفي قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك، روى منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين (١)، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له، فنزلنا منزلا فطلب الماء فلم يجده، فقام وصلى ركعتين وقال، اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوك، اللهم اسقنا غيثا نتوضأ به ونشرب، ولا يكون لاحد فيه نصيب غيرنا، فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه، فتوضأنا منه وتزودنا، وملأت إداوتي وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا، فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابي: نسيت إداوتي، فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم، فقال، يا علي يا حكيم، إنا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوك، اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلا، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا، ومشينا على متن الماء ولم يبتل لنا شئ، وذكر بقية القصة، فهذا أبلغ من ركوب السفينة، فإن حمل الماء للسفينة معتاد، وأبلغ من فلق البحر لموسى، فإن هناك انحسر الماء حتى مشوا على

стр. 2335

الأرض، فالمعجز انحسار الماء، وها هنا صار الماء جسدا يمشون عليه كالأرض، وإنما هذا منسوب إلى النبي ﷺ وبركته … انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلق بنوح ﵇، وهذه القصة التي ساقها شيخنا ذكرها الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الدلائل من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك ابن أخت (١) سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره … وقد ذكرها البخاري في التاريخ الكبير من وجه آخر، ورواها البيهقي من طريق أبي هريرة ﵁ أنه كان مع العلاء وشاهد ذلك (٢)، وساقها البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون، عن أنس بن مالك قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا: ما هن يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول الله ﷺ فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض، فغمضه النبي ﷺ وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: يا أنس ائت أمه، فأعلمها: فأعلمتها، قال: فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعا، وخلعت الأوثان (٣)، فلا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحمله، قال: فوالله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله رسوله ﷺ ، وحتى هلكت أمه، قال أنس: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا (٤) بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئا، قال: فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، قال: ثم أتينا عدونا وقد جاوز خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي يا عظيم، يا حليم يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو غيلة (٥)، فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، ثم ذكر موت العلاء ودفنهم إياه في أرض لا تقبل الموتى، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثم، وإذا اللحد يتلألأ نورا،

стр. 2336

فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا (١) … فهذا السياق أتم، وفيه قصة المرأة التي أحيى الله لها ولدها بدعائها، وسننبه على ذلك فيما يتعلق بمعجزات المسيح عيسى بن مريم، مع ما يشابهها إن شاء الله تعالى، كما سنشير إلى قصة العلاء هذه مع ما سنورده معها ههنا، فيما يتعلق بمعجزات موسى ﵇، في قصة فلق البحر لبني إسرائيل، وقد أرشد إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه * قصة أخرى تشبه قصة العلاء بن الحضرمي روى البيهقي في الدلائل - وقد تقدم ذلك أيضا - من طريق سليمان بن مروان الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة، والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فنظر إليهم الأعاجم وقالوا: ديوان، ديوان - أي مجانين - ثم ذهبوا على وجوههم، قال فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم واقتسموا، فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء ببيضاء (٢)؟ وقد ذكرنا في السيرة العمرية وأيامها، وفي التفسير أيضا: أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعي (٣) أمير الجيوش في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأنه ينظر إلى دجلة فتلا قوله تعالى: … (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) * [آل عمران: ١٤٥] ثم سمى الله تعالى واقتحم بفرسه الماء واقتحم الجيش وراءه، ولما نظر إليهم الأعاجم يفعلون ذلك جعلوا يقولون: ديوان ديوان: أي مجانين مجانين، ثم ولوا مدبرين فقتلهم المسلمون وغنموا منهم مغانم كثيرة. قصة أخرى شبيهة بذلك وروى البيهقي من طريق أبي النضر، عن سليمان بن المغيرة: أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى دجلة وهي ترمي الخشب من مدها فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه، وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله تعالى؟ ثم قال: هذا إسناد صحيح (٤) … قلت: وقد ذكر الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر، في ترجمة أبي عبد الله بن أيوب الخولاني هذه القصة بأبسط من هذه من طريق بقية بن الوليد: حدثني محمد بن زياد، عن أبي مسلم الخولاني أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال: أجيزوا بسم الله، قال ويمر بين أيديهم فيمرون على الماء فما يبلغ من الدواب إلا إلى الركب، أو في بعض ذلك، أو قريبا من ذلك، قال: وإذا جازوا قال للناس:

стр. 2337

هل ذهب لكم شئ؟ من ذهب له شئ فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمدا، فلما جاوزوا قال الرجل: مخلاتي وقعت في النهر، قال له: اتبعني، فإذا المخلاة قد تعلقت ببعض أعواد النهر، فقال: خذها … وقد رواه أبو داود من طريق الأعرابي عنه عن عمرو بن عثمان عن بقية به … ثم قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد أن أبا مسلم الخولاني أتى على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فوقف عليها ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر مسير بني إسرائيل في البحر، ثم لهز دابته فخاضت الماء وتبعه الناس حتى قطعوا، ثم قال: هل فقدتم شيئا من متاعكم فأدعو الله أن يرده علي؟ … وقد رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن عبد الكريم بن رشيد عن حميد بن هلال العدوي: حدثني ابن عمي أخي أبي قال: خرجت مع أبي مسلم في جيش فأتينا على نهر عجاج منكر، فقلنا لأهل القرية: أين المخاضة؟ فقالوا: ما كانت ههنا مخاضة ولكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين، فقال أبو مسلم: اللهم أجزت بني إسرائيل البحر، وإنا عبيدك وفي سبيلك، فأجزنا هذا النهر اليوم، ثم قال: اعبروا بسم الله، قال ابن عمي: وأنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فوالله ما بلغ الماء بطون الخيل حتى عبر الناس كلهم، ثم وقف وقال: يا معشر المسلمين، هل ذهب لاحد منكم شئ فأدعو الله تعالى يرده؟ … فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء، هي معجزات لرسول الله ﷺ كما تقدم تقريره، لأنهم إنما نالوها ببركة متابعته، ويمن سفارته، إذ فيها حجة في الدين، أكيدة للمسلمين، وهي مشابهة نوح ﵇ في مسيره فوق الماء بالسفينة التي أمره الله تعالى بعملها، ومعجزة موسى ﵇ في فلق البحر، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك، من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل، ومن جهة أنه ماء جار والسير عليه أعجب من السير على الماء القار الذي يجاز، وإن كان ماء الطوفان أطم وأعظم، فهذه خارق، والخارق لا فرق بين قليله وكثيره، فإن من سلك على وجه الماء الخضم الجاري العجاج فلم يبتل منه نعال خيولهم، أو لم يصل إلى بطونها، فلا فرق في الخارق بين أن يكون قامة أو ألف قامة، أو أن يكون نهرا أو بحرا، بل كونه نهرا عجاجا كالبرق الخاطف والسيل الجاري، أعظم وأغرب، وكذلك بالنسبة إلى فلق البحر، وهو جانب بحر القلزم، حتى صار كل فرق كالطود العظيم، أي الجبل الكبير، فانحاز الماء يمينا وشمالا حتى بدت أرض البحر، وأرسل الله عليها الريح حتى أيبسها، ومشت الخيول عليها بلا انزعاج، حتى جاوزوا عن آخرهم، وأقبل فرعون بجنوده … (فغشيهم من أليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى) … [طه: ٧٨] وذلك أنهم لما توسطوه وهموا بالخروج منه، أمر الله البحر فارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، كما لم يفقد من بني إسرائيل واحد، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كما بسطنا ذلك في التفسير ولله الحمد المنة * والمقصود أن ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرمي، وأبي عبد الله الثقفي، وأبي مسلم الخولاني، من مسيرهم على تيار الماء الجاري، فلم يفقد منهم أحد، ولم يفقدوا شيئا من أمتعتهم، هذا وهم

стр. 2338

أولياء، منهم صحابي وتابعيان فما الظن لو [كان] الاحتياج إلى ذلك بحضرة رسول الله ﷺ ، سيد الأنبياء وخاتمهم، وأعلاهم منزلة ليلة الاسراء، وإمامهم ليلتئذ ببيت المقدس الذي هو محل ولايتهم، ودار بدايتهم، وخطيبهم يوم القيامة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأول شافع في الحشر، وفي الخروج من النار، وفي دخول الجنة، وفي رفع الدرجات بها، كما بسطنا أقسام الشفاعة وأنواعها، في آخر الكتاب في أهوال يوم القيامة، وبالله المستعان. وسنذكر في المعجزات الموسوية ما ورد من المعجزات المحمدية، مما هو أظهر وأبهر منها، ونحن الآن فيما يتعلق بمعجزات نوح ﵇، ولم يذكر شيخنا سوى ما تقدم، وأما الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، فإنه قال في آخر كتابه في دلائل النبوة، وهو في مجلدات ثلاث: الفصل الثالث والثلاثون في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم، بفضائل نبينا، ومقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتي، إذ أوتي ما أوتوا وشبهه ونظيره، فكان أول الرسل نوح ﵇، وآيته التي أوتي شفاء غيظه، وإجابة دعوته، في تعجيل نقمة الله لمكذبيه، حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت وناطق، إلا من آمن به ودخل معه في سفينته، ولعمري إنها آية جليلة، وافقت سابق قدر الله وما قد علمه في هلاكهم، وكذلك نبينا ﷺ لما كذبه قومه وبالغوا في أذيته، والاستهانة بمنزلته من الله ، حتى ألقى السفيه عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش (١)، ثم ساق الحديث عن ابن مسعود كما تقدم، كما ذكرنا له في صحيح البخاري وغيره في وضع الملا من قريش على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور، واستضحاكهم من ذلك، حتى أن بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك، ولم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة ﵍ فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما سلم رسول الله ﷺ من صلاته رفع يديه فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش، ثم سمى فقال: اللهم عليك بأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد، قال عبد الله بن مسعود: فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، وكذلك لما أقبلت قريش يوم بدر في عددها وعديدها، فحين عاينهم رسول الله ﷺ قال رافعا يديه: اللهم هذه قريش جاءتك بفخرها وخيلائها، تجادل وتكذب رسولك، اللهم أصبهم الغداة (٢)، فقتل من سراتهم سبعون وأسر من أشرافهم سبعون، ولو شاء الله لاستأصلهم عن آخرهم، ولكن من حلم وشرف نبيه أبقى منهم من سبق في قدره أن سيؤمن به وبرسول الله ﷺ ، وقد دعا على عتبة بن أبي لهب أن يسلط عليه كلبه بالشام،

стр. 2339

فقتله الأسد عند وادي الزرقاء قبل مدينة بصرى … وكم له من مثلها ونظيرها (١)، كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، وهو الدم بالوتر، وأكلوا العظام وكل شئ، ثم توصلوا إلى تراحمه وشفقته ورأفته، فدعا لهم، ففرج الله عنهم وسقوا الغيث ببركة دعائه .... وقال الإمام الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتاب دلائل النبوة - وهو كتاب حافل -: ذكر ما أوتي نوح ﵇ من الفضائل: وبيان ما أوتي محمد ﷺ مما يضاهي فضائله ويزيد عليها، إن قوم نوح لما بلغوا من أذيته والاستخفاف به، وترك الايمان بما جاءهم به من عند الله، دعا عليهم فقال: … (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) … [نوح: ٢٦] فاستجاب الله دعوته، وغرق قومه، حتى لم يسلم شئ من الحيوانات والدواب إلا من ركب السفينة، وكان ذلك فضيلة أوتيها، إذ أجيبت دعوته، وشفى صدره باهلاك قومه … قلنا: وقد أوتي محمد ﷺ مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب والاستخفاف، فأنزل الله إليه ملك الجبال وأمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذيتهم، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية … قلت: وهذا أحسن، وقد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول الله ﷺ ، في قصة ذهابه إلى الطائف، فدعاهم فآذوه فرجع وهو مهموم، فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد أرسلني إليك لافعل ما تأمرني به، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - يعني جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبا وشمالا، أبو قبيس وزر (٢)، فقال: بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئا … وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى: … (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) … [القمر: ١٠ - ١١] أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره، كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا أنه ﷺ سأله ذلك الأعرابي أن يدعو الله لهم، لما بهم من الجدب والجوع، فرفع يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، فما نزل عن المنبر حتى رؤي المطر يتحادر على لحيته الكريمة، ﷺ ، فاستحضر من استحضر من الصحابة ﵃ قول عمه أبي طالب فيه: - وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل وكذلك استسقى في غير ما موضع للجدب والعطش فيجاب كما يريد على قدر الحاجة المائية، ولا أزيد ولا أنقص، وهكذا وقع أبلغ في المعجزة، وأيضا فإن هذا ماء رحمة ونعمة، وماء

стр. 2340

الطوفان ماء غضب ونقمة، وأيضا فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان يستسقى بالعباس عم النبي ﷺ فيسقون، وكذلك ما زال المسلمون في غالب الأزمان والبلدان، يستسقون فيجابون فيسقون، و [غيرهم] لا يجابون غالبا ولا يسقون ولله الحمد … قال أبو نعيم: ولبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فبلغ جميع من آمن رجالا ونساء، الذين ركبوا معه سفينته، دون مائة نفس، وآمن بنبينا - في مدة عشرين سنة، - الناس شرقا وغربا، ودانت له جبابرة الأرض وملوكها، وخافت زوال ملكهم، ككسرى وقيصر، وأسلم النجاشي والأقيال رغبة في دين الله، والتزم من لم يؤمن به من عظماء الأرض الجزية، والأيادة عن صغار، أهل نجران، وهجر، وأيلة، وأنذر دومة، فذلوا له منقادين، لما أيده الله به من الرعب الذي يسير بين يديه شهرا، وفتح الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى: … (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) … [النصر: ١ - ٣] قلت، مات رسول الله ﷺ وقد فتح الله له المدينة وخيبر ومكة وأكثر اليمن وحضرموت، وتوفى عن مائة ألف صحابي أو يزيدون * وقد كتب في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، فمنهم من أجاب ومنهم من صانع وداري عن نفسه، ومنهم من تكبر فخاب وخسر، كما فعل كسرى بن هرمز حين عتى وبغى وتكبر، فمزق ملكه، وتفرق جنده شذر مذر، ثم فتح خلفاؤه من بعده، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على التالي على الأثر مشارق الأرض ومغاربها، من البحر الغربي إلى البحر الشرقي، كما قال رسول الله ﷺ : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها (١) … وقال ﷺ : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (٢) … وكذا وقع سواء بسواء، فقد استولت الممالك الاسلامية على ملك قيصر وحواصله، إلا القسطنطينية، وجميع ممالك كسرى وبلاد المشرق، وإلى أقصى بلاد المغرب، إلى أن قتل عثمان ﵁ في سنة ستة وثلاثين … فكما عمت جميع أهل الأرض النقمة بدعوة نوح ﵇، لما رآهم عليه من التمادي في الضلال والكفر والفجور، فدعا عليهم غضبا لله ولدينه ورسالته، فاستجاب الله له، وغضب لغضبه، وانتقم منهم بسببه، كذلك عمت جميع أهل الأرض ببركة رسالة محمد ﷺ ودعوته، فآمن من آمن من الناس، وقامت الحجة على من كفر منهم، كما قال تعالى: … (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * [الأنبياء: ١٠٧] وكما قال ﷺ : إنما أنا رحمة مهداة … وقال هشام بن عمار في كتاب البعث: حدثني عيسى بن عبد الله النعماني، حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبي سعيد عن سعيد بن جبير

стр. 2341

عن ابن عباس في قوله: … (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) … قال: من آمن بالله ورسله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسله عد فيمن يستحق تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والقذف والخسف … وقال تعالى: … (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار) … [إبراهيم: ٢٨] قال ابن عباس: النعمة محمد، والذين بدلوا نعمة الله كفرا كفار قريش - يعني وكذلك كل من كذب به من سائر الناس - كما قال: … (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) … [هود: ١٧] قال أبو نعيم: فإن قيل: فقد سمى الله نوحا ﵇ باسم من أسمائه الحسنى، فقال: … (إنه كان عبدا شكورا) … [الاسراء: ٣] قلنا: وقد سمى الله محمدا ﷺ باسمين من أسمائه فقال: … (بالمؤمنين رؤوف رحيم) … قال: وقد خاطب الله الأنبياء بأسمائهم: يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى يا داود، يا يحيى، يا عيسى، يا مريم، وقال مخاطبا لمحمد ﷺ : يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، وذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف … ولما نسب المشركون أنبياءهم إلى السفه والجنون، كل أجاب عن نفسه، قال نوح: … (يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين) * [الأعراف: ٦٧] وكذا قال هود ﵇، ولما قال فرعون: … (وإني لأظنك يا موسى مسحورا) … [الاسراء: ١٠١]، قال [موسى] … (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) … [الاسراء: ١٠٢] وأما محمد ﷺ : فإن الله تعالى هو الذي يتولى جوابهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: … (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين) … [الحجر: ٦ - ٧] قال الله تعالى: … (ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين) … [الحجر: ٨] وقال تعالى: … (أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما) … [الفرقان: ٥] (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون … قل تربصوا فأني معكم من المتربصين) … [الطور: ٣٠ - ٣١] وقال تعالى: … (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون … تنزيل من رب العالمين) … [الحاقة: ٤١ - ٤٣] (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) … [القلم: ٥١] قال الله تعالى: … (وما هو إلا ذكر للعالمين) … [القلم: ٥٢] وقال تعالى … (وإن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم) … [القلم: ١ - ٤] وقال تعالى: … (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) … [النحل: ١٠٣]. القول فيما أوتي هود ﵇ قال أبو نعيم ما معناه: إن الله تعالى أهلك قومه بالريح العقيم، وقد كانت ريح غضب، ونصر الله تعالى محمدا ﷺ بالصبا يوم الأحزاب، كما قال تعالى: … (يا أيها الذين آمنوا اذكروا

стр. 2342

نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا) … [الأحزاب: ٩] ثم قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ح وحدثنا عثمان بن محمد العثماني، أنا زكريا بن يحيى الساجي، قالا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن عتاب عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجنوب إلى الشمال فقالت: انطلقي بنا ننصر محمدا رسول الله ﷺ ، فقالت الشمال للجنوب: إن الحرة لا ترى بالليل، فأرسل الله عليهم الصبا، فذلك قوله: … (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) … [الأحزاب: ٩] ويشهد له الحديث المتقدم عن رسول الله ﷺ أنه قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. القول فيما أوتي صالح ﵇ قال أبو نعيم: فإن قيل: فقد أخرج الله لصالح ناقة من الصخرة جعلها الله له آية وحجة على قومه وجعل لها شرب يوم، ولهم شرب يوم معلوم. قلنا: وقد أعطى الله محمدا ﷺ مثل ذلك، بل أبلغ لان ناقة صالح لم تكلمه ولم تشهد له بالنبوة والرسالة، ومحمد ﷺ شهد له البعير بالرسالة، وشكى إليه ما يلقى من أهله، من أنهم يجيعونه ويريدون ذبحه، ثم ساق الحديث بذلك كما قدمنا في دلائل النبوة بطرقه وألفاظه وغرره بما أغنى عن إعادته ههنا، وهو في الصحاح والحسان والمسانيد، وقد ذكرنا مع ذلك حديث الغزالة، وحديث الضب وشهادتهما له ﷺ بالرسالة، كما تقدم التنبيه على ذلك والكلام فيه، وثبت الحديث في الصحيح بتسليم الحجر عليه قبل أن يبعث، وكذلك سلام الأشجار والأحجار والمدر عليه قبل أن يبعث ﷺ . القول فيما أوتي إبراهيم الخليل ﵇ قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكاني ﵀: وأما خمود النار لإبراهيم ﵊، فقد خمدت لنبينا ﷺ نار فارس لمولده ﷺ ، وبينه وبين بعثته أربعون سنة، وخمدت نار إبراهيم لمباشرته لها، وخمدت نار فارس لنبينا ﷺ وبينه وبينها مسافة أشهر كذا، وهذا الذي أشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده الكريم، قد ذكرناه بأسانيده وطرقه في أول السيرة، عند ذكر المولد المطهر الكريم، بما فيه كفاية ومقنع، ثم قال شيخنا: مع أنه قد ألقى بعض هذه الأمة في النار فلم تؤثر فيه ببركة نبينا ﷺ ، منهم أبو مسلم الخولاني، قال: بينما الأسود بن قيس العنسي باليمن، فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، فأعاد إليه، قال، ما أسمع، فأمر بنار عظيمة فأججت فطرح فيها أبو مسلم فلم تضره، فقيل له: لئن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فقام إلى سارية من سواري

стр. 2343

المسجد يصلي، فبصر به عمر فقال من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل الله بصاحبنا الذي حرق بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فقيل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن ﵇ … وهذا السياق الذي أورده شيخنا بهذه الصفة، وقد رواه الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر ﵀ في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن أيوب في تاريخه من غير وجه، عن عبد الوهاب بن محمد عن إسماعيل بن عياش الحطيمي: حدثني شراحيل بن مسلم الخولاني أن الأسود بن قيس بن ذي الحمار العنسي تنبأ باليمن، فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فأتي به، فلما جاء به قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد عليه ذلك مرارا ثم أمر بنار عظيمة فأججت فألقي فيها فلم تضره، فقيل للأسود: انفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك، فأمره فأرتحل، فأتى المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد، ثم دخل المسجد وقام يصلي إلى سارية، فبصر به عمر بن الخطاب فأتاه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الرجل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: فأنشدك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فاعتنقه ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق، فقال: الحمد الله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن … قال إسماعيل بن عياش: فأنا أدركت رجالا من الامداد الذين يمدون إلينا من اليمن من خولان، ربما تمازحوا فيقول الخولانيون للعنسيين: صاحبكم الكذاب حرق صاحبنا بالنار ولم تضره … وروى الحافظ ابن عساكر أيضا من غير وجه عن إبراهيم بن دحيم: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، أخبرني سعيد بن بشير عن أبي بشر - جعفر بن أبي وحشية - أن رجلا أسلم فأراده قومه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترق منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يصيبها الوضوء، فقدم على أبي بكر فقال: استغفر لي، قال: أنت أحق قال أبو بكر: أنت ألقيت في النار فلم تحترق، فاستغفر له ثم خرج إلى الشام، وكانوا يسمونه بإبراهيم ﵇، وهذا الرجل هو أبو مسلم الخولاني، وهذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية المطهرة المقدسة، كما جاء في حديث الشفاعة: وحرم الله على النار أن تأكل مواضع السجود … وقد نزل أبو مسلم بداريا من غربي دمشق وكان لا يسبقه أحد إلى المسجد الجامع بدمشق وقت الصبح، وكان يغازي ببلاد الروم، وله أحوال وكرامات كثيرة جدا، وقبره مشهور بداريا، والظاهر أنه مقامه الذي كان يكون فيه، فإن الحافظ ابن عساكر رجح أنه مات ببلاد الروم، في خلافة معاوية، وقيل: في أيام ابنه يزيد، بعد الستين والله أعلم … وقد وقع لأحمد بن أبي الحواري من غير وجه أنه جاء إلى أستاذه

стр. 2344

أبي سليمان يعلمه بأن التنور قد سجروه وأهله ينتظرون ما يأمرهم به، فوجده يكلم الناس وهم حوله فأخبره بذلك فاشتغل عنه بالناس، ثم أعلمه فلم يلتفت إليه، ثم أعلمه مع أولئك الذين حوله، فقال: اذهب فاجلس فيه، فذهب أحمد بن أبي الحواري إلى التنور فجلس فيه وهو يتضرم نارا فكان عليه بردا وسلاما، وما زال فيه حتى استيقظ أبو سليمان من كلامه فقال لمن حوله: قوموا بنا إلى أحمد بن أبي الحواري، فإني أظنه قد ذهب إلى التنور فجلس فيه امتثالا لما أمرته، فذهبوا فوجدوه جالسا فيه، فأخذ بيده الشيخ أبو سليمان وأخرجه منه، رحمة الله عليهما ورضي الله عنهما … وقال شيخنا أبو المعالي: وأما إلقاؤه - يعني إبراهيم ﵇ من المنجنيق، فقد وقع في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذاب، وأن أصحاب مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصنوا به وأغلقوا الباب، فقال البراء بن مالك: ضعوني على برش واحملوني على رؤوس الرماح ثم ألقوني من أعلاها داخل الباب، ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقع وقام وقاتل المشركين، وقتل مسيلمة … قلت: وقد ذكر ذلك مستقصى في أيام الصديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وبني حنيفة، وكانوا في قريب [من] مائة ألف أو يزيدون، وكان المسلمون بضعة عشر ألفا، فلما التقوا جعل كثير من الاعراب يفرون، فقال المهاجرون والأنصار: خلصنا يا خالد، فميزهم عنهم، وكان المهاجرون والأنصار قريبا من ألفين وخمسمائة، فصمموا الحملة يتدابرون ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، فهزموهم بإذن الله ولجأوهم إلى حديقة هناك، وتسمى حديقة الموت، فتحصنوا بها، فحصروهم فيها، ففعل البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك - وكان الأكبر - ما ذكر من رفعه على الأسنة فوق الرماح حتى تمكن من أعلى سورها، ثم ألقى نفسه عليهم ونهض سريعا إليهم، ولم يزل يقاتلهم وحده ويقاتلونه حتى تمكن من فتح الحديقة ودخل المسلمون يكبرون وانتهوا إلى قصر مسيلمة وهو واقف خارجه عند جدار كأنه جمل أزرق - أي من سمرته - فابتدره وحشي بن حرب الأسود، قاتل حمزة، بحربته، وأبو دجانة سماك بن حرشة الأنصاري - وهو الذي ينسب إليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزملكاني - فسبقه وحشي فأرسل الحربة عليه من بعد فأنفذها منه، وجاء إليه أبو دجانة فعلاه بسيفه فقتله، لكن صرخت جارية من فوق القصر: وا أميراه، قتله العبد الأسود، ويقال: إن عمر مسيلمة يوم قتل مائة وأربعين سنة، لعنه الله، فمن طال عمره وساء عمله قبحه الله … وهذا ما ذكره شيخنا فيما يتعلق بإبراهيم الخليل ﵇. وأما الحافظ أبو نعيم فإنه قال: فإن قيل: فإن إبراهيم اختص بالخلة مع النبوة، قيل: فقد اتخذ الله محمدا خليلا وحبيبا، والحبيب ألطف من الخليل. ثم ساق من حديث شعبة عن أبي إسحاق بن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله … وقد رواه مسلم من طريق شعبة والثوري عن أبي إسحاق، ومن طريق عبد الله بن مرة، وعبد الله بن أبي الهديل، كلهم عن أبي الأحوص، عوف بن مالك الجشيمي، قال: سمعت

стр. 2345

عبد الله بن مسعود يحدث عن رسول الله ﷺ قال: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا … هذا لفظ مسلم، ورواه أيضا منفردا به عن جندب بن عبد الله البجلي كما سأذكره، وأصل الحديث في الصحيحين عن أبي سعيد، وفي إفراد البخاري عن ابن عباس وابن الزبير كما سقت ذلك في فضائل الصديق ﵁، وقد أوردناه هنالك من رواية أنس والبراء وجابر وكعب بن مالك وأبي الحسين بن العلى وأبي هريرة وأبي واقد الليثي وعائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين … ثم إنما رواه أبو نعيم من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة عن كعب بن مالك أنه قال: عهدي نبيكم ﷺ فسمعته يقول: لم يكن نبي إلا له خليل من أمته، وأن خليلي أبو بكر، وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا … وهذا الاسناد ضعيف، ومن حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لكل نبي خليل: وخليلي أبو بكر بن أبي قحافة، وخليل صاحبكم الرحمن … وهو غريب من هذا الوجه، ومن حديث عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ومنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين والعباس بيننا مؤمن بين خليلين … غريب وفي إسناده نظر، انتهى ما أورده أبو نعيم ﵀ … وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، قالا: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، حدثني جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي بينكم خليلا فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ الله إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك … وأما اتخاذه حسينا خليلا، فلم يتعرض لاسناده أبو نعيم، وقد قال هشام بن عمار في كتابه المبعث: حدثنا يحيى بن حمزة الحضرمي وعثمان بن علان القرشي، قالا: حدثنا عروة بن رويم اللخمي: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله أدرك بي الاجل المرقوم وأخذني لقربه، واحتضرني احتضارا، فنحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة، وأنا قائل قولا غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأن بيدي لواء الحمد، وأجارني الله عليكم من ثلاث أن لا يهلككم بسنة، وأن يستبيحكم عدوكم، وأن لا تجمعوا على ضلالة … وأما الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد فتكلم على مقام الخلة بكلام طويل إلى أن قال: ويقال: الخليل الذي يعبد ربه على الرغبة والرهبة، من قوله: … (إن إبراهيم لأواه حليم) … [التوبة: ١١٤] من كثرة ما يقول: أواه، والحبيب الذي يعبد ربه على الرؤية والمحبة، ويقال: الخليل الذي يكون معه انتظار العطاء، والحبيب الذي يكون معه انتظار

стр. 2346

اللقاء، ويقال: الخليل الذي يصل بالواسطة من قوله: … (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) … [الانعام: ٧٥] والحبيب الذي يصل إليه من غير واسطة، من قوله: … (فكان قاب قوسين أو أدنى) … [النجم: ٩] وقال الخليل: … (الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) … [الشعراء: ٨٢] وقال الله للحبيب محمد: … (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) … [الفتح: ٢] وقال الخليل: … (ولا تخزني يوم يبعثون) … [الشعراء: ٨٧] وقال الله للنبي: … (يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه) … [التحريم: ٨] وقال الخليل حين ألقي في النار: … (حسبي الله ونعم الوكيل) … [آل عمران: ١٧٣] وقال الله لمحمد: … (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) … [الأنفال: ٦٤] وقال الخليل: … (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) … [الصافات: ٩٩] وقال الله لمحمد: … (ووجدك ضالا فهدى) … [الضحى: ٧] وقال الخليل: … (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) … [الشعراء: ٨٤] وقال لمحمد: • (رفعنا لك ذكرك) … [الشرح: ٤] وقال الخليل: … (واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام) * [إبراهيم: ٣٥] وقال الله للحبيب: … (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) … [الأحزاب: ٣٣] وقال الخليل: … (واجعلني من ورثة جنة النعيم) … [الشعراء: ٨٥] وقال الله لمحمد: … (إنا أعطيناك الكوثر) … [الكوثر: ١] … وذكر أشياء أخر، وسيأتي الحديث في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبو هم إبراهيم الخليل … فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام، ودل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره * ثم قال أبو نعيم: فإن قيل: إن إبراهيم ﵇ حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة، قيل: فقد كان كذلك وحجب محمد ﷺ عمن أرادوه بخمسة حجب، قال الله تعالى في أمره: … (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) … [يس: ٩] فهذه ثلاث، ثم قال: … (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) * [الاسراء: ٤٥] ثم قال: … (فهي إلى الأذقان فهم مقمحون) … [يس: ٨] فهذه خمس حجب … وقد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد، وما أدري أيهما أخذ من الآخر والله أعلم … وهذا الذي قاله غريب، والحجب التي ذكرها لإبراهيم ﵇ لا أدري ما هي، كيف وقد ألقاه في النار التي نجاه الله منها، وأما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حسية، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق، لا يصل إليهم، ولا يخلص إلى قلوبهم، كما قال تعالى: … (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) … [فصلت: ٥] وقد حررنا ذلك في التفسير، وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أن أم جميل امرأة أبي لهب، لما نزلت السورة في ذمها وذم زوجها، ودخولهما النار، وخسارهما، جاءت بفهر - وهو الحجر الكبير - لترجم النبي ﷺ ، فانتهت إلى أبي بكر وهو جالس عند النبي ﷺ

стр. 2347

فلم تر رسول الله ﷺ ، وقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ فقال: وماله؟ فقالت: إنه هجاني، فقال: ما هجاك، فقالت: والله لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر، ثم رجعت وهي تقول: مذمما أتينا … ودينه قلينا … وكذلك حجب ومنع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي ﷺ وهو ساجد، فرأى جدثا من نار وهولا عظيما وأجنحة الملائكة دونه، فرجع القهقري وهو يتقي بيديه، فقالت له قريش: مالك، ويحك؟ فأخبرهم بما رأى، وقال النبي ﷺ ، لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا … وكذلك لما خرج رسول الله ﷺ ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته رجلا يحرسونه لئلا يخرج، ومتى عاينوه قتلوه، فأمر عليا فنام على فراشه، ثم خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا ويقول: شاهت الوجوه، فلم يروه حتى صار هو وأبو بكر الصديق إلى غار ثور، كما بسطنا ذلك في السيرة، وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمي الله عليهم مكانه، وفي الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك بإثنين الله ثالثهما (١)؟ وقد قال بعض الشعراء في ذلك: نسج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت وكذلك حجب ومنع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة … وذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم ﵇ ولده للذبح مستسلما لأمر الله تعالى، ببذل رسول الله ﷺ نفسه للقتل يوم أحد وغيره حتى نال منه العدو ما نالوا، من هشم رأسه، وكسر ثنيته اليمنى السفلى، كما تقدم بسط ذلك في السيرة … ثم قال: قالوا: كان إبراهيم ﵇ ألقاه قومه في النار فجعلها الله بردا وسلاما، قلنا: وقد أوتي رسول الله ﷺ مثله، وذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير ذلك السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، والسم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار … قلت: وقد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر، ويؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك الشاة المسمومة، وأخبر ذراعها رسول الله ﷺ بما أودع فيه من السم، وكان قد نهش منه نهشة، وكان السم فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون أنه ﷺ يحب الذراع، فلم يضره السم الذي حصل في باطنه بإذن الله ، حتى انقضى أجله ﷺ ، فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الذي كان في تلك الاكلة، ﷺ … وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي، فاتح بلاد الشام، أنه أتي بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك، فلم ير بأسا، ﵁ … ثم قال أبو نعيم: فإن قيل: فإن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته، قال الله تعالى:

стр. 2348

* (فبهت الذي كفر) … [البقرة: ٢٥٨] قيل: محمد ﷺ أتاه الكذاب بالبعث، أبي بن خلف، بعظم بال ففركه وقال: … (من يحيى العظام وهي رميم) … [يس: ٧٨] فأنزل الله تعالى البرهان الساطع … (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) … [يس: ٧٩] فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته … قلت: وهذا أقطع للحجة، وهو استدلاله للمعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، قادر على إعادتهم كما قال: … (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) … [يس: ٨١] أي يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى: … (بقادر على أن يحيى الموتى) … [الأحقاف: ٣٣] وقال: … (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) … [الروم: ٢٧] هذا وأمر المعاد نظري لا فطري ضروري في قول الأكثرين، فأما الذي حاج إبراهيم في ربه فإنه معاند مكابر، فإن وجود الصانع مذكور في الفطر، وكل واحد مفطور على ذلك، إلا من تغيرت فطرته، فيصير نظريا عنده، وبعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات، وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الذي يحيى الموتى، لا يقبله عقل ولا سمع، وكل واحد يكذبه بعقله في ذلك، ولهذا ألزمه إبراهيم بالاتيان بالشمس من المغرب إن كان كما أدعى … (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) * [البقرة: ٢٥٨] وكان ينبغي أن يذكر مع هذا أن الله تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما بارز النبي ﷺ يوم أحد، فقتله بيده الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فقال: والله أن بي لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين: ألم يقل: بل أنا أقتله؟ والله لو بصق علي لقتلني - وكان هذا لعنه الله أعد فرسا وحربة ليقتل بها رسول الله ﷺ ، فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله - فكان كذلك يوم أحد، … ثم قال أبو نعيم: فإن قيل: فإن إبراهيم ﵇ كسر أصنام قومه غضبا لله، قيل: فإن محمدا ﷺ كسر ثلاثمائة وستين صنما، قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوي من غير أن يمسها، ويقول: … (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) … [الاسراء: ٨١] فتساقط لوجوهها، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل، وهذا أظهر وأجلى من الذي قبله، وقد ذكرنا هذا في أول دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها، بما فيه كفاية * وقد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام تساقطت أيضا لمولده الكريم، وهذا أبلغ وأقوى في المعجز من مباشرة كسرها، وقد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وأنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة، وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة، وأما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم ﵇، فلم يذكره أبو نعيم ولا أبن حامد، وسيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى ﵇ ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبه عليه إذا انتهينا إليه، من إحياء أموات بدعوات أمته، وحنين

стр. 2349

الجذع، وتسليم الحجر والشجر والمدر عليه، وتكليم الذراع له وغير ذلك … وأما قوله تعالى: • (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) … [الانعام: ٧٥] والآيات بعدها، فقد قال الله تعالى: … (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) … [الاسراء: ١] وقد ذكر ذلك ابن حامد فيما وقفت عليه بعد، وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء من كتابنا هذا، ومن التفسير ما شاهده رسول الله ﷺ ليلة أسري به من الآيات فيما بين مكة إلى بيت المقدس، وفيما بين ذلك إلى سماء الدنيا، ثم عاين من الآيات في السماوات السبع وما فوق ذلك، وسدرة المنتهى، وجنة المأوى، والنار التي هي بئس المصير والمثوى، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث المنام - وقد رواه أحمد والترمذي وصححه، وغيرهما - فتجلى لي كل شئ لي وعرفت … وذكر ابن حامد في مقابلة ابتلاء الله يعقوب ﵇ بفقده ولده يوسف ﵇ وصبره واستعانته ربه ، موت إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وصبره عليه، وقوله: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون … قلت: وقد مات بناته الثلاثة: رقية، وأم كلثوم، وزينب، وقتل عمه الحمزة، أسد الله وأسد رسوله يوم أحد، فصبر واحتسب … وذكر في مقابلة حسن يوسف ﵇ ما ذكر من جمال رسول الله ﷺ ، ومهابته وحلاوته شكلا ونفعا وهديا، ودلا، ويمنا، كما تقدم في شمائله من الأحاديث الدالة على ذلك، كما قالت الربيع بنت مسعود: لو رأيته لرأيت الشمس طالعة … وذكر في مقابلة ما ابتلى به يوسف ﵇ من الفرقة والغربة، هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، ومفارقته وطنه وأهله وأصحابه الذين كانوا بها * القول فيما أوتي موسى ﵇ من الآيات وأعظمهن تسع آيات كما قال تعالى: … (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) … [الاسراء: ١٠١] وقد شرحناها في التفسير، وحكينا قول السلف فيها، واختلافهم فيها، وأن الجمهور على أنها هي العصا في انقلابها حية تسعى، واليد، إذا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضئ كقطعة قمر يتلألأ إضاءة، ودعاؤه على قوم فرعون حين كذبوه فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات، كما بسطنا ذلك في التفسير، وكذلك أخذهم الله بالسنين، وهي نقص الحبوب: وبالجدب وهو نقص الثمار، وبالموت الذريع وهو نقص الأنفس، وهو الطوفان في قول، ومنها فلق البحر لانجاء بني إسرائيل وإغراق آل فرعون، ومنها تضليل بني إسرائيل في التيه، وإنزال المن والسلوى عليهم واستسقاؤه لهم، فجعل الله ماءهم يخرج من حجر يحمل معهم على دابة، له أربعة وجوه، إذا ضربه موسى بعصاه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين، ثم يضربه فينقلع، إلى غير ذلك من الآيات الباهرات، كما بسطنا ذلك في التفسير، وفي قصة موسى ﵇ من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه، ولله الحمد

стр. 2350

والمنة، وقيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم الله تعالى، وقصة البقرة … أما العصا فقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني: وأما حياة عصا موسى، فقد سبح الحصا في كف رسول الله ﷺ وهو جماد، والحديث في ذلك صحيح، وهذا الحديث مشهور عن الزهري عن رجل عن أبي ذر، وقد قدمنا ذلك مبسوطا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته، وقيل: إنهن سبحن في كف أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، كما سبحن في كف رسول الله ﷺ ، فقال هذه خلافة النبوة … وقد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عن رجل سماه قال: كان بيد أبي مسلم الخولاني سبحة يسبح بها، قال: فنام والسبحة في يده، قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات، فقال: هلم يا أم مسلم وانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال: فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت … وأصح من هذا كله وأصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (١) … قال شيخنا: وكذلك قد سلمت عليه الأحجار، قلت: وهذا قد رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن (٢) … قال بعضهم: هو الحجر الأسود، وقال الترمذي: حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن يزيد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (٣)، ثم قال: غريب. ورواه أبو نعيم في الدلائل من حديث السدي عن أبي عمارة الحيواني عن علي قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فجعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شئ إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: وأقبلت الشجرة عليه بدعائه، وذكر اجتماع تينك الشجرتين لقضاء حاجته من ورائهما ثم رجوعهما إلى منابتهما … وكلا الحديثين في الصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك حلول حياة فيهما، إذ يكونان ساقهما سائق، ولكن في قوله: انقادا علي بإذن الله، ما يدل على حصول شعور منهما لمخاطبته، ولا سيما مع امتثالهما ما أمرهما به، قال: وأمر عذقا من نخلة أن ينزل فنزل يبقر في الأرض حتى وقف بين يديه فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فشهد بذلك ثلاثا ثم عاد إلى مكانه، وهذا أليق وأظهر في المطابقة من الذي قبله، ولكن هذا السياق فيه غرابة، والذي رواه الإمام أحمد وصححه الترمذي، ورواه البيهقي والبخاري في التاريخ من رواية أبي
следующие страницы →