← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين في أواخر المحرم منها ركب المأمون في العساكر من بغداد قاصدا بلاد الروم لغزوهم. واستخلف على بغداد وأعمالها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما كان بتكريت تلقاه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة النبوية، فأذن له المأمون في الدخول على ابنته أم الفضل بنت المأمون. وكان معقود العقد عليها في حياة أبيه علي بن موسى، فدخل بها، وأخذها معه إلى بلاد الحجاز. وتلقاه أخوه أبو إسحاق بن الرشيد من الديار المصرية قبل وصوله إلى الموصل. وسار المأمون في جحافل كثيرة إلى بلاد طرسوس فدخلها في جمادى الأولى، وفتح حصنا هناك عنوة وأمر بهدمه، ثم رجع إلى دمشق فنزلها وعمر دير مرات بسفح قسيون، وأقام بدمشق مدة. وحج بالناس فيها عبد الله بن عبيد الله بن العباس العباسي. وفيها توفي أبو زيد الأنصاري، ومحمد بن المبارك الصوري (١)، وقبيصة بن عقبة (٢)، وعلي بن الحسن بن شقيق، ومكي بن إبراهيم (٣). أبو زيد الأنصاري فهو سعيد بن أوس بن ثابت البصري اللغوي أحد الثقات الاثبات ويقال إنه كان يرى ليلة القدر. قال أبو عثمان المازني: رأيت الأصمعي جاء إلى أبي زيد الأنصاري وقبل رأسه وجلس بين يديه وقال: أنت رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة. قال ابن خلكان: وله مصنفات كثيرة، منها خلق الانسان، وكتاب الإبل، وكتاب المياه، وكتاب الفرس والترس، وغير ذلك. توفي في هذه السنة، وقيل في التي قبلها أو التي بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل إنه قارب المائة. وأما أبو سليمان (٤) فقد قدمنا ترجمته. ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين فيها عدا ملك الروم وهو توفيل بن ميخائيل على جماعة من المسلمين فقتلهم في أرض طرسوس نحوا من ألف وستمائة إنسان، وكتب إلى المأمون فبدأ بنفسه، فلما قرأ المأمون كتابه نهض من فوره إلى بلاد الروم عودا على بدء وصحبته أخوه أبو إسحاق بن الرشيد نائب الشام ومصر، فافتتح بلدانا كثيرة

стр. 3887

صلحا وعنوة، وافتتح أخوه ثلاثين حصنا، وبعث يحيى بن أكثم في سرية إلى طوانة فافتتح بلادا كثيرة خلقا وأسر خلقا وحرق حصونا عدة، ثم عاد إلى العسكر. وأقام المأمون ببلاد الروم من نصف جمادى الآخرة إلى نصف شعبان، ثم عاد إلى دمشق وقد وثب رجل يقال له عبدوس الفهري في شعبان من هذه السنة ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد واتبعه خلق كثير، فركب المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة إلى الديار المصرية، فكان من أمره ما سنذكره. وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقيب الصلوات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في جامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لأربع عشر ليلة خلت من رمضان، وذلك أنهم كانوا إذا قضوا الصلاة قام الناس قياما فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم استمروا على ذلك في بقية الصلوات. وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضا بلا مستند ولا دليل ولا معتمد، فإن هذا لم يفعله قبله أحد، ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله ﷺ ليعلم حين ينصرف الناس من المكتوبة، وقد استحب هذا طائفة من العلماء كابن حزم وغيره. وقال ابن بطال: المذاهب الأربعة على عدم استحبابه. قال النووي: وقد روي عن الشافعي أنه قال: إنما كان ذلك ليعلم الناس أن الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم ذلك لم يبق للجهر معنى. وهذا كما روى عن ابن عباس أنه كان يجهر في الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلم الناس أنها سنة، ولهذا نظائر والله أعلم. وأما هذه البدعة التي أمر بها المأمون فإنها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف. وفيها وقع برد شديد جدا. وفيها حج بالناس الذي حج بهم في العام الماضي (١)، وقيل غيره والله أعلم. وفيها توفى: حبان بن هلال (٢). وعبد الملك بن قريب الأصمعي صاحب اللغة والنحو والشعر وغير ذلك. ومحمد بن بكار بن هلال (٣). وهوذة بن خليفة (٤). زبيدة امرأة الرشيد وابنة عمه وهي ابنة جعفر أم العزيز الملقبة زبيدة بنت جعفر بن المنصور العباسية الهاشمية القرشية،

стр. 3888

كانت أحب الناس إلى الرشيد، وكانت ذات حسن باهر وجمال طاهر، وكان له معها من الحظايا والجواري والزوجات غيرها كثيرا كما ذكرنا ذلك في ترجمته، وإنما لقبت زبيدة لان جدها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها ويرقصها وهي صغيرة ويقول: إنما أنت زبيدة، لبياضها، فغلب ذلك عليها فلا تعرف إلا به، وأصل اسمها أم العزيز. وكان لها من الجمال والمال والخير والديانة والصدقة والبر شئ كثير. وروى الخطيب أنها حجت فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف درهم.، ولما هنأت المأمون بالخلافة قالت: هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنت فقدت ابنا خليفة لقد عوضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ، وإمتاعا بما عوض. توفيت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين. ثم قال الخطيب: حدثني الحسين بن محمد الخلال لفظا قال: وحدث أبا الفتح القواس قال ثنا صدقة بن هبيرة الموصلي، ثنا محمد بن عبد الله الواسطي قال: قال عبد الله بن المبارك: رأيت زبيدة في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقالت غفر لي في أول معول ضرب في طريق مكة. قلت: فما هذه الصفرة؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت عليه جهنم زفرة فاقشعر لها جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة. وذكر ابن خلكان: أنه كان لها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن العظيم، غير من قرأ منه ما قدر له وغير من لم يقرأ، وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل، وكان ورد كل واحدة عشر القرآن، وورد أنها رؤيت في المنام فسئلت: عما كانت تصنعه من المعروف والصدقات وما عملته في طريق الحج فقالت: ذهب ثواب ذلك كله إلى أهله، وما نفعنا إلا ركعات كنت أركعهن في السحر. وفيها جرت حوادث وأمور يطول ذكرها. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين في المحرم منها دخل المأمون مصر وظفر بعبدوس الفهري فأمر فضربت عنقه، ثم كر راجعا إلى الشام. وفيها ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضا فحاصر لؤلؤة مائة يوم، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عجيفا فخدعته الروم فأسروه فأقام في أيديهم ثمانية أيام، ثم انفلت منهم واستمر محاصرا لهم، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه، فبلغ المأمون فسار إليه، فلما أحس توفيل بقدومه هرب وبعث وزيره صنغل فسأله الأمان والمصالحة، لكنه بدأ بنفسه قبل المأمون (١) فرد عليه المأمون كتابا بليغا مضمونه التقريع والتوبيخ، وإني إنما أقبل منك الدخول في الحنيفية وإلا فالسيف والقتل والسلام على من اتبع الهدى وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. وفيها توفي الحجاج بن منهال (٢). وشريح بن النعمان (٣). وموسى بن داود الضبي (٤) والله سبحانه أعلم.

стр. 3889

ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين في أول يوم من جمادى الأولى وجه المأمون ابنه العباس إلى بلاد الروم لبناء الطوانة وتجديد عمارتها. وبعث إلى سائر الأقاليم في تجهيز الفعلة من كل بلد إليها، من مصر والشام والعراق، فاجتمع عليها خلق كثير، وأمره أن يجعلها ميلا في ميل، وأن يجعل سورها ثلاث فراسخ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب. ذكر أول المحنة والفتنة في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن وأن يرسل إليه جماعة منهم، وكتب إليه يستحثه في كتاب مطول وكتب غيره قد سردها ابن جرير كلها (١)، ومضمونها الاحتجاج على أن القرآن محدث وكل محدث مخلوق، وهذا احتجاج لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين فضلا عن المحدثين، فإن القائلين بأن الله تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية لا يقولون بأن فعله تعالى القائم بذاته المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقا، بل يقولون هو محدث وليس بمخلوق، بل هو كلام الله القائم بذاته المقدسة، وما كان قائما بذاته لا يكون مخلوقا، وقد قال الله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) [الأنبياء: ٢] وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) [الأعراف: ١١] فالامر بالسجود صدر منه بعد خلق آدم، فالكلام القائم بالذات ليس مخلوقا، وهذا له موضع آخر. وقد صنف البخاري كتابا في هذا المعنى سماه خلق أفعال العباد. والمقصود أن كتاب المأمون لما ورد بغداد قرئ على الناس، وقد عين المأمون جماعة من المحدثين ليحضرهم إليه، وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي، ويزيد بن هارون (٢) ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود. وأحمد بن الدورقي. فبعث بهم إلى المأمون إلى الرقة فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق ذلك - وأحضر خلقا من مشايخ الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم،

стр. 3890

فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدثين له على ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك موافقة لهم، ووقعت بين الناس فتنة عظيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم كتب المأمون إلى إسحاق أيضا بكتاب ثان يستدل به على القول بخلق القرآن بشبه من الدلائل أيضا لا تحقيق تحتها ولا حاصل لها، بل هي من المتشابه وأورد من القرآن آيات هي حجة عليه. أورد ابن جرير ذلك كله. وأمر نائبه أن يقرأ ذلك على الناس وأن يدعوهم إليه وإلى القول بخلق القرآن، فأحضر أبو إسحاق جماعة من الأئمة وهم أحمد بن حنبل. وقتيبة. وأبو حيان الزيادي. وبشر بن الوليد الكندي. وعلي بن أبي مقاتل، وسعدويه الواسطي. وعلي بن الجعد. وإسحاق بن أبي إسرائيل. وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الحميد (١) العمري. وشيخ آخر من سلالة عمر كان قاضيا على الرقة، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون. ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب، وابن الفرخان، والنضر بن شميل، وأبو (٢) علي بن عاصم، وأبو العوام البارد (٣)، وأبو (٤) شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق وجماعة. فلما دخلوا على أبي إسحاق قرأ عليهم كتاب المأمون. فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: ليس عن هذا أسألك. وإنما أسألك أهو مخلوق؟ قال: ليس بخالق. قال: ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أحسن غير هذا. وصمم على ذلك. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شئ ولا بعده شئ ولا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه؟ قال: نعم! فقال للكاتب: اكتب بما قال. فكتب. ثم امتحنهم رجلا رجلا فأكثرهم امتنع من القول بخلق القرآن، فكان إذا امتنع الرجل منهم امتحنه بالرقعة التي وافق عليها بشر بن الوليد الكندي، من أنه يقال لا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فيقول: نعم كما قال بشر ولما انتهت النوبة إلى امتحان أحمد بن حنبل فقال له: أتقول إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلام الله لا أزيد على هذا. فقال له: ما تقول في هذه الرقعة؟ فقال أقول (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] فقال رجل من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأذن بصير بعين. فقال له إسحاق: ما أردت بقولك سميع بصير؟ فقال: أردت منها ما أراده الله منها وهو كما وصف نفسه ولا أزيد على ذلك. فكتب جوابات القوم رجلا رجلا وبعث بها إلى المأمون. وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرها لأنهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتيا منع من الافتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الاسماع والأداء ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 3891

فصل فلما وصلت جوابات القوم إلى المأمون بعث إلى نائبه يمدحه على ذلك ويرد على كل فرد فرد ما قال في كتاب أرسله. وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضا فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم فابعثه إلى عسكر أمير المؤمنين مقيدا محتفظا به حتى يصل إلى أمير المؤمنين فيرى فيه رأيه، ومن رأيه أن يضرب عنق من لم يقل بقوله. فعند ذلك عقد النائب ببغداد مجلسا آخر وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهدي، وكان صاحبا لبشر بن الوليد الكندي، وقد نص المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور، فلما امتحنهم إسحاق أجابوا كلهم مكرهين متأولين قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) [النحل: ١٠٦] الآية. إلا أربعة وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حماد سجادة، وعبيد الله بن عمر القواريري. فقيدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى المأمون، ثم استدعى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم فأجاب سجادة إلى القول بذلك فأطلق. ثم امتحنهم في اليوم الثالث فأجاب القواريري إلى ذلك فأطلق قيده. وأخر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجنديسابوري لأنهما أصرا على الامتناع من القول بذلك، فأكد قيودهما وجمعهما في الحديد وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطرسوس، وكتب كتابا بإرسالهما إليه. فسارا مقيدين في محارة على جمل متعادلين ﵄. وجعل الإمام أحمد يدعو الله أن لا يجمع بينهما وبين المأمون، وأن لا يرياه ولا يراهما. ثم جاء كتاب المأمون إلى نائبه أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرهين متأولين قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) الآية. وقد أخطأوا في تأويلهم دلك خطأ كبيرا، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين. فاستدعاهم إسحاق وألزمهم بالمسير إلى طرسوس فساروا إليها، فلما كانوا ببعض الطريق بلغهم موت المأمون فردوا إلى الرقة، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد. وكان أحمد بن حنبل وابن نوح قد سبقا الناس، ولكن لم يجتمعا به. بل أهلكه الله قبل وصولهما إليه، واستجاب الله سبحانه دعاء عبده ووليه الإمام أحمد بن حنبل، فلم يريا المأمون ولا رآهما، بل ردوا إلى بغداد. وسيأتي تمام ما وقع لهم من الامر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد، وتمام باقي الكلام على ذلك في ترجمة الإمام أحمد عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومائتين وبالله المستعان. عبد الله المأمون هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد العباسي القرشي الهاشمي أبو جعفر أمير المؤمنين، وأمه أم ولد يقال لها مراجل الباذغيسية، وكان مولده في ربيع الأول سنة سبعين ومائة ليلة توفي عمه الهادي، وولي أبوه هارون الرشيد، وكان ذلك ليلة الجمعة كما تقدم، قال ابن عساكر: روى الحديث عن أبيه وهاشم بن بشر، وأبي معاوية الضرير، ويوسف بن قحطبة، وعباد بن العوام، وإسماعيل بن علية، وحجاج بن محمد الأعور. وروى عنه أبو حذيفة إسحاق بن بشر - وهو أسن منه - ويحيى بن أكثم القاضي وابنه الفضل بن المأمون ومعمر بن شبيب وأبو يوسف القاضي وجعفر بن أبي عثمان

стр. 3892

الطيالسي وأحمد بن الحارث الشعبي - أو اليزيدي - وعمرو بن مسعدة وعبد الله بن طاهر بن الحسين، ومحمد بن إبراهيم السلمي ودعبل بن علي الخزاعي. قال: وقدم دمشق مرات وأقام بها مدة، ثم روى ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: سمعت المأمون في الشماسية وقد أجرى الحلبة فجعل ينظر إلى كثرة الناس فقال ليحيى بن أكثم: أما ترى كثرة الناس؟ قال: حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: " الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله ". ومن حديث أبي بكر المنابحي، عن الحسين بن أحمد المالكي، عن يحيى بن أكثم القاضي، عن المأمون، عن هشيم، عن منصور، عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: " الحياء من الايمان " (١). ومن حديث جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: أنه صلى العصر يوم عرفة خلف المأمون بالرصافة فلما سلم كبر الناس فجعل يقول: لا يا غوغاء لا يا غوغاء، غدا التكبير سنة أبي القاسم ﷺ . فلما كان الغد صعد المنبر فكبر ثم قال: أنبأ هشيم بن بشير، ثنا ابن شبرمة، عن الشعبي، عن البراء بن عازب، عن أبي بردة بن نيار (٢). قال: قال رسول الله ﷺ : " من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم (٣) قدمه لأهله، ومن ذبح بعد أن يصلي الغداة فقد أصاب السنة (٤) ". الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم أصلحني واستصلحني وأصلح على يدي. تولى المأمون الخلافة في المحرم لخمس بقين منه بعد مقتل أخيه سنة ثمان وتسعين ومائة، واستمر في الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر. وقد كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة، وقد بايع في سنة إحدى ومائتين بولاية العهد من بعده لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي - زين العابدين - بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وخلع السواد ولبس الخضرة كما تقدم، فأعظم ذلك العباسيون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون وولوا عليهم إبراهيم بن المهدي، ثم ظفر المأمون بهم واستقام له الحال في الخلافة، وكان على مذهب الاعتزال لأنه اجتمع بجماعة منهم بشر بن غياث المريسي فخدعوه وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم ولم

стр. 3893

يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل. ودعا إليه وحمل الناس عليه قهرا. وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته. وقال ابن أبي الدنيا: كان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه قد وخطه الشيب يعلوه صفرة أعين طويل اللحية رقيقها ضيق الجبين، على خده خال. أمه أم ولد يقال لها مراجل. وروى الخطيب عن القاسم بن محمد بن عباد قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء غير عثمان بن عفان والمأمون، وهذا غريب جدا لا يوافق عليه، فقد كان يحفظ القرآن عدة من الخلفاء. قالوا: وقد كان المأمون يتلو في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، وجلس يوما لاملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي يحيى بن أكثم وجماعة فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثا. وكانت له بصيرة بعلوم متعددة، فقها وطبا وشعرا وفرائض وكلاما ونحوا وغريبه، وغريب حديث، وعلم النجوم. وإليه ينسب الزيج المأموني. وقد اختبر مقدار الدرجة في وطئه سنجار فاختلف عمله وعمل الأوائل من الفقهاء. وروى ابن عساكر أن المأمون جلس يوما للناس وفي مجلسه الأمراء والعلماء، فجاءت امرأة تتظلم إليه فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمائة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها المأمون على البديهة: قد وصل إليك، حقك، كان أخاك قد ترك بنتين وأما وزوجة واثني عشر أخا وأختا واحدة وهي أنت، قالت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: للبنتين الثلثان أربعمائة دينار، وللأم السدس مائة دينار، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارا، بقي خمسة وعشرون دينارا لكل أخ ديناران ديناران، ولك دينار واحد. فعجب العلماء من فطنته وحدة ذهنه وسرعة جوابه. وقد رويت هذه الحكاية عن علي بن أبي طالب. ودخل بعض الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتا من الشعر يراه عظيما، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعا طائلا، فخرج من عنده محروما، فلقيه شاعر آخر فقال له: ألا أعجبك! أنشدت المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأسا. فقال: وما هو؟ قال قلت فيه: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقال له الشاعر الآخر: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها. فهلا قلت كما قال جرير في عبد العزيز بن مروان: فلا هو في الدنيا مضيع (١) نصيبه … ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله وقال المأمون يوما لبعض جلسائه: بيتان اثنان لاثنين ما يلحق بهما أحد، قول أبي نواس: إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو في لباس صديق وقول شريح:

стр. 3894

تهون على الدنيا الملامة إنه … حريص على استصلاحها من يلومها قال المأمون: وقد ألجأني الزحام يوما وأنا في الموكب حتى خالطت السوقة فرأيت رجلا في دكان عليه أثواب خلقة، فنظر إلي نظر من يرحمني أو من يتعجب من أمري فقال: أرى كل مغرور تمنيه نفسه … إذا ما مضى عام سلامة قابل وقال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على الرسول ﷺ ثم قال: عباد الله! عظم أمر الدارين وارتفع جزاء العالمين، وطالت مدة الفريقين، فوالله إنه للجد لا اللعب، وإنه للحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والحساب والفصل والميزان والصراط ثم العقاب أو الثواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز. ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة، والشر كله في النار. وروى ابن عساكر من طريق النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: ما الارجاء؟ فقلت دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم. قال: صدقت. ثم قال: يا نضر أتدري ما قلت في صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لمن علم الغيب لبعيد. فقال قلت أبياتا وهي: أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا … أشتم صديقا ولا عمرا ثم ابن عفان في الجنان مع ال … أبرار ذاك القتيل مصطبرا ألا ولا أشتم الزبير ولا … طلحة إن قال قائل غدرا وعائش الام لست أشتمها … من يفتريها فنحن منه برا وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة وفيه تفضيل علي على الصحابة. وقد قال جماعة من السلف والدار قطني: من فضل عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار - يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام ثم اتفقوا على عثمان وتقديمه على علي بعد مقتل عمر - وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع، على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر. وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: لا أوتى بأحد فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري. وتواتر عنه أنه قال: خير الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر. فقد خالف المأمون الصحابة كلهم حتى علي بن أبي طالب. وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار، البدعة الأخرى والطامة الكبرى وهي القول بخلق القرآن مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر وغير ذلك من الافعال التي تعدد فيها المنكر. ولكن كان فيه شهامة عظيمة وقوة جسيمة في القتال وحصار الأعداء ومصابرة الروم وحصرهم، وقتل رجالهم وسبي نسائهم، وكان يقول: كان لعمر بن عبد العزيز وعبد الملك حجاب وأنا بنفسي، وكان يتحرى العدل ويتولى بنفسه الحكم بين

стр. 3895

الناس والفصل، جاءته امرأة ضعيفة قد تظلمت على ابنه العباس وهو قائم على رأسه، فأمر الحاجب فأخذه بيده فأجلسه معها بين يديه، فادعت عليه بأنه أخذ ضيعة لها واستحوذ عليها، فتناظرا ساعة فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين فقال له المأمون: اسكت فإن الحق أنطقها والباطل أسكته، ثم حكم لها بحقها وأغرم ابنه لها عشرة آلاف درهم. وكتب إلى بعض الأمراء: ليس المروءة أن يكون بيتك من ذهب وفضة وغريمك عار، وجارك طاو والفقير جائع. ووقف رجل بين يديه فقال له المأمون: والله لأقتلنك. فقال: يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو، فقال: ويلك ويحك! قد حلفت لأقتلنك، فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن تلق الله حانثا خير من أن تلقاه قاتلا. فعفا عنه. وكان يقول: ليت أهل الجرائم يعرفون أن مذهبي العفو حتى يذهب الخوف عنهم ويدخل السرور إلى قلوبهم. وركب يوما في حراقة فسمع ملاحا يقول لأصحابه: ترون هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين - يقول ذلك وهو لا يشعر بمكان المأمون - فجعل المأمون يتبسم ويقول: كيف ترون الحيلة حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل القدر؟ وحضر عند المأمون هدبة بن خالد ليتغدى عنده فلما رفعت المائدة جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها من اللباب وغيره، فقال له المأمون: أما شبعت يا شيخ؟ فقال: بلى، حدثني حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر ". قال فأمر له المأمون بألف دينار .. وروى ابن عساكر أن المأمون قال يوما لمحمد بن عباد بن المهلب: يا أبا عبد الله قد أعطيتك ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، وأعطيك دينارا. فقال: يا أمير المؤمنين إن منع الموجود سوء ظن بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد الله! أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف. ولما أراد المأمون أن يدخل ببوران بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفيسة، وكان من جملة من يعتز به رجل من الأدباء. فأهدى إليه مزودا فيه ملح طيب، ومزودا فيه أشنان جيد، وكتب إليه: إني كرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا أذكر فيها، فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته. وكتب إليه: بضاعتي تقصر عن همتي … وهمتي تقصر عن مالي فالملح والأشنان يا سيدي … أحسن ما يهديه أمثالي قال: فدخل بها الحسن بن سهل على المأمون فأعجبه ذلك وأمر بالزودين ففرغا وملئا دنانير وبعث بهما إلى ذلك الأديب. وولد للمأمون ابنه جعفر فدخل عليه الناس يهنئونه بصنوف التهاني ودخل بعض الشعراء فقال يهنيه بولده: مد لك الله الحياة مدا … حتى ترى ابنك هذا جدا

стр. 3896

ثم يفدى ما تفدى … كأنه أنت إذا تبدى أشبه منك قامة وقدا … مؤزرا بمجده مردا قال فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقدم عليه وهو بدمشق مال جزيل بعد ما كان قد أفلس وشكى إلى أخيه المعتصم ذلك، فوردت عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهم، فخرج يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال، ومعه يحيى بن أكثم القاضي، فلما دخلت البلد قال: ليس من المروءة أن نحوز نحن هذا كله والناس ينظرون. ثم فرق منه أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب لم ينزل عن فرسه. ومن لطيف شعره: لساني كتوم لأسراركم … ودمعي نموم لسري مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى … ولولا الهوى لم تكن لي دموع بعث خادما ليلة من الليالي ليأتيه بجارية فأطال الخادم عندما المكث، وتمنعت الجارية من المجئ إليه حتى يأتي إليها المأمون بنفسه، فأنشأ المأمون يقول: بعثتك مشتاقا (١) ففزت بنظرة … وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعدا … فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى ورددت طرفا في محاسن وجهها … ومتعت باستسماع نغمتها أذنا أرى أثرا منه بعينيك بينا … لقد سرقت (٢) عيناك من عينها حسنا ولما ابتدع المأمون ما ابتدع من التشيع والاعتزال، فرح بذلك بشر المريسي - وكان بشر هذا شيخ المأمون - فأنشأ يقول: قد قال مأموننا وسيدنا … قولا له في الكتب تصديق إن عليا أعني أبا حسن … أفضل من قد أقلت النوق بعد نبي الهدى وإن لنا … أعمالنا، والقران مخلوق فأجابه بعض العشراء من أهل السنة: يا أيها الناس لا قول ولا عمل … لمن يقول: كلام الله مخلوق ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر … ولا النبي ولم يذكره صديق ولم يقل ذاك إلا كل مبتدع … على الرسول وعند الله زنديق

стр. 3897

بشر أراد به إمحاق دينهم … لان دينهم والله ممحوق يا قوم أصبح عقل من خليفتكم … مقيدا وهو في الأغلال موثوق وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائل هذا فيؤدبه على ذلك، فقال: ويحك لو كان فقيها لأدبته ولكنه شاعر فسلت أعرض له. ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طرسوس استدعى بجارية كان يحبها وقد اشتراها في آخر عمره، فضمها إليه فبكت الجارية وقالت: قتلتني يا أمير المؤمنين بسفرك ثم أنشأت تقول: سأدعوك دعوة المضطر ربا … يثيب على الدعاء ويستجيب لعل الله أن يكفيك حربا … ويجمعنا كما تهوى القلوب فضمها إليه وأنشأ يقول متمثلا: فيها حسنها إذ يغسل الدمع كحلها … وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل صبيحة قالت في العتاب (١) قتلتني … وقتلي بما قالت هناك تحاول ثم أمر مسرورا الخادم بالاحسان إليها والاحتفاظ عليها حتى يرجع، ثم قال: نحن كما قال الأخطل: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت باطهار ثم ودعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه، ومات المأمون أيضا في غيبته هذه، فلما جاء نعيه إليها تنفست الصعداء وحضرتها الوفاة وأنشأت تقول وهي في السياق: إن الزمان سقانا من مرارته … بعد الحلاوة كاسات فأروانا أبدى لنا تارة منه فأضحكنا … ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا إنا إلى الله فيما لا يزال بنا … من القضاء ومن تلوين دنيانا دنيا تراها ترينا من تصرفها … ما لا يدوم مصافاة وأحزانا ونحن فيها كأنا لا يزايلنا … للعيش أحيا وما يبكون موتانا كانت وفاة المأمون بطرسوس في يوم الخميس وقت الظهر وقيل بعد العصر، لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين، وله من العمر نحو من ثمان وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته عشرين سنة وأشهرا، وصلى عليه أخوه المعتصم وهو ولي العهد من بعده، ودفن بطرسوس في دار خاقان الخادم، وقيل كانت وفاته يوم الثلاثاء، وقيل يوم الأربعاء لثمان بقين من هذه السنة. وقيل

стр. 3898

إنه مات خارج طرسوس بأربع مراحل فحمل إليها فدفن بها، وقيل إنه نقل إلى أذنة في رمضان فدفن بها فالله أعلم. وقد قال أبو سعيد المخزومي: هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون … شيئا أو ملكه المأسوس (١) خلفوه بعرصتي طرسوس … مثل ما خلفوا أباه بطوس وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم وكتب وصيته بحضرته وبحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والامراء والوزراء والكتاب. وفيها القول بخلق القرآن ولم يتب من ذلك بل مات عليه وانقطع عمله وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتب منه، وأوصى أن يكبر عليه الذي يصلي عليه خمسا، وأوصى المعتصم بتقوى الله والرفق بالرعية، وأوصاه أن يعتقد ما كان يعتقده أخوه المأمون في القرآن وأن يدعو الناس إلى ذلك، وأوصاه بعبد الله بن طاهر وأحمد بن إبراهيم وأحمد بن أبي دواد، وقال شاوره في أمورك ولا تفارقه، وإياك ويحيى بن أكثم أن تصحبه، ثم نهاه عنه وذمه وقال: خانني ونفر الناس عني ففارقته غير راض عنه. ثم أوصاه بالعلويين خيرا، أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن ميسئهم، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة. وقد ذكر ابن جرير للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها ابن عساكر مع كثرة ما يورده، وفوق كل ذي علم عليم. خلافة المعتصم بالله أبي إسحاق بن هارون بويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطرسوس يوم الخميس الثاني عشر (٢) من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان إذ ذاك مريضا، وهو الذي صلى على أخيه المأمون، وقد سعى بعض الأمراء في ولاية العباس بن المأمون فخرج عليهم العباس فقال: ما هذا الخلف (٣) البارد؟ أنا قد بايعت عمي المعتصم. فسكن الناس وخمدت الفتنة وركب البرد بالبيعة للمعتصم إلى الآفاق، وبالتعزية بالمأمون. فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طوانة، ونقل ما كان حول إليها من السلاح وغيره إلى حصون المسلمين، وأذن الفعلة بالانصراف إلى بلدانهم، ثم ركب المعتصم بالجنود قاصدا بغداد وصحبته العباس بن المأمون، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبهة عظيمة وتجمل تام. وفيها دخل خلق كثير من أهل همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجان في دين الخرمية، فتجمع منهم بشر كثير، فجهز إليهم المعتصم جيوشا كثيرة آخرهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب في جيش

стр. 3899

عظيم، وعقد له على الجبال، فخرج في ذي القعدة وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية، وأنه قهر الخرمية وقتل منهم خلقا كثيرا، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم، وعلى يدي هذا جرت فتنة الإمام أحمد وضرب بين يديه كما سيأتي بسط ذلك في ترجمة أحمد في سنة إحدى وأربعين ومائتين. وفيها توفي من الأعيان: بشر المريسي وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة أبو عبد الرحمن المريسي المتكلم شيخ المعتزلة، وأحد من أضل المأمون، وقد كان هذا الرجل ينظر أولا في شئ من الفقه، وأخذ عن أبي يوسف القاضي، وروى الحديث عنه وعن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وغيرهم، ثم غلب عليه علم الكلام، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه، وقال الشافعي: لئن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام. وقد اجتمع بشر بالشافعي عندما قدم بغداد. قال ابن خلكان: جدد القول بخلق القرآن وحكي عنه أقوال شنيعة، وكان مرجئيا وإليه تنسب المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنما هو علامة للكفر، وكان يناظر الشافعي وكان لا يحسن النحو، وكان يلحن لحنا فاحشا. ويقال: إن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة، وكان يسكن درب المريسي ببغداد. والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر. قال: ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة. وفيها توفي عبد الله بن يوسف الشيبي (١). وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي (٢). ويحيى بن عبد الله البابلتي (٣). وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري راوي السيرة عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق مصنفها، وإنما نسبت إليه فيقال سيرة ابن هشام، لأنه هذبها وزاد فيها ونقص منها، وحرر أماكن واستدرك أشياء. وكان إماما في اللغة والنحو، وقد كان مقيما بمصر واجتمع به الشافعي حين وردها، وتناشدا من أشعار العرب شيئا كثيرا.

стр. 3900

كانت وفاته بمصر لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، قاله ابن يونس في تاريخ مصر. وزعم السهيلي أنه توفي في سنة ثلاث عشرة كما تقدم فالله أعلم. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين فيها ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضى من آل محمد، واجتمع عليه خلق كثير وقاتله قواد عبد الله بن طاهر مرات متعددة، ثم ظهروا عليه وهرب فأخذ ثم بعث به إلى عبد الله بن طاهر فبعث به إلى المعتصم فدخل عليه للنصف من ربيع الآخر (١) فأمر به فحبس في مكان ضيق طوله ثلاثة أذرع في ذراعين، فمكث فيه ثلاثا، ثم حول لأوسع منه وأجرى عليه رزق ومن يخدمه، فلم يزل محبوسا هناك إلى ليلة عيد الفطر فاشتغل الناس بالعيد فدلي له حبل من كوة كان يأتيه الضوء منها، فذهب فلم يدر كيف ذهب وإلى أين صار من الأرض (٢). وفي يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى دخل إسحاق بن إبراهيم إلى بغداد راجعا من قتال الخرمية، ومعه أسارى منهم، وقد قتل في حربه منهم مائة ألف مقاتل. وفيها بعث المعتصم عجيفا في جيش كثيف لقتال الزط الذين عاثوا فسادا في بلاد البصرة، وقطعوا الطريق ونهبوا الغلات، فمكث في قتالهم تسعة أشهر فقهرهم وقمع شرهم وأباد خضراهم. وكان القائم بأمرهم رجل يقال له محمد بن عثمان ومعه آخر يقال له سملق، وهو داهيتهم وشيطانهم، فأراح الله المسلمين منه ومن شره. وفيها توفي سليمان بن داود الهاشمي شيخ الإمام أحمد. وعبد الله بن الزبير الحميدي صاحب المسند وتلميذ الشافعي وعلي بن عياش (٣). وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري. وأبو بحار الهندي. ثم دخلت سنة عشرين ومائتين من الهجرة في يوم عاشوراء منها دخل عجيف في السفن إلى بغداد ومعه من الزط سبعة وعشرون ألفا قد جاؤوا بالأمان إلى الخليفة، فأنزلوا في الجانب الشرقي ثم نفاهم إلى عين زربة (٤)، فأغارت الروم عليهم

стр. 3901

فاجتاحوهم عن آخرهم، ولم يفلت منهم أحد. فكان آخر العهد بهم. وفيها عقد المعتصم للأفشين واسمه حيدر بن كاوس على جيش عظيم لقتال بابك الخرمي لعنه الله، وكان قد استفحل أمره جدا، وقويت شوكته، وانتشرت أتباعه في أذربيجان وما والاها، وكان أول ظهوره في سنة إحدى ومائتين، وكان زنديقا كبيرا وشيطانا رجيما، فسار الأفشين وقد أحكم صناعة الحرب في الأرصاد وعمارة الحصون وإرصاد المدد، وأرسل إليه المعتصم مع بغا الكبير أموالا جزيلة نفقة لمن معه من الجند والاتباع، فالتقى هو وبابك فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل الأفشين من أصحاب بابك خلقا كثيرا أزيد من مائة ألف، وهرب هو إلى مدينته فأوى فيها مكسورا، فكان هذا أول ما تضعضع من أمر بابك، وجرت بينهما حروب يطول ذكرها، وقد استقصاها ابن جرير. وفيها خرج المعتصم من بغداد فنزل القاطول فأقام بها. وفيها غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة، وعزله عن الوزارة وحبسه وأخذ أمواله وجعل مكانه محمد بن عبد الملك بن الزيات (١). وحج بالناس فيها صالح بن علي بن محمد أمير السنة الماضية في الحج. وفيها توفي آدم بن أبي إياس (٢). وعبد الله بن رجاء (٣). وعفان بن مسلم (٤). وقالون (٥) أحد مشاهير القراء. وأبو حذيفة النهدي (٦). ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين فيها كانت وقعة هائلة بين بغا الكبير وبابك فهزم بابك بغا وقتل خلقا من أصحابه. ثم اقتتل الأفشين وبابك فهزمه أفشين وقتل خلقا من أصحابه بعد حروب طويلة قد استقصاها ابن جرير. وحج بالناس فيها نائب مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى العباسي.

стр. 3902

وفيها توفي عاصم بن علي. وعبد الله بن مسلمة القعنبي. وعبدان (١). وهشام بن عبيد الله الرازي. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائتين فيها جهز المعتصم جيشا كثيرا مددا للأفشين على محاربة بابك وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالا عظيما، وافتتح الأفشين البذ مدينة بابك واستباح ما فيها، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وذلك بعد محاصرة وحروب هائلة وقتال شديد وجهد جهيد. وقد أطال بن جرير بسط ذلك جدا. وحاصل الامر أنه افتتح البلد وأخذ جميع ما فيه من الأموال مما قدر عليه. ذكر مسك بابك لما احتوى المسلمون على بلده المسمى بالبذ وهي دار ملكه ومر سلطته هرب بمن معه من أهله وولده ومعه أمه وامرأته، فانفرد في شرذمة قليلة ولم يبق معهم طعام، فاجتازوا بحراث فبعث غلامه إليه وأعطاه ذهبا فقال: اعطه الذهب وخذ ما معه من الخبز، فنظر شريك الحراث إليه من بعيد وهو يأخذ منه الخبز، فظن أنه قد اغتصبه منه، فذهب إلى حصن هناك فيه نائب للخليفة يقال له سهل بن سنباط ليستعدي على ذلك الغلام، فركب بنفسه وجاء فوجد الغلام فقال: ما خبرك؟ فقال: لا شئ، إنما أعطيته دنانير وأخذت منه الخبز. فقال: ومن أنت؟ فأراد أن يعمي عليه الخبر فألح عليه فقال: من غلمان بابك، فقال: وأين هو؟ فقال: ها هو ذا جالس يريد الغداء. فسار إليه سهل بن سنباط فلما رآه ترجل وقبل يده وقال: يا سيدي أين تريد؟ قال: أريد أن أدخل بلاد الروم، فقال:: إلى عند من تذهب أحرز من حصني وأنا غلامك وفي خدمتك؟ وما زال به حتى خدعه وأخذه معه إلى الحصن فأنزله عنده وأجرى عليه النفقات الكثيرة والتحف وغير ذلك، وكتب إلى الأفشين يعلمه، فأرسل إليه أميرين لقبضه، فنزلا قريبا من الحصن وكتبا إلى ابن سنباط فقال: أقيما مكانكما حتى يأتيكما أمري. ثم قال لبابك: إنه قد حصل لك هم وضيق من هذا الحصن وقد عزمت على الخروج اليوم إلى الصيد ومعنا بزاة وكلاب، فإن أحببت أن تخرج معنا لتشرح صدرك وتذهب همك فافعل. قال: نعم! فخرجوا وبعث ابن سنباط إلى الأميرين أن كونوا مكان كذا وكذا في وقت كذا وكذا من النهار، فلما كانا

стр. 3903

بذلك الموضع أقبل الأميران بمن معهما من الجنود فأحاطوا ببابك وهرب ابن سنباط فلما رأوه جاؤوا إليه فقالوا: ترجل عن دابتك، فقال: ومن أنتما؟ فذكرا أنهم من عند الأفشين، فترجل حينئذ عن دابته وعليه دراعة بيضاء وخف قصير وفي يده باز، فنظر إلى ابن سنباط فقال: قبحك الله فهلا طلبت مني من المال ما شئت كنت أعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء! ثم أركبوه وأخذوه معهما إلى الأفشين، فلما اقتربوا منه خرج فتلقاه وأمر الناس أن يصطفوا صفين، وأمر بابك أن يترجل فيدخل بين الناس وهو ماش، ففعل ذلك، وكان يوما مشهودا جدا. وكان ذلك في شوال من هذه السنة. ثم احتفظ به وسجنه عنده. ثم كتب الأفشين إلى المعتصم بذلك فأمره أن يقدم به وبأخيه، وكان قد مسكه أيضا. وكان اسم أخي بابك عبد الله، فتجهز الأفشين بهما إلى بغداد في تمام هذه السنة ففرغت ولم يصل بهما إلى بغداد. وحج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره في التي قبلها. وفيها توفي أبو اليمان الحكم بن نافع (١). وعمر بن حفص بن غياث (٢). ومسلم بن إبراهيم (٣). ويحيى بن صالح الوحاظي (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين في يوم الخميس ثالث صفر منها دخل الأفشين وصحبته بابك على المعتصم سامرا، ومعه أيضا أخو بابك في تجمل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنه هارون الواثق أن يتلقى الأفشين وكانت أخباره تفد إلى المعتصم في كل يوم من شدة اعتناء المعتصم بأمر بابك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابك بيومين على البريد حتى دخل إلى بابك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع، فلما كان يوم دخوله عليه تأهب المعتصم واصطف الناس سماطين وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أمره ويعرفوه، وعليه قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة، وقد هيأوا الفيل وخضبوا أطرافه ولبسوه من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئا كثيرا، وقد قال فيه بعضهم (٥): قد خضب الفيل كعاداته … يحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه … إلا لذي شأن من الشأن ولما أحضر بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه وجز رأسه وشق بطنه، ثم أمر بحمل رأسه

стр. 3904

إلى خراسان وصلب جثته على خشبة بسامرا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قتله وهي ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة. وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره - وهي عشرون سنة - مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان - قاله ابن جرير - وأسر خلقا لا يحصون، وكان جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحوا من سبعة آلاف وستمائة إنسان، وأسر من أولاده سبعة عشر رجلا، ومن حلائله وحلائل أولاده ثلاث وعشرين امرأة من الخواتين، وقد كان أصل بابك من جارية زرية الشكل جدا، فآل به الحال إلى ما آل به إليه، ثم أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم غفير من العوام الطغام. ولما قتله المعتصم توج الأفشين وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها البذ وتركه إياها قيعانا وخرابا. فقالوا في ذلك فأحسنوا، وكان من جملتهم أبو تمام الطائي وقد أورد قصيدته بتمامها ابن جرير وهي قوله: بذ الجلاد البذ فهو دفين … ما إن بها إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر في … هيجاء إلا عز هذا الدين قد كان عذرة سؤدد فافتضها … بالسيف فحل المشرق الأفشين فأعادها تعوي الثعالب وسطها … ولقد ترى بالأمس وهي عرين هطلت عليها من جماجم أهلها … ديم إمارتها طلى وشؤون كانت من المهجات قبل مفازة … عسرا فأضحت وهي منه معين وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث وعشرين ومائتين - أوقع ملك الروم توفيل بن ميخائيل بأهل ملطية من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيرا من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من جملة من أسر ألف مرأة من المسلمات. ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم قبحه الله. وكان سبب ذلك أن بابك لما أحيط به في مدينة البذ استوسقت الجيوش حوله وكتب إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهز إلي جمهور جيشه ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة فانهض سريعا إلى ما حولك من بلاده فخذها فإنك لا تجد أحدا يمانعك عنها. فركب توفيل بمائة ألف وانضاف إليه المحمرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلم يقدر عليهم لأنهم تحصنوا بتلك الجبال فلما قدم ملك الروم صاروا معه على المسلمين فوصلوا إلى ملطية فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وأسروا نساءهم، فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج لذلك جدا وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره وأمر بتعبئة الجيوش واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقة وثلثه لولده وثلثه لمواليه. وخرج من بغداد فعسكر غربي دجلة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى ووجه بين

стр. 3905

يديه عجيفا وطائفة من الأمراء ومعهم خلق من الجيش إعانة لأهل زبطرة، فأسرعوا السير فوجدوا ملك الروم قد فعل ما فعل وانشمر راجعا إلى بلاده، وتفارط الحال ولم يمكن الاستدراك فيه، فرجعوا إلى الخليفة لاعلامه بما وقع من الامر، فقال للأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الاسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية. فتح عمورية على يد المعتصم لما تفرغ المعتصم من بابك وقتله وأخذ بلاده استدعى بالجيوش إلى بين يديه وتجهز جهازا لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والاحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئا لم يسمع بمثله، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال، وبعث الأفشين حيدر بن كاوس من ناحية سروج، وعبى جيوشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب، فانتهى في سيره إلى نهر اللسى (١) وهو قريب من طرسوس، وذلك في رجب من هذه السنة. وقد ركب ملك الروم في جيشه فقصد نحو المعتصم فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل الأفشين بلاد الروم من ناحية أخرى، فجاؤوا في أثره وضاق ذرعه بسبب ذلك إن هو ناجز الخليفة جاءه الأفشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك، وإن اشتغل بأحدهما وترك الآخر أخذه من خلفه. ثم اقترب منه الأفشين فسار إليه ملك الروم في شرذمة من جيشه واستخلف على بقية جيشه قريبا له فالتقيا هو والأفشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها، فثبت الأفشين في ثاني الحال وقتل من الروم خلقا وجرح آخرين، وتغلب على ملك الروم وبلغه أن بقية الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه فأسرع الأوبة فإذا نظام الجيش قد انحل، فغضب على قرابته وضرب عنقه وجاءت الاخبار بذلك كله إلى المعتصم فسره ذلك وركب من فوره وجاء إلى أنقرة ووافاه الأفشين بمن معه إلى هناك، فوجدوا أهلها قد هربوا منه فتقووا منها بما وجدوا من طعام وغيره، ثم فرق المعتصم جيشه ثلاث فرق فالميمنة عليها الأفشين، والميسرة عليها اشناس، والمعتصم في القلب، وبين كل عسكرين فرسخان، وأمر كل أمير من الأفشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنة وميسرة وقلبا ومقدمة وساقة، وأنهم مهما مروا عليه من القرى حرقوه وخربوه وأسروا وغنموا، وسار بهم كذلك قاصدا إلى عمورية، وكان بينها وبين مدينة أنقرة سبع مراحل، فأول من وصل إليها من الجيش أشناس أمير الميسرة ضحوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان من هذه السنة، فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها، ثم قدم المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعده، فدار حولها دورة ثم نزل قريبا منها، وقد تحصن أهلها تحصنا شديدا وملأوا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جدا ذات سور

стр. 3906

منيع وأبراج عالية كبار كثيرة. وقسم المعتصم الأبراج على الأمراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشد إليه، أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين، وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الاسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبني بناء ضعيفا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير، فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر فلم تغن شيئا، وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ. فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم فلما اجتازوا بالجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما ممن أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان - لأمير سموه من أمراء المسلمين - فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب مناطس (١) نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائنا في ذلك ما كان. فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة، فأسلما من فورهما فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع، وأن يوقفا تحت حصن مناطس فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما. ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة فضاقت الروم ذرعا بذلك، وألح عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبابات وغير ذلك من آلات الحرب. ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور، وكان قد غنم في الطريق غنما كثيرا جدا ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأسا ويجئ بملء جلده ترابا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقا ممهدا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك. وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس: إنما ذلك سقوط السور. ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، لكن لم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا. وقوي الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرا يحفظه، فضعف ذلك الأمير الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار، فذهب إلى مناطس فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا: لا نترك ما نحن موكلون في حفظه.

стр. 3907

فلما يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به. فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرا وتتابع المسلمون إليها يكبرون، وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسرا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب، وهو مناطس في حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه مناطس فناداه المنادي ويحك يا مناطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك. فقالوا: ليس بمناطس ههنا مرتين. فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس هذا مناطس هذا مناطس. فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلعت الرسل إليه فقالوا له: ويحك انزل على حكم أمير المؤمنين. فتمنع ثم نزل متقلدا سيفا فوضع السيف في عنقه ثم جئ به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشي إلى مضرب الخليفة مهانا إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل، فأوثق هناك. وأخذ المسلمون من عمورية أموالا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بها الروم على شئ من حرب المسلمين، ثم انصرف المعتصم راجعا إلى ناحية طرسوس في آخر شوال من هذه السنة. وكانت إقامته على عمورية خمسة وعشرين (١) يوما. مقتل العباس بن المأمون كان العباس مع عمه المعتصم في غزوة عمورية، وكان عجيف بن عنبسة قد ندمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون بطرسوس حين مات بها، ولامه على مبايعته عمه المعتصم (٢)، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمه وأخذ البيعة من الأمراء له، وجهز رجلا يقال له الحارث السمرقندي وكان نديما للعباس، فأخذ له البيعة من جماعة من الأمراء في الباطن، واستوثق منهم وتقدم إليهم أنه يلي الفتك بعمه، فلما كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقرة ومنها إلى عمورية، أشار عجيف على العباس أن يقتل عمه في هذا المضيق ويأخذ له البيعة ويرجع إلى بغداد، فقال العباس: إني أكره أن أعطل على الناس هذه الغزوة، فلما فتحوا عمورية واشتغل الناس بالمغانم أشار عليه أن يقتله فوعده مضيق الدرب إذا رجعوا، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر فأمر بالاحتفاظ وقوة الحرس وأخذ بالحزم واجتهد

стр. 3908

بالعزم، واستدعى بالحارث السمرقندي فاستقره فأقر له بجملة الامر، وأخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعة من الأمراء أسماهم له، فاستكثرهم المعتصم واستدعى بابن أخيه العباس فقيده وغضب عليه وأهانه، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه، فأرسله من القيد وأطلق سراحه، فلما كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلس شرابه واستخلى به حتى سقاه واستحكاه عن الذي كان قد دبره من الامر، فشرح له القضية، وذكر له القصة، فإذا الامر كما ذكر الحارث السمرقندي. فلما أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيا فذكرها له كما ذكرها أول مرة، فقال: ويحك إني كنت حريصا على ذلك فلم أجد إلى ذلك سبيلا بصدقك إياي في هذه القصة. ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسلم إلى الأفشين، وأمر بعجيف وبقية الأمراء الذين ذكرهم فاحتفظ عليهم، ثم أخذهم بأنواع النقمات التي اقترحها لهم، فقتل كل واحد منهم بنوع لم يقتل به الآخر، ومات العباس بن المأمون بمنبج فدفن هناك، وكان سبب موته أنه أجاعه جوعا شديدا، ثم جئ بأكل كثير فأكل منه وطلب الماء فمنع حتى مات، وأمر المعتصم بلعنه على المنبر وسماه اللعين. وقتل جماعة من ولد المأمون أيضا. وحج بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفي من الأعيان. بابك الخرمي قتل وصلب كما قدمنا. وخالد بن خداش (١) وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد. ومحمد بن سنان العوفي (٢). وموسى بن إسماعيل (٣). ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل بآمل طبرستان يقال له مازيار بن قارن بن يزداهرمز (٤)، وكان لا يرضى أن يدفع الخراج إلى نائب خراسان عبد الله بن طاهر بن الحسين، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه، فيبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد ليقبضه منه ثم يدفعه إلى ابن طاهر، ثم آل أمره إلى أن وثب على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم. وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابك الخرمي ويعده بالنصر. ويقال إن الذي قوى رأس مازيار على ذلك الأفشين ليعجز عبد الله بن طاهر عن مقاومته فيوليه المعتصم بلاد خراسان مكانه، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب - أخا

стр. 3909

إسحاق بن إبراهيم - في جيش كثيف فجرت بينهم حروب طويلة استقصاها ابن جرير، وكان آخر ذلك أسر المازيار وحمله إلى ابن طاهر، فاستقره عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقربها، فأرسله إلى المعتصم وما معه من أمواله التي احتفظت للخليفة، وهي أشياء كثيرة جدا، من الجواهر والذهب والثياب. فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها، فأمر به فضرب بالسياط حتى مات وصلب إلى جانب بابك الخرمي على جسر بغداد، وقتل عيون أصحابه وأتباعه. وفيها تزوج الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامرا في جمادى، وكان عرسا حافلا، وليه المعتصم بنفسه، حتى قيل إنهم كانوا يخضبون لحا العامة بالغالية. وفيها خرج منكجور الاشروسني قرابة الأفشين بأرض أذربيجان وخلع الطاعة، وذلك أن الأفشين كان قد استنابه على بلاد أذربيجان حتن فرغ من أمر بابك، فظفر منكجور بمال عظيم مخزون لبابك في بعض البلدان، فأخذه لنفسه وأخفاه عن المعتصم، وظهر على ذلك رجل يقال له عبد الله بن عبد الرحمن، فكتب إلى الخليفة في ذلك فكتب منكجور يكذبه في ذلك، وهم به ليقتله فامتنع منه بأهل أردبيل. فلما تحقق الخليفة كذب منكجور بعث إليه بغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة. وفيها مات مناطس الرومي نائب عمورية، وذلك أن المعتصم أخذه معه أسيرا فاعتقله بسامرا حتى مات في هذه السنة. وفي رمضان منها مات إبراهيم بن المهدي بن المنصور عن المعتصم ويعرف بابن شكله، وكان أسود اللون ضخما فصيحا فاضلا، قال ابن ماكولا: وكان يقال له الصيني - يعني لسواده - وقد كان ترجمه ابن عساكر ترجمة حافلة، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن الرشيد أخيه مدة سنتين ثم عزله عنها ثم أعاده إليها الثانية فأقام بها أربع سنين. وذكر من عدله وصرامته أشياء حسنة، وأنه أقام للناس الحج سنة أربع وثمانين، ثم عاد إلى دمشق، ولما بويع بالخلافة في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومائتين قاتله الحسن بن سهل نائب بغداد، فهزمه إبراهيم هذا، فقصده حميد الطوسي فهزم إبراهيم واختفى إبراهيم ببغداد حين قدمها المأمون، ثم ظفر به المأمون فعفا عنه وأكرمه. وكانت مدة ولايته الخلافة سنة وأحد عشر شهرا واثنا عشر يوما، وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، فمكث مختفيا ست سنين وأربعة أشهر وعشرا. قال الخطيب: كان إبراهيم بن المهدي هذا وافر الفضل غزير الأدب واسع النفس سخي الكف، وكان معروفا بصناعة الغناء، حاذقا فيها وقد قل المال عليه في أيام خلافته ببغداد فألح الاعراب عليه في أعطياتهم فجعل يسوف بهم. ثم خرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مال عنده اليوم، فقال بعضهم: فليخرج الخليفة إلينا فليغن لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات. فقال في ذلك دعبل شاعر المأمون يذم إبراهيم بن المهدي: يا معشر الاعراب لا تغلطوا … خذوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعطيكم حنينية … لا تدخل الكيس ولا تربط والمعبديات لقوادكم … وما بهذا أحد يغبط

стр. 3910

فهكذا يرزق أصحابه … خليفة مصحفه البربط (١) وكتب إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل عفو، كما جعل كل ذي نسب دونه، فإن عفا فبفضله وإن عاقب فبحقه. فوقع المأمون في جواب ذلك. القدرة تذهب الحفيظة وكفى بالندم إنابة وعفو الله أوسع من كل شئ. ولما دخل عليه أنشأ يقول: إن أكن مذنبا فحظي أخطأت … فدع عنك كثرة التأنيب قل كما قال يوسف لبني يعقو … ب لما أتوه لا تثريب فقال المأمون: لا تثريب. وروى الخطيب أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون شرع يؤنبه على ما فعل فقال: يا أمير المؤمنين حضرت أبي وهو جدك وقد أتي برجل ذنبه أعظم من ذنبي فأمر بقتله فقال مبارك بن فضالة: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تؤخر قتل هذا الرجل حتى أحدثك حديثا، فقال: قل. فقال: حدثني الحسن البصري عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ليقم العافون عن الناس من الخلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا من عفا ". فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله وعفوت عنك يا عم. وقد ذكرنا في سنة أربع ومائتين زيادة على هذا. وكانت أشعاره جيدة بليغة سامحه الله. وقد ساق من ذلك ابن عساكر جانبا جيدا. كان مولد إبراهيم هذا في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومائة، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون (٢) من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة. وفيها توفي سعيد بن أبي مريم المصري. وسليمان بن حرب (٣). وأبو معمر المقعد (٤). وعلي بن محمد المدائني الاخباري أحد أئمة هذا الشأن في زمانه. وعمرو بن مرزوق شيخ البخاري. وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأة. وأبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقرآن والاخبار وأيام الناس، له المصنفات المشهورة المنتشرة بين الناس، حتى يقال إن الإمام أحمد كتب كتابه

стр. 3911

في الغريب بيده، ولما وقف عليه عبد الله بن طاهر رتب له في كل شهر خمسمائة درهم، وأجراها على ذريته من بعده. وذكر ابن خلكان: أن ابن طاهر استحسن كتابه وقال: ما ينبغي لعقل بعث صاحبه على تصنيف هذا الكتاب أن نحوج صاحبه إلى طلب المعاش. وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر. وقال محمد بن وهب المسعودي: سمعت أبا عبيد يقول: مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة. وقال هلال بن العلاء (١) الرقي: من الله على المسلمين بهؤلاء الأربعة: الشافعي تفقه في الفقه والحديث، وأحمد بن حنبل في المحنة، ويحيى بن معين في نفي الكذب، وأبو عبيد في تفسير غريب الحديث. ولولا ذلك لاقتحم الناس المهالك. وذكر ابن خلكان أن أبا عبيد ولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئا كثيرا. وقد روى الغريب عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وابن الأعرابي، والفراء والكسائي وغيرهم وقال إسحاق بن راهويه: نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا. وقدم بغداد وسمع الناس منه ومن تصانيفه. وقال إبراهيم الحربي: كان كأنه جبل نفخ فيه روح، يحسن كل شئ. وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا دينا ربانيا عالما متقنا؟ (٢) في أصناف علوم أهل الايمان والاتقان والاسلام: من القرآن والفقه والعربية والأحاديث، حسن الرواية صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن عليه في شئ من علمه وكتبه، وله كتاب الأموال وكتاب فضائل القرآن ومعانيه، وغير ذلك من الكتب المنتفع بها ﵀. توفي في هذه السنة قاله البخاري. وقيل في التي قبلها بمكة، وقيل بالمدينة. وله سبع وستون سنة. وقيل جاوز السبعين فالله أعلم. ومحمد بن عثمان أبو الجماهر الدمشقي الكفرتوتي (٣) أحد مشايخ الحديث. ومحمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي الملقب بعارم شيخ البخاري، ومحمد بن عيسى بن الطباع (٤). ويزيد بن عبد ربه الجرجسي الحمصي شيخها في زمانه.

стр. 3912

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين فيها دخل بغا الكبير ومعه منكجور قد أعطى الطاعة بالأمان. وفيها عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وغضب عليه وولى اليمن ايتاخ. وفيها وجه عبد الله بن طاهر بالمازيار فدخل بغداد على بغل باكاف فضربه المعتصم بين يديه أربعمائة وخمسين سوطا ثم سقي الماء حتى مات، وأمر بصلبه إلى جنب بابك، وأقر في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسن له خلع الطاعة، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه، فبنى له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمى الكوة، إنما تسعه فقط، وذلك لما تحقق أنه يريد مخالفته والخروج عليه، وأنه قد عزم على الذهاب لبلاد الخزر ليستجيش بهم على المسلمين فعاجله الخليفة بالقبض عليه قبل ذلك كله وعقد له المعتصم مجلسا فيه قاضيه أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فاتهم الأفشين في هذا المجلس بأشياء تدل على أنه باق على دين أجداده من الفرس. منها أنه غير مختتن فاعتذر أنه يخاف ألم ذلك، فقال له الوزير - وهو الذي كان يناظره من بين القوم - فأنت تطاعن بالرماح في الحروب ولا تخاف من طعنها وتخاف من قطع قلفة ببدنك؟ ومنها أنه ضرب رجلين إماما ومؤذنا كل واحد ألف سوط لأنهما هدما بيت أصنام فاتخذاه مسجدا. ومنها أنه عنده كتاب كليلة ودمنة مصورا فيه الكفر وهو محلى بالجواهر والذهب، فاعتذر أنه ورثه من آبائهم. واتهم بأن الأعاجم يكاتبونه وتكتب إليه في كتبها: أنت إله الآلهة من العبيد، وأنه يقرهم على ذلك. فجعل يعتذر بأنه أجراهم على ما كانوا يكاتبون به أباه وأجداده، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتضع عندهم فقال له الوزير: ويحك فماذا أبقيت لفرعون حين قال: أنا ربكم الاعلى؟ وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرج عن الطاعة وأنه في ضيق حتى ينصر دين المجوس الذي كان قديما ويظهره على دين العرب، وأنه كان يستطيب المنخنقة على المذبوحة، وأنه كان في كل يوم أربعاء يستدعي بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين ويمشي بينهما ثم يأكلها، فعند ذلك أمر المعتصم بغا الكبير أن يسجنه مهانا ذليلا فجعل يقول: إني كنت أتوقع منكم ذلك. وفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وزوجته أترجة بنت أشناس إلى سامرا. وحج بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفي من الأعيان أصبغ بن الفرج (١)، وسعدويه (٢)، ومحمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري، وأبو عمر الجرمي، وأبو دلف (٣) العجلي التميمي الأمير أحد الأجواد.

стр. 3913

وسعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط البلخي ثم البصري النحوي، أخذ النحو عن سيبويه وصنف كتبا كثيرة منها كتاب في معاني القرآن، وكتاب الأوسط في النحو وغير ذلك، وله كتاب في العروض زاد فيه بحر الخبب على الخليل، وسمي الأخفش لصغر عينيه وضعف بصره، وكان أيضا أدلغ، وهو الذي لا يضم شفتيه على أسنانه، كان أولا يقال له الأخفش الصغير بالنسبة إلى الأخفش الكبير، أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهجري، شيخ سيبويه وأبي عبيدة، فلما ظهر علي بن سليمان ولقب بالأخفش أيضا صار سعيد بن مسعدة هو الأوسط، والهجري الأكبر، وعلي بن سليمان الأصغر. وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين. الجرمي النحوي وهو صالح بن إسحاق البصري، قدم بغداد وناظر بها الفراء، وكان قد أخذ النحو عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وصنف كتبا منها الفرخ - يعني فرخ كتاب سيبويه - وكان فقيها فاضلا نحويا بارعا عالما باللغة حافظا لها، دينا ورعا حسن المذهب، صحيح الاعتقاد وروى الحديث. ذكره ابن خلكان وروى عنه المبرد، وذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين في شعبان منها توفي الأفشين في الحبس فأمر به المعتصم فصلب ثم أحرق وذري رماده في دجلة واحتيط على أمواله وحواصله فوجدوا فيها أصناما مكللة بذهب وجواهر، وكتبا في فضل دين المجوس وأشياء كثيرة كان يتهم بها، تدل على كفره وزندقته، وتحقق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى دين آبائه المجوس. وحج بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفي إسحاق الفروي، وإسماعيل بن أبي أويس (١)، ومحمد بن داود صاحب التفسير، وغسان بن الربيع (٢)، ويحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم بن الحجاج، ومحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين.

стр. 3914

وأبو دلف العجلي عيسى (١) بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزيز (٢) بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لحيم الأمير أبو دلف العجلي أحد قواد المأمون والمعتصم وإليه ينسب الأمير أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب الاكمال. وكان القاضي جلال الدين خطيب دمشق القزويني يزعم أنه من سلالته، ويذكر نسبه إليه، وكان أبو دلف هذا كريما جوادا ممدحا، قد قصده الشعراء من كل أوب، وكان أبو تمام الطائي من جملة من يغشاه ويستمنح نداه، وكانت لديه فضيلة في الأدب والغناء، وصنف كتبا منها سياسة الملوك، ومنها في الصيد والبزاة. وفي السلاح وغير ذلك. وما أحسن ما قيل فيه بكر بن النطاح الشاعر: يا طالبا للكيمياء وعلمه … مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم … ومدحته لأتاك ذاك الدرهم فيقال: إنه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، وكان شجاعا فاتكا، وكان يستدين ويعطي، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكرخ فمات ولم يتمها فأتمها أبو دلف، وكان فيه تشيع، وكان يقول: من لم يكن متغاليا في التشيع فهو ولد زنا. فقال له ابنه دلف: لست على مذهبك يا أبة. فقال: والله لقد وطئت أمك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك. وقد ذكر ابن خلكان: أن ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتيا أتاه فقال: أجب الأمير! قال فقمت معه فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والأبواب. ثم أصعدني في درج منها ثم أدخلني غرفة، وإذا في حيطانها أثر النيران، وفي أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي فيها وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم: أدلف؟ فقلت دلف. فأنشأ يقول: أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم … ما لقينا في البرزخ الخناق قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا … فارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم! ثم أنشأ يقول: فلو أنا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعده عن كل شئ ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وانتبهت.

стр. 3915

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل من أهل الثغور بالشام (١) يقال له أبو حرب المبرقع اليماني، فخلع الطاعة ودعا إلى نفسه. وكان سبب خروجه أن رجلا من الجند أراد أن ينزل في منزله عند امرأته في غيبته فمانعته المرأة فضربها الجندي في يدها فأثرت الضربة في معصمها. فلما جاء بعلها أبو حرب أخبرته فذهب إلى الجندي وهو غافل فقتله ثم تحصن في رؤوس الجبال وهو مبرقع، فإذا جاء أحد دعاه إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويذم من السلطان، فاتبعه على ذلك خلق كثير من الحراثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام، فاستفحل أمره جدا، واتبعه نحو من مائة ألف مقاتل، فبعث إليه المعتصم وهو في مرض موته جيشا نحوا من (٢) مائة ألف مقاتل، فلما قدم أمير المعتصم بمن معه وجدهم أمة كثيرة وطائفة كبيرة، قد اجتمعوا حول أبي حرب، فخشي أن يواقعه والحالة هذه، فانتظر إلى أيام حرث الأراضي فتفرق عنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شرذمة قليلة فناهضه فأسره وتفرق عن أصحابه، وحمله أمير السرية وهو رجاء بن أيوب حتى قدم به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخره عن مناجزته أول ما قدم الشام، فقال: كان معه مائة ألف أو يزيدون، فلم أزل أطاوله حتى أمكن الله منه، فشكره على ذلك. وفيها في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور. وهذه ترجمته هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي يقال له المثمن لأنه ثامن ولد العباس، وأنه ثامن الخلفاء من ذريته، ومنها أنه فتح ثمان فتوحات، ومنها أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وقيل ويومين، وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن من السنة، وأنه توفي وله من العمر ثمانية وأربعون سنة، ومنها أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات، ومنها أنه دخل بغداد من الشام في مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة بعد موت أخيه المأمون، قالوا: وكان أميالا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتاب غلام فمات الغلام فقال له أبو الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكتاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكتاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكتاب. فتركوه فكان أميا، وقيل بل كان يكتب كتابة

стр. 3916

ضعيفة. وقد أسند الخطيب من طريقه عن آبائه حديثين منكرين أحدهما في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء. والثاني في النهي عن الحجامة يوم الخميس. وذكر بسنده عن المعتصم أن ملك الروم كتب إليه كتابا يتهدده فيه فقال للكاتب اكتب: قد قرأت كتابك وفهمت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. قال الخطيب: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، وفتح عمورية وقتل من أهلها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقا، وطرح النار في عمورية في سائر نواحيها فأحرقها وجاء بنائبها إلى العراق وجاء ببابها أيضا معه وهو منصوب حتى الآن على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر. وروي عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي أنه قال: ربما أخرج المعتصم ساعده إلي وقال لي: عض يا أبا عبد الله بكل ما تقدر عليه، فأقول إنه لا تطيب نفسي يا أمير المؤمنين أن أعض ساعدك، فيقول: إنه لا يضرني. فأكدم بكل ما أقدر عليه فلا يؤثر ذلك في يده. ومر يوما في خلافة أخيه بمخيم الجند فإذا امرأة تقول: ابني ابني، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: ابني أخذه صاحب هذه الخيمة. فجاء إليه المعتصم فقال له: أطلق هذا الصبي، فامتنع عليه فقبض على جسده بيده فسمع صوت عظامه مت تحت يده، ثم أرسله فسقط ميتا وأمر بإخراج الصبي إلى أمه. ولما ولي الخلافة كان شهما وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وإنما كانت نهمته في الانفاق في الحرب لا في البناء ولا في غيره. وقال أحمد بن أبي دؤاد: تصدق المعتصم على يدي ووهب ما قيمته مائة ألف ألف درهم. وقال غيره: كان المعتصم إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت يوما على المعتصم وعنده قينة له تغنيه فقال لي: كيف تراها؟ فقلت له: أراها تقهره بحذق، وتجتله برفق، ولا تخرج من شئ إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور، أحسن من نظم الدر على النحور. فقال: والله لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها. ثم قال لابنه هارون الواثق ولي عهده من بعده: اسمع هذا الكلام. وقد استخدم المعتصم من الأتراك خلقا عظيما كان له من المماليك الترك قريب من عشرين ألفا، وملك من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره. وما حضرته الوفاة جعل يقول (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) [الانعام: ٤٤] وقال: لو علمت أن عمري قصير ما فعلت. وقال: إني أحدث هذا الخلق، وجعل يقول: ذهبت الحيل فلا حيلة. وروى عنه أنه قال في مرض موته: اللهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي. كانت وفاته بسر من رأي في يوم الخميس ضحى لسبع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومائتين - وكان مولده يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومائة، وولي الخلافة في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا

стр. 3917

مشرب اللون، أمه أم ولد اسمها ماردة، وهو أحد أولاد ستة من أولاد الرشيد، كل منهم أسمه محمد، وهم أبو إسحاق محمد المعتصم، وأبو العباس محمد الأمين، وأبو عيسى محمد، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب. قاله هشام بن الكلبي. وقد ولي الخلافة بعده ولده هارون الواثق. وقد ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه فقال: قد قلت إذ غيبوك واصطفقت … عليك أيدي التراب (١) والطين إذهب فنعم الحفيظ (٢) كنت على ال … دنيا ونعم الظهير (٢) للدين لا جبر الله أمة فقدت … مثلك إلا بمثل هارون وقال مروان بن أبي الجنوب - وهو ابن أخي (٣) حصفة -: أبو إسحاق مات ضحى فمتنا … وأمسينا بهارون حيينا لئن جاء الخميس بما كرهنا … لقد جاء الخميس بما هوينا خلافة هارون الواثق بن المعتصم بويع له بالخلافة قبل موت أبيه يوم الأربعاء لثمان خلون من ربيع الأول (٤) من هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومائتين - ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس، وقد خرجت في هذه السنة قاصدة الحج فماتت بالحيرة ودفن بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لأربع خلون من ذي القعدة من هذه السنة، وكان الذي أقام للناس الحج فيها جعفر بن المعتصم. وفيها توفي ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكان مدة ملكه ثنتي عشرة سنة، فملكت الروم بعده امرأته تدورة. وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا. وفيها توفي: بشر الحافي الزاهد المشهور وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي، نزيل بغداد. قال ابن خلكان: وكان اسم جده عبد الله الغيور (٥)، أسلم

стр. 3918

على يدي علي بن أبي طالب. قلت: وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومالك، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم. وعنه جماعة منهم أبو خيثمة، وزهير بن حرب، وسري السقطي، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتم. قال محمد بن سعد: سمع بشر كثيرا ثم اشتغل بالعبادة واعتزل الناس ولم يحدث. وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهادته وورعه ونسكه وتقشفه. قال الإمام أحمد يوم بلغه موته: لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوج لتم أمره. وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله. وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل. ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شئ. وذكر غير واحد أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك ههنا ملقى يداس! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تنال، فأحيى الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة. ومن كلامه: من أحب الدنيا فليتهيأ للذل. وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له: أما لك أدم؟ فقال: بل أذكر العافية فأجعلها أدما. وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل من ذا؟ فقال: بشر الحافي. فقالت له جارية صغيرة: لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم الحافي. قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذاء فطلب منه شراكا لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس؟ فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا. قال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم عاشوراء، وقيل في رمضان ببغداد، وقيل بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل في سنة ست وعشرين والأول أصح والله أعلم. وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة. وكان على المدائني وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلا صوته في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وقد روي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكنه. وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال غفر لي ولكل من أحبني إلى يوم القيامة. وذكر الخطيب أنه كان له أخوات ثلاث وهن: مخة، ومضغة، وزبدة. وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعا أيضا. ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل علي عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزي للمشتري. وقالت له مرة إحداهن: ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك. فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى؟ قال لا! إنما هو شكوى إلى الله . ثم خرجت فقال لابنه عبد

стр. 3919

الله: يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة؟ قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته مخة. وروى الخطيب أيضا عن زبدة قالت: جاء ليلة أخي بشر فدخل برجله في الدار وبقيت الأخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح، فقيل له فيم تفكرت ليلتك؟ فقال: تفكرت في بشر النصراني وبشر اليهودي وبشر المجوسي وفي نفسي لان أسمي بشر، فقلت في نفسي: ما الذي سبق لي من الله حتى خصني بالاسلام من بينهم؟ فتفكرت في فضل الله علي وحمدته أن هداني للاسلام، وجعلني ممن خصه به، وألبسني لباس أحبابه وقد ترجمه ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال، وقد ذكر له أشعارا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات: تعاف القذى في الماء لا تستطيعه … وتكرع من حوض الذنوب فتشرب وتؤثر من أكل الطعام ألذه … ولا تذكر المختار من أين يكسب وترقد يا مسكين فوق نمارق … وفي حشوها نار عليك تلهب فحتى متى لا تستفيق جهالة … وأنت ابن سبعين بدينك تلعب وممن توفي فيها أحمد بن يونس (١)، وإسماعيل بن عمرو البجلي (٢)، وسعيد بن منصور صاحب السنن المشهورة التي لا يشاركه فيها إلا القليل، ومحمد بن الصباح الدولابي. وله سنن أيضا. وأبو الوليد الطيالسي (٣)، وأبو الهذيل العلاف المتكلم المعتزلي. والله أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين في رمضان منها خلع الواثق على أشناس الأمير، وتوجه وألبسه وشاحين من جوهر وحج بالناس فيها محمد بن داود الأمير. وغلا السعر على الناس في طريق مكة جدا، وأصابهم حر شديد وهم بعرفة، ثم أعقبه برد شديد ومطر عظيم، كل ذلك في ساعة واحدة، ونزل عليهم وهم بمنى مطر لم ير مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت جماعة من الحجاج. قال ابن جرير: وفيها مات أبو الحسن المدائني أحد أئمة هذا الشأن في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصلي. وحبيب بن أوس الطائي أبو تمام الشاعر.

стр. 3920

قلت أما أبو الحسن المدائني فاسمه علي بن المدائني أحد أئمة هذا الشأن، وإمام الأخباريين في زمانه، وقد قدمنا ذكر وفاته قبل هذه السنة. وأما: أبو تمام الطائي الشاعر صاحب الحماسة التي جمعها في فضل النساء بهمدان في دار وزيرها. فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى أبو تمام الطائي الشاعر الأديب. ونقل الخطيب عن محمد بن يحيى الصولي: أنه حكى عن بعض (١) الناس أنهم قالوا: أبو تمام حبيب بن تدرس (٢) النصراني، فسماه أبوه حبيب أوس بدل تدرس. قال ابن خلكان: وأصله من قرية جاسم من عمل الجيدور بالقرب من طبرية، وكان بدمشق يعمل عند حائك، ثم سار به إلى مصر في شبيبته. وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ ابن عساكر، وقد ترجم له أبو تمام ترجمة حسنة. قال الخطيب: وهو شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس بعض الأدباء فأخذ عنهم وكان فطنا فهما، وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه وهو بسر من رأى، فعمل فيه قصائد فأجازه وقدمه على شعراء وقته، قدم بغداد فجالس الأدباء وعاشر العلماء، وكان موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق. وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر أخبارا بسنده. قال ابن خلكان: كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك، وكان يقال: في طئ ثلاثة: حاتم في كرمه (٣)، وداود الطائي في زهده، وأبو تمام في شعره. وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص، ودعبل، وابن أبي قيس، وكان أبو تمام من خيارهم دينا وأدبا وأخلاقا. ومن رقيق شعره قوله: يا حليف الندى وما معدن الجود … ويا خير من حويت القريضا ليت حماك بي وكان لك الأجر … فلا تشكي وكنت المريضا وقد ذكر الخطيب عن إبراهيم بن محمد بن عرفة أن أبا تمام توفي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وكذا قال ابن جرير (٤). وحكى عن بعضهم أنه توفي في سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة ثنتين وثلاثين فالله أعلم. وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة، وقد رثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات فقال:

стр. 3921

نبأ أتى من أعظم الانباء … لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم … ناشدتكم لا تجعلوه الطائي وقال غيره: فجع القريض بخاتم الشعراء … وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معا فتجاروا في حفرة … وكذاك كانا قبل في الاحياء وقد جمع الصولي شعر أبي تمام على حروف المعجم. قال ابن خلكان: وقد امتدح أحمد بن المعتصم ويقال ابن المأمون بقصيدته التي يقول فيها: إقدام عمرو في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له بعض الحاضرين: أتقول هذا لأمير المؤمنين وهو أكبر قدرا من هؤلاء؟ فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلاف من العرب البوادي. فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه فقال: لا تنكروا ضربي له من دونه … مثلا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره … مثلا من المشكاة والنبراس قال: فلما أخذوا القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنما قالهما ارتجالا. قال: ولم يعش بعد هذا إلا قليلا حتى مات. وقيل إن الخليفة أعطاه الموصل لما مدحه بهذه القصيدة، فأقام بها أربعين يوما ثم مات. وليس هذا بصحيح، ولا أصل له، وإن كان قد لهج به بعض الناس كالزمخشري وغيره. وقد أورد له ابن عساكر أشياء من شعره مثل قوله: ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجا … هلكن إذا من جهلهن البهائم ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد … ولا المجد في كف امرئ والدراهم ومنه قوله: وما أنا بالغيران من دون غرسه … إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة … ومذهب همي والمفرج للغم وفيها توفي أبو نصر الفارابي (١). والعيشي (٢)، وأبو الجهم (٣)، ومسدد (٤)، وداود بن عمرو

стр. 3922

الضبي (١)، ويحيى بن عبد الحميد الحماني (٢). ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين فيها أمر الواثق بعقوبة الدواوين وضربهم واستخلاص الأموال منهم، لظهور خياناتهم وإسرافهم في أمورهم، فمنهم من ضرب ألف سوط وأكثر من ذلك وأقل، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، ودون ذلك، وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشرط بالعداوة فعسفوا وحبسوا ولقوا شرا عظيما، وجهدا جهيدا، وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم، وأقيموا للناس وافتضحوهم والدواوين فضحية بليغة. وكان سبب ذلك أن الواثق جلس ليلة في دار الخلافة وجلسوا يسمرون عنده، فقال: هل منكم أحد يعرف سبب عقوبة جدي الرشيد للبرامكة؟ فقال بعض الحاضرين: نعم يا أمير المؤمنين! سبب ذلك أن الرشيد عرضت له جارية فأعجبه جمالها فساوم سيدها فيها فقال: يا أمير المؤمنين إني أقسمت بكل يمين أن لا أبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فاشتراها منه بها وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث إليه بالمال من بيت المال، فاعتل بأنها ليست عنده، فأرسل الرشيد إليه يؤنبه ويقول: أما في بيت مالي مائة ألف دينار؟ وألح في طلبها فقال يحيى بن خالد: أرسلوها إليه دراهم ليستكثرها، ولعله يرد الجارية. فبعثوا بمائة ألف دينار دراهم ووضعوها في طريق الرشيد وهو خارج إلى الصلاة، فلما اجتاز به رأى كوما من دراهم، فقال: ما هذا قالوا: ثمن الجارية، فاستكثر ذلك وأمر بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة، وأعجبه جمع المال في حواصله، ثم شرع في تتبع أموال بيت المال فإذا البرامكة قد استهلكوها، فجعل يهم بهم تارة يريد أخذهم وهلاكهم، وتارة يحجم عنهم، حتى إذا كان في بعض الليالي سمر عنده رجل يقال له أبو العود فأطلق له ثلاثين ألفا من الدراهم، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك فطلبها منه فماطله مدة طويلة، فلما كان في بعض الليالي في السمر عرض أبو العود بذلك للرشيد في قول عمر بن أبي ربيعة: وعدت هند وما كادت تعد … ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدة … إنما العاجز من لا يستبد

стр. 3923

فجعل الرشيد يكرر قوله: إنما العاجز من لا يستبد، ويعجبه ذلك. فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيد هذين البيتين وهو يستحسنهما، ففهم ذلك يحيى بن خالد وخاف وسأل عن من أنشد ذلك للرشيد؟ فقيل له أبو العود. فبعث إليه وأعطاه الثلاثين ألفا وأعطاه من عنده عشرين ألفا، وكذلك ولداه الفضل وجعفر، فما كان عن قريب حتى أخذ الرشيد البرامكة، وكان من أمرهم ما كان. فلما سمع ذلك الواثق أعجبه وجعل يكرر قول الشاعر: إنما العاجز من لا يستبد. ثم بطش بالكتاب وهم الدواوين على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالا عظيمة جدا. وفيها حج بالناس أمير السنة الماضية وهو أمير الحجيج في السنتين الماضيتين. وفيها توفي خلف بن هشام البزار أحد مشاهير القراء، وعبد الله بن محمد المسندي (١)، ونعيم بن حماد الخزاعي أحد أئمة السنة بعد أن كان من أكابر الجهمية، وله المصنفات في السنن وغيرها، وبشار بن عبد الله المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه، ولكنها عالية الاسناد إليه، ولكنها موضوعة. ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين في جمادى منها خرجت بن سليم حول المدينة النبوية فعاثوا في الأرض فسادا، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهل المدينة فهزموا أهلها واستحوذوا على ما بين المدينة ومكة من المناهل والقرى، فبعث إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى التركي في جيش فقاتلهم في شعبان فقتل منهم خمسين فارسا وأسر منهم وانهزم بقيتهم، فدعاهم إلى الأمان وأن يكونوا على حكم أمير المؤمنين، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فدخل بهم المدينة وسجن رؤوسهم في دار يزيد بن معاوية وخرج إلى الحج في هذه السنة، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب نائب العراق. وفيها حج بالناس محمد بن دواد المتقدم. وفيها توفي: عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب خراسان وما والاها. وكان خراج ما تحت يده في كل سنة ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولى الواثق مكانه ابنه طاهر. وتوفي قبله أشناس التركي بتسعة أيام، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من هذه السنة. وقال ابن خلكان: توفي سنة ثمان وعشرين بمرو، وقيل بنيسابور، وكان كريما جوادا، وله شعر حسن، وقد ولي نيابة مصر بعد العشرين ومائتين.

стр. 3924

وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي: أن البطيخ العبد لاوي الذي بمصر منسوب إلى عبد الله بن طاهر هذا. قال ابن خلكان: لأنه كان يستطيبه، وقيل لأنه أول من زرعه هناك والله أعلم. ومن جيد شعره: اغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر … مني ولا يفوتك أجبري لا تلكني إلى التوسل بالعذر … لعلي أن لا أقوم بعذري ومن شعره قوله: نحن قوم يليننا الخد والنحر … (١) على أننا نلين الحديدا طوع أيدي الصبا تصيدنا العين … ومن شأننا نصيد الاسودا (٢) نملك الصيد ثم تملكنا البيض … المضيئات أعينا وخدودا تتقي سخطنا الأسود ونخشى … سقط الخشف حين تبدي القعودا (٣) قترانا يوم الكريهة أحرارا … وفي السلم للغواني عبيدا قال ابن خلكان: وكان خزاعيا من موالي طلحة الطلحات الخزاعي، وقد كان أبو تمام يمدحه، فدخل إليه مرة فأضافه الملح بهمدان فصنف له كتاب الحماسة عند بعض نسائه. ولما ولاه المأمون نيابة الشام ومصر صار إليها وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار، ففرقها كلها في مجلس واحد، وأنه لما واجه مصر نظر إليها فاحتقرها وقال: قبح الله فرعون، ما كان أخسه وأضعف همته حين تبجح وتعاظم بملك هذه القرية، وقال: أنا ربكم الاعلى. وقال: أليس لي ملك مصر. فكيف لو رأى بغداد وغيرها. وفيها توفي علي بن جعد الجوهري (٤)، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي مصنف كتاب الطبقات وغيره. وسعيد بن محمد الجرمي (٥).

стр. 3925

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين فيها وقعت مفاداة الأسارى المسلمين الذين كانوا في أيدي الروم على يدي الأمير خاقان الخادم وذلك في المحرم من هذه السنة، وكان عدة الأسارى أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين أسيرا (١). وفيها كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي ﵀ وأكرم مثواه. وكان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وكان جده مالك بن الهيثم من أكبر الدعاة إلى دولة بني العباس الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة، وكان أبوه نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث، وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهي حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد كما تقدم ذلك، وبه تعرف سويقة نصر ببغداد، وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها. فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه من الألوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما أبو هارون السراج (٢) يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها. فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان - وهي ليلة - الجمعة يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب أبو هارون في أصحابه دينارا دينارا، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بني أشرس، وكانا يتعاطيان الشراب، فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم واعتقدا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجئ أحد وانحزم النظام وسمع الحرس في الليل فأعلموا نائب السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب، وكان نائبا لأخيه إسحاق بن إبراهيم، لغيبته عن بغداد، فأصبح الناس متخبطين، واجتهد نائب السلطنة على إحضار ذينك الرجلين فأحضرا فعاقبهما فأقرا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادما له فاستقره فأقر بما أقر به الرجلان،
следующие страницы →