فجلست إلى فخذها مضيفا (١) إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت أبشر يا ابن العم وأثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وأنه لنبي هذه الأمة، وقولي له: فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله " (٢). وهذا الذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة ﵂ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ ويحتمل أنه كان بعده بمدة والله أعلم.
وقال موسى بن عقبة: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: وكان فيما بلغنا أول ما رأى - يعني رسول الله ﷺ أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها الله عن التكذيب، وشرح صدرها للتصديق، فقالت: أبشر فإن الله لم يصنع بك إلا خيرا، ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر، ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي ﷺ يقول أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك (٣) فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله حتى اطمأن رسول الله ﷺ فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم). قال: ويزعم ناس أن " يا أيها المدثر " أول سورة نزلت عليه والله أعلم. قال فقبل رسول الله ﷺ رسالة ربه واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا
стр. 842
عظيما فلما دخل على خديجة قال أرأيتك التي (١) كنت حدثتك أني رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن إلي، أرسله إلي ربي وأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، وأقبل الذي جاءك من أمر الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله حقا. ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس، فقالت له: يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علم من جبريل فقال: قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان. فقالت: أخبرني بعلمك فيه. قال فإنه أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى ﵉. فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي ﷺ وما ألقاه إليه جبريل. فقال لها ورقة: يا بنية أخي (٢) ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وأقسم بالله لان كان إياه ثم أظهر دعواه وأنا حي لا بلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر. فمات ورقة ﵀. قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله ﷺ . قال الحافظ البيهقي (٣) بعد إيراده ما ذكرناه والذي ذكر فيه من شق بطنه، يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، يعني شق بطنه عند حليمة، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة بإسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي. قال: بلغنا أن الله تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة وكان أول شئ اختصه به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء وكان يفر إليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول الله ﷺ مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره ومن خلفه بين كتفيه. فقال: اللهم احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد أبشر! فإنك نبي هذه الأمة. اقرأ فقال له نبي الله: وهو خائف يرعد - ما قرأت كتابا قط، ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه، ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت وقال له: (إقرأ باسم ربك الذي خلق) الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول الله ثم انصرف وأقبل على رسول الله ﷺ همه فقال كيف أصنع وكيف أقول لقومي ثم قام رسول الله ﷺ وهو خائف فأتاه
стр. 843
جبريل من أمامه وهو في صعرته (١) فرأى رسول الله ﷺ أمرا عظيما ملا صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد: جبريل رسول الله جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله فأيقن بكرامة الله فإنك رسول الله فرجع رسول الله ﷺ لا يمر على شجر ولا حجر إلا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول الله. فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت إليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم، فقال يا خديجة: أرأيت الذي كنت أرى في المنام، والصوت الذي كنت أسمع في اليقظة وأهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي وكلمني وأقرأني كلاما فزعت منه ثم عاد إلي فأخبرني أني نبي هذه الأمة، فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر وحجارة فقلن السلام عليك يا رسول الله. فقالت خديجة: أبشر فوالله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيرا وأشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيرى الراهب، وأمرني أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول الله ﷺ حتى طعم وشرب وضحك ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة فلما دنت منه وعرفها. قال: مالك يا سيدة نساء قريش؟ فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل؟ فقال: سبحان الله ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله وهو صاحب موسى وعيسى، فعرفت كرامة الله لمحمد ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها به الراهب وأزيد. قال: جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون وقومه، وكان معه حين كلمه الله على الطور، وهو صاحب عيسى بن مريم الذي أيده الله به. ثم قامت من عنده فاتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل فقال لها مثل ذلك ثم سألها ما الخبر فأحلفته أن يكتم ما تقول له فحلف لها فقالت له إن ابن عبد الله ذكر لي وهو صادق أحلف بالله ما كذب، ولا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبي هذه الأمة، وأقرأه آيات أرسل بها. قال: فذعر ورقة لذلك وقال لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الأرض لقد نزل على خير أهل الأرض، وما نزل إلا على نبي وهو صاحب الأنبياء والرسل، يرسله الله إليهم وقد صدقتك عنه، فأرسلي إلي ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه فإني أخاف أن يكون غير جبريل فإن بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بني آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلها مجنونا. فقامت من عنده وهي واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بما قال ورقة فأنزل الله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون) الآيات. فقال لها: كلا والله إنه لجبريل فقالت له أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه فجاءه رسول الله ﷺ فقال له ورقة هذا الذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة؟ فأخبره رسول الله ﷺ عن صفة جبريل وما رآه من عظمته وما أوحاه إليه. فقال ورقة:
стр. 844
أشهد أن هذا جبريل وأن هذا كلام الله فقد أمرك بشئ تبلغه قومك وإنه لأمر نبوة فإن أدرك زمانك أتبعك ثم قال أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك الله به. قال: وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله ﷺ فشق ذلك على الملأ من قومه قال وفتر الوحي. فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه فأنزل الله والضحى وألم نشرح بكمالهما.
وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس عن ابن إسحاق [قال]: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله ﷺ فيما بينه (١) مما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك. فقال نعم! فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسول الله ﷺ عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله ﷺ . فقال: يا خديجة! هذا جبريل فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم! قالت: فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت أتراه الآن؟ قال: نعم! قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول [رسول الله ﷺ ] فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن؟ قال: نعم! فتحسرت رأسها فشالت (٢) خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن؟ قال: لا. قالت ما هذا بشيطان إن هذا لملك يا ابن عم فأثبت وأبشر، ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق.
قال ابن إسحاق: فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها فذهب عندك ذلك جبريل ﵇. قال البيهقي: وهذا شئ كان من خديجة تصنعه (٣) تستثبت به الامر احتياطا لدينها وتصديقا. فأما النبي ﷺ فقد كان [قد] وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه ﷺ (٤) تسليما.
وقد قال مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁. أن رسول الله ﷺ قال: " إني
стр. 845
لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " (١). وقال أبو داود الطيالسي حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت. إني لأعرفه إذا مررت عليه " (٢). وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عباد بن عبد الله، عن علي بن أبي طالب ﵁. قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (٣). وفي رواية لقد رأيتني أدخل معه [يعني النبي ﷺ ] الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليكم يا رسول الله. وأنا أسمعه.
فصل
قال البخاري في روايته المتقدمة ثم فتر الوحي حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وفي الصحيحين (٤) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: سمعت أبا سلمة عبد الرحمن، يحدث عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال: فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء [والأرض] فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) [المدثر: ١ - ٥] قال ثم حمي الوحي وتتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة
стр. 846
الوحي لا مطلقا (١)، ذاك قوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل (يا أيها المدثر) واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجئ الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا إليه. ثم قوله: يحدث عن فترة الوحي دليل على تقدم الوحي على هذا الايحاء والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث علي بن المبارك وعند مسلم والأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل قبل؟ فقال: (يا أيها المدثر) فقلت (واقرأ باسم ربك) فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل فقال (يا أيها المدثر) فقلت (واقرأ باسم ربك) فقال [أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ ] قال رسول الله ﷺ : " إني جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت، فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة - أو قال وحشة - فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله: (يا أيها المدثر) حتى بلغ (وثيابك فطهر) (٢) - وقال في رواية - فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه " وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحي من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم. ومنهم زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة: (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) إلى آخرها. قاله محمد بن إسحاق. وقال بعض القراء: ولهذا كبر رسول الله ﷺ في أولها فرحا وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي: (يا أيها المدثر قم فأنذر) ولكن نزلت سورة والضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما من حديث الأسود بن قيس عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة ما أرى شيطانك إلا تركك فأنزل الله: (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) وبهذا الامر حصل الارسال إلى الناس وبالأول حصلت النبوة. وقد قال بعضهم كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصفا، والظاهر والله أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره، ولا ينفي هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ثم اقترن به جبريل بعد نزول: (يا أيها المدثر قم فأنذر
стр. 847
وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) وثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع - أي تدارك شيئا بعد شئ - وقام حينئذ رسول الله ﷺ في الرسالة أتم القيام وشمر عن ساق العزم ودعا إلى الله القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الغلمان علي بن أبي طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته ﵇، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي ﵃ وأرضاهم (١). وتقدم الكلام على إيمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي ومات في الفترة ﵁.
فصل
في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الامر ويختلط الحق
فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) [الجن: ٨ - ١٠]. وقال تعالى: (وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون) [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]. قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد - وهو الطبراني - حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فتكون باطلا، فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس هذا لأمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله ﷺ قائما يصلي بين جبلين فأتوه فأخبروه فقال: هذا الامر الذي قد حدث في
стр. 848
الأرض (١). وقال أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: [ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم] (٢) انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا ما لكم؟ قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما ذاك إلا من شئ حدث (٣) فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) [الجن: ٢] فأوحى الله إلى نبيه ﷺ : (قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن) [أول سورة الجن] الآية. أخرجاه في الصحيحين (٤) وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا (٥)، قال: فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل، فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا الحق وهو العلي الكبير، وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب أو موت أو شئ مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا يكون كذا وكذا فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم فلما بعث النبي محمد ﷺ دحروا بالنجوم فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة، وذا الإبل فينحر كل يوم بعيرا فأسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإن كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لأمر حدث فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شئ فكفوا وصرف الله الجن فسمعوا القرآن فلما حضروه قالوا: انصتوا وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه. فقال: هذا حدث حدث في الأرض فأتوني من كل أرض بتربة فأتوه بتربة تهامة (٦) فقال ههنا الحدث. ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن
стр. 849
سلمة عن عطاء بن السائب. وقال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن عمر بن عبدان العبسي، عن كعب قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله ﷺ فرمى بها فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقاءهم يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف ففعلت ثقيف مثل ذلك فبلغ عبد يا ليل بن عمرو ما صنعت ثقيف. قال: ولم فعلتم ما أرى؟ قالوا رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء فقال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا وانظروا: فإن تكن نجوما تعرف فهو عندنا من فناء الناس وإن كانت نجوما لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال الامر فيه مهلة بعد هذا عند ظهور نبي. فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله فجاء عبد يا ليل فذاكره أمر النجوم فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل، فقال عبد يا ليل فعند ذلك رمى بها. وقال سعيد بن منصور عن خالد عن (١) حصين عن عامر الشعبي. قال: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث [الله] (٢) رسول الله ﷺ [فرمي بها] (٢) ﷺ فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم. فقال عبد يا ليل: أنظروا فإن كانت النجوم التي تعرف فهي (٣) عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف. قال: فأمسكوا فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي ﷺ . وروى البيهقي والحاكم من طريق العوفي (٤) عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه. فلعل مراد من نفى ذلك أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة ويجب حمل ذلك على هذا لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس ﵄: بينا رسول الله ﷺ جالس [في نفر من أصحابه] (٥) إذ رمى بنجم فاستنار فقال: " ما كنتم تقولون (٦) إذا رمى بهذا؟ " قال كنا نقول مات عظيم، وولد عظيم فقال: " لا ولكن ". فذكر الحديث كما تقدم عند خلق السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق ولله الحمد (٧). وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة قصة رمي النجوم وذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر
стр. 850
في النجوم: إن كانت أعلام السماء أو غيرها ولكن سماه عمرو بن أمية (١) فالله أعلم. وقال السدي لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر وكانت الشياطين قبل محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا يستمعون ما يحدث في السماء من أمر فلما بعث الله محمدا ﷺ نبيا رجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف. فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب فجعلوا يعتقون أرقاءهم، ويسيبون مواشيهم. فقال لهم عبد يا ليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء وإنما هو من ابن أبي كبشة، وإن أنتم لم تروها فقد أهلك أهل السماء فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة فأتوا إبليس فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب فأتوه فشم فقال صاحبكم بمكة فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا رسول الله ﷺ في المسجد الحرام (٢) يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلا كلهم تصيبه ثم أسلموا فأنزل الله أمرهم على نبيه ﷺ . وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم - يعني إسحاق - عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: لما بعث رسول الله ﷺ أصبح كل صنم منكسا فأتت الشياطين فقالوا له ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسا، قال هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف فالتمسوه فقالوا: لم نجده، فقال: أنا صاحبه فخرج يلتمسه فنودي عليك بجنبة الباب - يعني مكة - فالتمسه بها فوجده بها عند قرن الثعالب فخرج إلى الشياطين فقال: إني قد وجدته معه جبريل فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهوات في عين أصحابه ونحبها إليهم قال: فلا آسى إذا. وقال الواقدي حدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو قال لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب فجاؤوا إلى إبليس فذكروا ذلك له فقال: أمر قد حدث هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بني إسرائيل، قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا ليس بها أحد فقال إبليس أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة فإذا رسول الله ﷺ بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه جبريل فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس قال فذاك إذا. قال الواقدي: وحدثني طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس. قال: كانت الشياطين يستمعون الوحي فلما بعث محمد ﷺ منعوا فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فرقي فوق أبي قبيس - وهو أول جبل وضع على وجه الأرض - فرأى رسول الله ﷺ يصلي خلف المقام. فقال: اذهب فاكسر عنقه. فجاء يخطر وجبريل عنده، فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا فولى الشيطان هاربا. ثم
стр. 851
رواه الواقدي وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبي معروف، عن قيس بن سعد، عن مجاهد فذكر مثل هذا وقال فركضه برجله فرماه بعدن.
فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ
قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، وثاني مرة أيضا وقال مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂. إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ . قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: " أحيانا يأتيني مثل صلصلة (١) الجرس - وهو أشده علي - - فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فأعي ما يقول ". قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (٢)؟ ورواه الإمام أحمد عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة به نحوه. وكذا رواه عبدة بن سليمان وأنس بن عياض عن هشام بن عروة، وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال سألت رسول الله ﷺ فقلت كيف يأتيك الوحي؟ فذكره، ولم يذكر عائشة. وفي حديث الإفك قالت عائشة: فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه. فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات من ثقل الوحي الذي نزل عليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم، قال: أملى علي يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن عروة عن (٣) عبد الرحمن بن عبد القاري سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل،
стр. 852
وذكر تمام الحديث (١) في نزول: (قد أفلح المؤمنون) وكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ولا نعرفه (٢). وفي صحيح مسلم وغيره من حديث الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت. قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربد وجهه - وفي رواية وغمض عينيه - وكنا نعرف ذلك منه (٣). وفي الصحيحين حديث زيد بن ثابت حين نزلت: (لا يستوى القاعدون من المؤمنين) فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت: (غير أولى الضرر) (٤). قال وكانت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي وأنا أكتب فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي. وفي صحيح مسلم من حديث همام بن يحيى، عن عطاء، عن يعلى بن أمية. قال: قال لي عمر: أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يوحى إليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى إليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه. وهو يغط كما يغط البكر. وثبت في الصحيحين من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده، فأوحى الله إليه والعرق في يده، ثم رفع رأسه فقال: " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ". فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس ولم يسقط العرق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائما عليه. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عباد بن منصور، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس. قال: كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك جسده ووجهه وأمسك عن أصحابه ولم يكلمه أحد منهم. وفي مسند أحمد وغيره من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قلت: يا
стр. 853
رسول الله هل تحس بالوحي؟ قال: " نعم اسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، وما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيظ منه ". وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم بن كليب، حدثنا أبي عن خاله العليان بن عاصم. قال: كنا عند رسول الله ﷺ وأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة، وفرغ سمعه وقلبه، لما يأتيه من الله (١). وروى أبو نعيم من حديث قتيبة، حدثنا علي بن غراب، عن الأحوص بن حكيم، عن أبي عوانة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدع وغلف رأسه بالحناء. هذا حديث غريب جدا. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية سنان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد. قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة (٢). وقد رواه أبو نعيم من حديث الثوري عن ليث بن أبي سليم به. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني جبر بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها (٣). وروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل عن عاصم الأحول: حدثتني أم عمرو عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله ﷺ فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها. وهذا غريب من هذا الوجه. ثم قد ثبت في الصحيحين نزول سورة الفتح على رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية، وهو على راحلته، فكان يكون تارة وتارة بحسب الحال والله أعلم (٤). وقد ذكرنا أنواع الوحي إليه ﷺ في أول شرح البخاري وما ذكره الحليمي وغيره من الأئمة ﵃.
فصل
قال الله تعالى: " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) [القيامة: ١٦ - ١٩] وقال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدني علما) [طه: ١١٤] وكان هذا في الابتداء، كان ﵇ من شدة حرصه على أخذه من الملك ما يوحى إليه عن الله ليساوقه في التلاوة، فأمره الله
стр. 854
تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته وتبليغه، وأن يبينه له، ويفسره ويوضحه ويوقفه على المراد منه. ولهذا قال: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) وقال: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه) أي في صدرك (وقرآنه) أي وأن تقرأه (فإذا قرأناه) أي تلاه عليك الملك (فاتبع قرآنه) أي فاستمع له وتدبره (ثم إن علينا بيانه) وهو نظير قوله (وقل رب زدني علما). وفي الصحيحين من حديث موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه، فأنزل الله (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) فاستمع له وأنصت (ثم إن علينا بيانه) قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله (١).
فصل
قال ابن إسحاق: ثم تتابع الوحي إلى رسول الله ﷺ وهو [مؤمن بالله] مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله - على رضا العباد وسخطهم - وللنبوة أثقال ومؤنة، لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل، بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاؤوا به عن الله فمضى رسول الله ﷺ على ما أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
قال ابن إسحاق: وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدقت بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن رسوله [ ﷺ ]، لا يسمع شيئا [مما] يكرهه من رد عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، ﵂ وأرضاها.
قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر [بن أبي طالب ﵁]. قال: قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نضب ". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث هشام (٢). قال ابن
стр. 855
هشام: القصب هاهنا اللؤلؤ المجوف.
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ يذكر جميع ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله، قبل أن تفرض الصلاة.
قلت: يعني الصلوات الخمس ليلة الاسراء. فأما أصل الصلاة فقد وجب في حياة خديجة ﵂ كما سنبينه.
وقال ابن إسحاق: وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء به. ثم أن جبريل أتى رسول الله ﷺ [وهو بأعلى مكة] (١) حين افترضت عليه الصلاة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له عين من ماء زمزم (٢)، فتوضأ جبريل ومحمد ﵉، ثم صلى (٣) ركعتين وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبي ﷺ وقد أقر الله عينه، وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا (٤).
قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبين له أوقات الصلوات الخمس، أولها وآخرها، فإن ذلك كان بعد فرضيها ليلة الاسراء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله وبه الثقة، وعليه التكلان.
стр. 856
فصل أول من أسلم من متقدمي الاسلام والصحابة وغيرهم
قال ابن إسحاق: ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان. فقال علي يا محمد ما هذا؟ قال دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته. وأن تكفر باللات والعزى. فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب. فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره. فقال له: يا علي إذا لم تسلم فاكتم. فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الاسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال ماذا عرضت علي يا محمد؟ فقال. له رسول الله ﷺ : " تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد " ففعل علي وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب وكتم علي إسلامه ولم يظهره، وأسلم ابن حارثة - يعني زيدا - فمكثا قريبا من شهر يختلف علي إلى رسول الله ﷺ ، وكان مما أنعم الله به على علي أنه كان في حجر رسول الله ﷺ قبل الاسلام (١).
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢). قال: وكان مما أنعم الله به على علي [ومما صنع الله له، وأراده به من الخير] أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس - وكان من أيسر بني هاشم - " يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة (٣)، فانطلق [بنا إليه] حتى نخفف عنه من عياله " … فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه (٤). وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني
стр. 857
يحيى بن أبي الأشعث الكندي - من أهل الكوفة - حدثني إسماعيل بن أبي إياس (١) بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف - وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس لامه - أنه قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا، فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال فبينا نحن [عنده] إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت [معه] تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه. فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله [به]، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به. قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا (٢). وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، وقال: في الحديث: إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي. ثم ذكر قيام خديجة وراءه. وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف [عن عفيف] قال: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه، فقلت يا عباس أمر عظيم! فقال أمر عظيم. فقال أتدري من هذا؟ فقلت لا، فقال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، أتدري من الغلام؟ قلت لا. قال هذا علي بن أبي طالب ﵁ أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت لا، قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي. وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الذي تراهم عليه، وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. وقال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا عيسى بن سوادة بن أبي الجعد (٣) حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي. قالوا: علي أول من أسلم. قال الكلبي: أسلم وهو ابن تسع سنين. وحدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق. قال: أول ذكر آمن برسول الله ﷺ وصلى معه وصدقه علي بن
стр. 858
أبي طالب، وهو ابن عشر سنين وكان في حجر رسول الله ﷺ قبل الاسلام (١). قال الواقدي أخبرنا إبراهيم عن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال: أسلم علي وهو ابن عشر سنين قال الواقدي: وأجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله ﷺ بسنة (٢). وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي، وأسلم علي قبل أبي بكر، وكان علي يكتم إيمانه خوفا من أبيه، حتى لقيه أبوه قال أسلمت؟ قال: نعم! قال وازر ابن عمك وانصره. قال: وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الاسلام (٣). وروى ابن جرير في تاريخه من حديث شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس. قال: أول من صلى علي. وحدثنا عبد الحميد بن يحيى (٤) حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. قال: بعث النبي ﷺ يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء وروى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة - رجل من الأنصار - سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب قال فذكرته للنخعي فأنكره. وقال: أبو بكر أول من أسلم. ثم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا العلاء بن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين وهكذا رواه ابن ماجة عن محمد بن إسماعيل الرازي عن عبيد الله بن موسى الفهمي - وهو شيعي من رجال الصحيح - عن العلاء بن صالح الأزدي الكوفي - وثقوه، ولكن قال أبو حاتم: كان من عتق الشيعة - وقال علي بن المديني روى أحاديث مناكير والمنهال بن عمرو ثقة. وأما شيخه عباد بن عبد الله - وهو الأسدي الكوفي - فقد قال فيه علي بن المديني هو ضعيف الحديث، وقال البخاري فيه نظر. وذكره ابن حبان في الثقات، وهذا الحديث منكر بكل حال، ولا يقوله علي ﵁، وكيف يمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين؟ هذا لا يتصور أصلا والله أعلم. وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق، والجمع بين الأقوال كلها أن خديجة أول من أسلم من النساء وظاهر السباقات - وقيل الرجال أيضا - وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب. فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت. وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما، ورئيسا في قريش
стр. 859
مكرما، وصاحب مال، وداعية إلى الاسلام. وكان محببا متألفا (١) يبذل المال في طاعة الله ورسوله كما سيأتي تفصيله. قال يونس عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد؟ من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا؟ فقال رسول الله ﷺ : " بلى إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته " وقرأ عليه القرآن، فلم يقر ولم ينكر. فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد وأقر بحق الاسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه (٢) حين ذكرته، ولا تردد فيه " (٣) عكم - أي تلبث - وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في قوله فلم يقر ولم ينكر، منكر فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله ﷺ قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه، ما يمنعه من الكذب على الخلق. فكيف يكذب على الله؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له إن الله أرسله بادر إلى تصديقه ولم يتلعثم، ولا عكم وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذي أفردناه في سيرته وأوردنا فضائله وشمائله واتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا وأوردنا ما رواه كل منهما عن النبي ﷺ من الأحاديث، وما روي عنه من الآثار والاحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات ولله الحمد والمنة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر ﵄ من الخصومة وفيه فقال رسول الله ﷺ : " إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق. وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي " مرتين. فما أوذي بعدها، وهذا كالنص على أنه أول من أسلم ﵁ وقد روى الترمذي وابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: الست أحق الناس بها، ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا (٤)؟ وروى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من صلى مع النبي ﷺ من الرجال علي بن أبي طالب. وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق. رواه أحمد والترمذي والنسائي
стр. 860
من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح وقد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم علي بن أبي طالب. قال عمرو بن مرة فذكرته لإبراهيم النخعي فأنكره وقال أول من أسلم أبو بكر الصديق ﵁. وروى الواقدي بأسانيده عن أبي أروى الدوسي وأبي مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف أول من أسلم أبو بكر الصديق. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول عن رجل قال سئل ابن عباس من أول من آمن؟ فقال: أبو بكر الصديق، أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة … فأذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أوفاها وأعدلها … بعد النبي وأولاها بما حملا
والتالي الثاني المحمود مشهده … وأول الناس منهم صدق الرسلا
عاش حميدا لأمر الله متبعا … بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا
وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شيخ لنا عن مجالد عن عامر قال سألت ابن عباس - أو - سئل ابن عباس - أي الناس أول إسلاما؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت فذكره وهكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره (١). وقال أبو القاسم البغوي حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال أدركت مشيختنا منهم محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق ﵁.
قلت: وهكذا قال إبراهيم النخعي ومحمد بن كعب ومحمد بن سيرين وسعد بن إبراهيم وهو المشهور عن جمهور أهل السنة. وروى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أنهما قالا: لم يكن أولهم إسلاما، ولكن كان أفضلهم إسلاما. قال سعد: وقد آمن قبله خمسة. وثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر. قال: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر (٢). وروى الإمام أحمد وابن ماجة من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود (٣) قال: أول من أظهر الاسلام سبعة
стр. 861
رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد. وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا. فأما ما رواه ابن جرير قائلا: أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن حبلة (١) عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص. قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما قال: لا! ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا إسلاما. فإنه حديث منكر إسنادا ومتنا. قال ابن جرير وقال آخرون: كان أول من أسلم زيد بن حارثة، ثم روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب، سألت الزهري من أول من أسلم من النساء؟ قال خديجة، قلت فمن الرجال؟ قال زيد بن حارثة. وكذا قال عروة وسليمان بن يسار وغير واحد أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة. وقد أجاب أبو حنيفة ﵁ بالجمع بين هذه الأقوال بأن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.
قال محمد بن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله ، وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا (٢) سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر. وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الامر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه - فيما بلغني - الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر. فعرض عليهم الاسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الاسلام فآمنوا (٣)، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا [الناس] (٤) في الاسلام صدقوا رسول الله ﷺ وآمنوا بما جاء من عند الله. وقال محمد بن عمر الواقدي حدثني الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي طلحة (٥)، قال: قال طلحة بن
стр. 862
عبيد الله: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل [هذا] الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا، فقال هل ظهر أحمد بعد؟ قلت ومن أحمد؟ قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حديث (١)؟ قالوا: نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ، وقد اتبعه أبو بكر بن أبي قحافة. قال فخرجت حتى قدمت على أبي بكر، فقلت اتبعت هذا الرجل؟ قال نعم فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب. فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله ﷺ بما قال الراهب فسر [رسول الله ﷺ ] بذلك. فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية - وكان يدعى أسد قريش - فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم فلذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين. وقال النبي ﷺ : " اللهم أكفنا شر ابن العدوية " رواه البيهقي (٢) وقال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبي عبيد الله حدثني عبد الله [بن محمد] بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله ﷺ وكان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها. فقال رسول الله ﷺ : " إني رسول الله أدعوك إلى الله " فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر، ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا ﵃. قال عبد الله بن محمد فحدثني أبي، محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور فقال: " يا أبا بكر إنا قليل " فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله ﷺ جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما
стр. 863
لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب. فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لامه أم الخير (١) أنظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت والله مالي علم بصاحبك. فقال إذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا (٢)، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت هذه أمك تسمع، قال فلا شئ عليك منها، قالت سالم صالح. قال أين هو؟ قالت في دار ابن الأرقم، قال فإن لله على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ﷺ . فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، قال فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة. فقال أبو بكر بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا (٣)، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر (٤)، ودعا رسول ﷺ لعمر بن الخطاب - أو لأبي جهل بن هشام - فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس (٥)، فكبر رسول الله ﷺ
стр. 864
وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلا مكة، وخرج أبو الأرقم - وهو أعمى كافر - وهو يقول: اللهم اغفر لبني عبيد الأرقم فإنه كفر، فقام عمر فقال يا رسول الله على ما نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال: " يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا " فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. فوثب المشركون إليه، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه، حتى أعجز الناس. واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الايمان، ثم انصرف إلى النبي ﷺ وهو ظاهر عليهم. قال ما عليك بأبي وأمي والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنا، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم انصرف النبي ﷺ . والصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. وقد استقصينا كيفية إسلام أبي بكر وعمر ﵄ في كتاب سيرتهما على انفرادها، وبسطنا القول هنالك ولله الحمد. وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي (١) ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في أول ما بعث وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف، فقلت ما أنت؟ قال أنا نبي، فقلت وما النبي؟ قال رسول الله، قلت الله أرسلك؟ قال: نعم قلت بما أرسلك؟ قال بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام. قال: قلت: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا؟ قال حر وعبد يعني أبا بكر وبلالا - قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الاسلام. قال فأسلمت، قلت: فأتبعك يا رسول الله؟، قال لا ولكن إلحق بقومك، فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني " (٢)، ويقال إن معنى قوله ﵇ حر وعبد اسم جنس وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الاسلام بحسب علمه فإن المؤمنين كانوا إذا ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب دع أهل البادية من الاعراب والله أعلم. وفي صحيح البخاري من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم
стр. 865
عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام " (١). أما قوله ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه فسهل، ويروي إلا في اليوم الذي أسلمت فيه وهو مشكل، إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالاسلام. وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله، كما قد حكى الاجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد، منهم ابن الأثير. ونص أبو حنيفة ﵁ على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه والله أعلم. وأما قوله ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام فمشكل وما أدري على ماذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه والله أعلم (٢). وقال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة. فأتى علي رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين - فقال - أو فقالا - عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت إني مؤتمن، ولست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة، فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني، ثم قال للضرع أقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت علمني من هذا القول (٣) الطيب - يعني القرآن - فقال: " إنك غلام معلم " فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به. ورواه الحسن بن عرفة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجودبه (٤). وقال
стр. 866
البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن بطة الأصبهاني، حدثنا الحسن بن الجهم [قال]: حدثنا الحسين بن الفرج [قال] حدثنا محمد بن عمر [قال] حدثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه - أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان -. قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما وكان أول إخوته أسلم. وكان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به. ويرى في النوم كأن آت (١) أتاه يدفعه فيها ويرى رسول الله ﷺ آخذا بحقويه لا يقع، ففزع من نومه، فقال أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال [أبو بكر] أريد بك خيرا هذا رسول الله ﷺ فاتبعه فإنك ستتبعه وتدخل معه في الاسلام، والاسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها. فلقي رسول الله ﷺ وهو بأجياد، فقال يا رسول الله يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: " أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، ولا يضر، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لا يعبده ". قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتى به. فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه. وقال: والله لأمنعنك القوت: فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف إلى رسول الله ﷺ فكان يكرمه ويكون معه (٢).
إسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني رجل (٣) ممن أسلم - وكان واعية - أن أبا جهل اعترض (٤) رسول الله ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه [والتضعيف لامره]، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، وقالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت؟ قال حمزة ومن يمنعني وقد استبان لي منه ما أشهد أنه رسول الله ﷺ وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه. وقال حمزة في ذلك شعرا (٥).
стр. 867
قال ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت. فأقبل حمزة على نفسه وقال: ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ . فقال: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم هو غي شديد؟ فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني، فأقبل رسول الله ﷺ فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله في قلبه الايمان بما قال رسول الله ﷺ . فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخي دينك فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء، وأني على ديني الأول. فكان حمزة ممن أعز الله به الدين. وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به (١).
ذكر إسلام أبي ذر ﵁
قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [قال]: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، [قال]: حدثنا الحسين بن محمد بن زياد [قال]: حدثنا عبد الله بن الرومي، حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن مالك (٢) بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر. قال: كنت ربع الاسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (٣)، فرأيت الاستبشار في وجه الله ﷺ . هذا سياق مختصر (٤). وقال البخاري
стр. 868
إسلام أبي ذر: حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبي حمزة عن ابن عباس. قال لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء. فاسمع من قوله ثم ائتني فانطلق الآخر حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر. فقال ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس رسول الله ﷺ ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل اضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال أما آن للرجل يعلم منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى إذا كان يوم الثالث فعاد على مثل ذلك فأقام معه فقال ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت. ففعل فأخبره. قال فإنه حق وانه رسول الله ﷺ فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ : " ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري " فقال والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلا صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه هذا لفظ البخاري. وقد جاء إسلامه مبسوطا في صحيح مسلم وغيره فقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت [قال]: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار - وكان يحلون الشهر الحرام - أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثى ما قيل له (١) فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد. قال: فقربنا صرمتنا (٢) فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي، قال: فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة، قال: فنافر أنيس من صرمتنا وعن مثلها (٣)، فاتيا الكاهن فخير أنيسا. فأتانا بصرمتنا
стр. 869
ومثلها [معها، قال]: وقد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قال: قلت: لمن؟ قال لله، قلت: فأين توجه؟ قال حيث وجهني الله. قال وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأني خفاء (١) حتى تعلوني الشمس قال فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال فانطلق فراث (٢) علي، ثم أتاني فقلت ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك، قال فقلت ما يقول الناس له؟ قال يقولون (٣) إنه شاعر وساحر، وكان أنيس شاعرا. قال فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: فقلت له هل أنت كافي حتى انطلق؟ قال نعم! وكن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له. قال فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت (٤) رجلا منهم فقلت أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إلى [الصابئ] (٥) فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي، ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، ودخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به يا بن أخي ثلاثين من يوم وليلة، مالي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني (٦) وما وجدت على كبدي سخفة (٧) جوع قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة (٨) أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا علي وهما يدعوان إساف ونائلة. فقلت: انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك، فقلت وهن مثل الخشبة (٩) غير أني لم أركن (١٠). قال: فانطلقتا يولولان ويقولان لو كان ههنا أحد من أنفارنا، قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال مالكما؟ فقالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قالا: ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم، قال وجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر وطاف بالبيت، ثم صلى. قال فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الاسلام. فقال: " عليك السلام ورحمة الله من أنت؟ " قال قلت من غفار، قال: فأهوى بيده
стр. 870
فوضعها على جبهته، قال: فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار، قال: فأردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه وكان أعلم به مني، قال متى كنت ههنا؟ قال: قلت كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال قال رسول الله ﷺ : " إنها مباركة، إنها طعام طعم " قال: فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، قال: ففعل قال فانطلق النبي ﷺ وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب. الطائف، قال فكان ذلك أول طعام أكلته بها. فلبثت ما لبثت (١)، فقال رسول الله ﷺ : " إني قد وجهت إلي أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك؟ لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ ". قال فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا، قال فقال لي ما صنعت؟ قال قلت صنعت أني أسلمت وصدقت، قال فما بي رغبة عن دينك. فاني قد أسلمت وصدقت، ثم أتينا أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما. فإني قد أسلمت وصدقت، فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان يؤمهم خفاف بن إيما بن رخصة الغفاري (٢) وكان سيدهم يومئذ. وقال: بقيتهم إذا قدم رسول الله ﷺ أسلمنا، قال فقدم رسول الله ﷺ فأسلم بقيتهم قال: وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه، فقال رسول الله ﷺ : " غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ". ورواه مسلم عن هدية (٣) بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه. وقد روى قصة إسلامه على وجه آخر وفيه زيادات غريبة فالله أعلم. وتقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في كتاب البشارات بمبعثه ﵊.
ذكر إسلام ضماد
روى مسلم والبيهقي من حديث داود بن أبي هند، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: قدم ضماد مكة وهو رجل من أزدشنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح (٤)، فسمع سفهاء من سفه مكة (٥) يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: أين هذا الرجل
стр. 871
لعل الله أن يشفيه على يدي؟ [قال]: فلقيت محمدا، فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وأن الله يشفى على يدي من شاء فهلم (١). فقال محمد: " إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات ". فقال والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة. وقول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الاسلام. فبايعه رسول الله ﷺ فقال له وعلى قومك؟ فقال: وعلى قومي فبعث النبي ﷺ جيشا فمروا بقوم ضماد. فقال صاحب الجيش للسرية هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا؟ فقال رجل منهم أصبت منهم مطهرة. فقال ردها عليهم فإنهم قوم ضماد. وفي رواية فقال له ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس (٢) البحر (٣).
وقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة إسلام من أسلم من الأعيان فصلا طويلا، واستقصى ذلك استقصاء حسنا ﵀ وأثابه. وقد سرد ابن إسحاق أسماء من أسلم قديما من الصحابة ﵃. قال: ثم أسلم أبو عبيدة [بن الجراح]، وأبو سلمة [عبد الله بن عبد الأسد]، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر - وهي صغيرة - وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، وخباب بن الأرت، وعمير بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القاري، وسليط بن عمرو، وعياش بن أبي ربيعة (٤)، وامرأته أسماء بنت سلمة (٥) بن مخرمة التيمي، وخنيس بن حذاقة، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث، وامرأته فكيهة ابنة يسار (٦)، [وحطاب بن الحارث وامرأته فكيهة بنت يسار] (٧) ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحي، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر بن عبد مناف (٨). وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سهم (٩)، والنحام واسمه
стр. 872
نعيم بن عبد الله بن أسيد، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وخالد بن سعيد، وأمينة ابنة خلف بن سعد (١) بن عامر بن بياضة بن (٢) خزاعة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله [بن عبد مناف] بن عرين بن ثعلبة التميمي حليف بني عدي، وخالد بن البكير، وعامر بن البكير، وعاقل بن البكير، وإياس بن البكير بن عبد يا ليل بن ناشب بن غيرة من بني (٣) سعد بن ليث، وكان اسم عاقل غافلا فسماه رسول الله ﷺ عاقلا، وهما حلفاء بني عدي بن كعب، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان. ثم دخل الناس [في الاسلام] أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الاسلام بمكة وتحدث به.
قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله ﷺ بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع (٤) بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين. قال وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم. فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحي (٥) جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الاسلام. وروى الأموي في مغازيه من طريق الوقاصي عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. فذكر القصة بطولها وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله.
باب الأمر بإبلاغ الرسالة
إلى الخاص والعام، وأمره له بالصبر والاحتمال، والاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسول الأعظم إليهم، وذكر ما لقي من الأذية منهم هو وأصحابه ﵃.
قال الله تعالى: " وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم) [الشعراء: ٦٦ - ٦٧].
стр. 873
وقال تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) [الزخرف: ٤٤]. وقال تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) [القصص: ٨٨]. أي إن الذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة وهي المعاد، فيسألك عن ذلك. كما قال تعالى: (فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء: (وأنذر عشيرتك الأقربين). وأوردنا أحاديث جمة في ذلك، فمن ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى " يا صباحاه " فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : " يا بني عبد المطلب يا بني فهر، يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ " قالوا نعم! قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب - لعنه الله - تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله : (تبت يدا أبي لهب وتب) [المسد: ١] وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه (١). وقال أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة. قال: لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص. فقال: " يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها " (٢) ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، وله طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره. وقال أحمد أيضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه
стр. 874
عن عائشة ﵂. قالت: لما نزل: (وأنذر عشيرتك الأقربين). قام رسول الله ﷺ فقال: " يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم " (١) ورواه مسلم أيضا. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا محمد بن عبد [الله] الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب. قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ (وأنذر عشيرتك الأقربين، وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥]. قال رسول الله ﷺ : " عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت. فجاءني جبريل ﵇ فقال [لي]: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار ". قال [علي] فدعاني فقال: " يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين [فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره فصمت عن ذلك ثم جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد: إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك] فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عس لبن، ثم أجمع لي بني عبد المطلب " ففعلت فاجتمعوا له يومئذ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله ﷺ منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: " كلوا بسم الله " فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ : " أسقهم يا علي " فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وأيم الله إن كان الرجل ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال لهد ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ . [فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ : " عدلنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدر إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " ففعلت ثم جمعتهم له وصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ أسقهم يا علي، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله أن يكلمهم، بدره أبو لهب لعنه الله إلى الكلام فقال: لهد ما سحركم صاحبكم؟ فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ ] (٢). فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ : " يا علي عدلنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " ففعلت ثم جمعتهم له. فصنع رسول الله ﷺ
стр. 875
كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ : " يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل من ما جئتكم به. إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة " (١). هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه (٢) عن عبد الله بن الحارث به. وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل الأبرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي فذكر مثله. وزاد بعد قوله: " وإني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي " وكذا وكذا. قال فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت ولاني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي فقال: " إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا ". قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع! تفرد به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم وهو كذاب شيعي اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث وضعفه الباقون. ولكن روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن الحسن بن عيسى بن ميسرة الحارثي، عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث. قال: قال علي: لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين). قال لي رسول الله ﷺ : إصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، وإنا لبنا، وأدع لي بني هاشم فدعوتهم وإنهم يومئذ لاربعون غير رجل، أو أربعون ورجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: وبدرهم رسول الله ﷺ الكلام. فقال: " أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي؟ " قال فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال وسكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال أنت؟ قال وإني يومئذ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين. وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم. وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله
стр. 876
الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم. ومعنى قوله في هذا لحديث؟: من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت، وكأنه ﷺ خشي إذا قام بابلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧] الآية والمقصود أن رسول الله ﷺ استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج. يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء. وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول الله ﷺ أحب خلق الله إليه طبعا وكان يحنو عليه ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولاجترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار (١). وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا، فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب. ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب. تتضمن أنه يصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب. قال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه. قال: أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليا فأسلم - قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز [يمشي بين ظهراني الناس] (٢) وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه (٣). وقال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر (٤) الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن (٥)
стр. 877
القطان، حدثنا أبو الأزهر: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمر (١) عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلي. قال: رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت من هذا؟ قيل هذا أبو لهب. ثم رواه من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى (٢). كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى.
وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، وسجاياه، واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى بن (٣) عبد الله عن موسى بن طلحة، أخبرني عقيل بن أبي طالب. قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا. فقال: يا عقيل انطلق فأتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس (٤) - أو قال خنس - يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء. فقال: " ترون هذه الشمس؟ " قالوا نعم! قال: " فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعل (٥) منه بشعلة ". فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا. رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير. ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه (٦) -. ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن
стр. 878
عتبة (١) بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث. أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ . فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق أنا ولا أنت. فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك. فظن رسول الله ﷺ : أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه. فقال رسول الله ﷺ : " يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري (٢) ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الامر برسول الله ﷺ : يا ابن أخي فأقبل عليه، فقال أمض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشئ أبدا. قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسد في التراب دفينا
فأمضي لأمرك ما عليك غضاضة … أبشر وقر بذاك منك عيونا (٣)
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي … فلقد صدقت وكنت قدم أمينا (٤)
وعرضت دينا قد عرفت بأنه … من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة … لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ثم قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا، وفي [كل] ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه (٥). وقال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق [قال]: حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضع (٦) وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله ﷺ فلما قام رسول الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لاجلس له غدا بحجر، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل - لعنه الله - أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا
стр. 879
رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان قبلته الشام (١). فكان إذا صلى صلى بين الركنين الأسود واليماني (٢)، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟ فقال قمت إليه لافعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: " ذلك جبريل، ولو دنا منه لاخذه " (٣). وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر (٤) [محمد بن محمد بن يوسف] الفقيه، حدثنا عثمان [بن سعيد] الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح [قال] حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله علي إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله ﷺ فقرأ (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق) فلما بلغ شأن أبي جهل (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سد أفق السماء علي فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " لو فعل لاخذته الملائكة عيانا ". ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق
стр. 880
به (١). قال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس. قال، مر أبو جهل بالنبي ﷺ وهو يصلي. فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني، فانتهزه النبي ﷺ . فقال جبريل: (فليدع ناديه سندع الزبانية) والله لو دعا ناديه لاخذته زبانية العذاب. وراه (ورواه) أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق داود به (٢). وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلي لاتيته حتى أطأ عنقه، قال فقال: " لو فعل لاخذته الزبانية عيانا ". وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس. قال قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلى عند المقام لأقتلنه، فأنزل الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) حتى بلغ من الآية: (لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية). فجاء النبي ﷺ يصلي فقيل ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم! قال: فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص (٣) على عقبيه، ويتقي بيديه، قال فقيل له مالك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. قال فقال رسول الله ﷺ : " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ". قال وأنزل الله تعالى - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) إلى آخر السورة (٤). وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله [بن مسعود]. قال: ما رأيت رسول الله ﷺ دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه. فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة بن أبي معيط: أنا،